← Акыда

Акыда · id 37433

شرح العقيدة الطحاوية - ناصر العقل

ناصر العقل

Полный текст (1 296 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

وجوب اعتماد كلام الله ورسوله وترك آراء أهل الكلام وأصولهم قال رحمه الله تعالى: [ومن المحال ألا يحصل الشفاء والهدى والعلم واليقين من كتاب الله وكلام رسوله ﷺ ، ويحصل من كلام هؤلاء المتحيرين]. يقصد بهم أهل الكلام؛ لأنه لا يزال الحديث عن المتكلمين، والمتكلمون هم الذي يخوضون في أسماء الله وصفاته وأفعاله وفي ذاته ، وفي مسائل العقيدة وسائر أمور الغيب والأخبار ونحوها، يتكلمون عنها بمجرد الظنون والأوهام والفلسفات والعقليات، ولا يلتزمون ما ورد في النصوص الشرعية. قال رحمه الله تعالى: [بل الواجب أن يجعل ما قاله الله ورسوله هو الأصل، ويتدبر معناه ويعقله، ويعرف برهانه ودليله، إما العقلي وإما الخبري السمعي، ويعرف دلالته على هذا وهذا، ويجعل أقوال الناس التي توافقه وتخالفه متشابهة مجملة، فيقال لأصحابها: هذه الألفاظ تحتمل كذا وكذا، فإن أرادوا بها ما يوافق خبر الرسول ﷺ قُبل، وإن أرادوا بها ما يخالفه رد. وهذا مثل لفظ المركب والجسم والمتحيز والجوهر والجهة والحيز والعرض ونحو ذلك، فإن هذه الألفاظ لم تأت في الكتاب والسنة بالمعنى الذي يريده أهل هذا الاصطلاح، بل ولا في اللغة، بل هم يختصون بالتعبير بها عن معان لم يعبر غيرهم عنها بها، فتفسر تلك المعاني بعبارات أُخر، وينظر ما دل عليه القرآن من الأدلة العقلية والسمعية، وإذا وقع الاستفسار والتفصيل تبين الحق من الباطل. مثال ذلك في التركيب، فقد صار له معان: أحدها: التركيب من متباينين فأكثر، ويسمى: تركيب مزج، كتركيب الحيوان من الطبائع الأربع والأعضاء ونحو ذلك]. الطبائع الأربع في عرف المتقدمين هي الرطوبة واليبوسة والحرارة والبرودة. قال رحمه الله تعالى: [وهذا المعنى منفي عن الله ، ولا يلزم من وصف الله تعالى بالعلو ونحوه من صفات الكمال أن يكون مركباً بهذا المعنى المذكور. الثاني: تركيب الجوار، كمصراعي الباب ونحو ذلك، ولا يلزم أيضاً من ثبوت صفاته تعالى إثبات هذا التركيب. الثالث: التركيب من الأجزاء المتماثلة، وتسمى: الجواهر المفردة. الرابع: التركيب من الهولي والصورة، كالخاتم مثلاً، هيولاه الفضة وصورته معروفة]. الهيولى هنا المقصود بها المادة الأساسية الأولية للشيء في عرف الأولين، أو ما يسمى بالمادة الخام في عرفنا. قال رحمه الله تعالى: [وأهل الكلام قالوا: إن الجسم يكون مركباً من الجواهر المفردة، ولهم كلام في ذلك يطول، ولا فائدة فيه، وهو أنه: هل يمكن التركيب من جزئين، أو من أربعة، أو من ستة، أو من ثمانية، أو ستة عشر؟ وليس هذا التركيب لازماً لثبوت صفاته تعالى وعلوه على خلقه. والحق أن الجسم غير مركب من هذه الأشياء، وإنما قولهم مجرد دعوى، وهذا مبسوط في موضعه. الخامس: التركيب من الذات والصفات، هذا سموه تركيباً لينفوا به صفات الرب تعالى، وهذا اصطلاح منهم لا يعرف في اللغة، ولا في استعمال الشارع، فلسنا نوافقهم على هذه التسمية ولا كرامة. ولئن سموا إثبات الصفات تركيباً؛ فنقول لهم: العبرة للمعاني لا للألفاظ، سموه ما شئتم، فلا يترتب على التسمية بدون المعنى حكم، فلو اصطلح على تسمية اللبن خمراً؛ لم يحرم بهذه التسمية. السادس: التركيب من الماهية ووجودها، وهذا يفرضه الذهن أنهما غيران، وأما في الخارج هل يمكن ذات مجردة عن وجودها، ووجودها مجرد عنها؟! هذا محال. فترى أهل الكلام يقولون: هل ذات الرب وجوده أم غير وجوده؟! ولهم في ذلك خبط كثير، وأمثلهم طريقة رأي الوقف والشك في ذلك، وكم زال بالاستفسار والتفصيل كثير من الأضاليل والأباطيل. وسبب الضلال الإعراض عن تدبر كلام الله وكلام رسوله ﷺ ، والاشتغال بكلام اليونان والآراء المختلفة. وإنما سمي هؤلاء أهل الكلام؛ لأنهم لم يفيدوا علماً لم يكن معروفاً، وإنما أتوا بزيادة كلام قد لا يفيد، وهو ما يضربونه من القياس لإيضاح ما علم بالحس، وإن كان هذا القياس وأمثاله ينتفع به في موضع آخر، ومع من ينكر الحس. وكل من قال برأيه وذوقه وسياسته مع وجود النص، أو عارض النص بالمعقول؛ فقد ضاهى إبليس، حيث لم يسلم لأمر ربه، بل قال: ﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ [الأعراف:١٢]. وقال تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾ [النساء:٨٠]، وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [آل عمران:٣١]، وقال تعالى: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء:٦٥]، أقسم سبحانه بنفسه أنهم لا يؤمنون حتى يحكموا نبيه ويرضوا بحكمه ويسلموا تسليماً].

стр. 457

قياس أهل الكلام ما يتعلق بالله على عالم الشهادة من أسباب خوضهم المذموم خلاصة هذا المقطع: أن أهل الكلام الذين خاضوا في أسماء الله وصفاته وأفعاله وفي ذاته وخاضوا في أمور الغيب؛ كان من أهم أسباب خوضهم في هذه الأمور أنهم قاسوا أفعال الله وصفاته وذاته على ما يعرفونه من عالم الشهادة، أي: من المخلوقات، فلذلك جاءوا بمسألة التركيب والجسمية والتحيز والجوهر والجهة. ويقصد بذلك أن الذين عطلوا أسماء الله وصفاته، أو الذين عطلوها وأولوها لهذه العلل؛ فزعموا أن بعض ألفاظ أسماء الله أو صفاته تدل على التركيب فنفوها أو أولوها. وبعضهم زعم أنها تدل على الجسمية، فبعض أسماء الله وصفاته قالوا فيها: هذه تدل على الجسمية، أو تشعر أو توهم -بتعبيرات مختلفة منهم- فنظراً لذلك تنفى عن الله أو تؤول، وكذلك التحيز والجوهر والجهة والعرض وغيرها من الألفاظ. فالمقصود: أن الذين عطلوا أسماء الله وصفاته -كالجهمية- أو الذين أولوها -كالمعتزلة- ثم الذين ورثوا التأويل عنهم -وهم الأشاعرة والماتريدية- إنما نفوا أسماء الله وصفاته وعطلوها وأولوها بدعوى أنها تنطبق على هذه المصطلحات، وهذا كله رجم بالغيب، بل هو قول على الله بغير علم، فإذا جاز أن تنطبق هذه الأمور على ألفاظ صفات المخلوقات؛ فلا يجوز ذلك في حق الله ؛ لأن الله ليس كمثله شيء. فأسماء الله وصفاته وأفعاله تثبت له تعالى على ما يليق بجلاله، ولا يمكن أبداً بحال من الأحوال أن توهم المشابهة؛ لأن حقائقها تختلف، بل تغاير كل المغايرة حقائق خلق المخلوقات. والطبائع الأربع التي ذكرها هنا هي الرطوبة واليبوسة والحرارة والبرودة، ويقصدون بذلك أن هذه الصفات يتكون منها الحيوان، سواء الإنسان والحيوانات الأخرى ذات الأرواح. وزعموا أن كل صفة تدل على عضو أو توجد في المخلوق فإنها صفة مركب، فمن هنا نفوها عن الله بدعوى أنها تفيد التركيب، كاليد والعين إلى آخره.

стр. 458

موقف الغزالي وابن رشد من الفلسفة وعلم الكلام قال رحمه الله تعالى: [قوله: (فيتذبذب بين الكفر والإيمان، والتصديق والتكذيب، والإقرار والإنكار، موسوساً تائهاً، شاكاً زائغاً، لا مؤمناً مصدقاً، ولا جاحداً مكذباً): (يتذبذب): يضطرب ويتردد. وهذه الحالة التي وصفها الشيخ رحمه الله تعالى حال كل من عدل عن الكتاب والسنة إلى علم الكلام المذموم، أو أراد أن يجمع بينه وبين الكتاب والسنة، وعند التعارض يتأول النص ويرده إلى الرأي والآراء المختلفة، فيئول أمره إلى الحيرة والضلال والشك، كما قال ابن رشد الحفيد -وهو من أعلم الناس بمذهب الفلاسفة ومقالاتهم- في كتابه تهافت التهافت: ومن الذي قال في الإلهيات شيئاً يعتد به؟!]. (تهافت التهافت) رد به ابن رشد على الغزالي، فـ الغزالي الملقب بحجة الإسلام عاش في أول نشأته مع الفلسفة والفلاسفة وأعجب بهم، ثم ترك الفلسفة واعتنى بعلم الكلام على مذهب المتكلمين، وفي هذه الأثناء رد على الفلاسفة بكتاب اسمه (تهافت الفلاسفة)، فرد عليه ابن رشد الحفيد بكتاب سماه (تهافت التهافت)، انتصاراً لمذهب الفلاسفة، وكل من الرجلين ترك الفلسفة وأعرض عنها، بل ترك حتى علم الكلام وأعرض عنه، فـ ابن رشد الذي كان ينتصر للفلاسفة ترك الفلسفة، وأعرض عنها وحذر منها، والغزالي الذي كان فيلسوفاً ترك الفلسفة، وبعد أن انتقل إلى علم الكلام وعاش فيه فترة من عمره تركه ونزع إلى التصوف، ثم لما تعمق في التصوف وجد فيه زلات كباراً، وأدرك أن فيه ما قد يوصل إلى الكفر، فأعرض عن هذه المذاهب كلها، وسلم تسليم العجائز، ومات على هذا المذهب. أما ابن رشد الحفيد فقد أكب على الفقه والعلوم الشرعية، وترك الفلسفة، ولم يكن يوماً من الأيام متكلماً، بل كان يرد على المتكلمين في حياته الأولى الفلسفية، وفي حياته الثانية عندما كان فقيهاً ينزع إلى الفقه، لكن مع ذلك يقول ببعض مذاهب المتكلمين في الصفات وغيرها، بما يخالف أصول المتكلمين التي قننوها وأصلوا فيها بدعهم في التأويل والتعطيل. وله في ذلك رد عظيم جداً وجيد لا يكاد يوجد عند غيره، حتى كان شيخ الإسلام ابن تيمية ومن جاء بعده كثيراً ما ينقلون عن ابن رشد في رده على أهل الكلام، كما ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية: أنه ما رئي أقوى في رد علم الكلام والرد على أهله من كلام ابن رشد. والكلام هنا ممتد، وبعضه مرتبط ببعض، لكن سنستعرض بعض المسائل، ولعلنا نعيد الدرس مرة أخرى، فأرجو ألا ننسى؛ لأنه مترابط يحتاج إلى وقت طويل. والكلام على المتكلمين أمر يحتاج إلى الرجوع إلى أصول أهل السنة والجماعة، وما خالفها من أصول المتكلمين؛ لإثبات التذبذب والشك والحيرة والوسواس والتكذيب والجحود الذي وقع فيه المتكلمون وأشار إليه الشارح هنا. ومن أراد أن يستفيد ويستعجل الفائدة فليرجع إلى درء التعارض لشيخ الإسلام ابن تيمية في المجلد الأول صفحة (١٥٩) وما بعدها، فسيجد العجب العجاب، فما هذا إلا خلاصة موجزة جداً مما وجد في ذلك الكتاب.

стр. 459

تذبذب أهل الكلام وانتهاء أمرهم إلى الإفلاس قوله: (يتذبذب بين الكفر والإيمان) هذا أحسن وصف لحال المتكلمين كما ذكر الشارح؛ لأن المتكلمين يزعمون أنهم على السنة، وهم يختلفون عن الفلاسفة الخلص كـ ابن سينا وابن رشد والفارابي وغيرهم ممن لا يتورعون عن إظهار احتقار الشريعة، واحتقار الأنبياء، فهم كالمستشرقين، فالفيلسوف يعترف بجوانب العظمة في الرسالة النبوية، وبما يبهر ظاهراً، ويقوله ويعتز به، لكنه لا يخضع للوحي ولا يسلم له، ويحصر الشرائع في أنها ظواهر تصلح لعامة الناس، وليست على مستوى العباقرة والمفكرين والعباد الكبار، هذا فهم الفلاسفة للإسلام وللدين والوحي. فهم يعتبرون الوحي مفيداً، والشرائع مفيدة وهامة، لكنها لعامة الناس؛ لأن الأذكياء أمثالهم -كما زعموا- والعباقرة وكبار العباد وكبار الصوفية يستغنون عن الشرائع، وهؤلاء أرقى عند الفلاسفة من الأنبياء، ومذاهبهم أرقى من النبوة، وسلوكهم أرقى من الشريعة، ويصرحون بذلك، وليس عندهم في ذلك أي تحفظ، كـ ابن سينا وابن رشد وابن الفارض والفارابي والسهروردي وكذلك ابن عربي، وابن عربي من أفصحهم في هذه المسألة في كتبه التي كتبها في هذه الأمور. أما أهل الكلام -وهم محل الحديث هنا- فإن عندهم شيئاً من اللبس، فهم يقدسون الشرع ويقدسون الوحي ويقدسون الدين، ويعتبرون للأنبياء منزلتهم، ويعترفون بمبدأ الخضوع للشرع وللدين، لكنهم يزعمون أن الشرع لابد أن يأتي بما يوافق العقل، أي: يضعون للعقل الاعتبار الأول، فمن هنا إذا جاءت بعض المسائل أو النصوص أو القضايا التي يرون أن العقل لا يستوعبها وقفوا فيها حائرين، فلا يثبتونها كما أثبتها الوحي، ولا يستطيعون أن ينفوها نفي التكذيب والجحود كما فعلت الجهمية وغلاة الفلاسفة، فيقفون حائرين؛ إذ لا يعترفون بالنص لأنه يخالف قواعدهم العقلية؛ ولا يستطيعون رده لأنه يخالف عقائدهم في الشرع من حيث إنه عندهم حق وصدق، فمن هنا وقعوا في الاضطراب. وما من متكلم من المتكلمين الكبار هذا مبدؤه إلا وينتهي أمره بالحيرة وإعلان الإفلاس، والخضوع للشرع الخضوع المطلق، لكن بعد فوات الأوان؛ لأنهم تشبعت أفكارهم وعقولهم بعلوم وافدة طارئة محدثة، فلما أرادوا تصحيحها لم يتمكنوا، فسلموا تسليم العجائز كلهم، الرازي، والغزالي، والجويني، والشهرستاني، والخسروشاهي وغيرهم ممن سيأتي ذكرهم، كلهم ينتهون بالتسليم الفطري، أو تسليم العجائز الذي ليس فيه قدرة على إدراك التفاصيل.

стр. 460

ضرر التشبع بما يخالف الكتاب والسنة من العلوم وقد يقول قائل: كيف وهم أذكياء وعباقرة، وأخذوا علوماً منها العلوم الشرعية وتبحروا فيها، كيف لا يدركون تفاصيل العقيدة ويستوعبون ما جاء عن السلف؟ و الجواب أن المتأمل لحالهم يجد أنهم هم وأمثالهم ممن تشبع بعلم يخالف الكتاب والسنة قبل أن يستوعب العقيدة السلمية ويستوعب نصوص الشرع على نهج سليم، وتشبع بأفكار تخالف الكتاب والسنة أياً كانت، سواء كانت فلسفية أو أدبية أو تاريخية أو فكرية أو ثقافية أو غير هذا، يجد أنهم لابد من أن تؤثر تلك العلوم في أفكارهم وسلوكهم، حتى ولو استقاموا وتابوا، وأن تبقى آثارها فيهم إلى أن يموتوا، إلا النادر، والنادر لا حكم له، مع أن النادر استثناء؛ لأن الله على كل شيء قدير. أما التاريخ فلم يثبت لنا أن أحداً ممن تشبع بعلم غير الكتاب والسنة، ثم رجع الكتاب والسنة بقي سليماً أبداً، ولنأخذ مثالاً واحداً: فمن أصدق من رجعوا عن مذاهبهم الباطلة إلى الكتاب والسنة وأبلوا في ذلك بلاء حسناً أبو الحسن الأشعري ﵀، من أصدق من قرأنا له، وسمعنا عنه وعرفناه في التاريخ، واعترف له السلف بصدق رجعته، فقد كان معتزلياً تشبع بالاعتزال حتى الثمالة، وفجأة تاب من الاعتزال وتصدى للمعتزلة وأفحمهم، ويعتبر هو الرجل الثاني بعد الإمام أحمد ﵀ في قمع الجهمية والمعتزلة. ومع ذلك بقيت عنده آثار كلام المعتزلة إلى أن مات، بقيت في مذهبه حتى إنها صارت تكأة للأشاعرة، فدخلوا من سم الإبرة ووسعوه حتى كان أوسع من الباب، وظهر ذلك في نزعته في أفعال الله ، وكلام الله موافقاً في ذلك ابن كلاب، وكذلك نزعته في علم الكلام، حيث قال: إن علم الكلام قد يفيد في رد شبهات المبطلين فقط. فهو يرفض أن يقرر الدين بعلم الكلام رفضاً قاطعاً في كتاب (الإبانة) و (الرسالة إلى أهل الثغر) وغيرهما، فإنه كان يرفض علم الكتاب رفضاً قاطعاً، لكن يقول: إنه قد يفيد في رد شبهات المبطلين. وقد خالفه السلف حتى في هذه، فقالوا: لا يجوز تعلم علم الكلام وإن كان قد يفيد، لا يجوز أن نضع قاعدة أو فتوى في تعلم علم الكلام، أو أنه مشروع تعلمه. وهو خالف في هذه المسألة، ورأى أنه يمكن أن يتعلم علم الكلام من أجل الرد على المتكلمين، وحصل له في ذلك موقف مشهور حينما عارضه في ذلك إمام السنة في ذلك الوقت البربهاري مع ضعف القصة المشهورة، فضيق عليه وطرد من بغداد بسبب إصراره على أن علم الكلام قد يفيد، مع أنه يرى من حيث الاعتقاد أن علم الكلام كله باطل. أقول: هذا شاهد على أنه لا يعرف أن أحداً تشبع بعلم غير الكتاب والسنة ثم رجع إلى الكتاب والسنة، وتاب من ذلك وسلم من أثر وغوائل العلم الذي تشبع به. وهذا هو السبب الذي جعل هؤلاء الكبار من المضطربين، مع أن بعضهم من البحور في العلوم الشرعية الأخرى، تجد الواحد منهم في الفقه وأصول الفقه والتفسير إماماً، بل بعضهم أئمة في الحديث، ومع ذلك تجد فيه نزعة الكلام، فإذا رجع عن علم الكلام لا يهتدي إلى مذهب أهل السنة، لنقاوته وصفاوته ووضوحه وبيانه؛ لأنه قد يكون ذلك -والله أعلم- نوعاً من العقوبة على البدعة، وإن تاب وصلحت حاله.

стр. 461

شرح العقيدة الطحاوية [٣٩] منتهى علم الكلام هو الاضطراب والحيرة والتردد، وهذا هو حال كل من عدل عن الكتاب والسنة إلى علم الكلام المذموم، وقد عرف هذا الأمر حق معرفته كبار علماء أهل الكلام كالآمدي والغزالي، ومن الفلاسفة ابن رشد وغيره، وهذا من أقوى ما يدل على بطلان هذا العلم وفساده.

стр. 462

وصف حال أهل الكلام قال رحمه الله تعالى: [قوله: (فيتذبذب بين الكفر والإيمان، والتصديق والتكذيب، والإقرار والإنكار، موسوساً تائهاً، شاكاً زائغاً، لا مؤمناً مصدقاً، ولا جاحداً مكذباً)]. هذا الوصف وصف حال أهل الكلام، الذين تكلموا في أسماء الله وصفاته وأفعاله، وفي قضايا الغيب والأخبار الغيبية والسمعيات وأمور العقيدة التوقيفية بمجرد عقولهم وقواعدهم الفلسفية والعقلية، ولم يلتزموا أدب الكتاب والسنة في التسليم لله تعالى، والتسليم لرسوله ﷺ ، ولم يلتزموا ما أمر الله به من ترك الجدل والمراء في أمور الغيب. فخاضوا فصار خوضهم كلاماً، بمعنى: أنه ليس بوحي ولا بحق ولا بسنة، إنما هو كلام، فسموا بأهل الكلام، وهذا وصف حالهم، أي: وصف أوضاعهم الخاصة، وصف نفوسهم واضطراب عقولهم كما سيأتي تفصيله. قال رحمه الله تعالى: [يتذبذب: يضطرب ويتردد. وهذه الحالة التي وصفها الشيخ -رحمه الله تعالى- حال كل من عدل عن الكتاب والسنة إلى علم الكلام المذموم، أو أراد أن يجمع بينه وبين الكتاب والسنة، وعند التعارض يتأول النص ويرده إلى الرأي والآراء المختلفة، فيئول أمره إلى الحيرة والضلال والشك].

стр. 463

الرد على شبهة المتكلمين في الجمع بين ما ورد في الكتاب والسنة ومقررات العقول قبل أن يأتي بالأمثلة نقف عند هذه المسألة وقفة يسيرة حول إشارته إلى أن شبهة المتكلمين الذي خاضوا في أمور العقيدة وأمور الغيب أنهم أرادوا أن يجمعوا بين ما ورد في الكتاب والسنة، وبين مقررات العقول، زعماً منهم بأنه ما دام الكتاب والسنة لا يعارضان العقول؛ فلابد من الجمع فيما يظهر التعارض بينهما فيه. وهذا أمر مبني على تصور فاسد أصلاً، وسيأتي سبب هذا التصور الفاسد في ذكر حالهم، فهو مبني على قولهم بأن هناك من مقررات العقول ما يتعارض مع ما ورد في الكتاب والسنة، وأنه لابد من الجمع بين هذا التعارض، فلما أرادوا الجمع ما جعلوا الكتاب والسنة هما الحكم، إنما جعلوا مقررات العقول هي المحتكم، فما وافقها أخذوا به بزعمهم وظنهم، وما خالفها من الكتاب والسنة أولوه. مع أن الأصل -كما سبق- أنه لا يتوهم أبداً، ويستحيل في ضوء الفطر والعقول السليمة أن يكون هناك تعارض بين ما جاء في الكتاب والسنة وبين العقول السليمة والفطر المستقيمة؛ لأن هذا من أمر الله وخبره، وهذا من خلق الله، ولا يمكن أن يتعارض خلق الله مع أمره وخبره أبداً. إذاً: قد يرد التعارض، بمعنى أنه قد يظن ظان أن هناك تعارضاً، فإذا ورد فإنما هو شبهة في ذهن المتوهم، وهذه الشبه تحتاج إلى دفع، وأسلوب دفعها ليس الجمع بين الكتاب والسنة وبين أوهام البشر، بل رد كل ما يرد عن البشر إلى الكتاب والسنة، فما وافق الكتاب السنة أخذنا به، وما لم يوافقهما رددناه، وما أشكل علينا توقفنا فيه، على أن نسلم بأن ما جاء في الكتاب والسنة حق، وأن سبب الإشكال هو قصور عقولنا عن إدراك معاني الكتاب والسنة. إذاً: لا يمكن أن هناك تعارض، وإذا تصور أحد من الناس أن هناك تعارضاً بين الكتاب والسنة وبين ما في ذهنه وعقله أو ما يسمعه ويقرؤه؛ فإنما هذا توهم في ذهنه وفي عقله القاصر لا في الوحي، ولا يمكن أن يكون الوحي محكوماً عليه أبداً بقصور البشر وزبالة أذهانهم؛ لأن الله كامل، وكلامه كامل، والوحي جاء من الله، وهو معصوم، والنبي ﷺ معصوم فيما يقول، والمعصوم لا يمكن أن يتطرق إلى ذهنه الخطأ والنسيان والسهو، فضلاً عن ضعف الرأي أو القول بما يتعارض مع العقول. إذاً: فالمتهم هو عقل البشر المحدود قطعاً، ولا يمكن أن يرد النقص أو التقصير في كلام الله تعالى ولا كلام رسوله ﷺ . وإذا سلمنا بهذا المبدأ -وهو مقتضى الإسلام، ومقتضى التسليم والإيمان- فإنا سنحكم بأن كل كلام جاء في هذه الأمور بغير ما ورد في ألفاظ الكتاب والسنة إنما هو باطل قطعاً، وإن التبس فيه الحق بالباطل فهذا الالتباس يفصل فيه، فيرد الحق إلى الكتاب والسنة، والباطل يرد على أهله، ويرد على صاحبه.

стр. 464

عظات وعبر من أقوال وأحوال الفلاسفة وعلماء الكلام

стр. 465

مقولة ابن رشد فيما قيل في الإلهيات قال رحمه الله تعالى: [كما قال ابن رشد الحفيد -وهو من أعلم الناس بمذاهب الفلاسفة ومقالاتهم- في كتابه: (تهافت التهافت): ومن الذي قال في الإلهيات شيئاً يعتد به؟!]. قول ابن رشد هذا في الحقيقة قاعدة عظيمة، قال بها رجل عاش الفلسفة دهراً من عمره، بل إنه بذل مهجته وخلاصة عمره ووقته في خدمة الفلسفة والدفاع عنها، حتى إنه رد على الغزالي الذي يسمى بالحجة، رد عليه حينما كتب كتابه المشهور: (تهافت الفلاسفة)، فرد ابن رشد عليه بتهافت التهافت؛ انتصاراً للفلسفة ولأهلها وأصحابها، وانتهى به المطاف إلى إعلان إن الفلسفة لا فائدة فيها البتة، بل إنه نفى أن يكون هناك من قول الفلاسفة كله ما يعتد به على الإطلاق، لذلك قال هذه الكلمة العظيمة التي لو قيلت من خصوم الفلاسفة لقيل بأنها مبالغة، ولقيل بأنها تهور وحكم قاس. لكن قالها فيلسوف عاش الفلسفة وانتصر لها، وكتب فيها وعرفها عن جدارة عند المتخصصين، وأخيراً يعلن الإفلاس ويقول قوله هذا، بل إنه ألف كتاباً عظيماً في الرد على المتكلمين، وهذا الكتاب موجود، ويعتبر أعظم رد على المتكلمين، حتى أفاد منه شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم ونقلا عنه كثيراً، مع أنَّه فيه ما فيه، لكنه نظراً لأنه مارس الفلسفة وعايشها، ثم مارس علم الكلام وعايشه؛ رد على هؤلاء وهؤلاء، وانتصر للحق، وإن كان لم يوفق في كثير من الأمور، لكنه أجاد في إقامة الحجة العقلية على المتكلمين والفلاسفة ورد عليهم، ونسف أصولهم بمعاولهم التي بنوا بها تلك الأصول؛ وذلك في كتابه المشهور: (الكشف عن مناهج الأدلة)، وهذا الكتاب مطبوع وموجود، ويعتبر في رده على المتكلمين أعظم رد عرف إلى يومنا هذا بعد رد شيخ الإسلام ابن تيمية. يقول في عبارته المشهورة: ومن الذي قال في الإلهيات شيئاً يعتد به؟! بمعنى: أن كل ما قيل في الإلهيات غير ما في الكتاب والسنة لا يعتد به، وهذا حق، والإلهيات هي تعبير عن أمور العقيدة التي تتعلق بالله في ذاته سبحانه، وأفعاله وصفاته وأسمائه، ومن الإلهيات: الأخبار الإلهية الأخرى التي وردت فيها أمور الغيب. وابن رشد هذا ﵀ حسنت حاله في آخر حياته، وانكب على الفقه، وطلب العلم الشرعي، وأجاد فيه وأفاد وصنف، وكان يكتب فيه مصنفات جيدة ومفيدة إلى يومنا هذا، ومن أهمها (بداية المجتهد ونهاية المقتصد) في الفقه في المذاهب، وفي ترجيح الأقوال، وهو من أحسن الكتب التي يقرؤها طلاب العلم اليوم.

стр. 466

حيرة الآمدي في المسائل الكبار قال رحمه الله تعالى: [وكذلك الآمدي أفضل أهل زمانه، واقف في المسائل الكبار حائر]. الآمدي من أعقل أهل زمانه بأمور المتكلمين، وأفضلهم في علم الكلام، وله أيضاً إسهام جيد في العلوم الأخرى، خاصة في أصول الفقه، له إسهام جيد، وغالب المتكلمين الذين كانوا من الفقهاء كانوا فيما يتعلق بالعلوم الشرعية ممن أجادوا وأفادوا، ولهم إسهام طيب، مع أن عليهم أخطاء وملاحظات، لكن اجتهاداتهم في الغالب توافق اجتهادات الأئمة، كـ الجويني أبي المعالي وابن رشد والآمدي وغيرهم. كل منهم له إسهام في العلوم الشرعية، لكن حينما أخذوا نفس المقاييس والموازين العقلية التي اجتهدوا بها في نصوص الشرع وطبقوها على نصوص العقيدة أخطئوا وابتدعوا ووقعوا فيما وقعوا فيه. فـ الآمدي واقف في المسائل الكبار، أي: كبار المسائل الكلامية فيما يتعلق بأسماء الله وصفاته في العلو والفوقية والرؤية، وما يتفرع عن هذه المسائل، وكذلك بعض مقدمات الكلام التي تكلموا فيها، مثل الكلام عن العرض والجوهر والجسم والمباينة والمفاصلة والحدود والغايات، والجهات إلى آخر ذلك. كل هذه الأمور تعتبر مسائل كبار عند المتكلمين، تقصوا فيها وتكلموا وتبحروا، وكلما تبحروا ازدادوا إفلاساً وتيهاً، فمنهم من أنقذه الله ورجع، ومنهم من مات على حيرته وأعلن حيرته، ومنهم من هلك ولم يعرف عنه شيء.

стр. 467

إعراض الغزالي عن الطرق الكلامية واشتغاله بالحديث في آخر حياته قال رحمه الله تعالى: [وكذلك الغزالي ﵀، انتهى آخر أمره إلى الوقف والحيرة في المسائل الكلامية، ثم أعرض عن تلك الطرق وأقبل على أحاديث الرسول ﷺ ، فمات والبخاري على صدره]. الغزالي بدأ حياته بالفلسفة، ثم عرج على علم الكلام، ونقد الفلسفة، وزعم أن عند المتكلمين فيما يخالفون فيه الفلاسفة ما ليس عند الفلاسفة، وأنهم أفضل؛ لأنهم أقرب إلى الكتاب والسنة نوعاً ما من الفلاسفة. ثم بعد تعمقه في علم الكلام وصل إلى الطريق المسدود الذي وقف عنده الآمدي ووقف عنده الجويني ووقف عنده الشهرستاني وغيرهم، فنزع للتصوف، وغرق فيه، ثم إنه لم يصل إلى ما يشفي غليله في التصوف، فخرج من التصوف وأعلن إفلاسه في هذه الأمور كلها، وسلم تسليم العجائز، ولم يهتد إلى تفصيلات عقيدة السلف، لكنه سلم تسليماً مجملاً بأن السلف هم الذين كانوا على الحق، مع أنه كان في كتبه يقرر المذاهب كلها ولا يذكر عقيدة السلف، حتى إنه مرة من المرات قال: إن الحق لا يعدو أربعة مذاهب، فذكر المذاهب الباطلة كلها إلا مذهب السلف، فذكر الفلسفة وعلم الكلام وذكر التصوف، وذكر مذهباً رابعاً. ثم تردد وشك في الصحيح من هذه الأربعة، هل هو طريق الفلاسفة، أم طريق المتكلمين، أم طريق المتصوفة، ثم انتهى إلى أن طريق المتصوفة هي الطريق الصحيحة، وما ذكر طريق السلف أبداً لا ابتداء ولا انتهاء، وهذا دليل -بل فيه عظة وعبرة- على أن من تنكب الصراط وخرج عن نهج أهل السنة والجماعة قد لا يهتدي إلى السنة ولا يعرفها، حتى وإن مرت عليه أو سمعها لا يفقهها، ولا يفقه قلبه الحق، وهذا مما يدل على أن أهل البدع إذا أصروا على بدعهم يصرفون عن الحق، فيسمعون الحق فلا يعقلونه، وهذا واقع كثير من أهل البدع، بل واقع كل أهل البدع المغلظة الذين يصرون على بدعهم، واقعهم أنهم لا يهتدون إلى الحق، وإن سمعوا بالحق وعقيدة السلف فإنهم يفهمونها معكوسة، يفهمون أنها هي الباطل، فبذلك يكثر لمزهم للسلف وسبهم لهم وتشنيعهم عليهم. وفي موقف الغزالي عبرة، فإنه حينما رجع عن هذه الأمور كلها ما اهتدى إلى تفاصيل عقيدة السلف، وإن كان سلم تسيلماً مجملاً، لكنه ما اهتدى إلى التفاصيل، فبقي على ما عليه العوام، فذلك أكب على قراءة كتب السنة، ومن ضمنها صحيح البخاري، حتى قيل: إنه مات ﵀ وصحيح البخاري على صدره، ونرجو أن يكون بذلك -إن شاء الله- قد تاب توبة نصوحاً. لكن ينبغي أن نأخذ من مثله العبرة بعد تيه طويل وعمر مديد قضاه في متاهات على شهرته وذكائه وقدرته وإسهاماته في العلوم الكثيرة، إلا أنه ما اهتدى يوما ًإلى أن يعرف تفاصيل عقيدة السلف؛ لأن الله صرفه عن ذلك باعتناقه لعقائد أهل الكلام. ومع ذلك فالرجل فيه خير كثير، ونرجو إن يكون -إن شاء الله- قد تاب وحسنت توبته، وله من العلوم ما هو نافع، وله من العلوم ما فيه شيء من الأخطاء والانحرافات كما هو معروف.

стр. 468

شرح العقيدة الطحاوية [٤٠] الفخر الرازي هو المؤسس الأول لأصول الكلام منذ عصره إلى يومنا هذا، ولم يأت بعده من يفوقه ولا من يقاربه، ولا يزال المتكلمون من الأشاعرة والماتريدية يعيشون على أصوله التي قررها، هذا الرجل انتهى به الأمر إلى ترك علم الكلام، والنصح لغيره بعدم الانشغال والخوض فيه، وقال في آخر أمره: ومن جرب مثل تجربتي عرف مثل معرفتي.

стр. 469

الفخر الرازي وتعبيره البليغ عما ابتلي به من علم الكلام قال رحمه الله تعالى: [وكذلك أبو عبد الله محمد بن عمر الرازي، قال في كتابه الذي صنفه في أقسام اللذات: نهاية إقدام العقول عقال وغاية سعي العالمين ضلال وأرواحنا في وحشة من جسومنا وحاصل دنيانا أذى ووبال ولم نستفد من بحثنا طول عمرنا سوى أن جمعنا فيه قيل وقالوا فكم قد رأينا من رجال ودولة فبادوا جميعاً مسرعين وزالوا وكم من جبال قد علت شرفاتها رجال، فزالوا والجبال جبال لقد تأملت الطرق الكلامية والمناهج الفلسفية، فما رأيتها تشفي عليلاً، ولا تروي غليلاً، ورأيت أقرب الطرق طريقة القرآن، أقرأ في الإثبات: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥]، ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ [فاطر:١٠]، وأقرأ في النفي: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١]، ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ [طه:١١٠]، ثم قال: ومن جرب مثل تجربتي عرف مثل معرفتي]. هذا الكلام للرازي يعد من أعظم الكلام في الرد على المتكلمين من لسان واحد من أكابرهم، ولا أظن أحداً ممن لم يجرب علم الكلام ويبتلى به يستطيع أن يعبر هذا التعبير المؤثر البليغ في رد الكلام وفي وصف أهله وحالهم. فالذي عانى ويعاني غير من لم يعان ولم يجرب، ولو تأملنا معاني هذه القصيدة لوجدنا فعلاً معاني صادقة في الوصول إلى هذه النتيجة المؤلمة، وهي الحيرة والاضطراب والندم الشديد، ولقد -والله- نصح المتكلمين بنصيحة عظيمة من مجرب. ويعد الرازي -بدون منازع- المؤسس الأول لأصول الكلام منذ عصره إلى يومنا هذا، ولم يأت بعده من يفوقه ولا من يقرب منه، ولا يزال المتكلمون من الأشاعرة والماتريدية يعيشون على أصوله وعلى مبادئه التي قررها. وكتبه شاهدة لذلك ومن أبينها (تأسيس التقديس)، فإنه أسس فيه مناهج أهل الكلام التي اعتمدوا عليها بعده، ومع ذلك وبعد عمر طويل أفناه في خدمة الكلام وأهله وفي الكتب المطولة في الفلسفة وعلم الكلام؛ ينتهي إلى هذه النهاية، ثم ينصح قومه، فيقول: ومن جرب مثل تجربتي عرف مثل معرفتي.

стр. 470

وقفات مع تصوير النهاية المؤلمة للمتكلمين في كلام الرازي في قصيدته نرجع إلى القصيدة، فالقصيدة -في الحقيقية كما قلت- فيها أبلغ تعبير يصور النهاية المؤلمة للمتكلمين والإفلاس الذي يصلون إليه بعد عناء طويل، حينما تكلموا في ذات الله وأسمائه وصفاته وأفعاله، وفي سائر أمور الغيب والسمعيات بمجرد الفلسفة والعقليات والظنيات، ظناً منهم أنهم سيصلون إلى الحق بأدلة وبراهين قاطعة، وأخيراً يتبين لهم أنهم لم يصلوا إلى الحق، وأن أدلتهم وبراهينهم ليست قاطعة، بل وهمية، ويتبين لهم أن طريقة القرآن في الإثبات والنفي -وهي طريقة السلف- هي الطريقة السليمة التي تستقيم معها العقول وترتاح لها الفطرة، ويسلم فيها الدين والذمة والضمير. يقول: (نهاية أقدام العقول عقال): وقصده بذلك أن إقدام العقول وجرأتها على الغيبيات تنتهي في الأخير إلى العقال، وهو الحبل الذي يقيد به الجمل لئلا يتحرك، فكأنه يقول: إن العقول إذا اقتحمت أمور الغيب؛ فإنها تقيد وتصل إلى نهاية تأسرها عن أن تنطلق إلى الحق وصفاء الفطرة. فنهاية إقدام العقول على ما لا تدركه عقال، يعني: أنها تقف حائرة لا تستطيع أن تمشي خطوة إلى الحق ولا إلى المنهج السليم. يقول: (وغاية سعي العالمين ضلال): وهذا تعبير عن واقع المتكلمين، يظنون أن الناس كلهم تبع لهم، وأن العالمين ينتظرون من هؤلاء العباقرة المفكرين النتيجة التي يرتاحون إليها في عقيدتهم. فيقول: وغاية سعي العالمين في هذا المجال من فلاسفة ومتكلمين وغيرهم ضلال، أي: آخر ما ينتهون إليه الضلالة، وهذا فعلاً واقع المتكلمين. ثم قال بتعبير نفسي لا أظن أحداً ممن لم يجرب يستطيع أن يعبره: (وأرواحنا في وحشة من جسومنا)؛ لأنه جعل روحه تسيح فيما لا طاقة لها به فتقلق وتعيش عيشة النكد؛ لأنه يبحث عن الحق فلا يجده، وأي إنسان ينشد الحق ثم لا يجده لابد من أن يعيش في قلق، إلا إذا اعتصم بالله ، وبكتابه وسنة رسوله ﷺ ، فإنه لابد حينئذٍ من أن يسلم تسليم الموقن المرتاح الضمير، أما من لم يفعل ذلك فإنه لا يهدى ولا يستطيع أن يسلم تسليم الموقن؛ لأنه ترك طريق اليقين. يقول: (وحاصل دنيانا أذىً ووبال). هذا حاصل ما سعوا إليه في دنياهم، غاصوا في علم الكلام، ثم أخيراً ما وجدوا إلا الأذى والوبال، أذى الضمير وأذى النفس وأذى الروح، ووبال الشكوك ووبال الترهات والظنون والأوهام التي تجعل الإنسان يعيش في حيرة، فربما توصله حيرته إما إلى الكفر وإما إلى الإفلاس، وإما إلى التسليم بالفطرة التي يسلم بها أجهل الناس وعامتهم من العجائز ونحوهم. يقول: (ولم نستفد من بحثنا طول عمرنا): يقصد نفسه وأمثاله، وإلا فالذين يطلبون العلم على نور مستفيدون، لكنّه يعبر عن نفسه وعن أمثاله، فيقول: ولم نستفد من بحثنا طول عمرنا سوى أن جمعنا فيه قيل وقالوا وهذا والله صحيح، فكتبهم مليئة بهذا، وكان هو من أكثر الناس افتراضاً للقول، إذا ما وجد عند الفلاسفة وعند المتكلمين الذين سبقوه قولاً افترض هو افتراض الظن من عند نفسه، فيقول: فإن قيل قلنا، وإن قالوا قلنا إلى آخره، كما تجده في تفسيره. وكثيراً ما يعتز بهذا، يثير الشبهة ولا يعالجها، بل أحياناً يثير الشبهة ويرد عليها، ثم إذا رد وانتهى من الرد وكاد يقنع القارئ قناعة وهمية، قال: ويرد على هذا إشكال، ثم يورد على القناعة إشكاله. وهذا معنى قوله: (قيل وقالوا)، فما عند المتكلمين إلا قيل وقالوا، أما (قال الله وقال رسوله) فهذا مما جفوه وابتعدوا عنه. يقول: فكم قد رأينا من رجال ودولة فبادوا جميعاً مسرعين وزالوا هذا شعور كل إنسان، فكل إنسان حينما يستعرض ماضيه يجد أن الدنيا تطوى من ورائه، لكن فرق بين شعور وشعور، فالسليم العقيدة المرتاح الضمير لا ينزعج من انطواء الدنيا خلفه، بل يزداد حباً للخير وإقبالاً على الله ، ويعرف أن هذا مصير الإنسان، فالدقيقة -بل الثانية- والستون سنة سواء بالنسبة لما مضى، كلها مضت لا تستطيع أن تفرق بينها، فمساحتها واحدة في الذهن، لكن المؤمن الذي ينشد ما عند الله ، وعمل خيراً واستقام على عقيدة سليمة، ويرجو أن يبلغه الله ليزداد خيراً في عمره؛ فإنه يأسف على ما فات، فإن كان ما فاته تفريط، فإنه يحاول أن يستدرك، وإن عمل خيراً فإنه يأمل من الله أن يجزيه عليه خيراً. يقول: وكم من جبال قد علت شرفاتها رجال فزالوا والجبال جبال هذا تصوير بديع يدل على قوة المعاناة عند هذا الرجل، ويدل أيضاً على صدق الرجعة عنده؛ لأنه رجع عن مواقفه السابقة. فهو يصور الحق الذي يتمثل في الكتاب والسنة وما جاء الله به وما جاء به رسوله ﷺ بالجبال، فهذه الجبال حاول رجال من الناس أن يقهروها، فارتقوها إما ليهدموها وإما ليزعزعوها وإما ليقهروها بأي نوع من أنواع القهر، وأخيراً زال الإنسان ومات وبقيت الجبال، فإما أن يكون قد عجز عن مصادمة الحقائق وبقي الحق حقاً، وإما أن يكون حاول أن يصل إلى نهاية الحقيقة ولم يصل. فالجبال بمعنى الحق الذي لا يتزعزع ولا ينقلب، وهناك من حاول أن يشكك فيه،

стр. 471

كلام الرازي: لقد تأملت الطرق الكلامية والمناهج الفلسفية ودليله على إفلاس أهل الكلام ثم يقول: (لقد تأملت الطرق الكلامية والمناهج الفلسفية فما رأيتها تشفي عليلاً ولا تروي غليلاً): والطرق الكلامية هي المسالك التي حاول بها أن يثبت أن طريقة المتكلمين هي الحق، والمناهج الفلسفية: مناهج الفلاسفة، وقد عانى فعلاً، وعايش مناهج الفلاسفة؛ فوافقهم في أشياء وخالفهم في أشياء، لكنه في النهاية ما رآها تشفي العليل، أي: مرض القلب الذي في كثير من الشاكين من المتكلمين، وكذلك لا تروي الراغب والنهم في حب الكلام وأهله. ذلك أن علم الكلام علم يستهوي صاحبه، فإذا قرأ المبتدئ الذي عنده شيء من الذكاء كتب المتكلمين فإنه في الغالب يعجب وينبهر، ويجد أنه بحاجة إلى أن يصل إلى حقائق ما قالوه، فيشعر بشيء من الاندفاع والتمادي مع الكلام ومع الفلسفات، وتستمر هذه الأمور حتى يظن أنه على الحق أو أنه يكاد يصل إلى الحق، وفي النهاية يجد الطريق مسدوداً. يقول: (ورأيت أقرب الطرق طريقة القرآن)، وكأنه اكتشفها! وما عرف أن هذا ما عليه أئمة السلف وأئمة الأمة كلها وأهل السنة الذين لم يعانوا من هذه المشكلات ولم يدرسوا علم الكلام ولا وقعوا فيه. فكأنه ظن أنه بعد معاناته الطويلة اكتشف أن طريقة القرآن هي الطريقة السلمية، فلذلك لم يوفق إلى معرفة تفاصيل الحق مثل السلف، إنما وفق لأن يعرف أن أسلوب القرآن هو الأسلوب السليم فقط، وهو عدم الخوض، والإيمان بالأمور الغيبية بإجمال. يقول: (أقرأ في الإثبات)، أي إثبات الصفات وإثبات الغيبيات: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥]، ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ [فاطر:١٠]، فقوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] فيه إثبات الاستواء لله ، وقوله تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ [فاطر:١٠] فيه إثبات العلو لله . يقول: (وأقرأ في النفي: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١]، ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ [طه:١١٠]). وهذه بدهيات عند عامة أهل السنة، لكنه ما أدركها إلا بعد مرحلة طويلة من عمره وهو في سن الشيخوخة، وإلا فمن البدهي أن الحق إثبات ما أثبته الله لنفسه، ونفي ما نفاه الله عن نفسه. ثم قال: (ومن جرب مثل تجربتي عرف مثل معرفتي)، هذا إن وفق، وإلا فنسأل الله العافية، وألا نجرب مثل هذه التجربة. لكنَّه يقصد من ابتلي، فإنه إذا سلك هذا المسلك، فبحث عن الحق، ولم يصل إليه، ثم وفق وهدي؛ فسيعرف هذه المعرفة، لكن ليس كل من ولج هذا الطريق يوفق للتوبة. ليس كل من ولج هذا الطريق يوفق للتوبة، بل الغالبية من الهالكين، نسأل الله السلامة، ودليل ذلك أن أكثر المتكلمين لم يستفيدوا من قول رائدهم وقائدهم وأولهم وعمدتهم وهو الرازي، ما استفادوا أبداً، مع أنه قال لهم: الطريق مسدود، وأمامكم مهلكة، وأنا قد رأيت ورأيت، إلا أن بعضهم أبى إلا أن يسقط في الهاوية، بل أكثرهم إلى اليوم لم يستفيدوا من هذا الكلام مع إجلالهم للرازي وتقديرهم له، فهم لا يزالون يقررون كتبه التي ندم عليها وتراجع عنها وحذر منها، لا يزالون يعتمدنها في مذهبهم وفي طريقتهم، نسأل الله العافية، ونسأل الله السلامة.

стр. 472

شرح العقيدة الطحاوية [٤١] مما يدل على فساد علم الكلام وبطلانه حيرة أهله واضطرابهم فيه، ووصولهم إلى طريق مسدود لم يعرفوا فيه ما يعتقدون، فبعضهم لا يدري ما يعتقد، وبعضهم يموت على عقائد عجائز نيسابور، وبعضهم ينتهي به الأمر إلى أنه لا يعرف شيئاً، ثم أجمعوا كلهم على النصح لأصحابهم بترك هذا الطريق، وسلوك طريق السلف أتباع الكتاب والسنة، فلله ما أشد حيرتهم واضطرابهم! وهذا جزاء كل من أعرض عن الكتاب والسنة ونهج سلف الأمة.

стр. 473

مقالات لأرباب علم الكلام في تصوير الحيرة والاضطراب والندم الحاصل في حياتهم قال رحمه الله تعالى: [وكذلك قال الشيخ أبو عبد الله محمد بن عبد الكريم الشهرستاني: إنه لم يجد عند الفلاسفة والمتكلمين إلا الحيرة والندم، حيث قال: لعمري لقد طفت المعاهد كلها وسيرت طرفي بين تلك المعالم فلم أر إلا واضعاً كف حائر على ذقن أو قارعاً سن نادم وكذلك قال أبو المعالي الجويني ﵀: يا أصحابنا! لا تشتغلوا بالكلام، فلو عرفت أن الكلام يبلغ بي إلى ما بلغ ما اشتغلت به. وقال عند موته: لقد خضت البحر الخضم، وخليت أهل الإسلام وعلومهم، ودخلت في الذي نهوني عنه، والآن فإن لم يتداركني ربي برحمته فالويل لـ ابن الجويني، وهأنذا أموت على عقيدة أمي، أو قال: على عقيدة عجائز نيسابور. وكذلك قال شمس الدين الخسروشاهي -وكان من أجل تلامذة فخر الدين الرازي - لبعض الفضلاء وقد دخل عليه يوماً، فقال: ما تعتقد؟! قال: ما يعتقده المسلمون، فقال: وأنت منشرح الصدر لذلك مستيقن به؟! أو كما قال، فقال: نعم، فقال: اشكر الله على هذه النعمة، لكني -والله- ما أدري ما أعتقد، والله ما أدري ما أعتقد، والله ما أدري ما أعتقد، وبكى حتى أخضل لحيته. ولـ ابن أبي الحديد الفاضل المشهور بالعراق: فيك يا أغلوطة الفكر حار أمري وانقضى عمري سافرت فيك العقول فما ربحت إلا أذى السفر فلحى الله الألى زعموا أنك المعروف بالنظر كذبوا إن الذي ذكروا خارج عن قوة البشر وقال الخونجي عند موته: ما عرفت مما حصلته شيئاً سوى أن الممكن يفتقر إلى المرجح، ثم قال: الافتقار وصف سلبي، أموت وما عرفت شيئاً. وقال آخر: أضطجع على فراشي وأضع الملحفة على وجهي، وأقابل بين حجج هؤلاء وهؤلاء حتى يطلع الفجر، ولم يترجح عندي منها شيء]. هذا الكلام امتداد لوصف حال المتكلمين، والسعيد من وعظ بغيره، ونسأل الله السلامة والعافية. وهؤلاء الذين ذكرهم الشارح ﵀ ليسوا من المغمورين أو من صغار الحائرين الذين قد لا يؤبه بقولهم ولا بكلامهم، بل هؤلاء من أئمة وأساطين علم الكلام الكبار، الذين رسموا علم الكلام لأهله إلى يومنا هذا، ومع ذلك هذا مصيرهم وهذا تعبيرهم عن نهاية خوضهم وعن نهاية كدهم طول أعمارهم، وهو -والله- تعبير فيه العبرة والعظة لمن اعتبر، لكن من لم يرد الله له الهداية فلا تنفع فيه موعظة، نسأل الله السلامة والعافية.

стр. 474

الشهرستاني وتعبيره عن النهاية المؤلمة لأهل الكلام والشهرستاني هو ممن عرفتم في شهرته في تقرير علم الكلام وانتصاره له، وفي استنقاصه للسلف وكلامه فيهم وتجاهله لمذهبهم، وإعجابه بالكلام والفلسفة، ومع ذلك ينتهي إلى هذه النهاية المؤلمة التي أعلن عنها في آخر المطاف، فقد ذكر أنه لم يجد عند الفلاسفة والمتكلمين إلا الحيرة والندم -نسأل الله السلامة- حيث قال: لعمري لقد طفت المعاهد كلها وسيرت طرفي بين تلك المعالم يعني مدارس الفكر الكلامي والفلسفي والخوض في مثل هذه الأمور، بمعنى: أنه جرب ودرس وتشرب هذه المذاهب كلها، وحاول أن يعرف طريق الحق، وأخيراً عبر التعبير الرائع الذي لا يعبره إلا من عانى، فقال: (فلم أر إلا واضعاً كف حائر)، وهذا تصوير عظيم، (على ذقن أو قارعاً سن نادم). وكلا الأمرين مؤلم ومؤسف، الحيرة والندم.

стр. 475

أبو المعالي الجويني ناصح مشفق ونادم على ما سلكه من علم الكلام ثم أبو المعالي الجويني، وهو من هو في جلالته وقدره وعلو شأنه في سائر العلوم، إلا أنه زل في بعض مسائل الاعتقاد وترك سبيل السلف إعجاباً بالكلام وأهله، ثم خاض بحر الكلام الخضم، وأخيراً مع علمه وعقله ينتهي إلى هذه النهاية المؤلمة التي حار فيها ورجع كما رجع غيره، حتى إنه نصح من سبقوه ومن لحقوه، وخاصة اللاحقين والمعاصرين له، نصحهم بأن يستفيدوا من تجربته، وهو رائدهم في وقته، بل وبعد وقته، فـ أبو المعالي يعتبر من الرواد الكبار لعلم الكلام ومن مؤسسيه، ولا يزال المتكلمون إلى يومنا هذا من أشاعرة وماتريدية ومن نحا نحوهم يعولون على أبي المعالي في الكلاميات التي قررها بعقله وبقواعده الفلسفية التي أنشأها أو قلد فيها غيره، وكذلك بأسلوبه في مخالفة نهج السلف. ثم بعد ذلك ندم ورجع ونصح قومه لعلهم يتعظون، فقال: (يا أصحابنا!) يعني: يا أهل الكلام، أو: يا من يسمعون منا، أو: يا أهل مذهبي في الفقه! (لا تشتغلوا بالكلام)، وهذه -والله- نصيحة ممن اشتغل بالكلام، لو جاءت من إنسان آخر لقيل: هذا خصم للكلام، ومن الطبيعي أن يقال هذا، لكن الجويني -كما قلت-: رائد من رواده، ثم يقول هذا الكلام! فهذا أمر فيه موعظة. قال: (لا تشتغلوا بالكلام، فلو عرفت أن الكلام يبلغ بي إلى ما بلغ) أي: من الحيرة والندم والافتراء (ما اشتغلت به). ثم قال عند موته: (لقد خضت البحر الخضم) بحر الكلام ومتاهاته التي لا نهاية لها، (وخليت أهل الإسلام وعلومهم)، وأهل الإسلام أهل السنة ولا شك، وعلومهم علوم الكتاب والسنة التي تقف عند النصوص فيما يتعلق بالعقائد، وهو ما خلى أهل الكلام في غير العقيدة، حيث نجد أنه في الفقه والتفسير وغيرهما سار على نهج الأئمة ونهج السلف، لكن في العقيدة خلى أهل السنة وعلومهم. قال: (ودخلت في الذي نهوني عنه)، وهذا يدل على أنه كان هناك من يقوم بالحجة على الخلق وينهى عن المنكر، فلا شك في أنه نهي، وهذا دليل على أنه وجد من نهاه وحذره وأشفق عليه. قال: (والآن إن لم يتداركني ربي برحمته فالويل لـ ابن الجويني). نسأل الله السلامة (وهأنذا أموت على عقيدة أمي، أو قال: على عقيدة عجائز نيسابور) عقيدة الفطرة، وهذا اعتراف ضمني بأنه مع تركه علم الكلام لم يوفق لفقه عقيدة السلف على جهة التفصيل، ولو وفق لها ما شعر بهذه الحيرة، وأي إنسان يعدل عن الحق بإصرار فإنه ولو تاب قد لا يوفق لأن يرجع إلى الحق كمن عاش في أحضان الحق منذ نشأته. لذلك ينبغي أن يحذر طالب العلم من أن يؤسس علومه على غير نهج شرعي سليم؛ فإنه يخشى عليه من أن يتأثر فيصعب عليه الرجوع، حتى وإن تاب فإنه يصعب عليه استيعاب مذهب السلف، وقد ذكرت سابقاً -ومن خلال هذه النماذج- أن كل الذين رجعوا من أهل الكلام عن الكلام وسلموا بالسنة واعترفوا لمنهج أهل السنة بأنه حق، كلهم لم يوفقوا بالرجوع إلى السنة كما كان أصحابها عليها، إنما بالتسليم المطلق والقناعة التي عليها العجائز والعوام الذين لا يدركون إلا البدهيات والأمور الفطرية العامة، وهذا اعتراف من واحد من أكابرهم.

стр. 476

الخسروشاهي لا يدري ما يعتقد وقال الخسروشاهي -وهو كذلك من كبارهم، ومن تلاميذ الرازي - لبعض الفضلاء من أهل العلم الذين زاروه، وقد دخل عليه يوماً، ويظهر أن الزائر ممن شرب من علم الكلام، ويظهر أنه من أهل السنة، سواء كان من عوامهم أو من متعلميهم، قال له: ما تعتقد؟ فانظر إليه عند هذه اللحظة الحرجة يسأل هذا السؤال وهو متكلم كبير يزعم أنه هو الذي يقرر حقائق الدين، ثم يسأل سؤالاً لا يسأله إلا مستريب أو جاهل أو شاك أو محتار! وهو فعلاً من المحتارين. فمن الطبيعي أن يجيب هذا الرجل الفاضل بالجواب العادي الذي يلامس العقل السليم، فقال: ما يعتقده المسلمون، فهو يحسن الظن بالمسلمين، وأن المسلمين -إن شاء الله- كلهم على خير. وهذا جواب حكيم، يقول: ما عندي إلا ما يعتقده المسلمون، أي: العقيدة الحقة، فقال الخسروشاهي: وأنت منشرح الصدر بذلك ومستيقن به؟! فانظر إلى حاله نسأل الله العافية! فاقد لليقين قلق مضطرب، لا يجد فيما يعتقد من الأمور الكلامية التي خاض فيها وترك بها نهج السلف ما يشفي غليله ولا ما يغرس في قلبه اليقين والثقة بالعقيدة، بحيث يلقى الله على ثقة بدينه. فعبر عن شكه، وقال: وأنت منشرح الصدر لذلك ومستيقن به؟! أو كما قال، فقال المسئول: نعم، فقال الخسروشاهي: اشكر الله على هذه النعمة، أي: لأنك مستيقن ما عندك ريب ولا شك، ثم يقول: لكني -والله- ما أدري ما أعتقد، والله ما أدري ما أعتقد، والله ما أدري ما أعتقد، نسأل الله العافية، أقسم أيماناً ثلاثة على أنه لا يدري ما يعتقد بسبب الكلام الذي خاض فيه، وقال: إن هذا هو الحق اللازم الذي لابد منه إلى آخره، مع أنه كان قد سب السلف ولمزهم واتهمهم بالتجسيم والتشبيه والحشوية إلى آخره، وأخيراً يرجع إلى هذه الحال التي لا هو رجع فيها إلى القول الذي كان يستهدي به ووفق إليه، ولا هو وجد اليقين الذي كان يسعى إليه، نسأل الله السلامة.

стр. 477

ابن أبي الحديد تائه في معرفة ربه وراد على المتكلمين وكذلك ابن أبي الحديد الفاضل المشهور في العراق، كان على طريقة الفلاسفة والصوفية، والفلاسفة والصوفية مع أنهم يزعمون حينما خاضوا في أمور الاعتقاد وأسماء الله وصفاته أنهم يسعون إلى تنزيه الله حتى نفوا ما أثبته الله لنفسه وما أثبته له رسوله ﷺ ، مع ذلك يخاطبون الله كأنهم يخاطبون المخلوق، كما في أبيات ابن أبي الحديد، ففيها يخاطب ربه وكأنه يخاطب أحداً من المخلوقات، يقول: فيك يا أغلوطة الفكر حار أمري وانقضى عمري سافرت فيك العقول فما أي: عقول الفلاسفة والذين أرادوا أن يخوضوا في ذات الله وأسمائه وصفاته بغير علم. (فما ربحت إلا أذى السفر) أما المؤمنون الذين علقوا قلوبهم بالله وآمنوا بالله كما يليق بجلال الله ؛ فإنهم لم يشعروا بأذى هذا السفر، بل تلذذوا بلذة السفر إلى الله . (فلحى الله الألى زعموا): وهنا يدعو على نفسه وعلى أمثاله، فيقول: فلحى الله الألى زعموا أنك المعروف بالنظر وكلمة (المعروف بالنظر) تأكيد على أنه يقصد المتكلمين؛ لأن المتكلمين قالوا: إن الله يعرف بالنظر، بمعنى: أنه لا يمكن أن تعرف الله حقيقة المعرفة إلا بفكرك، ولا تعول على الفطرة ولا على الوحي ولا على آيات القرآن والسنة ولا على ما تربيت عليه من نهج الهدى ودين الفطرة الذي نشأت عليه بين والديك والمسلمين، إنما عليك أن تنظر وتتفكر، فلذلك أغلب المتكلمين قالوا: أول واجب على العبد إذا بلغ سن الرشد أن ينظر ويتفكر: من ربه؟ وهل صحيح أن الرب هو الخالق؟ فإن كان هو الخالق فما صفاته وما أفعاله؟ إلى آخره. ولا يعولون على العبادة، بل يقفون عند قول: هل هو موجود أم غير موجود؟ وإذا كان موجوداً، فهل هو خالق أم غير خالق؟ فينتهون إلى هذا الحد ولا يصلون إلى شيء، فيقولون: أول ما يجب على العبد إذا بلغ أن ينظر ويفكر، فلما قيل لهم: ليس أحد يستطيع أن ينظر ويفكر بتفكيراتكم ويصل إلى نتيجة، بل تتوارد عليه الشكوك فيهلك؛ قال بعضهم: إذاً: لا نقول: الواجب النظر، بل الواجب على العبد إذا بلغ أن يقصد إلى النظر، فيحاول، فإن استطاع وإلا فهو معذور، أي: يحاول أن يشك ويضطرب في عقيدته، ثم يخرج عن دين الفطرة الذي نشأ عليه. والدين الحق الذي قرره الكتاب والسنة وعليه السلف أن الإنسان المسلم إذا نشأ بين أبوين مسلمين فإنه مستصحب لحال الإسلام، فإذا بلغ خمس عشرة سنة كتبت عليه أعماله، ويكفيه ما عرفه من شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ولوازم ذلك، بل حتى تجديد الشهادة لا يلزمه، فلا يلزم أن يقال له: أنت بلغت، إذاً: اشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله؛ لأنه بفطرته شاهد وبتربيته شاهد وبعيشه بين المسلمين شاهد وعالم، فلا داعي لأن نجدد الشهادتين. إذاً: فمن باب أولى ألا نلجئه إلى أن يفكر في وجود الخالق ومن الذي خلق ولماذا خلق إلى آخر ذلك من الأمور التي أراح الله منها العباد، وكلفهم بفعل الطاعات وترك المعاصي، ولم يجعل هذه الأمور إليهم، بل جعلها من مقتضيات الفطرة السليمة والعقل السليم. يقول: كذبوا إن الذي ذكروا خارج عن قوة البشر يعني: النظر، أي: أن الاعتقاد لا يكون بالتفكير، يقول: إن هذا خارج عن قدرة البشر؛ لأن البشر لا قدرة لهم على التفكير في الغيبيات وأمور القدر، والأمور المعضلة التي إن لم توصل إلى التشكيك فإنها لن توصل إلى اليقين.

стр. 478

الخونجي لا يهتدي إلى معرفة الحق لغبش علم الكلام وكذلك الخونجي عبر عن أمثاله من أهل الأهواء وأهل الكلام الذين خاضوا في الكلام يريدون الحقيقة فلم يصلوا إلى أي حقيقة. قال: ما عرفت مما حصلته شيئاً سوى أن الممكن يفتقر إلى المرجح، ثم اعترض على القاعدة على طريقة الرازي والمتكلمين، يضع المرء منهم قاعدة ثم يعترض عليها ويورد عليها الشكوك، ولذلك كل قاعدة عقلية في الغيب لابد من أن يرد عليها من الشكوك ما ينسفها من قائلها ومن مقررها. فكل قاعدة عقلية في الغيب لابد من أن يرد من قائلها أو ممن كان على هذا المذهب ما يشكك به فيها، أما أمور الفطرة وأمور العقل السليم والشرع؛ فإنه لا يمكن أن يرد فيها التشكيك إلا من مريض القلب. وقولهم: إن الممكن يفتقر إلى المرجح فلسفة أصحابها ما وصلوا فيها إلى نتيجة، ويمكن أن نعبر بالتعبير اليسير لمفهومها عندهم، فهم يقولون بأن هذا العالم المخلوق ممكن الوجود؛ لأنه لا يعقل أن يكون أوجد نفسه؛ ولأنا نرى من مظاهر الكون ومظاهر الأحياء أن هناك ما يحدث وهناك ما يفنى من هذه المخلوقات، فما يحدث يدل على أنه لم يكن ثم كان، إذاً: هو ممكن، وما يفنى يدل على أنه كان ثم لم يكن، إذاً: هو ممكن، ويمكن أن يحدث مرة أخرى مثله أو هو نفسه. إذاً: كل الخلق ممكن الوجود، فنشأ عنده إشكال آخر، وهو أن الممكن هذا يحتاج إلى ما لا يمكن أن يخضع لهذا التصور، فلابد من أن يكون لهذا الممكن الذي يوجد ويفنى ويحدث وينقضي موجد، والموجد إذا كان ممكناً وقعنا في الدور، فالممكن يحتاج إلى ممكن إلى ما لا نهاية. إذاً: لابد من مرجح، وهو الذي وجوده لا يفتقر إلى غيره، يقصدون بذلك الله ، ويسمونه هم: واجب الوجود، يعني: لازم الوجود، وليس المراد الواجب الشرعي، فهم أقل الناس اهتماماً بالواجبات الشرعية، بل أصحاب مصطلح (واجب الوجود) لا يؤمنون بالشرائع، فهم يقصدون بواجب الوجود اللازم وجوده عقلاً، ويسمونه المرجح. ثم قال: الافتقار وصف سلبي، أي: افتقار المخلوقات إلى خالق وصف سلبي، وكأنه يرى أن عظمة هذا الكون تقتضي عدم وجود الوصف السلبي إلى آخره، ثم انتهى إلى لا شيء، نسأل الله السلامة والعافية، فقال: أموت وما عرفت شيئاً. هكذا قال. وقال آخر -وذكر أنه الحموي كما ورد في درء التعارض لشيخ الإسلام ابن تيمية -: أضطجع على فراشي. فانظر كيف حاله نسأل الله السلامة! فبدلاً من أن يذكر الله ويقرأ أوراده وينام نوماً هنيئاً بعقيدته السلمية الصافية يجلس حائراً طول الليل وينتهي إلى لا شيء. يقول: أضطجع على فراشي وأضع الملحفة على وجهي، وأقابل بين حجج هؤلاء وهؤلاء -أي: من المتكلمين- حتى يطلع الفجر، ولم يترجح عندي منها شيء! وهكذا يعيش عمره بهذه الترهات التي الكلام فيها متاهات والخوض فيها متاهات والنهاية منها متاهات، نسأل الله السلامة والعافية. فهذا تصوير لحال المتكلمين لا يمكن أن يعبر عنه غيرهم، وفي ذلك عبرة وعظة للمتعظين، لكن من يتعظ؟! ومن عافاه الله سيجد في ذلك العبرة والعظة، لكن من ابتلي بالكلام فقد لا يتعظ -نسأل الله السلامة- إلا إن وفق وكان قصده فعلاً أن يبحث عن الحق، دليل ذلك أن كثيراً من المتكلمين المعاصرين الآن بدءوا يرفعون راية الكلام منتصرين لهذا المنهج، ومنتصرين لهذا الاتجاه بمؤلفات وكتب ومحاضرات، ويشنون الحملة تلو الحملة على أهل الحق والاستقامة، ويتهمونهم بالتحجر والتشبيه والتجسيم والحشوية من جديد كما فعل أسلافهم، وبدءوا يهتمون بكتب أهل الكلام خاصة كتب هؤلاء الذين ذكرهم الشارح، فهناك طائفة من المتكلمين المعاصرين بدءوا يعنون بهذه الكتب وينشرونها على أنها البديل ضد التيار السلفي، وهذه مصيبة وداهية؛ إذ لم يتعظوا بمن سبقهم ولم يأخذوا بنصيحة المشفقين من شيوخهم ولا من أهل السنة والجماعة، لكن الأمر لله من قبل ومن بعد.

стр. 479

شرح العقيدة الطحاوية [٤٢] قال أبو يوسف ﵀: من طلب الدين بالكلام تزندق، وحكم الإمام الشافعي على أهل الكلام بأن يضربوا بالجريد والنعال، ويطاف بهم في القبائل والعشائر، ويقال: هذا جزاء من ترك الكتاب والسنة وأقبل على الكلام، وهذا حكم عادل يليق بأهل الكلام الذين بدلوا وأولوا وحرفوا ما هو معلوم في الكتاب والسنة بالدلائل القطعية، ومن جملة ما أولوه ونفاه بعضهم رؤية الله تعالى في الجنة، مع أنها ثابتة بالدلائل القطعية من الكتاب والسنة.

стр. 480

علم الكلام في نظر أعلام أهل السنة

стр. 481

طلب الدين بالكلام زندقة عند أبي يوسف رحمه الله تعالى قال رحمه الله تعالى: [ومن يصل إلى مثل هذه الحال إن لم يتداركه الله برحمته وإلا تزندق، كما قال أبو يوسف ﵀: من طلب الدين بالكلام تزندق، ومن طلب المال بالكيمياء أفلس، ومن طلب غريب الحديث كذب]. قوله: (من طلب الدين بالكلام تزندق)؛ يقصد: أن من بدأ علمه بأخذ علم الكلام قبل أن يتعلم العلوم الشرعية التي تبني العلم على أسس سليمة، أو كان نصيبه من القراءة في علم الكلام أكثر من غيرها، أو بدأ يقرأ في هذه الأمور قبل أن يشتد عوده وهو حديث السن؛ فإنه في الغالب يزيغ نسأل الله السلامة، وهذا الكلام لم يكن مجرد ظن من أمثال أبي يوسف، بل كان واقعاً يحكي نهج أهل الكلام قديماً وحديثاً، فما من إنسان يؤسس معلوماته على غير العلوم الشرعية في الدين -خاصة العقيدة- إلا تلوث فكره وانحرفت فطرته ونهج غير نهج المؤمنين وغير نهج السلف؛ لأن علم الكلام موضوعاته تتعلق بقضايا العقيدة، فهي تستهوي القارئ، ويظن أن علم الكلام وسيلة لفهم الحق ولفهم العقيدة السليمة، فمن هنا ينجرف من حيث إنه يظن أنه على هدى وعلى طريق مستقيم، وقد قلت سابقاً: الغالب أن علم الكلام يستهوي المبتدئ ويستهوي غير المتفقه في الدين، بمعنى: أنه يجد فيه ما يعجبه، فيعيش في خيالات وأحلام وأوهام يظنها حقائق، وتكبر في نفسه ويملكه الإعجاب بهذا المسلك وهذا المنحى وبكلام المتكلمين؛ لأنه يزينه له الشيطان من ناحية؛ ولأنه يبحث في قضايا غريبة طريفة تستهوي المطلع، فيتمادى معها أحياناً بمجرد حب الاستطلاع والوصول إلى نتائج الكلام، وأحياناً يشربها قلبه فيظن أنها حق فيتمادى فيها، ويصير عنده شيء من النهم، فكلما قرأ أحب الازدياد من القراءة، ولذلك فالذين يسلكون هذا المسلك في قراءة كتب الكلام أو كتب الفلسفة أو كتب الأدب غير المنضبطة يدمنون القراءة على هذه الأمور ولا يستطيعون الخروج منها غالباً، وتستهويهم بحيث لا يستطيع المرء منهم التخلص منها، وإذا قرأ غيرها يشعر أنه لا يستفيد، وأن العلوم الأخرى جافة غير مفيدة، وليس فيها جديد إلى آخره. فهذه السمة موجودة إلى اليوم في الفلاسفة أو المحبين للفلسفة والمحبين لعلم الكلام وللكتب غير النافعة، ككتب القصص غير الموجهة، وكتب الفن، وكتب الأدب المنحرف، كلها تستهوي القراء في الغالب وتهلكهم أيضاً في الغالب، إلا من عصم الله، وما من أحد يأخذ هذه العلوم بأكثر من قدر العلوم الشرعية إلا صار عنده شيء من اللوثة في دينه وفي سلوكه، إذاً: الغالب أن من طلب الدين بالكلام يصل به الأمر إلى التزندق إما جزئياً وإما كلياً. قوله: (ومن طلب المال بالكيمياء أفلس) يقصد به ظاهرة كانت موجودة قديماً، وهي أن كثيراً ممن كانوا يتعلمون الكيمياء يستخدمونها في خداع الناس ويراهنون على ذلك، وعوام الناس الذين لا يعرفون هذا العلم يظنون أنه نوع من السحر أو نوع من الدجل، ولا يعرفون أن هذا من الأمور العلمية، فيأتي من عنده شيء من الكيمياء فيراهن على أن يقلب هذا العنصر إلى عنصر آخر، أو هذا الماء من سائل إلى جامد، أو هذا اللون من لون إلى لون، فأكثر الناس الذين ليس عندهم إلمام يقولون له: لا تستطيع، ليس بمعقول، فيراهن، ويجعل هذه وسيلة لكسب الرزق، وكان بعضهم يجلس في الساحات وفي الطرقات من أجل المراهنة مع الجمهور ويكسب بذلك طريقة للعيش يعيش بها على حساب السذج. فـ أبو يوسف يقول: من فعل ذلك أفلس؛ لأن مصدره غير سليم، والغالب أن من كان مصدره المالي غير شرعي تكون نهايته الإفلاس كما يفعل هؤلاء، وكثير من الدجالين وكثير من المتسولين وإن ملكوا من الدنيا الكثير حالهم حال المفلس، ونهايتهم إلى فقر، ويزيدهم الله فقراً مادام طلبهم العيش عن هذه الطرق غير الصحيحة. يقول: (ومن طلب غريب الحديث كذب)، يقصد: أن كثيراً من أهل الأهواء والبدع يلتمسون غرائب الحديث وغرائب النصوص وشواذ الفتاوى وشواذ الأحكام وشواذ المواقف بدعوى أنهم يريدون أن يطلعوا عليها، والحقيقة أنهم في الغالب يريدون أن يلبسوا بها على الناس، ثم إن من دخل هذا الباب فأنه -في الغالب- يصاب بنفس المرض، يعني: إذا طلب غريب الحديث -سواء ما يتعلق بالأحاديث المكذوبة مثلاً أو بالأحاديث التي فيها نوع من الإشكال أو الاشتباه أو غيرها- وولج في هذا الباب وأكثر منه فلابد أن يتأثر على نحو يجعله يتعلق ببعض الإشكالات، فتثير في نفسه الشك، أو تجعله ممن يثيرون الشكوك بدعوى أن عنده علماً وأن عنده طرائف، وأن عنده أشياء ليست عند الناس، فيقع في هذه الظواهر التي تئول بالإنسان إلى الكذب والدجل والشك والريب.

стр. 482

حكم الإمام الشافعي في أهل الكلام قال رحمه الله تعالى: [وقال الشافعي رحمه الله تعالى: حكمي في أهل الكلام أن يضربوا بالجريد والنعال، ويطاف بهم في القبائل والعشائر، ويقال: هذا جزاء من ترك الكتاب والسنة وأقبل على الكلام. وقال: لقد اطلعت من أهل الكلام على شيء ما ظننت مسلماً يقوله، ولأن يبتلى العبد بكل ما نهى الله عنه -ما خلا الشرك بالله- خير له من أن يبتلى بالكلام. انتهى]. كلام الإمام الشافعي رحمه الله تعالى في عقوبة المتكلمين كلام ثابت، وله -أيضاً- عبارات أخرى تشبه هذه العبارات، وسبب ذلك أن الشافعي ﵀ ممن تصدى لأوائل الجهمية والمعتزلة، تصدى لهم وناقشهم، مثل: حفص الفرد وغيره، ناقشهم وجرت بينه وبينهم مجادلات ثم قطع باب المناقشة؛ لأنه رأى أن مناقشة أهل الكلام تمرض، حتى إنه نهى عن جدالهم بعدما جرب، وأشار إلى الموضوعات التي يقولونها ويطرحونها على الناس، وأنها موضوعات خطيرة في الدين، بمعنى: أن المتورع -بل المسلم العادي صاحب الفطرة- ينفر من مقولاتهم؛ لأنها تتعرض لقضايا خطيرة فيها أولاً: إساءة أدب مع الله ، وفيها ثانياً: خوض في القدر، وفيها ثالثاً: خوض في الغيبيات التي لا يعلمها إلا الله . فكل مسائل أهل الكلام تدور حول الكلام في الله ، وفي ذاته وأسمائه وأفعاله بغير علم وبسوء أدب، وبكلام لا يليق بالبشر مع البشر، فكيف به في حق الله ؟! والشافعي ﵀ تورع من أن يذكر شيئاً مما سمعه وناقشهم فيه؛ لأنه يرى أن مجرد حكايته فيه إساءة أدب مع الله ، بل أحياناً فيه قدح في ذات الله وأسمائه وصفاته وسب لله تعالى، فمن هنا ما مثل ولا ذكر؛ لأنه تورع عن أن يذكر مقولاتهم، وسنجتنب ما اجتنبه الشافعي، لكن أشير إلى قاعدة عندهم تعرفون بها مدى إساءة الأدب مع الله، فالمعتزلة والجهمية كثير من كلاهم يدور على إلزام الله بلوازم، ولن أذكر هذه اللوازم؛ لأنها شنيعة، وأيضاً القول بأن الله لا يفعل كذا، فلن أذكر هذه الأفعال، لكنهم ذكروها، بل أحياناً يقولون: لا يستطيع أن يفعل كذا، ويقولون: يجب على الله أن يفعل كذا! تعالى الله! ويجوز له أن يفعل كذا! ويجب عليه ألا يفعل! إلى آخر ذلك من الأمور التي هي ترهات لو قيلت في بشر لاعتبر هذا من أعظم إساءة الأدب، فكيف وقد قيلت في الله ؟! هذا مما أشار إليه الشافعي، كما أنه يقصد أموراً أخرى عظاماً يتورع المسلم عن مجرد حكايتها، فلذلك قال: (لأن يبتلى العبد بكل ما نهى الله عنه ما خلا الشرك بالله) ولا أظن هذه مبالغة؛ لأنه ترجى له التوبة لو ابتلي بأي شيء مما نهى الله عنه ما خلا الشرك (خير له من أن يبتلى بالكلام)؛ لأن الذي يبتلى بالكلام قل أن يوفق للخير والهداية إلا نادراً؛ لأنه يعيش في أحلام، ثم إنه في الغالب يتمادى به الجدل والخصام إلى أن يمتهن هذا المسلك ويحترفه حرفة ويظن أنه على الحق، ويظن أن هذه عبادة، حتى إنه أثر عن كبار المتكلمين الأوائل من المعتزلة -مثل عمرو بن عبيد وواصل بن عطاء - أنهم في رحلاتهم كانوا يقصدون العلماء ومجالس العلم في البلاد لمجرد الجدل والنقاش لا لتلقي العلم، كما ورد عن عمرو بن عبيد أنه مرة ذهب إلى مكة، فكان ذهابه مع وجود أيوب السختياني ﵀ أحد أعلام الأمة وأعلام السنة، فقارن أحد الناس الذين تنبهوا بين سلوك الرجلين، فذكر أن عمرو بن عبيد كان يجلس في البيت الحرام، ثم بعد صلاة العشاء يطلب من يناظره في بدعته، فيجلس يناظر الواحد تلو الآخر إلى الفجر، حتى إنه مرة لما صلى الفجر وانتهى من الصلاة بعد نقاش طول الليل قال لمن ناقشوه: إن بقي عندكم شيء فهاتوه بعد صلاة الفجر! نسأل الله السلامة. فهذا المقارن ذكر في المقابل أيوب، يقول: كان إذا صلى العشاء يقوم إلى الفجر يصلي! وهذه هي المقارنة الصحيحة التي بها نعرف الفرق بين أحوال القوم، فهذا يجادل ويظن أنه على الحق، ولا تظنوا أنه يعتقد أن جداله بالباطل، بل يظن أنه ينصر الحق، ويظن أن هذا أعظم الجهاد، وأنه أعظم من الجهاد بالسيف، ويرى أنه أعظم أجراً من أيوب السختياني الذي يقوم من العشاء إلى الفجر يصلي، بل يحقر هذا الاتجاه والسلوك، وهذا ما يفعله كثير من المتحذلقين والمجادلين في عصرنا ممن يظنون أنهم يحسنون صنعاً، وممن قد ينتسبون إلى الدعوة إلى الله، تجد كلامهم ثرثرة ولا يملون من الثرثرة، ولو وجدوا من يسهر معهم ويواصل الكلام في الأمور والإشكالات التي لا يقدر عليها إلا العلماء الفحول، ومع ذلك تجد هذا الصنف من الذين يحبون الكلام وعلم الكلام يضيعون وقتهم ووقت الأمة في صراعات كلامية، وتفريخ عاطفي لا قيمة له.

стр. 483

بيان عموم ذم الإمام الشافعي لعلم الكلام ودفع تخصيصه بقوم معينين وهنا تعليق على كلام الإمام الشافعي رحمه الله تعالى، حيث يقول المعلق: [ذكره البيهقي في مناقب الشافعي وعلق عليه بقوله: إنما أراد الشافعي ﵀ بهذا الكلام حفصاً وأمثاله من أهل البدع، وهذا مراده بكل ما حكي عنه في ذم الكلام وأهله، غير أن بعض الرواة أطلقه، وبعضهم قيده، وفي تقييد من قيده دليل على مراده، ثم نقل عن أبي الوليد بن الجارود قوله: دخل حفص الفرد على الشافعي وكلمه، ثم خرج الإمام الشافعي وقال لنا: لأن يلقى الله العبد بذنوب مثل جبال تهامة خير له من أن يلقاه باعتقاد حرف مما عليه هذا الرجل وأصحابه. وكان يقول بخلق القرآن، ثم قال: وهذه الروايات تدل على مراده بما أطلق عنه فيما تقدم وفيما لم يذكر هاهنا، فكيف يكون كلام أهل السنة والجماعة مذموماً عنده وقد تكلم فيه وناظر من ناظره فيه وكشف عن تمويه من ألقى إلى سمع بعض أصحابه من أهل الأهواء شيئاً مما هم فيه]. هذا الكلام محتمل غير واضح؛ لأن بعض الأئمة يدخل في الكلام والمناظرات والجدال بالحق، وهذه مسألة لن نقف عندها كثيراً، وإن كان السياق يشعر بأن علم الكلام الذي عند الأشاعرة جائز، وأنه لا يقصده الشافعي، وهذا غير وارد لأمرين: الأمر الأول: أن الشافعي سبق هؤلاء المتكلمين، فالمتكلمون الذين نعنيهم ما ظهروا إلا في القرن الرابع الهجري وما بعده، والأوائل هم الجهمية والمعتزلة، وهم على طريقة واحدة في الأصول وإن اختلفوا في الجزئيات، فأصول الكلام عند متكلمة الأشاعرة والماتريدية هي أصول الكلام عند الجهمية والمعتزلة، إنما هناك اختلاف في التفصيلات وفي وجوه المسائل فقط. فعلى هذا فإن ذم الشافعي لا شك في أنه ينصرف إلى علم الكلام جملة وتفصيلاً، وينصرف إلى اللاحقين والسابقين. الأمر الثاني: أن الشافعي حينما تكلم تكلم بكلام مطلق في أكثر من موقف، تكلم عن حفص وعن غير حفص، ثم إنه بنفسه توقف عن مجادلتهم وهو يجادل باسم الحق، ونصح الناس بألا يجادلوهم، وموقفه هذا دليل على أن قصده علم الكلام مطلقاً. ومع ذلك نحسن الظن بكلام البيهقي؛ لأن البيهقي ربما يدخل في الكلام مجادلة أهل الأهواء ومناظرتهم بالحق، فبعض أهل العلم فعلاً يجعل ذلك من الكلام الجائز؛ لكن نظراً لأنه اصطلاح تقرر في القرن الرابع وما بعده؛ فلابد من أن يحمل كلام الشافعي على الظاهر الكائن في وقته، أما بعد وقته فمن التعسف أن نجر كلامه عليه. وليس بصحيح كلام الذين يزعمون أن الشافعي أو غيره ممن ذموا علم الكلام قد لا يقصدون هذا الكلام، مثل الذين قالوا: إن علم الكلام هو مذهب الأشاعرة سواء بسواء، أو قالوا بأن الأشاعرة والماتريدية مذهبهم مذهب فلان وفلان ممن سبقوهم، مع أن هذا المذهب لم يطرأ إلا بعد القرون الفاضلة، فلم يعرف مذهب الأشاعرة في الكلام ولا مذهب الماتريدية إلا في بداية القرن الرابع، فنسبة هذه المذاهب إلى من سبقوا في القرون الثلاثة الفاضلة مغالطة، بل جناية على أهل السنة وعلى أئمة الدين.

стр. 484

اللياذ بما قاله طبيب القلوب ﷺ طريق إلى عافيتها قال رحمه الله تعالى: [وتجد أحد هؤلاء عند الموت يرجع إلى مذهب العجائز، فيقر بما أقروا به، ويعرض عن تلك الدقائق المخالفة لذلك التي كان يقطع بها، ثم تبين له فسادها أو لم يتبين له صحتها، فيكونون في نهاياتهم إذا سلموا من العذاب بمنزلة أتباع أهل العلم من الصبيان والنساء والأعراب. والدواء النافع لمثل هذا المرض ما كان طبيبُ القلوب صلوات الله عليه وسلامه يقوله إذا قام من الليل يفتتح صلاته: (اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل، فاطر السماوات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك؛ إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم)، خرجه مسلم. توسل ﷺ إلى ربه بربوبية جبريل وميكائيل وإسرافيل أن يهديه لما اختلف فيه من الحق بإذنه، إذ حياة القلب بالهداية، وقد وكل الله سبحانه هؤلاء الثلاثة بالحياة، فجبريل موكل بالوحي الذي هو سبب حياة القلوب، وميكائيل بالقطر الذي هو سبب حياة الأبدان وسائر الحيوان، وإسرافيل بالنفخ في الصور الذي هو سبب حياة العالم، وعود الأرواح إلى أجسادها، فالتوسل إلى الله سبحانه بربوبية هذه الأرواح العظيمة الموكلة بالحياة له تأثير عظيم في حصول المطلوب، والله المستعان]. ينبغي أن يحرص المسلم دائماً على التمسك بمثل هذا الدعاء، فأدعية النبي ﷺ هي أفضل الأدعية لمناسباتها، ولذلك نجد أن أكثر ألفاظ الرسول ﷺ في الأدعية تناسب ما جاءت له، كدعاء الاستغاثة، واستنزال المطر، ودعاء الكرب، والأوراد التي كان يقولها النبي ﷺ صباحاً ومساءً من القرآن وغيره، والأدعية التي يرقي بها بعض الأمراض أو عامة الأمراض، ومثل هذا الدعاء الذي يتعلق بما يختلف فيه الناس أو ما يشكل على المسلم في دينه وأمور العقيدة، فلذلك ينبغي على كل مسلم وكل طالب علم أن يتعلم ويعلم الناس تعلق قلوبهم بمثل هذه الأدعية الواردة عن النبي ﷺ لمناسباتها، فإنها أفضل من الأدعية التي تنشأ على غير فقه، ولا يعني هذا أن الأدعية الأخرى لا تجوز، بل باب الدعاء مفتوح، وكل يدعو بما يتيسر له، ما لم يعتد في الدعاء، وما لم يدع بألفاظ مشتبهة أو بدعية. لكن أقول: إن الأدعية المأثورة بمناسباتها لا شك في أنها أعظم وأبلغ، بل إن التمسك بها سنة، ولذا فإن مثل هذا الدعاء من أعظم الأدعية التي تناسب الأحوال التي يكثر فيها اختلاف الناس واختلاف المسلمين في الفتن والخلافات التي تعصف بالناس أحياناً أو يضطرب فيها المسلمون، أو يشكل الأمر والخلاف فيها على الكثير منهم أو على شبابهم، فلذلك في مثل هذا الوقت الذي طرأت فيه بعض الخلافات حول كثير من مسائل الدين ينبغي التمسك بمثل هذا الدعاء والإكثار منه؛ لأنه -بإذن الله- وسيلة إلى الوصول إلى الحق وإلى الطريق المستقيم كما ورد في هذا الحديث.

стр. 485

امتناع صحة الإيمان برؤية الله وسائر صفاته حال تأويلها قال رحمه الله تعالى: [قوله: (ولا يصح الإيمان بالرؤية لأهل دار السلام لمن اعتبرها منهم بوهم أو تأولها بفهم؛ إذ كان تأويل الرؤية وتأويل كل معنى يضاف إلى الربوبية ترك التأويل ولزوم التسليم، وعليه دين المسلمين، ومن لم يتوق النفي والتشبيه زل ولم يصب التنزيه)]. قبل أن نبدأ بالشرح نعطي بياناً مجملاً لمعاني هذه الكلمات أو هذه العبارات؛ لأنه سيشرحها الشيخ شرحاً متفرقاً. يقول: (ولا يصح الإيمان بالرؤية لأهل دار السلام لمن اعتبرها منهم بوهم أو تأولها بفهم)، أي: يخشى على الذين ينكرون الرؤية ألا يروا ربهم؛ لأنهم يحرمون من الجنة بسبب كفرهم بإنكار هذا الأمر القطعي، فهو يقصد أنه يخشى الحرمان على من أنكر الرؤية من دخول الجنة ومن أن يرى ربه سبحانه. قوله: (إذ كان تأويل الرؤية وتأويل كل معنى يضاف للربوبية ترك التأويل). يقول: التأويل الشرعي أو التفسير الحقيقي لهذه المعاني -مثل الرؤية وأسماء الله وصفاته وسائر معاني الربوبية- تفسيرها ترك التأويل، يقصد أن التفسير الحقيقي الذي عليه السلف هو ترك التأويل الممنوع، فهو هنا أتى بعبارة موهمة، كأنه يقول: التأويل ترك التأويل، ويقصد بذلك أن التأويل الحقيقي هو أن أترك التأويل البدعي، بأن نؤمن بها على حقائقها دون أن نلجأ إلى تفسيرها تفسيراً غير سليم. و (لزوم التسليم) أي: التصديق بأنها حق. وقوله: (ومن لم يتوق النفي والتشبيه زل ولم يصب التنزيه)، يقول: من لم يحاذر أن ينفي ما أثبته الله من الرؤية والصفات وغيرها؛ فإنه يزل عن الحق، وكذلك من حاول التشبيه، أي: من لم يحاذر من تشبيه الله تعالى بالخلق، فإنه أيضاً يزل ولا يصيب التنزيه.

стр. 486

الدلائل القطعية على ثبوت رؤية الله في الجنة قال رحمه الله تعالى: [يشير الشيخ ﵀ إلى الرد على المعتزلة ومن يقول بقولهم في نفي الرؤية، وعلى من يشبه الله بشيء من مخلوقاته، فإن النبي ﷺ قال: (إنكم ترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر)، الحديث، أدخل كاف التشبيه على (ما) المصدرية الموصولة بـ (ترون) التي تنحل إلى المصدر الذي هو الرؤية، فيكون التشبيه في الرؤية لا في المرئي]. أي أن المعنى: رؤيتكم لله يوم القيامة، نسأل الله أن يمتعنا جميعاً بذلك، يقول: رؤيتكم لله في الجنة يوم القيامة كرؤيتكم -من حيث الوضوح- للشمس في رابعة النهار، وللقمر ليلة البدر ليس دونهما سحاب، إذاً: (ما) المصدرية ترجع إلى الرؤية، فقوله: (كما ترون) يعني: كرؤيتكم. قال رحمه الله تعالى: [وهذا بين واضح في أن المراد إثبات الرؤية وتحقيقها ودفع الاحتمالات عنها، وماذا بعد هذا البيان وهذا الإيضاح؟!]. نصوص الرؤية -كما ذكرت من قبل- واضحة، واحتمالات التأويل -كما ذكر الشيخ- غير واردة، وأشير إلى شيء من نماذج استحالة احتمال التأويل. فمثلاً: الذين أنكروا الرؤية بعضهم صرفوا الإنكار إلى كلمة: (ترون)، فقالوا: يمكن أن تكون الرؤية بالقلب؛ لأن الإنسان يرى في المنام رؤيا فيقول: رأيت، ويرى رأياً من الآراء فيقول: رأيت أن الأمر كذا. يعني: هذا رأيي، إذاً: الرؤية قلبية. وفعلاً لبسوا على الناس بذلك، لكن ترد عليهم نصوص أخرى، كقول النبي ﷺ : (عياناً) فهل العيان منام؟! وهل العيان بالقلب؟! وكلمة (عيان) محكمة ثابتة بالنصوص القطعية، هذا شيء. الشيء الآخر: أن الله ذكر في القرآن -والقرآن مفسر للسنة، والسنة مفسرة للقرآن- ذكر الرؤية بالنظر، إذاً: النظر غير الرؤية من حيث كثرة المدلولات اللغوية وتفريعها، فـ (نظر إلى) تعني: بالعين الباصرة، وكذلك كلمة (رأى) تعني: نظر، فلو قدر أن يؤولوا كلمة (ترون) و (رأيت) ونحو ذلك، فإنهم يرد عليهم بقول الله : ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٢ - ٢٣]، فلا يستطيع من يقول: (رأيت في المنام) أن يقول: (نظرت في المنام)؛ لأن هذه تختلف. إذاً: نصوص الرؤية وردت متواترة، كما أن الصحابة سألوا سؤالاً بيناً واضحاً، حينما تحدث النبي ﷺ عن أمور تتعلق بالله وعظمته وجلاله من أمور يوم القيامة، فقالوا: (يا رسول الله! هل نرى ربنا؟) ولو كانت مسألة حلم أو رؤيا منامية أو كان المقصود أنهم يرون ربهم بقلوبهم، لما كان لهذا السؤال فائدة؛ لأن مسألة رؤية القلب أمر لا يعد رؤية حقيقية. فأجابهم النبي ﷺ بـ (نعم)، ومثل لهم بهذا المثل الواضح، وهذا التمثيل برؤية الشمس والقمر ينطبق على رؤية العيون الباصرة لا رؤية القلب؛ لأن القلب ليس لرؤيته للأمور مزية لا في الليل ولا في النهار، بل القلب لا يرى رؤية حقيقية، فالقلب رؤياه إما منامية وإما من باب المعاني التي لا تقبل الحس ولا التفسير بالحس.

стр. 487

فساد طريقة مؤولي الرؤية ونفاتها قال رحمه الله تعالى: [فإذا سلط التأويل على مثل هذا النص؛ كيف يستدل بنص من النصوص؟! وهل يحتمل هذا النص أن يكون معناه: إنكم تعلمون ربكم كما تعلمون القمر ليلة البدر، ويستشهد لهذا التأويل الفاسد بقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ﴾ [الفيل:١]، ونحو ذلك مما استعمل فيه (رأى) التي من أفعال القلوب؟! ولا شك أن (رأى) تارة تكون بصرية، وتارة قلبية، وتارة تكون من رؤيا الحلم وغير ذلك، ولكن ما يخلو الكلام من قرينة تخلص أحد معانيه من الباقي، وإلا لو أخلى المتكلم كلامه من القرينة المخلصة لأحد المعاني؛ لكان مجملاً ملغزاً لا مبيناً موضحاً، وأي بيان وقرينة فوق قوله: (ترون ربكم كما ترون الشمس في الظهيرة ليس دونها سحاب)؟! فهل مثل هذا مما يتعلق برؤية البصر أو برؤية القلب؟! وهل يخفى مثل هذا إلا على من أعمى الله قلبه؟! فإن قالوا: ألجأنا إلى هذا التأويل حكم العقل بأن رؤيته تعالى محال لا يتصور إمكانها؛ ف الجواب أن هذه دعوى منكم خالفكم فيها أكثر العقلاء، وليس في العقل ما يحيلها، بل لو عرض على العقل موجود قائم بنفسه لا يمكن رؤيته لحكم بأن هذا محال]. يشير هنا إلى التعبير عند المتكلمين، وأراد أن يرد عليهم بمصطلحاتهم، والسلف أحياناً يلجئون لمثل هذه الردود من باب إقامة الحجة وإلزام الخصم بالحق، فقوله: [هذه دعوى منكم خالفكم فيها أكثر العقلاء وليس في العقل ما يحيلها] يعني: أن رؤية المؤمنين ربهم في الجنة بأبصارهم ليس هناك في العقل ما يحيلها. يقول: [بل لو عرض على العقل موجود قائم بنفسه لا يمكن رؤيته لحكم بأن هذا محال]، يقصد بذلك أنه لو عرضنا على أي عقل سليم أنه يمكن أن يكون هناك موجود له وجود ذاتي، أو وجود في الأذهان أو وجود في الخيال أو وجود في العقول أو وجود معنوي -لأن الوجود المعنوي أمر افتراضي ليس حقيقياً- وهو قائم بنفسه، يعني: وجوده ذاتي لا يحتاج إلى غيره، ولكن لا تمكن رؤيته لحكم باستحالة ذلك. وقوله: [لا تمكن رؤيته] يقصد به أنه لا تمكن حتى ولو وجدت الأسباب وامتنعت الموانع، ونحن نعتقد أن الله لا تمكن رؤيته في الدنيا؛ لأن الله بين لنا ذلك، وإلا فما عندنا دليل آخر، لكن لو أن الموانع التي تحجب عن النظر إلى الموجود انتفت والأسباب التي تقدر البشر على النظر وجدت؛ فهل هناك من مانع عقلاً من النظر إلى هذا الموجود القائم بنفسه؟! مثلاً: الملائكة نعلم أنها موجودة مخلوقة قائمة بنفسها، بمعنى: أن لها وجوداً ذاتياً مستقلاً، ليس وجوداً معنوياً أو عقلياً أو خيالياً، فهل أحد من البشر غير من استثنى الله رأى الملائكة؟! لكن هل يحيل العقل أن نراهم؟ لا يحيل ذلك، فلو أقدرنا الله على ذلك أو هيأ لنا ذلك لرأيناهم، والنبي ﷺ رأى جبريل، والله هيأ له ذلك فرآه، ولكن نحن لا نستطيع أن نرى الملائكة؛ لأن هناك موانع. فإذا وجدت الأسباب للرؤية وارتفعت الموانع؛ فإنه ليس هناك ما يمنع أن ترى الأبصار ما يمكن رؤيته، هذا أمر. وأمر آخر بالمناسبة أذكره وهو بدهي، وهو أن الأمر راجع إلى قدرة الله ، فلماذا يخوضون في أمر أثبته الله وهو راجع إلى قدرته، أليس الله سبحانه هو الذي سيقدر عباده على رؤيته على ما يليق بجلاله سبحانه؟! وليس في ذلك نقص له ، ولا يحيطون به علماً ولا يحيطون به رؤية. إذاً: ما المانع إذا أقدرهم الله؟! فالمسألة راجعة إلى قدرة الله وينتهي الجدال، فلا داعي لأن يقال: ذلك مستحيل أو غير مستحيل، بل إذا جاءنا خبر عن الله آمنا به وصدقنا، والله على كل شيء قدير سبحانه.

стр. 488

بيان معنى قول الطحاوي: (لمن اعتبرها بوهم أو تأولها بفهم) قال رحمه الله تعالى: [وقوله: (لمن اعتبرها منهم بوهم) أي: توهم أن الله تعالى يرى على صفة كذا فيتوهم تشبيهاً، ثم بعد هذا التوهم إن أثبت ما توهمه من الوصف فهو مشبه، وإن نفى الرؤية من أصلها لأجل ذلك الوهم فهو جاحد معطل، بل الواجب دفع ذلك الوهم وحده، ولا يعم بنفيه الحق والباطل فينفيهما رداً على من أثبت الباطل، بل الواجب رد الباطل وإثبات الحق. وإلى هذا المعنى أشار الشيخ رحمه الله تعالى بقوله: (ومن لم يتوق النفي والتشبيه زل ولم يصب التنزيه)؛ فإن هؤلاء المعتزلة يزعمون أنهم ينزهون الله بهذا النفي، وهل يكون التنزيه بنفي صفة الكمال؟! فإن نفي الرؤية ليس بصفة كمال؛ إذ المعدوم لا يرى، وإنما الكمال في إثبات الرؤية ونفي إدراك الرائي له إدراك إحاطة، كما في العلم؛ فإن نفي العلم به ليس بكمال، وإنما الكمال في إثبات العلم ونفي الإحاطة به علماً، فهو سبحانه لا يحاط به رؤية كما لا يحاط به علماً. وقوله: (أو تأولها بفهم): أي: ادعى أنه فهم لها تأويلاً يخالف ظاهرها وما يفهمه كل عربي من معناها، فإنه قد صار اصطلاح المتأخرين في معنى التأويل: أنه صرف اللفظ عن ظاهره، وبهذا تسلط المحرفون على النصوص وقالوا: نحن نؤول ما يخالف قولنا، فسموا التحريف تأويلاً تزيينا له وزخرفة ليقبل، وقد ذم الله الذين زخرفوا الباطل، قال الله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾ [الأنعام:١١٢]، والعبرة للمعاني لا للألفاظ، فكم من باطل قد أقيم عليه دليل مزخرف عورض به دليل الحق؟! وكلامه هنا نظير قوله فيما تقدم: (لا ندخل في ذلك متأولين بآرائنا ولا متوهمين بأهوائنا)، ثم أكد هذا المعنى بقوله: (إذ كان تأويل الرؤية وتأويل كل معنى يضاف إلى الربوبية: ترك التأويل ولزوم التسليم، وعليه دين المسلمين)، ومراده: ترك التأويل الذي يسمونه تأويلاً وهو تحريف. ولكن الشيخ رحمه الله تعالى تأدب وجادل بالتي هي أحسن، كما أمر الله تعالى بقوله: ﴿وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل:١٢٥]، وليس مراده ترك كل ما يسمى تأويلاً، ولا ترك شيء من الظواهر لبعض الناس لدليل راجح من الكتاب والسنة، وإنما مراده ترك التأويلات الفاسدة المبتدعة المخالفة لمذهب السلف التي يدل الكتاب والسنة على فسادها، وترك القول على الله بلا علم، فمن التأويلات الفاسدة تأويل أدلة الرؤية وأدلة العلو وأنه لم يكلم موسى تكليماً ولم يتخذ إبراهيم خليلاً].

стр. 489

شرح العقيدة الطحاوية [٤٣] التأويل هو الحقيقة التي يئول إليها الكلام، هذا هو معنى التأويل في الكتاب والسنة وعند سلف الأمة، ويدخل تحت هذا المعنى خمسة أنواع تسمى تأويلاً، ومن معانيه تفسير المعاني وبيانها، ومنه تأويل القرآن أي: تفسيره، وأما أخبار الغيب فتأويلها الذي هو حقيقتها لا يعلمه إلا الله، والبشر يعلمون منها معانيها دون حقائقها وكيفياتها، وما عدا ذلك من معاني التأويل فهو التأويل المبتدع الذي هو تحريف لنصوص الكتاب والسنة.

стр. 490

التأويل وأنواعه قال رحمه الله تعالى: [ثم قد صار لفظ التأويل مستعملاً في غير معناه الأصلي، فالتأويل في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ هو الحقيقة التي يئول إليها الكلام، فتأويل الخبر: هو عين المخبر به، وتأويل الأمر نفس الفعل المأمور به، كما قالت عائشة ﵂: (كان رسول الله ﷺ يقول في ركوعه: سبحانك اللهم ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي، يتأول القرآن)، وقال تعالى: ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ﴾ [الأعراف:٥٣]، ومنه تأويل الرؤيا وتأويل العمل، كقوله: ﴿هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ﴾ [يوسف:١٠٠]، وقوله: ﴿وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ﴾ [يوسف:٦]، وقوله: ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء:٥٩]، وقوله: ﴿سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾ [الكهف:٧٨]، إلى قوله: ﴿ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾ [الكهف:٨٢]، فمن ينكر وقوع مثل هذا التأويل والعلم بما تعلق بالأمر والنهي منه؟!]. هذا السؤال إنكاري، حيث يقول: فمن ينكر وقوع مثل هذا التأويل؟

стр. 491

تأويل الخبر باعتقاد عين المخبر به وفي هذا المقطع ذكر أنواع التأويل عند السلف، يعني: الأنواع الصحيحة للتأويل التي تفهم من النصوص الشرعية والتي عليها السلف، فالتأويل عند السلف على أنواع: النوع الأول: تأويل الخبر الوارد في الكتاب والسنة، سواء كان هذا الخبر يتعلق بعالم الغيب أو يتعلق بعالم الشهادة، فإن تأويل الخبر هو اعتقاد عين المخبر به، كقوله : ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥]، فهذا خبر جاءنا عن الله ، فتأويله حقيقة الاستواء، تأويله أن الله استوى على عرشه، ليس له معنى آخر، وهذا تأويل فطري سليم يناسب الفطرة والعقل السليم، ثم إنه يتناسب مع فهم العرب للغتهم، ثم إنه هو الحق الذي يقتضي صدق خبر الله ؛ لأن الله أخبرنا بأخبار غيبية وأخرى غير غيبية. فالخبر لابد من أن يكون هو عين التأويل، والخبر لابد من أن يكون هو عين المخبر به، ومعنى (عين المخبر به): أن هذا الخبر الذي جاء عن الله تعالى أو عن رسوله ﷺ تأويله هو ذات المخبر به، ليس شيئاً آخر، فلا نبحث له عن تفسير بعيد؛ لأن الله لا يقول إلا الحق والصدق؛ ولأن الخبر إن كان غيبياً فلا سبيل إلى معرفته إلا من خلال ما تكلم الله به، وما تكلم الله به له معنى يدركه الذهن والعقل، وإن كان من عالم الشهادة فسيراه الإنسان بمداركه وحواسه. المهم أن هذا النوع الأول -أي: تأويل الخبر-: هو أن تعتقد حقيقة المخبر به كما أخبر الله به، وكما أخبر به الرسول ﷺ ، كإخبار الله عن الاستواء، وإخبار الله عن أحوال البعث، وإخبار الله عن الرؤية، وإخبار الله عن أشراط الساعة، فإن تأويل هذا الخبر هو اعتقاد عين المخبر به دون زيادة ولا نقص.

стр. 492

تأويل الأمر بالفعل والنهي بالكف النوع الثاني: تأويل الأمر، كقوله : ﴿اصْبِرُوا وَصَابِرُوا﴾ [آل عمران:٢٠٠]، ﴿ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ [الحج:٧٧]، فإن تأويل هذا الأمر الذي أُمِر به إيقاعه كما أمر الله، وامتثاله كما أمر الله، وفعله كما أمر الله، فإن كان أمراً بفعله، وإن كان نهياً فبالانتهاء عنه، فقوله تعالى: ﴿ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ [الحج:٧٧] تأويله: وقوع الركوع والسجود كما أمر الله تعالى، وقوله : ﴿اصْبِرُوا وَصَابِرُوا﴾ [آل عمران:٢٠٠] تأويله: تنفيذ الصبر عندما يأتي له سبب. إذاً: تأويل الأمر فعل المأمور به، كما قالت عائشة رضي الله تعالى عنها: (إن النبي ﷺ كان يقول في ركوعه سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، اللهم اغفر لي، يتأول القرآن)، أي: يتأول قوله : ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ﴾ [النصر:١ - ٣]. فتأويل الأمر كما قالت عائشة عن النبي ﷺ حينما أمر ﷺ بأن يسبح ويستغفر، فصار ذلك عادة له في ركوعه، فهنا أول معنى الآية بالفعل، وكل أمر ونهي يأتي في القرآن والسنة فإن تأويله بامتثاله.

стр. 493

تأويل الشيء بوقوعه النوع الثالث: تأويل الشيء بمعنى: وقوعه، فتأويل خبر الله بمعنى: وقوعه، فتأويل يوم القيامة وقوعه، وتأويل أشراط الساعة وقوعها، وكل ما أخبر الله به وأخبر به رسول الله ﷺ إذا وقع فقد وقع تأويله، فإذا وقع الشيء وقع تأويله، فالأخبار التي وردت ولم يقع تأويلها لا يحتاج الناس إلى تكلف في معنى ذلك، فمثلاً: النبي ﷺ أخبر في الحديث الصحيح: (أنه ستخرج نار من المدينة تضيء لها أعناق الإبل ببصرى) أو نحو ذلك، فوقعت هذه النار، فلما وقعت وقع تأويلها، فلا يحتاج الناس إلى أن يؤولوا الخبر، لكن هناك أخبار لم يقع تأويلها، وتأويلها وقوعها، كالخبر عن يوم القيامة، كما جاء في قوله : ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ﴾ [الأعراف:٥٣]، يعني: هل ينظرون إلا وقوع يوم القيامة؟! هذا هو التأويل.

стр. 494

تأويل الرؤيا بما ستقع وتأويلها بنفس وقوعها النوع الرابع: تأويل الرؤيا، وتأويل الرؤيا على صنفين: تأويلها بمعنى: تفسيرها كما ستقع، وهذا قد يحدث لمن أعطاهم الله شيئاً من الفراسة والموهبة في التأويل، كما كان يوسف ﵇، وكما كان كثير من أهل الفراسة، فأهل العلم يؤولون الرؤيا، بمعنى: أنهم يفسرونها كما ستقع، فتقع على ما أولوه. والصنف الثاني: ما لا يمكن إدراكه حتى تقع، فيكون وقوعها تأويلها. فقد ترى رؤيا فتسأل بعض أهل العلم بها فيفسر لك الرؤيا فتقع كما فسرها، فهذا نوع من التأويل، فتفسير ذلك الشخص لك صار تأويلاً للرؤيا؛ لأنها وقعت على نحو ما فسر. وأحياناً لا تسأل عنها، أو تسأل فلا تجد من يخبرك، فتصبر حتى يقع تأويلها وهو وقوع ما يصدق الرؤيا، والنوعان متشابهان، لكن هذا يكون بإدراك البشر وهذا لا يدرك إلا بعد الوقوع، فكل ذلك يعد من التأويل الحقيقي الذي لا مجال للعدول فيه عن المعاني الصحيحة إلى التخرصات أو الظنون.

стр. 495

التأويل العملي الامتثالي النوع الخامس: التأويل العملي، كقوله : ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء:٥٩]، يعني: مثل ما نسميه الآن التطبيق، وإن كانت الكلمة -في الحقيقة- فيها نظر، فتطبيق الشيء يعتبر تأويلاً له، وتأويل العمل تطبيقه أو تمثيله. وقد لا يكون العمل عن سابق أمر، فتأويل الأمر هو العمل به، لكنه أحياناً يكون العمل نفسه تأويلاً، بمعنى: أنه مآل للشيء، وكل هذه المعاني تعود إلى معنى المآل والتفسير. فهذه أنواع التأويل عند السلف، وما عداها في الأمور الشرعية يعد تكلفاً، وأحياناً يعد إفراطاً، وقد يعد ضلالاً، وقد يعد كفراً، كما سيأتي في أنواع التأويل الأخرى.
следующие страницы →