Полный текст (1 296 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.
стр. 631
استواء المخلوقات في الإيجاد وتفاوتها فيما تعدمه من الخير
قال رحمه الله تعالى: [وليس في خلق كل نوع منها تفاوت، فكل نوع منها ليس في خلقه تفاوت، والتفاوت إنما وقع بأمور عدمية لم يتعلق بها الخلق، وإلا فليس في الخلق من تفاوت، فإن اعتاص عليك هذا، ولم تفهمه حق الفهم؛ فراجع قول القائل: إذا لم تستطع شيئاً فدعه وجاوزه إلى ما تستطيع].
هذه حكمة مفيدة في الحقيقة، وليس على المسلم غضاضة في أنه إذا وجد في أمر من الأمور غموضاً وحاول أن يفهم ولم يفهم انصرف عنه عملاً بهذه الحكمة، ولا يضره ذلك، ذلك أن كثيراً من الأمور الفلسفية تكون من باب الأحاجي والألغاز والمعضلات والمحارات التي تحار فيها عقول العقلاء، ولا يضر المسلم ألا يفهم هذه الألغاز وهذه الإشكالات في القدر وفي الغيب وفي غيرهما، لا يضره ذلك لا في إيمانه ولا في ذكائه ولا في عقله، ولا يظن أن ذلك عجز فيه، ولا يتطلع إلى أن يصل إلى حل لمثل هذه الألغاز المشكلة، بل إذا وجد فيها صعوبة فليسلم لله وليؤمن بما جاء عن الله، وليرجع إلى نصوص الكتاب والسنة فلن يجد فيها ما يحار فيه، إنما المحارات والألغاز والمعضلات في مثل هذا الكلام المشقق في الحكمة والعدل والتسوية والإقدار وضرب أقدار الله بعضها ببعض ونحو ذلك.
فلا يضر المسلم إذا وجد في ذلك شيئاً من الإشكال أن ينصرف ويصرف ذهنه ويسلم لله ويأخذ بمقتضى النصوص.
стр. 632
وجه عدم إعانة الله تعالى للعبد على بعض ما هو مرضي له من الطاعات
قال رحمه الله تعالى: [فإن قيل: كيف يرضى لعبده شيئاً ولا يعينه عليه؟ قيل: لأن إعانته عليه قد تستلزم فوات محبوب له أعظم من حصول تلك الطاعة التي رضيها له، وقد يكون وقوع تلك الطاعة منه يتضمن مفسدة هي أكره إليه سبحانه من محبته لتلك الطاعة.
وقد أشار تعالى إلى ذلك في قوله: ﴿وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ﴾ [التوبة:٤٦]، فأخبر سبحانه أنه كره انبعاثهم إلى الغزو مع رسوله وهو طاعة، فلما كرهه منهم ثبطهم عنه، ثم ذكر سبحانه بعض المفاسد التي كانت تترتب على خروجهم مع رسوله، فقال: ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا﴾ [التوبة:٤٧] أي: فساداً وشراً، ﴿وَلَأَوْضَعُوا خِلالَكُمْ﴾ [التوبة:٤٧] أي: سعوا بينكم بالفساد والشر، ﴿يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ﴾ [التوبة:٤٧] قابلون منهم مستجيبون لهم، فيتولد من سعي هؤلاء وقبول هؤلاء من الشر ما هو أعظم من مصلحة خروجهم، فاقتضت الحكمة والرحمة أن أقعدهم عنه، فاجعل هذا المثال أصلاً وقس عليه].
стр. 633
جهة السخط وجهة الرضا في فعل العبد المعصية
[وأما الوجه الثاني: -وهو الذي من جهة العبد- فهو أيضاً ممكن، بل واقع، فإن العبد يسخط الفسوق والمعاصي ويكرهها من حيث هي فعل العبد واقعة بكسبه وإرادته واختياره، ويرضى بعلم الله وكتابته ومشيئته وإرادته وأمره الكوني، فيرضى بما من الله ويسخط ما هو منه].
قوله: (ما هو منه) أي: من الإنسان نفسه.
قال رحمه الله تعالى: [فهذا مسلك طائفة من أهل العرفان، وطائفة أخرى كرهتها مطلقاً].
أي: كرهت المعاصي مطلقاً من كل وجه، لكنهم لا يقصدون كراهية كونها من الله ، إنما كرهوها فقالوا: إن المعاصي شر محض.
وسبب ذلك أنهم يرون أنها ما سميت معصية إلا من حيث فعلها من قبل العبد، وليست معصية بذاتها، بل لما فعلها صارت معصية، فمن هنا كرهوا المعصية مطلقاً.
والذين فرقوا رجعوا إلى أصل الفعل، أي: أصل الإقدار على المعصية، فقالوا: إن الإقدار على المعصية من الله ، وهذا فيه حكمة وهو خير، لكن فعل المعصية من العبد شر.
إذاً: الفريقان يلتقون على حكم واحد، وهو أن المعصية بذاتها من حيث فعلها من قبل العبد مكروهة كلها ومن حيث تقديرها من الله ليست معصية، إنما صارت معصية بفعل العبد لها.
فالمعصية من حيث هي تبقى مجردة في الذهن حتى تقع، فإذا وقعت لا تكون إلا ممن يفعلها وهو العاصي، فلا تكون معصية فعلية واقعة إلا من فاعل، والفاعل هو العبد، أما قبل أن يفعلها فما هي إلا مجرد تصور في الذهن، والتصور في الذهن لا يبنى عليه حكم.
قال رحمه الله تعالى: [وطائفة أخرى كرهتها مطلقاً، وقولهم يرجع إلى هذا القول؛ لأن إطلاقهم الكراهة لا يريدون به شموله لعلم الرب وكتابته ومشيئته].
بمعنى أنهم لا يكرهون صدورها عن الله من حيث إنه علمها وقدرها وشاءها، إنما يكرهونها لذاتها من حيث كونها معصية، وما صارت معصية إلا حينما فعلها العبد.
стр. 634
حصول الجبر الباطل بمنع اعتبار كراهة فعل العبد المعصية واعتبارها تقديراً من الله مرضياً محبوباً
قال رحمه الله تعالى: [وسر المسألة: أن الذي إلى الرب منها غير مكروه، والذي إلى العبد مكروه.
فإن قيل: ليس إلى العبد شيء منها، قيل: هذا هو الجبر الباطل الذي لا يمكن صاحبه التخلص من هذا المقام الضيق، والقدري المنكر أقرب إلى التخلص منه من الجبري، وأهل السنة المتوسطون بين القدرية والجبرية أسعد بالتخلص من الفريقين].
الجبرية هم الجهمية، وهم الذين يقولون: إن العبد مسير لا خيار له أبداً، فهو كالريشة في مهب الريح، وعلى هذا فإنه يكفيه في مسألة الحساب والجزاء أن يؤمن بالله بقلبه مهما فعل من الكفر والمعاصي حتى الشرك، تعالى الله عما يقولون! فمن أشرك بالله عندهم ما دام عارفاً بالله فهو مؤمن! فهؤلاء هم الجبرية الغلاة؛ لأنهم يرون أن الإنسان ليس له أي فعل وأن الفعل كله لله، فهؤلاء يقولون: ما دام الفعل كله لله فلا حساب على العباد إلا بما يتعلق بالمعرفة في القلب، فمن عرف الله نجا ومن أنكر الله هلك، وليس دون ذلك أي تفصيل.
فهؤلاء هم الجهمية، والجهمية ليست هي الجماعة المعهودة التي ظهرت في عهد جهم فحسب، بل بعد ذلك دخل التجهم في الفلاسفة والمتصوفة، خاصة ابن عربي ومن سلك طريقه قبله وبعده من غلاة الصوفية، هؤلاء جهمية خلص، وقد ذكر المحققون أن الجهمية فيما بعد دخلت في الصوفية فصار غلاة الصوفية جهمية، وكذلك دخل التجهم بعض فرق المسلمين.
والقدرية هم المعتزلة، فالمعتزلة بعكس الجهمية تماماً، يقولون: إن الإنسان مخير كل التخيير، وإنه مسئول عن أفعاله كل المسئولية، وإن الله لم يقدرها، فأغلبهم أثبتوا العلم لكنهم نفوا التقدير، فالقدرية هم المعتزلة الذين يقولون: إن العبد مسئول عن أفعاله مسئولية كاملة، وهو خالقها، وإن الله لم يقدرها، ومن هنا رتبوا المسئولية الكاملة على العبد، فكفروا بالمعاصي، وجعلوا أصحاب الكبائر مخلدين في النار بناء على هذه الفلسفة.
وقد أثرت القدرية بعض التأثير في الفرق الكلامية التي ورثت المعتزلة فيما بعد، وإن كانت قامت ضدها أصلاً، لكنها ورثت بعض أصولها، كالرافضة ومتأخرة الخوارج، هؤلاء صاروا ورثة المعتزلة في القول بالقدر، أما الزيدية فأصلهم معتزلة.
والجبرية وجد شيء منها في الفرق الكلامية، وهي الأشاعرة والماتريدية، وليس المراد الجبر الغالي، لكنه نوع من الجبر.
стр. 635
جواب الاعتراض بامتناع التوبة من المعصية مع شهود الحكمة في تقديرها
قال رحمه الله تعالى: [فإن قيل: كيف يتأتى الندم والتوبة مع شهود الحكمة في التقدير، ومع شهود القيومية والمشيئة النافذة].
أي: كيف يطلب من العبد التوبة من المعاصي مع أنها حدثت بتقدير الله وحكمته؟! هذا منشأ السؤال.
قال رحمه الله تعالى: [قيل: هذا هو الذي أوقع من عميت بصيرته في شهود الأمر على خلاف ما هو عليه، فرأى تلك الأفعال طاعات لموافقته فيها المشيئة والقدر، وقال: إن عصيت أمره فقد أطعت إرادته].
هذا القول هو قول أغلب الصوفية، والعجيب أن هذا القول وجد في العباد الأوائل قبل أن تظهر الطرق الصوفية، فالعباد الأوائل النساك في أول القرن الثاني وما بعده هذا أصل كثير منهم، خاصة الجهلة؛ لأن العباد المشاهير منهم عندهم شيء من العلم، لكن الجهلة منهم -وهم كثير- هذا مبدؤهم، ولذلك دخلت من خلالهم هذه العقائد إلى الصوفية المتأخرة؛ لأنهم يرونهم قدوة لهم، والمتأمل لأحوال العباد الأوائل يجد أنهم تقمصوا عقائد كثير من الفرق التي وجدت في البلاد المفتوحة، خاصة العراق، فأغلب هذه الأقوال موجود أصلاً في عباد النصارى وفي عباد الهنود وموجودة عند طوائف من المجوس، فانتقلت إلى المسلمين عبر وراثة هذه العقائد عن أولئك القوم الذين، دخلوا في الإسلام ولم يتفقهوا في الدين، أو عن طريق الزنادقة الذين أظهروا الإسلام وأبطنوا تلك العقائد ثم دعوا إليها.
قال رحمه الله تعالى: [وفي ذلك قيل: أصبحت منفعلاً لما يختاره مني ففعلي كله طاعات وهؤلاء أعمى الخلق بصائر، وأجهلهم بالله وأحكامه الدينية والكونية، فإن الطاعة هي موافقة الأمر الديني الشرعي، لا موافقة القدر والمشيئة، ولو كان موافقة القدر طاعة لكان إبليس من أعظم المطيعين له، ولكان قوم نوح وهود وصالح ولوط وشعيب وقوم فرعون كلهم مطيعين، وهذا غاية الجهل].
قد يظن بعض الناس أن هذا من باب الإلزام، لكنه في الحقيقة واقع، فهناك طوائف من هؤلاء القوم من المتصوفة الفلاسفة الزنادقة الباطنية، والذين يجمعهم كلهم ابن عربي الطائي الاتحادي صاحب وحدة الوجود الحلولي الجهمي، صرحوا بأن خصوم الأنبياء هم أصحاب الحقيقة والتوحيد، وصرح به ابن عربي أكثر من مرة في كتبه صراحة لا التواء فيها ولا غموض، وكرر ذلك تكراراً بيناً، وألف في ذلك كتباً ورسائل، حتى إنه صرح بأن خصوم الأنبياء من الأمم المشركة التي كفرت بالنبوة وبأنبياء الله ورسله أعرف بالتوحيد من الأنبياء وأتباع الأنبياء، وأنهم حينما دعا بعضهم إلى عبادة نفسه أو عبادة الأوثان ما قال إلا الحقيقة وما فعل إلا الحقيقة.
فهذا ليس من باب الإلزام فقط، وإن كان فعلاً يلزم من ألغى الحكمة والمشيئة ولم يفرق بين الأمر الشرعي وبين الأمر الكوني والقدري أن ينتج عنده أنه لا فرق بين التوحيد والشرك، فهذا إلزام فعلي عقلي وشرعي، لكنه حدث فعلاً، فتوصلوا إليه، وانتهى مذهبهم الباطل بقول ابن عربي، وصار مذهباً يحتذى إلى الآن في الفرق الباطنية في أكثر العالم الإسلامي، فالعالم الإسلامي الآن تنتشر فيه الفرق الباطنية، وأغلبها تتبنى هذا الرأي.
قال رحمه الله تعالى: [لكن إذا شهد العبد عجز نفسه، ونفوذ الأقدار فيه، وكمال فقره إلى ربه وعدم استغنائه عن عصمته وحفظه طرفة عين كان بالله في هذه الحال لا بنفسه، فوقوع الذنب منه لا يتأتى في هذه الحال البتة، فإن عليه حصناً حصيناً من (فبي يسمع، وبي يبصر، وبي يبطش، وبي يمشي)، فلا يتصور منه الذنب في هذه الحالة، فإذا حجب عن هذا المشهد وبقي بنفسه استولى عليه حكم النفس، فهنالك نصبت عليه الشباك والأشراك، وأرسلت عليه الصيادون، فإذا انقشع عنه ضباب ذلك الوجود الطبعي؛ فهنالك يحضره الندم والتوبة والإنابة، فإنه كان في المعصية محجوباً بنفسه عن ربه، فلما فارق ذلك الوجود صار في وجود آخر، فبقي بربه لا بنفسه].
هذا الكلام فيه إيهام، وإن كان قاله ابن القيم ﵀ في مدارج السالكين، وابن القيم لاشك في أنه أراد بمثل هذا الكلام أن يجر جهلة الصوفية إلى التوحيد بعباراتهم، وأن يفسر لهم أقوال أئمتهم بتفسير أقرب إلى الحق والسنة، وأن يعبر عن الحق بتعبيراتهم من أجل أن يكمل الحق الذي أراد بيانه، لكن مع ذلك ينبغي ألا نجيز هذا بإطلاق؛ لأن المسلم الذي عوفي من هذه الأمور وهذه المصطلحات وهذه المفاهيم الأولى له ألا يخوض فيها وألا يتعلق قلبه ولا خاطره بمثل هذه الأمور، ولا يقرأ الكتب المتعلقة بتقرير هذه القضايا إلا للحاجة، أو أن يكون طالب علم متمكناً، فمدارج السالكين كتاب جيد، وقد أفاد فيه في تقريب جهلة الصوفية وغير المعاندين منهم إلى الحق، وشرح مصطلحات بمعنى أقرب إلى الحق، فسلم من الولوغ في الكفريات، لكنه لا يصلح لأهل السنة الذين سلموا أصلاً من هذه المصطلحات ولم يعرفوها ولم يسمعوا بها ولا توجد عندهم.
ولذلك فمثل هذا الكتاب يوصى بأن ينتشر في البلاد التي يكثر فيها التصوف أو تسود فيهم مصطلحات الصوفية، أما في البلاد التي سلمت فلا حاج
стр. 636
الرضا بالقضاء لا يستلزم امتناع إنكار الكفر وكراهته
قال رحمه الله تعالى: [فإن قيل: إذا كان الكفر بقضاء الله وقدره، ونحن مأمورون أن نرضى بقضاء الله، فكيف ننكره ونكرهه؟! فالجواب أن يقال: أولاً: نحن غير مأمورين بالرضا بكل ما يقضيه الله ويقدره، ولم يرد بذلك كتاب ولا سنة، بل من المقضي ما يرضى به، ومنه ما يسخط ويمقت، كما لا يرضى به القاضي لأقضيته سبحانه، بل من القضاء ما يسخط، كما أن من الأعيان المقضية ما يغضب عليه ويمقت ويلعن ويذم].
يقصد أن القضاء له وجهان: فمن حيث علمه وتقديره من الله يجب أن يرضى به، ومن حيث هو من أفعال العباد ومن حيث كونه معصية فلا شك أنه ينبغي أن يسخط، ولا يسخط على الله ، تعالى الله عن ذلك، لكن يسخط العيب نفسه، بمعنى أن يكره.
وكذلك القضاء، فالقضاء له وجهان: فمن حيث تقديره ومن حيث إرادته يجب أن يرضى به من الله وألا يسخط، ومن حيث جانب المعصية فيه يعاب.
فقوله: [بل من القضاء ما يسخط] يقصد به المعايب والمعاصي والذنوب، ولا يقصد المصائب، وهذا أمر يجب أن يفهم؛ لأن العبارة مجملة، فهو لا يقصد قضاء الله وتقديره العام، إنما يقصد جانب العيب وجانب الذنوب وجانب المعاصي التي هي من أفعال العباد، فهي من وجه قضاء من الله ، وهي من وجه آخر فعل من العبد، ففعل العبد مذموم ومسخوط، وفعل الله وتقديره مرضي لحكمة منه .
قال رحمه الله تعالى: [ويقال ثانياً: هنا أمران: قضاء الله: وهو فعل قائم بذات الله تعالى، ومقضي: وهو المفعول المنفصل عنه.
فالقضاء كله خير وعدل وحكمة، فيرضى به كله، والمقضي قسمان: منه ما يرضى به ومنه ما لا يرضى به.
ويقال ثالثاً: القضاء له وجهان: أحدهما: تعلقه بالرب تعالى ونسبته إليه، فمن هذا الوجه يرضى به، والوجه الثاني: تعلقه بالعبد ونسبته إليه، فمن هذا الوجه ينقسم إلى ما يرضى به وإلى ما لا يرضى به.
مثال ذلك: قتل النفس، له اعتباران: فمن حيث قدَّره الله وقضاه وكتبه وشاءه وجعله أجلاً للمقتول ونهاية لعمره نرضى به، ومن حيث صدر من القاتل وباشره وكسبه وأقدم عليه باختياره وعصى الله بفعله نسخطه ولا نرضى به].
стр. 637
الأسئلة
стр. 638
حكم القول باشتراك الخالق مع المخلوق في أصل الصفة
السؤال
هل يصلح أن يقال: إن الله يشترك مع المخلوق في أصل الصفة؟
الجواب
الله موجود والمخلوق موجود، إلا أن وجود الله واجب ووجود المخلوق ممكن، وهكذا في باب الصفات، فأصل المبدأ صحيح، لكن التعبير يجب أن يتأدب فيه مع الله عندما يقرر هذا في باب الرد على المعطلة الذين زعموا أن سبب تعطيلهم التشبيه، فيقال لهم هذا الكلام، لكن لا يقرر عقيدة؛ لأنه لا يقرر إلا لنفي شبهة ولنفي باطل؛ لأن هذا الأصل بدهي عند أصحاب الفطر السليمة والعقول السليمة، فلا داعي إلى تقريره، لكن من حيث تصوره نعم، فتصوره صحيح، وهو أن أصل الصفة من حيث إنها موجودة في الأذهان ممكن أن تطلق على الله وتطلق على المخلوق إذا كان ممن يستحق الصفة، لكنها في حق الله كاملة وتليق بالله ، وفي حق المخلوق ناقصة وتليق بنقص المخلوق، مثل العلم، فالله عليم وعالم، لكن علمه العلم الكامل، ومن البشر من يسمى عالماً، لكنَّه علم ناقص.
فأقول: تقرير هذه الأمور على سبيل الرد والبيان صحيح، لكن أن تقرر استقلالاً -بمعنى: أن نقررها وكأنها من ثوابت العقيدة- لا يصح؛ لأننا في غنى عن ذلك، والعقل السليم والفطرة تدرك هذا بالبديهة.
стр. 639
الجمع بين قوله تعالى: (وما أصابك من سيئة فمن نفسك) وقوله: (كل من عند الله)
السؤال
يقول الله : ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ [النساء:٧٩]، وفي الآية الأخرى يقول : ﴿قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [النساء:٧٨]، حينما ذكر الحسنة والسيئة، فكيف نجمع بينهما؟
الجواب
لا تعارض في ذلك، فالسيئة والحسنة من حيث القضاء كلتاهما مقضيتان من الله ومقدرتان، لكن من حيث الفعل تنسب السيئة التي هي المعايب أو الأخطاء أو المعاصي إلى العباد؛ لأنهم فعلوها بمحض إرادتهم التي أقدرهم الله عليها، وهذا من رد معاني هذه الآية إلى ما سبق تقريره، والله أعلم.
وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 640
شرح العقيدة الطحاوية [٥٤]
الأصل الواجب على العبد أن يؤمن بقضاء الله تعالى وقدره كما جاء في الكتاب والسنة، ولا يرد شيئاً مما دلت عليه النصوص في هذا الباب، ويجب الحذر من الوسوسة وكثرة التفكير والخوض في هذا الأمر؛ فإن هذا فتح لباب الضلال والانحراف فيه، فالواجب هو الإيمان والتسليم بما ورد، ولا يجوز الاعتراض أو السؤال عن شيء قدره الله تعالى لم قدره؟ فإن هذا ضلال مبين؛ لأن القدر مما اختص الله تعالى بعلمه، ولم نعلم منه إلا ما ورد في النصوص فالواجب هو التسليم بذلك تسليماً مطلقاً.
стр. 641
ضرر التعمق والبحث في القدر بأكثر مما ورد في النصوص
قال رحمه الله تعالى: [وقوله: (والتعمق والنظر في ذلك ذريعة الخذلان) إلى آخره، التعمق: هو المبالغة في طلب الشيء.
والمعنى: أن المبالغة في طلب القدر والغوص في الكلام فيه ذريعة الخذلان، والذريعة: الوسيلة، والذريعة والدرجة والسلم متقاربة المعنى.
وكذلك الخذلان والحرمان والطغيان متقارب المعنى أيضاً، لكن الخذلان في مقابلة النصر، والحرمان في مقابلة الظفر، والطغيان في مقابلة الاستقامة].
يقصد بذلك أن الكلام في القدر بأكثر مما ورد في النص والتمادي في إثارة الشكوك وإثارة الأسئلة والإشكالات في القدر لا يزيد الإنسان علماً ولا يقيناً ولا إيماناً، فالقدر سر الله في خلقه، ولابد من الوقوف على ما جاء فيه من النصوص في الكتاب والسنة، ثم إن القدر لا يمكن لأحد من الخلق أن يأتي فيه بجواب بأكثر مما ورد عن الله تعالى وعن رسوله ﷺ .
فتطاول العقول وتعمق الأفكار والوساوس في القدر لا يزيد الإنسان إلا خذلاناً، ولا يزيده إلا غواية وضلالة وبدعة وشكوكاً، وربما يصاب بشيء من الوساوس التي تبقى في نفسه فلا تمحى إلا بصعوبة، وربما تهلكه، فعلى أي حال: يجب على المسلم أن يحذر كل الحذر من إثارة الأسئلة والإشكالات في القدر، وإذا ثارت الأسئلة في أمر عارض فإن على الإنسان أولاً أن يعود إلى مبدأ التسليم، ويحاول أن يصرف ذهنه عما يرد إليه من شكوك وإشكالات، فإن استطاع وإلا فليحاول تلاوة آيات القدر وأحاديث القدر لعله بذلك يشفى قلبه، فإن لم يستطع فليسأل أهل العلم، فإن لم يصل إلى نتيجة فليضرع إلى الله بأن يشفيه ويعافيه.
стр. 642
وجوب الحذر من الوساوس والخواطر المتعلقة بأمور الغيب
[وقوله: (فالحذر كل الحذر من ذلك نظراً وفكراً ووسوسة): عن أبي هريرة ﵁ قال: (جاء ناس من أصحاب النبي ﷺ إلى رسول الله ﷺ ، فسألوه: إنا نجد في أنفسنا ما يتعاظم أحدنا أن يتكلم به؟ قال: وقد وجدتموه؟ قالوا: نعم، قال: ذاك صريح الإيمان).
رواه مسلم.
الإشارة بقوله: (ذاك صريح الإيمان) إلى تعاظمهم أن يتكلموا به.
ولـ مسلم أيضاً عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: (سئل رسول الله ﷺ عن الوسوسة؟ فقال: تلك محض الإيمان)، وهو بمعنى حديث أبي هريرة، فإن وسوسة النفس ومدافعة وسواسها بمنزلة المحادثة الكائنة بين اثنين، فمدافعة الوسوسة الشيطانية واستعظامها صريح الإيمان ومحض الإيمان].
يقصد بالوسوسة هنا الخواطر العابرة العارضة، فالوسوسة العارضة والأفكار العارضة والخواطر الطارئة قد لا يسلم منها الإنسان، لكنها ما لم تستقر في النفس لا تضر، وهي من محاولة الشيطان إغواء كل إنسان، فإن وجد الإنسان في نفسه يقيناً ودفعها فليعلم أنه بذلك حقق معنى الإيمان، وصريح الإيمان، بمعنى: أن مجرد الوسواس العارض لا يضره، والفارق بين الوسواس العارض والثابت أن الوسواس العارض يجد فيه الإنسان من نفسه نوعاً من الغرابة والإنكار، وشيئاً من النفرة، حيث تنفر منه النفس بالفطرة لاسيما الوساوس المقصودة هنا، وهي الوساوس التي تتعلق بأمور الغيب، بالقدر، أو بالله وبأسمائه وصفاته وأفعاله، ونحو ذلك، فإن هذه الخواطر ترد إلى الإنسان، فالمؤمن لابد من أن يجد في نفسه كراهية لهذه الخواطر ويحاول دفعها بما عنده من مبدأ التسليم لله واليقين بالله واليقين بالحق الذي جاء به رسول الله ﷺ ، فإذا وجد ذلك فليعلم بذلك أنه -إن شاء الله- حقق معنى الإيمان.
إذاً: ليس المقصود بالوسوسة هنا الوسواس المستقر الذي هو بمثابة الشكوك، بل الوسوسة العارضة التي يسميها الناس أفكاراً وخواطر وخطرات تعرض، إما بسبب يرد إلى الإنسان من الأسباب المنظورة والمشاهدة والمحسوسة أو مما يسمعه من الناس، وإما من وسوسة الشيطان المحضة، لكنه إذا وجد في نفسه إنكاراً لهذه الوساوس فليعلم أن أصل الإيمان موجود عنده، وليحمد الله على ذلك.
إذاً: هناك نوع من الوسواس غير ما أشار إليه النبي ﷺ في الحديث، وهو الشكوك، سواء كان منشؤها الأمور العارضة الخارجة عن إرادة الإنسان أو الخارجة عن تفكير الإنسان بذاته، كما يحدث مما يقرؤه بعض الناس أو يسمعونه، أو ما يحدث من شبهات الفلاسفة والمتكلمين والدهريين وغيرهم، فهذا النوع إذا ورد على الإنسان فإن كان عنده شيء من الإيمان وقوة اليقين بالله والفقه في دين الله؛ فإن ذلك لا يضر، وإن ضعف إيمانه وقل فقهه فربما تؤثر فيه الشبهات الواردة التي ترد من الناس أو ترد مما يسمعه أو يراه.
كما أن من الشكوك ما يثيره أهل الشكوك أنفسهم من الفلاسفة والدهريين والعقلانيين والكفار والمشركين والمنافقين، فهذه شكوك ثابتة في أنفسهم وليست عارضة، وتكون من أسباب تماديهم في الضلالة، وقد تؤثر هذه الشكوك على بعض مرضى القلوب من المسلمين إذا ضعف إيمانهم وقل علمهم.
ولذلك يجب على المسلم أن يحذر من قراءة الكتب التي تثار فيها هذه الإشكالات، ويجب ألا يتمادى في سماع ما يرد إلى سمعه من هذه الشكوك من الناس أو عبر الوسائل التي ترد فيها هذه الشكوك، كما أنه ينبغي أن يحصن نفسه ابتداء بمعرفة أصول الإيمان بالقدر؛ لأن الإنسان ضعيف، والواردات إلى ذهنه من خارج ذهنه أو من وساوس الشيطان في داخله كثيرة، فإذا وافقت ضعفاً في الإيمان وقلة في الفقه والعلم وعدم رسوخ في العقيدة فربما تؤثر على الإنسان، بل ربما يعتقد عقيدة باطلة من خلال هذه الوسوسة أو من خلال هذه الشكوك وهو لا يشعر.
стр. 643
نشأة الوساوس في القدر ونحوه من أمور الغيب
قال رحمه الله تعالى: [هذه طريقة الصحابة ﵃ والتابعين لهم بإحسان، ثم خلف من بعدهم خلف سودوا الأوراق بتلك الوساوس التي هي شكوك وشبه، بل وسودوا القلوب وجادلوا بالباطل؛ ليدحضوا به الحق].
أول من فعل ذلك صنفان من الناس: أناس كانت عندهم هذه الوساوس بمثابة النزعات الفردية، وقد لا ترجع إلى أصول عقدية ذات قواعد أو إلى فرق أو نحل، وهذه كانت مصيبتها أسهل، وكان السلف الأوائل لهم منها مواقف قضت على هذه النزعات، كما حدث من بعض المشككين من أمثال صبيغ بن عسل التميمي، وذلك الشاب الذي جاء إلى ابن عباس وكان قد تمادى في الوسوسة في القدر، فجاء به أبوه إلى ابن عباس فأعطاه ابن عباس ﵄ درساً في ذلك حتى رجع واستقام، ومثلما حدث من بعض أهل الذمة، كـ قسطنطين بطريرك النصارى في الشام الذي سلم مفاتيح بيت المقدس لـ عمر، فقد حدثت منه تلك الحادثة بينما كان عمر يخطب بالجابية، فاعترض على القدر وهدده عمر بن الخطاب، وما حدث من بعض الخوارج كذلك، وما حدث من ابن الكوى وأمثاله.
فإن هذه الأمور كانت نزعات فردية لم تكن أصولاً فلسفية، ولا ترجع إلى فرق، فهذه النزعات كانت بمجرد أن تبدو وتظهر يقضى عليها بسرعة وبقوة وبحزم، وتنتهي إما بالقوة وإما بإقناع أصحابها بالدليل والبرهان.
الصنف الثاني: فرق سودت الكتب وظهر كلامها على شكل أصول، وأول ما ظهرت بعد سنة ستين للهجرة، وظهر كلامها على شكل اعتراض مقنن في مسائل القدر، يعني: كان كلامهم في القدر يحمل أصولاً وقواعد مستمدة من أهل الكتاب ومن الصابئة ومن المجوس، وكلهم تتشابه أقوالهم في القدر، وكان أصحاب هذا القول -أي: الفرق القدرية الأولى- عندهم نوع من التقعيد لمقولتهم، وهو تقعيد عقلاني وفلسفي، ولذلك لما ظهروا فتن بهم طوائف من أبناء المسلمين الذين قل فقههم في الدين ثم لما واجههم السلف كانوا مستعدين بالحجج العقلية والفلسفية، وأولهم معبد الجهني، ثم غيلان الدمشقي، ثم بعد ذلك تلقف هذا الاتجاه المعتزلة وصار أصلاً من أصولهم، وسموا بالقدرية فيما بعد.
ثم انتقلت هذه الأصول إلى كثير من الفرق فيما بعد، فدخل القول في القدر إلى الرافضة، ودخل إلى الجهمية، ثم قالت به الفرق الكلامية المتأخرة من الأشاعرة والماتريدية، أي: أنها قالت في بعض مسائل القدر بقول يخالف أصول أهل السنة والجماعة، وإن كانت في الأصول الكبرى في القدر تقول بقول أهل السنة، لكن عندها بعض المسائل التي تخالف فيها أهل السنة، مثل مسألة الاستطاعة ومسألة الحكمة والتعليل لأفعال الله ونحو ذلك، وبعد ذلك صار القول بالقدر أصلاً من أصول كثير من الفرق إلى يومنا هذا.
стр. 644
نصوص في ذم الخوض في القدر والبحث فيه
قال رحمه الله تعالى: [ولذلك أطنب الشيخ في ذم الخوض في الكلام في القدر والفحص عنه.
وعن عائشة ﵂ أنها قالت: قال رسول الله ﷺ : (إن أبغض الرجال إلى الله الألد الخصم).
وقال الإمام أحمد: حدثنا أبو معاوية حدثنا داود بن أبي هند عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ﵁، قال: (خرج رسول الله ﷺ ذات يوم والناس يتكلمون في القدر، قال: فكأنما تفقأ في وجهه حب الرمان من الغضب، قال: فقال: ما لكم تضربون كتاب الله بعضه ببعض؟ بهذا هلك من كان قبلكم.
قال: فما غبطت نفسي بمجلس فيه رسول الله لم أشهده بما غبطت نفسي بذلك المجلس أني لم أشهده).
ورواه ابن ماجة أيضاً.
وقال تعالى: ﴿فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلاقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلاقِهِمْ وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا﴾ [التوبة:٦٩]، الخلاق: النصيب، قال تعالى: ﴿وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ﴾ [البقرة:٢٠٠] أي: استمتعتم بنصيبكم من الدنيا كما استمتع الذين من قبلكم بنصيبهم، وخضتم كالذي خاضوا، أي كالخوض الذي خاضوه أو كالفوج أو الصنف أو الجيل الذي خاضوا].
معنى (الذي خاضوا) أي: الذين خاضوا في الكلام في دين الله بغير علم، وأول ذلك القدر، فكل الأمم -سواء الأمم الكتابية والأمم غير الكتابية- ضلت في القدر، أما الأمم الكتابية فقد ضلت بعد الهدى اليهود والنصارى، وأما الأمم غير الكتابية فمن الطبيعي أنها لم تهتد إلى الحق أصلاً، فقد قررت مسائل القدر بعقولها، فكل الأمم المنحرفة والضالة خاضت في القدر على نحو يختلف ويتناقض، وأخذوا في مسألة القدر مسالك شتى متناقضة ينقض بعضها بعضاً.
فالله في هذه الآية ينهانا وينهى الأمة كلها عن أن تخوض كما خاض الذين سبقوا؛ لأن الخوض في مسائل القدر هو مفتاح الخوض في جميع مسائل الاعتقاد، وما خاض أحد في القدر إلا ضل؛ لأن القدر مبناه على التسليم.
وكذلك سائر أمور الغيب، لكن القدر هو أكثر أمور الغيب إعضالاً، والقدر يستهوي الحديث فيه النفوس، وأكثر الناس يجيد الخصام في القدر؛ لأن إثارة الشكوك فيه تقوم على الألغاز، فمن هنا يستهوي كثيراً من الناس الذين يصابون بمرض الثرثرة والكلام، فالمهم أن الأمم التي ضلت كان من أعظم من أسباب ضلالها الخوض في القدر، وقد نهينا أن نخوض في القدر، وكذلك غير القدر من أمور الغيب الأخرى.
قال رحمه الله تعالى: [وجمع سبحانه بين الاستمتاع بالخلاق وبين الخوض؛ لأن فساد الدين إما في العمل وإما في الاعتقاد، فالأول من جهة الشهوات، والثاني من جهة الشبهات].
стр. 645
مشابهة هذه الأمة لأهل الكتاب في الافتراق وبيان نصيب القدر من ذلك
قال رحمه الله تعالى: [وروى البخاري عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (لتأخذن أمتي مآخذ القرون قبلها شبراً بشبر وذراعاً بذراع، قالوا: فارس والروم؟ قال: فمن الناس إلا أولئك).
وعن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : (ليأتين على أمتي ما أتى على بني إسرائيل حذو النعل بالنعل، حتى إن كان منهم من أتى أمه علانية كان في أمتي من يصنع ذلك، وإن بني إسرائيل تفرقوا على ثنتين وسبعين ملة، وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين ملة، كلهم في النار إلا ملة واحدة، قالوا: من هي يا رسول الله؟ قال: ما أنا عليه وأصحابي).
رواه الترمذي.
وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (تفرقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة أو اثنتين وسبعين فرقة، والنصارى مثل ذلك، وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة)، رواه أبو داود وابن ماجة والترمذي وقال: حديث حسن صحيح.
وعن معاوية بن أبي سفيان ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : (إن أهل الكتابين افترقوا في دينهم على ثنتين وسبعين ملة، وإن هذه الأمة ستفترق على ثلاث وسبعين ملة -يعني: الأهواء- كلها في النار إلا واحدة، وهي الجماعة).
وأكبر المسائل التي وقع فيها الخلاف بين الأمة: مسألة القدر، وقد اتسع الكلام فيها غاية الاتساع].
لذلك كانت كل الفرق التي انحرفت عن السنة والجماعة عندها مخالفة في القدر، بمعنى أنها تتفق على الخروج عن السنة في مسألة القدر إما خروجاً جزئياً وإما خروجاً كلياً، فأولها القدرية الخالصة، وآخرها: أهل الكلام المتأخرين من الأشاعرة والماتريدية، فقد خالفوا السنة في بعض مسائل القدر.
إذاً: الخروج عن السنة والخروج عن الحق في مسألة القدر قاسم مشترك بين جميع أهل الأهواء، فهو من المسائل التي تتفق عليها فرق الضلال وإن تفاوتت أقوالهم، مع أنها قد تختلف في المسائل الأخرى من مسائل الاعتقاد، أي أن بعضها قد يكون له قول صحيح في بعض مسائل الاعتقاد.
стр. 646
دلالات في أحاديث الافتراق
стр. 647
الجزم بحصول الافتراق في الأمة
ثم إن في هذه الأحاديث دلالة على أمور سبق التنويه عليها متفرقة، ولكن تحسن الإشارة إليها الآن، وأقول: إن أحاديث الافتراق دليل قاطع على إن الافتراق لابد واقع في هذه الأمة، وأن وقوعه أمر كتبه الله ، لكن وقوع الافتراق لا يعني ضياع الحق، فقد صح في الأحاديث المتواترة أنه تبقى في هذه الأمة طائفة على الحق ظاهرة ومنصورة إلى قيام الساعة، هذا أمر.
الأمر الآخر: أن وقوع الافتراق لا يعني الرضا به، إذ هو في كتاب الله وفي أحاديث النبي ﷺ جاء على نوعين: جاء على طريق الإخبار وجاء على طريق التحذير من الوقوع في الأهواء، وذلك من باب تنبيه الأمة حتى لا تقع في الأهواء؛ لأن الأهواء لابد واقعة، ولذا فإن وقوع الافتراق يعني أن المسلم لابد له من أن يحذر في كل أموره من أن يقع في الهوى أو أن يزل أو أن يضل أو أن يتبع أحداً في الدين غير أهل السنة والجماعة.
стр. 648
بقاء الافتراق والاختلاف إلى قيام الساعة
ثم إن في هذه الأحاديث أيضاً دلالة على أن الافتراق باق إلى قيام الساعة، وبهذا نرد على الذين يزعمون -وهم كثيرون- من المفكرين والعصرانيين والعقلانيين في هذا العصر الذين ينتسبون إلى الإسلام أن دعوى الافتراق دعوى ليست صحيحة، وأن الأمة كلها على الحق، وأن ما يحدث بينها هو أمور خلافية مما يسع فيه الاجتهاد، وأنه لا يجوز أن ندعي أن الأمة مفترقة أو أنها جماعات ينابذ بعضها بعضاً إلى آخره.
وهذه دعوى -وإن كانت بينة العوار والخطأ- قد أثرت في طائفة من شباب الأمة ومفكريها ومثقفيها، فكان لابد من التنبيه على ذلك، لاسيما أن الذين قالوا بهذه المقولة وزعموا أن هذه الافتراقات ما هي إلا اختلاف في وجهات النظر، وما هي إلا نزاع في أمور اجتهادية بعضهم من المتبوعين الذين يحملون رايات تنتمي إليها جماعات من شباب الأمة، لذا يلزم التنويه بهذه المسألة والتنبيه عليها والتحذير منها.
стр. 649
الفرق المخالفة المتوعدة غير خارجة من الملة
ثم إن هناك أمراً آخر يتعلق بمن ذكرهم النبي ﷺ من المفارقين من الثنتين والسبعين الذين فارقوا السنة والجماعة، فهم أولاً متوعدون بالنار، وهذا صريح الحديث عن النبي ﷺ ، لكن توعدهم بالنار لا يعني بالضرورة أنهم من الخالدين فيها، بل اتفق جمهور السلف على أن الفرق المفترقة التي لا تزال في ضمن المسلمين الأصل فيها أنها من أهل الوعيد، وليست من الكفار الخلص أو من المرتدين، ولذلك كان السلف إذا حكموا على أحد من أهل الأهواء بالردة أو الكفر الصريح أخرجوه من الثنتين والسبعين وقالوا: لا يعد هذا من فرق المسلمين، وهذا يكاد يكون محل اتفاق بينهم، فمثلاً: أغلب السلف لا يعدون غلاة الجهمية من فرق المسلمين، ولا يعدونهم من الثنتين والسبعين، ولا يعدون غلاة الرافضة من الثنتين والسبعين، ولا يعدون الباطنية من الثنتين والسبعين، بل يعدونها من ملل الكفر التي لا تنسب إلى الإسلام وإن انتسبت.
إذاً: ففرق المسلمين الثنتان والسبعون التي خرجت عن السنة والجماعة لاشك في أنها ضالة وأنها مبتدعة، ويجب على المسلم أن يتبرأ من مناهجها ومن أهلها، لكنها ليست داخلة في صنف الكفار الخلص ولا في أهل الخلود في النار، إنما تدخل في أهل الوعيد من هذه الأمة.
أقول هذا؛ لأنه اشتهر عند بعض الباحثين المتأخرين القول بأن الفرق الثنتين والسبعين خارجة من الملة، وأنها مخلدة في النار، وأنها تترتب عليها أحكام الكفار الخلص، وهذا خطأ، ورأيت في هذا الأمر بعض المؤلفات التي ظهرت أخيراً، كما أنه بالعكس ظهرت مؤلفات أخرى تزعم أن الفرق الثنتين والسبعين ليست من الفرق الضالة كلها، إنما هي من الفرق المختلفة في أمور اجتهادية، كالمذاهب الأربعة في الفقه، وهذا كله ضلال، لا هذا ولا ذاك، فالقول الوسط قول أهل السنة والجماعة أن الافتراق واقع، وأن الفرق المفارقة للسنة والجماعة ضالة ومبتدعة وخارجة عن السنة، ويجب على المسلم أن يتبرأ منها ومن عقائدها، لكنها غير خارجة من الملة إلا من خرج منها من الملة، وهي متوعدة بالنار، وحكمها حكم أهل الكبائر، والله أعلم.
стр. 650
قيام مبنى العبودية والإيمان على التسليم وعدم الخوض في تفاصيل الحكمة في الأمر والنهي والشرع
قال رحمه الله تعالى: [وقوله: (فمن سأل: لم فعل؟ فقد رد حكم الكتاب ومن رد حكم الكتاب كان من الكافرين): اعلم أن مبنى العبودية والإيمان بالله وكتبه ورسله على التسليم وعدم الأسئلة عن تفاصيل الحكمة في الأوامر والنواهي والشرائع، ولهذا لم يحك الله سبحانه عن أمة نبي صدقت بنبيها وآمنت بما جاء به أنها سألته عن تفاصيل الحكمة فيما أمرها به ونهاها عنه وبلغها عن ربها، ولو فعلت ذلك لما كانت مؤمنة بنبيها، بل انقادت وسلمت وأذعنت وما عرفت من الحكمة عرفته، وما خفي عنها لم تتوقف في انقيادها وتسليمها على معرفته، ولا جعلت ذلك من شأنها، وكان رسولها أعظم عندها من أن تسأله عن ذلك، كما في الإنجيل: يا بني إسرائيل! لا تقولوا: لم أمر ربنا؟ ولكن قولوا: بم أمر ربنا.
ولهذا كان سلف هذه الأمة التي هي أكمل الأمم عقولاً ومعارف وعلوماً لا تسأل نبيها: لم أمر الله بكذا؟ ولم نهى عن كذا؟ ولم قدر كذا؟ ولم فعل كذا؟ لعلمهم أن ذلك مضاد للإيمان والاستسلام، وأن قدم الإسلام لا تثبت إلا على درجة التسليم، فأول مراتب تعظيم الأمر التصديق به، ثم العزم الجازم على امتثاله، ثم المسارعة إليه والمبادرة به القواطع والموانع، ثم بذل الجهد والنصح في الإتيان به على أكمل الوجوه، ثم فعله لكونه مأموراً به بحيث لا يتوقف الإتيان به على معرفة حكمته، فإن ظهرت له فعله وإلا عطله، فإن هذا ينافي الانقياد ويقدح في الامتثال.
قال القرطبي ناقلاً عن ابن عبد البر: فمن سأل مستفهماً راغباً في العلم ونفي الجهل عن نفسه باحثاً عن معنى يجب الوقوف في الديانة عليه فلا بأس به؛ فشفاء العي السؤال، ومن سأل متعنتاً غير متفقه ولا متعلم فهو الذي لا يحل قليل سؤاله ولا كثيره.
قال ابن العربي: الذي ينبغي للعالم أن يشتغل به هو بسط الأدلة، وإيضاح سبل النظر، وتحصيل مقدمات الاجتهاد، وإعداد الآلة المعينة على الاستمداد، قال: فإذا عرضت نازلة أتيت من بابها ونشدت من مظانها، والله يفتح وجه الصواب فيها.
انتهى.
وقال ﷺ : (من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه)، رواه الترمذي وغيره، ولا شك في تكفير من رد حكم الكتاب، ولكن من تأول حكم الكتاب لشبهة عرضت له بين له الصواب؛ ليرجع إليه، فالله لا يسأل عما يفعل لكمال حكمته ورحمته وعدله، لا لمجرد قهره وقدرته كما يقول جهم وأتباعه، وسيأتي لذلك زيادة بيان عند قول الشيخ: (ولا نكفر أحداً من أهل القبلة بذنب ما لم يستحله): قوله: (فهذا جملة ما يحتاج إليه من هو منور قلبه من أولياء الله تعالى، وهي درجة الراسخين في العلم؛ لأن العلم علمان: علم في الخلق موجود وعلم في الخلق مفقود، فإنكار العلم الموجود كفر، وادعاء العلم المفقود كفر، ولا يثبت الإيمان إلا بقبول العلم الموجود وترك طلب العلم المفقود): الإشارة بقوله: (فهذا) إلى ما تقدم ذكره مما يجب اعتقاده والعمل به مما جاءت به الشريعة، وقوله: (وهي درجة الراسخين في العلم) أي: علم ما جاء به الرسول جملة وتفصيلاً، نفياً وإثباتاً، ويعني بالعلم المفقود: علم القدر الذي طواه الله عن أنامه ونهاهم عن مرامه، ويعني بالعلم الموجود: علم الشريعة أصولها وفروعها، فمن أنكر شيئاً مما جاء به الرسول كان من الكافرين، ومن ادعى علم الغيب كان من الكافرين، قال تعالى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا * إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾ [الجن:٢٦ - ٢٧] الآية.
وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [لقمان:٣٤]، ولا يلزم من خفاء حكمة الله تعالى علينا عدمها ولا انتفاؤها جهلنا حكمته، ألا ترى أن خفاء حكمة الله علينا في خلق الحيات والعقارب والفأر والحشرات التي لا يعلم منها إلا المضرة لم ينف أن يكون الله تعالى خالقاً لها؟! ولا يلزم ألا يكون فيها حكمة خفيت علينا؛ لأن عدم العلم لا يكون علماً بالمعدوم].
стр. 651
أنواع العلم المفقود الذي لا يسع المكلف طلبه
هنا قسم العلم إلى مفقود وموجود، فالمفقود -كما أشار الشارح- يمكن أن يلخص في ثلاثة أمور: أولاً: القدر، فالقدر كله علم لا صلة للبشر به، ولم يتعبدوا بالبحث عنه أبداً، إنما تعبدوا بالتسليم به مطلقاً، ونصوصه محكمة، بمعنى أنه لا سبيل إلى الزيادة عليها ولا النقصان.
الأمر الثاني: الغيبيات عموماً، سواء ما يتعلق بالله بذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله، وما يتعلق بأخبار الغيب الأخرى، وهي التي تسمى بالسمعيات، كأحوال الآخرة وأحوال المستقبل، وعالم الشهادة الذي لا نراه ولا تتناوله حواسنا ومداركنا، فإن هذا كله داخل في العلم المفقود الذي يجب على الإنسان ألا يتطلع إليه، ولا يبحث عنه، وبحثه من التكلف والإثم.
الأمر الثالث: بعض حكم التشريع، فحكم التشريع نوعان: نوع قد يدركه عامة الناس أو يدركه طلاب العلم أو يدركه الراسخون، وبعضه قد لا يدرك إلا بذكاء وفطنة، وبعضه يدرك بالبديهة.
النوع الثاني من حكم التشريع: ما لا يدرك أبداً، فيبقى سراً من أسرار الله وحكمه الخفية.
إذاً: فحكم التشريع ليست كلها خفية، فما يدرك عند الناس هو درجات، وما لا يدرك داخل في العلم المفقود، فليس للإنسان أن يكلف نفسه في البحث عن علل التشريع لا في جزئياتها ولا في كلياتها، نعم يلتمس العلل من باب قوة اليقين ومن باب الاستزادة من الحكمة ومن معرفة نعم الله على عباده، فهذا أمر طيب، لكن لم نتعبد بمعرفة حكم التشريع كلها، بل ليس أصل البحث عن الحكمة مطلوباً شرعاً، لكن الإنسان قد يجد في البحث عن الحكمة أحياناً نوع استزادة من الإيمان أو من تعظيم الله .
النوع الثاني: العلم الموجود، وهو ما كان في متناول الإنسان، كاستنباط الأحكام من الأدلة، فهذا في متناول الإنسان، وقد تعبدنا به شرعاً، ومن الواجبات التي يجب أن تقوم به الأمة، وكذلك سائر الأمور الاجتهادية، سواء في علوم الدين أو في علوم الدنيا، فهذا علم موجود وقد تعبدنا بالبحث عنه، ولا تقوم مصالح العباد إلا به، بل لا تؤدى عبادة الله على الوجه الشرعي السليم إلا به، فهذا العلم الموجود هو الذي أمرنا بطلبه وتعبدنا به، وهو الذي وردت النصوص بفضله وفضل طالبه، خاصة العلم الشرعي.
وأما قول الشارح: [ولا يلزم من خفاء حكمة الله تعالى علينا عدمها ولا انتفاؤها جهلنا حكمته] ففيه اضطراب في الحقيقة، فالمحقق حينما نصب (جهلنا) ربما اجتهد، وقد أخطأ في نظري؛ لأن العبارة مضطربة، ولا نجزم بأن الجهل هو المنفي هنا، ومع ذلك يمكن أن نلتمس للعبارة معاني: المعنى الأول: أن قوله: [ولا انتفاؤها جهلنا حكمته] مرادف لقوله: [ولا يلزم من خفاء حكمة الله تعالى علينا عدمها]؛ أي: أن خفاء الحكمة علينا لا يلزم أنها غير موجودة، فحكمة الله موجودة فعلاً، ومعلومة بالضرورة، سواء علمت أو خفيت، وأظن العبارة الثانية مرادفة لها، فالعبارة الثانية: [ولا انتفاؤها جهلنا حكمته] معناها أننا إذا جهلنا فلا يلزم من جهلنا عدم الحكمة، وهذا مرادف في المعنى للأول.
المعنى الثاني: أن انتفاء قدرتنا على الحكمة لا يعني أننا لا نقدر على شيء منها أبداً، بمعنى أنا قد نقدر على بعضها، إنما لا ندرك كل الحكمة، بل قد ندرك بعض الحكم، والله أعلم.
وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 652
الأسئلة
стр. 653
ثمرة الخلاف في كيفية حصول الميثاق
السؤال
ما هي ثمرة الخلاف في مسألة الميثاق؟ وهل يترتب عليها أحكام عقدية؟
الجواب
الخلاف في العقائد على نوعين: نوع له ثمرة عملية وعلمية، أي: اعتقادية، ونوع ليس له ثمرة عملية، لكن لابد أن يكون له ثمرة اعتقادية، فكل خلاف في العقائد لابد أن يكون له ثمرة عقدية علمية، وقد يكون له ثمرة عملية، فمسألة الميثاق ليس وراءها ثمرة تتعلق بسلوك الناس وأعمالهم في الدنيا، لكنها من أمور العقيدة؛ لأنها تتعلق بالخبر عن الله تعالى وعن رسوله ﷺ ، وقد جاءت الإشارة إلى الميثاق في القرآن وجاء ذكره صراحة في السنة.
إذاً: فهو من أمور الاعتقاد كما صح؛ لأنه من أمور الغيب، ومن هنا نقول: ثمرة الخلاف في مسألة الميثاق هي العلم والاعتقاد.
стр. 654
صور الميثاق عند الشيخ حافظ الحكمي
السؤال
ذكر الشيخ الحكمي في معارج القبول نوعاً ثالثاً من صور الميثاق، وهو إرسال الرسل، فهل هذا يدخل في أنواع الميثاق؟ أم هو مسألة أخرى منفصلة؟
الجواب
الشيخ الحكمي ﵀ ذكر في معارج القبول أنواعاً كثيرة جداً من صور الميثاق في الدنيا، وأشار إلى أن الميثاق له صورتان: صورة تتعلق بوقوعه في الأزل قبل أن تظهر للخلق علامات ودلائل وجود الله ودلائل حكمته وتوحيده، وصورة تكون في الدنيا، وصورة ثالثة تكون في الآخرة.
فالشيخ الحكمي عندما ذكر صور الميثاق في الدنيا ذكر منها أشياء كثيرة، ذكر منها الآيات الكونية كالسموات والأرضين وغيرها، وذكر منها الآيات في الأنفس، وذكر منها آيات الفطرة والدلائل العقلية، وذكر منها الدلائل السمعية، وذكر منها إرسال الرسل والحجة التي قامت بهم على الخلق، وذكر صوراً كثيرة لا تكاد تحصى، بمعنى أن الشيخ ﵀ عدد أنواع الدلائل والبراهين السمعية والعقلية المرئية والمشهودة والمسموعة والمدركة بسائر الحواس، واعتبرها كلها دلائل على الميثاق.
стр. 655
معنى الإيمان بالقدر خيره وشره
السؤال
يقول النبي ﷺ في الإيمان: (وتؤمن بالقدر خيره وشره)، فهل التسليم بالشر كالتسليم بالخير؟
الجواب
التسليم بالشر بمعنى أن الله قدره، وأنه كتبه على العباد، وأنه من ضمن المصائب اللي تحدث على العباد حق، ولابد للمؤمن من أن يؤمن بالقدر خيره وشره، وأن الله قدر الخير والشر، بمعنى: علمه وكتبه وشاءه.
لكن للشر جانبان: جانب من حيث تقديره، وآخر من حيث وقوعه، فالمعاصي والمعايب التي تحدث من العباد يحاسب عليها الإنسان، ومع ذلك يؤمن بها إذا وقعت، والإيمان بها لا يعني إقرارها ولا التسليم بها، ولا يعني أيضاً عدم الإنكار، ولا أن تكون حجة للعبد على ربه، ولا على ترك شرع الله، إنما وقوعها من العبد عيب يلام عليه، وتقديرها من الله حكمة، فالمهم أن المؤمن يؤمن بالقدر خيره وشره، وأن الله قدر الخير والشر.
стр. 656
معنى الاستحسان في الأحكام الفرعية وحكمه
السؤال
عارض الفلاسفة شرع الله بعقولهم، فهل سن الأحكام والاستحسان الذي فعله بعض الأئمة يدخل في ذلك؟
الجواب
إذا كان يقصد بالأئمة أئمة الهدى فقهاء الإسلام المقتدى بهم في الدين فلا، فهؤلاء ما وقعوا في شيء من ذلك، وما قالوه في الاستحسان في الفقه ما خرجوا به عن مقتضى النصوص، ولهم في ذلك أدلة، والاستحسان لا يعني معارضة الشرع بالعقل، وإنما يدخل في الأحكام الاجتهادية المستمدة من النصوص الشرعية.
أما في العقيدة فليس هناك شيء اسمه استحسان في العقائد والأصول والقواعد القطعية، إنما الاستحسان الذي قرره أهل الفقه يدخل في الأحكام الاجتهادية، وينبني على الاستنباط من النصوص، فهم لا يستحسنون شيئاً بدون أن يرتبط بنص، إنما الاستحسان يدخل في الترجيح، ويدخل في الاستنباط من النصوص والتفريع على القواعد الشرعية المبنية على النصوص.
فالعلماء يقررون الأحكام الاجتهادية بأصولها كما ذكرت، والاستحسان لا يعنون به ترك الشرع، إنما الاستحسان وجه من وجوه الترجيح، ولا يعد تقديماً للعقل على الشرع، إنما العقل وسيلة لفهم الشرع ووسيلة لفهم النصوص، ولا يمكن أن يستغنى عن العقل في فهم النصوص الشرعية المتعلقة بالأحكام، بل لا يستغنى عن العقل في فهم نصوص العقيدة، لكن نصوص العقيدة يسلم بها تسليماً وتقر على حقائقها التي تفهما العقول السليمة، أما نصوص الأحكام فيجتهد فيها لاستنباط الأحكام الجزئية المتعددة منها، وعلى هذا فالاستحسان لا يعد تقديماً للعقل، إنما هو وسيلة من وسائل الاجتهاد المبنية على النصوص، ولا يعد ذماً، ولا وجه للمقارنة بين الفلاسفة في تفضيلهم العقل على الشرع وبين الفقهاء الذين جعلوا الاستحسان من وسائل الاستنباط وبيان الأحكام.
стр. 657
توجيه احتجاج علي وفاطمة بكون أنفسهما بيد الله في نومهما عن الصلاة
السؤال
في الحديث الصحيح: (أن الرسول ﷺ دخل على علي وفاطمة وهما نائمان فقال: ألا تصليان؟! فقالا: إن أنفسنا بيد الله، إن شاء أمسكها وإن شاء أطلقها، فتولى الرسول ﷺ وهو يقول -يعني: كالغاضب-: ﴿وَكَانَ الإِنسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا﴾ [الكهف:٥٤])، أو كما قال ﵊، أليس هذا منهما احتجاجاً بالقدر؟ وكيف توجه الحديث؟
الجواب
بالنسبة لـ علي وفاطمة لم يكن قصدهما الاحتجاج بالقدر، لكن قصدا أن هذا الأمر لم يكن عندهما فيه تفكير سابق، بمعنى أنهما ما عزما على القيام، ولو استيقظا لقاما، لكن ما استيقظا، فذلك الأمر بيد الله.
ثانياً: أن النبي ﷺ أنكر عليهما ذلك واعتبره خصومة وجدلاً، لأن علياً وفاطمة في ذلك الوقت ما كانا يجهلان أن ذلك ليس بحجة، وأن المسلم عليه أن يبذل الأسباب ليقوم، فالجواب على الإشكال موجود في الحديث نفسه، وهو النبي ﷺ ما رضي بهذا الجواب، ولا اعتبر التسليم بالقدر حجة على عدم فعل الخيرات والمسابقة إليها.
стр. 658
الموقف من اجتهادات المعتزلة ونحوهم في المسائل الفرعية
السؤال
بعض الطلاب في بعض الكليات ينقلون عن بعض الأساتذة أنه يقول: نحن نأخذ بآراء المعتزلة في الفقه ونوافقهم على ذلك إذا كان ذلك صحيحاً، ولكن لا نوافقهم في العقائد؟
الجواب
هناك قاعدة عامة عند السلف، وهي أن الحق يؤخذ من مصادره من الكتاب والسنة ومن آثار السلف الصالح، وأن هذا الحق قد يوافقه أهل الباطل فيأخذون به، فيؤخذ الحق لا لأنه منهم، لكن لأنه جاء من مصدره الصحيح وهو الكتاب والسنة، فعلى هذا قد يوافق قول أهل السنة قول المعتزلة أو بعض المعتزلة في الأحكام الاجتهادية، ولا يضر ذلك بقول أهل السنة والجماعة، ولا ينبغي أن يؤدي بهم إلى أن يعدلوا عن القول الحق بمجرد أن قاله المعتزلي، هذا أمر.
الأمر الآخر: أنه قد يكون اجتهاد كثير من المعتزلة في الأحكام موافقاً لاجتهاد السلف في مسائل الأحكام في الفقه وأصول الفقه واللغة وغيرها، وموافقتهم لهم لأنهم أخذوا بمصدر صحيح، وهو التلقي عن الكتاب والسنة، وقد يوافقون الحق قدراً، ومع ذلك لا يرد الحق لكونه جاء عن المعتزلة.
إذاً: الصحيح من هذا أنا قد نأخذ بالآراء الصائبة التي جاءت بأدلة صحيحة وإن قال بها المعتزلة، لكن لا نأخذها على أنها عنهم، بل نأخذها على أنها جاءت في الكتاب والسنة.
ثم إن هناك أمراً آخر يجب التنبه له، وهو أنه ما من حق قال به أهل الأهواء إلا وقد سبقهم إليه أهل السنة، وهذه قاعدة، فلا يمكن أن ينفردوا بقول حق، فأهل الأهواء قد يقولون الحق في كثير من الأمور الاجتهادية ويوافقون الحق، فإذا قالوا بالحق ووافقوه فلا يعني أنهم انفردوا به، بل لابد أن يكون موجوداً عند أهل السنة مثله وزيادة.
وهذه قاعدة من تصورها يسلم من مثل هذه الإشكالات، فعلى هذا أظن أن قول هذا الأستاذ صحيح إذا أحسنَّا الظن وأخذنا بالسلامة الأصلية في مشايخنا ومعلمينا، فصحيح أنا قد نوافق القول الحق عند المعتزلة إذا كان قولهم مبنياً على دليل صحيح يوافق ما كان عليه السلف في أمور الأحكام، أما في أمور العقائد فالمعتزلة الأصل فيهم الانحراف والابتداع، ولا تصح موافقة ما هم فيه؛ لأنه مخالفة للحق، إلا في بعض الجزئيات، فإنهم قد يوافقون الحق، وهذا لا يعد اكتشافاً منهم وانفراداً منهم بالحق، إنما هو اتباع اتبعوا به الحق عن قصد أو غير قصد.
стр. 659
ذكر بعض ما يطيب به خاطر المصاب من القول
السؤال
ما هو الذي يصح أن يطيب به خاطر من أصيب ببلاء في بدنه أو ماله ونحو ذلك؟
الجواب
قد نقول لمن أصابه كسر: قد يكون هذا الكسر الذي أصابك مانعاً لك من الموت فيما لو لم تصب به، ولكن لا داعي لهذا التفصيل، بل يمكن أن يطيب خاطر من أصيب ببعض المصائب فيقال له: احمد الله على أنه لم تكن المصيبة أعظم من ذلك، وهذا أمر طيب لا بأس به.
فالإنسان يذكر بنعمة الله أنه لم تكن المصيبة في دينه أولاً، وهذا من أعظم نعم الله على عباده المؤمنين، ألا تكون المصائب في دينهم.
فالإنسان يعزى بأنه مهما بلغت المصائب في بدنه فإن ذلك له فيه أجر، وعليه أن يصبر، وأن ذلك لا يساوي شيئاً لو كانت المصيبة في دينه لا قدر الله.
ثم إن المصائب في البدن تتفاوت، وأعظم مصيبة هي الموت، فما كان دون الموت لا مانع من أن يقال لمن أصيب به: يجب أن تحمد الله على أنك لم تصب بما هو أعظم من ذلك، وهذا مشروع.
وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 660
شرح العقيدة الطحاوية [٥٥]
اللوح والقلم حق ثابت بالكتاب والسنة، فيجب الإيمان بأن الله تعالى كتب بالقلم في اللوح المحفوظ مقادير الخلائق إلى قيام الساعة، وهذه هي المرتبة الثانية من مراتب القدر، فكل شيء مكتوب في اللوح المحفوظ، ولا يعني هذا التوكل على المكتوب سابقاً وترك العمل، بل لابد من العمل والتقوى والخشية لله تعالى، وليعلم العبد بعد ذلك أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه، رفعت الأقلام وجفت الصحف.
стр. 661
الإيمان باللوح والقلم
قال رحمه الله تعالى: [قوله: (ونؤمن باللوح والقلم، وبجميع ما فيه قد رقم): قال تعالى: ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ * فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ [البروج:٢١ - ٢٢].
وروى الحافظ أبو القاسم الطبراني بسنده إلى النبي ﷺ أنه قال: (إن الله خلق لوحاً محفوظاً، من درة بيضاء، صفحاتها ياقوتة حمراء، قلمه نور وكتابه نور، لله فيه كل يوم ستون وثلاثمائة لفظة، وعرضه ما بين السماء والأرض، ينظر فيه كل يوم ستين وثلاثمائة نظرة، يخلق ويرزق ويميت ويحيي ويعز ويذل، ويفعل ما يشاؤه)].
هنا قبل أن نبدأ بالشرح أحب أن أنبه إلى أن الكلام عن اللوح والقلم امتداد للحديث عن القدر، وهو يمثل المرتبة الثانية من مراتب القدر؛ فالمرتبة الأولى هي العلم الكامل المطلق لله ، والمرتبة الثانية هي الكتابة التي وسيلتها القلم، وهناك قلم عام وهو القلم الذي يكتب به في اللوح المحفوظ، وهناك أقلام تعددت تلازم الكتابات، فكل كتابة كتابة فيها أقلام، فالكرام الكاتبون يكتبون بأقلام، والذين يكلفون بالصحف الخاصة لكل إنسان عند نفخ الروح فيه يكتبون بأقلام، والتقدير السنوي الذي يكون ليلة القدر يكتب بأقلام، وهكذا، فهذه الأقلام -والله أعلم- ليست هي القلم الأول الذي يكتب به في اللوح المحفوظ.
فالمهم أن الكتابة هي المرحلة الثانية من مراحل القدر.
قال رحمه الله تعالى: [اللوح المذكور هو الذي كتب الله مقادير الخلائق فيه، والقلم المذكور هو الذي خلقه الله وكتب به في اللوح المذكور المقادير، كما في سنن أبي داود عن عبادة بن الصامت قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إن أول ما خلق الله القلم، فقال له: اكتب، قال: يا رب! وماذا أكتب؟ قال: اكتب مقادير كل شيء حتى تقوم الساعة)].
стр. 662
ذكر الخلاف في القلم والعرش أيهما خلق أولاً
قال رحمه الله تعالى: [واختلف العلماء: هل القلم أول المخلوقات أو العرش؟ على قولين، ذكرهما الحافظ أبو العلاء الهمذاني، أصحهما: أن العرش قبل القلم؛ لما ثبت في الصحيح من حديث عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله ﷺ : (كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، وعرشه على الماء).
فهذا صريح أن التقدير وقع بعد خلق العرش، والتقدير وقع عند أول خلق القلم؛ لحديث عبادة هذا.
ولا يخلو قوله: (أول ما خلق الله القلم) إما أن يكون جملة أو جملتين، فإن كان جملة -وهو الصحيح- كان معناه: أنه عند أول خلقه قال له: (اكتب)، كما في اللفظ: (أولَّ ما خلق الله القلمَ قال له: اكتب) بنصب (أول) و (القلم)، وإن كان جملتين، وهو مروي برفع (أول) و (القلم) فيتعين حمله على أنه أول المخلوقات من هذا العالم، فيتفق الحديثان؛ إذ حديث عبد الله بن عمرو صريح في أن العرش سابق على التقدير، والتقدير مقارن لخلق القلم، وفي اللفظ الآخر: (لما خلق الله القلم قال له: اكتب)].
стр. 663
أنواع الأقلام
قال رحمه الله تعالى: [فهذا القلم أول الأقلام وأفضلها وأجلها، وقد قال غير واحد من أهل التفسير: إنه القلم الذي أقسم الله به في قوله تعالى: ﴿ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ﴾ [القلم:١].
والقلم الثاني: قلم الوحي: وهو الذي يكتب به وحي الله إلى أنبيائه ورسله، وأصحاب هذا القلم هم الحكام على العالم].
هذه العبارة فيها نظر، وأظن أن التعبير فيه نوع من التجوز، فكون أصحاب هذا القلم هم الحكام على العالم بهذا التعبير فيه نوع من القرب من مصطلحات الصوفية والباطنية الذين يزعمون أن هناك من يدبر الكون مع الله، وكذلك الفلاسفة الذين ينسبون تدبير الكون إلى بعض الأجرام السماوية أو الأرواح أو الملائكة، أو غير ذلك من القوى أو العقول، فجملة (أصحاب هذا القلم هم الحكام على العالم) ينبغي أن تحرر بأحسن من هذه العبارة.
قال رحمه الله تعالى: [والأقلام كلها خدم لأقلامهم، وقد رفع النبي ﷺ ليلة أسري به إلى مستوى يسمع فيه صريف الأقلام، فهذه الأقلام هي التي تكتب ما يوحيه الله ﵎ من الأمور التي يدبر بها أمر العالم العلوي والسفلي].
هذا المقطع يتعلق بالقدر بعد الحديث عن اللوح والقلم، واللوح والقلم هما من وسائل الكتابة، والكتابة هي المرحلة الثانية من مراحل القدر.
وبعد الحديث عن اللوح والقلم ذكر الطحاوي ﵀ بعض أمور القدر، وهي عموم الخلق وعموم مشيئة الله ، وأن الخلق لا يستطيعون أمراً قدره الله إلا ما أقدرهم عليه ومكنهم منه.
стр. 664
العمل فيما جفت به الأقلام وجرت به المقادير وذكر أنواع الأقلام ومراحل الكتابة
قال رحمه الله تعالى: [قوله: (فلو اجتمع الخلق كلهم على شيء كتبه الله تعالى أنه كائن ليجعلوه غير كائن لم يقدروا عليه، ولو اجتمعوا كلهم على شيء كتبه الله تعالى فيه أنه غير كائن ليجعلوه كائناً لم يقدروا عليه، جف القلم بما هو كائن إلى يوم القيامة)].
من المعلوم أنه يقصد بذلك ما لم يقدرهم الله عليه، فإن العباد جعل الله لهم شيئاً من القدرة في حدود معينة لا يتعدونها، وما يقدرون عليه لا يخرج عن تقدير الله ، وما يفعلونه لا يخرج عما كتبه الله وسطره في اللوح والقلم.
فقصده: أنه لو اجتمع الخلق كلهم على شيء كتبه الله أنه كائن ليخالفوا ما قدره الله ما استطاعوا، لكن ما قدر الله أن يفعلوه فعلوه، وما قدر الله لهم أن يختاروه يكون اختيارهم على ضوء ما اختاره الله لهم، بمعنى: أن لهم إرادة ولهم قدرة، لكنها محدودة ولا تخرج عما قدره الله وأراده.
قال رحمه الله تعالى: [تقدم حديث جابر عن رسول الله ﷺ قال: (جاء سراقة بن مالك بن جعشم فقال: يا رسول الله! بين لنا ديننا كأنا خلقنا الآن، فيم العمل اليوم، أفيما جفت به الأقلام وجرت به المقادير، أم فيما استقبل؟ قال: لا، بل فيما جفت به الأقلام وجرت به المقادير).
وعن ابن عباس ﵄ قال: (كنت خلف النبي ﷺ يوماً، فقال: يا غلام! ألا أعلمك كلمات؟ احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، وإن اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف) رواه الترمذي، وقال: حديث حسن صحيح.
وفي رواية غير الترمذي: (احفظ الله تجده أمامك، تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة، واعلم أن ما أخطأك لم يكن ليصيبك، وما أصابك لم يكن ليخطئك، واعلم أن النصر مع الصبر، وأن الفرج مع الكرب، وأن مع العسر يسراً).
وقد جاءت الأقلام في هذه الأحاديث وغيرها مجموعة، فدل ذلك على أن للمقادير أقلاماً غير القلم الأول الذي تقدم ذكره مع اللوح المحفوظ.
والذي دلت عليه السنة أن الأقلام أربعة، وهذا التقسيم غير التقسيم المقدم ذكره: القلم الأول: العام الشامل لجميع المخلوقات، وهو الذي تقدم ذكره مع اللوح.
القلم الثاني: حين خلق آدم ﵇، وهو قلم عام أيضاً، لكن لبني آدم، ورد في هذا آيات تدل على أن الله قدر أعمال بني آدم وأرزاقهم وآجالهم وسعادتهم عقيب خلق أبيهم.
القلم الثالث: حين يرسل الملك إلى الجنين في بطن أمه، فينفخ فيه الروح، ويؤمر بأربع كلمات: يكتب رزقه، وأجله، وعمله، وشقي أو سعيد، كما ورد ذلك في الأحاديث الصحيحة.
القلم الرابع: الموضوع على العبد عند بلوغه، الذي بأيدي الكرام الكاتبين، الذين يكتبون ما يفعله بنو آدم، كما ورد ذلك في الكتاب والسنة].
ويتصل بالحديث عن الأقلام الحديث عن الكتابة، فكما أن الأقلام أربعة، فكذلك مراحل الكتابة أربع: الأولى: الكتابة العامة، وهي الكتابة بالقلم العام في اللوح المحفوظ.
والكتابة الثانية: الكتابة التي قدرها الله وكتبها حين خلق آدم بالقلم الثاني.
والكتابة الثالثة: هي التي يكتب بها الملك ما يقدره الله على كل إنسان حينما تنفخ روحه.
والكتابة الرابعة: الكتابة التي تلازم المكلف منذ بلوغه إلى أن يتوفاه الله ، فعلى هذا تصحب مراحل الكتابة الأقلام، وهناك أمور وسيطة بين هذه المراحل لا شك أنها داخلة في المقادير الأربعة، وداخلة في الأقلام الأربعة وفي مراحل الكتابة الأربع، مثل التقدير السنوي الذي يكون في ليلة القدر.
стр. 665
ما تقتضيه معرفة العبد أن كل شيء بيد الله من إفراد ربه بالخشية والتقوى
قال رحمه الله تعالى: [وإذا علم العبد أن كلاً من عند الله، فالواجب إفراده سبحانه بالخشية والتقوى، قال تعالى: ﴿فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ﴾ [المائدة:٤٤]، ﴿وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾ [البقرة:٤٠]، ﴿وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ﴾ [البقرة:٤١]، ﴿وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ [النور:٥٢]، ﴿وَمَا يَذْكُرُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ﴾ [المدثر:٥٦]، ونظائر هذا المعنى في القرآن كثيرة، ولابد لكل عبد أن يتقي أشياء؛ فإنه لا يعيش وحده، ولو كان ملكاً مطاعاً فلابد أن يتقي أشياء يراعي بها رعيته، فحينئذ فلابد لكل إنسان أن يتقي، فإن لم يتق الله اتقى المخلوق، والخلق لا يتفق حبهم كلهم وبغضهم].
يعني: لا تتفق رغباتهم، فلو أراد إنسان مثلاً أن يرضي الخلق لم يستطع لكنه أمر أن يرضي الله سبحانه، أما الخلق فإنه لا يستطيع أحد أن يرضيهم؛ لأن رغباتهم تتفاوت، بل تتعارض، فإرضاء الناس كلهم لا يمكن، فالناس لا يتفقون على حب شيء ولا على بغض شيء.
قال رحمه الله تعالى: [بل الذي يريده هذا يبغضه هذا، فلا يمكن إرضاؤهم كلهم، كما قال الشافعي ﵁: رضا الناس غاية لا تدرك، فعليك بالأمر الذي يصلحك فالزمه، ودع ما سواه فلا تعانه.
فإرضاء الخلق لا مقدور ولا مأمور، وإرضاء الخالق مقدور ومأمور].
هذه قاعدة عظيمة، فإرضاء الخلق لا يقدر عليه ولم يأمر الله به، وكونه لا يقدر عليه، بمعنى: لا يمكن لأحد أن يرضي جميع الناس، فهذا يستحيل، كما أن الله لم يأمر بذلك، ومع ذلك فإن هناك من العباد من يسعى إلى إرضاء المخلوقين ولن يستطيع، ولا يسعى إلى إرضاء الله ولا يمتثل أمر الله، في حين أن العكس هو الصحيح؛ وهو أن رضى الله ممكن بطاعته سبحانه وبتقواه، كما أنه مأمور به، فالعاقل من أدرك هذا وعمل به، نسأل الله التوفيق والسداد للجميع.
قال رحمه الله تعالى: [وأيضاً: فالمخلوق لا يغني عنه من الله شيئاً، فإذا اتقى العبد ربه كفاه مئونة الناس، كما كتبت عائشة إلى معاوية ﵄ مرفوعاً -وروي موقوفاً عليها-: (من أرضى الله بسخط الناس ﵁ وأرضى عنه الناس، ومن أرضى الناس بسخط الله عاد حامده من الناس له ذاماً).
فمن أرضى الله كفاه مئونة الناس ورضي عنه، ثم فيما بعد يرضون؛ إذ العاقبة للتقوى، ويحبه الله فيحبه الناس، كما في الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال: (إذا أحب الله العبد نادى: يا جبريل! إني أحب فلاناً فأحبه، فيحبه جبريل، ثم ينادي جبريل في السماء: إن الله يحب فلاناً فأحبوه، فيحبه أهل السماء، ثم يوضع له القبول في الأرض)، وقال في البغض مثل ذلك.
فقد بين أنه لابد لكل مخلوق من أن يتقي: إما المخلوق وإما الخالق، وتقوى المخلوق ضررها راجح على نفعها من وجوه كثيرة، وتقوى الله هي التي يحصل بها سعادة الدنيا والآخرة، فهو سبحانه أهل للتقوى، وهو أيضاً أهل للمغفرة، فإنه هو الذي يغفر الذنوب، لا يقدر مخلوق على أن يغفر الذنوب ويجير من عذابها غيره، وهو الذي يجير ولا يجار عليه، قال بعض السلف: ما احتاج تقي قط؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق:٢ - ٣]، فقد ضمن الله للمتقين أن يجعل لهم مخرجاً مما يضيق على الناس، وأن يرزقهم من حيث لا يحتسبون، فإذا لم يحصل ذلك دل على أن في التقوى خللاً، فليستغفر الله وليتب إليه، ثم قال تعالى: ﴿وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا﴾ [الطلاق:٣]، أي: فهو كافيه لا محوجه إلى غيره].
стр. 666
التوكل على مقدر الأمور لا ينافي الاكتساب وتعاطي الأسباب
قال رحمه الله تعالى: [وقد ظن بعض الناس أن التوكل ينافي الاكتساب وتعاطي الأسباب].
يشير بهذا إلى طوائف من العباد والنساك الأوائل، ثم إلى أكثر الصوفية الطرقية في العصور المتأخرة، فإن منهم من يزعم -بل أكثرهم يزعم- أن التوكل ينافي فعل الأسباب، بمعنى: أن الإنسان إذا سعى وحرص على فعل الأسباب نقص توكله، وأن مقتضى التوكل أن يستسلم الإنسان للكسل والخمول ويقعد، وأنه سيأتيه رزقه، نعم قد يأتيه رزقه، لكن بمنة الناس، فالله قد كفل الرزق، لكن لا يعني ذلك أن الله تعبدنا بترك الأسباب، بل العكس هو الصحيح في كل شيء، ليس فقط فيما يتعلق بتحصيل الرزق وبتحصيل العيش، بل في كل الأسباب التي تهم الناس في دينهم ودنياهم، فالعلم لا يمكن تحصيله إلا بالجهد وبالصبر وببذل الأسباب، والعيش لا يمكن تحصيله على وجه تقوم به أحوال الأمة وشئونها إلا ببذل الأسباب، بل تحقيق ما أمر الله به من إقامة الفرائض والسنن والنوافل وغيرها لا يمكن أن يتأتى للإنسان إلا بالجهد وبذل الأسباب.
إذاً: لابد للعبد أن يجمع بين التوكل على الله وبذل الأسباب، وأن يعلم أن من مقتضى التوكل -بل من لوازم التوكل- أن يبذل الإنسان الأسباب المأمور بها شرعاً، لكن لا يجعل الأسباب هي المراد عنده وهي الغاية، ولا يتعلق قلبه بالأسباب، إنما يتعلق قلبه بالله الذي أمر بفعل الأسباب، من هنا يكتمل إيمانه ويسدد ويوفق.
قال رحمه الله تعالى: [وقد ظن بعض الناس أن التوكل ينافي الاكتساب وتعاطي الأسباب، وأن الأمور إذا كانت مقدرة فلا حاجة إلى الأسباب! وهذا فاسد، فإن الاكتساب منه فرض، ومنه مستحب، ومنه مباح، ومنه مكروه، ومنه حرام، كما قد عرف في موضعه.
وقد كان النبي ﷺ أفضل المتوكلين؛ يلبس لأمة الحرب، ويمشي في الأسواق للاكتساب، حتى قال الكافرون: ﴿مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الأَسْوَاقِ﴾ [الفرقان:٧]، ولهذا تجد كثيراً ممن يرى الاكتساب ينافي التوكل يرزقون على يد من يعطيهم، إما صدقة، وإما هدية، وقد يكون ذلك من مكاس، أو والي شرطة أو نحو ذلك، وهذا مبسوط في موضعه، لا يسعه هذا المختصر.
وقد تقدمت الإشارة إلى بعض الأقوال التي في تفسير قوله تعالى: ﴿يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ [الرعد:٣٩].
وأما قوله تعالى: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ [الرحمن:٢٩] قال البغوي: قال مقاتل: نزلت في اليهود حين قالوا: إن الله لا يقضي يوم السبت شيئاً.
قال المفسرون: من شأنه أنه يحيي ويميت ويرزق، ويعز قوماً ويذل آخرين، ويشفي مريضاً، ويفك عانياً، ويفرج مكروباً، ويجيب داعياً، ويعطي سائلاً، ويغفر ذنباً إلى ما لا يحصى من أفعاله وإحداثه في خلقه ما يشاء].
стр. 667
لزوم التسليم بما يقع من الأقدار لا ينافي الأخذ بأسباب طلب النافع منها وتفادي ما سواه
قال رحمه الله تعالى: [قوله: (وما أخطأ العبد لم يكن ليصيبه، وما أصابه لم يكن ليخطئه).
هذا بناء على ما تقدم من أن المقدور كائن لا محالة، ولقد أحسن القائل: ما قضى الله كائن لا محالة والشقي الجهول من لام حاله والقائل الآخر: اقنع بما ترزق يا ذا الفتى فليس ينسى ربنا نملة إن أقبل الدهر فقم قائماً وإن تولى مدبراً نم له].
يقصد بقوله: (وما أخطأ العبد لم يكن ليصيبه، وما أصابه لم يكن ليخطئه) التسليم لأقدار الله بعد وقوعها، لكن لا يعني ذلك عدم الأخذ بأسباب تفادي الأقدار، فإن الأقدار منها ما هو سار ونافع، فيجب على العباد أن يبذلوا الأسباب للحصول على السار النافع وعلى أقدار الخير، ومنها ما هو ضار وشر، فيجب على العباد أن يسعوا إلى بذل الأسباب التي تمنع من الضرر والشر قبل وقوعه، بمعنى أنه لا يشرع للإنسان أن يسلم للأمر قبل وقوعه فيترك بذل الأسباب، بل لابد من بذل الأسباب، فإذا وقعت المقادير بعد بذل الأسباب فلابد من التسليم، فإذا وقعت المقادير على ما يحب العبد؛ فليحمد الله على ذلك وليشكره، وإذا وقعت على غير ما يحب العبد؛ فليعلم أن ذلك من حكمة الله وتقديره وخيرته التي اختارها للعبد، وليسلم بهذا، وأن ما أصابه من هذه المقادير لم يكن ليخطئه ما دام قد حصل، فلا يقول: لو أني فعلت كذا لتفاديت هذا السبب أو هذه المصيبة أو هذا الحدث، أو لو أني لم أفعل كذا لحصل كذا، فلا داعي للتحسر على أمر مضى، فإذا وقع المقدور فلا يجوز للإنسان ولا ينبغي له أن يتحسر وأن يندم على أمر لم يفرط فيه، أما إن فرط فليندم على التفريط فقط، وليستأنف تفادي ما حصل في الماضي في الأمور المستقبلة، أما الأمور الماضية فإن ما أخطأ العبد فيها لم يكن ليصيبه ما دام قد أخطأه، وكذلك ما أصابه لم يكن ليخطئه مهما بذل من الأسباب ما دام قد حدث.
إذاً: على العبد أن يسلم بالماضي وأن يسعى في المستقبل إلى ما يصلح أموره في دينه ودنياه على أمر الله وشرعه وعلى هدي رسوله ﷺ ، فيبذل الأسباب ولا يقعد عنها، وبعد ذلك يعتمد على الله ويتوكل عليه.
стр. 668
شرح العقيدة الطحاوية [٥٦]
من مراتب القدر الإيمان بعلم الله تعالى الأزلي السابق لجميع المخلوقات، فهو سبحانه قد علم ما كان وما سيكون إلى قيام الساعة علماً دقيقاً تفصيلياً، ثم كتب ذلك في اللوح المحفوظ، ثم شاء وقدر مقادير الخلائق، ثم خلقهم على ما علم وقدر سبحانه، فتقديره سبحانه مطابق لعلمه الأزلي بكل شيء، ولم ينكر العلم الأزلي إلا غلاة المعتزلة والقدرية، وقالوا بأن الله لم يخلق أفعال العباد، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً.
стр. 669
علم الله تعالى وتقديره سابقان لكل المخلوقات
قال رحمه الله تعالى: [قوله: (وعلى العبد أن يعلم أن الله قد سبق علمه في كل كائن من خلقه، فقدر ذلك تقديراً محكماً مبرماً ليس فيه ناقض ولا معقب ولا مزيل ولا مغير ولا محول ولا ناقص ولا زائد من خلقه في سماواته وأرضه)].
في هذه الفقرة أراد الشارح والمؤلف رحمهما الله تعالى أن يقررا أن علم الله سابق لكل شيء، وأن علم الله سابق يشمل جميع أفعال العباد، وكذلك التقدير، فالعلم والتقدير في كل ما يحدث في هذا الكون سابقان من الله ، فلا يحدث إلا ما علمه الله ، ولا يحدث إلا ما قدره الله .
وأراد بهذه الفقرة أن يرد على شبهة القائلين بأن أفعال البشر كلها أو بعضها ليست مقدورة لله ولا معلومة له إلا بعد حدوثها.
وقال: [وأنكر غلاة المعتزلة أن الله كان عالماً في الأزل] فالإشارة إلى غلاة المعتزلة، يعني: أنه ليس كل المعتزلة يقولون ذلك، وهذا صحيح، فغلاتهم ينكرون علم الله في الأزل، يعني: علم الله السابق مطلقاً، ويقولون: إن الله تعالى لا يعلم أفعال العباد حتى يفعلوها، وبعضهم يقول بأن الله لا يعلم أفعال الشر من العباد حتى يفعلوها، إنما يعلم أفعال الخير ويقدرها، وبعضهم يثبت العلم، لكنه ينكر التقدير، يقول بأن الله علم ما سيفعله العباد، لكنه لم يقدره، وكذلك اختلافهم في التقدير كاختلافهم في العلم؛ فمنهم من ينفي تقدير أفعال العباد مطلقاً من قبل الله ، ومنهم من ينفي تقدير أفعال الشر فقط.
وهؤلاء كلهم الرد عليهم واحد، ويتلخص في قول الشافعي: ناظروا القدرية بالعلم، يعني: خذوهم في مسألة الإقرار بالعلم، يعني: سلوهم عن العلم، أي: علم الله ، فإن أقروا به، أي: أقروا بأن الله عالم بكل شيء خصموا، بمعنى: انقطعت حجتهم، فلا يعقل أن الله يعلم شيئاً ولا يقدره، وإن أنكروا العلم كفروا؛ لأن من أنكر العلم ادعى أنه يقع في ملك الله ما لا يعلمه الله، وهذا لا يعقل ولا يليق ولا يمكن، بل يستحيل أن يقع في ملك الله -وهو المدبر الحي القيوم الذي لا تخفى عليه خافية- ما لا يعلمه.
إذاً: فهم بهذا يخصمون على الوجهين.
стр. 670
الرد على شبهة قدرة العبد على تغيير علم الله بفعله ما لا يريده الله شرعاً
ثم عرض الشارح لشبهة قالها بعض المتحذلقة، وهو قولهم: فيلزم أن يكون العبد قادراً على تغيير علم الله، بمعنى: أنه إذا كان الإنسان يمكن أن يفعل ما لا يريده الله شرعاً فهذا يعني أن العبد قادر على تغيير علم الله، فكأنهم يزعمون أن الله لا يدري هل يفعل هذا أو ذاك، فإذا فعل ما لا يريده الله -أي: لم يشرعه الله- تجدد لله علم بأن هذا العبد فعل الشر الذي لا يريده الله منه! وذلك كله ناتج عن قصور فهمهم للقدر.
فيقال لهم: هذه مغالطة؛ لأن مجرد قدرة العبد على الفعل لا تستلزم تغير العلم وتغييره بالنسبة لله ، فكون الله أقدر العباد على الفعل والترك لا يعني أنه بفعلهم أو تركهم يتجدد له شيء، فالله سبحانه كما أنه أقدر العبد على أن يفعل وأقدره على أن يترك هو عالم بأنه سيفعل أو سيترك، فإن فعل العبد ما يأمر الله به فإن الله عالم سلفاً بأن العبد سيفعله، وإذا لم يفعل العبد ما يأمره الله به؛ فإن الله عالم سلفاً بأن العبد لن يفعل ذلك، ومن هنا كان التقدير السابق في الشقاوة والسعادة مبنياً على علم الله السابق وحكمته ومشيئته.
إذاً: مجرد قدرة العباد على الفعل أو على الترك لا يلزم منها أن يتغير لله علم.
следующие страницы →