← Акыда

Акыда · id 37433

شرح العقيدة الطحاوية - ناصر العقل

ناصر العقل

Полный текст (1 296 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

أنواع الشفاعة من حيث الجواز والمنع في الدنيا والآخرة أما من حيث أحكامها في الدنيا والآخرة؛ فللشفاعات في الدنيا أحكام، وللشفاعات في الآخرة أحكام. أما الشفاعات في الدنيا فمنها ما هو جائز ومنها ما هو ممنوع. فأما الجائز منها فأوله ما يتعلق بشفاعة الناس في دنياهم فيما يتعلق بنفع بعضهم لبعض بما يقدرون عليه، ومنه ما يسمى عند الناس بالوساطة، فهذا أمر جائز إذا لم يكن فيه ظلم ولا تجاوز لحدود الشرع، ولا تحريم حلال ولا تحليل حرام، فإذا وافق الشرع فهو جائز، بل إنه من أبواب الحسبة، ومن الأمور التي يلتمس فيها الأجر من الله ؛ لأنها نفع للناس ونفع الناس من أعظم أبواب الخير. وهذه المسألة تسمى شفاعة تجوزاً، ولا تدخل في الشفاعة الشرعية المعنية بالكتاب والسنة، فليست من الشفاعة الدينية التي تتعلق بمصائر العباد يوم القيامة، أو بأمورهم الغيبية. أما الشفاعة الشرعية المتعلقة بمصائر العباد فإن منها ما هو جائز، ومن صوره الاستشفاع بدعاء النبي ﷺ في الحياة، وهذا يدخل في التوسل، فهو إلى معنى التوسل أقرب، لكن تجوز بعض أهل العلم في تسميته شفاعة، كما أن أهل الأهواء سموه شفاعة وأدخلوا فيه شفاعة الآخرة، بمعنى أنهم خلطوا بين الشفاعة الجائزة في الدنيا وتوسعوا فيها حتى أدخلوا فيها الشفاعات الممنوعة في الدنيا والممنوعة في الآخرة، فمن هنا سمي هذا النوع من التوسل شفاعة، أي: التوسل بالنبي ﷺ في الحياة، والمقصود به التوسل بدعائه، وقد يسمي بعض الناس التبرك بذات النبي ﷺ توسلاً أو شفاعة، وهذا فيه تجوز، وفيه أيضاً خروج عن الحد الشرعي لمعنى الشفاعة ومعنى التوسل، وفرق بين التوسل والتبرك، فبينهما وجوه اقتران ووجوه اختلاف، لكن التبرك بمعناه الواسع الذي يفهم عند الناس الآن يدخل فيه كثير من الصور التي تعمل اليوم، وأما التبرك الشرعي فأكثر الصور التي تعمل الآن لا تدخل فيه، فالمهم أن النبي ﷺ يجوز الاستشفاع به في حياته، بمعنى: طلب الدعاء منه، وهذا حدث كثيراً من النبي ﷺ ، ومن ذلك دعاؤه للأعمى، ودعاؤه ﷺ لكثير من الصحابة، ودعاؤه لأمته، ودعاؤه لأصناف من الخلق. ومسألة التبرك سيأتي الكلام عنها، وبمناسبتها نقول: إن النبي ﷺ يشرع التبرك بذاته وبأشيائه المباشرة في حياته، لكن بعد مماته لا يجوز التبرك بما انقطع من آثاره، وآثاره كلها انقطعت. الصورة الثانية من الشفاعات الشرعية الجائزة في الدنيا: الاستشفاع بدعاء الرجل الصالح أو نحوه، بمعنى أنه يجوز أن تقول لغيرك: ادع الله لي، لكن بشرط ألا يكون ذلك على جهة الاعتماد على دعائه، وأن يكون لمناسبة، بمعنى أن لا يكثر منه الإنسان، فإذا أكثر منه اتكل على غير الله، وترك السبب المباشر، وهو اتخاذ الوسيلة إلى الله بعبادته ودعائه التي هي أوجب الواجبات على كل أحد، لكن إذا جاء لذلك مناسبة فإنه يشرع للإنسان أن يطلب من غيره من الصالحين ومن المؤمنين ومن المسلمين أن يدعوا له إذا اقتضى الحال ذلك، كأن يكون المقام مقام ضرورة، أو لمكان فاضل أو لزمان فاضل أو نحو ذلك. ومن صوره التي هي أعم من ذلك كله الاستشفاع بالحي فيما يقدر عليه، وبعض هذه الأمور تدخل في باب الشفاعة، وبعضها يدخل في باب الوسيلة أو التوسل، وبعضها يدخل في باب الحوائج العادية التي ليست من أمور العبادة. وعلى هذا فالاستشفاع بالنبي ﷺ بعد وفاته انقطع، والاستشفاع بالمسلمين وبالمؤمنين وبالرجال الصالحين بعد وفاتهم -أو فيما لا يقدرون عليه- ممنوع، وكذلك الاستشفاع بأي أحد من الخلق حياً أو ميتاً فيما لا يقدر عليه، فهو من الشفاعة الممنوعة. ويدخل في الشفاعات الممنوعة في الدنيا الاستشفاع بالأحجار والأشجار وغيرها، فإنها لا تشفع في الدنيا ولا في الآخرة، حتى الذين يعلقون الاستشفاع بهذه الأشياء على الآخرة -بمعنى أنهم يقولون: نستشفع بها الآن لتشفع لنا يوم القيامة- فإنهم بذلك يقعون في الشرك. أما الشفاعة في الآخرة فإن منها الجائز، ومنها الممنوع. أما الشفاعة الجائزة فهي التي تتوافر شروطها كما ورد في كتب أهل السنة، وهي: أولاً: أن تكون الشفاعة عند الله ، وهو سبحانه الذي يشفع عنده الشافعون. ثانياً: أن تكون الشفاعة بعد إذن الله ، كما قال : ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة:٢٥٥]. ثالثاً: رضا الله عن الشافع وعن المشفوع له، وعلى هذا فالكافر لا يشفع؛ لأن من لا يرضى الله عنه لا يشفع، وكذلك الكافر لا يُشفع له ولا يأذن الله بالشفاعة له؛ لأن الله بعدما وصف الكافرين بصفاتهم الرئيسة، وهي أنهم لا يقيمون الصلاة ولا يؤتون الزكاة ولا يؤمنون باليوم الآخر؛ قال سبحانه: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ [المدثر:٤٨]، والمقصود أن الشافعين الذين تتوهم شفاعتهم لا يشفعون لهم، وكذلك الذين ﵃ لا تنفع شفاعتهم لهؤلاء الكافرين، ولذلك ل

стр. 562

أنواع الشفاعة من حيث الإطلاق والتقييد وأما الشفاعة من حيث الأنواع فمنها ما هو مطلق ومنها ما هو مقيد: فالشفاعة المطلقة هي ما ثبت من أن جميع الأنبياء، وكذلك طوائف من المؤمنين، وكذلك جميع الرسل والملائكة يشفعون لطوائف من أهل التوحيد غير مسمين، ولا يعرف أحد منهم بعينه. والشفاعة المقيدة منها ما قيد بالنوع ومنها ما قيد بالشخص، أما الشفاعة المقيدة بالنوع فشفاعة النبي ﷺ لأهل الكبائر من أمته، وأما الشفاعة المقيدة بالأشخاص فإنا لا نعرف منها إلا ما ورد من شفاعة النبي ﷺ لعمه أبي طالب بأن يخفف عنه من العذاب. وكذلك بالنسبة للشافعين، فمنهم شفعاء غير معينين، ومنهم شفعاء معينون بوصف، فمثلاً: ورد أن الأنبياء جميعاً يشفعون وأن الرسل يشفعون وأن الملائكة يشفعون دون تحديد لأحد بعينه، وورد أن المؤمنين يشفعون دون أن يحدد أحد منهم بعينه، لكن ورد في بعض النصوص أن طائفة من المؤمنين لهم شفاعة خاصة، وكذلك ورد أن نوعاً من أبناء المسلمين يشفعون، وهم الأطفال الذين يموتون قبل سن البلوغ إذا احتسبهم أهلهم، فإنهم يشفعون، كذلك وردت بعض الشفاعات المقيدة المخصصة مثل شفاعة القرآن، وشفاعة الصيام، ونحو ذلك من الشفاعات التي لا يجوز إثباتها إلا لمن ثبتت له أو لما ثبتت له، أما ما يدعيه أهل الأهواء وأهل البدع من إطلاق الشفاعة وصرفها لمن يهوون فهذا باطل، وأكثره يدخل في أنواع الشرك، فما كان منه صرفاً للدعاء لغير الله وطلب النفع من غيره فهو شرك، وما كان منه يدخل في التبرك فهو على درجات، وما كان منه يدخل في التوسل فهو على درجات، منه ما هو شرك، ومنه ما هو بدعة مغلظة، ومنه ما هو دون ذلك، والله أعلم.

стр. 563

حكم الاستشفاع بالنبي ﷺ والتوسل به وبغيره

стр. 564

حكم الاستشفاع بلفظ (بحق نبيك) قال رحمه الله تعالى: [وأما الاستشفاع بالنبي ﷺ وغيره في الدنيا إلى الله تعالى في الدعاء؛ ففيه تفصيل: فإن الداعي تارة يقول: بحق نبيك، أو بحق فلان، يقسم على الله بأحد من مخلوقاته، فهذا محذور من وجهين]. الشارح هنا ذكر صورة من صور الاستشفاع بالنبي ﷺ وغيره، وكأنه أراد أن تكون هذه الصورة وما يشبهها أمثلة على قاعدة، وهي أن الاستشفاع بالنبي ﷺ أو بغيره قد يقصد به الاستشفاع بذاته، فإذا كان باعتبار ذاته وسيطة عند الله ؛ فهذا لا شك أنه باطل، وإذا كان المقصود به اعتبار ذاته المباركة، فيكون استشفاعاً من باب التبرك، فهذا جائز في حياته ﷺ ، وإن كان المقصود بالاستشفاع به الاستشفاع بدعائه وهو حي فهذا حق وجائز، وكذلك غير النبي ﷺ ، إلا أن غير النبي ﷺ لا يستشفع بذاته تبركاً، فلا يتبرك بذات غير النبي ﷺ ، إنما يتبرك بدعائه بمعنى أن يطلب منه الدعاء فقط. قال رحمه الله تعالى: [أحدهما: أنه أقسم بغير الله]. هذا إذا كان المقصود القسم، والغالب على أذهان الناس في مثل هذا الإطلاق أن يُقصَد به الإقسام أو الحلف بحق نبيه، لكن قد يراد بكلمة (بحق نبيك) مجرد الاستشفاع بدون إقسام، بحيث لا تكون الباء باء القسم، بل تكون باء السببية، لكن الشارح غلب المدلول اللغوي العام عند الناس لمثل هذه الألفاظ، وهو أنه يقصد به الحلف. قال رحمه الله تعالى: [والثاني: اعتقاده أن لأحد على الله حقاً، ولا يجوز الحلف بغير الله، وليس لأحد على الله حق، إلا ما أحقه على نفسه، كقوله تعالى: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الروم:٤٧]، وكذلك ما ثبت في الصحيحين من قوله ﷺ لـ معاذ ﵁ وهو رديفه: (يا معاذ! أتدري ما حق الله على عباده؟ قال: قلت: الله ورسوله أعلم. قال: حقه عليهم أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً، أتدري ما حق العباد على الله إذا فعلوا ذلك؟ قلت: الله ورسوله أعلم، قال: حقهم عليه أن لا يعذبهم)، فهذا حق وجب بكلماته التامة ووعده الصادق، لا أن العبد نفسه يستحق على الله شيئاً كما يكون للمخلوق على المخلوق، فإن الله هو المنعم على العباد بكل خير، وحقهم الواجب بوعده هو أن لا يعذبهم، وترك تعذيبهم معنى لا يصلح أن يقسم به ولا أن يسأل بسببه ويتوسل به؛ لأن السبب هو ما نصبه الله سبباً]. وعلى هذا يكون قول القائل: (بحق نبيك) أو (بحق فلان من الصالحين أو غيرهم) فيه نوع من الاعتداء في الدعاء من جانب، كما أنه من التوسل البدعي من جانب آخر. أما أنه اعتداء في الدعاء فلأنه سأل غير حقه، أما الأمر الثاني فلأن حق الشخص المسئول بحقه كائن له؛ لأن الله ضمن حقوق العباد، والله ضمن إجابة الدعاء إذا انتفت الموانع؛ ولأن الله جعل لكل إنسان عمله، فحق الغير له، فلا يجوز لأحد من الناس أن يسأل الله بحق غيره، لا سيما أن الله وعده بأن يفي له بحقه، فالمشروع لكل إنسان أن يسأل بحقه هو، بأن الله وعد السائلين، وهذا الذي يدعوه هو من السائلين، ولأن الله جعل حقوق العباد لا تتعداهم، فكل إنسان له عمله وعليه وزره. فالسؤال بحق الآخرين سوء أدب مع الله واعتداء في الدعاء وظلم للآخرين؛ لأن الذي يسأل بحق الغير لم يعرف حقيقة ما وعد الله به العباد، ثم إنه لم يقدر الله حق قدره، ثم إنه اعتدى على حقوق غيره الذين جعلت حقوقهم لهم. إذاً: لا يجوز، بل لا يشرع، بل من البدعة -وربما يصل إلى الشرك- أن يسأل الإنسان حق غيره أو بحق غيره، أو يعلق إيمانه ورجاءه وطمعه بحق غيره.

стр. 565

توجيه الحديث الوارد بسؤال العبد ربه بحق ممشاه وحق السائلين عليه قال رحمه الله تعالى: [وكذلك الحديث الذي في المسند من حديث أبي سعيد ﵁ عن النبي ﷺ في قول الماشي إلى الصلاة: (أسألك بحق ممشاي هذا وبحق السائلين عليك)، فهذا حق السائلين، هو أوجبه على نفسه، فهو الذي أحق للسائلين أن يجيبهم وللعابدين أن يثيبهم، ولقد أحسن القائل: ما للعباد عليه حق واجب كلا ولا سعي لديه ضائع إن عذبوا فبعدله أو نعموا فبفضله وهو الكريم الواسع فإن قيل: فأي فرق بين قول الداعي: (بحق السائلين عليك) وبين قوله: (بحق نبيك) أو نحو ذلك؟ ف الجواب أن معنى قوله: بحق السائلين عليك: أنك وعدت السائلين بالإجابة، وأنا من جملة السائلين، فأجب دعائي]. هذه العبارة هي تعليل لجواز مثل هذا الدعاء حتى ولو لم يثبت النص، فالحديث الذي أورده ضعفه الكثير من أهل العلم، وعلى هذا لا يعد الاستدلال به على سبيل الجزم والقطع، إنما يستأنس به، ولكن إذا رجعنا إلى قواعد الشرع في مسألة الدعاء والتوسل والشفاعة وجدنا أن الإنسان إذا سأل ربه بحق السائلين على اعتبار أنه هو من السائلين، وأنه سأل ربه فعلاً؛ يكون هذا التوسل مشروعاً؛ لأنه تعلق بالوسيلة التي شرعها الله، وهي الدعاء لله وما وعد الله به الداعي. فالسؤال بحق السائلين قد يجوز، لكن فيه نوع التواء؛ لأن الإنسان يجب أن يثق بوعد ربه ، وإذا عمل عملاً صالحاً فإنها وسيلة إلى الله، فعليه أن يدعوه بالأدعية المأثورة، والله علام الغيوب، يعرف أن هذا الإنسان له رصيد من الطاعات وله رصيد من فعل الخير، فلا ينبغي للإنسان أن يتكلف في الدعاء بحيث يتعلق بمثل هذه العبارة (بحق السائلين)، هذا إذا كانت ما ثبتت شرعاً، أما إذا ثبتت فلا بد من قبولها، لكن يظهر -والله أعلم- أنها لم تثبت أو أنها ضعيفة، وعلى هذا فتكون جائزة، لكن الأولى أن الإنسان ينصرف إلى الأساليب الواضحة في الدعاء وإلى الأدعية المأثورة. قال رحمه الله تعالى: [بخلاف قوله: (بحق فلان)، فإن فلاناً وإن كان له حق على الله بوعده الصادق؛ فلا مناسبة بين ذلك وبين إجابة دعاء هذا السائل، فكأنه يقول: لكون فلان من عبادك الصالحين أجب دعائي! وأي مناسبة في هذا وأي ملازمة؟!]. اعتبر هذا التوسل من الاعتداء في الدعاء؛ لأنه توسل بحق الغير، وكأنه ما وثق بوعد الله له، هذا من ناحية. والناحية الأخرى أن من يفعل هذا يجهل الأصل الشرعي المعلوم، وهو أن لكل إنسان عملاً، ولا أحد ينفع غيره. فهذا السؤال نوع من الاعتداء؛ لأنه اعتداء على حق الآخرين، وفيه نوع من عدم الثقة بالله ، وذلك كله اعتداء.

стр. 566

السؤال بحق الغير اعتداء في الدعاء وابتداع قال رحمه الله تعالى: [وإنما هذا من الاعتداء في الدعاء، وقد قال تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [الأعراف:٥٥]، وهذا ونحوه من الأدعية المبتدعة]. قوله هذا يقصد به ما ضربه مثلاً قبل، وهو (بحق فلان) أو (بحق النبي ﷺ أو نحو ذلك. قال رحمه الله تعالى: [ولم ينقل عن النبي ﷺ ولا عن الصحابة ولا عن التابعين ولا عن أحد من الأئمة ﵃، وإنما يوجد مثل هذا في الحروز والهياكل التي يكتب بها الجهال والطرقية، والدعاء من أفضل العبادات، والعبادات مبناها على السنة والاتباع لا على الهوى والابتداع]. العبادات بخلاف الأحكام، فالأحكام الأصل فيها السعة والأصل فيها الاجتهاد والإباحة، فأمور الحلال والحرام الأصل فيها الإباحة، لكن العبادات مبناها على التوقيف، أي: موقوفة على ما ورد في الشرع. فلا يأتي المبتدع ويقول: إن العبادات قربات، والله أمرنا بالتقرب إليه بكل ما هو من القربات، فأنا سأصلي صلاة أخرى، أو سأقول من الدعاء ما شئت إلى آخره. نقول: لا، العبادات مبناها على التوحيد، أي: لا نعبد الله إلا بما شرع. ولا يجوز التوسع في باب العبادات والأدعية في أصولها لا في ألفاظها، فالألفاظ إذا كانت صحيحة فهذا أمر آخر، لكن القصد في أصول الدعاء وفي العبادات لا يجوز الخروج عما ورد في الشرع.

стр. 567

امتناع الإقسام على الله تعالى بحق فلان في الدعاء والسؤال قال رحمه الله تعالى: [وإن كان مراده الإقسام على الله بحق فلان فذلك محذور أيضاً؛ لأن الإقسام بالمخلوق على المخلوق لا يجوز، فكيف على الخالق؟! وقد قال ﷺ : (من حلف بغير الله فقد أشرك)، ولهذا قال أبو حنيفة وصاحباه ﵃: يكره أن يقول الداعي: أسألك بحق فلان، أو: بحق أنبيائك ورسلك، وبحق البيت الحرام والمشعر الحرام، ونحو ذلك، حتى كره أبو حنيفة ومحمد ﵄ أن يقول الرجل: اللهم إني أسألك بمعقد العز من عرشك، ولم يكرهه أبو يوسف ﵀ لما بلغه الأثر فيه]. هذا الأثر ضعيف، لكن القصد أنه هنا سأل الله بواسطة أمر آخر، وهو معقد العز من العرش، وهذه العبارة أيضاً فيها غموض من حيث المقصود، فما المقصود بمعقد العز؟ هذا أمر اختلف فيه أهل العلم، فيبقى من الأمور المجهولة، فمثل هذه العبارات الغامضة لا ينبغي أن يعول عليها. الناحية الأخرى: أن فيه إشارة إلى تعليق الدعاء بسبب وسيط، وهذا مما لا ينبغي من الإنسان ولا يجوز.

стр. 568

حكم التوسل بالجاه قال رحمه الله تعالى: [وتارة يقول: (بجاه فلان عندك)، أو يقول: (نتوسل إليك بأنبيائك ورسلك وأوليائك) ومراده: لأن فلاناً عندك ذو وجاهة وشرف ومنزلة فأجب دعاءنا. وهذا أيضاً محذور؛ فإنه لو كان هذا هو التوسل الذي كان الصحابة يفعلونه في حياة النبي ﷺ لفعلوه بعد موته، وإنما كانوا يتوسلون في حياته بدعائه]. السؤال بالجاه أعظم وأكبر ذرائع أهل البدع قديماً وحديثاً إلى الشرك والبدعيات، فتعلقهم بجاه الغير من أعظم الذرائع التي يتعلقون بها ويتذرعون بها إلى أفعالهم الشركية والبدعية، وذلك أنهم زعموا -كما زعم المشركون قديماً- أن عندهم من التقصير والذنوب ما يجعلهم لا يجرءون على أن يدعوا الله مباشرة، وهذه شبهة من شبه الشيطان، فزعموا أن هؤلاء الصالحين والأنبياء والملائكة لهم جاه عظيم، فجعلوا هذا الجاه هو الوسيلة أو الوسيط، وزعموا أنه يدخل في الوسيلة المشروعة، مع أنه هو الشرك بعينه، فالسؤال بجاه فلان معناه أنه يتخذ هذا الجاه وسيطاً بينه وبين ربه، والوسيط هو الشريك وهو الند، وهو الواسطة التي ادعاها المشركون، وعدهم الله بها من المشركين، بل عدهم الله من أعظم الناس شركاً. فالسؤال بالجاه هو تعلق بالغير، ولو لم يتعلق بشخصه، فالتعلق بالجاه كالتعلق بالشخص لا فرق بينهما، إلا أن التعلق بالجاه أكثر التباساً، فبعض أهل البدع قد لا يجرؤ على أن يجعل ذات فلان أو شخص فلان هو الوسيط بينه وبين ربه فيشرك به، إنما يجعل الجاه وسيطاً، والجاه أمر معنوي. وهذا أيضاً نوع من الشرك فيه غموض وفيه التباس، فلذلك صار أعظم ذرائع المشركين وأهل البدع الذين يدعون الإسلام في عصرنا هذا وقبله. قال رحمه الله تعالى: [وإنما كانوا يتوسلون في حياته بدعائه، يطلبون منه أن يدعو لهم وهم يؤمنون على دعائه، كما في الاستسقاء وغيره، فلما مات ﷺ قال عمر ﵁ لما خرجوا يستسقون: (اللهم إنا كنا إذا أجدبنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا) معناه: بدعائه هو ربه وشفاعته وسؤاله، ليس المراد أنا نقسم عليك به، أو نسألك بجاهه عندك؛ إذ لو كان ذلك مراداً لكان جاه النبي ﷺ أعظم وأعظم من جاه العباس]. هذه الحجة حجة قوية وقاطعة، وتسد باب الاستدلال على أهل الأهواء الذين زعموا أن قصة استشفاع الصحابة بـ العباس دليل على جواز الاستشفاع بالذوات أو دعاء الذوات ودعاء الأشخاص من دون الله والتعلق بهم. وهذه الحجة التي ذكرها الشارح هي أن الصحابة لو كان مقصودهم الاستشفاع بذات العباس لكانت ذات النبي ﷺ أقرب إليهم؛ لأن النبي ﷺ في ذاته قريب إليهم، فهو مدفون بين ظهرانيهم، ولذا لما اضطروا إلى الاستشفاع استشفعوا بـ العباس، ثم إنهم حينما استشفعوا عرفنا الصورة التي استشفعوا بها، فالصورة العملية التي استشفعوا بها عرفناها قطعاً من خلال الرواية الثابتة ومن خلال إجماع الصحابة على الفعل، وهي: أن الصحابة ﵃ طلبوا الدعاء من هؤلاء الأشخاص، ولا يقصدون التمسح بذوات هؤلاء الأشخاص كـ العباس أو غيره، إنما طلبوا الدعاء، وهذا أمر معلوم بالروايات القاطعة الدالة على أنهم حينما اجتمعوا دعوا الله وطلبوا من العباس أن يدعو وهم يؤمنون بعده. فهذه الصورة في الاستشفاع بالأحياء فيما يقدرون عليه، أو بدعائهم، وكل الصور التي وردت عن السلف -سواء في عهد الصحابة أو بعدهم- ترجع إلى هذه الصورة، لم يرد عن السلف من الصحابة ومن بعدهم أنهم استشفعوا بالذوات.

стр. 569

حكم التوسل والاستشفاع باتباع الرسول وتصديقه قال رحمه الله تعالى: [وتارة يقول: باتباعي لرسولك ومحبتي له وإيماني به وبسائر أنبيائك ورسلك وتصديقي لهم، ونحو ذلك. فهذا من أحسن ما يكون من الدعاء والتوسل والاستشفاع]. الاستشفاع الذي هو اتخاذ الوسيلة عند الله -بمعنى عبادته سبحانه- أعظم الواجبات، وهو الغاية من خلق الخلق، فعبادة الله هي أعظم ما يستشفع به، بل هي الوسيلة التي ذكرها الله ، وهي توحيد الله وعبادة الله، وهي تصديق رسول الله ﷺ واتباع شرعه، وهي الإيمان بمعناه الشرعي الصحيح الذي يشمل الأعمال والأقوال الظاهرة والباطنة، هذه هي الوسيلة الصحيحة، وهي التي يستشفع بها ويتوسل بها إلى الله .

стр. 570

صور من التوسل الجائز والتوسل الممنوع قال رحمه الله تعالى: [فلفظ التوسل بالشخص والتوجه به فيه إجمال، غلط بسببه من لم يفهم معناه، فإن أريد به التسبب به لكونه داعياً وشافعاً، وهذا في حياته يكون، أو لكون الداعي محباً له مطيعا لأمره مقتدياً به، وذلك أهل للمحبة والطاعة والاقتداء، فيكون التوسل إما بدعاء الوسيلة وشفاعته، وإما بمحبة السائل واتباعه، ويراد به الإقسام به والتوسل بذاته، فهذا الثاني هو الذي كرهوه ونهوا عنه]. هنا ذكر ثلاث صور من الصور الكبرى للتوسل: الأولى: التوسل بدعاء الوسيلة وشفاعته يوم القيامة، وهي شفاعة النبي ﷺ وشفاعة الشافعين الذين يؤذن لهم. الصورة الثانية: التوسل إلى الله بالعبادات المشروعة، وبالأمور الإيمانية، سواء كانت اعتقاداً أم عملاً، فهذه وسيلة مشروعة. فهنا وسيلتان: وسيلة لكل إنسان، وهي عبادة الله ، ووسيلة وعد الله بها يوم القيامة، وهي شفاعة النبي ﷺ ، وهي نوعان: شفاعته العظمى وتسمى الوسيلة، وكذلك شفاعته لأهل الكبائر، وهذا لا تطلب في الدنيا، ولا سبيل إلى معرفتها في الدنيا، إنما تكون يوم القيامة بشروطها. الصورة الثالثة: التوسل بمحبة السائل واتباعه، يعني: محبة السائل لنبيه ﷺ وبإيمانه به، كأن يقول: اللهم إني أتوسل إليك بحبي لرسول الله ﷺ ، أو باتباعي له، فهذا توسل مشروع؛ لأنه توسل من الشخص بعمله. وهناك صورة من هذا النوع خفية لم يشر إليها الشارح، وهي أن بعض الناس قد يتوسل إلى الله بتقديسه من يقدسه من المخلوقين، ويظن ذلك نوعاً من المحبة، كالذين يقدسون الأولياء أو الذين يقدسون الأئمة، أو الذين يقدسون الأشجار والأحجار، ويزعمون أن ذلك من أعظم الإيمان، فيتوسلون بذلك إلى الله زاعمين أن ذلك من الوسيلة، وهذا نوع من الشرك. الصورة الرابعة: الإقسام بالمتوسل به، فهو إقسام بغير الله ، وحلف بغير الله لا يجوز. أما التوسل بذاته فلا يجوز؛ لأن الذات لا تنفع، والإنسان لا ينفعك منه إلا دعاء الرجل الصالح؛ لأن الله وعد بإجابة الدعوة حتى وإن كانت بالغيب، لذلك شرع للمسلم أن يدعو لغيره من المسلمين الغائبين والحاضرين الأحياء والأموات. فهذه من الوسائل المشروعة التي جعلها الله من المنافع العامة بين المسلمين وبين المؤمنين، فالمسلم يدعو لأخيه في ظهر الغيب، ويدعو لمن سلفه، فهذا أمر من الوسيلة المشروعة، لكن تسميته وسيلة لم تكن معتادة عند الناس، فربما يتعلق به وجه ممنوع، وهو الاعتماد على دعاء الغير. ونرى هذه السمة موجودة عند بعض الناس أو بعض الفرق والفئات، وهي أن كل من لقي منهم أحداً من المسلمين قال: ادع الله لي. فهذا قد خرج عن الحد الشرعي في طلب الدعاء من الغير بشروط وضوابط، حيث يؤدي ذلك إلى الاتكال. قوله: [والتوسل بذاته] أي: بذات الشخص، بذات النبي ﷺ أو غيره. وقوله: [هو الذي كرهوه] يقصد أبا حنيفة وصاحبيه، وصحيح أن السلف حرموه وجعلوه من البدع المغلظة، بل من الشرك أحياناً، فالتوسل بالذوات لا يجوز؛ لأن الذوات لا تنفع. قال رحمه الله تعالى: [وكذلك السؤال بالشيء، قد يراد به التسبب به؛ لكونه سبباً في حصول المطلوب، وقد يراد به الإقسام به]. السؤال بالشيء الذي هو العمل الصالح أو نحوه ليس على إطلاقه، فهناك من الأشياء ما لا يجوز السؤال بها، فأمور الغيب هي أشياء، لكن لا يجوز أن تسأل الله بها. فقوله: [وكذلك السؤال بالشيء] أي: بالشيء الذي يعمله الناس، أو بالشيء الذي هو من عمل الإنسان نفسه. قال رحمه الله تعالى: [ومن الأول: حديث الثلاثة الذين أووا إلى الغار، وهو حديث مشهور في الصحيحين وغيرهما، فإن الصخرة انطبقت عليهم فتوسلوا إلى الله بذكر أعمالهم الصالحة الخالصة، وكل واحد منهم يقول: (فإن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج عنا ما نحن فيه، فانفرجت الصخرة فخرجوا يمشون) فهؤلاء دعوا الله بصالح الأعمال، لأن الأعمال الصالحة هي أعظم ما يتوسل به العبد إلى الله ويتوجه به إليه ويسأله به؛ لأنه وعد أن يستجيب للذين آمنوا وعملوا الصالحات ويزيدهم من فضله].

стр. 571

الشفاعة عند الله ليست كالشفاعة عند البشر قال رحمه الله تعالى: [فالحاصل: أن الشفاعة عند الله ليست كالشفاعة عند البشر، فإن الشفيع عند البشر كما أنه شافع للطالب شفعه في الطلب، بمعنى أنه صار به شفعاً فيه بعد أن كان وتراً]. يعني: انضم إليه وانضاف إليه. قال رحمه الله تعالى: [فهو أيضاً قد شفع المشفوع إليه، فبشفاعته صار فاعلاً للمطلوب، فقد شفع الطالب والمطلوب منه، والله تعالى وتر لا يشفعه أحد، فلا يشفع عنده أحد إلا بإذنه، فالأمر كله إليه، فلا شريك له بوجه، فسيد الشفعاء يوم القيامة إذا سجد وحمد الله تعالى فقال له الله: (ارفع رأسك، وقل يسمع، واسأل تعطه، واشفع تشفع)، فيحد له حداً فيدخلهم الجنة، فالأمر كله لله. كما قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ﴾ [آل عمران:١٥٤]، وقال تعالى: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ﴾ [آل عمران:١٢٨]، وقال تعالى: ﴿أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ﴾ [الأعراف:٥٤]، فإذا كان لا يشفع عنده أحد إلا بإذنه لمن يشاء، ولكن يكرم الشفيع بقبول شفاعته، كما قال ﷺ : (اشفعوا تؤجروا، ويقضي الله على لسان نبيه ما يشاء). وفي الصحيح أن النبي ﷺ قال: (يا بني عبد مناف! لا أملك لكم من الله من شيء، يا صفية عمة رسول الله! لا أملك لكِ من الله من شيء، يا عباس عم رسول الله! لا أملك لك من الله من شيء)]. قول النبي ﷺ : (اشفعوا تؤجروا، ويقضي الله على لسان نبيه ما يشاء) هذه الشفاعة مخصصة تتعلق بأمور الخلق في دنياهم، أي: شفاعة بعضهم لبعض، ولا تدخل فيها الشفاعة عند الله ؛ لأن الأمر هنا بالتماس الأجر أمر تكليف، والشفاعة المعنية في الآخرة لا تكليف فيها، إنما تحدث بإذن الله ، وليس فيها طلب الأجر، ولا تحدث إلا ممن ذكرت أوصافهم. أما الأمر هنا: (اشفعوا تؤجروا) فهو أمر لكل مسلم، إذاً: فلا بد من أن تكون الشفاعة الواردة في هذا الحديث فيما يتعلق بأمور الناس في دنياهم، وفي مصالحهم، وفيما يقدرون عليه، أقول هذا لأن بعض المسلمين قالوا: إن قوله ﷺ : (اشفعوا تؤجروا) يعم الصالحين والأولياء في قبورهم، وأنهم يتقربون بالشفاعة لمن جاء يستشفع بهم ويدعوهم عند القبور، وأنهم ممن أتيحت لهم الشفاعة وأذن لهم فيها، وأنهم بذلك ممتثلون لأمر الله ، وهذا خطأ شنيع في فهم النص؛ فإن قوله ﷺ : (اشفعوا تؤجروا) يعني: في دنياكم، أما بعد الممات، أو فيما لا يقدر عليه إلا الله، فهذا أمر غير وارد، وليس هو من أبواب التكليف ولا مما يلتمس فيه الأجر. قال رحمه الله تعالى: [في الصحيح أيضاً: (لا ألفين أحدكم يأتي يوم القيامة على رقبته بعير له رغاء، أو شاة لها يعار، أو رقاع تخفق، فيقول: أغثني أغثني، فأقول: قد أبلغتك، لا أملك لك من الله من شيء)، فإذا كان سيد الخلق وأفضل الشفعاء ﷺ يقول لأخص الناس به: (لا أملك لكم من الله من شيء)؛ فما الظن بغيره؟! وإذا دعاه الداعي وشفع عنده الشفيع فسمع الدعاء وقبل الشفاعة؛ لم يكن هذا هو المؤثر فيه كما يؤثر المخلوق في المخلوق؛ فإنه هو الذي جعل هذا يدعو ويشفع، وهو الخالق لأفعال العباد، فهو الذي وفق العبد للتوبة ثم قبلها، وهو الذي وفقه للعمل ثم أثابه، وهو الذي وفقه للدعاء ثم أجابه، وهذا مستقيم على أصول أهل السنة المؤمنين بالقدر، وأن الله خالق كل شيء].

стр. 572

الأسئلة

стр. 573

بعض أنواع الشفاعة الممنوعة وتوجيه حديث إخراج قوم من النار لم يعملوا خيراً السؤال ذكرت في الكلام عن الشفاعة الدنيوية أنواعاً، منها ما يتعلق بالتوسل، ومنها ما يتعلق بالتبرك، ومنها ما يتعلق بالشفاعة، فنرجو توضيح ذلك؟ الجواب الشفاعة في الدنيا تختلف مفاهيمها عند الناس، فمنهم من يدخل في الشفاعة في الدنيا التوسل بالأشخاص الأحياء والأموات ويعدها شفاعة مشروعة، أو يسميها شفاعة مع أنها لا تدخل في باب الشفاعة إلا تجوزاً. ومنهم من يدخل ما يتعلق بالتبرك، وهو التبرك بالأشخاص، فبعض الناس يقول: إنها التبرك بفلان من الناس. أي: طلب البركة منه والتمسح بذاته، بجسمه، والتعلق بأشيائه، كما يحصل من الصوفية المبتدعة الآن يتعلقون بكل ما يتصل بالأولياء وما فيهم وما حولهم، فيتبركون بثيابهم، وبأجسامهم، وبفضلاتهم، وبكل شيء، ويقولون: هذا تبرك، ويدخلونه في الوسيلة المشروعة، يزعمون أنه من باب الوسيلة التي أمر الله باتخاذها، وأيضاً يدخلونه في مسمى الشفاعة. ومما يتعلق بالشفاعة الشفاعة عند الله ، فالشفاعة عند الله منها ما هو ممنوع، باتخاذ الوسائط، وكذلك الشفاعة يوم القيامة ممن لا يرضى الله عنهم ولا يرضى لهم الشفاعة. وأما حديث: (شفعت الملائكة وشفع النبيون وشفع المؤمنون، ولم يبق إلا أرحم الراحمين فيقبض قبضة من النار فيخرج منها قوماً لم يعملوا خيراً قط)، فقد اختلف فيه أهل العلم، وليس هناك تفسير قاطع لمعنى هذا الحديث، فمنهم من قال: (لم يعملوا خيراً قط) بمعنى: أنهم ممن أسلموا ثم ماتوا قبل أن يتمكنوا من العمل. لكن هذا منقوض بأن هؤلاء يكونون من أهل الجنة ولا يدخلون النار؛ لأنهم ماتوا على توحيد الله، والإسلام يجب ما قبله. ومنهم من قال: إن المقصود به أن الله يخرج من الناس بعثاً ليس لهم أعمال صالحة إطلاقاً. وهذا هو الراجح، وفيه إثبات أن الأمور بيد الله ، وأن العباد لا يحكمون على أحد معين بأنه في جنة أو نار، وهذا يستثنى من القواعد العامة التي فيها تحقيق الوعيد وتحقيق الوعد؛ لأن الله فعال لما يريد، فمما سيفعله هذا الأمر، وهو أنه يخرج من الناس بعثاً لم يعملوا خيراً قط، وذلك راجع إليه سبحانه.

стр. 574

ما ينبغي أن يعلمه الصبي من أصول العقيدة السؤال ما هي الأصول العقدية التي يمكن أن توصل إلى من كان في السن الخامسة والسادسة في عمره؟ الجواب هذا سؤال جيد، فمن كان في مرحلة الطفولة إلى العاشرة ينبغي أن يعلم الأصول العامة للدين الإسلامي، فيعلم أركان الإسلام، ويفهمها تفهيماً فيه شيء من التفصيل، ويعلم أركان الإيمان ويفهمها تفهيماً فيه شيء من التفصيل بدون ذكر الخلافات، ويعلم أصول الاعتقاد العامة التي ليس فيها غموض ولا غرابة، ويقتصر فيها على ما هو واضح بالأدلة، أو مستقر في بداهة العقول، أما الجزئيات والتفريعات أو ما كانت أدلته غامضة أو معانيه غامضة؛ فينبغي أن يجتنب في تعليم الصغار. ثم إنه ينبغي ألا يكون تعليم الصغار على سبيل الامتحان والسؤال، فيجوز أن يكون من وسائل تعليم الصغار السؤال والجواب في غير العقيدة، إلا في الأمور الكبرى الواضحة، مثل: من ربك؟ ما دينك؟ من نبيك؟ لكن الأمور الأخرى لا ينبغي أن تأتي على شكل سؤال، بل ينبغي أن يفهمها الطفل أولاً، ولذلك أرى أن من الأخطاء الشنيعة: سؤال الصغار بمثل: أين الله؟ أو عن الاستواء أو عن الرؤية، فلا ينبغي هذا حقيقة؛ لأن هذا فيه نوعاً من امتحانهم وإلقاء اللبس على أذهانهم الصافية التي لا تستوعب هذه الأمور -وإن كانت من أصول الدين- إلا بتعليم، نعم علمهم أولاً، ثم اسأل بعد ذلك.

стр. 575

خطأ جدال أهل الأهواء بغير توافر شروطه السؤال قمت بمجادلة أحد المبتدعة من الرافضة، وقد أحدث ذلك أثراً في نفسي، وإني أستغفر الله من ذلك، وأوجه نصيحة لإخواني ألا يجادلوا أهل الأهواء والبدع، وهذه نصيحة مجرب، نسأل الله لنا ولكم الهداية والثبات؟ الجواب لا ينبغي أن توقع نفسك في جدال المخالفين من أهل الأهواء المغلظة إلا باستعداد علمي جيد، وبضمانات وشروط قل أن تحدث إلا في أجواء قليلة جداً، ومن أهمها: أن تعرف أن صاحبك جاد ويريد الحق، وأن تلم بالقضية التي تريدها، وإلا يصل ذلك إلى حد إضاعة الوقت والمجالس الطويلة، ولا يصل إلى حد تكلف الحجج لمجرد إلزام الخصم، والله أعلم، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 576

شرح العقيدة الطحاوية [٤٩] لقد جاءت النصوص الشرعية من الكتاب والسنة بإثبات الميثاق الذي أخذه الله تعالى من آدم وذريته، وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم؟ قالوا: بلى شهدنا، وهي تدل على تقدير الله تعالى السابق للعباد وأعمالهم، وعلى تمييز أهل السعادة من أهل الشقاوة، وأهل الجنة من أهل النار، وتدل كذلك على إخراج ذرية آدم من ظهره وإشهادهم وأخذ الميثاق عليهم بأن لا يعبدوا إلا الله تعالى.

стр. 577

خلاصة أنواع الشفاعات الدينية والدنيوية وما يثبت منهما وما ينفى هناك بعض المسائل فيما يتعلق بالشفاعة أحب أن أشير إليها لإتمام الفائدة، وبعضها ورد لكن بشكل غير بين، ويحتاج إلى عنصرة. فخلاصة ما مر: أن الشفاعة دينية ودنيوية، أما الدنيوية فلا شأن لنا بها؛ لأنها تتعلق بمصالح العباد. وأما الدينية فهي المقصودة في ألفاظ الشرع، وهي التي وردت في كتب العقيدة، وهي التي يدور عليها الخلاف. فالشفاعة الدينية هي التي تتعلق بمصائر العباد من حيث أحوالهم يوم القيامة، ومن حيث مصيرهم إلى الجنة أو النار، وهي شفاعة في الدنيا، بمعنى الشفاعة فيما يتعلق بمصير العباد، وهذه لا تحدث أبداً، وكلها منفية، فلا أحد يشفع في الدنيا لأحد فيما يتعلق بمصيره في الآخرة. أما ما ورد عن النبي ﷺ من بعض الشفاعات المثبتة فإنها أمر سيحدث يوم القيامة، فبعض الناس يظن أن النبي ﷺ شفع وقبلت شفاعته، بل النبي ﷺ وغيره من الشفعاء سيشفعون يوم القيامة، ثم يأذن الله لمن يشاء. فالشفاعة المتعلقة بمصير العباد وفي الدنيا لا تكون أبداً، وأغلب همم أهل الأهواء والبدع تنصرف إلى هذه الشفاعة المنفية، يطلبون الشفاعة من الأحياء والأموات في مصيرهم يوم القيامة، وذلك نوع من الشرك أو البدعة المغلظة أو الوسيلة البدعية. أما الشفاعة في مصير العباد في الآخرة فمنها المثبت ومنها المنفي، أما المثبت فما توافرت فيه شروطه: أن يأذن الله للشافع ويرضى منه قوله، وأن يرضى عن المشفوع له، أما ما عدا ذلك فهو منفي.

стр. 578

أنواع التوسل

стр. 579

التوسل المشروع أما التوسل فهو ثلاثة أنواع: توسل مشروع، وتوسل بدعي، وتوسل شركي. والمقصود بالتوسل هو اتخاذ الوسيلة إلى الله ، والوسيلة إلى الله هي التقرب إليه، فإن كان التقرب إليه بالأعمال الصالحة وبالعبادة فذلك أمر مشروع، وعلى هذا يكون التوسل المشروع نوعان: الأول: عمل العبد نفسه، وهذا هو الواجب، بل هو أعظم الواجبات، فتوحيد الله وسيلة واجبة، وعمل الصالحات من الوسيلة، وكل ما يفعله الإنسان تقرباً إلى الله على سنة رسول الله ﷺ فهو توسل مشروع، سواء العبادة القلبية وعبادة الجوارح والدعاء باللسان، أو عمل الصالحات وفعل الخيرات، كل ذلك وسيلة مشروعة، منها ما هو فرض، ومنها ما هو سنة، وهذه هي الوسيلة التي أمر الله بها ورضيها لعباده. النوع الثاني من التوسل المشروع: التوسل بدعاء الصالحين، وهذا مشروع بشروط وضوابط، وصورته: أن يطلب المسلم من أخيه أن يدعو له.

стр. 580

التوسل البدعي أما النوع الثاني من التوسل فهو التوسل البدعي، وهو التوسل بذوات الأشخاص، والتوسل بما لم يرد به الشرع من الأشياء والأمور التي لا تكون وسيلة من الشخص نفسه، فإذا لم يصل الأمر إلى حد صرف العبادة لغير الله فإن التوسل يكون توسلاً بدعياً، وهو اتخاذ الوسائط أو الأشخاص أو الأشياء وسيلة، أو التبرك بها على نحو يؤدي إلى التوسل. ويستثنى من ذلك التبرك بذات النبي ﷺ في حياته، فإن ذلك مشروع لورود النص فيه، أما ما عدا ذلك فإن التوسل بالذوات وبالأشياء يعد بدعة.

стр. 581

التوسل الشركي النوع الثالث: توسل شركي، وهو صرف العبادة لغير الله واتخاذ الشفعاء والوسائط بين العبد وبين ربه بصرف أنواع العبادة أو أي نوع من أنواع العبادة لهذا الوسيط أو الشفيع أو الوسيلة أو الواسطة أو الولي أو نحو ذلك، فأي نوع من أنواع العبادة -سواءٌ كان دعاء أم استعانة أم استغاثة أم نذراً أم ذبحاً أم طوافاً أم سجوداً أم صلاة أم ركوعاً- يصرف لغير الله ، أو يدعي صاحبه أنه يريد به شفاعة المصروف له عند الله، بمعنى أن يصرف العبادة لغير الله زاعماً أن هذا الشخص سيشفع له بسبب هذه العبادة عند الله؛ فإن ذلك شرك. وهذا النوع من الشرك على نوعين: نوع يصرف به صاحبه العبادة البحتة إلى من أشرك به. ونوع يصرف به العبادة أو الدعاء إلى هذا الشخص زاعماً أنه بذلك يريد منه الشفاعة عند الله، أو يريد منه التوسل عند الله، أو التوسط أو التقرب به إلى الله، كقول المشركين: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر:٣]. فهناك طائفة من المشركين زعموا أنهم ما عبدوا الملائكة أو الجن أو الإنس أو الأشجار أو الأحجار إلا لتقربهم إلى الله، ومع ذلك عدوا من المشركين. وهذا النوع هو الذي عليه مشركة المبتدعة في هذه الأمة الذين اتخذوا الأحياء والأموات وأصحاب القبور أولياء من دون الله، فإنهم زعموا أنهم لا يعبدونهم، وإنما يريدون منهم الشفاعة، وأنهم يدعونهم من دون الله على أن أولئك المدعوين سيشفعون لهم بسبب هذا الدعاء.

стр. 582

التبرك والبركة هناك مسألة تختلط بالتوسل، وهي مسألة التبرك، فقد توسع الناس في مفهوم التبرك خاصة أهل البدع، فأدخلوا بالتبرك الشفاعة الممنوعة، وأدخلوا بالتبرك التوسل الممنوع والتوسل البدعي والتوسل الشركي. وأيضاً توسعوا في باب التبرك حتى جعلوا البركة فيما لا بركة فيه، وجعلوا البركة مما لم يبارك الله فيه، وطلبوا البركة مما لم يثبت شرعاً أن فيه بركة، فتوسعوا في التبرك بأكثر مما ورد في النص. فالبركة لا تكون إلا من الله ، يجعلها فيما يشاء من خلقه، فتكون في الزمان، وتكون في الأشخاص، وتكون في المكان، لكن كل ذلك لا بد من أن يثبت بالشرع، فعلى هذا لا تثبت البركة لشيء ولا لشخص ولا لمخلوق إلا بدليل، وما لم يرد الدليل بأنه مبارك فلا يجوز أن تلتمس منه البركة. ثم إن الأشياء المباركة على نوعين: فهناك أشياء مباركة تتعدى بركتها، كماء زمزم. وهناك أشياء مباركة في نفسها لا تتعدى بركتها. والبركة في الأشياء هي ثبوت الخير ولزومه لهذا الشيء، أو زيادته وكثرة الخير فيه، أما الزيادة وكثرة الخير فهي البركة المتعددة، أما الثبوت واللزوم فهي البركة اللازمة. والبركة تكون في الأزمان، وتكون في الأمكنة، وتكون في الأشخاص، وتكون في الأشياء وفي الأفعال. أما البركة في الأزمنة فكبركة شهر رمضان، وبركة ليلة القدر، وليالي رمضان، والعشر الأواخر، وكبركة عشر ذي الحجة، وبركة يوم عرفة، والأشهر الحرم، ويوم الجمعة ونحو ذلك مما وردت البركة فيه، أما في الأمكنة فكالمساجد الثلاثة، فهي مباركة. وأما في الأشخاص فهناك بركة لازمة وبركة متعدية، أما البركة المتعدية فليس لأحد بركة متعدية تلتمس إلا شخص النبي ﷺ ، أما بقية الأشخاص فإن في المؤمنين منهم بركة، لكن بركتهم لهم لا تتعدى غيرهم، إلا بما شرع، كتعدي البركة بالدعاء، فهذا أمر آخر. وقد تثبت البركة أيضاً في بعض الأشياء أو بعض الأمور، كالبركة في نواصي الخيل، وبركة السحور، ونحو ذلك من الأمور التي وردت فيها بركة، وهي بركة مفسرة ومعلومة عند أهل الإيمان، كما أن البركة ثبتت في ماء زمرم؛ لأنها وردت، وهي بركة متعدية.

стр. 583

إثبات الميثاق الذي أخذه الله من آدم وذريته قال رحمه الله تعالى: [قوله: (والميثاق الذي أخذه الله تعالى من آدم وذريته حق)]. المقصود هنا الميثاق الذي أخذه الله على عباده حين خلق آدم، وهو التوحيد الذي ميز به أهل الجنة وأهل النار. وسيأتي الخلاف -كما سيذكره الشارح- في مفهوم الميثاق، هل هو ميثاق فعلي على نحو ما ورد في الحديث إذا ثبت الحديث أم على خلاف ذلك؟ والحديث ثابت، وفيه أن الله أخذ الميثاق من بني آدم من ظهره في أول الخلق وأنطقهم وأشهدهم على أنفسهم وشهدوا، وأن هذا الميثاق بقيت معالمه في الفطرة والعقل السليم وفي اتباع الوحي وفي دلائل خلق الله ، وعلى هذا فالميثاق على نوعين: ميثاق فعلي أخذه الله بالاستنطاق، وهو الميثاق الأول الذي ورد في الحديث الذي سيأتي. ثم الميثاق الآخر، وهو امتداد للأول وأثر لمكانه، ويكون بإقامة دلائل الفطرة ودلائل العقل ودلائل الخلق الدالة على الله ، وبدلائل الوحي، وبالحجة، وبالرسل، وبالكتب المنزلة، وبالبراهين الشرعية والكونية. قال رحمه الله تعالى: [قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ﴾ [الأعراف:١٧٢] يخبر سبحانه أنه استخرج ذرية بني آدم من أصلابهم شاهدين على أنفسهم أن الله ربهم ومليكهم، وأنه لا إله إلا هو].

стр. 584

ذكر الأحاديث الدالة على أخذ ذرية آدم من ظهره وإشهادهم قال رحمه الله تعالى: [وقد وردت أحاديث في أخذ الذرية من صلب آدم ﵇، وتمييزهم إلى أصحاب اليمين وإلى أصحاب الشمال، وفي بعضها الإشهاد عليهم بأن الله ربهم]. أخذ الذرية وتمييزهم إلى أصحاب اليمين وأصحاب الشمال، إلى أهل الجنة وأهل النار أمر ثابت لا صلة له بمسألة الميثاق إلا من بعض الوجوه، وأعني: أن عندنا في هذه النصوص مسألتين: مسألة أخذ الميثاق، ومسألة أخذ الذرية من ظهر آدم وتمييز أهل الجنة أهل الهداية عن أهل النار أهل الضلالة. وهذه مسألة مستقلة وردت في نصوص كثيرة، وهي ثابتة قطعاً، ولا خلاف في نوعها ولا كيفيتها؛ لأنها أمر غيبي، فتثبت على هذا النحو كما جاءت بلا تأول. النوع الآخر الذي ورد في هذه النصوص هو أخذ الذرية من ظهر آدم ثم إشهادهم على أنفسهم، وهذه مسألة أخرى وهي المسماة بالميثاق. والنصوص اختلط فيها هذا بذاك، وما سيورده الشارح من إشكالات ليس على أخذ الذرية من ظهر آدم ثم تمييز أهل الضلالة من أهل الهداية، وتمييز أهل الجنة من أهل النار؛ فليس الإشكال على هذا؛ لأن هذا ثابت بنصوص كثيرة، إنما الإشكال على الميثاق ما هو؟ وما كيفيته؟ وما المقصود به؟ والصحيح الذي يترجح أن أخذ الميثاق يشمل النوعين: يشمل أخذ الميثاق الفعلي بالإشهاد والاستنطاق في أول الخلق، ويشمل أخذ الميثاق ببقاء معالم هذا الميثاق في الفطرة السليمة والعقل السليم والبراهين على وجود الله وعلى ربوبيته وإلهيته، وإقامة الحجة على الخلق بالأدلة الكونية والشرعية.

стр. 585

حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال رحمه الله تعالى: [فمنها: ما رواه الإمام أحمد عن ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ قال: (إن الله أخذ الميثاق من ظهر آدم ﵇ بنعمان -يعني: عرفة- فأخذ من صلبه كل ذرية ذرأها، فنثرها بين يديه ثم كلمهم قبلاً، قال: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا﴾ [الأعراف:١٧٢] إلى قوله: ﴿الْمُبْطِلُونَ﴾ [الأعراف:١٧٣]). ورواه النسائي أيضاً وابن جرير وابن أبي حاتم والحاكم في المستدرك، وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه].

стр. 586

حديث عمر رضي الله تعالى عنه قال رحمه الله تعالى: [وروى الإمام أحمد أيضاً عن عمر بن الخطاب ﵁: أنه سئل عن هذه الآية، فقال: سمعت رسول الله ﷺ سئل عنها، فقال: (إن الله خلق آدم ﵇ ثم مسح ظهره بيمينه فاستخرج منه ذرية، قال: خلقت هؤلاء للجنة وبعمل أهل الجنة يعملون. ثم مسح ظهره فاستخرج منه ذرية، قال: خلقت هؤلاء للنار وبعمل أهل النار يعملون، فقال رجل: يا رسول الله! ففيم العمل؟ قال رسول الله ﷺ : إن الله إذا خلق العبد للجنة استعمله بعمل أهل الجنة، حتى يموت على عمل من أعمال أهل الجنة فيدخل به الجنة، وإذا خلق العبد للنار استعمله بعمل أهل النار، حتى يموت على عمل من أعمال أهل النار فيدخل به النار) ورواه أبو داود والترمذي والنسائي وابن أبي حاتم وابن جرير وابن حبان في صحيحه].

стр. 587

حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال رحمه الله تعالى: [وروى الترمذي عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (لما خلق الله آدم مسح على ظهره فسقط من ظهره كل نسمة هو خالقها من ذريته إلى يوم القيامة، وجعل بين عيني كل إنسان منهم وبيصاً من نور، ثم عرضهم على آدم، فقال: أي رب! من هؤلاء؟ قال: هؤلاء ذريتك، فرأى رجلاً منهم فأعجبه وبيص ما بين عينيه، فقال: أي رب، من هذا؟ قال: هذا رجل من آخر الأمم من ذريتك يقال له: داود، قال: رب! كم عمره؟ قال: ستون سنة، قال: أي رب! زده من عمري أربعين سنة، فلما انقضى عمر آدم جاء ملك الموت، قال: أولم يبق من عمري أربعون سنة؟ قال: أولم تعطها ابنك داود؟! قال: فجحد فجحدت ذريته، ونسي آدم فنسيت ذريته، وخطئ آدم فخطئت). ثم قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. ورواه الحاكم وقال: صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه].

стр. 588

حديث أنس رضي الله تعالى عنه قال رحمه الله تعالى: [وروى الإمام أحمد أيضاً عن أنس بن مالك ﵁ عن النبي ﷺ قال: (يقال للرجل من أهل النار يوم القيامة: أرأيت لو كان لك ما على الأرض من شيء، أكنت مفتدياً به؟ قال: فيقول: نعم. قال: فيقول: قد أردت منك أهون من ذلك، قد أخذت عليك في ظهر آدم أن لا تشرك بي شيئاً، فأبيت إلا أن تشرك بي) وأخرجاه في الصحيحين أيضاً. وفي ذلك أحاديث أخر أيضاً كلها دالة على أن الله استخرج ذرية آدم من صلبه، وميز بين أهل النار وأهل الجنة. ومن هنا قال من قال: إن الأرواح مخلوقة قبل الأجساد. وهذه الآثار لا تدل على سبق الأرواح الأجساد سبقاً مستقراً ثابتاً، وغايتها أن تدل على أن بارئها وفاطرها سبحانه صور النسمة وقدر خلقها وأجلها وعملها، واستخرج تلك الصور من مادتها ثم أعادها إليها، وقدر خروج كل فرد من أفرادها في وقته المقدر له، ولا يدل على أنها خلقت خلقاً مستقراً واستمرت موجودة ناطقة كلها في موضع واحد ثم يرسل منها إلى الأبدان جملة بعد جملة، كما قاله ابن حزم. فهذا لا تدل الآثار عليه، نعم الرب سبحانه يخلق منها جملة بعد جملة على الوجه الذي سبق به التقدير أولاً، فيجيء الخلق الخارجي مطابقاً للتقدير السابق كشأنه سبحانه في جميع مخلوقاته، فإنه قدر لها أقداراً وآجالاً وصفات وهيئات، ثم أبرزها إلى الوجود مطابقة لذلك التقدير السابق]. مسألة الحديث عن سبق الأرواح أو الأجساد مسألة غيبية، لا سيما فيما يتعلق بالأصل، أما ما يتعلق بأطوار الخلق فالنصوص صريحة وواضحة في أن الله خلق الأجساد ثم نفخ فيها الأرواح، بمعنى: أن آدم خلق الله جسده أولاً كما ورد في النص الصحيح، ثم نفخ الله فيه الروح. وكذلك بنو آدم يخلق الله أولاً أجسادهم كما هو معروف بالنطفة والعلقة والمضغة، ثم بعد ذلك تنفخ في كل إنسان روحه، بمعنى: أن الروح تكون بعد الجسد، وهذا أمر نعلمه. أما أيهما أسبق في أصل الخلق الأزلي؛ فهذه مسألة غيبية لا داعي للخوض فيها والكلام فيها، إنما هي من الكلام في الغيب وقول على الله بغير علم.

стр. 589

ما تدل عليه الأحاديث المروية في أخذ ذرية آدم من ظهره قال رحمه الله تعالى: [فالآثار المروية في ذلك إنما تدل على القدر السابق، وبعضها يدل على أنه سبحانه استخرج أمثالهم وصورهم وميز أهل السعادة من أهل الشقاوة]. هذان هما النوعان اللذان أشرت إليهما قبل، فهذه النصوص تدل على نوعين: النوع الأول: تمييز الذرية بعد أخذهم من ظهر آدم، أي: تمييز المهتدين عن الضالين وأهل الجنة عن أهل النار. والنوع الثاني: الإشهاد والميثاق. قال رحمه الله تعالى: [وأما الإشهاد عليهم هناك فإنما هو في حديثين موقوفين على ابن عباس وابن عمرو ﵃، ومن ثم قال قائلون من السلف والخلف: إن المراد بهذا الإشهاد إنما هو فطرهم على التوحيد، كما تقدم في حديث أبي هريرة ﵁. ومعنى قوله: ﴿شَهِدْنَا﴾ [الأعراف:١٧٢] أي: قالوا: بلى شهدنا أنك ربنا. وهذا قول ابن عباس وأبي بن كعب، وقال ابن عباس أيضاً: أشهد بعضهم على بعض. وقيل: (شهدنا) من قول الملائكة، والوقف على قوله: (بلى). وهذا قول مجاهد والضحاك والسدي. وقال السدي أيضاً: هو خبر من الله تعالى عن نفسه وملائكته أنهم شهدوا على إقرار بني آدم. والأول أظهر، وما عداه احتمال لا دليل عليه، وإنما يشهد ظاهر الآية للأول]. فرق بين ظاهر الآية لو جردت عن الحديث وبين ما ورد في الأحاديث من تفسير يمكن أن تفسر به الآية، فليس في الآية ما يدل على نوع الإشهاد، لكن الأحاديث مفسرة. أما قوله: (في حديثين موقوفين على ابن عباس وابن عمرو) فيظهر أنه يقصد بعض ألفاظهما، وإلا فالإشهاد بمعنى: أن الله أخذ من آدم ذريته وأشهدهم وقالوا: شهدنا على نحو ما ذكر في الحديث قد ورد في الحديث الذي سبق، وهو ما رواه الإمام أحمد، وفيه: (فأخرج من صلبه كل ذرية ذرأها فنثرها بين يديه، ثم كلمهم قبلاً: ألست بربكم؟)، وهذا مرفوع، وهو أيضاً -على الأصح- صحيح. وكذلك ورد مرفوعاً في حديث آخر أورده، وهو يؤيد الحديث السابق، بل إنه ورد من طرق مرفوعاً، وليس مقصوراً على هذين الطريقين. أما تفسير الآية بهذا التفسير فهناك من السلف من جعل هذا شيئاً وذاك شيئاً آخر، فربما فسروا الآية على معنى وفسروا الحديث على معنى آخر، مع ما بينهما من التلازم، لكن لا يعدو أن يكون هذا التفسير رأياً.

стр. 590

ما حمل عليه المفسرون آية الإشهاد قال رحمه الله تعالى: [واعلم أن من المفسرين من لم يذكر سوى القول بأن الله استخرج ذرية آدم من ظهره وأشهدهم على أنفسهم ثم أعادهم، كـ الثعلبي والبغوي وغيرهما، ومنهم من لم يذكره، بل ذكر أنه نصب لهم الأدلة على ربوبيته ووحدانيته وشهدت بها عقولهم وبصائرهم التي ركبها الله فيهم، كـ الزمخشري وغيره، ومنهم من ذكر القولين، كـ الواحدي والرازي والقرطبي وغيرهم، لكن نسب الرازي القول الأول إلى أهل السنة، والثاني إلى المعتزلة].

стр. 591

تصنيف الشارح الأحاديث المروية في الإشهاد قال رحمه الله تعالى: [ولا ريب أن الآية لا تدل على القول الأول، أعني: أن الأخذ كان من ظهر آدم، وإنما فيها أن الأخذ من ظهور بني آدم، وإنما ذكر الأخذ من ظهر آدم والإشهاد عليهم هناك في بعض الأحاديث، وفي بعضها الأخذ والقضاء بأن بعضهم إلى الجنة وبعضهم إلى النار، كما في حديث عمر ﵁، وفي بعضها الأخذ وإراءة آدم إياهم من غير قضاء ولا إشهاد، كما في حديث أبي هريرة. والذي فيه الإشهاد على الصفة التي قالها أهل القول الأول موقوف على ابن عباس وابن عمرو ﵃، وتكلم فيه أهل الحديث، ولم يخرجه أحد من أهل الصحيح غير الحاكم في المستدرك على الصحيحين، والحاكم معروف تساهله ﵀]. الأرجح أن الحديث صحيح وله طرق، وأخرجه غير الحاكم في المستدرك أيضاً. قال رحمه الله تعالى: [والذي فيه القضاء بأن بعضهم إلى الجنة وبعضهم إلى النار دليل على مسألة القدر]. بمعنى أن الله قدر على العباد في علمه السابق وفيما كتبه عليهم وفيما شاءه سبحانه أن منهم أهل الجنة وأن منهم أهل النار، فمصائر العباد لا تخرج عن هذا. قال رحمه الله تعالى: [والذي فيه القضاء بأن بعضهم إلى الجنة وبعضهم إلى النار دليل على مسألة القدر، وذلك شواهده كثيرة، ولا نزاع فيه بين أهل السنة، وإنما يخالف فيه القدرية المبطلون المبتدعون. وأما الأول: فالنزاع فيه بين أهل السنة من السلف والخلف، ولولا ما التزمته من الاختصار لبسطت الأحاديث الواردة في ذلك، وما قيل من الكلام عليها، وما ذكر فيها من المعاني المعقولة ودلالة ألفاظ الآية الكريمة]. في الحقيقة أن ما يظهر من الإشكال جاء من جانب واحد، وإلا فلا مجال للخلاف لولا هذا الإشكال، وهو أن الآية جاء فيها ذكر أخذ الذرية من ظهور بني آدم، حيث قال تعالى: ﴿مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ﴾ [الأعراف:١٧٢]، يعني: من مجموع بني آدم. وفي الحديث أن الأخذ من آدم نفسه. ويمكن الجمع بأن المقصود إخراج الذرية من آدم ثم يخرج بعضها من بعض في نفس الوقت، ولعل ذلك من لوازم إخراج الذرية من آدم فيما يظهر، فيحمل الحديث على الآية والآية على الحديث. فالآية تشير إلى أن الله أخذ الذرية من بني آدم، والحديث يشير إلى أن الله أخذ الذرية من ظهر آدم نفسه، فلو قلنا: إن من لوازم أخذ الذرية من ظهر آدم أن تؤخذ الذرية من ظهور بعضهم ثم يجمع بين النصين لكان هذا أولى، وقد أشار إليه بعض أهل العلم. ويحمل الميثاق على النوعين: ميثاق فعلي حصل به الاستنطاق وأنطق الله به البشر، وأن الله كلمهم قبلاً كما ورد في الحديث ثم شهدوا. والنوع الثاني: الذي بقي في حياة الناس بعد هذا المشهد، وهو دلائل توحيد الله وبراهين وجوده، فهذا أثر من آثار الميثاق باق إلى يوم القيامة.

стр. 592

ما نقله القرطبي عن العلماء في تأويل آية الإشهاد قال رحمه الله تعالى: [قال القرطبي: وهذه الآية مشكلة، وقد تكلم العلماء في تأويلها، فنذكر ما ذكروه من ذلك حسب ما وقفنا عليه، فقال قوم: معنى الآية: أن الله أخرج من ظهر بني آدم بعضهم من بعض. قالوا: ومعنى: ﴿وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾ [الأعراف:١٧٢]: دلهم بخلقه على توحيده، لأن كل بالغ يعلم ضرورة أن له رباً واحداً، ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾ [الأعراف:١٧٢] أي: قال، فقام ذلك مقام الإشهاد عليهم والإقرار منهم، كما قال تعالى في السماوات والأرض: ﴿قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ [فصلت:١١]، ذهب إلى هذا القفال وأطنب]. أكثر من ينتصر لهذا القول أهل الكلام، وقال به بعض السلف فعلاً، لكنه لا يناقض القول الأول، والأدلة متوجهة على أن نوعي الميثاق موجودان، فالأول وردت به النصوص وهو غيبي، والثاني تدل عليه دلائل الفطرة والخلق، ولا تناقض بين الأمرين؛ لأن هذا تدل عليه النصوص وهذا تدل عليه النصوص، فأصحاب هذا القول الأول فسروا الميثاق ببعض معانيه. قال رحمه الله تعالى: [وقيل: إنه سبحانه أخرج الأرواح قبل خلق الأجساد، وإنه جعل فيها من المعرفة ما علمت به ما خاطبها. ثم ذكر القرطبي بعد ذلك الأحاديث الواردة في ذلك، إلى آخر كلامه. وأقوى ما يشهد لصحة القول الأول: حديث أنس المخرج في الصحيحين الذي فيه: (قد أردت منك ما هو أهون من ذلك، قد أخذت عليك في ظهر آدم أن لا تشرك بي شيئاً فأبيت إلا أن تشرك بي)، ولكن قد روي من طريق آخر: (قد سألتك أقل من ذلك وأيسر فلم تفعل، فيرد إلى النار) وليس فيه: (في ظهر آدم)، وليس في الرواية الأولى إخراجهم من ظهر آدم على الصفة التي ذكرها أصحاب القول الأول]. المقصود بالقول الأول القول بأن الإشهاد إشهاد فعلي، بمعنى الاستنطاق، وأن الله كلم هذه الذرية قبلاً، وأنهم قالوا: شهدنا. هذا هو القول الأول، وهذا الذي تدل عليه ظواهر النصوص. والقول الثاني في نظري صحيح، وتدل عليه أيضاً نصوص أخرى، فلا تنافي بين القولين، فالإشارة إلى التعجب تنتهي أو تزول إذا أخذنا بهذا الجمع، أي: بالجمع بين النصوص على هذا النحو، بأن يكون الميثاق ميثاقان: ميثاق أول، ثم بقي أثره في فطر الخلق وفي دلائل وبراهين خلق الله في الكون والأنفس وفي الشرع.

стр. 593

الأسئلة

стр. 594

حكم التبرك بالنواصي السؤال هناك مقولة مشتهرة تقول: (تبركوا بالنواصي) فما صحتها؟ الجواب إطلاقها غير صحيح، أما تقييدها بما ورد في الشرع من النواصي المباركة فنعم، كما ورد عن النبي ﷺ أنه قال: (الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة). فإذا ورد الشرع بشيء مبارك فإنا نتبرك به إذا كانت بركته تتعدى، وكذلك البقاع، فإذا قصد بالبقاع البقاع المباركة التي بارك الله فيها وورد الشرع بالبركة فيها فلا مانع. أما إذا قصد الإطلاق وأن الناس يتبركون بما يريدون وكما يشاءون فهذا غير صحيح، بل ربما يكون من أسباب ظهور البدعة واشتهارها بين الأمة.

стр. 595

شرح العقيدة الطحاوية [٥٠] اختلف الناس في معنى الإشهاد الذي ذكره الله في كتابه عن آدم وذريته، فقيل بأنه إشهاد حقيقي تم ووقع استنطاقاً، وهذا هو الذي دلت عليه النصوص، وهو الصحيح، وهو قول جمهور السلف وأهل الحديث، وقيل بأنه لم يحدث فعلياً، بل المقصود به دلائل الفطرة التي أقام الله بها الحجة على عباده، وهذا قول ضعيف، وهو ما اختاره شارح الطحاوية ﵀.

стр. 596

خلاصة القولين الواردين في معنى الإشهاد قال رحمه الله تعالى: [بل القول الأول متضمن لأمرين عجيبين]. هنا ينبغي أن نستذكر القولين السابقين في الإشهاد: القول الأول: هو القول بأن الإشهاد تم فعلاً على الصورة التي وردت في الحديث، وهو أن الله أخرج بني آدم من ظهره، وأشهدهم إشهاداً فعلياً على كيفية لا يعلمها إلا الله ؛ لأنها غيبية، وأنهم نطقوا وشهدوا على أنفسهم، وأن هذا مشهد واقعي فعلي صح في الخبر عن رسول الله ﷺ . وبعض أصحاب هذا القول قالوا: إن هذا الحديث مفسر للآية، فالآية مجملة وهذا مبين، ولا شك في أن الإجمال يرد إلى التفصيل، والمجمل يرد إلى المفصل. أما القول الثاني الذي انتصر له الشيخ ابن أبي العز هنا فهو القول بأن الإشهاد لم يحدث بصورة مشهد فعلي، إنما كان تعبيراً عن دلائل الفطرة، عبر الله بذلك عن دلائل الفطرة، وأن الإشهاد يتمثل بالبراهين والأدلة التي أقام الله بها الحجة على العقلاء، وهي خلق الكون، وخلق الإنسان، وآيات الله المنظورة، والوحي، ودلالة الفطرة والعقل السليم، ونحو ذلك من البراهين العلمية والعملية التي تقوم بها الحجة، فهذا بمثابة الإشهاد. ومال الشارح إلى تضعيف أحاديث الإشهاد، لأن الآية لا تدل صراحة على فعل الإشهاد على نحو ما ورد في الحديث، وهذا فيه تكلف كما سيأتي. والقول الأول الذي أنكره مال الشيخ إلى سواه هو القول الذي عليه كثير من السلف، وعليه أغلب أهل الحديث، وهو الذي تقتضيه النصوص الشرعية، وهو أن الإشهاد تم فعلاً على نحو ما جاء في الحديث، سواء كان ذلك تفسيراً للآية، أم أن الآية لها معنىً آخر على خلاف بين أصحاب هذا القول.

стр. 597

رد الشارح للقول بالإشهاد الفعلي قال رحمه الله تعالى: [بل القول الأول متضمن لأمرين عجيبين: أحدهما: كون الناس تكلموا حينئذ وأقروا بالإيمان، وأنه بهذا تقوم الحجة عليهم يوم القيامة]. سينكر الشيخ هذه الأمور بعدة وجوه كما سيأتي. قال رحمه الله تعالى: [والثاني: أن الآية دلت على ذلك، والآية لا تدل عليه لوجوه: أحدها: أنه قال: ﴿مِنْ بَنِي آدَمَ﴾ [الأعراف:١٧٢] ولم يقل: من آدم. الثاني: أنه قال: ﴿مِنْ ظُهُورِهِمْ﴾ [الأعراف:١٧٢] ولم يقل: من ظهره، وهذا بدل بعض أو بدل اشتمال، وهو أحسن. الثالث: أنه قال: ﴿ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ [الأعراف:١٧٢] ولم يقل: ذريته]. هذه الاعتراضات الثلاثة يجاب عليها بجواب واحد، فالإشكال فيها واحد، وهو مسألة مرجع الضمائر، فالأحاديث تشير إلى أن الله أخذ من ظهر آدم ذريته وأشهدهم، وأنهم نطقوا، وأن الله كلمهم قبلاً، يعني: كفاحاً. والآية فيها إشارة إلى بني آدم، فكأنه -أي: الشارح- يقول: إن هناك فرقاً بين آدم وبني آدم، فإذا كان الأمر كذلك فالآية لا تدل على هذا الإشهاد الحقيقي، إنما تدل على أمر معنوي. والجواب عليه: أنه لا تنافي بين الأمرين، فالآية مجملة والحديث مبين، هذه ناحية. الناحية الأخرى: أن ما يتعلق بالضمائر؛ إذ الأحاديث أشارت إلى آدم بنفسه، وأن الإشهاد حدث عليه وعلى من أخذ من ظهره، والآية أشارت إلى مجموع بني آدم، ما يتعلق بذلك لا تنافي فيه بين الأمرين كما قال أهل العلم؛ لأنه يجوز -بل ربما كان من لوازم أخذ ذرية آدم من ظهره- أن يكون أخذ ذرية بعضهم من ظهور ذرية بعض. وكل ذلك راجع إلى قدرة الله ، فما الذي يمنع أن الله حينما أخذ من آدم ذريته جعل الذرية تتداخل، وما هناك ما يمنع من هذا، بل شواهد النصوص وقرائن الأدلة تدل على هذا، وهو أن الإشهاد تم بهذه الطريقة: أن الله أخذ ذرية آدم من ظهره هو، ولزم من ذلك أخذ ذرية كل شخص من ظهره، وكل ذلك راجع إلى قدرة الله التي لا حد لها، فلا داعي لتكلف إنكار الإشهاد الحقيقي واعتباره مجرد إشهاد معنوي أو ميثاق معنوي مع أنه يمكن الجمع بينهما. وقد ذكرت وجه الجمع بأنه لا تنافي أبداً في أن يكون الميثاق حدث فعلاً وبقي أثره، والناس في الدنيا لا يذكرون مشهد الميثاق لو لم يأت به القرآن، ونسيانهم له لا يعني نسيان أصل العهد، وهذا مما يحدث في حياة الناس، فالإنسان مثلاً قد تحدث له حادثة في مرحلة من مراحل عمره، حادثة لها شيء من التفاصيل، وينبني على هذه الحادثة مواقف معينة أو عقود أو عهود، ثم يمضي الزمن وينسى الحادثة، فيأتي من يذكره، فقد لا يذكر إلا العهد، ولكن ينسى التفاصيل، فعلى هذا تقوم الحجة بما عرفه الإنسان من ثمار الحادث وما ترتب عليه من عهود وإشهاد ونحو ذلك، ولو نسي التفاصيل. وكذلك الميثاق، فقد يكون الله قدر لبني آدم ألا يستذكروا كلهم تفاصيل الإشهاد، لكن بقي موجبه، وبقيت لوازمه، وهذا أمر يدركه كل عاقل في آيات الله الشرعية والكونية. قال رحمه الله تعالى: [الرابع: أنه قال: ﴿وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ﴾ [الأعراف:١٧٢] أي: جعلهم شاهدين على أنفسهم، ولابد أن يكون الشاهد ذاكراً لما شهد به، وهو إنما يذكر شهادته بعد خروجه إلى هذه الدار كما تأتي الإشارة إلى ذلك، لا يذكر شهادة قبله. الخامس: أنه سبحانه أخبر أن حكمة هذا الإشهاد إقامة الحجة عليهم، لئلا يقولوا يوم القيامة: إنا كنا عن هذا غافلين، والحجة إنما قامت عليهم بالرسل والفطرة التي فطروا عليها، كما قال تعالى: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء:١٦٥]. السادس: تذكيرهم بذلك، لئلا يقولوا يوم القيامة: إنا كنا عن هذا غافلين. ومعلوم أنهم غافلون عن الإخراج لهم من صلب آدم كلهم وإشهادهم جميعاً ذلك الوقت، فهذا لا يذكره أحد منهم. السابع: قوله تعالى: ﴿أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ [الأعراف:١٧٣]، فذكر حكمتين في هذا الأخذ والإشهاد: ألا يدَّعو الغفلة أو يدَّعو التقليد، فالغافل لا شعور له، والمقلد متبع في تقليده لغيره. ولا تترتب هاتان الحكمتان إلا على ما قامت به الحجة من الرسل والفطرة. الثامن: قوله: ﴿أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ﴾ [الأعراف:١٧٣] أي: لو عذبهم بجحودهم وشركهم لقالوا ذلك، وهو سبحانه إنما يهلكهم لمخالفة رسله وتكذيبهم، فلو أهلكهم بتقليد آبائهم في شركهم من غير إقامة الحجة عليهم بالرسل لأهلكهم بما فعل المبطلون، أو أهلكهم مع غفلتهم عن معرفة بطلان ما كانوا عليه، وقد أخبر سبحانه أنه لم يكن ليهلك القرى بظلم وأهلها غافلون، وإنما يهلكهم بعد الإعذار والإنذار بإرسال الرسل. التاسع: أنه سبحانه أشهد كل واحد على نفسه أنه ربه وخالقه، واحتج عليه بهذا الإشهاد في غير موضع من كتابه، كقوله:

стр. 598

إثبات الإشهاد الفعلي استنطاقاً والرد على الشارح في نفيه يظهر لي أن هذا الكلام الذي وجه به الشارح ﵀ رد القول الأول فيه نوع تكلف؛ لأمور: منها ما ذكرته من أنه ليس هناك ما يمنع من أن يكون الإشهاد حدث تفصيلاً وبقيت آثاره. والأمر الآخر: أن كل ما ذكره من هذه الاعتراضات ينصب على مسألة واحدة، وهي: أن الإشهاد الفعلي الذي تم لا يوجد له ذكر عند البشر الآن، وأنه كيف تقوم الحجة به عليهم وهم لا يتذكرونه، وهذا مردود بما ذكرته وبأمور أخرى: أولها: أنه جاء النص -وهو الحديث الصحيح- في الخبر عن الإشهاد تفصيلاً على نحو ما جاء في الحديث، وعلى هذا فيلزم أن نسلم بالنص، فما دام قد ثبت فلا بد أن نسلم بأن التفاصيل التي وردت فيه حق، وأنها جرت، وهي أمور غيبية لا نستطيع أن نتحكم فيها برد ولا تأويل ولا بتحكم بأي نوع من أنواع التحكم، وإنما لا بد من التسليم والتصديق بأنها حدثت فعلاً. ثم إن ظهر لنا نوع من التعارض بين ظاهر الآية وظاهر الحديث فلنلتمس وجوه التوفيق بين الأمرين، ووجوه التوفيق ميسورة على نحو ما ذكرت، فلا داعي للتكلف. الأمر الثالث: أن هذه النزعة -وهي نزعة الهروب من إثبات أمر غيبي- نزعة كلامية ما كان ينبغي أن يقع فيها أحد ممن ثبت لديه الحديث، لكن يظهر أن الشارح -والله أعلم- ما ثبتت عنده أحاديث الإشهاد، فركز على مفهوم الآية. وقد أشار إلى شيء من هذا حينما أشار إلى أن هذه الأحاديث موقوفة على بعض الصحابة، وإلا فلا يتصور من مثل ابن أبي العز ﵀ أن يتكلف رد أمور ثبتت بالأحاديث، لا سيما أنه ممكن جداً الجمع بين مدلول الحديث ومدلول الآية. ثم إن أكثر ما ذكر من وجوه الرد إنما يتماشى مع قواعد العقلانية قديماً وحديثاً، وهذه النزعة نزعة عقلانية جاءت من أهل الأهواء من أمثال القدرية والمعتزلة والجهمية وأهل الكلام، ولذلك نجد أن أكثر من نصر هذا القول -وهو إنكار الإشهاد الفعلي- هم أهل الكلام، وقد قال بشيء من ذلك بعض السلف، لكن بدون تكلف، قالوا به لأنهم وجدوا له تفسيراً وتأويلاً يرون أنه تقتضيه معاني اللغة فقط، وإلا فما ردوا هذا الرد المباشر. إذاً: فهذه النزعة نزعة عقلية ما كان ينبغي أن يقع فيها أهل السنة أو أهل العلم المقتدى بهم في الدين، وهي نزعة رد النصوص بمثل هذه التأولات والاحتمالات والاستبعادات العقلية التي لا تقاوم الأخبار الغيبية، فالأخبار الغيبية يؤمن بها كما جاءت، فإن لم نجد لها تفسيراً من عقولنا، ولم نجد وجوهاً نجمع بها بين نص ونص، فلنتهم عقولنا، ولا نتهم النص ليرجع الأمر إلى الشك في نص ثابت، ومع ذلك يبقى احتمال أن أكثر الذين ردوا القول الأول من أئمة العلم لا يصححون الحديث، أو لم يبلغهم المسند الصحيح منه، فربما بلغتهم بعض الآثار الضعيفة أو الموقوفة أو نحو ذلك.

стр. 599

كرة ثانية للشارح في دفع القول بحصول الإشهاد استنطاقاً قال رحمه الله تعالى: [وقد تفطن لهذا ابن عطية وغيره، ولكن هابوا مخالفة ظاهر تلك الأحاديث التي فيها التصريح بأن الله أخرجهم وأشهدهم على أنفسهم ثم أعادهم، وكذلك حكى القولين الشيخ أبو منصور الماتريدي في شرح التأويلات ورجح القول الثاني، وتكلم عليه ومال إليه]. الشيخ أبو منصور الماتريدي يعتبر من أكابر المتكلمين الأوائل، وله في تأويلات النصوص مواطن كثيرة معروفة في كتابه التوحيد، وعلى هذا لا نستغرب أن ينصر هذا القول، بل من الطبيعي أن ينصره؛ لأنه يخالف القاعدة العقلية التي يسير عليها المتكلمون في بعض أمور الغيب وفي أفعال الله ، خاصة الذين ينكرون أفعال الرب، فإن الحديث عندهم لا بد أن يؤول، وإذا أمكنهم أن يردوه ردوه، وإذا ما أمكنهم فلا بد أن يؤولوه، فعلى هذا لا يصح أن يرتبط بأقوال هؤلاء، ولا يعتمد عليها كأقوال يرجح بها؛ لأنهم إنما خالفوا السلف في هذه الأمور وإن وافقوهم في أمور أخرى. قال رحمه الله تعالى: [ولاشك أن الإقرار بالربوبية أمر فطري، والشرك حادث طارئ، والأبناء تقلدوه عن الآباء، فإذا احتجوا يوم القيامة بأن الآباء أشركوا ونحن جرينا على عادتهم كما يجري الناس على عادة آبائهم في المطاعم والملابس والمساكن، يقال لهم: أنتم كنتم معترفين بالصانع، مقرين بأن الله ربكم لا شريك له، وقد شهدتم بذلك على أنفسكم، فإن شهادة المرء على نفسه هي إقراره بالشيء ليس إلا، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ﴾ [النساء:١٣٥]. وليس المراد أن يقول: أشهد على نفسي بكذا، بل من أقر بشيء فقد شهد على نفسه به]. هذا فيه محاولة رد الإشهاد الحقيقي، وهذا أسلوب المتكلمين، وفيه تكلف، والشيخ ﵀ كان من المتوقع أنه يقف عند قوله: [ولهذا تفطن ابن عطية وغيره، ولكن هابوا مخالفة ظاهر تلك الأحاديث]، فهذا في الحقيقة أمر ينبغي أن يوقف عنده، فهؤلاء هابوا مخالفة ظاهر تلك الأحاديث التي فيها التصريح بأن الله أخرجهم وأشهدهم على أنفسهم ثم أعادهم، وحق لهم أن يهابوا، ولماذا لا نهاب أمر غيبياً أخبرنا به رسول الله ﷺ ؟! ثم إن المسألة ليست مجرد هيبة، بل هي مقتضى الإيمان والتسليم والإذعان لله وتصديق الرسول ﷺ ، فالإنسان عليه أن يخشى الله ويخافه، ويجب أن يسلم ويذعن، ولا شك في أن المسلم لا يجرؤ على أن يقول في الغيب شيئاً، لكن الأمر أكبر من ذلك. قال رحمه الله تعالى: [وليس المراد أن يقول: أشهد على نفسي بكذا، بل من أقر بشيء فقد شهد على نفسه به، فلم عدلتم عن هذه المعرفة والإقرار الذي شهدتم به على أنفسكم إلى الشرك؟! بل عدلتم عن المعلوم المتيقن إلى ما لا يعلم له حقيقة، تقليداً لمن لا حجة معه، بخلاف اتباعهم في العادات الدنيوية؛ فإن تلك لم يكن عندكم ما يعلم به فسادها، وفيه مصلحة لكم، بخلاف الشرك فإنه كان عندكم من المعرفة والشهادة على أنفسكم ما يبين فساده وعدولكم فيه عن الصواب؛ فإن الدين الذي يأخذه الصبي عن أبويه هو دين التربية والعادة، وهو لأجل مصلحة الدنيا، فإن الطفل لا بد له من كافل، وأحق الناس به أبواه، ولهذا جاءت الشريعة بأن الطفل مع أبويه على دينهما في أحكام الدنيا الظاهرة، وهذا الدين لا يعاقبه الله عليه -على الصحيح- حتى يبلغ ويعقل وتقوم عليه الحجة، وحينئذ فعليه أن يتبع دين العلم والعقل، وهو الذي يعلم بعقله هو أنه دين صحيح؛ فإن كان آباؤه مهتدين كيوسف الصديق مع آبائه قال: ﴿وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ﴾ [يوسف:٣٨]، وقال ليعقوب بنوه: ﴿نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ﴾ [البقرة:١٣٣]، وإن كان الآباء مخالفين للرسل كان عليه أن يتبع الرسل، كما قال تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا الإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا﴾ [العنكبوت:٨]. فمن اتبع دين آبائه بغير بصيرة وعلم، بل يعدل عن الحق المعلوم إليه؛ فهذا اتبع هواه، كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلا يَهْتَدُونَ﴾ [البقرة:١٧٠]. وهذه حال كثير من الناس من الذين ولدوا على الإسلام، يتبع أحدهم أباه فيما كان عليه من اعتقاد ومذهب وإن كان خطأ ليس هو فيه على بصيرة، بل هو من مسلمة الدار لا مسلمة الاختيار، وهذا إذا قيل له في قبره: من ربك؟ قال: هاه هاه، لا أدري، سمعت الناس يقولون شيئا فقلته. فليتأمل اللبيب هذا المحل، ولينصح نفسه، وليقم لله، ولينظر من أي الفريقين هو؟ والله الموفق. فإن توحيد الربوبية

стр. 600

الأسئلة
следующие страницы →