← Акыда

Акыда · id 37433

شرح العقيدة الطحاوية - ناصر العقل

ناصر العقل

Полный текст (1 296 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

تأويل الخبر باعتقاد عين المخبر به وفي هذا المقطع ذكر أنواع التأويل عند السلف، يعني: الأنواع الصحيحة للتأويل التي تفهم من النصوص الشرعية والتي عليها السلف، فالتأويل عند السلف على أنواع: النوع الأول: تأويل الخبر الوارد في الكتاب والسنة، سواء كان هذا الخبر يتعلق بعالم الغيب أو يتعلق بعالم الشهادة، فإن تأويل الخبر هو اعتقاد عين المخبر به، كقوله : ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥]، فهذا خبر جاءنا عن الله ، فتأويله حقيقة الاستواء، تأويله أن الله استوى على عرشه، ليس له معنى آخر، وهذا تأويل فطري سليم يناسب الفطرة والعقل السليم، ثم إنه يتناسب مع فهم العرب للغتهم، ثم إنه هو الحق الذي يقتضي صدق خبر الله ؛ لأن الله أخبرنا بأخبار غيبية وأخرى غير غيبية. فالخبر لابد من أن يكون هو عين التأويل، والخبر لابد من أن يكون هو عين المخبر به، ومعنى (عين المخبر به): أن هذا الخبر الذي جاء عن الله تعالى أو عن رسوله ﷺ تأويله هو ذات المخبر به، ليس شيئاً آخر، فلا نبحث له عن تفسير بعيد؛ لأن الله لا يقول إلا الحق والصدق؛ ولأن الخبر إن كان غيبياً فلا سبيل إلى معرفته إلا من خلال ما تكلم الله به، وما تكلم الله به له معنى يدركه الذهن والعقل، وإن كان من عالم الشهادة فسيراه الإنسان بمداركه وحواسه. المهم أن هذا النوع الأول -أي: تأويل الخبر-: هو أن تعتقد حقيقة المخبر به كما أخبر الله به، وكما أخبر به الرسول ﷺ ، كإخبار الله عن الاستواء، وإخبار الله عن أحوال البعث، وإخبار الله عن الرؤية، وإخبار الله عن أشراط الساعة، فإن تأويل هذا الخبر هو اعتقاد عين المخبر به دون زيادة ولا نقص.

стр. 492

تأويل الأمر بالفعل والنهي بالكف النوع الثاني: تأويل الأمر، كقوله : ﴿اصْبِرُوا وَصَابِرُوا﴾ [آل عمران:٢٠٠]، ﴿ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ [الحج:٧٧]، فإن تأويل هذا الأمر الذي أُمِر به إيقاعه كما أمر الله، وامتثاله كما أمر الله، وفعله كما أمر الله، فإن كان أمراً بفعله، وإن كان نهياً فبالانتهاء عنه، فقوله تعالى: ﴿ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ [الحج:٧٧] تأويله: وقوع الركوع والسجود كما أمر الله تعالى، وقوله : ﴿اصْبِرُوا وَصَابِرُوا﴾ [آل عمران:٢٠٠] تأويله: تنفيذ الصبر عندما يأتي له سبب. إذاً: تأويل الأمر فعل المأمور به، كما قالت عائشة رضي الله تعالى عنها: (إن النبي ﷺ كان يقول في ركوعه سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، اللهم اغفر لي، يتأول القرآن)، أي: يتأول قوله : ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ﴾ [النصر:١ - ٣]. فتأويل الأمر كما قالت عائشة عن النبي ﷺ حينما أمر ﷺ بأن يسبح ويستغفر، فصار ذلك عادة له في ركوعه، فهنا أول معنى الآية بالفعل، وكل أمر ونهي يأتي في القرآن والسنة فإن تأويله بامتثاله.

стр. 493

تأويل الشيء بوقوعه النوع الثالث: تأويل الشيء بمعنى: وقوعه، فتأويل خبر الله بمعنى: وقوعه، فتأويل يوم القيامة وقوعه، وتأويل أشراط الساعة وقوعها، وكل ما أخبر الله به وأخبر به رسول الله ﷺ إذا وقع فقد وقع تأويله، فإذا وقع الشيء وقع تأويله، فالأخبار التي وردت ولم يقع تأويلها لا يحتاج الناس إلى تكلف في معنى ذلك، فمثلاً: النبي ﷺ أخبر في الحديث الصحيح: (أنه ستخرج نار من المدينة تضيء لها أعناق الإبل ببصرى) أو نحو ذلك، فوقعت هذه النار، فلما وقعت وقع تأويلها، فلا يحتاج الناس إلى أن يؤولوا الخبر، لكن هناك أخبار لم يقع تأويلها، وتأويلها وقوعها، كالخبر عن يوم القيامة، كما جاء في قوله : ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ﴾ [الأعراف:٥٣]، يعني: هل ينظرون إلا وقوع يوم القيامة؟! هذا هو التأويل.

стр. 494

تأويل الرؤيا بما ستقع وتأويلها بنفس وقوعها النوع الرابع: تأويل الرؤيا، وتأويل الرؤيا على صنفين: تأويلها بمعنى: تفسيرها كما ستقع، وهذا قد يحدث لمن أعطاهم الله شيئاً من الفراسة والموهبة في التأويل، كما كان يوسف ﵇، وكما كان كثير من أهل الفراسة، فأهل العلم يؤولون الرؤيا، بمعنى: أنهم يفسرونها كما ستقع، فتقع على ما أولوه. والصنف الثاني: ما لا يمكن إدراكه حتى تقع، فيكون وقوعها تأويلها. فقد ترى رؤيا فتسأل بعض أهل العلم بها فيفسر لك الرؤيا فتقع كما فسرها، فهذا نوع من التأويل، فتفسير ذلك الشخص لك صار تأويلاً للرؤيا؛ لأنها وقعت على نحو ما فسر. وأحياناً لا تسأل عنها، أو تسأل فلا تجد من يخبرك، فتصبر حتى يقع تأويلها وهو وقوع ما يصدق الرؤيا، والنوعان متشابهان، لكن هذا يكون بإدراك البشر وهذا لا يدرك إلا بعد الوقوع، فكل ذلك يعد من التأويل الحقيقي الذي لا مجال للعدول فيه عن المعاني الصحيحة إلى التخرصات أو الظنون.

стр. 495

التأويل العملي الامتثالي النوع الخامس: التأويل العملي، كقوله : ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء:٥٩]، يعني: مثل ما نسميه الآن التطبيق، وإن كانت الكلمة -في الحقيقة- فيها نظر، فتطبيق الشيء يعتبر تأويلاً له، وتأويل العمل تطبيقه أو تمثيله. وقد لا يكون العمل عن سابق أمر، فتأويل الأمر هو العمل به، لكنه أحياناً يكون العمل نفسه تأويلاً، بمعنى: أنه مآل للشيء، وكل هذه المعاني تعود إلى معنى المآل والتفسير. فهذه أنواع التأويل عند السلف، وما عداها في الأمور الشرعية يعد تكلفاً، وأحياناً يعد إفراطاً، وقد يعد ضلالاً، وقد يعد كفراً، كما سيأتي في أنواع التأويل الأخرى.

стр. 496

انتفاء علم البشر بتأويل حقائق أخبار الغيب وكيفياتها دون معانيها قال رحمه الله تعالى: [وأما ما كان خبراً -كالإخبار عن الله واليوم الآخر- فهذا لا يعلم تأويله الذي هو حقيقته؛ إذ كانت لا تعلم بمجرد الإخبار؛ فإن المخبر إن لم يكن قد تصور المخبر به أو ما يعرفه قبل ذلك؛ لم يعرف حقيقته التي هي تأويله بمجرد الإخبار، وهذا هو التأويل الذي لا يعلمه إلا الله، لكن لا يلزم من نفي العلم بالتأويل نفي العلم بالمعنى الذي قصد المخاطب إفهام المخاطب إياه، فما في القرآن آية إلا وقد أمر الله بتدبرها، وما أنزل آية إلا وهو يحب أن يعلم ما عنى بها، وإن كان من تأويله ما لا يعلمه إلا الله، فهذا هو معنى التأويل في الكتاب والسنة وكلام السلف، وسواء كان هذا التأويل موافقاً للظاهر أو مخالفاً له، والتأويل في كلام كثير من المفسرين كـ ابن جرير ونحوه يريدون به تفسير الكلام وبيان معناه، سواء وافق ظاهره أو خالف، وهذا اصطلاح معروف، وهذا التأويل كالتفسير يحمد حقه ويرد باطله]. لعلنا نقف بعض الوقفات عند هذا المقطع، فقوله: (لا يعلم تأويله الذي هو حقيقته) يعني: الإخبار عن اليوم الآخر، ويقصد بالحقيقة الكيفية؛ لأنه كثيراً ما يلتبس مفهوم الحقيقة عند الناس، فالمنفي هنا هو الكيفية، فالذي لا يعلم تأويله من أخبار اليوم الآخر وأخبار الصفات وأخبار الغيب هو الكيفيات. أما الحقيقة التي هي إثبات المعنى؛ فهذا أمر يجب أن يقال به، وإلا فستكون ألفاظ الشرع جوفاء لا معنى لها، فإذا قيل: إن لفظ الشرع لا تفهم حقيقته أو لا نؤمن بحقيقته؛ فكأنا جعلنا ألفاظ الشرع جوفاء لا معنى لها، لكن المنفي هنا حقيقة الكيفية لا حقيقة المعنى، فكلام الله له حقيقة وهي المعاني، وكلام الله له معان وهي الحقيقة، لكن المنفي هو الكيفية، وهذا ما يقصده المؤلف هنا، لذلك احترز بقوله: [لكن لا يلزم من نفي العلم بالتأويل نفي العلم بالمعنى]، وهذا هو الكلام الصحيح، فالعلم بالمعنى معلوم، فقوله عن اليوم الآخر وأخباره وتفصيله له معانٍ، وإخباره عن الصراط والميزان والحوض، وإخباره عن الاستواء، وغير ذلك، كله لابد من أن يكون له معان؛ لئلا نعطل ألفاظ كلام الله من المعنى الذي يجب، لكن حقائق الكيفيات هي التي لا نعلمها.

стр. 497

المراد بالتأويل عند أئمة التفسير كذلك قوله عن ابن جرير وعن المفسرين بأنهم يستعملون لفظة التأويل، فـ ابن جرير كثيراً ما يقول: قال أهل التأويل، وتابعه بعض المفسرين وبعض أهل العلم، وظن كثير من المؤولة من المتكلمين وغيرهم أنهم يقصدون تأويل أسلافهم الذين أولوا صفات الله، وهذا خطأ في الفهم شنيع؛ لأن ابن جرير يقول هذا الكلام عن السلف، يقول: قال أهل التأويل، أو قال: ابن عباس في تأويل الآية، وهذا قبل أن يظهر التأويل الباطل الذي هو صرف ألفاظ كلام الله من معانٍ راجحة إلى معانٍ مرجوحة، فهذا لم يظهر في عهد السلف الذين ينقل عنهم ابن جرير. فـ ابن جرير وأمثاله من أئمة العلم إذا قالوا: قال أهل التأويل، فإنما يقصدون به أهل التفسير الذين يفسرون كلام الله ، والتأويل عند السلف هو تفسير المعاني بقواعد التفسير الصحيحة، يسمى: تأويلاً على ما ذكرت في الأصناف الخمسة، وكتفسير آيات الله باللغة، وكتفسير القرآن بالقرآن، وتفسير القرآن بقول النبي ﷺ ، وتفسير القرآن بفهم الصحابة، وهكذا، فهذا يعد تأويلاً لأنه من باب التفسير الصحيح، ولا يعد تأويلاً من باب العدول عن المعنى الراجح المفهوم إلى معنى مرجوح مظنون. إذاً: فقول ابن جرير وغيره في التأويل يريدون به تفسير الكلام وبيان معناه، لكن قد يفسر الكلام بمعنى لغوي صحيح أو معنى شرعي صحيح، إذاً: فمفهوم السلف للتفسير هو على نحو قواعد التفسير المعهودة عندهم.

стр. 498

الأسئلة

стр. 499

الفرق بين تأويل الخبر بمعنى اعتقاد عينه وتأويله بمعنى وقوعه السؤال ألا ترى أن النوع الأول من أنواع التأويل -وهو كون الخبر نفس المخبر عنه وعينه- يستوي في المعنى مع النوع الثالث، وهو تأويل الشيء بمعنى وقوعه؟ الجواب بينهما فرق، فالأول يتعلق بالاعتقاد، والثالث يتعلق بالمعاني. فالأول: يتعلق بأنه يجب على المسلم إذا جاء الخبر عن الله أن يعتقد حقيقته، ويكون هذا تأويله، فإذا جاء قول الله : ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥]؛ فإن تأويله: الإيمان بأنه استواء حقيقي، هذا تأويله، ليس له أكثر من الاستواء. أما النوع الثاني: فيرجع إلى المآل، يرجع إلى الأمور الخبرية التي تتعلق بالأحداث، كأحداث يوم القيامة، فتأويلها وقوعها إذا وقعت، فالأول يتعلق باعتقادنا الآن، أما الثالث فيتعلق بالمصير الذي سيكون عليه الخبر حين وقوعه، فتأويل اليوم الآخر على النوع الأول: الجزم بأن الله يقصد به حياة أخرى يكون فيها الحساب والجزاء والعمل إلى آخره، هذا يسمى تأويلاً. وعلى النوع الثالث: يقصد بالتأويل: وقوعه إذا حدث، بمعنى: أن كل الناس حتى الكفار إذا حدث اليوم الآخر وقع لهم تأويله، فقوله تعالى: ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ﴾ [الأعراف:٥٣] يعني: هل ينتظرون إلا وقوع اليوم الآخر؟ وهذا يتبين بالمثال المضاد، فالمبطلون الذين أخطئوا في النوع الأول من التأويل قالوا في الاستواء: إنه الاستيلاء إلى آخر ذلك من المعاني. فهذا التأويل خرج عن مفهوم السلف للتأويل؛ لأنهم يرون أن التأويل الإيمان بحقيقة اللفظ دون لجوء إلى المعاني الإضافية، أو إلى معان من باب اللوازم وتأكيدها على أنها هي المعنى، والانتقال من الحقيقة إليها، فالتأويل الذي يخرج عن مفهوم اللفظ وحقيقته لا يعد تأويلاً معتبراً عند السلف، إنما يعد تأويلاً مذموماً. وكذلك النوع الثالث له مفهوم عند السلف ومفهوم عند المخالفين، فالسلف يفهمون من تأويل يوم القيامة وقوعه، وأنه سيقع، إضافة إلى أنهم يفهمون من تأويله الإيمان به. لكن المبطلين يرون أن مفهوم اليوم الآخر حياة أخرى ليست حياة بعث، إنما هي حياة أخرى تتجدد بالروح في هذه الحياة الدنيا، وهو ما يسمونه بالتناسخ. إذاً: أولوه بتأويل باطل، وزعموا أن اليوم الآخر حياة أخرى تنتقل فيها الروح من الجسد إلى جسد آخر في الحياة الدنيا، وليس في يوم القيامة، ولذلك زعموا أن أرواح الناس بحسب أعمالهم، فزعموا أن أرواح المؤمنين تكون الحياة الأخرى لها في حواصل طير أو حيوانات أليفة، وأن أرواح الكفار تكون في حشرات وغيرها، فهذا تأويل باطل لليوم الآخر؛ إذ ما عندهم قناعة بأنه سيقع يوم آخر يكون فيه جزاء وحساب، إنما أولوه تأويلاً باطلاً.

стр. 500

معنى التأويل عند السلف وصلة أنواع التأويل الخمسة به السؤال ذكرت أن المؤلف ذكر أنواع التأويل عند السلف، ثم ذكرت أنها خمسة أنواع، وكأنني -والله أعلم- أفهم من قول المؤلف أن التأويل عند السلف: هو الحقيقة التي يئول إليها الكلام، وأن هذه الأنواع إنما هي أمثلة على هذا التأويل الجامع، فجميع هذه الأنواع نهايتها الحقيقة التي يئول إليها الكلام؟ الجواب لا مانع؛ إذ الأصل أن السلف يفهمون من التأويل الحقيقة التي يئول إليها الكلام، لكن هذا الكلام قد يكون خبراً، فتأويله وقوعه، وقد يكون أمراً، فتأويله تنفيذه والعمل به، وقد يكون خبراً أيضاً، فتأويله الإيمان بحقيقته، وقد يكون رؤيا، فتأويلها تفسيرها وتأويلها وقوعها، وقد يكون عملاً، فتأويله نفس الفعل وإن لم يسبقه أمر، وهذا يختلف عن الثاني، فالثاني فعل أمر، والثالث: الفعل ولو لم يسبقه أمر صريح، فإنه يعد تأويلاً، والله أعلم.

стр. 501

إمامة أبي حنيفة رحمه الله تعالى وضلال طريقة من يطعن فيه السؤال رويت في أبي حنيفة مقولات من السلف في ذمه، وأنه ينقض عرى الإسلام وغير ذلك، ويوجد الآن من يتبناها من طلاب العلم، ويفسقونه، فما رأيكم في ذلك؟ الجواب أما تفسيق مثل أبي حنيفة فهو خطأ ولا يجوز، نعم تكلم فيه بعض أهل العلم المعاصرين له، لكن ما عليه جملة السلف وما استقر عليه أمرهم في شأنه هو الذي عليه المعول، فلا نذهب إلى بعض تصرفات العلماء أو زلاتهم التي قد يكون فيها فتنة للأمة، وقد يكونون رجعوا عنها، وقد تكون مواقف فعلوها لأمور لها ملابسات وظروف، فهذه الأمور كلها لا تخرجنا عن الأصل، وهو أن عامة السلف يترحمون على أبي حنيفة ويرونه ﵀ من أئمة الدين ومن أئمة السلف، هذا ما عليه عامة السلف وجمهورهم، وإن لم يجمعوا على ذلك، فلا يلزم إجماعهم في مثل هذه الأمور، فتفسيقه أو تبديعه أظن أنه نوع من الجناية، ولا ينبغي أن يجرؤ طلاب العلم على هذه المسألة.

стр. 502

معنى الصراط السؤال وجدت في تفسير الصراط: أنه الحبل من السماء إلى الأرض؟ الجواب قد يكون من تفسير الصراط أنه الحبل؛ لكن كونه ممتداً من السماء إلى الأرض لا أدري ما المقصود به؛ وقد يكون ما قرأه الأخ أو سمعه مرتبطاً بنص معين له علاقة بهذا المعنى.

стр. 503

شرح العقيدة الطحاوية [٤٤] التأويل هو صرف اللفظ عن الاحتمال الراجح إلى الاحتمال المرجوح لدلالة توجب ذلك، والصحيح منه ما وافق ما دلت عليه نصوص الكتاب والسنة، وما خالف ذلك فهو التأويل الفاسد، وهو الذي سلكه المبتدعة وأولوا ظواهر النصوص بدعوى دلالتها على معاني باطلة، وهذا كلام باطل يدل على بطلانه الشرع والعقل، ويفتح الباب أمام الزنادقة لتأويل نصوص الدين كلها.

стр. 504

القراءات الواردة في قوله تعالى: (وما يعلم تأويله إلا الله) وتوجيه المعنى لكل قراءة قال رحمه الله تعالى: [وقوله تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ [آل عمران:٧]، الآية فيها قراءتان: قراءة من يقف على قوله: ﴿إِلَّا اللَّهُ﴾ [آل عمران:٧]، وقراءة من لا يقف عندها، وكلتا القراءتين حق، ويراد بالأولى المتشابه في نفسه الذي استأثر الله بعلم تأويله، ويراد بالثانية المتشابه الإضافي الذي يعرف الراسخون تفسيره، وهو تأويله، ولا يريد من وقف على قوله: ﴿إِلَّا اللَّهُ﴾ [آل عمران:٧] أن يكون التأويل بمعنى: التفسير للمعنى، فإن لازم هذا أن يكون الله أنزل على رسوله كلاماً لا يعلم معناه جميع الأمة ولا الرسول، ويكون الراسخون في العلم لا حظ لهم في معرفة معناها سوى قولهم: ﴿آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ [آل عمران:٧]، وهذا القدر يقوله غير الراسخ في العلم من المؤمنين، والراسخون في العلم يجب امتيازهم عن عوام المؤمنين في ذلك. وقد قال ابن عباس ﵄: أنا من الراسخين في العلم الذين يعلمون تأويله، ولقد صدق ﵁؛ فإن النبي ﷺ دعا له وقال: (اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل) رواه البخاري وغيره، ودعاؤه ﷺ لا يرد، قال مجاهد: عرضت المصحف على ابن عباس من أوله إلى آخره أقفه عند كل آية وأسأله عنها. وقد تواترت النقول عنه أنه تكلم في جميع معاني القرآن، ولم يقل عن آية: إنها من المتشابه الذي لا يعلم أحد تأويله إلا الله].

стр. 505

المراد بالتأويل عند السلف على قراءة الوقف على لفظ الجلالة في هذا المقطع يشير إلى أمور: أولها: الفهم الصحيح لمعنى قوله : ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ [آل عمران:٧]، على قراءة الوقف، ذلك أن السلف لهم فهم وأهل الكلام والمبتدعة لهم فهم آخر، فالسلف في فهمهم لقوله : ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ [آل عمران:٧] يفسرون التأويل هنا بمعنى: تأويل الكيفيات في أخبار الغيب في صفات الله وفي أفعاله وفي أمور الغيب الأخرى، فهذه فيها ما لا يعلم تأويله إلا الله، وهو الكيفيات التي هي غائبة عن الحواس وعن العقول. فهنا التأويل يكون بمعنى: معرفة الكيفية لأمور الغيب، وهذه لاشك في أنه لا يعلمها إلا الله ، هذا فهم السلف، إذاً: التأويل هنا بمعنى: ما تئول إليه حقيقة الكيفيات، لا بمعنى التفسير. أما أهل الأهواء المتكلمون ومن سار على سبيلهم فإنهم يفسرون معنى قوله تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ [آل عمران:٧]، بمعنى: معاني كلام الله وحقائقه، يقولون في صفات الله : ما يعلم تأويلها إلا الله، بمعنى: لا يعلم حقائقها ولا معانيها إلا الله، وهذا خطأ، فالحقائق والمعاني تعلم، إنما الكيفيات هي التي لا تعلم. فعلى هذا يجعلون حقائق الصفات والأمور الغيبية ومعانيها من المتشابه الذي لا يعلم أبداً، ولذلك صاروا في تفسير نصوص الشرع في الصفات وغيرها على قولين: منهم من يقول: هذه النصوص لا نفهم منها شيئاً أبداً ونفوضها؛ لأن معناها متشابه وحقائقها متشابهة في ذلك، ومنهم من ضل فذهب يؤولها بما يستقيم عقلاً، فقال: لا نثبت معاني ألفاظها ولا حقائق ألفاظها، لكن نبحث لها عن معان أخرى تئول إليها وهي المعاني المرجوحة، فقالوا في قوله : ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥]: الاستواء هنا من المتشابه حقيقته ومعناه، فمنهم من قال: الاستواء لا نعلم له حقيقة أبداً ونفوض أمره إلى الله، وهؤلاء هم المفوضة، ومنهم من قال: نصرف اللفظ -وهو الاستواء- عن معناه الحقيقي، وعن الفهم الذي تفهمه مداركنا إلى معنى آخر نبحث عنه في دلالات اللغة، فبحثوا في دلالات اللغة فوجدوا أن من معاني الاستواء بزعمهم: الملك والسلطان والاستيلاء، مع أن في هذا نظراً، فصرفوا الألفاظ عن معانيها وحقائقها. فقوله : ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ [آل عمران:٧] على الوقف على لفظ الجلالة، يقول السلف في معناه: وما يعلم الكيفيات إلا الله، أما المعاني والحقائق فلا شك في أن الله قصد بكلامه معاني وحقائق تدركها عقولنا ومداركنا، لكنها تثبت لله من غير تشبيه؛ لأن الله ليس كمثله شيء، وتثبت على ما يليق بالله وبجلاله سبحانه.

стр. 506

المراد بالتأويل على قراءة الوصل أما على الوصل، وهو قراءة الآية على هذا النحو: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ [آل عمران:٧]، فإن السلف يقولون: إن الراسخين في العلم يفهمون معاني وحقائق كلام الله ، أي: يفسرونها التفسير اللفظي المعلوم مع نفي التشبيه. وأهل الأهواء يقولون في قوله : ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ [آل عمران:٧]، يقولون: إن الراسخين في العلم يعلمون صرفه عن معانيه إلى معان أخرى، أي: التأويل المرجوح، يزعمون أن الراسخين في العلم يلزمهم أن يصرفوا كلام الله في أسمائه وصفاته عن معانيها المفهومة على ما يليق بجلال الله إلى معان أخرى مرجوحة لقرينة دفع التشبيه. قال رحمه الله تعالى: [وقول الأصحاب ﵏ في الأصول: إن المتشابه الحروف المقطعة في أوائل السور. ويروى هذا عن ابن عباس، مع أن هذه الحروف قد تكلم في معناها أكثر الناس، فإن كان معناها معروفاً فقد عرف معنى المتشابه، وإن لم يكن معروفاً -وهي المتشابه- كان ما سواها معلوم المعنى، وهذا المطلوب. وأيضاً فإن الله قال: ﴿مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ [آل عمران:٧]، وهذه الحروف ليست آيات عند جمهور العادين].

стр. 507

بيان ما يصح من التأويل وانتفاء المعنى الفاسد عن ظواهر النصوص قال رحمه الله تعالى: [والتأويل في كلام المتأخرين من الفقهاء والمتكلمين هو صرف اللفظ عن الاحتمال الراجح إلى الاحتمال المرجوح لدلالة توجب ذلك، وهذا هو التأويل الذي يتنازع الناس فيه في كثير من الأمور الخبرية والطلبية. فالتأويل الصحيح منه الذي يوافق ما دلت عليه نصوص الكتاب والسنة، وما خالف ذلك فهو التأويل الفاسد، وهذا مبسوط في موضعه. وذكر في التبصرة أن نصير بن يحيى البلخي روى عن عمرو بن إسماعيل بن حماد بن أبي حنيفة عن محمد بن الحسن ﵏: أنه سئل عن الآيات والأخبار التي فيها من صفات الله تعالى ما يؤدي ظاهره إلى التشبيه؟ فقال: نمرها كما جاءت ونؤمن بها ولا نقول: كيف وكيف. ويجب أن يعلم أن المعنى الفاسد الكفري ليس هو ظاهر النص ولا مقتضاه، وأن من فهم ذلك منه فهو لقصور فهمه ونقص علمه، وإذا كان قد قيل في قول بعض الناس: وكم من عائب قولاً صحيحاً وآفته من الفهم السقيم وقيل: علي نحت القوافي من أماكنها وما علي إذا لم تفهم البقر فكيف يقال في قول الله الذي هو أصدق الكلام وأحسن الحديث وهو الكتاب الذي: ﴿أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ [هود:١]؟! إن حقيقة قولهم أن ظاهر القرآن والحديث هو الكفر والضلال، وأنه ليس فيه بيان لما يصلح من الاعتقاد ولا فيه بيان التوحيد والتنزيه! هذا حقيقة قول المتأولين].

стр. 508

ردود على مؤولة ظواهر النصوص بدعوى دلالتها على المعاني الباطلة قال رحمه الله تعالى: [والحق أن ما دل عليه القرآن فهو حق، وما كان باطلاً لم يدل عليه، والمنازعون يدعون دلالته على الباطل الذي يتعين صرفه. فيقال لهم: هذا الباب الذي فتحتموه -وإن كنتم تزعمون أنكم تنتصرون به على إخوانكم المؤمنين في مواضع قليلة حقيقة- فقد فتحتم عليكم باباً لأنواع المشركين والمبتدعين لا تقدرون على سده، فإنكم إذا سوغتم صرف القرآن عن دلالته المفهومة بغير دليل شرعي؛ فما الضابط فيما يسوغ تأويله وما لا يسوغ؟! فإن قلتم: ما دل القاطع العقلي على استحالته تأولناه وإلا أقررناه؛ قيل لكم: وبأي عقل نزن القاطع العقلي؟ فإن القرمطي الباطني يزعم قيام القواطع على بطلان ظواهر الشرع، ويزعم الفيلسوف قيام القواطع على بطلان حشر الأجساد، ويزعم المعتزلي قيام القواطع على امتناع رؤية الله تعالى وعلى امتناع قيام علم أو كلام أو رحمة به تعالى، وباب التأويلات التي يدعي أصحابها وجوبها بالمعقولات أعظم من أن تنحصر في هذا المقام، ويلزم حينئذ محذوران عظيمان: أحدهما: ألا نقر بشيء من معاني الكتاب والسنة حتى نبحث قبل ذلك بحوثاً طويلة عريضة في إمكان ذلك بالعقل، وكل طائفة من المختلفين في الكتاب يدعون أن العقل يدل على ما ذهبوا إليه، فيئول الأمر إلى الحيرة. المحذور الثاني: أن القلوب تنحل عن الجزم بشيء تعتقده مما أخبر به الرسول؛ إذ لا يوثق بأن الظاهر هو المراد، والتأويلات مضطربة، فيلزم عزل الكتاب والسنة عن الدلالة والإرشاد إلى ما أنبأ الله به العباد، وخاصة النبي هي الإنباء، والقرآن هو النبأ العظيم، ولهذا نجد أهل التأويل إنما يذكرون نصوص الكتاب والسنة للاعتضاد لا للاعتماد إن وافقت ما ادعوا أن العقل دل عليه، وإن خالفته أولوه، وهذا فتح باب الزندقة والانحلال، نسأل الله العافية].

стр. 509

تفاوت عقول الناس وانعدام العقل المرجعي في التأويل خلاصة هذا المقطع أن الذين سلكوا طريقة التأويل من أهل الأهواء لا تستقيم قاعدتهم، ولا يمكن أيضاً أن نقف وإياهم على منهج يمكن أن نتحاكم إليه أو نستند إليه. وأغلب قواعد التأويل قواعد عقلية، بل كلها قواعد عقلية، بمعنى: أن السبب الذي جعل المؤولة يؤولون دعواهم أن بعض ما يرد في الشرع لا يعقل، فهؤلاء يرد عليهم -كما ذكر الشارح- من وجوه: أولها: أن عقول الناس تتفاوت، بل لا يمكن أن يتفق اثنان من كل وجه على شيء من الأشياء من جميع الوجوه؛ لأن تصورات الناس تختلف. الوجه الثاني: أن العقل الذي يزعمون أن له قواطع وله دلالات وأنه يحكم ويرد إليه الشرع غير معلوم فعقل من هو؟! فكل واحد يدعي أن عقله هو المحكم، إذاً: فمن نصدق؟!

стр. 510

القول بتأويل بعض النصوص فتح لتأويل الزنادقة لنصوص الدين كلها الوجه الثالث: إنا إذا قلنا: إن العقل هو المحكم كما أشار الشارح؛ فهذا يعني: أننا نفتح باب عدم الثقة بالعقيدة والنصوص، بمعنى: أننا إذا قلنا بهذا القول نزعنا اليقين من قلوب الناس، وجعلناهم يبحثون عن اليقين بوجوه أخرى، وهذا أولاً يوقع الشك في قلوب المؤمنين، ثم إنه ينزع اليقين، ثم لا يستقر أحد على قول، بدليل أن كل الذين أولوا ما اتفقوا على التأويل، ولو اتفقوا لكان هناك شبهة، وإلا فما عندهم دليل؛ لكن لو اتفقوا لقيل: هناك شبهة، وليس لهم شبهة يمكن أن تنطلي على العاقل. فيقال للمؤولة: أنتم ما اتفقتم على التأويل، ثم لما فتحتم باب التأويل ولجه جميع المبطلين، حتى ألحدوا إلحاداً كاملاً، فالقرامطة فسروا جميع أمور الشرع بتفسيرات غريبة جداً، حتى أركان الإسلام وأركان الإيمان فسروها بأسماء رجال. ثم من دونهم كالرافضة، فقد أولوا نصوص الشرع، حتى ما يتعلق بالأحكام منها، وفسروها بالتأويل تفسيرات حمقاء وساذجة وغريبة جداً؛ لأنهم فتح لهم باب التأويل؛ حتى الألفاظ التي لا تحتمل المعاني التي قالوا بها من حيث اللغة، جعلوا لها معاني غريبة جداً وشاذة؛ لأنهم يقولون: أنتم فتحتم باب التأويل، وهذا تأويلنا. فعلى سبيل المثال: قالوا في قوله تعالى: ﴿وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ﴾ [الإسراء:٦٠] قالوا: هم بنو أمية، وبعضهم قال: عائشة، والبقرة المذكورة قالوا: هي عائشة، والجبت والطاغوت عندهم أبو بكر وعمر، فإذا قيل لهم: هذا تأويل لا يصح، قالوا: أنتم فتحتم باب التأويل، وهذا تأويلنا وهذا ما تقتضيه أصولنا إلى آخره. إذاً: انفتح باب التأويل ولم ينغلق، وصارت عقول الناس تتفاوت في هذا، فمنهم من يعقل، ومنهم الأحمق الذي لا يعقل، والذي يعقل أيضاً في عقله قصور. إذاً: ما هو العقل الذي يحكم؟ إنه عقل وهمي، وإذا كان المراد عقول هؤلاء الناس من البشر؛ فعقول البشر قاصرة، فالعقل الذي نعني به تفكير الإنسان ما فهم نفسه. فلو قلت لأي عاقل: أين عقلك؟ أين يتمركز عقلك؟ فلن يعطيك جواباً يجزم به، وكذلك لو قلت له: هل عقلك في رأسك؟ هل هو في قلبك؟ هل هو بين الرأس والقلب؟ كيف تعقل؟ كيف تتم عملية العقل؟ إذاً: العقل ما عرف نفسه، فكيف -إذاً- يحكم في شرع الله ودينه؟! المهم أن شبهة المؤولة إلى يومنا هذا زعمهم أن العقل يحيل بعض معاني النصوص، فيقول: إنها مستحيلة، وعلى هذا خرجوا من مقتضى نص الشرع، ولم يصلوا إلى قرار، وكل منهم ذهب مذهباً لا يمكن أن يكون هو الحق؛ لأن الحق لا يتشتت كما تشتتوا هم. نسأل الله السلامة.

стр. 511

الأسئلة

стр. 512

صلة الرسوخ في العلم بكبر السن السؤال هل يلزم من الرسوخ في العلم أن يكون صاحبه كبيراً في السن؟ الجواب غريب هذا السؤال، ويبدو أنه من الخلط الذي صار الآن عند الشباب، أو عند طوائف منهم. فلا يلزم من الرسوخ في العلم كبر السن، لكن الغالب وسنة الله في عباده أن كبار السن أعلم وأرسخ وأكثر تجربة فقط، وقد يوجد عالم صغير إذا أعطاه الله مواهب وقدرة ووفقه الله لتلقي العلم الشرعي على أصوله الشرعية، فسيبرز بسرعة، فيكون من صغار السن ويكون من الراسخين، ويكون من أهل الحل والعقد في الأمة، ومن أهل العلم، كما كان ابن عباس ﵁، وزيد بن ثابت وعبد الله بن عمر ونحوهم، كانوا علماء يعدون من الراسخين وهم صغار في السن، لكن الغالب أن الأكبر سناً يكون أقدر، وأكثر تحصيلاً، وأكثر تجربة، وأثبت في كثير من الأمور، ولا يمنع ذلك من وجود علماء صغار، فالعالم من توافر فيه العلم والرسوخ مع العقل والحكمة، واقتفاء السنة والاستقامة، فهو عالم راسخ ولو كان عمره عشرون سنة.

стр. 513

الفرق بين تأويل الأمر بامتثاله والتأويل العلمي السؤال ذكرتم في أنواع التأويل تأويل الأمر وذلك بإيقاعه كما أمره الله، وتأويل العمل كقول الله: ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء:٥٩]، فما الفرق بينهما؟ الجواب الفرق بينهما أن تأويل الأمر -أي: الأمر الشرعي بـ (افعل) أو (لا تفعل) - بالامتثال، أما العمل فمجرد فعله يكون تأويلاً، قبل أن تكون مأموراً به، فقد لا يدخل في هذا المجال، قد يدخل في مجال المباح، فمجرد وقوعه تأويل له. أما الأمر فيتوجه العمل به لأنه مأمور به شرعاً، فالفرق بينهما خفيف وليس كبيراً، وبعض أهل العلم يعدهما واحداً، بل حتى شيخ الإسلام ابن تيمية -وهو الذي فرع هذا التفريع- كثيراً ما يذكر أن الأمر والعمل بمعنى واحد.

стр. 514

حكم السؤال عما يتوهم التعارض فيه من آيات القرآن الكريم السؤال إذا كان الشخص يكثر من السؤال في آيات القرآن، كأن يقول: هذه آية تقول كذا، وهذه الآية تقول كذا، بشيء معارض ظاهراً؛ فهل هذا مما نهى عنه السلف؟ الجواب السؤال عن الآيات أو عن النصوص للاستعلام ولطلب العلم الشرعي ليس فيه حرج، أما إذا كان للتعنت أو لإظهار القدرة العلمية، أو للكشف عن قدرة المسئول؛ فهذا مما نهى الله عنه، لكن مجرد السؤال عن مثل هذه الأمور لطلب العلم، أو لإشكال لا يزول إلا بالسؤال هذا له ضوابطه، فإن كان السؤال مما يشكل في القدر أو في معاني أسماء الله وصفاته مما يشكل على السامعين؛ فلا يجوز علناً، ينبغي أن يكون السؤال بين السائل -طالب العلم- والعالم، وإذا ورد السؤال على العالم على وجه يجهله السائل ووجد أن السؤال غير لائق فينبغي أن ينصرف عن الجواب عنه، ويحيل السائل على وقت آخر يجيبه فيه، إلا إذا خيف الإشكال في السؤال، بمعنى أنه لابد من الإجابة عنه خوفاً من أن يرسخ الإشكال. المهم أن الأدب في السؤال أن يكون على الضوابط الشرعية، فإذا كان السؤال مما يثير، لكن السائل جاد فينبغي ألا يسأل هذا السؤال المثير علناً فيفتن الناس، وأن يكون قصده فعلاً الوصول إلى الحق، فهذه المسألة ترجع إلى هذا الضابط. وليس كل من بدا له أمر أثاره، أما ظهور هذه الظاهرة بين كثير من المتعالمين أو طلاب العلم الصغار فينبغي أن يعالج. يعني: كثرة الأسئلة في أمور قد تكون إما من المعضلات أو تكون من التوافه، وإشغال الناس بها، وأحياناً يعلقون بها الحكم على الناس والولاء والبراء والموقف من السائل والمسئول والسامع إلى آخره، هذه الأمور لا تجوز، وقد كثرت كثيراً أسئلة لا فائدة منها أو تثير إشكالات كبيرة في الدين، أو من التوافه التي لا يجوز التعلق بها وشغل الناس بها إلى آخره. فهذه كثرت ولا شك، وتحتاج إلى علاج، وهذه الأمور دائماً تصحب كل موجة إقبال على العلم الشرعي، فنحن -بحمد الله- الآن في موجة إقبال على العلم والتدين، وهذا من الأمور التي تبشر بخير، لكن تكون فيها هذه الظواهر ويجب أن تعالج، فدائماً يصحب الإقبال على أي شيء من الأشياء -سواء في الدين أو في غيره- يصحبه بعض الأشياء في بداية الأمر والتجاوزات، فلابد من تسديد الناس وعلاجهم ونصححهم.

стр. 515

شرح العقيدة الطحاوية [٤٥] هناك ألفاظ محدثة أطلقها أهل البدع كالجهمية والمعتزلة ومن تبعهم من الأشاعرة والماتريدية في أسماء الله وصفاته، ولم ترد في الكتاب والسنة، كالحدود والغايات والأركان والأعضاء والأدوات والجهات ونحوها، هذه الألفاظ موقف أهل السنة والجماعة منها أنه إذا دلت على كمال فإنه يثبت ذلك الكمال الذي دلت عليه ويرد اللفظ؛ لأن دلائل الكتاب والسنة قد تضمنت ذلك الكمال وزيادة، وإن دلت على معانٍ باطلة فإنها ترد مطلقاً معانيها وألفاظها.

стр. 516

الموقف من ذكر الحدود والغايات ونحو ذلك من الألفاظ المحدثة نفياً أو إثباتاً قال رحمه الله تعالى: [قوله: (وتعالى عن الحدود والغايات، والأركان والأعضاء والأدوات، لا تحويه الجهات الست كسائر المبتدعات). أذكر بين يدي الكلام على عبارة الشيخ ﵀ مقدمة، وهي: أن للناس في إطلاق مثل هذه الألفاظ ثلاثة أقوال: فطائفة تنفيها، وطائفة تثبتها، وطائفة تفصل وهم المتبعون للسلف، فلا يطلقون نفيها ولا إثباتها إلا إذا بين ما أثبت بها، فهو ثابت، وما نفي بها، فهو منفي؛ لأن المتأخرين قد صارت هذه الألفاظ في اصطلاحهم فيها إجمال وإبهام كغيرها من الألفاظ الاصطلاحية، فليس كلهم يستعملها في نفس معناها اللغوي، ولهذا كان النفاة ينفون بها حقاً وباطلاً، ويذكرون عن مثبتيها ما لا يقولون به، وبعض المثبتين لها يدخل فيها معنى باطلاً مخالفاً لقول السلف، ولما دل عليه الكتاب والميزان، ولم يرد نص من الكتاب ولا من السنة بنفيها ولا إثباتها، وليس لنا أن نصف الله تعالى بما لم يصف به نفسه ولا وصفه به رسوله نفياً ولا إثباتاً، وإنما نحن متبعون لا مبتدعون. فالواجب أن ينظر في هذا الباب، أعني باب الصفات، فما أثبته الله ورسوله أثبتناه، وما نفاه الله ورسوله نفيناه. والألفاظ التي ورد بها النص يعتصم بها في الإثبات والنفي، فنثبت ما أثبته الله ورسوله من الألفاظ والمعاني، وننفي ما نفته نصوصهما من الألفاظ والمعاني]. هذا الكلام كله يتعلق بالألفاظ المحدثة، والمقصود بالألفاظ المحدثة: هي تلك العبارات التي أطلقها أهل الأهواء، خاصة الجهمية والمعتزلة ومن سار على سبيلهم من أهل الكلام كالأشاعرة والماتريدية، أطلقوها في أسماء الله وصفاته، ولم ترد في الكتاب والسنة، سواء أطلقوها على سبيل الإثبات، ككلمة (القديم) وكلمة (الصانع)، أو أطلقوها على سبيل النفي كنفي المباينة والمفاصلة والعرض والجوهر والجسم إلى آخره، هذه العبارات كلها حينما كثرت وعمت بها البلوى قعد السلف لها بقواعد، هذه القواعد فيها تفصيل وفيها إجمال، أما التفصيل فسيأتي في الدرس القادم؛ لأن هذا الموضوع طويل، أما الإجمال فعلى ما يلي: أولاً: هذه الألفاظ -أي: كلمة الحدود، والغايات، والأركان، والأعضاء، والأدوات، والجهات، والأجسام، والجواهر، والمباينة، والمفاصلة ونحو ذلك مما تكلم به المتكلمون- كل هذه الأمور: تعتبر ألفاظاً مبتدعة، لم ترد في الكتاب والسنة. ثانياً: أنها لا تنفى بإطلاق ولا تقبل بإطلاق، يعني: لا تنفى نفياً مطلقاً ولا تثبت إثباتاً مطلقاً. ثالثاً: أنه لابد من التفريق بين معانيها وبين ألفاظها، فما كان فيها من معانٍ صحيحة أخذت وقبلت وردت إلى ألفاظ الشرع، وما كان فيها من معانٍ فاسدة فإنها ترد مطلقاً، أما ألفاظها فليست بملزمة، بل ينبغي تجنب هذه الألفاظ البدعية. رابعاً: أن ما تكلم الله به عن نفسه وما تكلم به رسوله ﷺ عن ربه هو الكمال المطلق الذي يدخل فيه كل كمال يمكن أن يرد في أذهان البشر أو على ألسنتهم. خامساً: أن كل كمال فالله أحق به، وكل ذلك راجع إلى ألفاظ الشرع، فلا يمكن لأحد من المخلوقات أن يعبر باسم أو وصف أو فعل لله بأعظم مما تكلم الله به عن نفسه وتكلم به عنه رسوله ﷺ .

стр. 517

مواقف الناس تجاه الحد والغاية ونحوهما من الألفاظ المحدثة الأمر الآخر: أن الناس لهم تجاه هذه الألفاظ المحدثة ثلاثة مواقف: الموقف الأول: موقف أهل الحق أهل السنة والجماعة، وهو التفصيل الذي ذكرته، بأن أي لفظ يرد يقصد به وصف الله أو تسميته فإنا لا نتعجل فيه، فإن اقتضى كمالاً أخذنا بمعنى الكمال لكننا نستغني عن اللفظ؛ لأنَّه لابد أن نجد هذا الكمال فيما تكلم الله به عن نفسه، بل لله من الأسماء والصفات ما هو جامع لكل الكمال، مثل: اسم الجلالة (الله)، ومثل (الحي القيوم)، ومثل (العلي العظيم)، (الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد) إلى آخر ذلك من عبارات الكمال التي يدخل فيها كل كمال. أما المعاني الباطلة فترد، والألفاظ لا نلتزم بها، بل نردها. إذاً: هذا الفريق الذي يفصل هم أهل السنة والجماعة. الفريق الثاني أو الطائفة الثانية: هم الذين يثبتون هذه المعاني ويقصدون التشبيه أو التجسيم أو التمثيل، وهؤلاء هم المجسمة، وسيأتي الكلام عنهم في ثنايا الدرس قريباً. والمجسمة: هم الذين يطلقون هذه العبارات أو معانيها ويحدونها في حق الله ، وقد لا يقولون بالحدود، لكنهم يقولون بما يفهم الحدود، بأن يتصوروا لربهم تصورات تدل على الحدود، ويجعلون هذه التصورات عقائد، وكذلك الغايات والأركان والأعضاء والأدوات، فالمجسمة أشكال وأنواع، والممثلة كلهم يقولون بنوع من أنواع التحديد، والغايات والأركان، والأعضاء، والأدوات، وهؤلاء أيضاً جانبوا الحق ووقعوا في الكفر. وطائفة تنفي هذه الألفاظ وتنفي معها حقائق صفات الله وأفعاله، بمعنى أنهم يجعلون هذه القواعد عندهم هي المحتكم ثم يردون إليها معاني ألفاظ كلام الله على نهج غير سليم، فيردون هذه الألفاظ كما يردها السلف لكنهم يردون معها معاني أسماء الله وصفاته وأفعاله، فمثلاً: يقولون بأنه لا يجوز في حق الله الحد، والعلو الذاتي حد، إذاً: فالعلو منفي عن الله، ويقولون: العلو يكون علواً معنوياً، وأحياناً يقولون: الاستواء حد، والحد ممنوع، إذاً: الاستواء له معنى آخر، فيؤولون معنى الاستواء أو ينكرونه، وقد يقولون مثلاً: اليد عضو، والله منزه عن العضو، إذاً: لليد معنى آخر غير حقيقتها التي تكلم الله بها إلى آخره، فيردون هذه الألفاظ ويردون معها حقائق أسماء الله وصفاته وأفعاله. وهذا الصنف هم المعطلة والمؤولة، وهؤلاء اللبس عندهم أكثر من اللبس عند المشبهة؛ لأن المشبهة أمرهم واضح، فالتشبيه ينفر منه الطبع، حتى العوام الذين لا يدركون تفصيل العقيدة، فإنهم في الغالب ينفرون من التشبيه، أما التأويل والتعطيل فإنه في الغالب يكون بأمور مشتبهات، ويكون بتلبيس، فيقع فيه كثير من الناس إذا لم يتشربوا العقيدة السليمة. فالمهم أن أصناف الناس تجاه هذه الأمور ثلاثة: الأول: الذين يفصلون ويردون المعاني إلى أسماء الله وصفاته وأفعاله الواردة في الكتاب والسنة، وهم أهل السنة والجماعة. الثاني: الذين يقبلون هذه الألفاظ ولا يتأدبون في إطلاقها على الله ، وهم الممثلة، وهؤلاء خرجوا عن الحق وكفروا. الثالث: الذين يردون هذه الألفاظ ويردون معها حقائق صفات الله وأفعاله وأسمائه، وهؤلاء هم الجهمية المعطلة، والمعتزلة المؤولة، وأهل الكلام المؤولة. ثم قال: [فالواجب أن ينظر في هذا الباب، أعني باب الصفات، فما أثبته الله ورسوله أثبتناه] بمعنى أن هذه المعاني التي وردت بها هذه الألفاظ ما أثبته الله ورسوله منها أثبتناه، فمعانيها الحقة نردها إلى كلام الله وكلام رسوله ﷺ ، وما نفاه الله ورسوله نفيناه. يقول: [والألفاظ التي ورد بها النص يعتصم بها في الإثبات والنفي]، بمعنى: يرد إليها كل شيء، فالألفاظ التي ورد بها النص أولاً تقر وتثبت ويؤمن بها، ثم تكون هي القاعدة والمحتكم والميزان، فما ورد على ألسنة البشر يرد إليها، فما كان فيها من معنى صحيح أخذ، لكن يلتزم اللفظ الشرعي ويرد اللفظ البدعي، فاللفظ البدعي قد يحتمل حقاً وباطلاً، فالحق الذي فيه نأخذه ونرده إلى ألفاظ الشرع، ونستغني عن اللفظ المبتدع، والباطل نرده مطلقاً، فنثبت ما أثبته الله ورسوله من الألفاظ والمعاني، وننفي ما نفته نصوصهما من الألفاظ والمعاني.

стр. 518

الأسئلة

стр. 519

إطلاقات الإرجاء تاريخياً السؤال ما حكم القول بأن من الصحابة مرجئة بسبب موقفهم من الفتنة التي وقعت بعد مقتل عثمان ﵁، وإن كان إرجاؤهم من جهة اللغة، وهل المرجئة ظهرت في الصدر الأول كما يقول بعضهم؟ الجواب المرجئة من حيث الإطلاق التاريخي تطلق على ثلاثة أصناف: الصنف الأول: الذين توقفوا في أمر المختلفين بعد الفتنة التي تلت قتل عثمان ﵁؛ فإن هناك من الناس من توقف في أمر الفريقين الذين حصل بينهم نزاع بعد مقتل عثمان، وهذا التوقف على درجات، منهم من توقف في أن يحكم عليهم في الدنيا من هو المخطئ ومن هو المصيب، ومنهم من زاد وتوقف في الحكم عليهم في الآخرة، وعلى أي حال هذا إرجاء تجاوزه الزمن ولم يعد له وجود، إلا عند بعض طوائف أهل الأهواء، ولم يقل به أحد من الأئمة المعتبرين. كما أنه لم يعد يطلق في الاصطلاح، فالاصطلاح يطلق على الإرجاء الذي هو النوع الذي ظهر بعد ذلك، وهو إرجاء الأعمال عن الإيمان، أي: إخراج الأعمال من مسمى الإيمان، وهذا يسمى إرجاء الفقهاء. ونوع ثالث هو إرجاء الجهمية، وهم الذين يقولون بأن الإيمان هو المعرفة فقط، وأن من عرف الله كفاه ذلك، فلا ينفعه زيادة عمل ولا يضره العصيان، إنما مجرد المعرفة بالله تكفيه وتكون طريقاً للنجاة. فالإرجاء الأول والإرجاء الثاني لم يعد لهما شهرة، وصار الاصطلاح الغالب أن إرجاء الفقهاء هو القول بأن الأعمال لا تدخل في مسمى الإيمان، وأن الأعمال لا تزيد ولا تنقص، وأنه لا يجوز الاستثناء في الإيمان. أما الإرجاء الأول: فإنه لم يكن واضحاً أولاً، بمعنى أنه فيه اضطراب في النقل، ثم إنه لم ينسب إلى أحد من المعتبرين، إنما نسب إلى طائفة من الذين توقفوا وليس لهم اعتبار في الدين، إما أئمة الدين من الصحابة الذين حصلت في عهدهم الفتنة، وكذلك كبار التابعين فإنهم لم يستقروا على عقيدة تسمى الإرجاء، إنما استقر قولهم آخر الأمر بعد تمحيص الأخبار على أن المقتتلين أو الذين تنازعوا بعد عثمان ﵁ من الصحابة وغيرهم كلهم مجتهدون، وكلهم مأجورون، وأن الفئة الأقرب إلى الحق هي التي كانت مع علي بن أبي طالب ﵁ بالجملة، والفئة الأخرى مخطئة لكنها لا تفسق بذلك؛ لأنها مجتهدة، ولأنها مأجورة، هذا ما انتهى إليه السلف آخر الأمر، ولم يعد هناك قول ثانٍ يعتد به.

стр. 520

مدى صحة تسمية إرجاء أمر مرتكب الكبيرة إلى الله إرجاءً السؤال أحدهم قسم ما وقع في مرجئة السنة إلى قسمين: الأول: إرجاء أمر صاحب الكبيرة إذا لم يتب إلى الله ، إن شاء عذبه وإن شاء غفر له، والثاني إرجاء العمل عن مسمى الإيمان، فهل الأمر الأول يسمى إرجاء؟ الجواب هذا ليس بإرجاء، هذا تعبير عن الحق، كلمة (يرجأ أمره إلى الله) تعبير عن الحق، وليس هذا إرجاءً بالمعنى البدعي، إنما هذا تعبير لغوي عن عقيدة سليمة، أي: أن يقال: إن العصاة يرجأ أمرهم إلى الله إذا ماتوا على معصيتهم، فهذا ليس بإرجاء، إنما التعبير بـ (يرجأ) هنا تعبير لغوي سليم ليس بمعنى الإرجاء البدعي.

стр. 521

شرح العقيدة الطحاوية [٤٦] الأصل الواجب في صفات الله تعالى أن يثبت لله ما أثبته لنفسه أو أثبته له رسوله، وينفى عنه ما نفاه عن نفسه أو نفاه عنه رسوله من الألفاظ والمعاني، وأما الألفاظ التي لم يرد نفيها ولا إثباتها كالجهة ونحوها من الألفاظ المحدثة، فيثبت ما دلت عليه من المعاني الصحيحة اللائقة بالله، وينفى ما دلت عليه من المعاني الباطلة، وأما اللفظ فيرد مطلقاً؛ لأنه لفظ مبتدع محدث، ومعناه قد دلت عليه نصوص الكتاب والسنة.

стр. 522

معنى قول الطحاوي: (وتعالى عن الحدود والغايات) نعود هنا إلى بيان المصطلحات؛ لأنها ستكون مثار أمثلة في أكثر المقاطع التي ستأتي. قوله: (وتعالى عن الحدود والغايات، والأركان والأعضاء والأدوات، لا تحويه الجهات الست كسائر المبتدعات). هذا متعلق بما أطلقه أهل الأهواء في زمن المؤلف ﵀، وهو الطحاوي صاحب الأصل، ثم إن هذه المصطلحات تتعلق بما اشتهر من كلمات في عهده في نهاية القرن الثالث وبداية القرن الرابع، ثم أضاف إليها الذين جاءوا بعد من أهل الكلام في القرن الخامس والسادس عبارات جديدة، فلعلنا نقف عند مفاهيم هذه العبارات وقفة لتكون قاعدة لما سيأتي من أمثلة وموازين على ضوء ما ذكر الشيخ. فقوله: (وتعالى عن الحدود والغايات)، يقصد أن الله منزه عن أن يحد بأي نوع من الحدود الزمنية، والحدود المكانية، والكيفية، والعمق، والمسافة، ونحو ذلك، كل هذا يسمى حدوداً. وكذلك الغايات، أي: النهايات، والنهاية تدل على ما ذكرته، والحدود والغايات بينهما ترابط، فإن القول بالحدود يلزم منه القول بالغايات، فبين العبارتين نوع ترادف، وهذه العبارات التي جاءت لم يكن السلف يتكلمون بها، بل كانوا يبدعون من قالها، لكن لما قيلت احتملت معنيين كما سيأتي في الشرح، فالمعنى المتبادر للأذهان هو الذي نفاه الشيخ، فالشيخ هنا قرر ما تقتضيه الفطرة كعادة السلف في ذلك الوقت قبل أن يكثر تشقيق هذه العبارات والتفصيل فيها إلى حد يحتاج إلى مزيد بيان. فمن البدهي أن الله منزه عن الحدود المعلومة في عالم الشهادة، ومنزه عن الغايات المعلومة في عالم الشهادة، لكن لا يعني ذلك أنه تعالى منزه عن الكمال الذي يسميه أهل الأهواء حدوداً وغايات، فلله من صفات الكمال، ولله من الأسماء والأفعال ما سماه أهل البدع حدوداً وغايات من أجل أن ينفروا فطر الناس من العقيدة السليمة، فمن هنا ينبغي التنبه إلى هذا المعنى الذي سيأتي تفصيله.

стр. 523

معنى نفي الأركان والأعضاء والأدوات عن الله وكذلك قوله: (والأركان، والأعضاء، والأدوات)، هذه أيضاً فيها نوع ترادف، حيث يقصد بالأركان الأجزاء الأساسية التي تشكل الشيء، فالغالب أن الذين أطلقوا هذه الكلمات يقصدون بالأركان مثل: الرجل، واليد، والقدم، والوجه ونحو ذلك، وقد يقصدون بالأركان أحياناً مثل العرش والكرسي ونحو ذلك. وكذلك الأعضاء يقصدون بها الأعضاء المعهودة في المخلوقات، كاليد، والرجل، والوجه وغيرها، والأدوات هي الأمور التي تستعمل عند المخلوقات عادة، لكنهم يدخلون في مفهوم الأدوات الرجل، والقدم، واليد ونحو ذلك. فهذه الأمور -الأركان، والأعضاء، والأدوات- لا شك في أنها بالفطرة منفية عن الله بمفهومها عند البشر، فهي منفية عن الله إطلاقاً وحتماً؛ لأن الله سبحانه ليس كمثله شيء، وله الكمال المطلق، لكن أهل الأهواء الذين نفوها يقصدون بنفيها نفي ما ورد من صفات الله ، فيسمون صفات الله الواردة أركاناً وأعضاء وأدوات، فيسمون: اليد، والرجل، والوجه، والنفس أركاناً وأعضاء وأدوات، فمن هنا كان لابد من التفصيل. وقول الشارح ينبني على النفي الفطري، ففي وقته لم يكن الناس قد تعمقوا في هذه المسائل، لكن بدأت بوادرها، فكان يقصد النفي الفطري؛ لأن الله يتعالى عن هذه الأمور التي يفهمها البشر في عالم الواقع والشهادة، وإلا فإن الله له من الصفات ما أثبته لنفسه وما أثبته له رسوله ﷺ ، والتي قد يسميها بعضهم من المبطلين أركاناً، وأعضاء وأدوات؛ تمويهاً وتشبيهاً وتلبيساً.

стр. 524

معنى قول الطحاوي: (لا تحويه الجهات الست كسائر المبتدعات) ثم قال: (لا تحويه الجهات الست كسائر المبتدعات). المقصود بالجهات الست: الشمال، والجنوب، والشرق، والغرب، ثم الفوق، والتحت. هذا الكلام أيضاً كلام مجمل، فالمسلمون بفطرتهم كلهم -إلا الذين دخلهم شيء من الأهواء- يعرفون أن الله لا تحكمه الجهات التي تحكم المخلوقات، لكن قد يدخل في نفي مفهوم الجهة ما هو من كمال الله ، وهو العلو والفوقية والاستواء، فقد يسميها كثير من المبطلين جهة، ومن هنا ينفون العلو والاستواء والفوقية بدعوى أنها جهة، فكان لابد من التفصيل، لكن الإمام الطحاوي ﵀ نفاها بالنفي الفطري المعروف عند سائر السامعين قبل أن تتحقق هذه الأمور بالتشقيقات الفلسفية، هذا أمر.

стр. 525

بيان ما أحدثه المتكلمون من مصطلحات لنفي ما ثبت لله من الصفات أو تأويلها الأمر الآخر: أن الذين جاءوا بعد الطحاوي أضافوا أموراً أخرى هي أكثر ما يدور الآن عند المتكلمين المتأخرين، وهي ما يسمونه: الأعراض، والجواهر، والأجسام، يقولون: إن الله منزه عن الأجسام، والأعراض، والجوهر، والتلبيس الذي وجد في هذه الألفاظ كالتلبيس الذي وجد في تلك، لكن استعمالها أكثر، فاستعمال الأعراض والجواهر والأجسام الآن وسيلة لتعطيل أسماء الله وصفاته وأفعاله أو تأويلها أكثر من استعمال الحدود والغايات والأركان والأعضاء والأدوات؛ ذلك أنهم زعموا أن إثبات الصفات يقتضي التجسيم، فقالوا: إن الله منزه عن الجسم، وهذا كلام فيه جانب حق لكن أريد به الباطل، نعم الله ليس كسائر المخلوقات التي لها أجسام، لكنهم يدخلون في مفهوم الجسم بعض كمالات الله فينفونها بدعوى أنها جسمية، كاليد والعين والنفس ونحو ذلك، يقولون: هذه تقتضي الجسمية، والله منزه عن الجسم إذاً: هو منزه عن أن نثبت له يداً ورجلاً وقدماً ونحوها على ما يليق بجلاله، فمن هنا نفوا الصفات بدعوى أنها تقتضي الجسمية، والتمثيل والمشابهة وكذلك الأعراض، يقصدون بالأعراض: الصفات التي يمكن أن يعبر عنها بتعبير يدل على كيفيتها على أي نحو من الأنحاء: فالطول، والعرض، واللون ونحو ذلك كلها أعراض، فيقولون: إن الله منزه عن الأعراض، وهذا الكلام فيه حق، لكنه اشتمل على تلبيس، فيدخلون في الأعراض الصفات، فيقولون: إن هذه أعراض، إذاً: فلابد من تأويلها، وكذلك الجواهر، والجواهر: مفردات الجسم، فجزئيات الجسم يسونها جواهر، فينفون كثيراً من صفات الله لأنها -كما يقولون- تقتضي الجسمية، والجسمية ترد إلى الجواهر، والله ليس بجوهر ولا عرض ولا جسم، فمن هنا كل ما يدل على هذه المعاني من الصفات الواردة في الكتاب والسنة إما أن ينفوه، وإما أن يؤولوه بدعوى أنه يقتضي الجسمية، أو العرضية، أو الجوهر ونحو ذلك. فيقولون مثلاً: اليد ركن، أو اليد عضو، أو اليد جسم، أو اليد عرض، أو اليد تتكون من مجموعة جواهر إلى آخره، إذاً: فلا يليق أن نصف الله باليد. فيقعون ويوقعون في التعطيل والتأويل، ونحو ذلك من الأمور الأخرى، كل هذه الأمور بدأت تظهر من جديد على أساس أنها معاول ووسائل للتأويل والتعطيل الذي سلكه المبتدعة. وقد ذكر الشارح هؤلاء بقوله: [لأن المتأخرين قد صارت هذه الألفاظ في اصطلاحهم فيها إجمال وإبهام، كغيرها من الألفاظ الاصطلاحية، فليس كلهم يستعملها في نفس معناها اللغوي]، بمعنى أنهم يتفاوتون في المفهوم منها، فكل يفهمها بحسب ما لديه من قواعد وعقائد سابقة وخلفية إن صح التعبير؛ ولهذا كان النفاة ينفون بها حقاً وباطلاً، النفاة الذين هم أهل الكلام والجهمية والمعتزلة، هؤلاء كلهم نفاة. وقوله: [ويذكرون عن مثبتيها ما لا يقولون به]، يعني أن النفاة الذين يستعملونها لنفي صفات الله وتعطيلها يقولون لمن أثبت الصفات: إنه قال بالحد، أو يقول بالغايات، أو يقول بالأركان، ويرون أنه يقول بالأعضاء، أو أنه يقول بالأدوات، أو أنه يقول بالجسمية، والعرضية، والجوهرية إلى آخره، ولذلك وصف المتكلمون السلف بأنهم حشوية ومجسمة، وحاشاهم. قوله: [وبعض المثبتين لها] يقصد هنا المشبهة الممثلة [يدخل فيها معنى باطلاً مخالفاً لقول السلف]، حيث يبالغون في الإثبات إلى حد لم يرد في الكتاب والسنة، فيثبتون الحد، والغاية، والركن، والعضو، والأداة بألفاظ بدعية وبمعانٍ لا تليق بالله ، وتناقض قول الله : ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١]، وهؤلاء هم المشبهة الممثلة المجسمة، وهم -بحمد الله- في الأمة قليل.

стр. 526

القاعدة الشرعية فيما لم ترد به النصوص نفياً أو إثباتاً من المصطلحات ثم ذكر القاعدة في الكتاب والسنة في هذه الأمور بقوله: [ولم يرد نص من الكتاب ولا من السنة بنفيها ولا إثباتها]، هذه قاعدة كبرى تحكم جميع هذه الألفاظ وغيرها من الألفاظ التي ترد، فكل ما يوصف به الله مما لم يرد في الكتاب والسنة يخضع لهذه القاعدة، سواء في الأسماء أو الصفات أو الأفعال، كل ما يرد على ألسنة الناس -سواء الألفاظ القديمة التي ذكرت نماذج منها، أو الألفاظ التي تحدث الآن من كثير من الناس- فإنه إذا لم يأت في الكتاب والسنة فلابد أن يخضع لهذا الميزان، وهو أنه لم يرد نص من الكتاب والسنة ينفيها ولا يثبتها، إذاً: فلابد من التفصيل على النحو الذي سيأتي. يقول رحمه الله تعالى: [وليس لنا أن نصف الله تعالى بما لم يصف به نفسه ولا وصفه به رسوله نفياً ولا إثباتاً]، يعني: لا ننفي ولا نثبت، لا هذه الأمور ولا غيرها مما يرد من الأمور المشتبهة. نعم النقائص المحضة ننفيها دون تردد، والكمال المحض الواضح الذي ليس فيه إشكال نثبته بلا تردد، لكن أغلب الألفاظ وما يثبه الناس وينفونه مما لم يرد في الكتاب والسنة من الأمور المشتبهة التي تحتمل معنى باطلاً وتحتمل معنى حقاً، فهذه لابد أن يتوقف فيها على القواعد التي ستأتي.

стр. 527

قواعد شرعية في شأن الألفاظ المبتدعة قال رحمه الله تعالى: [فالواجب أن ينظر في هذا الباب -أعني باب الصفات- فما أثبته الله ورسوله ﷺ أثبتناه، وما نفاه الله ورسوله ﷺ نفيناه، والألفاظ التي ورد بها النص يعتصم بها في الإثبات والنفي، فنثبت ما أثبته الله ورسوله من الألفاظ والمعاني، وننفي ما نفته نصوصهما من الألفاظ والمعاني، وأما الألفاظ التي لم يرد نفيها ولا إثباتها لا تطلق حتى ينظر في مقصود قائلها، فإن كان معنى صحيحاً قُبل، لكن ينبغي التعبير عنه بألفاظ النصوص دون الألفاظ المجملة إلا عند الحاجة، مع قرائن تبين المراد والحاجة، مثل أن يكون الخطاب مع من لا يتم المقصود معه إن لم يخاطب بها ونحو ذلك]. في هذا المقطع أجمل مجموعة من القواعد العظيمة التي قررها السلف؛ أجملها إجمالاً لأنه كان الأمر في عصر الشارح واضحاً عند كثير من أهل العلم، أما الآن فنحتاج إلى أن نستقرئ هذه القواعد الإجمالية بشيء من التفصيل، والتي تحكم ما ذكره سابقاً من الكلام عن الحدود والغايات والأركان والأعضاء، وسائر الألفاظ المبتدعة، هذه القواعد تتلخص فيما يلي: القاعدة الأولى: أنه في باب الأسماء والصفات والأفعال يثبت لله ما أثبته لنفسه وما أثبته له رسوله ﷺ ، وينفى عن الله ما نفاه عن نفسه، وما نفاه عنه رسوله ﷺ جملة وتفصيلاً، هذه القاعدة الأولى وهي المرجع، وهي الأصل. القاعدة الثانية: أن الكلام في أسماء الله وصفاته وأفعاله بما لم يرد في الكتاب والسنة نفياً وإثباتاً بدعة في الأصل، ولم يخالف في ذلك أحد من السلف، لكن قد يضطر العالم إلى الكلام فيما ابتدعه الناس ضرورة من أجل بيان الحق وتثبيته، ونفي الباطل والرد على أهله، هذا أمر قد يضطر إليه العالم، بمعنى: أنه لم يوجد أصلاً من السلف من أجاز لنفسه أن يتكلم عن أسماء الله وصفاته وأفعاله بشيء لم يرد في الكتاب والسنة لغير حاجة ابتداء، لكن ما فعله بعض السلف من الكلام في الأمور التي أحدثها أهل البدع؛ فإنما لجئوا إلى ذلك اضطراراً تقريراً للحق ودفاعاً عن العقيدة؛ لأن البدعة إذا اشتهرت أو عمت بها البلوى لابد من الكلام فيها لتصحيح العقيدة ولنفي الباطل ولإقرار الحق والدفاع عن عقيدة السلف. إذاً: تبقى القاعدة سليمة، وما حدث من بعض السلف من الكلام في أمر لم يرد في الكتاب والسنة إنما حدث اضطراراً لعموم البلوى. القاعدة الثالثة: أن هذه الألفاظ التي ذكرها الشارح عن أهل الكلام ونحوها تبين لنا جزماً بالاستقراء أنه لم يرد في الكتاب والسنة لا نفيها ولا إثباتها، فهذه الألفاظ التي ابتدعها المتكلمون، كالحدود، والغايات والأركان والأعضاء والأدوات والجهات والأعراض والجسم والجوهر والمباينة والمفاصلة والجهة ونحو ذلك، كل هذه الأمور لم يرد في الكتاب والسنة نفيها مطلقاً ولا إثباتها مطلقاً، إذاً: نحتاج إلى أن نرجع إلى القواعد العامة، كقوله : ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١]. القاعدة الرابعة: أن هذه الألفاظ إذا وردت على لسان أحد من الناس فلا تنفى إطلاقاً ولا تثبت إطلاقاً، حتى ينظر في مقصود قائلها، فإن قصد قائلها معنىً صحيحاً يدل على الكمال أخذنا هذا المعنى، ورددناه إلى ألفاظ الشرع، أما اللفظ المبتدع فيرد مطلقاً، وما يحمله من معنى يرد إلى ما ورد في الكتاب والسنة، وما كان فيها من معنى فاسد فإنه يرد مع لفظه. القاعدة الخامسة: أن ما ورد في الكتاب والسنة من أسماء وصفات وأفعال الكمال لله يفي بكل ما يمكن أن يتصوره البشر من الكمال، وبكل ما يمكن أن ينطقون به بأي لسان من الكمال لله ، فأي كمال يمكن أن يتصور وأي كمال يمكن أن ينطق به البشر بأي لغة من اللغات؛ فلابد أن يوجد في الكتاب والسنة ما يدل عليه وزيادة، بل من أسماء الله ما يشمل كل كمال يمكن أن يتصور، كاسم الجلالة (الله)، وكالحي القيوم، والأحد الصمد، وكالعلي العظيم، وكثير من أسماء الله تتضمن الكمال المطلق، فلو نطق جميع البشر بأنواع الكمالات لاشتمل عليها هذا اللفظ وهذا الاسم لله . وإنما أردت بهذا أن أقرر ما ذكره السلف من أنه لا يمكن أن يتوهم أن يرد في ذهن أحد من الناس أو على لسانه كمال نحتاج إلى أن نثبته ولم يرد في الكتاب والسنة مثله أو ما يزيد عليه.

стр. 528

أمثلة للموقف الصحيح تجاه الألفاظ المبتدعة

стр. 529

الموقف الصحيح من لفظ الأعضاء نعود إلى التمثيل على هذه القواعد جميعها، فلنأخذ من ذلك (كلمة الأعضاء) على سبيل المثال: فإذا جاء إنسان وقال: الله منزه عن الأعضاء، فظاهر كلامه أنه حق لأول وهلة؛ لأنه قد يفهم المعنى المباشر، وهو الأعضاء المعلومة عند المخلوقات، والله ليس كمثله شيء، لكن إن كان المتكلم صاحب بدعة ومعروفاً بالاعتزال أو بالتجهم، أو بالحذلقة والجدال والمراء، أو بالتفلسف والتعالم والغرور، وأطلق هذه الكلمة ونحن نعرف من قرائن أحواله أنه متكلم أو متحذلق أو متعالم فلا يجوز له ولا يجوز لنا أن نأخذ هذا الكلام على إطلاقه، فنقول: نعم كلمة (أعضاء) لم ترد في الكتاب والسنة، لكن ماذا تريد بالأعضاء؟ إذ يحتمل عندنا مراد من ينفي عن الله الأعضاء -تعالى الله عما يتصوره المشبهة والممثلة وما يزعمه النفاة والمعطلة- احتمالين، فنقول له: ماذا تقصد بالأعضاء؟ فإن قصد بالأعضاء الجسمية المعهودة للمخلوقات فنفي ذلك حق، ولكن ينفى بدون إشارة إلى الأعضاء، فلا داعي لأن نقول: إن الله منزه عن الأعضاء التي هي أعضاء المخلوقات لأن هذا أمر بدهي؛ لأن الله ليس كمثله شيء، فنقول له: نزه الله بما نزه به نفسه تسلم من هذه الفلسفات، فقل: ليس كمثله شيء سبحانه، أو قل: هو الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد، أو نحو ذلك من النفي المجمل الكامل الذي ينفي كل نقص عن الله . إذاً: إذا كان المتكلم يريد المعنى الباطل المعهود في الأذهان فنقره على ذلك، لكن نبين له أنه أخطأ في إطلاق كلمة أعضاء؛ لأنها قد تحتمل المعنى الآخر. وقد يحتمل أن يقصد النافي للأعضاء نفي صفات الله التي توهم أنها إثبات للأعضاء، فقد يكون قصد هذا المتكلم من المتفلسفة أو من أتباع الفرق الذين ابتلوا بالكلام في هذه الأمور -كالأشاعرة والماتريدية، والجهمية والمعتزلة ومن سار على سبيلهم أو تأثر بالفلاسفة- قد يكون قصده بنفي الأعضاء نفي ما أثبته الله لنفسه من اليد والوجه والقدم والرجل ونحو ذلك مما هو ثابت في الكتاب والسنة، فنقول له: إن كنت تقصد بهذا نفي ما أثبته الله لنفسه فهذا باطل، لا يجوز لك أن تنفي ما أثبته الله لنفسه، وما أثبته الله لنفسه حق، فقولك هذا لا تقر عليه، وتسميتك لهذه الصفات أعضاء خطأ. إذاً: المعنى الذي نفى به كلمة (عضو) إن قصد به ما يتبادر إلى الذهن من مشابهة المخلوقات؛ فهذا منفي عن الله ، وإن قصد به ما ورد في كلام الله وكلام رسوله ﷺ من صفات الله التي يتوهم أنها تشبه صفات المخلوقات فيقال له: عبارتك ليست صحيحة، فنفيك للأعضاء من حيث إنها تشبه أعضاء المخلوقين حق، لكن بهذا التعبير خطأ، ونفيك للأعضاء بمعنى صفات الله التي سميتها أعضاء باطل، ولا يجوز لك أن تنفي بهذه الطريقة، بل تنفي ما نفاه الله عن نفسه، وتثبت ما أثبته الله لنفسه. وبقي المعنى الصحيح لكلمة أعضاء، وهو إثبات الصفات، فنقول: نثبت لله الصفات، وهو المعنى المقصود عند المتكلم حينما أخطأ، لكن نستغني عن كلمة (أعضاء) لأنها لم ترد في الكتاب والسنة، ولأن الله وصف نفسه بصفات معينة تليق بجلاله، ولأن هذا اللفظ يشتبه الأمر فيه، فننفيه.

стр. 530

الموقف الصحيح من لفظ الجهة ويتبين الأمر بمثال آخر مفرد، وهو كلمة (جهة)، فبعض الناس يأتي ويقول: الله منزه عن الجهة، فنقول له: كلامك هذا مجمل، فما قصدك بالجهة؟ فهذه الكلمة لم ترد في الكتاب والسنة وهي بدعة، فأنت تكلمت ببدعة، لكن حينما نفيت الجهة ماذا تقصد؟ فلابد من أن يقصد أحد أمرين: إما أن يقصد بالجهة العلو والفوقية والاستواء، وإما أن يقصد بالجهة المكان الذي يحصر الموجود. فإن قصد بالجهة المكان الذي يحصر ويحيط بالموجود؛ فنقول: الله لا يحيط به شيء، وهو سبحانه أعظم وأجل من أن تحيط به المخلوقات، فهذا المعنى منفي عن الله فعلاً، لكن لماذا سميته جهة؟! وإما أن يقصد بالجهة العلو والفوقية، فنقول له: أخطأت في نفي الجهة؛ لأنك حينما سميت العلو والفوقية جهة بهذا اللفظ أخطأت، فالعلو والفوقية والاستواء ثابتة لله ، لكننا لا نسميها جهة. وكذلك لو أطلق إنسان الجهة على الله على سبيل الإثبات وليس على سبيل النفي، فقال: أنا أطلق على الله الجهة، نقول له: ماذا تقصد؟ فإن قال: أقصد بالجهة أنه تحيط به الأشياء، قلنا: هذا باطل، ونرد اللفظة ومعناها الباطل، وإن قصد بإثبات الجهة إثبات العلو والفوقية والاستواء فنقول له: المعنى الذي قصدته بالجهة -وهو العلو والفوقية والاستواء لله صحيح، لكننا لا نحتاج إلى كلمة (جهة)؛ لأنها مشتبهة، فأخذنا المعنى ورددنا اللفظ، وهكذا كل مثال يرد من هذه الأمور المشتبهات، فما فيه من معنى صحيح نأخذه، لكن نرد اللفظ؛ لأن اللفظ مشتبه، وما فيه من معنى باطل نرده مع لفظه مطلقاً.
следующие страницы →