Полный текст (1 296 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.
стр. 596
خلاصة القولين الواردين في معنى الإشهاد
قال رحمه الله تعالى: [بل القول الأول متضمن لأمرين عجيبين].
هنا ينبغي أن نستذكر القولين السابقين في الإشهاد: القول الأول: هو القول بأن الإشهاد تم فعلاً على الصورة التي وردت في الحديث، وهو أن الله أخرج بني آدم من ظهره، وأشهدهم إشهاداً فعلياً على كيفية لا يعلمها إلا الله ؛ لأنها غيبية، وأنهم نطقوا وشهدوا على أنفسهم، وأن هذا مشهد واقعي فعلي صح في الخبر عن رسول الله ﷺ .
وبعض أصحاب هذا القول قالوا: إن هذا الحديث مفسر للآية، فالآية مجملة وهذا مبين، ولا شك في أن الإجمال يرد إلى التفصيل، والمجمل يرد إلى المفصل.
أما القول الثاني الذي انتصر له الشيخ ابن أبي العز هنا فهو القول بأن الإشهاد لم يحدث بصورة مشهد فعلي، إنما كان تعبيراً عن دلائل الفطرة، عبر الله بذلك عن دلائل الفطرة، وأن الإشهاد يتمثل بالبراهين والأدلة التي أقام الله بها الحجة على العقلاء، وهي خلق الكون، وخلق الإنسان، وآيات الله المنظورة، والوحي، ودلالة الفطرة والعقل السليم، ونحو ذلك من البراهين العلمية والعملية التي تقوم بها الحجة، فهذا بمثابة الإشهاد.
ومال الشارح إلى تضعيف أحاديث الإشهاد، لأن الآية لا تدل صراحة على فعل الإشهاد على نحو ما ورد في الحديث، وهذا فيه تكلف كما سيأتي.
والقول الأول الذي أنكره مال الشيخ إلى سواه هو القول الذي عليه كثير من السلف، وعليه أغلب أهل الحديث، وهو الذي تقتضيه النصوص الشرعية، وهو أن الإشهاد تم فعلاً على نحو ما جاء في الحديث، سواء كان ذلك تفسيراً للآية، أم أن الآية لها معنىً آخر على خلاف بين أصحاب هذا القول.
стр. 597
رد الشارح للقول بالإشهاد الفعلي
قال رحمه الله تعالى: [بل القول الأول متضمن لأمرين عجيبين: أحدهما: كون الناس تكلموا حينئذ وأقروا بالإيمان، وأنه بهذا تقوم الحجة عليهم يوم القيامة].
سينكر الشيخ هذه الأمور بعدة وجوه كما سيأتي.
قال رحمه الله تعالى: [والثاني: أن الآية دلت على ذلك، والآية لا تدل عليه لوجوه: أحدها: أنه قال: ﴿مِنْ بَنِي آدَمَ﴾ [الأعراف:١٧٢] ولم يقل: من آدم.
الثاني: أنه قال: ﴿مِنْ ظُهُورِهِمْ﴾ [الأعراف:١٧٢] ولم يقل: من ظهره، وهذا بدل بعض أو بدل اشتمال، وهو أحسن.
الثالث: أنه قال: ﴿ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ [الأعراف:١٧٢] ولم يقل: ذريته].
هذه الاعتراضات الثلاثة يجاب عليها بجواب واحد، فالإشكال فيها واحد، وهو مسألة مرجع الضمائر، فالأحاديث تشير إلى أن الله أخذ من ظهر آدم ذريته وأشهدهم، وأنهم نطقوا، وأن الله كلمهم قبلاً، يعني: كفاحاً.
والآية فيها إشارة إلى بني آدم، فكأنه -أي: الشارح- يقول: إن هناك فرقاً بين آدم وبني آدم، فإذا كان الأمر كذلك فالآية لا تدل على هذا الإشهاد الحقيقي، إنما تدل على أمر معنوي.
والجواب عليه: أنه لا تنافي بين الأمرين، فالآية مجملة والحديث مبين، هذه ناحية.
الناحية الأخرى: أن ما يتعلق بالضمائر؛ إذ الأحاديث أشارت إلى آدم بنفسه، وأن الإشهاد حدث عليه وعلى من أخذ من ظهره، والآية أشارت إلى مجموع بني آدم، ما يتعلق بذلك لا تنافي فيه بين الأمرين كما قال أهل العلم؛ لأنه يجوز -بل ربما كان من لوازم أخذ ذرية آدم من ظهره- أن يكون أخذ ذرية بعضهم من ظهور ذرية بعض.
وكل ذلك راجع إلى قدرة الله ، فما الذي يمنع أن الله حينما أخذ من آدم ذريته جعل الذرية تتداخل، وما هناك ما يمنع من هذا، بل شواهد النصوص وقرائن الأدلة تدل على هذا، وهو أن الإشهاد تم بهذه الطريقة: أن الله أخذ ذرية آدم من ظهره هو، ولزم من ذلك أخذ ذرية كل شخص من ظهره، وكل ذلك راجع إلى قدرة الله التي لا حد لها، فلا داعي لتكلف إنكار الإشهاد الحقيقي واعتباره مجرد إشهاد معنوي أو ميثاق معنوي مع أنه يمكن الجمع بينهما.
وقد ذكرت وجه الجمع بأنه لا تنافي أبداً في أن يكون الميثاق حدث فعلاً وبقي أثره، والناس في الدنيا لا يذكرون مشهد الميثاق لو لم يأت به القرآن، ونسيانهم له لا يعني نسيان أصل العهد، وهذا مما يحدث في حياة الناس، فالإنسان مثلاً قد تحدث له حادثة في مرحلة من مراحل عمره، حادثة لها شيء من التفاصيل، وينبني على هذه الحادثة مواقف معينة أو عقود أو عهود، ثم يمضي الزمن وينسى الحادثة، فيأتي من يذكره، فقد لا يذكر إلا العهد، ولكن ينسى التفاصيل، فعلى هذا تقوم الحجة بما عرفه الإنسان من ثمار الحادث وما ترتب عليه من عهود وإشهاد ونحو ذلك، ولو نسي التفاصيل.
وكذلك الميثاق، فقد يكون الله قدر لبني آدم ألا يستذكروا كلهم تفاصيل الإشهاد، لكن بقي موجبه، وبقيت لوازمه، وهذا أمر يدركه كل عاقل في آيات الله الشرعية والكونية.
قال رحمه الله تعالى: [الرابع: أنه قال: ﴿وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ﴾ [الأعراف:١٧٢] أي: جعلهم شاهدين على أنفسهم، ولابد أن يكون الشاهد ذاكراً لما شهد به، وهو إنما يذكر شهادته بعد خروجه إلى هذه الدار كما تأتي الإشارة إلى ذلك، لا يذكر شهادة قبله.
الخامس: أنه سبحانه أخبر أن حكمة هذا الإشهاد إقامة الحجة عليهم، لئلا يقولوا يوم القيامة: إنا كنا عن هذا غافلين، والحجة إنما قامت عليهم بالرسل والفطرة التي فطروا عليها، كما قال تعالى: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء:١٦٥].
السادس: تذكيرهم بذلك، لئلا يقولوا يوم القيامة: إنا كنا عن هذا غافلين.
ومعلوم أنهم غافلون عن الإخراج لهم من صلب آدم كلهم وإشهادهم جميعاً ذلك الوقت، فهذا لا يذكره أحد منهم.
السابع: قوله تعالى: ﴿أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ [الأعراف:١٧٣]، فذكر حكمتين في هذا الأخذ والإشهاد: ألا يدَّعو الغفلة أو يدَّعو التقليد، فالغافل لا شعور له، والمقلد متبع في تقليده لغيره.
ولا تترتب هاتان الحكمتان إلا على ما قامت به الحجة من الرسل والفطرة.
الثامن: قوله: ﴿أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ﴾ [الأعراف:١٧٣] أي: لو عذبهم بجحودهم وشركهم لقالوا ذلك، وهو سبحانه إنما يهلكهم لمخالفة رسله وتكذيبهم، فلو أهلكهم بتقليد آبائهم في شركهم من غير إقامة الحجة عليهم بالرسل لأهلكهم بما فعل المبطلون، أو أهلكهم مع غفلتهم عن معرفة بطلان ما كانوا عليه، وقد أخبر سبحانه أنه لم يكن ليهلك القرى بظلم وأهلها غافلون، وإنما يهلكهم بعد الإعذار والإنذار بإرسال الرسل.
التاسع: أنه سبحانه أشهد كل واحد على نفسه أنه ربه وخالقه، واحتج عليه بهذا الإشهاد في غير موضع من كتابه، كقوله:
стр. 598
إثبات الإشهاد الفعلي استنطاقاً والرد على الشارح في نفيه
يظهر لي أن هذا الكلام الذي وجه به الشارح ﵀ رد القول الأول فيه نوع تكلف؛ لأمور: منها ما ذكرته من أنه ليس هناك ما يمنع من أن يكون الإشهاد حدث تفصيلاً وبقيت آثاره.
والأمر الآخر: أن كل ما ذكره من هذه الاعتراضات ينصب على مسألة واحدة، وهي: أن الإشهاد الفعلي الذي تم لا يوجد له ذكر عند البشر الآن، وأنه كيف تقوم الحجة به عليهم وهم لا يتذكرونه، وهذا مردود بما ذكرته وبأمور أخرى: أولها: أنه جاء النص -وهو الحديث الصحيح- في الخبر عن الإشهاد تفصيلاً على نحو ما جاء في الحديث، وعلى هذا فيلزم أن نسلم بالنص، فما دام قد ثبت فلا بد أن نسلم بأن التفاصيل التي وردت فيه حق، وأنها جرت، وهي أمور غيبية لا نستطيع أن نتحكم فيها برد ولا تأويل ولا بتحكم بأي نوع من أنواع التحكم، وإنما لا بد من التسليم والتصديق بأنها حدثت فعلاً.
ثم إن ظهر لنا نوع من التعارض بين ظاهر الآية وظاهر الحديث فلنلتمس وجوه التوفيق بين الأمرين، ووجوه التوفيق ميسورة على نحو ما ذكرت، فلا داعي للتكلف.
الأمر الثالث: أن هذه النزعة -وهي نزعة الهروب من إثبات أمر غيبي- نزعة كلامية ما كان ينبغي أن يقع فيها أحد ممن ثبت لديه الحديث، لكن يظهر أن الشارح -والله أعلم- ما ثبتت عنده أحاديث الإشهاد، فركز على مفهوم الآية.
وقد أشار إلى شيء من هذا حينما أشار إلى أن هذه الأحاديث موقوفة على بعض الصحابة، وإلا فلا يتصور من مثل ابن أبي العز ﵀ أن يتكلف رد أمور ثبتت بالأحاديث، لا سيما أنه ممكن جداً الجمع بين مدلول الحديث ومدلول الآية.
ثم إن أكثر ما ذكر من وجوه الرد إنما يتماشى مع قواعد العقلانية قديماً وحديثاً، وهذه النزعة نزعة عقلانية جاءت من أهل الأهواء من أمثال القدرية والمعتزلة والجهمية وأهل الكلام، ولذلك نجد أن أكثر من نصر هذا القول -وهو إنكار الإشهاد الفعلي- هم أهل الكلام، وقد قال بشيء من ذلك بعض السلف، لكن بدون تكلف، قالوا به لأنهم وجدوا له تفسيراً وتأويلاً يرون أنه تقتضيه معاني اللغة فقط، وإلا فما ردوا هذا الرد المباشر.
إذاً: فهذه النزعة نزعة عقلية ما كان ينبغي أن يقع فيها أهل السنة أو أهل العلم المقتدى بهم في الدين، وهي نزعة رد النصوص بمثل هذه التأولات والاحتمالات والاستبعادات العقلية التي لا تقاوم الأخبار الغيبية، فالأخبار الغيبية يؤمن بها كما جاءت، فإن لم نجد لها تفسيراً من عقولنا، ولم نجد وجوهاً نجمع بها بين نص ونص، فلنتهم عقولنا، ولا نتهم النص ليرجع الأمر إلى الشك في نص ثابت، ومع ذلك يبقى احتمال أن أكثر الذين ردوا القول الأول من أئمة العلم لا يصححون الحديث، أو لم يبلغهم المسند الصحيح منه، فربما بلغتهم بعض الآثار الضعيفة أو الموقوفة أو نحو ذلك.
стр. 599
كرة ثانية للشارح في دفع القول بحصول الإشهاد استنطاقاً
قال رحمه الله تعالى: [وقد تفطن لهذا ابن عطية وغيره، ولكن هابوا مخالفة ظاهر تلك الأحاديث التي فيها التصريح بأن الله أخرجهم وأشهدهم على أنفسهم ثم أعادهم، وكذلك حكى القولين الشيخ أبو منصور الماتريدي في شرح التأويلات ورجح القول الثاني، وتكلم عليه ومال إليه].
الشيخ أبو منصور الماتريدي يعتبر من أكابر المتكلمين الأوائل، وله في تأويلات النصوص مواطن كثيرة معروفة في كتابه التوحيد، وعلى هذا لا نستغرب أن ينصر هذا القول، بل من الطبيعي أن ينصره؛ لأنه يخالف القاعدة العقلية التي يسير عليها المتكلمون في بعض أمور الغيب وفي أفعال الله ، خاصة الذين ينكرون أفعال الرب، فإن الحديث عندهم لا بد أن يؤول، وإذا أمكنهم أن يردوه ردوه، وإذا ما أمكنهم فلا بد أن يؤولوه، فعلى هذا لا يصح أن يرتبط بأقوال هؤلاء، ولا يعتمد عليها كأقوال يرجح بها؛ لأنهم إنما خالفوا السلف في هذه الأمور وإن وافقوهم في أمور أخرى.
قال رحمه الله تعالى: [ولاشك أن الإقرار بالربوبية أمر فطري، والشرك حادث طارئ، والأبناء تقلدوه عن الآباء، فإذا احتجوا يوم القيامة بأن الآباء أشركوا ونحن جرينا على عادتهم كما يجري الناس على عادة آبائهم في المطاعم والملابس والمساكن، يقال لهم: أنتم كنتم معترفين بالصانع، مقرين بأن الله ربكم لا شريك له، وقد شهدتم بذلك على أنفسكم، فإن شهادة المرء على نفسه هي إقراره بالشيء ليس إلا، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ﴾ [النساء:١٣٥].
وليس المراد أن يقول: أشهد على نفسي بكذا، بل من أقر بشيء فقد شهد على نفسه به].
هذا فيه محاولة رد الإشهاد الحقيقي، وهذا أسلوب المتكلمين، وفيه تكلف، والشيخ ﵀ كان من المتوقع أنه يقف عند قوله: [ولهذا تفطن ابن عطية وغيره، ولكن هابوا مخالفة ظاهر تلك الأحاديث]، فهذا في الحقيقة أمر ينبغي أن يوقف عنده، فهؤلاء هابوا مخالفة ظاهر تلك الأحاديث التي فيها التصريح بأن الله أخرجهم وأشهدهم على أنفسهم ثم أعادهم، وحق لهم أن يهابوا، ولماذا لا نهاب أمر غيبياً أخبرنا به رسول الله ﷺ ؟! ثم إن المسألة ليست مجرد هيبة، بل هي مقتضى الإيمان والتسليم والإذعان لله وتصديق الرسول ﷺ ، فالإنسان عليه أن يخشى الله ويخافه، ويجب أن يسلم ويذعن، ولا شك في أن المسلم لا يجرؤ على أن يقول في الغيب شيئاً، لكن الأمر أكبر من ذلك.
قال رحمه الله تعالى: [وليس المراد أن يقول: أشهد على نفسي بكذا، بل من أقر بشيء فقد شهد على نفسه به، فلم عدلتم عن هذه المعرفة والإقرار الذي شهدتم به على أنفسكم إلى الشرك؟! بل عدلتم عن المعلوم المتيقن إلى ما لا يعلم له حقيقة، تقليداً لمن لا حجة معه، بخلاف اتباعهم في العادات الدنيوية؛ فإن تلك لم يكن عندكم ما يعلم به فسادها، وفيه مصلحة لكم، بخلاف الشرك فإنه كان عندكم من المعرفة والشهادة على أنفسكم ما يبين فساده وعدولكم فيه عن الصواب؛ فإن الدين الذي يأخذه الصبي عن أبويه هو دين التربية والعادة، وهو لأجل مصلحة الدنيا، فإن الطفل لا بد له من كافل، وأحق الناس به أبواه، ولهذا جاءت الشريعة بأن الطفل مع أبويه على دينهما في أحكام الدنيا الظاهرة، وهذا الدين لا يعاقبه الله عليه -على الصحيح- حتى يبلغ ويعقل وتقوم عليه الحجة، وحينئذ فعليه أن يتبع دين العلم والعقل، وهو الذي يعلم بعقله هو أنه دين صحيح؛ فإن كان آباؤه مهتدين كيوسف الصديق مع آبائه قال: ﴿وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ﴾ [يوسف:٣٨]، وقال ليعقوب بنوه: ﴿نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ﴾ [البقرة:١٣٣]، وإن كان الآباء مخالفين للرسل كان عليه أن يتبع الرسل، كما قال تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا الإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا﴾ [العنكبوت:٨].
فمن اتبع دين آبائه بغير بصيرة وعلم، بل يعدل عن الحق المعلوم إليه؛ فهذا اتبع هواه، كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلا يَهْتَدُونَ﴾ [البقرة:١٧٠].
وهذه حال كثير من الناس من الذين ولدوا على الإسلام، يتبع أحدهم أباه فيما كان عليه من اعتقاد ومذهب وإن كان خطأ ليس هو فيه على بصيرة، بل هو من مسلمة الدار لا مسلمة الاختيار، وهذا إذا قيل له في قبره: من ربك؟ قال: هاه هاه، لا أدري، سمعت الناس يقولون شيئا فقلته.
فليتأمل اللبيب هذا المحل، ولينصح نفسه، وليقم لله، ولينظر من أي الفريقين هو؟ والله الموفق.
فإن توحيد الربوبية
стр. 600
الأسئلة
стр. 601
توجيه حديث الضرير في التوسل
السؤال
بالنسبة للتوسل بالنبي ﷺ كيف نوجه حديث الضرير الذي صححه بعض العلماء، ومنهم الألباني وشيخ الإسلام كما قال السيوطي في كتابه؟
الجواب
هذا الحديث صحيح، ومما ورد في الحديث مما يفسره أن النبي ﷺ طلب من ذلك الضرير الذي جاء إليه أن يتوضأ ويصلي ويطلب من الله أن يتقبل دعاء شفاعة النبي ﷺ فيه، فالنبي ﷺ سيدعو له، وهذا أمر مشروع، فالضرير طلب من النبي ﷺ الشفاعة، بمعنى: أن يدعو له، وهذه شفاعة في الدنيا لا تتعلق بشفاعة الآخرة، فهو طلب من النبي ﷺ أن يدعو له بأن يُكشَف ضره، فهذا معنى الاستشفاع به والتوسل به، والنبي ﷺ أرشده إلى الأمر الشرعي، ولا مانع يمنعه ﷺ من أن يدعو له؛ لأن هذا حق، والنبي ﷺ مستجاب الدعوة، لكن عليه أن يصلي لله ويتوجه إلى الله بأن الله يقبل هذه الوسيلة، وهي دعاء النبي ﷺ له، هذا هو المشروع، وهذه الصور الحقيقية لا علاقة لها بما يفعله أهل البدع، فهذه الصورة مشهورة، نبه عليها السلف وأئمة العلم من أهل السنة قديماً وحديثاً ولا إشكال فيها، لكن هل ما يفعله أهل البدع هو على هذه الصورة؟!
الجواب
لا؛ لأنهم يتمسحون بالذوات ويدعونها من دون الله، ويرجون منها النفع والضر بما لا يقدر عليه إلا الله، ويطلبون منها ما لا تستطيع وما لا تملك، فليس في حديث الضرير أي شبهة، فضلاً عن أن تكون دلالة لأهل البدع.
стр. 602
ثبوت حادثة ذبح خالد القسري للجعد بن درهم
السؤال
هل صحيح أن حادثة خالد القسري مع الجعد بن درهم غير ثابتة؟
الجواب
الذي أعرفه أنها ثابتة ومستفيضة، وأهل العلم استندوا على أنها صحيحة، وقد تكون بعض أسانيدها غير صحيحة، لكن قتل خالد بن عبد الله القسري للجعد صحيح، وقتله بموجب فتوى الأئمة؛ لأن شره متعد ومقولته مقولة كفر، وكذلك بقية الأشخاص الذين قتلهم خالد بن عبد الله القسري، ولذلك سماه السلف: قصاب الزنادقة.
стр. 603
حكم متبع الهوى
السؤال
قال الله تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ [الفرقان:٤٣]، هل كل من اتبع هواه يكون كعابد الوثن؟
الجواب
إذا اتبع هواه في أمر يخرج به عن مقتضى الدين، أو يخل بالعبادة، بمعنى أنه عبد غير الله بهواه بأي نوع من أنواع العبادة؛ فهذا شرك كفري، وإذا كان هواه دفعه إلى أن ينكر أصلاً من أصول الدين القطعية فهذا كفر، خاصة إذا أقيمت عليه الحجة وبين له الحق، أما اتباع الهوى في المعاصي، وفي البدع الجزئية التي دون الكفر، واتباع الشهوات؛ فهذا أمر يعد من الذنوب، وقد يكون من الموبقات التي ورد فيها الوعيد، لكن لا يخرج به الإنسان من الإسلام.
стр. 604
الاشتراكية في ميزان الإسلام
السؤال
هناك من يجعل الاشتراكية مما جاء في الشريعة وحث عليه الإسلام، وهناك من يجعلها مبدأ ماركسياً مما جاءت به الشيوعية، فأيهما الصواب؟
الجواب
الاشتراكية لا شك في أنها مبدأ مادي وبعيد عن الإسلام كل البعد، ومذهب منحرف، وهي مذهب ضال، لكن الناس يعبثون بالألفاظ، فبعض الناس -مثلاً- قد يطلق على وجود التكافل في الإسلام كالزكاة والصدقات ونحوها من الأمور المشروعة أنها نوع من الاشتراكية، وهذا من الناحية اللفظية قد يصح، لكن هذا تلبيس؛ فالاشتراكية مبدأ لا يعترف بالزكاة ولا يعترف بالأصول الشرعية، ولا يعترف بالإسلام أصلاً، فهي مبدأ هدام يقوم على المساواة بين الخلق، والله ما ساوى بين الخلق، إنما عدل بينهم، فلذلك يجب أن تتنبهوا لهذا، فكثير من الناس يقولون: إن الإسلام جاء بالمساواة، وهذا غير صحيح، فهل المساواة تعني أن يستوي المؤمن والكافر؟! وأن يستوي الجاد والهازل؟! وأن يستوي العامل والقاعد؟! إذاًَ: ما جاء الإسلام بالمساواة، وإنما جاء الإسلام بالعدل، أما المساواة فظلم، فلو جئنا لأي واحد ممن يدعون المساواة، أو يقول: الإسلام جاء بالمساواة، فأخذنا بعض ماله لجاره الفقير؛ فهل سيعترف بالمساواة أم سينكرها؟! إذاً: المسألة ليست مسألة دعاوى مساواة ولا اشتراكية، فالإسلام دين إلهي وضعه الله لخلقه، فلا يجوز أن نقارنه بغيره، ولا نقارن غيره به، ولا يجوز أن ندعي أن هذه الشعارات تقرب من الإسلام ولا يقرب منها، فهذه شعارات باطلة، وما يوجد من وجوه التشابه في بعض هذه المبادئ؛ فهذا لا يقتضي أن بينهما شيئاً من التوافق، فالإسلام يقوم على التسليم لله ، حتى لو أن إنساناً عمل بالإسلام وما سلم قلبه لله لن ينفعه الإسلام وهو يعمل بالإسلام، فكيف بمن يقول بالاشتراكية؟!
стр. 605
شرح العقيدة الطحاوية [٥١]
القدر سر الله تعالى في خلقه، وكل شيء بقضاء الله تعالى وقدره، والله تعالى خالق العباد وأعمالهم، قد علم ما يعملون قبل أن يخلقهم بخمسين ألف سنة، وعلم أهل الجنة وأهل النار بسابق علمه بما سيعملون، هذا معتقد أهل السنة، وخالف في ذلك القدرية والمعتزلة، فزعموا أن الله تعالى لم يشأ الكفر من الكافر ولا المعصية من العاصي، وسبب ضلالهم في ذلك أنهم لم يفرقوا بين المشيئة الشرعية والكونية، فوقعوا في هذا الضلال المبين في هذا الأصل العظيم من أصول الدين.
стр. 606
علم الله تعالى السابق بأفعال العباد ومآلهم في الآخرة
قال رحمه الله تعالى: [قوله: (وقد علم الله تعالى فيما لم يزل عدد من يدخل الجنة، وعدد من يدخل النار جملة واحدة، فلا يزاد في ذلك العدد ولا ينقص منه، وكذلك أفعالهم فيما علم منهم أن يفعلوه).
قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الأنفال:٧٥]، ﴿وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ [الأحزاب:٤٠]؛ فالله تعالى موصوف بأنه بكل شيء عليم أزلاً وأبداً، لم يتقدم علمه بالأشياء جهالة ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مريم:٦٤].
وعن علي بن أبي طالب ﵁ قال: (كنا في جنازة في بقيع الغرقد، فأتانا رسول الله ﷺ فقعد وقعدنا حوله، ومعه مخصرة، فنكس رأسه فجعل ينكت بمخصرته ثم قال: ما من نفس منفوسة إلا قد كتب الله مكانها من الجنة والنار، وإلا قد كتبت شقية أو سعيدة.
قال: فقال رجل: يا رسول الله! أفلا نمكث على كتابنا وندع العمل؟ فقال: من كان من أهل السعادة فسيصير إلى عمل أهل السعادة، ومن كان من أهل الشقاوة فسيصير إلى عمل أهل الشقاوة.
ثم قال: اعملوا، فكل ميسر لما خلق له؛ أما أهل السعادة فييسرون لعمل أهل السعادة، وأما أهل الشقاوة فييسرون لعمل أهل الشقاوة، ثم قرأ: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى * وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ [الليل:٥ - ١٠]) خرجاه في الصحيحين.
قوله: وكل ميسر لما خلق له، والأعمال بالخواتيم، والسعيد من سعد بقضاء الله، والشقي من شقي بقضاء الله].
هذا الحديث إشارة إلى الحجة القائمة على الخلق في مسألة القدر؛ لأن النبي ﷺ لما بين للصحابة المقادير السابقة، وأن مصير كل عبد قد كتب من الشقاوة والسعادة أشكل عليهم ذلك من حيث فائدة العمل، فقالوا: إذاً: فلم العمل؟! فأجاب النبي ﷺ بقاعدتين عظيمتين: القاعدة الأولى: وجوب العمل؛ لأن الله أمر بالعمل، فقال: ﴿اعْمَلُوا﴾ [التوبة:١٠٥]، وهذا مقتضى الشرع الذي أنزله الله على رسله.
بمعنى أن مصير العبد -حتى وإن كان كتب عليه تقديره السابق- مرتبط بعمله، وما دام ما كتب عليه غيباً فعليه أن يشتغل بعالم الشهادة، وليدع الغيب، فلا يعلق ذهنه ولا اعتقاده ولا مصيره بالغيب؛ لأن مصيره مرتبط بالعمل، فقوله: (اعملوا) أمر منه ﷺ ، وهو أمر الله الذي أرسل به رسله، فهذا توجيه يخرج معضلة اللغز الذي يحار فيه بعض الناس، فالصحابة حينما عرفوا أن التقدير السابق كتب وجاء عليهم الإشكال؛ أمروا بهذا الأمر، وكذلك جميع الأمة.
إذاً: المصير المقدر السابق المجهول مرتبط بالعمل.
القاعدة الثانية -وهي أيضاً حلقة من الأولى- قوله: (فكل ميسر لما خلق له).
إذاً: فبعد العمل وبعد السعي والتحصيل وبعد بذل السبب الشرعي الذي قامت به الحجة سييسر كل لما كتب له، إلامَ وعلامَ سييسر؟ الله أعلم،، إنما الذي نعلمه أن الله كلف العباد وأمرهم بالعمل وأقدرهم عليه وخيرهم فيه، وليس هناك إنسان يقول: أنا مقهور على أن أعمل الشر، أو أنه يعمل بدون إرادته، بل كل إنسان حر عاقل مميز يستطيع أن يعمل كما يشاء، يستطيع أن يعمل الخير بإرادته، وتقوم عليه الحجة بذلك، وأن يعمل الشر بإرادته وتقوم عليه الحجة بذلك.
ثم إن الله أعطى العباد عقولاً وفطراً، ثم أنزل لهم شرعاً يتضمن الأمر والنهي، ووعد على امتثال الأمر بالوعد الصادق، وتوعد على فعل الأمر وفعل المنهيات بالوعيد الصادق، وأقدر الإنسان على فعل هذا وهذا، ولم يقصره عليه، لذلك فالإنسان الذي يفقد عقله أو يكره على أمر لا يكلف، فمن هنا يأتي معنى: (اعملوا فكل ميسر لما خلق له)، اعملوا بمقتضى ما أمرتم به، وثقوا بأنه لن يضيع عمل العامل، وكل سيسره الله لما قدره عليه في السابق، وليثق المرء بأن الإنسان الذي يعمل خيراً سيجد خيراً، والذي يعمل شراً تقوم عليه الحجة، فهذا أمر ينبغي أن لا يتعداه الإنسان في مسائل القدر، فينبغي لكل مسلم أن يلتزم هذا القدر، وما عدا ذلك من مسائل القدر لا يخوض فيه إلا على سبيل العلم، فنتكلم عن مواطن القدر لنعلمها فقط لا لنعلق عليها أموراً غيبية، بمعنى: لا نتكل على أمر كتب، فإذا عرف الإنسان أن كل شيء مكتوب -ومن جملة ذلك الشقاء والسعادة- فلا يعني ذلك أنه يتكل على المكتوب، بل عليه أن يعمل بالمعلوم، والغيب غيب عند الله، بدليل أنه لا أحد يدري ما مصيره، وإذا كان كذلك فليعلم أن مصيره مرتبط بالعمل أو ترك العمل.
стр. 607
الأعمال بالخواتيم
قال رحمه الله تعالى: [قوله: (وكل ميسر لما خلق له، والأعمال بالخواتيم، والسعيد من سعد بقضاء الله، والشقي من شقي بقضاء الله): تقدم حديث علي ﵁ وقوله ﷺ فيه: (اعملوا فكل ميسر لما خلق له).
وعن زهير عن أبي الزبير عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: (جاء سراقة بن مالك بن جعشم فقال: يا رسول الله! بين لنا ديننا كأنا خلقنا الآن، فيم العمل اليوم: أفيما جفت به الأقلام وجرت به المقادير، أم فيما يستقبل؟ قال: لا.
بل فيما جفت به الأقلام وجرت به المقادير، قال: ففيم العمل؟ قال زهير: ثم تكلم أبو الزبير بشيء لم أفهمه، فسألت ما قال؟ فقال: اعملوا فكل ميسر) رواه مسلم.
وعن سهل بن سعد الساعدي ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (إن الرجل ليعمل عمل أهل الجنة فيما يبدو للناس وهو من أهل النار، وإن الرجل ليعمل عمل أهل النار فيما يبدو للناس وهو من أهل الجنة) خرجاه في الصحيحين، وزاد البخاري: (وإنما الأعمال بالخواتيم).
وفي الصحيحين أيضاً عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: حدثنا رسول الله ﷺ وهو الصادق المصدوق-: (إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوماً، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يرسل إليه الملك فينفخ فيه الروح ويؤمر بأربع كلمات: بكتب رزقه وأجله وعمله، وشقي أم سعيد؛ فوالذي لا إله غيره إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها، وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها).
والأحاديث في هذا الباب كثيرة، وكذلك الآثار عن السلف، قال أبو عمر بن عبد البر في التمهيد: قد أكثر الناس من تخريج الآثار في هذا الباب، وأكثر المتكلمون من الكلام فيه، وأهل السنة مجتمعون على الإيمان بهذه الآثار واعتقادها، وترك المجادلة فيها، وبالله العصمة والتوفيق].
ابن عبد البر ﵀ إمام من أئمة أهل السنة، وكتبه عمدة عند أهل السنة، لكن لم تشتهر عندنا؛ لأنه من علماء المغرب، ومع ذلك ينبغي على طلاب العلم أن يعنوا بكتب الإمام ابن عبد البر؛ فإنه ﵀ خدم السنة خدمة جليلة، خاصة في مسألة التأصيل والتقعيد، ووضع واستقراء مناهج السلف، وكتابه (التمهيد) من أعظم الكتب، ولا أظن طالب علم يستغني عنه أبداً، فلا بد لكل طالب علم من أن يقتني هذا الكتاب وأن يعنى به ويدرسه، فقد اشتمل على كثير من أصول السلف، ورد فيه ابن عبد البر على كثير من أصول أهل الأهواء والبدع، ويحتاج هذا الكتاب إلى خدمة علمية لإخراج ما فيه من كنوز.
قوله: [وأكثر المتكلمون من الكلام فيه] يقصد المعتزلة والقدرية والجبرية والجهمية ومتكلمة الأشاعرة والماتريدية، كلهم تكلموا في مسائل الغيب ومسائل القدر بكلام يخرج عن أصول السلف وعن أصول الحق، وجعلوا كلامهم كأنه أصول السنة أو كأنه هو الاعتقاد، مع أن كلامهم لا يعدو أن يكون تخرصات ورجماً بالغيب.
стр. 608
وجوب الإيمان بالقدر
قال رحمه الله تعالى: [وقوله: (وأصل القدر سر الله تعالى في خلقه، لم يطلع على ذلك ملك مقرب ولا نبي مرسل، والتعمق والنظر في ذلك ذريعة الخذلان، وسلم الحرمان، ودرجة الطغيان، فالحذر كل الحذر من ذلك نظراً وفكراً ووسوسة، فإن الله تعالى طوى علم القدر عن أنامه، ونهاهم عن مرامه، كما قال تعالى في كتابه: ﴿لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء:٢٣]، فمن سأل: لم فعل؟ فقد رد حكم الكتاب، ومن رد حكم الكتاب كان من الكافرين): أصل القدر سر الله في خلقه، وهو كونه أوجد وأفنى، وأفقر وأغنى، وأمات وأحيا، وأضل وهدى، قال علي ﵁: (القدر سر الله فلا تكشفه)].
стр. 609
أقوال الفرق ومذاهبها في القدر
стр. 610
مذهب أهل السنة في القدر وإرادة الله تعالى ومشيئته
قال رحمه الله تعالى: [والنزاع بين الناس في مسألة القدر مشهور، والذي عليه أهل السنة والجماعة: أن كل شيء بقضاء الله وقدره، وأن الله تعالى خالق أفعال العباد، قال تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر:٤٩]، وقال تعالى: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ [الفرقان:٢]، وأن الله تعالى يريد الكفر من الكافر ويشاؤه، ولا يرضاه ولا يحبه، فيشاؤه كوناً ولا يرضاه ديناً].
مثل هذه العبارة قد توهم أحياناً، أو يفهم منها شيء من بعض اللوازم التي لا تصح.
فقوله: [وأن الله تعالى يريد الكفر من الكافر ويشاؤه] بمعنى أن الله أراده كوناً، فالكفر فعل من الأفعال، وهو داخل في تقدير الله وعلمه ومشيئته، بمعنى أن الكافر حينما كفر ما خرج عن إرادة الله، أو فعل شيئاً لا يريده الله؛ لأن الإرادة نوعان: إرادة بمعنى المشيئة العامة المطلقة الكونية، فكل شيء حدث في هذا الكون يحدث وهو في مشيئة الله، ومن ذلك الكفر والعصيان، بمعنى أن الله علمه وشاءه وقدره.
والنوع الآخر من الإرادة هي الإرادة الشرعية، وهي الرضا والمحبة، فلا شك أن الله ما أراد شرعاً الكفر من الكافر ولا العصيان من العاصي، بل الله في شرعه نهى عن الكفر والمعاصي، وعلى هذا فإن الله لا يحب الكفر ولا المعاصي، ولا يرضى الكفر ولا المعاصي، فالإرادة بهذا المعنى هي المنفية، بمعنى أن الله لم يرد الكفر، أي: لا يحبه ولم يشرعه، ولكنه أراده كوناً وقدره؛ لأنه لا يحدث شيء في الكون بغير إرادة الله وتقديره.
فإذا فهمنا نوع الإرادتين عرفنا كيف نصرف اللفظ إلى المعنى الذي يناسبه، فإذا قلنا: إن الله تعالى يريد الكفر من الكافر ويشاؤه، فالمعنى: أراده وشاءه كوناً وقدراً، وإذا قلنا: إن الله لا يريد الكفر ولا يشاؤه؛ فهذا يعني أن الله لا يحبه ولا يرضاه؛ لأن هذا هو معنى ابتلاء العباد، وإلا فلا يكون للابتلاء معنى.
стр. 611
مذهب القدرية والمعتزلة في أفعال الشر الكائنة من العباد
قال رحمه الله تعالى: [وخالف في ذلك القدرية والمعتزلة، وزعموا أن الله شاء الإيمان من الكافر، ولكنّ الكافر شاء الكفر؛ فروا إلى هذا لئلا يقولوا: شاء الكفر من الكافر وعذبه عليه، ولكن صاروا كالمستجير من الرمضاء بالنار، فإنهم هربوا من شيء فوقعوا فيما هو شر منه! فإنه يلزمهم أن مشيئة الكافر غلبت مشيئة الله تعالى، فإن الله قد شاء الإيمان منه -على قولهم- والكافر شاء الكفر، فوقعت مشيئة الكافر دون مشيئة الله تعالى، وهذا من أقبح الاعتقاد، وهو قول لا دليل عليه، بل هو مخالف للدليل.
روى اللالكائي من حديث بقية عن الأوزاعي: حدثنا العلاء بن الحجاج عن محمد بن عبيد المكي عن ابن عباس ﵄: (أن رجلاً قدم علينا يكذب بالقدر، فقال: دلوني عليه -وهو يومئذ أعمى- فقالوا له: ما تصنع به؟ فقال: والذي نفسي بيده! لئن استمكنت منه لأعضن أنفه حتى أقطعه، ولئن وقعت رقبته بيدي لأدقنها؛ فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: كأني بنساء بني فهر يطفن بالخزرج تصطك ألياتهن مشركات.
وهذا أول شرك في الإسلام، والذي نفسي بيده! لينتهين بهم سوء رأيهم حتى يخرجوا الله من أن يقدر الخير، كما أخرجوه من أن يقدر الشر).
قوله: (وهذا أول شرك في الإسلام) إلى آخره من كلام ابن عباس، وهذا يوافق قوله: (القدر نظام التوحيد، فمن وحد الله وكذب بالقدر نقض تكذيبه توحيده).
وروى عمر بن الهيثم قال: خرجنا في سفينة وصحبنا فيها قدري ومجوسي، فقال القدري للمجوسي: أسلم.
قال المجوسي: حتى يريد الله.
فقال القدري: إن الله يريد، ولكن الشيطان لا يريد! قال المجوسي: أراد الله وأراد الشيطان، فكان ما أراد الشيطان! هذا شيطان قوي! وفي رواية أنه قال: فأنا مع أقواهما! ووقف أعرابي على حلقة فيها عمرو بن عبيد فقال: يا هؤلاء! إن ناقتي سرقت، فادعوا الله أن يردها عليّ.
فقال عمرو بن عبيد: اللهم! إنك لم ترد أن تسرق ناقته فسرقت فارددها عليه! فقال الأعرابي: لا حاجة لي في دعائك! قال: ولم؟! قال: أخاف -كما أراد أن لا تسرق فسرقت- أن يريد ردها فلا ترد!].
هذا الأعرابي كان أفقه من عمرو بن عبيد في الدين، وهذه القصة لو قدر أنها لم تصح، فلسنا في حاجة إلى أن نتأكد من سندها، فهي تحكي واقعاً صحيحاً في مسألة استقامة أكثر العوام على الفطرة في المسائل الغيبية؛ لأنهم لم يرد عليهم ما يفسد الفطرة، فهذا الأعرابي على الفطرة، كالعجوز التي ردت على الرازي، وككثير من العوام الذين يلهمون الحق في فطرتهم.
فيبدو لي أن القصة -حتى لو لم تصح- مستقيمة في رد قواعد القدرية بأصول الفطرة، فإن عمرو بن عبيد حينما دعا بهذا الدعاء الذي هو فرع عن عقيدته الباطلة -وهو قوله: إنك لم ترد أن تسرق ناقته- كأنه بذلك أخرج هذا الفعل الذي حصل من إرادة الله وعلمه ومشيئته، وكأن السرق لم يكن في سابق علم الله، ولا بإرادته ولا مشيئته، فهذا يعني أنه جعل هناك مشيئة دون مشيئة الله، فجعل مع الله مدبراً وجعل مع الله رباً آخر وهو يشعر أو لا يشعر.
فالأعرابي بفطرته خشي من هذه العقيدة الباطلة أن تكون سبباً في عدم رد ناقته أيضاً، فرد عليه بهذا الرد الفطري السليم الموجز الخالي من التعقيد ومن الفسلفة، لكن من يرد الله له الضلال لا يمكن أن يهتدي حتى بأوضح الأدلة، والمشركون قامت عليهم الأدلة بأوضح من هذا الدليل في القرآن، وفي آيات الله المنظورة والبينة، ومع ذلك لم يهتدوا، فقد رأوا انشقاق القمر حينما طلبوا، ومع ذلك قالوا: هذا سحر، نسأل الله السلامة والعافية.
قال رحمه الله تعالى: [وقال رجل لـ أبي عصام القسطلاني: أرأيت إن منعني الهدى وأوردني الضلال ثم عذبني؛ أيكون منصفاً؟! فقال له أبو عصام: إن يكن الهدى شيئاً هو له، فله أن يعطيه من يشاء ويمنعه من يشاء].
هذا أيضاً رد فطري شرعي، فالله يفعل في ملكه ما يشاء، ويفعل في عباده وخلقه ما يشاء، فلا يجوز مثل ذلك الافتراض الذي افترض.
стр. 612
التحذير من الإصغاء للقدرية وغيرهم من أهل الأهواء
والإنسان الذي ليس عنده فطرة قوية أو علم يعصمه من هذه الشبهات إن لم يجد الرد عليها فمن الممكن أن تقع في نفسه، فلذلك نجد السلف يحذرون من سماع أهل الأهواء؛ لأنهم يخشون على المجتمع من مثل هذه الشبهات التي تقع في الخلق، إذا لم تجد إيماناً راسخاً وعلماً وفقهاً في الدين، فإن الإنسان قد يزل ويضل بمثل هذه الشبهة ولا يدري أنها شبهة، قد يتلقفها قلبه ولا يشعر أنها خطأ، فلذلك القدرية الأوائل حينما رد عليهم السلف رجع كثير منهم، والذي لم يرجع صار أشبه بالمريض، فأصبح هذا الأمر وسواساً عنده؛ لأنه عرف الحق ثم رجع عنه؛ لأنه استقرت في قلبه الشبهة، نسأل الله العافية.
ولذلك أقول: إن السلف فعلاً شددوا في مسألة عدم السماع من أهل الأهواء، وعدم قراءة كتب أهل الأهواء وإن اشتملت على الحق، فقد يوجد فيها شيء من الحق، لكن الحق الذي في الكتاب والسنة وكتب السلف النقية يغني عن الحق الذي يلتبس بالباطل، فلذلك ينبغي أن تبقى هذه القاعدة إلى يومنا هذا، بل نحن أحوج إليها، وهو أن لا نسمع الشبهات ولا نقرأها، ولا نقرأ كتب أهل الأهواء والبدع مهما زخرفت، وأن لا نعرض أجيال المسلمين لها، سواء كانت أهواء قديمة أم جديدة، والغالب أن شبهات الأهواء تفتن وتستهوي الناس؛ لأنها إن كانت فلسفية ففيها من التشدق ما يستهوي الفكر ويستهوي عقل الإنسان، وإن كانت مادية فهي تدغدغ عواطف الناس واهتماماتهم، فمن هنا تصرفهم عن الحق بهذه المداخل الباطلة، وإلا فلو لم يكن التلبيس لما كان لأهل الأهواء صولة، ولما كانوا في جملتهم أكثر من أهل السنة والجماعة، فالباطل المحض قليل من يرتكبه، فمن هنا تجد إشكالات التلبيس، بمعنى أنها موهمة، وإذا جردت عن الرد عليها فربما تؤثر فيمن ليس لديه فقه في الدين أو معرفة بأمثال هؤلاء، فلذلك يجب أن يحذر طلاب العلم من التعرض للشبهات، لا بقراءة ولا بسماع ولا باختلاط بأهلها.
стр. 613
الأدلة على إثبات مشيئة الله تعالى وتقديره الهداية والضلال
قال رحمه الله تعالى: [وأما الأدلة من الكتاب والسنة: فقد قال تعالى: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [السجدة:١٣]، وقال تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [يونس:٩٩]، وقال تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [التكوير:٢٩]، وقال تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [الإنسان:٣٠]، وقال تعالى: ﴿مَنْ يَشَإِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الأنعام:٣٩]، وقال تعالى: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾ [الأنعام:١٢٥].
ومنشأ الضلال: من التسوية بين المشيئة والإرادة، وبين المحبة والرضا، فسوى بينهما الجبرية والقدرية ثم اختلفوا: فقالت الجبرية: الكون كله بقضائه وقدره، فيكون محبوباً مرضياً، وقالت القدرية النفاة: ليست المعاصي محبوبة لله ولا مرضية له، فليست مقدرة ولا مقضية؛ فهي خارجة عن مشيئته وخلقه].
стр. 614
سبب ضلال القدرية هو عدم التفريق بين المشيئة الكونية والمشيئة الشرعية
القصد من ذلك أن منشأ الضلال -بمعنى انقداح الشبهة في أذهان كثير من القدرية النفاة، والقدرية الجبرية- ناتج عن أنهم لم يوفقوا للتفريق بين المشيئة والإرادة العامة، وبين الرضا والمحبة، فظنوا أن المشيئة والإرادة تعني المحبة والرضا، وظنوا أن الله لا يشاء شيئاً ولا يريده إلا وهو يحبه، فمن هنا اختلط عليهم الأمر، فلذلك يجب التفريق -وهذا أمر ضروري في التسليم للقدر- بين المشيئة والإرادة العامة، وبين المحبة والرضا التي هي الإرادة الخاصة والإرادة الشرعية.
فكل من الطائفتين نحت منحى في هذا الفهم الخاطئ، فمنهم من تصور المشيئة والإرادة تعني المحبة، فأعفى العباد من كل تكليف، وقال: إن الله قسرهم على ذلك، إذاً: لا يعذبهم، فمن آمن بالله يكفيه ذلك، ولا داعي لأن نحاسبه على أعماله وعلى ما يرتكبه من آثام، لأن كل ذلك بمشيئة الله، بمعنى أن الله راض عنه، وهذا غلط، نعم ذلك بمشيئة الله، لكن لم يرضه تعالى، وفرق بين المشيئة العامة وبين الرضا والمحبة.
والفريق الآخر لما انخدع بمثل هذه الشبهة ما استوعبوا في أذهانهم أن الله شاء الضلال ثم عذب عليه؛ وهم بعض الجهمية والمعتزلة وبعض الجبرية، والقدرية الأولى هم الذين أولوا الصفات وأنكروا الصفات الفعلية، بل أنكروا بعض الصفات الفعلية، فأنكروا المحبة، وأنكروا الرضا لله ، فلما أنكروا ذلك زعموا أن الله لا يرضى بالمعنى الذي ورد في الشرع الذي آمن به السلف، ولا يحب بالمعنى الذي هو حقيقة المحبة، فمن هنا ألغوا من أذهانهم مفهوم المحبة والرضا، فلما نظروا في واقع البشر وجدوا أن البشر يعملون شروراً ويعملون آثاماً، والله شاء كل شيء، فما استطاعوا أن يوفقوا بين المشيئة العامة وبين أن يشاء الله الشر أو يقدره، فزعموا أنه لا يليق بالله أن يشاء ويقدر الشر، ثم بعد ذلك يحاسب عليه، وما تصوروا المحبة والرضا والإرادة الشرعية، بل وقفوا عند المشيئة العامة والإرادة العامة، فلما وقفوا وأشكل عليهم زعموا أن المخرج من ذلك أن تنسب أفعال الشرور والمعاصي إلى العباد أنفسهم، وأن الله لم يقدرها أصلاً، فلما فعلوا ذلك جعلوا خالقاً مع الله، وطعنوا في علم الله ، وطعنوا في مشيئة الله، وجعلوا لله نداً ومدبراً في الكون غير الله، فوقعوا في شيء مما فروا منه كما ذكر الشارح.
المهم أن منشأ الخطأ هو عدم التفريق بين الأمرين في القدر: بين المشيئة والإرادة العامة من ناحية، وبين الرضا من ناحية أخرى، فيجب أن يفهم المسلم أنه ليس كل ما يشاء الله ويقدره يرضاه، إنما قد يكون شاءه وقدره ابتلاءً كما هو معروف في أساس التكليف للعباد.
стр. 615
الأسئلة
стр. 616
معنى كون القدر سر الله تعالى في خلقه
السؤال
ما معنى قول الإمام علي ﵁: القدر سر الله؟
الجواب
معنى ذلك أن القدر لا يمكن أن تكتشف الألغاز فيه والتساؤلات التي تحدث عند البشر إلا بموجب النصوص الشرعية، أما بمحض عقل الإنسان فلا تمكن الإجابة عنه إلا على ضوء أصل شرعي، بمعنى أن هناك تساؤلات ترد من باب الشكوك أو الشبهات لا جواب عليها إلا بالنص الشرعي، هذه ناحية.
الناحية الأخرى: أن القدر غيب، والغيب سر، فمن معاني أنه سر الله في خلقه أو في عباده أنه يتعلق به مصائر العباد، ومصائر العباد غيبية، فأصل القدر سر، يعني أنه مجهول.
стр. 617
معنى: تيسير العامل لما خلق له
السؤال
ما الرابط بين قول الرسول ﷺ : (كل ميسر لما خلق له) وقوله: (منكم من يعمل بعمل أهل الجنة)؟
الجواب
هذا هو معنى التيسير، فقوله: (منكم من يعمل بعمل أهل الجنة) هو تفسير لمعنى قوله: (ميسر لما خلق له)، بمعنى أن من أراد الله له السعادة -ونسأل الله أن يجعلنا جميعاً كذلك- فسييسر له العمل بعمل أهل الجنة، وكونه ينسب إليه أنه هو الذي يعمل راجع إلى ما أعطاه الله للعقلاء من القدرة على الفعل والترك، فقوله: (منكم من يعمل) بمعنى أن الله حينما أقدره على العمل فإنه بإرادته التي أعطاه الله إياها يستطيع أن يعمل، فإذا عمل بعمل أهل الخير فذلك من تيسير الله له، وإذا عمل بعمل أهل الشر فذلك أيضاً من تقدير الله له، وهذا كله راجع إلى أصل القدر، أي أن الله علم ذلك وشاءه وقدره، لكن الله أراد من العباد الخير ويسر طائفة منهم لذلك، وأحب منهم ذلك ورضيه، وكره منهم فعل الشر ونهاهم عنه، لكنه أقدرهم عليه، بمعنى أنه إذا عمل عبد من العباد بعمل الشر فإنما عمل بحريته وإرادته، وعمله داخل في مشيئة الله العامة، لكن هذا العمل لا يحبه الله شرعاً ولا يرضاه.
стр. 618
حكم الخوف من ركوب الطائرة ونحوها
السؤال
أنا رجل أخاف من ركوب الطائرة ويصيبني ذعر منها، وأحرص على السفر دائماً بالسيارة، وقد أخبرني كثير من الإخوان بأن هذا عدم إيمان بالقدر، فهل هذا صحيح؟
الجواب
أما أن يكون الخوف من ركوب الطائرة ونحوها عدم إيمان فليس بصحيح، وأصل الخوف غريزة عند الإنسان، تزيد عند البعض وتقل عند الآخرين، لكن قوة الإيمان تقلل من الخوف وتكثر من الاعتماد على الله وتوكيل الأمر إليه، فالإنسان الذي يجد في نفسه شيئاً من الخوف الشديد إذا أكثر من الأدعية والأذكار والأسباب المعينة التي شرعت ثم قوي اعتماده على الله وتوكله؛ فإن هذا الخوف يقل في نفسه، وليس من لوازم الخوف قلة الإيمان، بل الخوف غريزة، لكن إذا زاد عن الحد الطبيعي فربما يكون دليلاً على ضعف الإيمان، فالإنسان عليه دائماً أن يستعين بالله ويتوكل عليه، ويتعود استحضار الأذكار دائماً، ولعله بذلك يخف ما عنده من خوف، أما إذا بقي الخوف مع بذل هذه الأسباب؛ فلا يدل ذلك -إن شاء الله- على عدم الإيمان بالقدر.
стр. 619
حقيقة الإشهاد
السؤال
هل القول الثاني في مسألة الميثاق قول شاذ، مع أن بعض العلماء الأجلاء قال به، كـ شيخ الإسلام وابن القيم؟
الجواب
القول الثاني يقصد به أن الميثاق هو الفطرة، وأنه ليس هناك شيء يسمى إشهاداً فعلياً، وأن الله لم يأخذ ذرية آدم من ظهره أو من ظهورهم بشكل حقيقي، وأن ما ورد في الحديث إنما هو تعبير عن الفطرة، وتمثيل تخييلي، وهذا القول هو قول المتكلمين، وعلى هذا فلا يمكن أن يقول به شيخ الإسلام ابن تيمية ولا ابن القيم، فالذي يقول به شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم -فيما أذكر- هو أن الميثاق باق بالفطرة، وهذا حق، فالميثاق بقيت آثاره بالفطرة، وأن الناس في الحياة الدنيا لا يذكرون قصة الميثاق إلا من خلال ما ذكره الله في كتابه، وخبره صدق، لكنهم لا يتذكرون أنهم حدث لهم ذلك المشهد الذي ورد في الحديث، وهذا لا يعني أنه لم يحدث، وتفسير هذا بالفطرة لا يعني إنكار حدوث مشهد الإشهاد والميثاق، وليس بينهما اختلاف كما ذكرت.
فعلى هذا فإن القول الثاني الذي أشرت إليه وأشار إليه الشارح لا يقول به إلا عدد قليل من السلف، والقائلون بحصول الإشهاد الفعلي والميثاق منهم من يثبتون الميثاق كما ورد في الحديث، ويفسرون الآية بمعنى من المعاني، وهو الفطرة والدلائل الكونية، وليس بين القولين تناقض.
إنما القول الذي يعد قليلاً هو القول بأنه لم يحدث الميثاق على النحو الذي ورد في الحديث؛ نظراً لضعف الحديث، وأن المقصود بالميثاق هو الفطرة ودلائل وجود الله ، وإقامة البراهين الكونية والشرعية على الخلق.
وعلى هذا فيمكن أن تكون الأقوال على النحو الآتي: الأول: قول أغلب السلف، وهو أن الإشهاد حصل فعلاً، وأنه بقيت دلائله بالفطرة والدلائل الكونية والشرعية، وأنه لا تناقض بين هذا وذاك، لكنهم اختلفوا في الدليل، فبعضهم قال: إن مسألة الإشهاد الواردة في الحديث غير مسألة الإشهاد الواردة في الآية.
وبعضهم قال: إن الإشهاد المقصود بالآية والحديث هو القصة الحادثة فعلاً، وأنه ذلك المشهد الذي قد حصل، فهذان قولان.
والقول الثالث: إنكار أن يكون هناك شيء من الإشهاد الذي وردت قصته في الحديث، وهو أن الله أخذ من آدم ذريته، ومن بني آدم ذريتهم، وأشهدهم فعلاً واستنطقهم، وقصر الإشهاد على مسألة الدلائل التي ذكرتها، وهذا قول قليل، وما قال به إلا بعض المتكلمين وبعض العلماء الذين ما ثبت عندهم الحديث.
стр. 620
حكم إطلاق لفظ (شيء) على الله ﷻ
السؤال
هل يجوز إطلاق كلمة (شيء) على الله صفة أو اسماً؟
الجواب
إطلاق كلمة (شيء) على الله ورد في القرآن على سبيل الإخبار والوصف لا على سبيل الاسم، فليس من أسماء الله هذا اللفظ، لكن يعبر عن الله بـ (شيء) بمعنى أنه موجود، وهذا ورد في القرآن وورد في السنة وورد على ألسنة السلف، وليس في ذلك تحديد الاسم واستقلاله، لكن على سبيل الإخبار والوصف نعم، ومن هذا كثير، فهناك كثير من الألفاظ لا تصح أن تطلق أسماء لله مفردة، لكنها تكون على سبيل الخبر لا على سبيل الوصف.
ومنها ما يصح أن يطلق على سبيل الوصف، لكن لا يكون اسماً.
فالله يخبر عنه بـ (شيء) على سبيل الإخبار، لا على سبيل الاسم ولا الصفة.
стр. 621
حكم الحكم على الكافر المعين الميت بالنار
السؤال
هل يجوز أن نقول عن كافر معين بعد موته بأنه في النار؟
الجواب
على الإطلاق يجوز، يعني: من مات على غير الإسلام مشركاً أو يهودياً أو نصرانياً نقول: إنه من أهل النار على سبيل الإخبار والحكم العام، لكن لا يجوز القطع بذلك على سبيل الاعتقاد اليقيني الذي تقسم عليه؛ لأن مصائر العباد بيد الله ، أما على سبيل الحكم فنعم، فنحكم من خلال ما حكم الله به، لا من عندنا، فالله ذكر أن اليهود والنصارى من أهل النار، وأن المشركين من أهل النار، وأن المنافقين الخلص في الدرك الأسفل من النار، ولا نشك في ذلك، وذلك يعم أفرادهم وجماعتهم، وعلى هذا فمن مات كافراً نقول: إنه من أهل النار على سبيل الإطلاق والحكم العام، لكن الجزم اليقيني الذي نقسم عليه أو نتألى به على الله لا يجوز، ويتوقف عنه المسلم، والأولى عدم الخوض في هذه الأمور؛ لأن الإنسان في مثل هذه الأمور قد يلجأ إلى أمر يخالف الاعتقاد أو يستفز إلى قول لا يتنبه له، فالأولى أن نقف عند الأحكام العامة ولا ندخل في التفاصيل.
стр. 622
شرح العقيدة الطحاوية [٥٢]
مما يتعلق بباب القضاء والقدر أن الله تعالى قد يحب الشيء ويرضاه شرعاً، لكنه لا يريده ولا يشاؤه كوناً وقدراً، وذلك كإيمان الكافر وطاعة العاصي، وقد يبغض الشيء ولا يرضاه، لكنه يريده ويشاء وقوعه كوناً وقدراً، وذلك كالكفر وسائر المعاصي والشرور، فإنها غير محبوبة لله تعالى ولا يرضاها شرعاً، لكنه أراد وقوعها كوناً وقدراً، لحكم عظيمة علمها من علمها وجهلها من جهلها، وهذا باب عظيم ضلت فيه فرق كثيرة، وتباينت طرقها وأقوالها؛ لأنهم لم يفقهوا هذا الأصل العظيم وهو التفريق بين الإرادة الشرعية والكونية القدرية.
стр. 623
الأدلة على المحبة والرضا والفرق بينهما وبين المشيئة
قال رحمه الله تعالى: [وقد دل على الفرق بين المشيئة والمحبة الكتاب والسنة والفطرة الصحيحة، أما نصوص المشيئة والإرادة من الكتاب فقد تقدم ذكر بعضها.
وأما نصوص المحبة والرضا فقال تعالى: ﴿وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾ [البقرة:٢٠٥]، ﴿وَلا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ﴾ [الزمر:٧]، وقال تعالى عقيب ما نهى عنه من الشرك والظلم والفواحش والكبر: ﴿كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا﴾ [الإسراء:٣٨].
وفي الصحيح عن النبي ﷺ : (إن الله كره لكم ثلاثاً: قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال).
وفي المسند: (إن الله يحب أن يؤخذ برخصه كما يكره أن تؤتى معصيته)].
في هذه الآيات والأحاديث تفريق بين المشيئة العامة وبين المحبة والرضا وما يتفرع عنها.
فكون الله لا يحب الفساد -كما في الآية الأولى- لا يعني ذلك أن الله لم يقدره ولم يشأه كوناً، فإن الله قدر كل شيء كوناً وشاءه كوناً، لكنه لا يحب الفساد شرعاً، فقوله : ﴿وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾ [البقرة:٢٠٥] بمعنى: لا يحبه شرعاً، أما كونه قدره فهذا أمر ضروري؛ لأنه لا يحصل شيء في الكون إلا بقدر الله وبعلمه.
وكذلك قوله تعالى: ﴿وَلا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ﴾ [الزمر:٧] بمعنى: لا يرضاه شرعاً ولا يحبه، لكن لا يعني ذلك أنه لم يقدره كوناً ولم يشأه ولم يعلمه، بل علمه وكتبه وقدره وشاءه سبحانه، والابتلاء لا يتحقق إلا بمثل هذه الأمور.
وقول النبي ﷺ في الحديث: (إن الله كره لكم ثلاثاً) بمعنى: كره ذلك شرعاً، لكنه علمه وقدره وشاءه، إنما قدره على العباد ابتلاءً، وكذلك محبة الله للرخص، وكراهية المعاصي؛ فإن الله يحب ذلك شرعاً، وقدره وشاءه، وكذلك يكره المعاصي شرعاً ولا يريدها من العباد، ونهاهم عنها، لكنه علمها وشاءها وقدرها كوناً.
إذاً: الخلاصة أنه لا تلازم بين المشيئة والمحبة، ولا بين المشيئة والرضا، ولا بين المشيئة ومرادف هذه الكلمات من الأمور التي تدل على أن الله قد يحب من عباده شيئاً ويرضاه لهم لكن لا يفعلونه، أو لا يفعله فريق منهم، وإن كان قدره وشاءه.
أقول: لا تلازم بين المشيئة والتقدير العام وبين الرضا والمحبة.
قال رحمه الله تعالى: [وكان من دعائه ﷺ : (اللهم! إني أعوذ برضاك من سخطك، وأعوذ بمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك).
فتأمل ذكر استعاذته بصفة الرضا من صفة السخط، وبفعل المعافاة من فعل العقوبة، فالأول للصفة والثاني لأثرها المترتب عليها، ثم ربط ذلك كله بذاته سبحانه وأن ذلك كله راجع إليه وحده لا إلى غيره؛ فما أعوذ منه واقع بمشيئتك وإرادتك، وما أعوذ به من رضاك ومعافاتك هو بمشيئتك وإرادتك، إن شئت أن ترضى عن عبدك وتعافيه، وإن شئت أن تغضب عليه وتعاقبه، فإعاذتي مما أكره ومنعه أن يحل بي هي بمشيئتك أيضاً، فالمحبوب والمكروه كله بقضائك ومشيئتك، فعياذي بك منك، فعياذي بحولك وقوتك ورحمتك مما يكون بحولك وقوتك وعدلك وحكمتك، فلا أستعيذ بغيرك من غيرك، ولا أستعيذ بك من شيء صادر عن غير مشيئتك، بل هو منك.
فلا يعلم ما في هذه الكلمات من التوحيد والمعارف والعبودية إلا الراسخون في العلم بالله ومعرفته ومعرفة عبوديته].
стр. 624
المعنى الجامع لوجه إرادة الفعل المحرم ومشيئته ووجه بغضه وعدم محبته
قال رحمه الله تعالى: [فإن قيل: كيف يريد الله أمراً ولا يرضاه ولا يحبه؟ وكيف يشاؤه ويكونه؟ وكيف يجتمع إرادته له وبغضه وكراهته؟ قيل: هذا السؤال هو الذي افترق الناس لأجله فرقاً وتباينت طرقهم وأقوالهم، فاعلم أن المراد نوعان: مراد لنفسه، ومراد لغيره].
المراد لنفسه كالشفاء من المرض على سبيل المثال، والمراد لغيره كالعلاج الذي هو وسيلة إلى الشفاء، فالشفاء من المرض مراد لنفسه.
والدواء قد لا يكون مقصوداً لذاته، إنما المقصود به الوصول إلى غاية أخرى وهي الشفاء.
قال رحمه الله تعالى: [فالمراد لنفسه مطلوب محبوب لذاته وما فيه من الخير، فهو مراد إرادة الغايات والمقاصد.
والمراد لغيره قد لا يكون مقصوداً للمريد ولا فيه مصلحة له بالنظر إلى ذاته، وإن كان وسيلة إلى مقصوده ومراده؛ فهو مكروه له من حيث نفسه وذاته، مراد له من حيث إفضائه وإيصاله إلى مراده، فيجتمع فيه الأمران: بغضه وإرادته، ولا يتنافيان لاختلاف متعلقهما.
وهذا كالدواء الكريه إذا علم المتناول له أن فيه شفاءه، وقطع العضو المتآكل إذا علم أن في قطعه بقاء جسده، وكقطع المسافة الشاقة إذا علم أنها توصل إلى مراده ومحبوبه.
بل العاقل يكتفي في إيثار هذا المكروه وإرادته بالظن الغالب وإن خفيت عنه عاقبته، فكيف بمن لا يخفى عليه خافية؟!]
стр. 625
الحكمة من خلق إبليس
قال رحمه الله تعالى: [فهو سبحانه يكره الشيء، ولا ينافي ذلك إرادته لأجل غيره وكونه سبباً إلى أمر هو أحب إليه من فوته، من ذلك: أنه خلق إبليس الذي هو مادة لفساد الأديان والأعمال والاعتقادات والإرادات، وهو سبب لشقاوة كثير من العباد وعملهم بما يغضب الرب ﵎، وهو الساعي في وقوع خلاف ما يحبه الله ويرضاه، ومع هذا فهو وسيلة إلى محاب كثيرة للرب تعالى ترتبت على خلقه، ووجودها أحب إليه من عدمها، منها: أنه تظهر للعباد قدرة الرب تعالى على خلق المتضادات المتقابلات، فخلق هذه الذات التي هي أخبث الذوات وشرها وهي سبب كل شر، في مقابلة ذات جبريل التي هي من أشرف الذوات وأطهرها وأزكاها، وهي مادة كل خير، فتبارك خالق هذا وهذا! كما ظهرت قدرته في خلق الليل والنهار، والداء والدواء، والحياة والموت، والحسن والقبيح، والخير والشر.
وذلك من أدل دليل على كمال قدرته وعزته وملكه وسلطانه، فإنه خلق هذه المتضادات وقابل بعضها ببعض، وجعلها محال تصرفه وتدبيره، فخلو الوجود عن بعضها بالكلية تعطيل لحكمته وكمال تصرفه وتدبير مملكته.
ومنها: ظهور آثار أسمائه القهرية، مثل: القهار، والمنتقم، والعدل، والضار، والشديد العقاب، والسريع الحساب، وذي البطش الشديد، والخافض، والمذل؛ فإن هذه الأسماء والأفعال كمال لا بد من وجود متعلقها، ولو كان الجن والإنس على طبيعة الملائكة لم يظهر أثر هذه الأسماء].
يعني بذلك أنه لا تتحقق هذه المعاني إلا بوجود ابتلاء الخلق بالخير والشر، فهذا لحكمة، والله يفعل في خلقه ما يشاء، فهو فعال لما يريد، وما فعله الله كله خير وحكمة.
فخلق الله الشر وخلق إبليس لحكم، منها: أنه لا تظهر آثار أسماء الله القهرية إلا بمثل هذا الابتلاء، وبمثل هذه الفتنة التي فتن الله بها العباد، ولذلك جعل الله الشر والخير فتنة وابتلاء للخلق.
قال رحمه الله تعالى: [ومنها ظهور آثار أسمائه المتضمنة لحلمه وعفوه ومغفرته وستره وتجاوزه عن حقه وعتقه لمن شاء من عبيده، فلولا خلق ما يكرهه من الأسباب المفضية إلى ظهور آثار هذه الأسماء لتعطلت هذه الحكم والفوائد، وقد أشار النبي ﷺ إلى هذا بقوله: (لو لم تذنبوا لذهب الله بكم ولجاء بقوم يذنبون ويستغفرون فيغفر لهم).
ومنها ظهور آثار أسماء الحكمة والخبرة، فإنه الحكيم الخبير الذي يضع الأشياء مواضعها وينزلها منازلها اللائقة بها، فلا يضع الشيء في غير موضعه ولا ينزله في غير منزلته التي يقتضيها كمال علمه وحكمته وخبرته، فهو أعلم حيث يجعل رسالاته، وأعلم بمن يصلح لقبولها ويشكره على انتهائها إليه، وأعلم بمن لا يصلح لذلك، فلو قدر عدم الأسباب المكروهة لتعطلت حكم كثيرة ولفاتت مصالح عديدة، ولو عطلت تلك الأسباب لما فيها من الشر لتعطل الخير الذي هو أعظم من الشر الذي في تلك الأسباب، وهذا كالشمس والمطر والرياح التي فيها من المصالح ما هو أضعاف أضعاف ما يحصل بها من الشر].
الخير المحض لا تحصل به حقيقة الابتلاء ولا التكليف ولا معنى الجزاء ولا معنى الوعد والوعيد ولا تظهر فيه للعباد معاني الحكمة ومعاني الرحمة ومعاني القوة والجبروت وغير ذلك، فكان من خلقه تعالى المتضادات، ومن ذلك الخير والشر، وفيما يترتب عليهما من الجزاء للعباد في الدنيا والآخرة ظهور معاني الحكمة وحقيقة الابتلاء ونحو ذلك مما هو معلوم لدى العقلاء.
قال رحمه الله تعالى: [ومنها: حصول العبودية المتنوعة التي لولا خلق إبليس لما حصلت، فإن عبودية الجهاد من أحب أنواع العبودية إليه سبحانه، ولو كان الناس كلهم مؤمنين لتعطلت هذه العبودية وتوابعها من الموالاة لله ، والمعاداة فيه، وعبودية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وعبودية الصبر ومخالفة الهوى، وإيثار محاب الله تعالى، وعبودية التوبة والاستغفار، وعبودية الاستعاذة بالله أن يجيره من عدوه ويعصمه من كيده وأذاه، إلى غير ذلك من الحكم التي تعجز العقول عن إدراكها].
فإن قيل: فهل كان يمكن وجود تلك الحكم بدون هذه الأسباب؟ فهذا سؤال فاسد، وهو فرض وجود الملزوم بدون لازمه، كفرض وجود الابن بدون الأب، والحركة بدون المتحرك، والتوبة بدون التائب.
стр. 626
مواد الفساد شر من حيث ما تفضي إليه لا من حيث وجودها
قال رحمه الله تعالى: [فإن قيل: فإذا كانت هذه الأسباب مرادة لما تفضي إليه من الحكم، فهل تكون مرضية محبوبة من هذا الوجه، أم هي مسخوطة من جميع الوجوه؟ قيل: هذا السؤال يرد على وجهين: أحدهما: من جهة الرب تعالى، وهل يكون محبا لها من جهة إفضائها إلى محبوبه، وإن كان يبغضها لذاتها؟ والثاني: من جهة العبد، وهو أنه هل يسوغ له الرضى بها من تلك الجهة أيضاً؟ فهذا سؤال له شأن.
فاعلم أن الشر كله يرجع إلى العدم، أعني عدم الخير وأسبابه المفضية إليه، وهو من هذه الجهة شر، وأما من جهة وجوده المحض فلا شر فيه، مثاله: أن النفوس الشريرة وجودها خير من حيث هي موجودة، وإنما حصل لها الشر بقطع مادة الخير عنها، فإنها خلقت في الأصل متحركة، فإن أعينت بالعلم وإلهام الخير تحركت به، وإن تركت تحركت بطبعها إلى خلافه.
وحركتها -من حيث هي حركة- خير، وإنما تكون شراً بالإضافة، لا من حيث هي حركة، والشر كله ظلم، وهو وضع الشيء في غير محله، فلو وضع في موضعه لم يكن شراً، فعلم أن جهة الشر فيه نسبية إضافية].
يعني: أن الشر شر بآثاره، وبنتائجه والعقوبة عليه، فهو من حيث كون الله قدره ليس شراً محضاً، لكن لما انبنى الشر على فعل المكلفين فصار ناتجاً عن تصرفاتهم، أو كان ناتجاً عن أسباب بذلوها فوقع الشر منهم أو عليهم أو على غيرهم؛ صار شر بهذا المعنى.
أما مجرد خلقه وكونه وجد فليس شراً محضاً، فإبليس -مثلاً- ليس هو شراً لذاته، وإنما هو شر حينما عصى الله ، أما خلقه ووجوده وذاته فهو خلق من خلق الله ما جاء إلا لحكمة، لكنه لما عصى الله وقع الشر من فعله، فصار خبيثاً بذاته وبأفعاله.
وكذا الكافر، فالكافر لذاته خلق من خلق الله، فليس وجود الكافر شراً محضاً بذاته، إنما صار شراً بما عمله حينما كلف وأمر فلم يأتمر ولم يعمل بمقتضى التكليف، فصار الشر مضافاً إليه بأذاه، وصار بذاته وبأفعاله وتصرفاته شراً بعد أن نتج عنه الشر، ولذا فالإنسان غير المكلف -حتى أبناء الكفار الذين يعيشون بين ظهرانيهم- ليس هو شراً لذاته، وليس شره كشر الكافر المكلف، فالمجنون وغير المميز لا يكون شره إلا عندما يكلف، فعندما يكلف يكون منه الشر ويحاسب على ذلك.
قال رحمه الله تعالى: [ولهذا كانت العقوبات الموضوعة في محالها خيراً في نفسها، وإن كانت شراً بالنسبة إلى المحل الذي حلت به؛ لما أحدثت فيه من الألم الذي كانت الطبيعة قابلة لضده من اللذة مستعدة له، فصار ذلك الألم شراً بالنسبة إليها، وهو خير بالنسبة إلى الفاعل حيث وضعه في موضعه].
هذا مثل الحدود، فالحدود إقامتها خير، والذي يقيم الحدود يفعل خيراً، لكنها بالنسبة لمن حدثت له قد تكون شراً، بمعنى أنها أذى، فالذي تقطع يده يحدث له شيء من الأذى، والأذى شر، لكن قد تكون العاقبة خيراً له من حيث إنه بذلك تكفر عنه ذنوبه، والفعل الذي فعله الذي أقام الحد هو خير.
إذاً: فالشر والخير نسبيان.
قال رحمه الله تعالى: [فإنه سبحانه لم يخلق شرا محضاً من جميع الوجوه والاعتبارات، فإن حكمته تأبى ذلك، فلا يمكن في جناب الحق تعالى أن يريد شيئا يكون فساداً من كل وجه، لا مصلحة في خلقه بوجه ما، هذا من أبين المحال، فإنه سبحانه الخير كله بيديه، والشر ليس إليه، بل كل ما إليه فخير].
يعني: لا ينسب الشر إلى الله مباشرة، ولا يضاف إليه الشر، بل يقال: إن الله خلق هذه الأمور وقدرها، لكن لا ينسب إليه من باب الإضافة.
قال رحمه الله تعالى: [والشر إنما حصل لعدم هذه الإضافة والنسبة إليه، فلو كان إليه لم يكن شراً، فتأمله، فانقطاع نسبته إليه هو الذي صيره شراً، فإن قيل: لم تنقطع نسبته إليه خلقا ومشيئة؟ قيل: هو من هذه الجهة ليس بشر، فإن وجوده هو المنسوب إليه، وهو من هذه الجهة ليس بشر، والشر الذي فيه من عدم إمداده بالخير وأسبابه، والعدم ليس بشيء حتى ينسب إلى من بيده الخير].
стр. 627
الأسئلة
стр. 628
الجمع بين ثبوت مشيئة العبد واختياره وبين ما ورد في تقليب الرحمن قلوب عباده
السؤال
هل يتنافى ما ذكرت من أمر القدر وأن العبد له مشيئة واختيار مع حديث: (قلوب العباد بين إصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء)؟
الجواب
ليس هناك تناف، فالله يفعل في خلقه ما يشاء، وتقليب قلوب العباد قد يكون من باب الجزاء على عمل، فقد يجعل الله ذلك من باب الجزاء على العمل، ومع ذلك فالله يفعل في عباده ما يشاء، لكن هذا لا يتنافى مع أن الله جعل كل مكلف ميسراً لما خلق له، فمن عمل صالحاً فسيجرى به، ومن عمل غير صالح فسيجزى به، فكون القلوب بين إصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء لا يتعارض مع كون العباد أمروا بأن يفعلوا الإسلام، فقد يكون تقليب قلوب العباد إلى الخير والشر مبنياً على ما قدره الله وما يسره للعبد من ذلك، فلا تنافي.
ولذلك ينبغي للعبد دائماً أن يدعو الله بأن يهديه وأن يثبته على الحق والاستقامة ويميته على الإسلام، والنبي ﷺ المعصوم الذي غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، كان يقول: (يا مقلب القلوب! ثبت قلبي على دينك)، وهذا فيه أشار أن الأمور كلها راجعة إلى الله ، وأنه يفعل بعباده ما يشاء، وأنه لا أحد يتألى على الله في ملكه.
المهم أنه لا تعارض بين هذا وذاك، إنما هذا فيه أمر للعباد بأن يلجئوا إلى الله ، ويدعوه، ويسألوه بالتثبيت والعصمة من الزلل.
والله أعلم، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 629
شرح العقيدة الطحاوية [٥٣]
قدر الله تعالى الشر والمعاصي لحكم عظيمة منها الابتلاء والامتحان، فهي من حيث خلقها وتقديرها ليست شراً، إنما الشر هو فعلها الذي هو من جهة العبد، وكذلك الله تعالى قدر الخير والطاعة وخلقها، وأراد من العبد فعلها لأنه يحبها ويرضاها، وقد لا يعين العبد أحياناً على فعل بعض الطاعات لحكم عظيمة يعلمها سبحانه، هذا كله لابد من التسليم به كما وردت به النصوص، ومن نسب إلى الله تعالى غير ذلك فلم يقدره حق قدره.
стр. 630
حصول الشر في المادة بقطع الإعداد والإمداد وظهور حكمة الله تعالى في تفاوت المخلوقات في ذلك
قال رحمه الله تعالى: [فإن قيل: لم تنقطع نسبته إليه خلقاً ومشيئة؟ قيل: هو من هذه الجهة ليس بشر، فإن وجوده هو المنسوب إليه، وهو من هذه الجهة ليس بشر، والشر الذي فيه من عدم إمداده بالخير وأسبابه، والعدم ليس بشيء حتى ينسب إلى من بيده الخير].
يعني: بذلك أن الشر والمعاصي من حيث خلقها وإيجادها ليست شراً؛ لأنها لحكمة وابتلاء للعباد، إنما الشر هو فعل المعاصي وفعل الممنوعات، أما خلقها فهو لحكمة، والحكمة ليست شراً، إنما هي خير.
قال رحمه الله تعالى: [فإن أردت مزيد إيضاح لذلك، فاعلم أن أسباب الخير ثلاثة: الإيجاد، والإعداد، والإمداد].
الإيجاد: هو التقدير والخلق، والإعداد: إقدار العباد وإقدار الفاعلين على الفعل، والإمداد التيسير والإعانة والتوفيق.
قال رحمه الله تعالى: [فإيجاد هذا خير، وهو إلى الله، وكذلك إعداده وإمداده، فإذا لم يحدث فيه إعداد ولا إمداد حصل فيه الشر بسبب هذا العدم الذي ليس إلى الفاعل وإنما إليه ضده.
فإن قيل: هلا أمده إذ أوجده؟ قيل: ما اقتضت الحكمة إيجاده وإمداده، وإنما اقتضت إيجاده وترك إمداده، فإيجاده خير، والشر وقع من عدم إمداده.
فإن قيل: فهلا أمد الموجودات كلها؟ فهذا سؤال فاسد، يظن مورده أن التسوية بين الموجودات أبلغ في الحكمة!].
هذا مذهب الفلاسفة، فالفلاسفة يرون أن التسوية ضرورية وأنها من اللوازم التي تلزم الله ، وانتقلت هذه الفلسفة إلى المعتزلة، وإلى كثير من أهل الكلام، ولذلك أنكروا حكمة الله ، وأنكروا الرحمة عن الرب سبحانه؛ لأنهم يرون أن الأفعال في الكون كلها لابد من أن تكون متساوية، ويرون أن مقتضى العدل فيها ألا يكون فيها خير وشر مطلقاً، وإن وجد الشر فمن أفعال العباد بذاتهم، فهم خالقون لها، فمن هنا ضلوا من حيث أرادوا أن ينزهوا الله، لكنهم وقعوا في شر مما هربوا منه.
قال رحمه الله تعالى: [وهذا عين الجهل، بل الحكمة كل الحكمة في هذا التفاوت العظيم الذي بين الأشياء].
مبدأ التسوية -كما قلت- هو الذي جعل كثيراً من أهل الأهواء يغلطون في مسألة الحكم على الناس، ولعلي أكتفي بالإشارة بهذه المناسبة إلى ما وجد من أحكام باطلة من خلال هذه العقيدة الباطلة عبر نظرة سادت في الآونة الأخيرة عند كثير ممن يسمون بالمثقفين والمفكرين من المسلمين -مع الأسف- تبعاً لغيرهم من الفلاسفة ونحوهم من الذين الأصل عندهم هو الخلل في توحيد الله .
أقول: هذا الفكر السائد المبني على هذه الفكرة الفلسفية يرى أنه لا فرق بين المسلم وغيره، وأنه لا يليق بالله أن يعذب البشر، فمن هنا ظهرت مقولة في الآونة الأخيرة تقول: لا فرق بين المسلم واليهودي والنصراني، فكلهم يؤمنون بالله، إنما الفرق في عملهم، فمن كان طيباً متخلقاً محسناً إلى الناس فهو من أهل الجنة وإن كان يهودياً أو نصرانياً! فهذا ناتج عن مبدأ التسوية وعدم الإيمان بحكمة الله وأن الله يهدي من يشاء ويضل من يشاء، وأنه هدى من شاء ووفقه ووعده الجنة فضلاً منه سبحانه، وتوعد الكفار بالنار عدلاً منه ، وأن ذلك كله راجع إلى حكمته.
إذاً: فمبدأ الحكمة لا يعترف به هؤلاء، بل ربما يعبرون عن الحكمة بالعدل فقط، فيقولون: ليس من الحكمة كذا، ويقصدون بذلك أنه: ليس من العدل؛ لأنهم يضعون مقاييس من عند أنفسهم فيفرضونها على الله .
فلذلك قالت المعتزلة ونحوهم: يجب على الله أن يفعل كذا، ويجب عليه ألا يفعل كذا! بدون تورع وبلا خوف من الله ، يقولون: يجب على الله أن يفعل كذا، ويجب عليه ألا يفعل كذا، تعالى الله عما يزعمون.
فالمهم أن هذا الأصل كله ناتج عن عقيدة التسوية، والنظرة الخاطئة إلى مفهوم العدل المطلق.
стр. 631
استواء المخلوقات في الإيجاد وتفاوتها فيما تعدمه من الخير
قال رحمه الله تعالى: [وليس في خلق كل نوع منها تفاوت، فكل نوع منها ليس في خلقه تفاوت، والتفاوت إنما وقع بأمور عدمية لم يتعلق بها الخلق، وإلا فليس في الخلق من تفاوت، فإن اعتاص عليك هذا، ولم تفهمه حق الفهم؛ فراجع قول القائل: إذا لم تستطع شيئاً فدعه وجاوزه إلى ما تستطيع].
هذه حكمة مفيدة في الحقيقة، وليس على المسلم غضاضة في أنه إذا وجد في أمر من الأمور غموضاً وحاول أن يفهم ولم يفهم انصرف عنه عملاً بهذه الحكمة، ولا يضره ذلك، ذلك أن كثيراً من الأمور الفلسفية تكون من باب الأحاجي والألغاز والمعضلات والمحارات التي تحار فيها عقول العقلاء، ولا يضر المسلم ألا يفهم هذه الألغاز وهذه الإشكالات في القدر وفي الغيب وفي غيرهما، لا يضره ذلك لا في إيمانه ولا في ذكائه ولا في عقله، ولا يظن أن ذلك عجز فيه، ولا يتطلع إلى أن يصل إلى حل لمثل هذه الألغاز المشكلة، بل إذا وجد فيها صعوبة فليسلم لله وليؤمن بما جاء عن الله، وليرجع إلى نصوص الكتاب والسنة فلن يجد فيها ما يحار فيه، إنما المحارات والألغاز والمعضلات في مثل هذا الكلام المشقق في الحكمة والعدل والتسوية والإقدار وضرب أقدار الله بعضها ببعض ونحو ذلك.
فلا يضر المسلم إذا وجد في ذلك شيئاً من الإشكال أن ينصرف ويصرف ذهنه ويسلم لله ويأخذ بمقتضى النصوص.
стр. 632
وجه عدم إعانة الله تعالى للعبد على بعض ما هو مرضي له من الطاعات
قال رحمه الله تعالى: [فإن قيل: كيف يرضى لعبده شيئاً ولا يعينه عليه؟ قيل: لأن إعانته عليه قد تستلزم فوات محبوب له أعظم من حصول تلك الطاعة التي رضيها له، وقد يكون وقوع تلك الطاعة منه يتضمن مفسدة هي أكره إليه سبحانه من محبته لتلك الطاعة.
وقد أشار تعالى إلى ذلك في قوله: ﴿وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ﴾ [التوبة:٤٦]، فأخبر سبحانه أنه كره انبعاثهم إلى الغزو مع رسوله وهو طاعة، فلما كرهه منهم ثبطهم عنه، ثم ذكر سبحانه بعض المفاسد التي كانت تترتب على خروجهم مع رسوله، فقال: ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا﴾ [التوبة:٤٧] أي: فساداً وشراً، ﴿وَلَأَوْضَعُوا خِلالَكُمْ﴾ [التوبة:٤٧] أي: سعوا بينكم بالفساد والشر، ﴿يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ﴾ [التوبة:٤٧] قابلون منهم مستجيبون لهم، فيتولد من سعي هؤلاء وقبول هؤلاء من الشر ما هو أعظم من مصلحة خروجهم، فاقتضت الحكمة والرحمة أن أقعدهم عنه، فاجعل هذا المثال أصلاً وقس عليه].
стр. 633
جهة السخط وجهة الرضا في فعل العبد المعصية
[وأما الوجه الثاني: -وهو الذي من جهة العبد- فهو أيضاً ممكن، بل واقع، فإن العبد يسخط الفسوق والمعاصي ويكرهها من حيث هي فعل العبد واقعة بكسبه وإرادته واختياره، ويرضى بعلم الله وكتابته ومشيئته وإرادته وأمره الكوني، فيرضى بما من الله ويسخط ما هو منه].
قوله: (ما هو منه) أي: من الإنسان نفسه.
قال رحمه الله تعالى: [فهذا مسلك طائفة من أهل العرفان، وطائفة أخرى كرهتها مطلقاً].
أي: كرهت المعاصي مطلقاً من كل وجه، لكنهم لا يقصدون كراهية كونها من الله ، إنما كرهوها فقالوا: إن المعاصي شر محض.
وسبب ذلك أنهم يرون أنها ما سميت معصية إلا من حيث فعلها من قبل العبد، وليست معصية بذاتها، بل لما فعلها صارت معصية، فمن هنا كرهوا المعصية مطلقاً.
والذين فرقوا رجعوا إلى أصل الفعل، أي: أصل الإقدار على المعصية، فقالوا: إن الإقدار على المعصية من الله ، وهذا فيه حكمة وهو خير، لكن فعل المعصية من العبد شر.
إذاً: الفريقان يلتقون على حكم واحد، وهو أن المعصية بذاتها من حيث فعلها من قبل العبد مكروهة كلها ومن حيث تقديرها من الله ليست معصية، إنما صارت معصية بفعل العبد لها.
فالمعصية من حيث هي تبقى مجردة في الذهن حتى تقع، فإذا وقعت لا تكون إلا ممن يفعلها وهو العاصي، فلا تكون معصية فعلية واقعة إلا من فاعل، والفاعل هو العبد، أما قبل أن يفعلها فما هي إلا مجرد تصور في الذهن، والتصور في الذهن لا يبنى عليه حكم.
قال رحمه الله تعالى: [وطائفة أخرى كرهتها مطلقاً، وقولهم يرجع إلى هذا القول؛ لأن إطلاقهم الكراهة لا يريدون به شموله لعلم الرب وكتابته ومشيئته].
بمعنى أنهم لا يكرهون صدورها عن الله من حيث إنه علمها وقدرها وشاءها، إنما يكرهونها لذاتها من حيث كونها معصية، وما صارت معصية إلا حينما فعلها العبد.
стр. 634
حصول الجبر الباطل بمنع اعتبار كراهة فعل العبد المعصية واعتبارها تقديراً من الله مرضياً محبوباً
قال رحمه الله تعالى: [وسر المسألة: أن الذي إلى الرب منها غير مكروه، والذي إلى العبد مكروه.
فإن قيل: ليس إلى العبد شيء منها، قيل: هذا هو الجبر الباطل الذي لا يمكن صاحبه التخلص من هذا المقام الضيق، والقدري المنكر أقرب إلى التخلص منه من الجبري، وأهل السنة المتوسطون بين القدرية والجبرية أسعد بالتخلص من الفريقين].
الجبرية هم الجهمية، وهم الذين يقولون: إن العبد مسير لا خيار له أبداً، فهو كالريشة في مهب الريح، وعلى هذا فإنه يكفيه في مسألة الحساب والجزاء أن يؤمن بالله بقلبه مهما فعل من الكفر والمعاصي حتى الشرك، تعالى الله عما يقولون! فمن أشرك بالله عندهم ما دام عارفاً بالله فهو مؤمن! فهؤلاء هم الجبرية الغلاة؛ لأنهم يرون أن الإنسان ليس له أي فعل وأن الفعل كله لله، فهؤلاء يقولون: ما دام الفعل كله لله فلا حساب على العباد إلا بما يتعلق بالمعرفة في القلب، فمن عرف الله نجا ومن أنكر الله هلك، وليس دون ذلك أي تفصيل.
فهؤلاء هم الجهمية، والجهمية ليست هي الجماعة المعهودة التي ظهرت في عهد جهم فحسب، بل بعد ذلك دخل التجهم في الفلاسفة والمتصوفة، خاصة ابن عربي ومن سلك طريقه قبله وبعده من غلاة الصوفية، هؤلاء جهمية خلص، وقد ذكر المحققون أن الجهمية فيما بعد دخلت في الصوفية فصار غلاة الصوفية جهمية، وكذلك دخل التجهم بعض فرق المسلمين.
والقدرية هم المعتزلة، فالمعتزلة بعكس الجهمية تماماً، يقولون: إن الإنسان مخير كل التخيير، وإنه مسئول عن أفعاله كل المسئولية، وإن الله لم يقدرها، فأغلبهم أثبتوا العلم لكنهم نفوا التقدير، فالقدرية هم المعتزلة الذين يقولون: إن العبد مسئول عن أفعاله مسئولية كاملة، وهو خالقها، وإن الله لم يقدرها، ومن هنا رتبوا المسئولية الكاملة على العبد، فكفروا بالمعاصي، وجعلوا أصحاب الكبائر مخلدين في النار بناء على هذه الفلسفة.
وقد أثرت القدرية بعض التأثير في الفرق الكلامية التي ورثت المعتزلة فيما بعد، وإن كانت قامت ضدها أصلاً، لكنها ورثت بعض أصولها، كالرافضة ومتأخرة الخوارج، هؤلاء صاروا ورثة المعتزلة في القول بالقدر، أما الزيدية فأصلهم معتزلة.
والجبرية وجد شيء منها في الفرق الكلامية، وهي الأشاعرة والماتريدية، وليس المراد الجبر الغالي، لكنه نوع من الجبر.
стр. 635
جواب الاعتراض بامتناع التوبة من المعصية مع شهود الحكمة في تقديرها
قال رحمه الله تعالى: [فإن قيل: كيف يتأتى الندم والتوبة مع شهود الحكمة في التقدير، ومع شهود القيومية والمشيئة النافذة].
أي: كيف يطلب من العبد التوبة من المعاصي مع أنها حدثت بتقدير الله وحكمته؟! هذا منشأ السؤال.
قال رحمه الله تعالى: [قيل: هذا هو الذي أوقع من عميت بصيرته في شهود الأمر على خلاف ما هو عليه، فرأى تلك الأفعال طاعات لموافقته فيها المشيئة والقدر، وقال: إن عصيت أمره فقد أطعت إرادته].
هذا القول هو قول أغلب الصوفية، والعجيب أن هذا القول وجد في العباد الأوائل قبل أن تظهر الطرق الصوفية، فالعباد الأوائل النساك في أول القرن الثاني وما بعده هذا أصل كثير منهم، خاصة الجهلة؛ لأن العباد المشاهير منهم عندهم شيء من العلم، لكن الجهلة منهم -وهم كثير- هذا مبدؤهم، ولذلك دخلت من خلالهم هذه العقائد إلى الصوفية المتأخرة؛ لأنهم يرونهم قدوة لهم، والمتأمل لأحوال العباد الأوائل يجد أنهم تقمصوا عقائد كثير من الفرق التي وجدت في البلاد المفتوحة، خاصة العراق، فأغلب هذه الأقوال موجود أصلاً في عباد النصارى وفي عباد الهنود وموجودة عند طوائف من المجوس، فانتقلت إلى المسلمين عبر وراثة هذه العقائد عن أولئك القوم الذين، دخلوا في الإسلام ولم يتفقهوا في الدين، أو عن طريق الزنادقة الذين أظهروا الإسلام وأبطنوا تلك العقائد ثم دعوا إليها.
قال رحمه الله تعالى: [وفي ذلك قيل: أصبحت منفعلاً لما يختاره مني ففعلي كله طاعات وهؤلاء أعمى الخلق بصائر، وأجهلهم بالله وأحكامه الدينية والكونية، فإن الطاعة هي موافقة الأمر الديني الشرعي، لا موافقة القدر والمشيئة، ولو كان موافقة القدر طاعة لكان إبليس من أعظم المطيعين له، ولكان قوم نوح وهود وصالح ولوط وشعيب وقوم فرعون كلهم مطيعين، وهذا غاية الجهل].
قد يظن بعض الناس أن هذا من باب الإلزام، لكنه في الحقيقة واقع، فهناك طوائف من هؤلاء القوم من المتصوفة الفلاسفة الزنادقة الباطنية، والذين يجمعهم كلهم ابن عربي الطائي الاتحادي صاحب وحدة الوجود الحلولي الجهمي، صرحوا بأن خصوم الأنبياء هم أصحاب الحقيقة والتوحيد، وصرح به ابن عربي أكثر من مرة في كتبه صراحة لا التواء فيها ولا غموض، وكرر ذلك تكراراً بيناً، وألف في ذلك كتباً ورسائل، حتى إنه صرح بأن خصوم الأنبياء من الأمم المشركة التي كفرت بالنبوة وبأنبياء الله ورسله أعرف بالتوحيد من الأنبياء وأتباع الأنبياء، وأنهم حينما دعا بعضهم إلى عبادة نفسه أو عبادة الأوثان ما قال إلا الحقيقة وما فعل إلا الحقيقة.
فهذا ليس من باب الإلزام فقط، وإن كان فعلاً يلزم من ألغى الحكمة والمشيئة ولم يفرق بين الأمر الشرعي وبين الأمر الكوني والقدري أن ينتج عنده أنه لا فرق بين التوحيد والشرك، فهذا إلزام فعلي عقلي وشرعي، لكنه حدث فعلاً، فتوصلوا إليه، وانتهى مذهبهم الباطل بقول ابن عربي، وصار مذهباً يحتذى إلى الآن في الفرق الباطنية في أكثر العالم الإسلامي، فالعالم الإسلامي الآن تنتشر فيه الفرق الباطنية، وأغلبها تتبنى هذا الرأي.
قال رحمه الله تعالى: [لكن إذا شهد العبد عجز نفسه، ونفوذ الأقدار فيه، وكمال فقره إلى ربه وعدم استغنائه عن عصمته وحفظه طرفة عين كان بالله في هذه الحال لا بنفسه، فوقوع الذنب منه لا يتأتى في هذه الحال البتة، فإن عليه حصناً حصيناً من (فبي يسمع، وبي يبصر، وبي يبطش، وبي يمشي)، فلا يتصور منه الذنب في هذه الحالة، فإذا حجب عن هذا المشهد وبقي بنفسه استولى عليه حكم النفس، فهنالك نصبت عليه الشباك والأشراك، وأرسلت عليه الصيادون، فإذا انقشع عنه ضباب ذلك الوجود الطبعي؛ فهنالك يحضره الندم والتوبة والإنابة، فإنه كان في المعصية محجوباً بنفسه عن ربه، فلما فارق ذلك الوجود صار في وجود آخر، فبقي بربه لا بنفسه].
هذا الكلام فيه إيهام، وإن كان قاله ابن القيم ﵀ في مدارج السالكين، وابن القيم لاشك في أنه أراد بمثل هذا الكلام أن يجر جهلة الصوفية إلى التوحيد بعباراتهم، وأن يفسر لهم أقوال أئمتهم بتفسير أقرب إلى الحق والسنة، وأن يعبر عن الحق بتعبيراتهم من أجل أن يكمل الحق الذي أراد بيانه، لكن مع ذلك ينبغي ألا نجيز هذا بإطلاق؛ لأن المسلم الذي عوفي من هذه الأمور وهذه المصطلحات وهذه المفاهيم الأولى له ألا يخوض فيها وألا يتعلق قلبه ولا خاطره بمثل هذه الأمور، ولا يقرأ الكتب المتعلقة بتقرير هذه القضايا إلا للحاجة، أو أن يكون طالب علم متمكناً، فمدارج السالكين كتاب جيد، وقد أفاد فيه في تقريب جهلة الصوفية وغير المعاندين منهم إلى الحق، وشرح مصطلحات بمعنى أقرب إلى الحق، فسلم من الولوغ في الكفريات، لكنه لا يصلح لأهل السنة الذين سلموا أصلاً من هذه المصطلحات ولم يعرفوها ولم يسمعوا بها ولا توجد عندهم.
ولذلك فمثل هذا الكتاب يوصى بأن ينتشر في البلاد التي يكثر فيها التصوف أو تسود فيهم مصطلحات الصوفية، أما في البلاد التي سلمت فلا حاج
следующие страницы →