← Акыда

Акыда · id 37433

شرح العقيدة الطحاوية - ناصر العقل

ناصر العقل

Полный текст (1 296 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

القاعدة الشرعية فيما لم ترد به النصوص نفياً أو إثباتاً من المصطلحات ثم ذكر القاعدة في الكتاب والسنة في هذه الأمور بقوله: [ولم يرد نص من الكتاب ولا من السنة بنفيها ولا إثباتها]، هذه قاعدة كبرى تحكم جميع هذه الألفاظ وغيرها من الألفاظ التي ترد، فكل ما يوصف به الله مما لم يرد في الكتاب والسنة يخضع لهذه القاعدة، سواء في الأسماء أو الصفات أو الأفعال، كل ما يرد على ألسنة الناس -سواء الألفاظ القديمة التي ذكرت نماذج منها، أو الألفاظ التي تحدث الآن من كثير من الناس- فإنه إذا لم يأت في الكتاب والسنة فلابد أن يخضع لهذا الميزان، وهو أنه لم يرد نص من الكتاب والسنة ينفيها ولا يثبتها، إذاً: فلابد من التفصيل على النحو الذي سيأتي. يقول رحمه الله تعالى: [وليس لنا أن نصف الله تعالى بما لم يصف به نفسه ولا وصفه به رسوله نفياً ولا إثباتاً]، يعني: لا ننفي ولا نثبت، لا هذه الأمور ولا غيرها مما يرد من الأمور المشتبهة. نعم النقائص المحضة ننفيها دون تردد، والكمال المحض الواضح الذي ليس فيه إشكال نثبته بلا تردد، لكن أغلب الألفاظ وما يثبه الناس وينفونه مما لم يرد في الكتاب والسنة من الأمور المشتبهة التي تحتمل معنى باطلاً وتحتمل معنى حقاً، فهذه لابد أن يتوقف فيها على القواعد التي ستأتي.

стр. 527

قواعد شرعية في شأن الألفاظ المبتدعة قال رحمه الله تعالى: [فالواجب أن ينظر في هذا الباب -أعني باب الصفات- فما أثبته الله ورسوله ﷺ أثبتناه، وما نفاه الله ورسوله ﷺ نفيناه، والألفاظ التي ورد بها النص يعتصم بها في الإثبات والنفي، فنثبت ما أثبته الله ورسوله من الألفاظ والمعاني، وننفي ما نفته نصوصهما من الألفاظ والمعاني، وأما الألفاظ التي لم يرد نفيها ولا إثباتها لا تطلق حتى ينظر في مقصود قائلها، فإن كان معنى صحيحاً قُبل، لكن ينبغي التعبير عنه بألفاظ النصوص دون الألفاظ المجملة إلا عند الحاجة، مع قرائن تبين المراد والحاجة، مثل أن يكون الخطاب مع من لا يتم المقصود معه إن لم يخاطب بها ونحو ذلك]. في هذا المقطع أجمل مجموعة من القواعد العظيمة التي قررها السلف؛ أجملها إجمالاً لأنه كان الأمر في عصر الشارح واضحاً عند كثير من أهل العلم، أما الآن فنحتاج إلى أن نستقرئ هذه القواعد الإجمالية بشيء من التفصيل، والتي تحكم ما ذكره سابقاً من الكلام عن الحدود والغايات والأركان والأعضاء، وسائر الألفاظ المبتدعة، هذه القواعد تتلخص فيما يلي: القاعدة الأولى: أنه في باب الأسماء والصفات والأفعال يثبت لله ما أثبته لنفسه وما أثبته له رسوله ﷺ ، وينفى عن الله ما نفاه عن نفسه، وما نفاه عنه رسوله ﷺ جملة وتفصيلاً، هذه القاعدة الأولى وهي المرجع، وهي الأصل. القاعدة الثانية: أن الكلام في أسماء الله وصفاته وأفعاله بما لم يرد في الكتاب والسنة نفياً وإثباتاً بدعة في الأصل، ولم يخالف في ذلك أحد من السلف، لكن قد يضطر العالم إلى الكلام فيما ابتدعه الناس ضرورة من أجل بيان الحق وتثبيته، ونفي الباطل والرد على أهله، هذا أمر قد يضطر إليه العالم، بمعنى: أنه لم يوجد أصلاً من السلف من أجاز لنفسه أن يتكلم عن أسماء الله وصفاته وأفعاله بشيء لم يرد في الكتاب والسنة لغير حاجة ابتداء، لكن ما فعله بعض السلف من الكلام في الأمور التي أحدثها أهل البدع؛ فإنما لجئوا إلى ذلك اضطراراً تقريراً للحق ودفاعاً عن العقيدة؛ لأن البدعة إذا اشتهرت أو عمت بها البلوى لابد من الكلام فيها لتصحيح العقيدة ولنفي الباطل ولإقرار الحق والدفاع عن عقيدة السلف. إذاً: تبقى القاعدة سليمة، وما حدث من بعض السلف من الكلام في أمر لم يرد في الكتاب والسنة إنما حدث اضطراراً لعموم البلوى. القاعدة الثالثة: أن هذه الألفاظ التي ذكرها الشارح عن أهل الكلام ونحوها تبين لنا جزماً بالاستقراء أنه لم يرد في الكتاب والسنة لا نفيها ولا إثباتها، فهذه الألفاظ التي ابتدعها المتكلمون، كالحدود، والغايات والأركان والأعضاء والأدوات والجهات والأعراض والجسم والجوهر والمباينة والمفاصلة والجهة ونحو ذلك، كل هذه الأمور لم يرد في الكتاب والسنة نفيها مطلقاً ولا إثباتها مطلقاً، إذاً: نحتاج إلى أن نرجع إلى القواعد العامة، كقوله : ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١]. القاعدة الرابعة: أن هذه الألفاظ إذا وردت على لسان أحد من الناس فلا تنفى إطلاقاً ولا تثبت إطلاقاً، حتى ينظر في مقصود قائلها، فإن قصد قائلها معنىً صحيحاً يدل على الكمال أخذنا هذا المعنى، ورددناه إلى ألفاظ الشرع، أما اللفظ المبتدع فيرد مطلقاً، وما يحمله من معنى يرد إلى ما ورد في الكتاب والسنة، وما كان فيها من معنى فاسد فإنه يرد مع لفظه. القاعدة الخامسة: أن ما ورد في الكتاب والسنة من أسماء وصفات وأفعال الكمال لله يفي بكل ما يمكن أن يتصوره البشر من الكمال، وبكل ما يمكن أن ينطقون به بأي لسان من الكمال لله ، فأي كمال يمكن أن يتصور وأي كمال يمكن أن ينطق به البشر بأي لغة من اللغات؛ فلابد أن يوجد في الكتاب والسنة ما يدل عليه وزيادة، بل من أسماء الله ما يشمل كل كمال يمكن أن يتصور، كاسم الجلالة (الله)، وكالحي القيوم، والأحد الصمد، وكالعلي العظيم، وكثير من أسماء الله تتضمن الكمال المطلق، فلو نطق جميع البشر بأنواع الكمالات لاشتمل عليها هذا اللفظ وهذا الاسم لله . وإنما أردت بهذا أن أقرر ما ذكره السلف من أنه لا يمكن أن يتوهم أن يرد في ذهن أحد من الناس أو على لسانه كمال نحتاج إلى أن نثبته ولم يرد في الكتاب والسنة مثله أو ما يزيد عليه.

стр. 528

أمثلة للموقف الصحيح تجاه الألفاظ المبتدعة

стр. 529

الموقف الصحيح من لفظ الأعضاء نعود إلى التمثيل على هذه القواعد جميعها، فلنأخذ من ذلك (كلمة الأعضاء) على سبيل المثال: فإذا جاء إنسان وقال: الله منزه عن الأعضاء، فظاهر كلامه أنه حق لأول وهلة؛ لأنه قد يفهم المعنى المباشر، وهو الأعضاء المعلومة عند المخلوقات، والله ليس كمثله شيء، لكن إن كان المتكلم صاحب بدعة ومعروفاً بالاعتزال أو بالتجهم، أو بالحذلقة والجدال والمراء، أو بالتفلسف والتعالم والغرور، وأطلق هذه الكلمة ونحن نعرف من قرائن أحواله أنه متكلم أو متحذلق أو متعالم فلا يجوز له ولا يجوز لنا أن نأخذ هذا الكلام على إطلاقه، فنقول: نعم كلمة (أعضاء) لم ترد في الكتاب والسنة، لكن ماذا تريد بالأعضاء؟ إذ يحتمل عندنا مراد من ينفي عن الله الأعضاء -تعالى الله عما يتصوره المشبهة والممثلة وما يزعمه النفاة والمعطلة- احتمالين، فنقول له: ماذا تقصد بالأعضاء؟ فإن قصد بالأعضاء الجسمية المعهودة للمخلوقات فنفي ذلك حق، ولكن ينفى بدون إشارة إلى الأعضاء، فلا داعي لأن نقول: إن الله منزه عن الأعضاء التي هي أعضاء المخلوقات لأن هذا أمر بدهي؛ لأن الله ليس كمثله شيء، فنقول له: نزه الله بما نزه به نفسه تسلم من هذه الفلسفات، فقل: ليس كمثله شيء سبحانه، أو قل: هو الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد، أو نحو ذلك من النفي المجمل الكامل الذي ينفي كل نقص عن الله . إذاً: إذا كان المتكلم يريد المعنى الباطل المعهود في الأذهان فنقره على ذلك، لكن نبين له أنه أخطأ في إطلاق كلمة أعضاء؛ لأنها قد تحتمل المعنى الآخر. وقد يحتمل أن يقصد النافي للأعضاء نفي صفات الله التي توهم أنها إثبات للأعضاء، فقد يكون قصد هذا المتكلم من المتفلسفة أو من أتباع الفرق الذين ابتلوا بالكلام في هذه الأمور -كالأشاعرة والماتريدية، والجهمية والمعتزلة ومن سار على سبيلهم أو تأثر بالفلاسفة- قد يكون قصده بنفي الأعضاء نفي ما أثبته الله لنفسه من اليد والوجه والقدم والرجل ونحو ذلك مما هو ثابت في الكتاب والسنة، فنقول له: إن كنت تقصد بهذا نفي ما أثبته الله لنفسه فهذا باطل، لا يجوز لك أن تنفي ما أثبته الله لنفسه، وما أثبته الله لنفسه حق، فقولك هذا لا تقر عليه، وتسميتك لهذه الصفات أعضاء خطأ. إذاً: المعنى الذي نفى به كلمة (عضو) إن قصد به ما يتبادر إلى الذهن من مشابهة المخلوقات؛ فهذا منفي عن الله ، وإن قصد به ما ورد في كلام الله وكلام رسوله ﷺ من صفات الله التي يتوهم أنها تشبه صفات المخلوقات فيقال له: عبارتك ليست صحيحة، فنفيك للأعضاء من حيث إنها تشبه أعضاء المخلوقين حق، لكن بهذا التعبير خطأ، ونفيك للأعضاء بمعنى صفات الله التي سميتها أعضاء باطل، ولا يجوز لك أن تنفي بهذه الطريقة، بل تنفي ما نفاه الله عن نفسه، وتثبت ما أثبته الله لنفسه. وبقي المعنى الصحيح لكلمة أعضاء، وهو إثبات الصفات، فنقول: نثبت لله الصفات، وهو المعنى المقصود عند المتكلم حينما أخطأ، لكن نستغني عن كلمة (أعضاء) لأنها لم ترد في الكتاب والسنة، ولأن الله وصف نفسه بصفات معينة تليق بجلاله، ولأن هذا اللفظ يشتبه الأمر فيه، فننفيه.

стр. 530

الموقف الصحيح من لفظ الجهة ويتبين الأمر بمثال آخر مفرد، وهو كلمة (جهة)، فبعض الناس يأتي ويقول: الله منزه عن الجهة، فنقول له: كلامك هذا مجمل، فما قصدك بالجهة؟ فهذه الكلمة لم ترد في الكتاب والسنة وهي بدعة، فأنت تكلمت ببدعة، لكن حينما نفيت الجهة ماذا تقصد؟ فلابد من أن يقصد أحد أمرين: إما أن يقصد بالجهة العلو والفوقية والاستواء، وإما أن يقصد بالجهة المكان الذي يحصر الموجود. فإن قصد بالجهة المكان الذي يحصر ويحيط بالموجود؛ فنقول: الله لا يحيط به شيء، وهو سبحانه أعظم وأجل من أن تحيط به المخلوقات، فهذا المعنى منفي عن الله فعلاً، لكن لماذا سميته جهة؟! وإما أن يقصد بالجهة العلو والفوقية، فنقول له: أخطأت في نفي الجهة؛ لأنك حينما سميت العلو والفوقية جهة بهذا اللفظ أخطأت، فالعلو والفوقية والاستواء ثابتة لله ، لكننا لا نسميها جهة. وكذلك لو أطلق إنسان الجهة على الله على سبيل الإثبات وليس على سبيل النفي، فقال: أنا أطلق على الله الجهة، نقول له: ماذا تقصد؟ فإن قال: أقصد بالجهة أنه تحيط به الأشياء، قلنا: هذا باطل، ونرد اللفظة ومعناها الباطل، وإن قصد بإثبات الجهة إثبات العلو والفوقية والاستواء فنقول له: المعنى الذي قصدته بالجهة -وهو العلو والفوقية والاستواء لله صحيح، لكننا لا نحتاج إلى كلمة (جهة)؛ لأنها مشتبهة، فأخذنا المعنى ورددنا اللفظ، وهكذا كل مثال يرد من هذه الأمور المشتبهات، فما فيه من معنى صحيح نأخذه، لكن نرد اللفظ؛ لأن اللفظ مشتبه، وما فيه من معنى باطل نرده مع لفظه مطلقاً.

стр. 531

بيان ما أراد به الطحاوي من نفي الحدود والغايات والأعضاء والأدوات ونحو ذلك قال رحمه الله تعالى: [والشيخ رحمه الله تعالى أراد الرد بهذا الكلام على المشبهة كـ داود الجواربي وأمثاله القائلين: إن الله جسم وإنه جثة وأعضاء، وغير ذلك، تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً]. المشبهة الأوائل كـ داود الجواربي وهشام بن الحكم وما نسب إلى الكرامية وما نسب إلى المقاتلية على درجات، فمنهم من يدعي التشبيه والتمثيل الكامل، حتى إنه يتكلم عن الله بالحد والمسافة، ويتكلم عن الله بوصف لا يعرف إلا في المخلوقات كالنوع والكيفية، فهذا التشبيه وجد في الرافضة الأوائل كالجواربية والجواليقية ونحوهم، وهناك نوع آخر من التشبيه، وهو المبالغة في الإثبات على نحو ما ذكر سابقاً، مثلاً: يقولون: إن الله -تعالى الله عما يقوله الظالمون- موصوف بالحد، أو يقولون: إن الله موصوف بالجهة، ولا يقصدون ما يعنيه السلف من العلو والفوقية، إنما يقصدون المعنى الباطل الذي ذكرت، وأحياناً يقولون: قابل لوصف الأعضاء أو نحو ذلك، تعالى الله عما يزعمون، لكنهم لا يحددون تفصيلاً، إنما يقولون هذا إجمالاً، يعني: لا يتورعون عن القول بالأعضاء والأركان والأدوات والحدود والغايات والجهات ونحو ذلك، لكنهم لا يفصلون، ويقولون: إن إثبات الصفات يدل على هذه المعاني، يعني: يأتون بمعان مبتدعة جديدة، ويقولون: إثبات الصفات يدل عليها، وهؤلاء كالكرامية، وكالمقاتلية، والمشبهة المتأخرة الذين انتهوا؛ لأن التشبيه مر بمرحلتين: المرحلة الأولى في نهاية القرن الأول وبداية القرن الثاني، وكان تشبيهاً شنيعاً بمعاني التشبيه الساذجة التي لا تليق حتى حكايتها، فلما اصطدموا بأقوال أهل العلم وبجهود السلف وما فعلوه تجاههم -حتى إنهم كفروهم وحكموا بقتلهم- تراجعوا عن التشبيه الكامل، فقالوا بالتشبيه المجمل، لكنه أيضاً تشبيه بدعي نفاه السلف وتبرءوا منه، وهو التشبيه الذي لا يتكلم في التفصيلات، لكن يعطي لأسماء الله وصفاته معاني لم ترد في الكتاب والسنة، وتوهم السامعين، مثلما ذكرت، فلا يتورعون عن إطلاق الحدود والغايات والأركان والأعضاء على الله تعالى إجمالاً، وهذا التشبيه انقرض وانتهى، أما المشبهة الأوائل الرافضة؛ فقد انقلبوا إلى معطلة وتحولوا إلى جهمية ومعتزلة مع بقائهم على مذهب الرفض، كما ذكرت في السابق.

стр. 532

موقف السلف من لفظ الحد قال رحمه الله تعالى: [فالمعنى الذي أراده الشيخ ﵀ من النفي الذي ذكره هنا حق، ولكن حدث بعده من أدخل في عموم نفيه حقاً وباطلاً، فيحتاج إلى بيان ذلك، وهو أن السلف متفقون على أن البشر لا يعلمون لله حداً، وأنهم لا يحدون شيئاً من صفاته]. أي: لا يعلمون الله كيفية، وإلا فسيأتي التفصيل في معنى الحد، فهناك حد عبر عنه السلف من باب الإخبار لا من باب الصفة لله ؛ لأن السلف يفرقون بين الإخبار والصفة. فالإخبار: البيان، وإذا أردت أن تبين فلابد أحياناً أن تزيد، مثاله: إنسان قال لك: ما معنى الأول؟ فتأتي له بخبر النبي ﷺ ، وهو تفسيره للأول بالذي ليس قبله شيء، وإنسان قال: ما معنى الآخر؟ فتقول: الآخر اسم الله جاء خبره عن النبي ﷺ بأنه الذي ليس بعده شيء، فلو أن إنساناً ما فهم العبارة، وقال: هل معنى الأول القديم الذي ليس قبله شيء؟ تقول: نعم. وليس معنى ذلك أنك أثبت الاسم القديم، لكنه شرح لمعنى الأول، فالشرح إذا لم يتعد الحد اللغوي الصحيح يجوز بحدود المصلحة والحاجة. إذاً: فالسلف ينفون كلمة (حد)، لكن قد يخبرون عن المباينة والمفاصلة لله عن مخلوقاته بالحد، لئلا يتوهم أحد حلول الله في مخلوقاته. فقوله: [أن السلف متفقون على أن البشر لا يعلمون لله حداً، وأنهم لا يحدون شيئاً من صفاته]. يعني: لا يقولون بالطول، والعرض، والعمق، والكثافة ونحو ذلك مما خاض به الخائضون، لا يقولون بذلك ويتورعون عن الكلام فيه، ويبدعون من تكلم؛ لأنه نوع من الحد، والله ليس كمثله شيء.

стр. 533

ذكر ما أثر في لفظ الحد عن سفيان وشعبة والحمادين وشريك وأبي عوانة قال رحمه الله تعالى: [قال أبو داود الطيالسي: كان سفيان وشعبة وحماد بن زيد وحماد بن سلمة وشريك وأبو عوانة لا يحدون ولا يشبهون ولا يمثلون، يروون الحديث ولا يقولون: كيف؟ وإذا سئلوا قالوا بالأثر]. قصده أنهم لا يشبهون يعني: لا يتكلمون في التشبيه، لا يقولون: يشبه كذا، ولا مثل كذا، ولا فعله يشبه كذا، ولا صفته مثل كذا إلى آخر ذلك مما تورع عنه السلف، ورأوا أنه من الباطل الذي لا يجوز أن يجري على ألسنتهم. [ويروون الحديث]، أي: يروون الحديث الثابت في الصفات، ونحن نعلم بالبداهة أنهم يروون الحديث إجمالاً، لكن هنا نص على أمر مهم، وهو أنهم يروون الحديث في الصفات حتى وإن إشكل على بعض السامعين، لذلك ذكروا أنه من الفوارق البينة بين السلف وخصومهم أن السلف يروون الأحاديث في الصفات، ولا يجدون في ذلك غضاضة، بل إنهم يجدون في هذا متعة؛ لأنها عن الله ، وفي تعظيمه وإجلاله، على عكس أهل الأهواء، فإنهم يترددون في رواية أحاديث الصفات، ويكرهون روايتها، حتى إن بعضهم كان إذا وقف وقفاً على مدرسة أو كذا اشترط ألا تقرأ فيها أحاديث الصفات، فإذا وقف مكتبة أو أهدى مكتبة اشترط ألا يكون فيها أحاديث الصفات، وبعضهم كان يسمع البخاري، فإذا جاء إلى آخر أبواب البخاري وبدأت أحاديث الصفات ترك الدرس وتخلى عنه؛ لأنَّه يكره أحاديث الصفات. فهذا معنى قوله: [ويروون الحديث] فالسلف يروون الحديث وليس عندهم في ذلك شيء، فمادام قد ثبت الحديث في صفات الله فإنهم يروونه حتى ولو كرهه بعض السامعين أو بعض أهل الأهواء الذين لا يثبتون الصفات، فلذلك قالوا: من أشد الأمور على أسماع أهل الأهواء أحاديث الصفات، وهذا حق، وإلى اليوم تجدهم إذا رويت أحاديث الصفات لا تسلم من تعليقاتهم ومن لمزهم، وإذا نظرت لتحقيقاتهم أو إلى أعمالهم -كما هو حاصل من كثير من المتكلمين الآن إذا تعرضوا لكتب السلف- تجدهم يعلقون على أحاديث الصفات بتعليقات تدل على أنهم يكرهونها، وهي أحاديث النبي ﷺ .

стр. 534

ذكر ما أثر في لفظ الحد عن ابن المبارك قال رحمه الله تعالى: [وسيأتي في كلام الشيخ: (وقد أعجز عن الإحاطة خلقه)، فعلم أن مراده أن الله يتعالى عن أن يحيط أحد بحده؛ لأن المعنى أنه غير متميز عن خلقه منفصل عنهم مباين لهم. سئل عبد الله بن المبارك: بم نعرف ربنا؟ قال: بأنه على العرش بائن من خلقه، قيل: بحد؟! قال: بحد. انتهى. ومن المعلوم أن الحد يقال على ما ينفصل به الشيء ويتميز به عن غيره، والله تعالى غير حال في خلقه ولا قائم بهم، بل هو القيوم القائم بنفسه المقيم لما سواه، فالحد بهذا المعنى لا يجوز أن يكون فيه منازعة في نفس الأمر أصلاً؛ فإنه ليس وراء نفيه إلا نفي وجود الرب ونفي حقيقته، وأما الحد بمعنى العلم والقول، وهو أن يحده العباد؛ فهذا منتف بلا منازعة بين أهل السنة]. هذا يصلح مثالاً لما ذكرته سابقاً، وهذا المثال كله ورد تفصيله على ألسنة السلف، وهو كلمة الحد، فقد يأتينا إنسان متفلسف فيقول: الله منزه عن الحد، فنستفصل منه، ونقول له: ماذا تريد بالحد؟ إن أردت بالحد أن الله منفصل عن مخلوقاته ووجوده غير وجود المخلوقات وأسماؤه وصفاته وأفعاله غير أسماء وصفات وأفعال المخلوقات فنعم، فالله يثبت له الحد بهذا المعنى، ولذلك قال ابن المبارك بإثبات الحد؛ لأنه كان في خراسان، وخراسان في وقت عبد الله بن المبارك اشتهرت فيها مذاهب الجهمية، والجهمية ينكرون أسماء الله وصفاته ويزعمون أن إثباتها يقتضي الحد، بل يزعمون أن إثبات العلو والفوقية والاستواء يقتضي الحد، يقصدون بالحد الذي ينفونه أن الله له وجود غير وجود المخلوقات؛ ذلك أن مذهبهم كما قال الجهم: إن الله في كل شيء وفي كل مكان، قال ذلك حينما أشكل عليه قول سني له: أين ربك الذي تعبد؟ هل تحسه؟ هل تراه؟ هل تعقله؟ إلى آخره فجلس أربعين يوماً يفكر ماذا يقول، ثم خرج ببدعة وقال: هو ذا في الهواء، هو ذا في كل شيء! تعالى الله عما يزعم. إذاً: هم لا يعتقدون أن لله وجوداً غير وجود المخلوقات، فمن هنا ينفون الحد، أي: أن يكون لوجود الله حد ينفصل عن وجود المخلوقات، فلما نفوه أثبته ابن المبارك رداً عليهم، فقالوا: بحد؟ قال: نعم بحد. أي: أن الله وجوده غير وجود المخلوقات، هذا معنى الحد في قول ابن المبارك، فهذا المعنى للحد أثبته السلف، وبعضهم أطلق لفظ الحد من باب الإخبار لا من باب الإثبات، وهذه المسألة ينبغي أن نعرف فيها ألفاظ السلف التي أثبتوا بها ما لم يثبت في الكتاب والسنة، فهم يقصدون الإخبار ولا يقصدون الإثبات، فهم لا يقصدون الوصف، كإثبات الصانع، وكالجهة، والقِدَم، والحد، فهذه يتكلم بها بعض السلف من باب التفسير والبيان والإخبار، لا من باب الاسم أو الصفة. فـ ابن المبارك حينما قال: (بحد)، يقصد أن الله وجوده غير وجود مخلوقاته، فهذا المعنى من الحد مثبت، لكن لفظ الحد نستغني عنه. ثم قال بعد ذلك: [ومن المعلوم أن الحد يقال على ما ينفصل به الشيء ويتميز به عن غيره]، فهذا القدر مثبت عند السلف، أما الحد بمعنى العلم والقول، بمعنى أن نحد الله بعلمنا بأن نعلم كيفية وجود الله، أو نقول بذلك؛ فهذا ننفيه. فقوله: [وأما الحد بمعنى العلم والقول] يقصد الحد بمعنى العلم بالكيفية أو القول عن الكيفية، فهذا منتف بلا منازعة. إذاً: إذا ورد عن السلف نفي الحد فإنهم يقصدون الكيفية، وإذا ثبت عن السلف إثبات الحد فإنهم يقصدون المفاصلة والمباينة، وأن وجود الله ليس كوجود مخلوقاته.

стр. 535

ذكر ما أثر في لفظ الحد عن سهل التستري قال رحمه الله تعالى: [قال أبو القاسم القشيري في رسالته: سمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمي سمعت منصور بن عبد الله سمعت أبا الحسن العنبري سمعت سهل بن عبد الله التستري يقول وقد سئل عن ذات الله، فقال: ذات الله موصوفة بالعلم، غير مدركة بالإحاطة ولا مرئية بالأبصار في دار الدنيا، وهي موجودة بحقائق الإيمان من غير حد ولا إحاطة ولا حلول، وتراه العيون في العقبى ظاهراً في ملكه وقدرته، قد حجب الخلق عن معرفة كنه ذاته ودلهم عليه بآياته، فالقلوب تعرفه والعيون لا تدركه، ينظر إليه المؤمنون بالأبصار من غير إحاطة ولا إدراك نهاية]. قوله: (ينظر إليه المؤمنون بالأبصار) يعني: يوم القيامة، وهذا أمر بدهي ما كان يحتاج إلى احتراز عند الأوائل، لاسيما أن القائل من أوائل العباد النساك، فهذا من كلام سهل بن عبد الله التستري، وهو من أوائل العباد النساك الذين ترتكز عليهم الصوفية في بدعها وتنسب إليه ما لم يقله وما لم يفعله، كما أن له ﵀ بعض الشطحات، لكنها ليس كشطحات الصوفية، ويلحظ في هذا السند أن كل رجاله من أوائل المتصوفة الذين لم تختل عندهم العقيدة، لكن عندهم شطحات في السلوك والعبادة، والمقصود سلوك التصوف وليس سلوك الأخلاق. فـ أبو القاسم القشيري معروف من كبار المتصوفة الأوائل، وكذلك السلمي من كبار المتصوفة الأوائل، ومنصور بن عبد الله كذلك، وأبو الحسن العنبري كذلك، وسهل بن عبد الله التستري من أكابر العباد والنساك الأوائل الذين حصل منهم الشطحات. والمقصود أن هذا القول من التستري يدل على أن العباد الأوائل -إذ هو من عباد القرن الثالث- كانوا على عقيدة السلف، فلذلك نجد بالاستقراء أنهم في القرن الثاني والثالث من أقوى الناس دفاعاً عن العقيدة ومن أحسن الناس تعبيراً عن العقيدة وتقريراً لها، ومن أكثر أهل العلم وأهل التقوى والصلاح غيرة على العقيدة ورداً على أهل البدع، وبه نفهم أن الانحراف العقدي العلمي للصوفية ما بدأ إلا في القرن الرابع وما بعده، نعم الانحراف في العبادات وفي المفاهيم بدأ مبكراً، لكن الانحراف العقدي ما بدأ إلا مع بداية الطرق البدعية.

стр. 536

بيان تسلط النفاة بنفي الأركان والأعضاء والأدوات على نفي الصفات الثابتة بالأدلة القطعية قال رحمه الله تعالى: [وأما لفظ الأركان والأعضاء والأدوات؛ فيتسلط بها النفاة على نفي بعض الصفات الثابتة بالأدلة القطعية، كاليد والوجه، قال أبو حنيفة ﵁ في الفقه الأكبر: له يد ووجه ونفس كما ذكر تعالى في القرآن من ذكر اليد والوجه والنفس، فهو له صفة بلا كيف، ولا يقال: إن يده قدرته ونعمته؛ لأن فيه إبطال الصفة. انتهى. وهذا الذي قاله الإمام ﵁ ثابت بالأدلة القاطعة، قال تعالى: ﴿قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص:٧٥] ﴿وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّموَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر:٦٧]، وقال تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص:٨٨]، ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٢٧]، وقال تعالى: ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾ [المائدة:١١٦]، وقال تعالى: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ [الأنعام:٥٤]، وقال تعالى: ﴿وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي﴾ [طه:٤١]، وقال تعالى: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ [آل عمران:٢٨]. وقال ﷺ في حديث الشفاعة لما يأتي الناس آدم فيقولون له: (خلقك الله بيده، وأسجد لك ملائكته، وعلمك أسماء كل شيء) الحديث. ولا يصح تأويل من قال: إن المراد باليد بالقدرة؛ فإن قوله: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص:٧٥] لا يصح أن يكون معناه: بقدرتيَ مع تثنية اليد، ولو صح ذلك لقال إبليس: وأنا أيضاً خلقتني بقدرتك، فلا فضل له علي بذلك! فإبليس مع كفره كان أعرف بربه من الجهمية، ولا دليل لهم في قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ﴾ [يس:٧١]؛ لأنه تعالى جمع الأيدي لما أضافها إلى ضمير الجمع ليتناسب الجمعان اللفظيان للدلالة على الملك والعظمة، ولم يقل: (أيدي) مضاف إلى ضمير مفرد، ولا (يدينا) بتثنية اليد مضافة إلى ضمير، الجمع فلم يكن قوله: ﴿مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا﴾ [يس:٧١] نظير قوله: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص:٧٥]، وقال النبي ﷺ عن ربه : (حجابه النور، لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه). ولكن لا يقال لهذه الصفات: إنها أعضاء أو جوارح أو أدوات أو أركان؛ لأن الركن جزء الماهية، والله تعالى هو الأحد الصمد لا يتجزأ ، والأعضاء فيها معنى التفريق والتعضية تعالى الله عن ذلك، ومن هذا المعنى قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ﴾ [الحجر:٩١]، والجوارح فيها معنى الاكتساب والانتفاع، وكذلك الأدوات هي الآلات التي ينتفع بها في جلب المنفعة ودفع المضرة، وكل هذه المعاني منتفية عن الله تعالى؛ ولهذا لم يرد ذكرها في صفات الله تعالى، فالألفاظ الشرعية صحيحة المعاني سالمة من الاحتمالات الفاسدة، فلذلك يجب ألا يعدل عن الألفاظ الشرعية نفياً ولا إثباتاً؛ لئلا يثبت معنى فاسد أو ينفى معنى صحيح، وكل هذه الألفاظ المجملة عرضة للمحق والمبطل. وأما لفظ الجهة فقد يراد به ما هو موجود، وقد يراد به ما هو معدوم، ومن المعلوم أنه لا موجود إلا الخالق والمخلوق، فإذا أريد بالجهة أمر موجود غير الله تعالى كان مخلوقاً، والله تعالى لا يحصره شيء ولا يحيط به شيء من المخلوقات تعالى الله عن ذلك، وإن أريد بالجهة أمر عدمي -وهو ما فوق العالم- فليس هناك إلا الله وحده، فإذا قيل: إنه في جهة بهذا الاعتبار فهو صحيح، ومعناه: أنه فوق العالم حيث انتهت المخلوقات، فهو فوق الجميع عال عليه]. هذا أمر بدهي، فإذا قصد بالجهة العلو فهذا حق، لكن تسميتها جهة على هذا النحو الملبس فيها نظر، فنفي الجهة نفي للعلو، أما نفي الجهة بمعنى أن ينفى عن الله أنه يحصره شيء من مخلوقاته؛ فهذا أمر بدهي ولا يحتاج إلى أن يتكلم فيه أحد؛ لأنه لم يقل به عاقل حتى أجل أن يُنفى. قال رحمه الله تعالى: [ونفاة لفظ الجهة الذين يريدون بذلك نفي العلو يذكرون من أدلتهم: أن الجهات كلها مخلوقة، وأنه كان قبل الجهات، وأن من قال: إنه في جهة يلزمه القول بقدم شيء من العالم، أو أنه كان مستغنياً عن الجهة ثم صار فيها، وهذه الألفاظ ونحوها إنما تدل على أنه ليس في شيء من المخلوقات، سواء سمي جهة أو لم يسم، وهذا حق، ولكن الجهة ليست أمراً وجودياً، بل أمر اعتباري]. قوله: (اعتباري) يعني في الذهن، كما نقول في اصطلاحنا: أمر مفترض، والافتراض لا يبنى عليه شيء، فالافتراض توهم، فما يقوله أحد هؤلاء المبطلين من أنه ليس موصوفاً بالجهة يقصد به وجود شيء في ذهنه، والذي في

стр. 537

المأخذ على الطحاوي في قوله: (وتعالى عن الحدود والغايات والأركان والأدوات) قال رحمه الله تعالى: [لكن بقي في كلامه شيئان: أحدهما: أن إطلاق مثل هذا اللفظ مع ما فيه من الإجمال والاحتمال كان تركه أولى]. هذا ما أشرت إليه سابقاً، فقد ذكرت في القاعدة السابقة أن هذه الألفاظ الأصل أنها مبتدعة وتترك ولا تستعمل، هذا الأصل فيها، لكن إذا اضطر المتكلم من أهل العلم إلى الكلام بها فليتكلم بالحق على جهة التفصيل، ولا يترك السامع أو القارئ في متاهة. قال رحمه الله تعالى: [لكن بقي في كلامه شيئان: أحدهما: أن إطلاق مثل هذا اللفظ مع ما فيه من الإجمال والاحتمال كان تركه أولى، وإلا تسلط عليه وألزم بالتناقض في إثبات الإحاطة والفوقية ونفي جهة العلو، وإن أجيب عنه بما تقدم من أنه إنما نفى أن يحويه شيء من مخلوقاته، فالاعتصام بالألفاظ الشرعية أولى]. يعني: بدل أن نقول: لا يحيط به شيء من مخلوقاته نقول: إنه بكل شيء محيط. وينتهي الإشكال، وبدل أن نقول: لا يحويه شيء من مخلوقاته، نقول لفظ الشرع، وهو أن الله بكل شيء محيط، هذا قصده بالألفاظ الشرعية، فنعتصم بالألفاظ الشرعية فهي أولى وأبعد عن الشبهة والفتنة. قال رحمه الله تعالى: [الثاني: أن قوله: (كسائر المبتدعات) يفهم منه أنه ما من مبتدع إلا وهو محوي، وفي هذا نظر، فإنه إن أراد أنه محوي بأمر وجودي فممنوع؛ فإن العالم ليس في عالم آخر وإلا لزم التسلسل، وإن أراد أمراً عدمياً فليس كل مبتدع في العدم، بل منها ما هو داخل في غيره كالسماوات والأرض في الكرسي ونحو ذلك، ومنها ما هو منتهى المخلوقات كالعرش، فسطح العالم ليس في غيره من المخلوقات قطعاً للتسلسل كما تقدم. ويمكن أن يجاب عن هذا الإشكال: بأن (سائر) بمعنى: البقية، لا بمعنى: الجميع، وهذا أصل معناها، ومنه السؤر، وهو ما يبقيه الشارب في الإناء، فيكون مراده غالب المخلوقات لا جميعها؛ إذ (السائر) على (الغالب) أدل منه على الجميع، فيكون المعنى: أن الله تعالى غير محوي كما يكون أكثر المخلوقات محوياً، بل هو غير محوي بشيء تعالى الله عن ذلك، ولا يظن بالشيخ رحمه الله تعالى أنه ممن يقول: إن الله تعالى ليس داخل العالم ولا خارجه بنفي النقيضين كما ظنه بعض الشارحين، بل مراده: أن الله تعالى منزه عن أن يحيط به شيء من مخلوقاته أو أن يكون مفتقراً إلى شيء منها، العرش أو غيره. وفي ثبوت هذا الكلام عن الإمام أبي حنيفة ﵁ نظر، فإن أضداده قد شنعوا عليه بأشياء أهون منه، فلو سمعوا مثل هذا الكلام لشاع عنهم تشنيعهم عليه به، وقد نقل أبو مطيع البلخي عنه إثبات العلو كما سيأتي ذكره إن شاء الله تعالى، وظاهر هذا الكلام يقتضي نفيه، ولم يرد بمثله كتاب ولا سنة، فلذلك قلت: إن في ثبوته عن الإمام نظراً، وإن الأولى التوقف في إطلاقه، فإن الكلام بمثله خطر، بخلاف الكلام بما ورد عن الشارع، كالاستواء والنزول ونحو ذلك، ومن ظن من الجُهّال أنه إذا نزل إلى سماء الدنيا -كما أخبر الصادق ﷺ يكون العرش فوقه ويكون محصوراً بين طبقتين من العالم؛ فقوله مخالف لإجماع السلف مخالف للكتاب والسنة. وقال شيخ الإسلام أبو عثمان إسماعيل بن عبد الرحمن الصابوني: سمعت الأستاذ أبا منصور بن حمشاد بعد روايته حديث النزول يقول: سئل أبو حنيفة؟ فقال: ينزل بلا كيف. انتهى. وإنما توقف من توقف في نفي ذلك لضعف علمه بمعاني الكتاب والسنة وأقوال السلف، ولذلك ينكر بعضهم أن يكون فوق العرش، بل يقول: لا مباين ولا محايث، لا داخل العالم ولا خارجه، فيصفونه بصفة العدم والممتنع، ولا يصفونه بما وصف به نفسه من العلو والاستواء على العرش، ويقول بعضهم بحلوله في كل موجود، أو يقول: هو وجود كل موجود ونحو ذلك، تعالى الله عما يقول الظالمون والجاحدون علواً كبيراً. وسيأتي لإثبات صفة العلو لله تعالى زيادة بيان عند الكلام على قول الشيخ ﵀: محيط بكل شيء وفوقه إن شاء الله تعالى]. قولهم: (لا مباين ولا محايث)، المباين: المفاصل، يعني: المنفصل، والمحايث: الملاصق والمخالط.

стр. 538

الأسئلة

стр. 539

مدى صحة دعوى تصوف الثوري وإبراهيم بن أدهم السؤال سمعت عن سفيان الثوري ﵀ وإبراهيم بن أدهم وقرأت عنهما أنهما صوفيان، وذلك في كتاب: الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب المعاصرة، فما صحة ذلك؟ الجواب لا تصح نسبة سفيان الثوري إلى التصوف، وأما إبراهيم بن أدهم ﵀ فبعيد عن التصوف في معناه البدعي، لكن عنده بعض مسالك العباد، ومع ذلك فهو بعيد عن التصوف كل البعد، وهو إمام له نهجه الذي هو نهج السلف في العلم والعمل والاعتقاد، أما سفيان الثوري فمعلوم أنه أبعد الناس عن هذه المقولة.

стр. 540

توجيه قصد الطحاوي بنفي الحدود والغايات ونحو ذلك من الألفاظ المحدثة السؤال لقد عبر الطحاوي بنفي الحدود والغايات والأعضاء والأركان ونحو ذلك، فاعتبر بعضهم أن هذا من الأخطاء التي تؤخذ عليه، فما توجيه ذلك؟ الجواب ابن أبي العز في هذا الشرح وجه كلام الطحاوي على أحسن المحامل، وهكذا ينبغي أن نحمل كلام أئمة السلف على أحسن المحامل، فبعيد أن الطحاوي وأمثاله من أولئك الأئمة في ذلك العصر يقصدون بهذه العبارات ما يقصده المتكلمون من نفي صفات الله ، فهو مثبت للصفات، ولذلك ينبغي في مثل هذا الكلام أن نحمل قول الطحاوي بعضه على بعض، فـ الطحاوي ﵀ في نفس هذه العقيدة قرر الصفات كما قررها السلف، إذاً: يمتنع أن يكون قصده نفي الصفات وتأويلها كما يقصد المتكلمون، فعلى هذا فاعتبار ذلك من أخطاء الطحاوي نوع من التجوز والمبالغة، بل هو من العدوان والظلم. أما أن يقال: أخطأ في التعبير؛ فهذا أمر سهل، فأهل العلم ينبغي ألا يقولوا مثل هذا التعبير، والشارح تمنى أن الطحاوي ﵀ لم يعبر بهذا الكلام، لكنه حمله على المحمل الصحيح الحسن، ورد كلام الشيخ الطحاوي بعضه إلى بعض، فحمله على أنه لم يرد المعنى الباطن قطعاً، فعلى هذا قد ينفى عنه الاتهام.

стр. 541

المراد بالغايات المنفية عن الله تعالى السؤال هل في نفي الغايات نفي صفة الحكمة لله؟ الجواب هو لا يقصد بالغايات العلة والحكمة التي نسميها غاية؛ بل يقصد بالغايات الغايات المادية، وهي الحدود.

стр. 542

الجمع بين إثبات الرؤية ونفي الإحاطة السؤال كيف نفسر قول التستري: (ينظر إليه المؤمنون بالأبصار)؛ بأن هذا في الآخرة مع أنه قال بعده: (من غير إحاطة ولا إدراك نهاية)؟ ثم هل يكون ذلك والرسول ﷺ يقول: (لا تضامون في رؤيته)؟ الجواب لا يظهر أن في هذا إشكالاً، فالمؤمنون ينظرون إلى ربهم بأبصارهم يوم القيامة، وهذا من غير إحاطة ولا إدراك، والإدراك على معنيين، لكنه قيده بإدراك النهاية، فكأن تفسيره الإحاطة، فالمؤمنون يرون ربهم بأبصارهم لكن لا يحيطون به ، هذا معنى الكلمة، وقول النبي ﷺ : (لا تضامون في رؤيته) بمعنى: لا تتزاحمون في الرؤية من وضوحها، فالله لا يحتاج الناس في رؤيته إلى أن يتزاحموا كما أن معنى (ولا تضامون) لا ينكر عليكم، والله أعلم.

стр. 543

شرح العقيدة الطحاوية [٤٧] الإسراء والمعراج حق ثابت بالكتاب والسنة، فقد أسري بالنبي ﷺ إلى بيت المقدس، ثم عرج به إلى السماء السابعة حتى بلغ سدرة المنتهى، كل ذلك ببدنه وروحه، يقظة لا مناماً، هذا معتقد أهل السنة، وهو ما دلت عليه نصوص القرآن والسنة، ومما دلت عليه النصوص وتواترت به إثبات الحوض لنبينا ﷺ في الآخرة، ماؤه أبيض من اللبن وأحلى من العسل، وأبرد من الثلج، آنيته عدد نجوم السماء، من شرب منه شربة لا يظمأ بعدها أبداً.

стр. 544

الإسراء والمعراج

стр. 545

الإسراء والمعراج حق ثابت بالكتاب والسنة قال رحمه الله تعالى: [قوله: (والمعراج حق، وقد أسري بالنبي ﷺ وعرج بشخصه في اليقظة إلى السماء، ثم إلى حيث شاء الله من العلا، وأكرمه الله بما شاء وأوحى إليه ما أوحى، ما كذب الفؤاد ما رأى، فصلى الله عليه في الآخرة والأولى)]. ينبغي في مثل هذه الحالات أن يصلى على النبي ﷺ ويسلم عليه، فيجمع بين الصلاة والسلام، وكره أهل العلم إفراد الصلاة دون السلام أو السلام دون الصلاة، فالجمع بينهما هو السنة، وربما يكون المؤلف جمع بينهما لكن سقطت من النساخ في ذلك، وذكر أنه في نسخة: (فصلى الله وسلم عليه)، وهذا هو الأولى، وكان الأولى أن تثبت في المتن. قال رحمه الله تعالى: [المعراج: مفعال من العروج، أي: الآلة التي يعرج فيها، أي: يصعد، وهو بمنزلة السلم، لكن لا نعلم كيف هو، وحكمه كحكم غيره من المغيبات، نؤمن به ولا نشتغل بكيفيته]. هذه قاعدة في سائر أمور الغيب، ونحن إلى تقعيدها في هذه المسألة أحوج؛ لأن المعراج حدث في عالم الشهادة بالنسبة للنبي ﷺ ، لكنه غيب بالنسبة لنا، فمن هنا نحتاج إلى التذكير بهذه القاعدة فيما حدث للنبي ﷺ من المعجزات، ومن أعظمها بعد القرآن المعراج، فإنها من الأمور التي حدثت فعلاً وهي حق، وحدثت من باب الكرامة للنبي ﷺ والمعجزة له، وهي غيب وحكمها الإيمان بها والتسليم، فما ثبت منها يؤمن به ويسلم به ولا يشتغل بكيفيته، لا يقال: كيف صعد؟ أو: كيف عرج به؟ كيف أسري به؟ كيف ركب؟ إلى آخره.

стр. 546

ذكر الأقوال في كيفية الإسراء وبيان الحق منها قال رحمه الله تعالى: [وقوله: (وقد أسري بالنبي ﷺ وعرج بشخصه في اليقظة): اختلف الناس في الإسراء]. إذا اختلف الناس هنا فلا يعني ذلك اختلاف أهل الحق، بل يعني الناس عموماً وفيهم الذين شذوا في الآراء أو الذين ذلوا من أهل العلم، أو من نسب إليهم قول ولم يثبت، أو أهل الأهواء يعدون من جملة القائلين عند التفصيل، لكن القول الذي يعارض الكتاب والسنة يرد وإن ذكر. قال رحمه الله تعالى: [فقيل: كان الإسراء بروحه ولم يفقد جسده، نقله ابن إسحاق عن عائشة ومعاوية ﵄، ونقل عن الحسن البصري نحوه]. هذا القول لم يثبت من طريق صحيحة، وإذا ثبت فإنه محمول -كما سيذكر الشارح بعد قليل- على أن الإسراء كان بروح النبي ﷺ يقظة، أما القول بأن الإسراء كان مناماً فهو شاذ كما سيأتي تفصيله، لا يصح أبداً، وهو خلاف قول الجمهور، بل اتفق أئمة السلف المقتدى بهم في الدين على أن عروج النبي ﷺ والإسراء به كان بجثته وروحه. قال رحمه الله تعالى: [لكن ينبغي أن يعرف الفرق بين أن يقال: كان الإسراء مناماً وبين أن يقال: كان بروحه دون جسده، وبينهما فرق عظيم، فـ عائشة ومعاوية ﵄ لم يقولا: كان مناماً، وإنما قالا: أسري بروحه ولم يفقد جسده، وفرق ما بين الأمرين؛ إذ ما يراه النائم قد يكون أمثالاً مضروبة للمعلوم في الصورة المحسوسة، فيرى كأنه قد عرج به إلى السماء وذهب به إلى مكة وروحه لم تصعد ولم تذهب، وإنما ملك الرؤيا ضرب له المثال، فما أرادا أن الإسراء كان مناماً، وإنما أرادا أن الروح ذاتها أسري بها ففارقت الجسد ثم عادت إليه، ويجعلان هذا من خصائصه، فإن غيره لا تنال ذات روحه الصعود الكامل إلى السماء إلا بعد الموت. وقيل: كان الإسراء مرتين: مرة يقظة ومرة مناماً، وأصحاب هذا القول كأنهم أرادوا الجمع بين حديث شريك وقوله: ثم استيقظت، وبين سائر الروايات]. هذا القول لا يثبت، فالإسراء إنما كان مرة واحدة، وسبب هذا القول الاضطراب في حديث شريك، وحديث شريك لم يعتد به أهل العلم؛ لأنه فيه نوع اضطراب، وفيه جوانب شاذة عن رواية الثقات، فلا يؤخذ به في أمر غيبي، فالإسراء كان يقظة بجسد النبي ﷺ وروحه، وإنما حدث مرة واحدة. قال رحمه الله تعالى: [وكذلك منهم من قال: بل كان مرتين: مرة قبل الوحي ومرة بعده، ومنهم من قال: بل ثلاث مرات مرة قبل الوحي ومرتين بعده، وكلما اشتبه عليهم لفظ زادوا مرة للتوفيق! وهذا يفعله ضعفاء أهل الحديث، وإلا فالذي عليه أئمة النقل أن الإسراء كان مرة واحدة بمكة بعد البعثة قبل الهجرة بسنة، وقيل: بسنة وشهرين. ذكره ابن عبد البر. قال الشيخ شمس الدين ابن القيم: يا عجباً لهؤلاء الذين زعموا أنه كان مراراً! وكيف ساغ لهم أن يظنوا أنه في كل مرة تفرض عليه الصلوات خمسين ثم يتردد بين ربه وبين موسى حتى تصير خمساً، فيقول: أمضيت فريضتي وخففت عن عبادي، ثم يعيدها في المرة الثانية إلى خمسين ثم يحطها إلى خمس؟! وقد غلَّط الحفاظ شريكاً في ألفاظ من حديث الإسراء، ومسلم أورد المسند منه ثم قال: فقدم وأخر وزاد ونقص، ولم يسرد الحديث، فأجاد ﵀. انتهى كلام الشيخ شمس الدين ﵀].

стр. 547

ذكر حديث الإسراء والمعراج قال رحمه الله تعالى: [وكان من حديث الإسراء: (أنه ﷺ أسري بجسده في اليقظة على الصحيح من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، راكباً على البراق صحبة جبرائيل ﵇، فنزل هناك وصلى بالأنبياء إماماً، وربط البراق بحلقة باب المسجد، وقد قيل: إنه نزل ببيت لحم وصلى فيه، ولا يصح عنه ذلك البتة، ثم عرج به من بيت المقدس تلك الليلة إلى السماء الدنيا، فاستفتح له جبرائيل ففتح له، فرأى هناك آدم أبا البشر، فسلم عليه فرحب به ورد ﵇ وأقر بنبوته، ثم عرج به إلى السماء الثانية فاستفتح فاستفتح له، فرأى فيها يحيى بن زكريا وعيسى بن مريم فلقيهما فسلم عليهما فردا ﵇، ورحبا به وأقرا بنبوته، ثم عرج به إلى السماء الثالثة، فرأى فيها يوسف فسلم عليه، فرد ﵇ ورحب به وأقر بنبوته، ثم عرج به إلى السماء الرابعة، فرأى فيها إدريس فسلم عليه، ورحب به وأقر بنبوته، ثم عرج به إلى السماء الخامسة، فرأى فيها هارون بن عمران فسلم عليه ورحب به وأقر بنبوته، ثم عرج به إلى السماء السادسة فلقي فيها موسى فسلم عليه ورحب به وأقر بنبوته، فلما جاوزه بكى موسى فقيل له: ما يبكيك؟ قال: أبكي لأن غلاماً بعث بعدي يدخل الجنة من أمته أكثر مما يدخلها من أمتي، ثم عرج به إلى السماء السابعة فلقي فيها إبراهيم فسلم عليه ورحب به وأقر بنبوته، ثم رفع إلى سدرة المنتهى، ثم رفع له البيت المعمور، ثم عرج به إلى الجبار ﷻ وتقدست أسماؤه، فدنا منه حتى كان قاب قوسين أو أدنى، فأوحى إلى عبده ما أوحى، وفرض عليه خمسين صلاة، فرجع حتى مر على موسى فقال: بم أمرت؟ قال: بخمسين صلاة، فقال: إن أمتك لا تطيق ذلك، ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف لأمتك، فالتفت إلى جبرائيل كأنه يستشيره في ذلك فأشار أن: نعم إن شئت، فعلا به جبرائيل حتى أتى به الجبار ﵎ وهو في مكانه) هذا لفظ البخاري في صحيحه، وفي بعض الطرق: (فوضع عنه عشراً، ثم نزل حتى مر بموسى فأخبره فقال: ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف، فلم يزل يتردد بين موسى وبين الله ﵎ حتى جعلها خمساً، فأمره موسى بالرجوع وسؤال التخفيف، فقال: قد استحييت من ربي، ولكن أرضى وأسلم، فلما نفذ نادى مناد: قد أمضيت فريضتي وخففت عن عبادي)]. هذه الأحوال في جملتها واردة في أحاديث صحيحة، فقد حاول الشارح ﵀ أن يسرد ما صح من قصة الإسراء والمعراج، وترك ما جاء في بعض الروايات الضعيفة، لا سيما أن الوضع حول الإسراء والمعراج كثير جداً، حتى إن بعضهم قد يوصل حكايات الإسراء والمعراج التي لم تثبت إلى مجلد أو أكثر، أما ما ثبت فهو القليل، وما ذكره هنا مما صح.

стр. 548

المراد بالرؤية في سورة النجم قال رحمه الله تعالى: [وقد تقدم ذكر اختلاف الصحابة في رؤيته ﷺ ربه بعين رأسه، وأن الصحيح أنه رآه بقلبه ولم يره بعين رأسه]. هذا في المعراج. قال رحمه الله تعالى: [وقوله: ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾ [النجم:١١]، ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾ [النجم:١٣] صح عن النبي ﷺ أن هذا المرئي جبرائيل، رآه مرتين على صورته التي خلق عليها. وأما قوله تعالى في سورة النجم: ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى﴾ [النجم:٨] فهو غير الدنو والتدلي المذكورين في قصة الإسراء، فإن الذي في سورة النجم هو دنو جبرائيل وتدليه، كما قالت عائشة وابن مسعود ﵄، فإنه قال: ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى * ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى * وَهُوَ بِالأُفُقِ الأَعْلَى * ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى﴾ [النجم:٥ - ٨]. فالضمائر كلها راجعة إلى هذا المعلم الشديد القوى، وأما الدنو والتدلي الذي في حديث الإسراء فذلك صريح في أنه دنو الرب تعالى وتدليه]. هذا ورد في البخاري، لكنه من حديث شريك؛ وما زال يعد هذا من مشكلات النصوص ومن مشكلات الآثار، لكنه ينبغي أن يؤخذ بالقبول في الجملة ما دام ورد تصريحاً، وأهل الحديث الذين هم أعلم منا بالرواية والدراية قبلوا ذلك، فالأولى ألا يتكلم فيه، بل يؤخذ بالتسليم، والله أعلم. قال رحمه الله تعالى: [وأما الذي في سورة النجم أنه رآه نزلة أخرى عند سدرة المنتهى؛ فهذا هو جبرائيل، رآه مرتين: مرة في الأرض ومرة عند سدرة المنتهى].

стр. 549

دليل كون الإسراء بالجسد في اليقظة قال رحمه الله تعالى: [ومما يدل على أن الإسراء بجسده في اليقظة قوله تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى﴾ [الإسراء:١]، والعبد عبارة عن مجموع الجسد والروح، كما أن الإنسان اسم لمجموع الجسد والروح، هذا هو المعروف عند الإطلاق وهو الصحيح، فيكون الإسراء بهذا المجموع ولا يمتنع ذلك عقلاً، ولو جاز استبعاد صعود البشر لجاز استبعاد نزول الملائكة، وذلك يؤدي إلى إنكار النبوة، وهو كفر]. هناك أدلة أخرى أيضاً معلومة بالضرورة، وكل عقل سليم يسلم بها، ومنها أنه لو كان الإسراء والمعراج في المنام لما كان معجزة للنبي ﷺ ، هذا من ناحية. ولما أنكره المشركون من ناحية ثانية؛ لأنه لو قال رأيت في المنام أني فعلت وفعلت ما أنكروا عليه هذا؛ لأنه من باب الرؤى والأحلام، فلما كان الإسراء والمعراج بالجسم اشتد نكير المشركين الذين لا يؤمنون بالله ولا برسوله، ولا يسلمون ولا يصدقون. ثم إن الإسراء لو كان بالروح ما احتاج إلى براق، أما المعراج فالصحيح أنه لم يكن بالبراق. وسائر مشاهد الإسراء التي حدثت للنبي ﷺ يدل سياقها على أنها بالجسد والروح، ولو كانت بالروح فقط لما كان لها اعتبار، ولما كانت إعجازاً ولا حجة للنبي ﷺ ، ولما كانت فاصلاً بين المؤمنين والكافرين، ولما استعمل المشركون ما استعملوه من تهكم واستهزاء، ولو كانت مناماً لما احتيج إلى أن يسمى أبو بكر بـ الصديق؛ لأن الحلم يصدق به جميع الناس، فمن قال: أني رأيت البارحة أني فعلت وفعلت، لا يستطيع أحد أن ينكر عليه أنه رأى؛ لكن نظراً لأن الإسراء والمعراج كانا حقيقة بالجسد والروح صارت لهما هذه اللوازم ضرورية، والله أعلم.

стр. 550

الحكمة من تقديم الإسراء إلى بيت المقدس قال رحمه الله تعالى: [فإن قيل: فما الحكمة في الإسراء إلى بيت المقدس أولاً؟ فالجواب والله أعلم: أنه كان ذلك إظهاراً لصدق دعوى الرسول ﷺ المعراج حين سألته قريش عن نعت بيت المقدس، فنعته لهم وأخبرهم عن عيرهم التي مر عليها في طريقه، ولو كان عروجه إلى السماء من مكة لما حصل ذلك، إذ لا يمكن إطلاعهم على ما في السماء لو أخبرهم عنه، وقد اطلعوا على بيت المقدس فأخبرهم بنعته]. مما ينبغي أن يعلم أن الإيمان بمثل هذه الأمور الغيبية لا يتوقف على معرفة الحكمة، فالإيمان بجميع مسائل الغيب -ومن ذلك الإسراء والمعراج وما حدث فيهما من مشاهد وأحداث- لا يتوقف على معرفة الحكمة أبداً؛ فالإسراء والمعراج هذا أمر حدث وكان على سبيل الإعجاز والإكرام للنبي ﷺ ولهذه الأمة، فلا داعي لأن نقول: لماذا ذهب إلى بيت المقدس؟ ولماذا مر على السماوات السبع على هذا النحو؟ ولماذا تردد بين موسى وربه؟ إلى غير ذلك من الأمور التي هي من باب الترف العلمي الذي لا ينبغي أن يسلكه المؤمن، بل أحياناً تكون من باب ما نهى الله عنه من السؤال، فالتباس الحكمة في هذه الأمور لا يتوقف عليه شيء.

стр. 551

دلالة المعراج على ثبوت صفة العلو لله ﷻ قال رحمه الله تعالى: [وفي حديث المعراج دليل على ثبوت صفة العلو لله تعالى من وجوه لمن تدبره، وبالله التوفيق]. من هذه الوجوه: أن هذا التفصيل الذي حدث، وهو كون النبي ﷺ يعرج به إلى السماء وينتقل من سماء إلى سماء، فيكون في سماء الدنيا، ثم في الثانية وهي فوقها، ثم في الثالثة وهي فوقها، ثم في الرابعة ثم الخامسة ثم السادسة إلى السابعة، ثم إلى سدرة المنتهى، ثم عند ذلك قربه من ربه ، هذا كله دليل على العلو الذاتي لله سبحانه، ثم ما ورد من عبارات صحيحة عن المعراج، وهي كون النبي ﷺ صعد، وأنه في صعود إلى ربه، فدل هذا بالضرورة على علو الله بذاته، وكذلك القرب، وقد ورد في نصوص صحيحة، فهو دليل على علو الله الذاتي، وكذلك ما ورد من أنه ﷺ تردد بين الله وبين موسى، فهذا التردد دليل على العلو الذاتي لله ، وغير ذلك مما هو معلوم في قصة الإسراء ويعد ضرورة في إثبات العلو، وكل ذلك من الأمور التي ترد التأويل في العلو؛ لأن الجهمية أنكروا العلو مطلقاً ووصفوه بمعان أخرى، وكذلك تبعتهم المعتزلة، ثم جاء أهل الكلام من الأشاعرة والماتريدية ومن نحا نحوهم فأنكروا العلو الذاتي لله سبحانه، ومن هنا اضطروا لتأويل الاستواء واضطروا لتأويل النزول واضطروا لتأويل المجيء كما يليق بجلال الله ، واضطروا إلى لوازم أخرى كثيرة من إنكار أفعال الله وتأويلها، وإنكار صفات الله الذاتية وتأويلها، فكثير من ذلك إنما حدث بسبب إنكار العلو والاستواء، ولذلك عد كثير من أهل العلم إنكار الاستواء هو أول بدع الجهمية، وأنه مفتاح التأويل والتعطيل، ومن أنكر الاستواء سهل عليه أن ينكر غيره، وكذلك لوازم الاستواء. والمتكلمون يقولون: إن العلو هو العلو المعنوي، مع أن العلو المعنوي بدهي لا يحتاج إلى مثل هذه النصوص، إنما العلو الحسي الذي ربما تحار فيه العقول، وهو الذي يحتاج إلى تقرير على نحو إثبات الاستواء وإثبات الفوقية لله سبحانه، وإثبات أفعال الله التي لها اقتران بالعلو، كالاستواء والنزول ونحو ذلك؛ فإنها دالة دلالة قاطعة على العلو الذاتي لله على ما يليق بجلاله سبحانه من غير توهم صورة ولا توهم التشبيه والتمثيل، فالله سبحانه يثبت له الكمال المطلق من كل وجه على ما يليق بجلاله دون أن يرتبط بذلك ما في الأذهان في عالم الشهادة وفي واقع المخلوقات.

стр. 552

ذكر الحوض وذكر بعض الأحاديث المتواترة على إثباته

стр. 553

ذكر أحاديث أنس ﵁ في إثبات الحوض قال رحمه الله تعالى: [قوله: (والحوض الذي أكرمه الله تعالى به غياثاً لأمته حق): الأحاديث الواردة في ذكر الحوض تبلغ حد التواتر، رواها من الصحابة بضع وثلاثون صحابياً ﵃، ولقد استقصى طرقها شيخنا الشيخ عماد الدين ابن كثير تغمده الله برحمته في آخر تاريخه الكبير المسمى بالبداية والنهاية، فمنها: ما رواه البخاري رحمه الله تعالى عن أنس بن مالك ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (إن قدر حوضي كما بين أيلة إلى صنعاء من اليمن، وإن فيه من الأباريق كعدد نجوم السماء)]. الحوض حوض حسي بأوصافه التي ذكرت، وهناك من أنكر الحوض، لكنهم قلة من شذاذ الجهمية وبعض المعتزلة وبعض الزنادقة، فالذين أنكروا الحوض شذاذ؛ إذ كثير من الفرق يثبتون الحوض. قال رحمه الله تعالى: [وعنه أيضاً عن النبي ﷺ قال: (ليردن علي ناس من أصحابي الحوض، حتى إذا عرفتهم اختلجوا دوني، فأقول: أصيحابي. فيقول: لا تدري ما أحدثوا بعدك) ورواه مسلم]. واختلف في معنى هذا الحديث اختلافاً كثيراً؛ لأن الرافضة اتخذته ذريعة للقول بتكفير الصحابة، وزعمت أن هذا يعني ردة الصحابة وكفرهم، وقد كذبوا؛ فإن الحديث عند أهل العلم محمول على أن هذا ينصرف إلى أهل الردة الذين كانوا دانوا بالإسلام في حياة النبي ﷺ ، فلما مات رجعوا عن الإسلام، وكثير منهم مات مرتداً، فينطبق الحديث على طوائف منهم. ومنهم من قال بأن الحديث ينطبق على طوائف من الأمة بعد الصحابة ﵃؛ لأن الصحابة لم يحدثوا بالأهواء والافتراق، وأن كلمة (أصيحابي) لا تعني الصحبة بمصطلحها المعهود، إنما تعني التبعية والإيمان به، وبعضهم قال: إن هذا يقع في طائفة من الأمة يطردون من ورود الحوض، لكنهم لا يطردون من الجنة؛ فيعني ذلك أنهم لا يطردون من الجنة وإنما يطردون من ورود الحوض فقط لأفعال فعلوها اقتضت ذلك، وغير ذلك مما قاله أهل العلم، وهو بعيد كل البعد عما ذكره الرافضة وغيرهم، لا سيما أن عدالة الصحابة، وأنهم من أهل الجنة بالجملة، وأن الرسول ﷺ توفي وهو عنهم راض مما اتفق عليه سلف الأمة، وليس محل إشكال. ثم إن هذا الحديث لم يفهمه أهل العلم على ما قالت الرافضة من أنه يعم الصحابة، إنما كان في أناس قد يكونون من المنافقين الذين كانوا يتظاهرون باتباع النبي ﷺ ، وقد يكونون ممن خالفوا في بعض الأمور أو أذنبوا ذنوباً أدت إلى حرمانهم من الحوض دون أن يدخلوا الجنة، وقد يكونون من هذه الأمة ولا يلزم أن يكونوا ممن صحب النبي ﷺ في وقته، إلى آخر ما ذكره أهل العلم في ذلك. قال رحمه الله تعالى: [وروى الإمام أحمد عن أنس بن مالك ﵁ قال: (أغفى رسول الله ﷺ إغفاءة، فرفع رأسه متبسماً إما قال لهم وإما قالوا له: لم ضحكت؟ فقال رسول الله ﷺ : إنه أنزلت عين آنفاً سورة فقرأ: بسم الله الرحمن الرحيم ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ [الكوثر:١] حتى ختمها، ثم قال: وهل تدرون ما الكوثر؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: هو نهر أعطانيه ربي في الجنة عليه خير كثير، ترد عليه أمتي يوم القيامة، آنيته عدد الكواكب، يختلج العبد منهم فأقول: يا رب! إنه من أمتي. فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك)]. هذا فيه دليل على التفسير الذي فسر به بعض السلف الحديث السابق وأمثاله، وهو أن المقصود أصحابه من أمته؛ لأن كل أمة النبي ﷺ أصحاب له، وأنه ليس المقصود الصحابة بالضرورة. قال رحمه الله تعالى: [ورواه مسلم ولفظه: (هو نهر وعدنيه ربي عليه خير كثير، هو حوض ترد عليه أمتي يوم القيامة) والباقي مثله. ومعنى ذلك أنه يشخب فيه ميزابان من ذلك الكوثر إلى الحوض، والحوض في العرصات قبل الصراط؛ لأنه يختلج عنه ويمنع منه أقوام قد ارتدوا على أعقابهم، ومثل هؤلاء لا يجاوزون الصراط]. هذا التفسير قد عارضه بعض أهل العلم، أي: استنتاج أن الحوض في العرصات قبل الصراط، وقالوا: إن الاختلاج عن الحوض والردة على الأعقاب لا تعني الردة عن الإسلام جملة، إنما تعني الإحداث في الدين أو ارتكاب بعض الذنوب مما اقتضى حرمانهم من الحوض، ولا يلزم بالضرورة أن يكون المرء منهم من أهل النار أو ألا يكون من أهل الجنة، وهذا ليس فيه دلالة على أن الحوض قبل الصراط، بل قالوا: إن الحوض بعد الصراط، وإن كان الذين تجاوزوا الصراط كلهم من الناجين، فإن نجاتهم لا تعني أنهم بالضرورة يردون الحوض، فقد يكونون من أهل الجنة وينجون من الصراط، لكنهم يمنعون من الشرب من الحوض لأسباب أخرى، والله أعلم. وهناك كلام في هل الحوض يورد مرتين: مرة في المحشر ومرة بعد الصراط؟ أم أنه حوض واحد ويكون بعد الصراط أو قبل الصراط؟ وكل هذا ليس فيه

стр. 554

ذكر حديث جندب بن عبد الله وسهل بن سعد ﵄ في إثبات الحوض قال رحمه الله تعالى: [وروى البخاري ومسلم عن جندب بن عبد الله البجلي ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (أنا فرطكم على الحوض) والفرط: الذي يسبق إلى الماء. وروى البخاري عن سهل بن سعد الأنصاري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إني فرطكم على الحوض، من مر علي شرب ومن شرب لم يظمأ أبداً، ليردن علي أقوام أعرفهم ويعرفونني ثم يحال بيني وبينهم). قال أبو حازم: فسمعني النعمان بن أبي عياش وأنا أحدثهم هذا فقال: هكذا سمعت من سهل؟ فقلت: نعم، فقال: أشهد على أبي سعيد الخدري لسمعته وهو يزيد فيها: (فأقول: إنهم من أمتي. فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك. فأقول: سحقاً سحقاً لمن غير بعدي) سحقاً: أي بعداً].

стр. 555

صفة الحوض ومكان وروده قال رحمه الله تعالى: [والذي يتلخص من الأحاديث الواردة في صفة الحوض: أنه حوض عظيم ومورد كريم يمد من شراب الجنة من نهر الكوثر الذي هو أشد بياضاً من اللبن، وأبرد من الثلج، وأحلى من العسل، وأطيب ريحاً من المسك، وهو في غاية الاتساع عرضه وطوله، سواء كل زاوية من زواياه مسيرة شهر، وفي بعض الأحاديث: أنه كلما شرب منه وهو في زيادة واتساع، وأنه ينبت في حال من المسك والرضراض من اللؤلؤ قضبان الذهب، ويثمر ألوان الجواهر، فسبحان الخالق الذي لا يعجزه شيء، وقد ورد في أحاديث: إن لكل نبي حوضاً، وإن حوض نبينا ﷺ أعظمها وأجلها وأكثرها وارداً، جعلنا الله منهم بفضله وكرمه. قال العلامة أبو عبد الله القرطبي رحمه الله تعالى في التذكرة: واختلف في الميزان والحوض: أيهما يكون قبل الآخر؟ فقيل: الميزان قبل، وقيل: الحوض. قال أبو الحسن القابسي: والصحيح أن الحوض قبل. قال القرطبي: والمعنى يقتضيه، فإن الناس يخرجون عطاشاً من قبورهم كما تقدم، فيقدم قبل الميزان والصراط. قال أبو حامد الغزالي ﵀ في كتاب (كشف علم الآخرة): حكى بعض السلف من أهل التصنيف أن الحوض يورد بعد الصراط، وهو غلط من قائله. قال القرطبي: هو كما قال، ثم قال القرطبي: ولا يخطر ببالك أنه في هذه الأرض، بل في الأرض المبدلة، أرض بيضاء كالفضة لم يسفك فيها دم ولم يظلم على ظهرها أحد قط، تظهر لنزول الجبار ﷻ لفصل القضاء. انتهى. فقاتل الله المنكرين لوجود الحوض، وأخلق بهم أن يحال بينهم وبين وروده يوم العطش الأكبر]. نسأل الله أن يجعلنا جميعاً ممن يرد حوض رسول الله ﷺ .

стр. 556

شرح العقيدة الطحاوية [٤٨] الشفاعة ثابتة بالكتاب والسنة، وقد تواترت فيها الأدلة، وهي أنواع، منها الشفاعة العظمى الخاصة بنبينا ﷺ ، وهي الشفاعة في أهل المحشر لفصل القضاء، ومنها الشفاعة في أهل المعاصي ألا يدخلوا النار، والشفاعة فيمن تساوت حسناتهم وسيئاتهم، والشفاعة لرفع درجات أهل الجنة، وفي تخفيف العذاب عن بعض أهل النار، والشفاعة في أهل الكبائر وغير ذلك مما ورد في النصوص الصحيحة الصريحة، وهناك شفاعات غير جائزة في الدنيا، كسؤال الله تعالى بجاه النبي، أو بحقه أو بحق غيره، وكذلك التوسل به أو بغيره من الأمور التي لا تجوز في الدعاء أبداً.

стр. 557

الشفاعة قال رحمه الله تعالى: [والشفاعة التي ادخرها لهم حق، كما روي في الأخبار]. الشفاعة أنواع: منها ما هو متفق عليه بين الأمة، ومنها ما خالف فيه المعتزلة ونحوهم من أهل البدع. النوع الأول: الشفاعة الأولى، وهي العظمى، الخاصة بنبينا ﷺ من بين سائر إخوانه من الأنبياء والمرسلين، صلوات الله عليهم أجمعين. وقد جاءت أحاديث الشفاعة في الصحيحين وغيرهما عن جماعة من الصحابة ﵃ أجمعين. منها: عن أبي هريرة ﵁، قال: (أتي رسول الله ﷺ بلحم، فدفع إليه منها الذراع، وكانت تعجبه، فنهس منها نهسة، ثم قال: أنا سيد الناس يوم القيامة، وهل تدرون لم ذلك؟ يجمع الله الأولين والآخرين في صعيد واحد يسمعهم الداعي وينفذهم البصر وتدنو الشمس فيبلغ الناس من الغم والكرب ما لا يطيقون ولا يحتملون، فيقول بعض الناس لبعض: ألا ترون ما أنتم فيه؟ ألا ترون ما قد بلغكم؟ ألا تنظرون من يشفع لكم إلى ربكم؟ فيقول بعض الناس لبعض: أبوكم آدم، فيأتون آدم، فيقولون: يا آدم، أنت أبو البشر، خلقك الله بيده، ونفخ فيك من روحه، وأمر الملائكة فسجدوا لك، فاشفع لنا إلى ربك، ألا ترى ما نحن فيه؟ ألا ترى ما قد بلغنا؟ فيقول آدم: إن ربي قد غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، وإنه نهاني عن الشجرة فعصيت، نفسي نفسي نفسي، اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى نوح، فيأتون نوحاً، فيقولون: يا نوح! أنت أول الرسل إلى أهل الأرض، وسماك الله عبداً شكوراً، فاشفع لنا إلى ربك، ألا ترى إلى ما نحن فيه؟ ألا ترى ما قد بلغنا؟ فيقول نوح: إن ربي قد غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، وإنه كانت لي دعوة دعوت بها على قومي، نفسي نفسي نفسي، اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى إبراهيم، فيأتون إبراهيم، فيقولون: يا إبراهيم، أنت نبي الله وخليله من أهل الأرض، ألا ترى إلى ما نحن فيه؟ ألا ترى ما قد بلغنا؟ فيقول: إن ربي قد غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، وذكر كذباته، نفسي نفسي نفسي، اذهبوا إلى موسى، فيأتون موسى: فيقولون: يا موسى، أنت رسول الله، اصطفاك الله برسالاته وبتكليمه على الناس، اشفع لنا إلى ربك، ألا ترى ما نحن فيه؟ ألا ترى ما قد بلغنا؟ فيقول لهم موسى: إن ربي قد غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، وإني قتلت نفسا لم أومر بقتلها، نفسي نفسي نفسي، اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى عيسى، فيأتون عيسى، فيقولون: يا عيسى أنت رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، قال: هكذا هو، وكلمت الناس في المهد، فاشفع لنا إلى ربك، ألا ترى إلى ما نحن فيه؟ ألا ترى ما قد بلغنا؟ فيقول لهم عيسى: إن ربي قد غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، ولم يذكر له ذنبا، اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى محمد ﷺ ، فيأتوني، فيقولون: يا محمد، أنت رسول الله، وخاتم الأنبياء، غفر الله لك ذنبك ما تقدم منه وما تأخر، فاشفع لنا إلى ربك، ألا ترى إلى ما نحن فيه؟ ألا ترى ما قد بلغنا؟ فأقوم، فآتي تحت العرش، فأقع ساجداً لربي ، ثم يفتح الله علي ويلهمني من محامده وحسن الثناء عليه شيئاً لم يفتحه على أحد قبلي، فيقال: يا محمد، ارفع رأسك، سل تعطه، اشفع تشفع، فأقول: يا رب أمتي أمتي، يا رب أمتي أمتي، يا رب أمتي أمتي، فيقول: أدخل من أمتك من لا حساب عليه من الباب الأيمن من أبواب الجنة، وهم شركاء الناس فيما سواه من الأبواب، ثم قال: والذي نفسي بيده، لما بين مصراعين من مصاريع الجنة كما بين مكة وهجر، أو كما بين مكة وبصرى) أخرجاه في الصحيحين بمعناه، واللفظ للإمام أحمد. والعجب كل العجب من إيراد الأئمة لهذا الحديث من أكثر طرقه أنهم لا يذكرون أمر الشفاعة الأولى، في مأتى الرب لفصل القضاء، كما ورد هذا في حديث الصور، فإنه المقصود في هذا المقام، ومقتضى سياق أول الحديث، فإن الناس إنما يستشفعون إلى آدم فمن بعده من الأنبياء في أن يفصل بين الناس ويستريحوا من مقامهم، كما دلت عليه سياقاته من سائر طرقه، فإذا وصلوا إلى الجزاء إنما يذكرون الشفاعة في عصاة الأمة وإخراجهم من النار. وكان مقصود السلف - في الاقتصار على هذا المقدار من الحديث - هو الرد على الخوارج ومن تابعهم من المعتزلة، الذين أنكروا خروج أحد من النار بعد دخولها، فيذكرون هذا القدر من الحديث الذي فيه النص الصريح في الرد عليهم، فيما ذهبوا إليه من البدعة المخالفة للأحاديث. وقد جاء التصريح بذلك في حديث الصور، ولولا خوف الإطالة لسقته بطوله، لكن من مضمونه: (أنهم يأتون آدم ثم نوحاً، ثم إبراهيم، ثم موسى، ثم عيسى، ثم يأتون رسول الله محمدا ﷺ ، فيذهب فيسجد تحت العرش في مكان يقال له: الفحص، فيقول الله: ما شأنك؟ وهو أعلم، قال رسول الله ﷺ ، فأقول: يا رب، وعدتني الشفاعة، فشفعني، في خلقك، فاقض بينهم، فيقول سبحانه وتعالى

стр. 558

بيان معنى الشفاعة الكلام عن الشفاعة يحتاج إلى شيء من التقعيد والعنصرة، وسأشير إلى بعض ذلك. فأما ما يتعلق بتعريف الشفاعة فإنا نحتاج إلى شيء من ذكر معاني الشفاعة اللغوية لكي يتحدد المعنى الشرعي بشكل أدق. فالشفاعة في اللغة: من الشفع، وأحياناً يقال: الشفع، وهو ضد الوتر، والشفع هو الزوج من العدد أو من الأشياء، فالواحد وتر وما انضاف إليه يعد شفعاً، ومن معاني الشفاعة: الزيادة والانضمام والإضافة والاقتران والمعاونة والمساعدة. والشافع هو المعين، والمُشفِّع هو الآذن بالشفاعة، أو الذي يطلب منه الشافع الحاجة، أو ما يشفع به، والمُشَفَّع هو الذي يؤذن له بأن يشفع أو تطلب منه الشفاعة، بمعنى أن يشفع عند غيره، وكذلك الذي يؤذن له بالشفاعة، أما المشَفَّع فهو الآذن الذي تطلب منه الحاجة التي هي موضوع الشفاعة.

стр. 559

أنواع الشفاعة والشفاعة من حيث تفصيلاتها أنواع كثيرة، فهي من حيث الحكم مثبتة ومنفية، ومن حيث الزمان شفاعة دنيوية وشفاعة أخروية، فلها تفصيلات كثيرة سأتحدث عنها بعد قليل.

стр. 560

أنواع الشفاعة من حيث الإثبات والنفي أما من حيث الحكم فهي مثبتة ومنفية، والمقصود بذلك ما يحدث من الشفاعات، وإلا فالشفاعة الشرعية التي ورد بها الشرع كلها مثبتة، بمعنى أنها مقبولة إذا توافرت شروطها، والشفاعة المعنية في الكتاب والسنة هي الشفاعة التي توافرت شروطها، وهي المثبتة، وهي التي تكون يوم القيامة لمن يأذن الله لهم، وتكون لمن يرضى بأن تكون لهم الشفاعة، كما سيأتي تفصيله. أما الشفاعة المنفية فهي المردودة، وهي الشفاعات البدعية التي يفعلها الكفار والمشركون وأهل البدع، لكنها لا تنطبق عليها الشروط الشرعية، كالاستشفاع بالحي فيما يتعلق بمصير الإنسان يوم القيامة، فإن الأحياء لا يستطيعون أن يشفعوا في الحياة الدنيا فيما يتعلق بمصير الإنسان يوم القيامة، إنما تكون يوم القيامة لمن يأذن الله له. ومن الشفاعات الممنوعة المردودة الاستشفاع بالأموات فيما يتعلق بمصائر العباد يوم القيامة، ونحو ذلك مما سيأتي ذكر شيء من أصنافه.

стр. 561

أنواع الشفاعة من حيث الجواز والمنع في الدنيا والآخرة أما من حيث أحكامها في الدنيا والآخرة؛ فللشفاعات في الدنيا أحكام، وللشفاعات في الآخرة أحكام. أما الشفاعات في الدنيا فمنها ما هو جائز ومنها ما هو ممنوع. فأما الجائز منها فأوله ما يتعلق بشفاعة الناس في دنياهم فيما يتعلق بنفع بعضهم لبعض بما يقدرون عليه، ومنه ما يسمى عند الناس بالوساطة، فهذا أمر جائز إذا لم يكن فيه ظلم ولا تجاوز لحدود الشرع، ولا تحريم حلال ولا تحليل حرام، فإذا وافق الشرع فهو جائز، بل إنه من أبواب الحسبة، ومن الأمور التي يلتمس فيها الأجر من الله ؛ لأنها نفع للناس ونفع الناس من أعظم أبواب الخير. وهذه المسألة تسمى شفاعة تجوزاً، ولا تدخل في الشفاعة الشرعية المعنية بالكتاب والسنة، فليست من الشفاعة الدينية التي تتعلق بمصائر العباد يوم القيامة، أو بأمورهم الغيبية. أما الشفاعة الشرعية المتعلقة بمصائر العباد فإن منها ما هو جائز، ومن صوره الاستشفاع بدعاء النبي ﷺ في الحياة، وهذا يدخل في التوسل، فهو إلى معنى التوسل أقرب، لكن تجوز بعض أهل العلم في تسميته شفاعة، كما أن أهل الأهواء سموه شفاعة وأدخلوا فيه شفاعة الآخرة، بمعنى أنهم خلطوا بين الشفاعة الجائزة في الدنيا وتوسعوا فيها حتى أدخلوا فيها الشفاعات الممنوعة في الدنيا والممنوعة في الآخرة، فمن هنا سمي هذا النوع من التوسل شفاعة، أي: التوسل بالنبي ﷺ في الحياة، والمقصود به التوسل بدعائه، وقد يسمي بعض الناس التبرك بذات النبي ﷺ توسلاً أو شفاعة، وهذا فيه تجوز، وفيه أيضاً خروج عن الحد الشرعي لمعنى الشفاعة ومعنى التوسل، وفرق بين التوسل والتبرك، فبينهما وجوه اقتران ووجوه اختلاف، لكن التبرك بمعناه الواسع الذي يفهم عند الناس الآن يدخل فيه كثير من الصور التي تعمل اليوم، وأما التبرك الشرعي فأكثر الصور التي تعمل الآن لا تدخل فيه، فالمهم أن النبي ﷺ يجوز الاستشفاع به في حياته، بمعنى: طلب الدعاء منه، وهذا حدث كثيراً من النبي ﷺ ، ومن ذلك دعاؤه للأعمى، ودعاؤه ﷺ لكثير من الصحابة، ودعاؤه لأمته، ودعاؤه لأصناف من الخلق. ومسألة التبرك سيأتي الكلام عنها، وبمناسبتها نقول: إن النبي ﷺ يشرع التبرك بذاته وبأشيائه المباشرة في حياته، لكن بعد مماته لا يجوز التبرك بما انقطع من آثاره، وآثاره كلها انقطعت. الصورة الثانية من الشفاعات الشرعية الجائزة في الدنيا: الاستشفاع بدعاء الرجل الصالح أو نحوه، بمعنى أنه يجوز أن تقول لغيرك: ادع الله لي، لكن بشرط ألا يكون ذلك على جهة الاعتماد على دعائه، وأن يكون لمناسبة، بمعنى أن لا يكثر منه الإنسان، فإذا أكثر منه اتكل على غير الله، وترك السبب المباشر، وهو اتخاذ الوسيلة إلى الله بعبادته ودعائه التي هي أوجب الواجبات على كل أحد، لكن إذا جاء لذلك مناسبة فإنه يشرع للإنسان أن يطلب من غيره من الصالحين ومن المؤمنين ومن المسلمين أن يدعوا له إذا اقتضى الحال ذلك، كأن يكون المقام مقام ضرورة، أو لمكان فاضل أو لزمان فاضل أو نحو ذلك. ومن صوره التي هي أعم من ذلك كله الاستشفاع بالحي فيما يقدر عليه، وبعض هذه الأمور تدخل في باب الشفاعة، وبعضها يدخل في باب الوسيلة أو التوسل، وبعضها يدخل في باب الحوائج العادية التي ليست من أمور العبادة. وعلى هذا فالاستشفاع بالنبي ﷺ بعد وفاته انقطع، والاستشفاع بالمسلمين وبالمؤمنين وبالرجال الصالحين بعد وفاتهم -أو فيما لا يقدرون عليه- ممنوع، وكذلك الاستشفاع بأي أحد من الخلق حياً أو ميتاً فيما لا يقدر عليه، فهو من الشفاعة الممنوعة. ويدخل في الشفاعات الممنوعة في الدنيا الاستشفاع بالأحجار والأشجار وغيرها، فإنها لا تشفع في الدنيا ولا في الآخرة، حتى الذين يعلقون الاستشفاع بهذه الأشياء على الآخرة -بمعنى أنهم يقولون: نستشفع بها الآن لتشفع لنا يوم القيامة- فإنهم بذلك يقعون في الشرك. أما الشفاعة في الآخرة فإن منها الجائز، ومنها الممنوع. أما الشفاعة الجائزة فهي التي تتوافر شروطها كما ورد في كتب أهل السنة، وهي: أولاً: أن تكون الشفاعة عند الله ، وهو سبحانه الذي يشفع عنده الشافعون. ثانياً: أن تكون الشفاعة بعد إذن الله ، كما قال : ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة:٢٥٥]. ثالثاً: رضا الله عن الشافع وعن المشفوع له، وعلى هذا فالكافر لا يشفع؛ لأن من لا يرضى الله عنه لا يشفع، وكذلك الكافر لا يُشفع له ولا يأذن الله بالشفاعة له؛ لأن الله بعدما وصف الكافرين بصفاتهم الرئيسة، وهي أنهم لا يقيمون الصلاة ولا يؤتون الزكاة ولا يؤمنون باليوم الآخر؛ قال سبحانه: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ [المدثر:٤٨]، والمقصود أن الشافعين الذين تتوهم شفاعتهم لا يشفعون لهم، وكذلك الذين ﵃ لا تنفع شفاعتهم لهؤلاء الكافرين، ولذلك ل

стр. 562

أنواع الشفاعة من حيث الإطلاق والتقييد وأما الشفاعة من حيث الأنواع فمنها ما هو مطلق ومنها ما هو مقيد: فالشفاعة المطلقة هي ما ثبت من أن جميع الأنبياء، وكذلك طوائف من المؤمنين، وكذلك جميع الرسل والملائكة يشفعون لطوائف من أهل التوحيد غير مسمين، ولا يعرف أحد منهم بعينه. والشفاعة المقيدة منها ما قيد بالنوع ومنها ما قيد بالشخص، أما الشفاعة المقيدة بالنوع فشفاعة النبي ﷺ لأهل الكبائر من أمته، وأما الشفاعة المقيدة بالأشخاص فإنا لا نعرف منها إلا ما ورد من شفاعة النبي ﷺ لعمه أبي طالب بأن يخفف عنه من العذاب. وكذلك بالنسبة للشافعين، فمنهم شفعاء غير معينين، ومنهم شفعاء معينون بوصف، فمثلاً: ورد أن الأنبياء جميعاً يشفعون وأن الرسل يشفعون وأن الملائكة يشفعون دون تحديد لأحد بعينه، وورد أن المؤمنين يشفعون دون أن يحدد أحد منهم بعينه، لكن ورد في بعض النصوص أن طائفة من المؤمنين لهم شفاعة خاصة، وكذلك ورد أن نوعاً من أبناء المسلمين يشفعون، وهم الأطفال الذين يموتون قبل سن البلوغ إذا احتسبهم أهلهم، فإنهم يشفعون، كذلك وردت بعض الشفاعات المقيدة المخصصة مثل شفاعة القرآن، وشفاعة الصيام، ونحو ذلك من الشفاعات التي لا يجوز إثباتها إلا لمن ثبتت له أو لما ثبتت له، أما ما يدعيه أهل الأهواء وأهل البدع من إطلاق الشفاعة وصرفها لمن يهوون فهذا باطل، وأكثره يدخل في أنواع الشرك، فما كان منه صرفاً للدعاء لغير الله وطلب النفع من غيره فهو شرك، وما كان منه يدخل في التبرك فهو على درجات، وما كان منه يدخل في التوسل فهو على درجات، منه ما هو شرك، ومنه ما هو بدعة مغلظة، ومنه ما هو دون ذلك، والله أعلم.

стр. 563

حكم الاستشفاع بالنبي ﷺ والتوسل به وبغيره

стр. 564

حكم الاستشفاع بلفظ (بحق نبيك) قال رحمه الله تعالى: [وأما الاستشفاع بالنبي ﷺ وغيره في الدنيا إلى الله تعالى في الدعاء؛ ففيه تفصيل: فإن الداعي تارة يقول: بحق نبيك، أو بحق فلان، يقسم على الله بأحد من مخلوقاته، فهذا محذور من وجهين]. الشارح هنا ذكر صورة من صور الاستشفاع بالنبي ﷺ وغيره، وكأنه أراد أن تكون هذه الصورة وما يشبهها أمثلة على قاعدة، وهي أن الاستشفاع بالنبي ﷺ أو بغيره قد يقصد به الاستشفاع بذاته، فإذا كان باعتبار ذاته وسيطة عند الله ؛ فهذا لا شك أنه باطل، وإذا كان المقصود به اعتبار ذاته المباركة، فيكون استشفاعاً من باب التبرك، فهذا جائز في حياته ﷺ ، وإن كان المقصود بالاستشفاع به الاستشفاع بدعائه وهو حي فهذا حق وجائز، وكذلك غير النبي ﷺ ، إلا أن غير النبي ﷺ لا يستشفع بذاته تبركاً، فلا يتبرك بذات غير النبي ﷺ ، إنما يتبرك بدعائه بمعنى أن يطلب منه الدعاء فقط. قال رحمه الله تعالى: [أحدهما: أنه أقسم بغير الله]. هذا إذا كان المقصود القسم، والغالب على أذهان الناس في مثل هذا الإطلاق أن يُقصَد به الإقسام أو الحلف بحق نبيه، لكن قد يراد بكلمة (بحق نبيك) مجرد الاستشفاع بدون إقسام، بحيث لا تكون الباء باء القسم، بل تكون باء السببية، لكن الشارح غلب المدلول اللغوي العام عند الناس لمثل هذه الألفاظ، وهو أنه يقصد به الحلف. قال رحمه الله تعالى: [والثاني: اعتقاده أن لأحد على الله حقاً، ولا يجوز الحلف بغير الله، وليس لأحد على الله حق، إلا ما أحقه على نفسه، كقوله تعالى: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الروم:٤٧]، وكذلك ما ثبت في الصحيحين من قوله ﷺ لـ معاذ ﵁ وهو رديفه: (يا معاذ! أتدري ما حق الله على عباده؟ قال: قلت: الله ورسوله أعلم. قال: حقه عليهم أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً، أتدري ما حق العباد على الله إذا فعلوا ذلك؟ قلت: الله ورسوله أعلم، قال: حقهم عليه أن لا يعذبهم)، فهذا حق وجب بكلماته التامة ووعده الصادق، لا أن العبد نفسه يستحق على الله شيئاً كما يكون للمخلوق على المخلوق، فإن الله هو المنعم على العباد بكل خير، وحقهم الواجب بوعده هو أن لا يعذبهم، وترك تعذيبهم معنى لا يصلح أن يقسم به ولا أن يسأل بسببه ويتوسل به؛ لأن السبب هو ما نصبه الله سبباً]. وعلى هذا يكون قول القائل: (بحق نبيك) أو (بحق فلان من الصالحين أو غيرهم) فيه نوع من الاعتداء في الدعاء من جانب، كما أنه من التوسل البدعي من جانب آخر. أما أنه اعتداء في الدعاء فلأنه سأل غير حقه، أما الأمر الثاني فلأن حق الشخص المسئول بحقه كائن له؛ لأن الله ضمن حقوق العباد، والله ضمن إجابة الدعاء إذا انتفت الموانع؛ ولأن الله جعل لكل إنسان عمله، فحق الغير له، فلا يجوز لأحد من الناس أن يسأل الله بحق غيره، لا سيما أن الله وعده بأن يفي له بحقه، فالمشروع لكل إنسان أن يسأل بحقه هو، بأن الله وعد السائلين، وهذا الذي يدعوه هو من السائلين، ولأن الله جعل حقوق العباد لا تتعداهم، فكل إنسان له عمله وعليه وزره. فالسؤال بحق الآخرين سوء أدب مع الله واعتداء في الدعاء وظلم للآخرين؛ لأن الذي يسأل بحق الغير لم يعرف حقيقة ما وعد الله به العباد، ثم إنه لم يقدر الله حق قدره، ثم إنه اعتدى على حقوق غيره الذين جعلت حقوقهم لهم. إذاً: لا يجوز، بل لا يشرع، بل من البدعة -وربما يصل إلى الشرك- أن يسأل الإنسان حق غيره أو بحق غيره، أو يعلق إيمانه ورجاءه وطمعه بحق غيره.

стр. 565

توجيه الحديث الوارد بسؤال العبد ربه بحق ممشاه وحق السائلين عليه قال رحمه الله تعالى: [وكذلك الحديث الذي في المسند من حديث أبي سعيد ﵁ عن النبي ﷺ في قول الماشي إلى الصلاة: (أسألك بحق ممشاي هذا وبحق السائلين عليك)، فهذا حق السائلين، هو أوجبه على نفسه، فهو الذي أحق للسائلين أن يجيبهم وللعابدين أن يثيبهم، ولقد أحسن القائل: ما للعباد عليه حق واجب كلا ولا سعي لديه ضائع إن عذبوا فبعدله أو نعموا فبفضله وهو الكريم الواسع فإن قيل: فأي فرق بين قول الداعي: (بحق السائلين عليك) وبين قوله: (بحق نبيك) أو نحو ذلك؟ ف الجواب أن معنى قوله: بحق السائلين عليك: أنك وعدت السائلين بالإجابة، وأنا من جملة السائلين، فأجب دعائي]. هذه العبارة هي تعليل لجواز مثل هذا الدعاء حتى ولو لم يثبت النص، فالحديث الذي أورده ضعفه الكثير من أهل العلم، وعلى هذا لا يعد الاستدلال به على سبيل الجزم والقطع، إنما يستأنس به، ولكن إذا رجعنا إلى قواعد الشرع في مسألة الدعاء والتوسل والشفاعة وجدنا أن الإنسان إذا سأل ربه بحق السائلين على اعتبار أنه هو من السائلين، وأنه سأل ربه فعلاً؛ يكون هذا التوسل مشروعاً؛ لأنه تعلق بالوسيلة التي شرعها الله، وهي الدعاء لله وما وعد الله به الداعي. فالسؤال بحق السائلين قد يجوز، لكن فيه نوع التواء؛ لأن الإنسان يجب أن يثق بوعد ربه ، وإذا عمل عملاً صالحاً فإنها وسيلة إلى الله، فعليه أن يدعوه بالأدعية المأثورة، والله علام الغيوب، يعرف أن هذا الإنسان له رصيد من الطاعات وله رصيد من فعل الخير، فلا ينبغي للإنسان أن يتكلف في الدعاء بحيث يتعلق بمثل هذه العبارة (بحق السائلين)، هذا إذا كانت ما ثبتت شرعاً، أما إذا ثبتت فلا بد من قبولها، لكن يظهر -والله أعلم- أنها لم تثبت أو أنها ضعيفة، وعلى هذا فتكون جائزة، لكن الأولى أن الإنسان ينصرف إلى الأساليب الواضحة في الدعاء وإلى الأدعية المأثورة. قال رحمه الله تعالى: [بخلاف قوله: (بحق فلان)، فإن فلاناً وإن كان له حق على الله بوعده الصادق؛ فلا مناسبة بين ذلك وبين إجابة دعاء هذا السائل، فكأنه يقول: لكون فلان من عبادك الصالحين أجب دعائي! وأي مناسبة في هذا وأي ملازمة؟!]. اعتبر هذا التوسل من الاعتداء في الدعاء؛ لأنه توسل بحق الغير، وكأنه ما وثق بوعد الله له، هذا من ناحية. والناحية الأخرى أن من يفعل هذا يجهل الأصل الشرعي المعلوم، وهو أن لكل إنسان عملاً، ولا أحد ينفع غيره. فهذا السؤال نوع من الاعتداء؛ لأنه اعتداء على حق الآخرين، وفيه نوع من عدم الثقة بالله ، وذلك كله اعتداء.
следующие страницы →