Полный текст (1 296 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.
стр. 666
التوكل على مقدر الأمور لا ينافي الاكتساب وتعاطي الأسباب
قال رحمه الله تعالى: [وقد ظن بعض الناس أن التوكل ينافي الاكتساب وتعاطي الأسباب].
يشير بهذا إلى طوائف من العباد والنساك الأوائل، ثم إلى أكثر الصوفية الطرقية في العصور المتأخرة، فإن منهم من يزعم -بل أكثرهم يزعم- أن التوكل ينافي فعل الأسباب، بمعنى: أن الإنسان إذا سعى وحرص على فعل الأسباب نقص توكله، وأن مقتضى التوكل أن يستسلم الإنسان للكسل والخمول ويقعد، وأنه سيأتيه رزقه، نعم قد يأتيه رزقه، لكن بمنة الناس، فالله قد كفل الرزق، لكن لا يعني ذلك أن الله تعبدنا بترك الأسباب، بل العكس هو الصحيح في كل شيء، ليس فقط فيما يتعلق بتحصيل الرزق وبتحصيل العيش، بل في كل الأسباب التي تهم الناس في دينهم ودنياهم، فالعلم لا يمكن تحصيله إلا بالجهد وبالصبر وببذل الأسباب، والعيش لا يمكن تحصيله على وجه تقوم به أحوال الأمة وشئونها إلا ببذل الأسباب، بل تحقيق ما أمر الله به من إقامة الفرائض والسنن والنوافل وغيرها لا يمكن أن يتأتى للإنسان إلا بالجهد وبذل الأسباب.
إذاً: لابد للعبد أن يجمع بين التوكل على الله وبذل الأسباب، وأن يعلم أن من مقتضى التوكل -بل من لوازم التوكل- أن يبذل الإنسان الأسباب المأمور بها شرعاً، لكن لا يجعل الأسباب هي المراد عنده وهي الغاية، ولا يتعلق قلبه بالأسباب، إنما يتعلق قلبه بالله الذي أمر بفعل الأسباب، من هنا يكتمل إيمانه ويسدد ويوفق.
قال رحمه الله تعالى: [وقد ظن بعض الناس أن التوكل ينافي الاكتساب وتعاطي الأسباب، وأن الأمور إذا كانت مقدرة فلا حاجة إلى الأسباب! وهذا فاسد، فإن الاكتساب منه فرض، ومنه مستحب، ومنه مباح، ومنه مكروه، ومنه حرام، كما قد عرف في موضعه.
وقد كان النبي ﷺ أفضل المتوكلين؛ يلبس لأمة الحرب، ويمشي في الأسواق للاكتساب، حتى قال الكافرون: ﴿مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الأَسْوَاقِ﴾ [الفرقان:٧]، ولهذا تجد كثيراً ممن يرى الاكتساب ينافي التوكل يرزقون على يد من يعطيهم، إما صدقة، وإما هدية، وقد يكون ذلك من مكاس، أو والي شرطة أو نحو ذلك، وهذا مبسوط في موضعه، لا يسعه هذا المختصر.
وقد تقدمت الإشارة إلى بعض الأقوال التي في تفسير قوله تعالى: ﴿يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ [الرعد:٣٩].
وأما قوله تعالى: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ [الرحمن:٢٩] قال البغوي: قال مقاتل: نزلت في اليهود حين قالوا: إن الله لا يقضي يوم السبت شيئاً.
قال المفسرون: من شأنه أنه يحيي ويميت ويرزق، ويعز قوماً ويذل آخرين، ويشفي مريضاً، ويفك عانياً، ويفرج مكروباً، ويجيب داعياً، ويعطي سائلاً، ويغفر ذنباً إلى ما لا يحصى من أفعاله وإحداثه في خلقه ما يشاء].
стр. 667
لزوم التسليم بما يقع من الأقدار لا ينافي الأخذ بأسباب طلب النافع منها وتفادي ما سواه
قال رحمه الله تعالى: [قوله: (وما أخطأ العبد لم يكن ليصيبه، وما أصابه لم يكن ليخطئه).
هذا بناء على ما تقدم من أن المقدور كائن لا محالة، ولقد أحسن القائل: ما قضى الله كائن لا محالة والشقي الجهول من لام حاله والقائل الآخر: اقنع بما ترزق يا ذا الفتى فليس ينسى ربنا نملة إن أقبل الدهر فقم قائماً وإن تولى مدبراً نم له].
يقصد بقوله: (وما أخطأ العبد لم يكن ليصيبه، وما أصابه لم يكن ليخطئه) التسليم لأقدار الله بعد وقوعها، لكن لا يعني ذلك عدم الأخذ بأسباب تفادي الأقدار، فإن الأقدار منها ما هو سار ونافع، فيجب على العباد أن يبذلوا الأسباب للحصول على السار النافع وعلى أقدار الخير، ومنها ما هو ضار وشر، فيجب على العباد أن يسعوا إلى بذل الأسباب التي تمنع من الضرر والشر قبل وقوعه، بمعنى أنه لا يشرع للإنسان أن يسلم للأمر قبل وقوعه فيترك بذل الأسباب، بل لابد من بذل الأسباب، فإذا وقعت المقادير بعد بذل الأسباب فلابد من التسليم، فإذا وقعت المقادير على ما يحب العبد؛ فليحمد الله على ذلك وليشكره، وإذا وقعت على غير ما يحب العبد؛ فليعلم أن ذلك من حكمة الله وتقديره وخيرته التي اختارها للعبد، وليسلم بهذا، وأن ما أصابه من هذه المقادير لم يكن ليخطئه ما دام قد حصل، فلا يقول: لو أني فعلت كذا لتفاديت هذا السبب أو هذه المصيبة أو هذا الحدث، أو لو أني لم أفعل كذا لحصل كذا، فلا داعي للتحسر على أمر مضى، فإذا وقع المقدور فلا يجوز للإنسان ولا ينبغي له أن يتحسر وأن يندم على أمر لم يفرط فيه، أما إن فرط فليندم على التفريط فقط، وليستأنف تفادي ما حصل في الماضي في الأمور المستقبلة، أما الأمور الماضية فإن ما أخطأ العبد فيها لم يكن ليصيبه ما دام قد أخطأه، وكذلك ما أصابه لم يكن ليخطئه مهما بذل من الأسباب ما دام قد حدث.
إذاً: على العبد أن يسلم بالماضي وأن يسعى في المستقبل إلى ما يصلح أموره في دينه ودنياه على أمر الله وشرعه وعلى هدي رسوله ﷺ ، فيبذل الأسباب ولا يقعد عنها، وبعد ذلك يعتمد على الله ويتوكل عليه.
стр. 668
شرح العقيدة الطحاوية [٥٦]
من مراتب القدر الإيمان بعلم الله تعالى الأزلي السابق لجميع المخلوقات، فهو سبحانه قد علم ما كان وما سيكون إلى قيام الساعة علماً دقيقاً تفصيلياً، ثم كتب ذلك في اللوح المحفوظ، ثم شاء وقدر مقادير الخلائق، ثم خلقهم على ما علم وقدر سبحانه، فتقديره سبحانه مطابق لعلمه الأزلي بكل شيء، ولم ينكر العلم الأزلي إلا غلاة المعتزلة والقدرية، وقالوا بأن الله لم يخلق أفعال العباد، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً.
стр. 669
علم الله تعالى وتقديره سابقان لكل المخلوقات
قال رحمه الله تعالى: [قوله: (وعلى العبد أن يعلم أن الله قد سبق علمه في كل كائن من خلقه، فقدر ذلك تقديراً محكماً مبرماً ليس فيه ناقض ولا معقب ولا مزيل ولا مغير ولا محول ولا ناقص ولا زائد من خلقه في سماواته وأرضه)].
في هذه الفقرة أراد الشارح والمؤلف رحمهما الله تعالى أن يقررا أن علم الله سابق لكل شيء، وأن علم الله سابق يشمل جميع أفعال العباد، وكذلك التقدير، فالعلم والتقدير في كل ما يحدث في هذا الكون سابقان من الله ، فلا يحدث إلا ما علمه الله ، ولا يحدث إلا ما قدره الله .
وأراد بهذه الفقرة أن يرد على شبهة القائلين بأن أفعال البشر كلها أو بعضها ليست مقدورة لله ولا معلومة له إلا بعد حدوثها.
وقال: [وأنكر غلاة المعتزلة أن الله كان عالماً في الأزل] فالإشارة إلى غلاة المعتزلة، يعني: أنه ليس كل المعتزلة يقولون ذلك، وهذا صحيح، فغلاتهم ينكرون علم الله في الأزل، يعني: علم الله السابق مطلقاً، ويقولون: إن الله تعالى لا يعلم أفعال العباد حتى يفعلوها، وبعضهم يقول بأن الله لا يعلم أفعال الشر من العباد حتى يفعلوها، إنما يعلم أفعال الخير ويقدرها، وبعضهم يثبت العلم، لكنه ينكر التقدير، يقول بأن الله علم ما سيفعله العباد، لكنه لم يقدره، وكذلك اختلافهم في التقدير كاختلافهم في العلم؛ فمنهم من ينفي تقدير أفعال العباد مطلقاً من قبل الله ، ومنهم من ينفي تقدير أفعال الشر فقط.
وهؤلاء كلهم الرد عليهم واحد، ويتلخص في قول الشافعي: ناظروا القدرية بالعلم، يعني: خذوهم في مسألة الإقرار بالعلم، يعني: سلوهم عن العلم، أي: علم الله ، فإن أقروا به، أي: أقروا بأن الله عالم بكل شيء خصموا، بمعنى: انقطعت حجتهم، فلا يعقل أن الله يعلم شيئاً ولا يقدره، وإن أنكروا العلم كفروا؛ لأن من أنكر العلم ادعى أنه يقع في ملك الله ما لا يعلمه الله، وهذا لا يعقل ولا يليق ولا يمكن، بل يستحيل أن يقع في ملك الله -وهو المدبر الحي القيوم الذي لا تخفى عليه خافية- ما لا يعلمه.
إذاً: فهم بهذا يخصمون على الوجهين.
стр. 670
الرد على شبهة قدرة العبد على تغيير علم الله بفعله ما لا يريده الله شرعاً
ثم عرض الشارح لشبهة قالها بعض المتحذلقة، وهو قولهم: فيلزم أن يكون العبد قادراً على تغيير علم الله، بمعنى: أنه إذا كان الإنسان يمكن أن يفعل ما لا يريده الله شرعاً فهذا يعني أن العبد قادر على تغيير علم الله، فكأنهم يزعمون أن الله لا يدري هل يفعل هذا أو ذاك، فإذا فعل ما لا يريده الله -أي: لم يشرعه الله- تجدد لله علم بأن هذا العبد فعل الشر الذي لا يريده الله منه! وذلك كله ناتج عن قصور فهمهم للقدر.
فيقال لهم: هذه مغالطة؛ لأن مجرد قدرة العبد على الفعل لا تستلزم تغير العلم وتغييره بالنسبة لله ، فكون الله أقدر العباد على الفعل والترك لا يعني أنه بفعلهم أو تركهم يتجدد له شيء، فالله سبحانه كما أنه أقدر العبد على أن يفعل وأقدره على أن يترك هو عالم بأنه سيفعل أو سيترك، فإن فعل العبد ما يأمر الله به فإن الله عالم سلفاً بأن العبد سيفعله، وإذا لم يفعل العبد ما يأمره الله به؛ فإن الله عالم سلفاً بأن العبد لن يفعل ذلك، ومن هنا كان التقدير السابق في الشقاوة والسعادة مبنياً على علم الله السابق وحكمته ومشيئته.
إذاً: مجرد قدرة العباد على الفعل أو على الترك لا يلزم منها أن يتغير لله علم.
стр. 671
الإيمان بالقدر من عقد الإيمان وأن القدرية مجوس هذه الأمة
قال رحمه الله تعالى: [قوله: (وذلك من عقد الإيمان وأصول المعرفة والاعتراف بتوحيد الله تعالى وربوبيته، كما قال تعالى في كتابه: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ [الفرقان:٢]، وقال تعالى: ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا﴾ [الأحزاب:٣٨]): الإشارة إلى ما تقدم من الإيمان بالقدر وسبق علمه بالكائنات قبل خلقها، قال ﷺ في جواب السائل عن الإيمان: (أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره)، وقال ﷺ في آخر الحديث: (يا عمر! أتدري من السائل؟ قال: الله ورسوله أعلم، قال: فإنه جبريل أتاكم يعلمكم دينكم) رواه مسلم.
وقوله: (والاعتراف بتوحيد الله وربوبيته)، أي: لا يتم التوحيد والاعتراف بالربوبية إلا بالإيمان بصفاته تعالى، فإن من زعم خالقاً غير الله فقد أشرك، فكيف بمن يزعم أن كل أحد يخلق فعله؟! ولهذا كانت القدرية مجوس هذه الأمة، وأحاديثهم في السنن.
روى أبو داود عن ابن عمر عن النبي ﷺ قال: (القدرية مجوس هذه الأمة، إن مرضوا فلا تعودوهم، وإن ماتوا فلا تشهدوهم).
وروى أبو داود أيضاً عن حذيفة بن اليمان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (لكل أمة مجوس، ومجوس هذه الأمة الذين يقولون: لا قدر، من مات منهم فلا تشهدوا جنازته، ومن مرض منهم فلا تعودوهم، وهم شيعة الدجال، وحق على الله أن يلحقهم بالدجال).
وروى أبو داود أيضاً عن عمر بن الخطاب ﵁، عن النبي ﷺ قال: (لا تجالسوا أهل القدر ولا تفاتحوهم).
وروى الترمذي عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : (صنفان من بني آدم ليس لهما في الإسلام نصيب: المرجئة والقدرية).
لكن كل أحاديث القدرية المرفوعة ضعيفة، وإنما يصح الموقوف منها، فعن ابن عباس ﵄ أنه قال: القدر نظام التوحيد، فمن وحد الله وكذب بالقدر نقض تكذيبه توحيده.
وهذا لأن الإيمان بالقدر يتضمن الإيمان بعلم الله القديم وما أظهر من علمه بخطابه وكتابه مقادير الخلق، وقد ضل في هذا الموضع خلائق من المشركين والصابئين والفلاسفة وغيرهم ممن ينكر علمه بالجزئيات أو بغير ذلك، فإن ذلك كله مما يدخل في التكذيب بالقدر].
أحاديث القدرية لا تصح، وقد ترقى بمجموعها إلى درجة الحسن، ومع ذلك فإن الحكم بأن القدرية هم مجوس هذه الأمة حكم قاطع، بصرف النظر عن ثبوت الأحاديث؛ لأن السلف أجمعوا على أن القدرية مجوس هذه الأمة، وذلك لأنهم عرفوا أن قول القدرية هو قول المجوس، والنبي ﷺ ذكر في الحديث الصحيح المتفق عليه بأن هناك طوائف من هذه الأمة تتبع سنن السابقين: (لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة)، في بعض الروايات في البخاري: (شبراً بشبر وذراعاً بذراع)، وفي بعض الروايات أيضاً وصف هذه المشابهة بوصف يدل على الاحتذاء، فقوله: (حذو القذة بالقذة)، أي: السهم الذي يخرج من القوس أو غيره يحذو السهم الذي سبقه مباشرة، بمعنى: لا يزيد عنه ولا ينقص، وكذلك قوله ﷺ : (حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه)، دل على أن المشابهة حرفية، وأن المشابهة مشابهة مطابقة، وعلى هذا فإن القدرية قالوا بقول المجوس، وقول المجوس مبني على أن الشر لم يكن من خلق الله ولا من تقديره، وأن الشر ليس بعلم الله، فمن هنا أثبتوا خالقاً مع الله زعموا أنه إله الشر، وقد اختلفوا في خالق الشر هل هو مخلوق لله أو هو أزلي؛ فمنهم من قال: إنه مخلوق لله، لكنه خالق للشر، ومنهم من قال: هو أزلي، فزعموا أن للخلق خالقين.
وهذه المقولة انتشرت بين كثير من الأمم عن المجوسية؛ لأن المجوسية من أقدم الديانات، فانتقل قولها إلى النصارى وإلى طوائف من اليهود وإلى غيرهم، ثم عن المجوس وعن النصارى وعن اليهود انتقلت هذه المقولة إلى طوائف من هذه الأمة، كما أخبر النبي ﷺ بأن طوائف من هذه الأمة ستتبع سنن السابقين، فالقدرية اتبعوا سنن من سبقهم، وقولهم في القدر هو قول المجوس.
إذاً: فالنتيجة أن القدرية هم مجوس هذه الأمة، سواء ثبتت هذه الأحاديث أو لم تثبت، والسلف اتفقوا على ذلك.
стр. 672
تكذيب القدرية بقدرة الله تعالى على كل شيء
قال رحمه الله تعالى: [وأما قدرة الله على كل شيء فهو الذي يكذب به القدرية جملة؛ حيث جعلوه لم يخلق أفعال العباد، فأخرجوها عن قدرته وخلقه.
والقدر الذي لا ريب في دلالة الكتاب والسنة والإجماع عليه، وأن الذي جحدوه هم القدرية المحضة بلا نزاع هو ما قدره الله من مقادير العباد، وعامة ما يوجد من كلام الصحابة والأئمة في ذم القدرية يعني به هؤلاء، كقول ابن عمر لما قيل له: يزعمون أن لا قدر وأن الأمر أنف: أخبرهم أني منهم بريء، وأنهم مني برآء].
يعني: أنهم جعلوا من أفعال العباد ما لا يقدره عليه الله وتعالى عما يقولون، أو أنهم أيضاً عمموا ذلك حتى في العلم، فقالوا بأنه لم يعلمه ولم يقدره.
فالمهم أن جملة القدرية يكذبون بتقدير الله تعالى لكل شيء، ويزعمون أن الله لا يقدر بعض أفعال العباد على درجات بينهم.
стр. 673
ما يتضمنه التقدير المطابق للعلم
قال رحمه الله تعالى: [والقدر الذي هو التقدير المطابق للعلم يتضمن أصولاً عظيمة: أحدها: أنه عالم بالأمور المقدرة قبل كونها، فيثبت علمه القديم، وفي ذلك الرد على من ينكر علمه القديم.
الثاني: أن التقدير يتضمن مقادير المخلوقات، ومقاديرها هي صفاتها المعينة المختصة بها، فإن الله قد جعل لكل شيء قدراً، قال تعالى: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ [الفرقان:٢]، فالخلق يتضمن التقدير؛ تقدير الشيء في نفسه بأن يُجعَل له قدرٌ، وتقديره قبل وجوده، فإذا كان قد كتب لكل مخلوق قدره الذي يخصه في كميته وكيفيته كان ذلك أبلغ في العلم بالأمور الجزئية المعينة، خلافاً لمن أنكر ذلك، وقال: إنه يعلم الكليات دون الجزئيات، فالقدر يتضمن العلم القديم والعلم بالجزئيات].
الإشارة إلى العلم هنا ينبغي التنبيه على أنها ليس لها مفهوم، وأعني بذلك أن السلف حينما عبروا بوصف القديم في علم الله وفي سائر صفاته لا يقصدون بذلك أن هناك قديماً وجديداً في علم الله، فعلم الله كله أزلي ولا يتجدد لله علم، إنما قصدهم بالقديم: أن علم الله أزلي لا بداية له، أي: لم يحدث لله علم، ولم يتجدد لله علم، فعلم الله كامل قبل وجود المعلومات.
قال رحمه الله تعالى: [الثالث: أنه يتضمن أنه أخبر بذلك وأظهره قبل وجود المخلوقات إخباراً مفصلاً، فيقتضي أنه يمكن أن يعلِم العباد الأمور قبل وجودها علماً مفصلاً؛ فيدل ذلك بطريق التنبيه على أن الخالق أولى بهذا العلم، فإنه إذا كان يعلِم عباده بذلك فكيف لا يعلمُه هو؟! الرابع: أنه يتضمن أنه مختار لما يفعله، محدث له بمشيئته وإرادته، ليس لازماً لذاته.
الخامس: أنه يدل على حدوث هذا المقدور، وأنه كان بعد أن لم يكن، فإنه يقدره ثم يخلقه].
هنا تنبيه مهم أشار إليه الشارح، وهو مسألة الدليل على أن الله عليم بكل شيء، ومن جملة ذلك أفعال الشر من العباد، لا كما تزعم القدرية والمعتزلة وغيرهم، والدليل على ذلك أن النبي ﷺ أخبر بأشياء من أفعال الشر من العباد تقع في المستقبل أعلمه الله بها، وهم يقرون بهذه الأخبار، فإقرارهم بها حجة عليهم، فالله أخبر رسوله ﷺ بكثير من الأخبار المغيبة التي هي من أفعال الشر من العباد، كإخباره ﷺ في قصة ذي الخويصرة: أنه سيخرج من ضئضئ هذا الرجل أناس يفعلون كذا وكذا من أمور الشر والبدع، وإخباره ﷺ عن الدجال وما يحدث منه وما يحدث له، والشرور التي تحدث على يديه والمصائب، وأخباره ﷺ بالفتن والشرور التي تحدث من أفراد العباد أو من مجموعاتهم، فهذه شرور يفعلها العباد، وأخبر بها النبي ﷺ قبل وقوعها، والنبي ﷺ لا يعلم شيئاً من الغيب إلا ما أعلمه الله به.
فالله أعلم وأخبر بعض عباده بأشياء من أفعال الشر التي يفعلها العباد، والمعتزلة وغيرهم ممن ينكرون علم الله بأفعال الشر وتقديره لها يقرون بصحة هذه الأخبار، ففي ذلك رد عليهم.
стр. 674
شرح العقيدة الطحاوية [٥٧]
باب القدر باب عظيم، يجب التسليم فيه بما ورد في النصوص، وترك التعرض له بهوى أو شبهة؛ فإن هذا مزلق كبير ومرض خطير يصيب القلوب، فمن طعن في القدر بشبهة أو نحوها فإن ذلك يعد طعناً في ربوبية الله وإلهيته وحكمته؛ لأن القدر راجع إلى علم الله وأفعاله، والطعن والقدح فيه قدح في المقدِّر وهو الله سبحانه، ولذا كان الواجب هو التسليم وعدم الخوض أو المجادلة أو معارضة ذلك بشيء من الهوى والشبهات.
стр. 675
مرض القلوب وميزان معرفته
قال رحمه الله تعالى: [قوله: (فويل لمن ضاع له في قدر قلباً سقيماً -وفي نسخة: فويل لمن صار قلبه في القدر قلباً سقيماً- لقد التمس بوهمه في فحص الغيب سراً كتيماً، وعاد بما قال فيه أفاكاً أثيماً): القلب له حياة وموت، ومرض وشفاء، وذلك أعظم مما للبدن، قال تعالى: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا﴾ [الأنعام:١٢٢]، أي: كان ميتاً بالكفر فأحييناه بالإيمان؛ فالقلب الصحيح الحي إذا عرض عليه الباطل والقبائح نفر منها بطبعه وأبغضها ولم يلتفت إليها، بخلاف القلب الميت؛ فإنه لا يفرق بين الحسن والقبيح، كما قال عبد الله بن مسعود ﵁: هلك من لم يكن له قلب يعرف به المعروف والمنكر.
وكذلك القلب المريض بالشهوة؛ فإنه لضعفه يميل إلى ما يعرض له من ذلك، بحسب قوة المرض وضعفه].
هذا ميزان صحيح، وينبغي لكل مسلم أن يعرض حاله على هذا الميزان دائماً وفي كل وقت، بمعنى: أن يستعرض قوة إيمانه ويحاسب نفسه بمثل هذا الميزان لينظر مدى ما في قلبه من حب الخير وأهل الخير؛ ومدى ما في قلبه من حب الإسلام والمسلمين ونصرة الحق والمعروف وبذله، ومدى ما في قلبه من غيرة على الحق، وولاء للمؤمنين، ونحو ذلك، فقد يقوى الدافع ويقوى القلب بهذا الأمر وقد يضعف، وقد ينعدم الإحساس نسأل الله السلامة، أما معدوم الإحساس فإنه -إن شاء الله- لا يكون في أهل العلم وأهل الخير والمنتسبين للحق وأهله، لكن الكلام على ضعف الإحساس؛ فإن ضعف الإحساس دليل على ضعف الإيمان، ويجب على كل مسلم أن يختبر نفسه بين وقت وآخر بهذا الميزان، ليعلم مدى شعور قلبه بالأمور الإيمانية، وبحب الحق وأهل الحق وبالولاء للحق وأهله، ومدى ما في قلبه من غيرة ومن شعور بما يجري للإسلام والمسلمين، وليعلم ما يجد في قلبه مما يجري من أمور تعارض الحق والإسلام، ومن أمور المنكرات وأمور الشرور والمصائب التي تجلب الفتن، فإن كان القلب يتحرك بذلك ففيه إيمان، وإن كان تحركه أقوى؛ فهذا دليل على قوة الإيمان، وإن كان القلب يتمعر ويتأثر ويعظم إحساسه بهذه الأمور فهذا -إن شاء الله- دليل على الاستقامة.
فالمهم أن هذا الميزان ميزان حق، ويجب على المسلم أن يستعرض أحواله ويستعرض أعماله وإحساسه وخواطره وعواطفه بهذا الميزان.
стр. 676
مرض القلوب بالشبهات والشهوات
قال رحمه الله تعالى: [ومرض القلب نوعان كما تقدم: مرض شهوة، ومرض شبهة، وأردؤهما مرض الشبهة، وأردأ الشبه ما كان من أمر القدر، وقد يمرض القلب ويشتد مرضه ولا يعرف به صاحبه؛ لاشتغاله وانصرافه عن معرفة صحته وأسبابها، بل قد يموت وصاحبه لا يشعر بموته، وعلامة ذلك أنه لا تؤلمه جراحات القبائح، ولا يوجعه جهله بالحق وعقائده الباطلة؛ فإن القلب إذا كان فيه حياة تألم بورود القبيح عليه، وتألم بجهله بالحق بحسب حياته، و: ما لجرح بميت إيلام.
وقد يشعر بمرضه، ولكن يشتد عليه تحمل مرارة الدواء والصبر عليها، فيؤثر بقاء ألمه على مشقة الدواء، فإن دواءه في مخالفة الهوى؛ وذلك أصعب شيء على النفس، وليس له أنفع منه.
وتارة يوطن نفسه على الصبر، ثم ينفسخ عزمه ولا يستمر معه؛ لضعف علمه وبصيرته وصبره، كمن دخل في طريق مخوف مفض إلى غاية الأمن، وهو يعلم أنه إن صبر عليه انقضى الخوف وأعقبه الأمن، فهو محتاج إلى قوة صبر وقوة يقين بما يصير إليه، ومتى ضعف صبره ويقينه رجع من الطريق ولم يتحمل مشقتها، ولاسيما إن عدم الرفيق واستوحش من الوحدة، وجعل يقول: أين ذهب الناس فلي أسوة بهم؟! وهذه حال أكثر الخلق، وهي التي أهلكتهم.
فالصابر الصادق لا يستوحش من قلة الرفيق ولا من فقده، إذا استشعر قلبه مرافقة الرعيل الأول: ﴿الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيقًا﴾ [النساء:٦٩].
وما أحسن ما قال أبو محمد عبد الرحمن بن إسماعيل المعروف بـ أبي شامة في كتاب الحوادث والبدع: حيث جاء الأمر بلزوم الجماعة؛ فالمراد لزوم الحق واتباعه، وإن كان المتمسك به قليلاً والمخالف له كثيراً؛ لأن الحق هو الذي كانت عليه الجماعة الأولى من عهد النبي ﷺ وأصحابه ﵃، ولا ننظر إلى كثرة أهل الباطل بعدهم.
وعن الحسن البصري ﵀ أنه قال: السنة -والذي لا إله إلا هو- بين الغالي والجافي، فاصبروا عليها رحمكم الله؛ فإن أهل السنة كانوا أقل الناس فيما مضى، وهم أقل الناس فيما بقي؛ الذين لم يذهبوا مع أهل الإتراف في إترافهم ولا مع أهل البدع في بدعتهم، وصبروا على سنتهم حتى لقوا ربهم، فكذلك فكونوا].
стр. 677
العدول عن الأغذية النافعة إلى الضارة علامة مرض القلب
قال رحمه الله تعالى: [وعلامة مرض القلب عدوله عن الأغذية النافعة الموافقة له إلى الأغذية الضارة، وعدوله عن دوائه النافع إلى دوائه الضار.
فهاهنا أربعة أشياء: غذاء نافع، ودواء شاف، وغذاء ضار، ودواء مهلك].
قصده هنا بالغذاء النافع الهدى والإيمان، والدواء الشافي: هو الوحي والقرآن، والغذاء الضار والدواء الضار ضد هذين الأمرين.
إذاً: فأعظم غذاء للقلوب هو الهدى والإيمان الذي يستقر في القلوب، واليقين والتقوى، وأعظم الدواء الذي يستشفي به الناس هو كتاب الله وما جاء به النبي ﷺ ، والمتمثل في الوحي، خاصة القرآن، فهو شفاء لما في الصدور، شفاء للقلوب في أمراضها القلبية، وشفاء للأبدان في أمراضها الحسية.
قال رحمه الله تعالى: [فالقلب الصحيح يؤثر النافع الشافي على الضار المؤذي، والقلب المريض بضد ذلك، وأنفع الأغذية غذاء الإيمان، وأنفع الأدوية دواء القرآن، وكل منهما فيه الغذاء والدواء، فمن طلب الشفاء في غير الكتاب والسنة فهو من أجهل الجاهلين وأضل الضالين؛ فإن الله تعالى يقول: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُوْلَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾ [فصلت:٤٤]، وقال تعالى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا﴾ [الإسراء:٨٢]، و (من) في قوله: (من القرآن) لبيان الجنس لا للتبعيض، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [يونس:٥٧].
فالقرآن هو الشفاء التام من جميع الأدواء القلبية والبدنية، وأدواء الدنيا والآخرة، وما كل أحد يؤهل للاستشفاء به، وإذا أحسن العليل التداوي به ووضعه على دائه بصدق وإيمان وقبول تام واعتقاد جازم واستيفاء شروطه لم يقاوم الداء أبداً، وكيف تقاوم الأدواء كلام رب الأرض والسماء، الذي لو نزل على الجبال لصدعها، أو على الأرض لقطعها؟! فما من مرض من أمراض القلوب والأبدان إلا وفي القرآن سبيل الدلالة على دوائه وسببه والحمية منه لمن رزقه الله فهماً في كتابه.
وقوله: (لقد التمس بوهمه في فحص الغيب سراً كتيماً) أي: طلب بوهمه في البحث عن الغيب سراً مكتوماً؛ إذ القدر سر الله في خلقه، فهو يروم ببحثه الاطلاع على الغيب، وقد قال تعالى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا﴾ [الجن:٢٦] إلى آخر السورة.
وقوله: (وعاد بما قال فيه)، أي: في القدر: (أفاكاً): كذاباً، (أثيماً): أي مأثوماً].
стр. 678
أعظم الشبهات في القدر
أحب أن أشير إلى مسألة سبقت قريباً، وهي إشارة الشارح إلى أن القدر هو أعظم ما يرد من إشكالات على الناس، يقول: إن أعظم الشبه الشبه في القدر، ومرض الشبهة في القدر هو أعظم هذه الأمراض، ويقصد بذلك أن الشبهة في القدر طعن في ربوبية الله وإلهيته وحكمته؛ لأن القدر راجع إلى علم الله وتقديره وحكمته في عباده أو في خلقه، فمن شك في القدر أو نازع فيه أو أثار فيه المشكلات أو اعترض على شيء منه؛ فلابد أن ينعكس ذلك بالضرورة بالشك في المقدر وهو الله سبحانه، فمن شك في القدر أو خاض فيه أو أثار حوله الشبهات فلابد أن يطعن في علم الله وفي تقديره وفي حكمته سبحانه، ومن ثم في أفعاله وفي صفاته وأسمائه؛ لأن القدر راجع إلى علم الله وأفعاله، فمن هنا كان أعظم أمراض القلوب هو القول في القدر، وهو المدخل إلى كثير من الأهواء، فلذا يجب أن يتجنب المسلم -خاصة طالب العلم- الخوض في القدر، وألا يعدو النصوص، حتى وإن وردت أسئلة في القدر يجب أن يتحاشاها طالب العلم، ويتحاشى الكلام فيها إلا بالقدر الضروري، كأن يأتي إنسان مريض بالشبهة فعلاً ويخشى عليه، فهذا يجاب بما ورد في آيات الله وفي أحاديث النبي ﷺ ، وأعتقد أنه لن يجد طالب العلم جواباً في القدر أكثر مما جاء في كلام الله وكلام رسوله ﷺ ، وأنه لا يمكن أن يرد سؤال أو إشكال في القدر إلا وجوابه في النصوص، فلذلك يجب على طالب العلم أن يتعود على أن يلتزم النصوص في الكلام في القدر، فإن في القدر محارات تتورط فيها العقول، وربما تسرح فيها الأوهام إلى ما لا نهاية.
إذاً: ينبغي لطلاب العلم أن يعودوا الناس التزام القواعد في القدر، وأن يعلموهم القواعد العامة الإجمالية التي تثبت الإيمان بالقدر دون الدخول في التفاصيل، وأن يعودوهم على ألا يسألوا في القدر، وأن يعودوهم الطريقة الشرعية فيما إذا وردت على حواسهم وعلى خواطرهم إشكالات في القدر، وهي أن يعودوا إلى أصل التسليم وتعظيم الله ، واستحضار معاني أسمائه وصفاته وحكمته؛ فإن من فعل ذلك لابد أن يشفى -بإذن الله- مما يجد من إشكالات في القدر، فمن وجد إشكالاً في القدر فعليه أن يعود إلى تعظيم الله وتقدريه حق قدره، وأن يعلم بعض معاني أفعال الله وأسمائه وصفاته؛ فإنه بذلك -إن شاء الله- يستقر إيمانه ولا يحتاج إلى شيء من المغالطات والحجج العقلية، فإن من لجأ إلى ذلك قد لا يوفق ولا يسدد.
فالجواب عن القدر مقتصر على مسائل لا تخرج عن مجالس أهل العلم، وقد يضطر طالب العلم لكشف شبهة أمام الناس، فيضطر في حالات نادرة جداً أن يفصل أموراً عقلية تؤكد معاني ما جاء في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، لكن هذا الاستثناء أظنه نادر الوقوع، فلا ينبغي أن يؤثر على الأصل.
стр. 679
شرح العقيدة الطحاوية [٥٨]
العرش والكرسي ثابتان لله تعالى بالكتاب والسنة، فيجب إثباتهما والإيمان بهما كما ورد في النصوص، ولا يجوز تأويلهما بأي شيء آخر، بل هما حقيقيان، معناهما معلوم غير مجهول، فالعرش هو سرير ذو قوائم تحمله الملائكة، وهو سقف المخلوقات، والكرسي قيل: هو موضع القدمين، وقيل: هو بين يدي العرش كالمرقاة إليه، وقيل غير ذلك، فيجب الإيمان بذلك على حقيقته كما يليق بالله ﷻ .
стр. 680
إثبات العرش والكرسي
قال رحمه الله تعالى: [قوله: (والعرش والكرسي حق).
كما بين تعالى في كتابه، قال تعالى: ﴿ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ﴾ [البروج:١٥]، ﴿رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ﴾ [غافر:١٥]، ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥]، ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف:٥٤] في غير ما آية من القرآن، ﴿لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ﴾ [المؤمنون:١١٦]، ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ [النمل:٢٦]، ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ [غافر:٧]، ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾ [الحاقة:١٧]، ﴿وَتَرَى الْمَلائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ [الزمر:٧٥].
وفي دعاء الكرب المروي في الصحيح: (لا إله إلا الله العظيم الحليم، لا إله إلا الله رب العرش العظيم، لا إله إلا الله رب السماوات ورب الأرض رب العرش الكريم)، وروى الإمام أحمد في حديث الأوعال عن العباس بن عبد المطلب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (هل تدرون كم بين السماء والأرض؟ قال: قلنا: الله ورسوله أعلم، قال: بينهما مسيرة خمسمائة سنة، ومن كل سماء إلى سماء مسيرة خمسمائة سنة، وكثف كل سماء مسيرة خمسمائة سنة، وفوق السماء السابعة بحر بين أسفله وأعلاه كما بين السماء والأرض، ثم فوق ذلك العرش بين أسفله وأعلاه كما بين السماء والأرض، والله فوق ذلك، ليس يخفى عليه من أعمال بني آدم شيء) ورواه أبو داود والترمذي وابن ماجه.
وروى أبو داود وغيره بسنده إلى رسول الله ﷺ من حديث الأطيط أنه ﷺ قال: (إن عرشه على سماواته كهكذا، وقال بأصابعه، مثل القبة) الحديث.
وفي صحيح البخاري عن رسول الله ﷺ أنه قال: (إذا سألتم الله الجنة فسلوه الفردوس؛ فإنه أعلى الجنة وأوسط الجنة، وفوقه عرش الرحمن).
يروى: (وفوقه) بالنصب على الظرفية، وبالرفع على الابتداء، أي: وسقفه.
وذهب طائفة من أهل الكلام إلى أن العرش فلك مستدير من جميع جوانبه محيط بالعالم من كل جهة، وربما سموه: الفلك الأطلس، والفلك التاسع، وهذا ليس بصحيح؛ لأنه قد ثبت في الشرع أن له قوائم تحمله الملائكة، كما قال ﷺ : (فإن الناس يصعقون، فأكون أول من يفيق، فإذا أنا بموسى آخذ بقائمة من قوائم العرش، فلا أدري أفاق قبلي، أم جوزي بصعقة الطور؟)].
стр. 681
بيان معنى العرش
قال رحمه الله تعالى: [والعرش في اللغة: عبارة عن السرير الذي للملك، كما قال تعالى عن بلقيس: ﴿وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ﴾ [النمل:٢٣]، وليس هو فلكاً، ولا تفهم منه العرب ذلك، والقرآن إنما نزل بلغة العرب، فهو: سرير ذو قوائم تحمله الملائكة، وهو كالقبة على العالم، وهو سقف المخلوقات، فمن شعر أمية بن أبي الصلت: مجدوا الله فهو للمجد أهل ربنا في السماء أمسى كبيراً بالبناء العالي الذي بهر النا س وسوى فوق السماء سريراً شرجعاً لا يناله بصر الع ين ترى حوله الملائك صوراً الصور هنا: جمع أصور، وهو: المائل العنق لنظره إلى العلو، والشرجع: هو العالي المنيف، والسرير: هو العرش في اللغة.
ومن شعر عبد الله بن رواحة ﵁ الذي عرض به عن القراءة لامرأته حين اتهمته بجاريته: شهدت بأن وعد الله حق وأن النار مثوى الكافرينا وأن العرش فوق الماء طاف وفوق العرش رب العالمينا وتحمله ملائكة شداد ملائكة الإله مسومينا ذكره ابن عبد البر وغيره من الأئمة.
وروى أبو داود عن النبي ﷺ أنه قال: (أذن لي أن أحدث عن ملك من ملائكة الله من حملة العرش: إن ما بين شحمة أذنه إلى عاتقه مسيرة سبعمائة عام) ورواه ابن أبي حاتم، ولفظه: (مخفق الطير سبعمائة عام).
وأما من حرف كلام الله، وجعل العرش عبارة عن الملك، كيف يصنع بقوله تعالى: ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾ [الحاقة:١٧]، وقوله: ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾ [هود:٧]؟! أيقول: ويحمل ملكه يومئذ ثمانية؟! وكان ملكه على الماء؟! ويكون موسى ﵇ آخذاً بقائمة من قوائم الملك؟! هل يقول هذا عاقل يدري ما يقول؟!].
стр. 682
بيان معنى الكرسي
قال رحمه الله تعالى: [وأما الكرسي فقال تعالى: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ﴾ [البقرة:٢٥٥]، وقد قيل: هو العرش، والصحيح أنه غيره، نقل ذلك عن ابن عباس ﵄ وغيره.
روى ابن أبي شيبة في كتاب صفة العرش، والحاكم في مستدركه -وقال: إنه على شرط الشيخين ولم يخرجاه- عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵄ في قوله تعالى: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ﴾ [البقرة:٢٥٥] أنه قال: الكرسي موضع القدمين، والعرش لا يقدر قدره إلا الله تعالى.
وقد روي مرفوعاً، والصواب أنه موقوف على ابن عباس ﵄.
وقال السدي: السماوات والأرض في جوف الكرسي، والكرسي بين يدي العرش.
وقال ابن جرير: قال أبو ذر ﵁: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (ما الكرسي في العرش إلا كحلقة من حديد ألقيت بين ظهري فلاة من الأرض).
وقيل: كرسيه علمه، وينسب إلى ابن عباس ﵄، والمحفوظ عنه ما رواه ابن أبي شيبة كما تقدم، ومن قال غير ذلك فليس له دليل إلا مجرد الظن، والظاهر أنه من جراب الكلام المذموم، كما قيل في العرش.
وإنما هو -كما قال غير واحد من السلف-: بين يدي العرش كالمرقاة إليه].
ما روي عن ابن عباس من تأويل الكرسي بالعلم يتعارض مع ما ثبت عن ابن عباس أيضاً من تفسير الكرسي بموضع القدمين، وإذا أخذنا بقواعد التعارض عند السلف فإن هذا القول الأخير لا يحمل عليه تفسير معنى الكرسي، وإنما يكون -إن ثبت- إما تفسيراً باللوازم، وإما تفسيراً بالظن، والنصوص قد تضافرت على أن الكرسي مفسر بأن له حقيقة، وتأويله بالعلم لا يستقيم؛ لأنه وردت في ذلك النصوص متضافرة على أن الكرسي له وجود حقيقي، فإذا ثبتت الرواية عن ابن عباس بهذا وذاك، فالتعارض بين التفسيرين محمول على أن تفسير الكرسي بالعلم من باب التفسير باللوازم أو نحو ذلك من وجوه الجمع التي قال بها السلف.
стр. 683
بيان أن للعرش والكرسي حقيقة
وجملة ما سبق فيما يتعلق بإثبات العرش لله وإثبات الكرسي أمر ثابت بالنصوص المتواترة، والشارح ﵀ أورد حشداً من النصوص وأورد الأشعار والأدلة الأخرى وبعض أقوال أهل العلم كذلك؛ لرد أقوال أهل الكلام الذين تبعوا الفلاسفة فأنكروا الكرسي والعرش أو أولوهما، ولا شك أن المؤول ليس معه أي دليل على التأويل، والنصوص -سواء الآيات والأحاديث الثابتة- كلها تجتمع على ضرورة القول بأن الكرسي والعرش لهما حقيقة، وتأويلهما بأمور معنوية -سواء بالملك أو العلم أو غير ذلك مما ذكره المؤولون- لا يصح، إلا إذا كان من باب التفسير باللوازم، يعني: التفسير ببعض المقتضيات، وأعني بذلك أنه قد يصح أن نقول: من لوازم الإيمان بالعرش أو الإيمان بالكرسي الإيمان بعلم الله ، وبفوقيته، وبأنه بكل شيء محيط، وبعلوه سبحانه، فهذا من اللوازم الضرورية، وكذلك الإيمان بالملك وأن الله مالك كل شيء إلى غير ذلك من المعاني التي تلزم من إثبات العرش والكرسي.
إذاً: فما قد يرد عن بعض السلف من كلمات تفهم التأويل -كما ورد عن ابن عباس - هو من باب التفسير باللوازم، لا تأويل الحقيقة؛ فإن السلف يؤمنون بحقائق أسماء الله تعالى وصفاته وأفعاله، وسائر الأمور الغيبية التي منها العرش والكرسي.
إذاً: فهذه النصوص -كما ترون- متواترة على أن العرش والكرسي لهما وجود حقيقي، وتفسيرهما بأمور معنوية لا يصح أبداً وليس عليه أي دليل.
стр. 684
الأسئلة
стр. 685
إثبات الصفات بأحاديث الآحاد
السؤال
هل نثبت صفة لله وردت في حديث آحاد؟
الجواب
إذا ثبت الحديث بسند صحيح فإنه يثبت مضمونه حتى وإن تضمن صفة، فلا يلزم في إثبات صفات الله التواتر، مع أن أكثر الصفات التي ثبتت لم ترد في حديث آحاد، والقليل جداً الذي ثبت في حديث آحاد يستقيم مع قواعد وأصول إثبات الصفات لله .
стр. 686
شرح العقيدة الطحاوية [٥٩]
من صفات الله تعالى أنه مستوٍ على عرشه استواءً يليق بجلاله، لا عن حاجة إلى العرش أو غيره، فهو سبحانه غني عن العرش وما دونه، ويلزم من ذلك إثبات صفة العلو والفوقية لله تعالى، فهو سبحانه فوق كل شيء ومحيط بكل شيء، لا يغيب عن علمه مثقال ذرة ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في كتاب مبين.
стр. 687
الرد على مؤولي الاستواء بإثبات غنى الله عن مخلوقاته
قال رحمه الله تعالى: [قوله: (وهو مستغن عن العرش وما دونه، محيط بكل شيء وفوقه، وقد أعجز عن الإحاطة خلقه).
أما قوله: (وهو مستغن عن العرش وما دونه)؛ فقال تعالى: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران:٩٧]، وقال تعالى: ﴿وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [فاطر:١٥]، وإنما قال الشيخ ﵀ هذا الكلام هنا لأنه لما ذكر العرش والكرسي ذكر بعد ذلك غناه سبحانه عن العرش وما دون العرش؛ ليبين أن خلقه للعرش واستواءه عليه ليس لحاجته إليه، بل له في ذلك حكمة اقتضته].
هذا من البدهيات، لكن السلف لما ظهرت الأهواء وظهر التأويل والتعطيل صاروا يقررون البدهيات ويحشدون لها الأدلة؛ لدفع شبه أهل الأهواء؛ ذلك أن أهل التعطيل وأهل التأويل الذين أنكروا استواء الله على عرشه وأولوا الاستواء وأولوا العرش وأولوا الكرسي؛ مستندهم في ذلك توهم يزعمون أنه شبهة، وهو زعمهم بأن الله إذا كان مستوياً على عرشه فهذا يعني أنه محتاج له، فبين المؤلف -كما هو معلوم عقلاً وشرعاً- أن الله لا يلزم من كونه مستوياً على عرشه أنه محتاج إلى العرش، بل هو سبحانه غني عن العالمين، وغني عن العرش، وكونه له كرسي لا يعني ذلك بالضرورة أن يكون للكرسي كيفية كالمعهود عند البشر، ولا يعني أنه محتاج إلى شيء من ذلك، فأثبت الغنى ليبين أن إثبات هذه الأمور على حقيقتها واجب شرعاً مع الجزم بأن الله مستغن عنها، وأنه لا يلزم من إثبات هذه الأمور الحاجة إليها، لا سيما أنا نجد أن من أول ما ورد على المسلمين في تأويل أفعال الله وصفاته مسألة الاستواء، بل يذكر أن أول من أول الاستواء هو غيلان الدمشقي، فعلى هذا يكون قبل ظهور المؤولة الجهمية والمعتزلة، ومن هنا انفتح باب التأويل في جميع أفعال الله وصفاته، ثم شمل الأسماء.
إذاً: فإثبات الكرسي وإثبات العرش لله وإثبات الاستواء لله سبحانه لا يعني ذلك أبداً أنه محتاج إلى شيء من ذلك، فهو سبحانه الغني، ولا حاجة به إلى أحد من خلقه، وهذه الأمور التي ذكرها الله من مخلوقاته لابد من إثباتها كما جاءت من غير تأويل، وما ينقدح في الذهن من شبهات أخرى تتعلق بالحاجة ونحوها؛ كل ذلك منفي قطعاً بدلالة العقل السليم والفطرة، وقبل ذلك بدلالة الشرع.
قال رحمه الله تعالى: [وكون العالي فوق السافل لا يلزم أن يكون السافل حاوياً محيطا به حاملاً له، ولا أن يكون الأعلى مفتقراً إليه، فانظر إلى السماء كيف هي فوق الأرض وليست مفتقرة إليها، فالرب تعالى أعظم شأناً وأجل من أن يلزم من علوه ذلك، بل لوازم علوه من خصائصه، وهي حمله بقدرته للسافل، وفقر السافل، وغناه هو سبحانه عن السافل، وإحاطته به، فهو فوق العرش مع حمله بقدرته للعرش وحملته، وغناه عن العرش، وفقر العرش إليه، وإحاطته بالعرش، وعدم إحاطة العرش به، وحصره للعرش، وعدم حصر العرش له، وهذه اللوازم منتفية عن المخلوق.
ونفاة العلو أهل التعطيل لو فصلوا هذا التفصيل لهدوا إلى سواء السبيل، وعلموا مطابقة العقل للتنزيل، ولسلكوا خلف الدليل، ولكن فارقوا الدليل فضلوا عن سواء السبيل].
стр. 688
معنى قول الإمام مالك: الاستواء معلوم
قال رحمه الله تعالى: [والأمر في ذلك كما قال الإمام مالك ﵀، لما سئل عن قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف:٥٤]: كيف استوى؟ فقال: الاستواء معلوم، والكيف مجهول.
ويروى هذا الجواب عن أم سلمة ﵂ موقوفاً ومرفوعاً إلى النبي ﷺ ].
قوله: (معلوم) من الأمور التي تشتبه على بعض الناس، فكثيراً ما ترد فيه الأسئلة: ما معنى كونه معلوماً؟ وهذه قاعدة في كل أسماء الله وصفاته وأفعاله، وفي كل أمور الغيب، فهذه القاعدة تشمل حتى أمور الغيب التي لا تتعلق بذات الله تعالى وأفعاله وأسمائه وصفاته، كأمور الغيب التي تتعلق بالمخلوقات في أحوال القيامة، وفي أحوال الملائكة والجن، وأحوال السماوات والأرض، وغيرها من الأمور الغيبة التي لا تدركها حواس البشر، فإنها كلها تحكمها هذه القاعدة، فلو أن أحداً سأل عن الصراط: كيف الصراط؟ فإنا نقول له: الصراط معلوم، والكيف مجهول، وخبر الله حق وصدق.
وأما قولنا: (معلوم) فيعني: أن حقيقته مدركة في الأذهان عند الإطلاق، أما الكيفية التي تتعلق بالشكل واللون والحجم والعدد ونحو ذلك؛ فهذه أمور لا تدركها العقول؛ لأنها لا تعرف إلا بالحواس، وكل الأمور الغيبية لا يمكن أن تدرك بالحواس، فأي أمر من الأمور الغيبية نقول: إنه معلوم، سواء في أسماء الله وصفاته وأفعاله، أو في سائر أمور الغيب، فكلما جاءنا أمر من الأمور الغيبية نقول عنه: الأمر الفلاني الذي ذكره الله معلوم، يعني: له حقيقة تليق به على ما خلقه الله عليه، أو على ما أراد الله له، أو على ما كان في تقدير الله إذا كان من الأمور الخبرية الغيبية، أما إذا كان في أسماء الله وصفاته؛ فنقول: الأمر الفلاني معلوم على الحقيقة على ما يليق بجلال الله.
إذاً: فكلمة معلوم معناها أن اللفظ له وجود فعلي يليق به، أما الكيف فهو يتعلق بالحجم والشكل واللون والخصائص التي تدرك بالأبصار وتدرك بسائر الحواس، فهذه أمور لا شك في أنها مجهولة، وهي المقصودة بقوله : ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١]، بمعنى: أنه لا يمكن أن نتخيل له مثلاً، وما نتخيله أوهام يجب أن ننفيها عن الله، وإلا فلابد لكل من سمع شيئاً من أسماء الله وصفاته وأفعاله أن يتخيل، فإذا تخيل فليعلم أن هذا الخيال إنما هو أمثال تضرب، لكنها ليست هي الكيفية.
إذاً: فالحقيقة تثبت في كل أمر غيبي، وكل ما أخبر الله به له حقيقة؛ نقول هذا لأن أغلب المؤولة قالوا: الألفاظ التي وردت في أخبار الله تعالى أو عن نبيه ﷺ إنما تنطبق على معانٍ مجردة ليس لها وجود فعلي، أي: إنما هي أمور معنوية، فالاستواء المقصود به: الهيمنة والملك، وهذا عدول عن مراد الله ؛ لأن الله وصف نفسه بالهيمنة والملك بألفاظ أخرى، فيأتي هذا الوصف وله معنى أخص، لاسيما أن هذا الوصف قد قيد بمعان تدل على أن المقصود به حقيقة وجودية لا ذهنية معنوية.
فلابد إذاً أن تقال هذه القاعدة في كل شيء، فكل غيب معلوم، أي: له حقيقة وجودية، وله كيفية لا نعلمها، فنؤمن بالحقيقة ونتوقف في الخوض في الكيفية.
стр. 689
إثبات إحاطة الله تعالى بكل شيء وفوقيته تعالى على كل شيء
قال رحمه الله تعالى: [وأما قوله: (محيط بكل شيء وفوقه)، وفي بعض النسخ: (محيط بكل شيء فوقه) بغير واو من قوله: (فوقه)، والنسخة الأولى هي الصحيحة، ومعناها: أنه تعالى محيط بكل شيء وفوق كل شيء، ومعنى الثانية: أنه محيط بكل شيء فوق العرش.
وهذا-والله أعلم- إما أن يكون أسقطها بعض النساخ سهواً، ثم استنسخ بعض الناس من تلك النسخة، أو أن بعض المحرفين الضالين أسقطها قصداً للفساد، وإنكاراً لصفة الفوقية! وإلا فقد قام الدليل على أن العرش فوق المخلوقات وليس فوقه شيء من المخلوقات، فلا يبقى لقوله: (محيط بكل شيء فوق العرش) -والحالة هذه- معنى؛ إذ ليس فوق العرش من المخلوقات ما يحاط به، فتعين ثبوت الواو، ويكون المعنى أنه سبحانه محيط بكل شيء، وفوق كل شيء.
أما كونه محيطاً بكل شيء فقال تعالى: ﴿وَاللَّهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيطٌ﴾ [البروج:٢٠]، ﴿أَلا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ﴾ [فصلت:٥٤]، ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا﴾ [النساء:١٢٦]، وليس المراد من إحاطته بخلقه أنه كالفلك، وأن المخلوقات داخل ذاته المقدسة، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً! وإنما المراد: إحاطة عظمته وسعة علمه وقدرته، وأنها بالنسبة إلى عظمته كخردلة، كما روي عن ابن عباس ﵄ أنه قال: (ما السموات السبع والأرضون السبع وما فيهن وما بينهن في يد الرحمن إلا كخردلة في يد أحدكم).
ومن المعلوم -ولله المثل الأعلى- أن الواحد منا إذا كان عنده خردلة إن شاء قبضها وأحاط قبضته بها وإن شاء جعلها تحته، وهو في الحالين مباين لها، عال عليها فوقها من جميع الوجوه، فكيف بالعظيم الذي لا يحيط بعظمته وصف واصف؟! فلو شاء لقبض السماوات والأرض اليوم، وفعل بها كما يفعل بها يوم القيامة، فإنه لا يتجدد به إذ ذاك قدرة ليس عليها الآن، فكيف يستبعد العقل مع ذلك أنه يدنو سبحانه من بعض أجزاء العالم وهو على عرشه فوق سماواته، أو يدني إليه من يشاء من خلقه؟! فمن نفى ذلك لم يقدره حق قدره.
وفي حديث أبي رزين المشهور الذي رواه عن النبي ﷺ في رؤية الرب تعالى: (فقال له أبو رزين: كيف يسعنا -يا رسول الله- وهو واحد ونحن جميع؟ فقال: سأنبئك بمثل ذلك في آلاء الله، هذا القمر آية من آيات الله كلكم يراه مخلياً به، والله أكبر من ذلك) وإذا قد تبين أنه أعظم وأكبر من كل شيء؛ فهذا يزيل كل إشكال، ويبطل كل خيال].
هذا في جميع أفعال الله وصفاته يستصحب، بمعنى أنَّ عظمة الله أكبر من أن يتصورها المتصورون، فلذلك إذا تكلم الناس عن أفعال الله وصفاته يجب أن يتورعوا عن التحديد أو عن استبعاد بعض المعاني؛ لأن المخلوقات أكبر شيء منها لا يساوي شيئاً أمام ذات الله ، فلذلك لا ينبغي أن يتحكم الناس فيما يتعلق بأفعال الله وصفاته.
وضرب الشيخ ﵀ مثلاً لذلك يتعلق باللزوم والقرب، فكثير من الذين أولوا النزول يستبعدونه؛ لأنهم تصوروا النزول على نحو ما يعرفونه في الخلق، في حين أنهم لو قدروا الله حق قدره في أذهانهم وفي قلوبهم ما استبعدوا شيئاً من ذلك في أفعال الله ، فإن دنو الله من خلقه ونزوله إلى سماء الدنيا أمر يعقل في العقول السلمية؛ لأنه أخبر به الله ، والله سبحانه لا يعجزه شيء، وهو فعال لما يريد، وفعله ليس كفعل خلقه، وكل ذلك أمر متعلق بعظمته سبحانه، فمن التعظيم لله أن نؤمن بما ذكره عن نفسه من أفعاله، كالنزول والدنو والقبض والبطش ونحو ذلك من الأمور التي هي دليل الكمال؛ لأن من نفاها لابد له من أن يصف الله بشيء من العجز، لاسيما أن الله أثبت لنفسه هذا الكمال، وإن كان لا يعلم على جهة التفصيل إلا بالخبر، لكن على جهة الإجمال تدرك العقول أنه العظيم سبحانه، وأنه بكل شيء محيط، ولا يعجزه شيء، ولا تساوي المخلوقات أمامه شيئاً، وأنه يفعل هذه الأمور بقدرته، وما دام أخبر بها عن نفسه فهي حقيقة على ما يليق بجلال الله، فلهذه الأفعال وجود حقيقي، لكن لا ندرك الكيفية.
стр. 690
أدلة إثبات فوقية الله تعالى على خلقه
قال رحمه الله تعالى: [وأما كونه فوق المخلوقات فقال تعالى: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾ [الأنعام:١٨].
وقال ﷺ في حديث الأوعال المتقدم ذكره: (والعرش فوق ذلك، والله فوق ذلك كله).
وقد أنشد عبد الله بن رواحة شعره المذكور بين يدي النبي ﷺ وأقره على ذلك وضحك منه، وكذا أنشده حسان بن ثابت ﵁ قوله: شهدت بإذن الله أن محمداً رسول الذي فوق السماوات من عل وأن أبا يحيى ويحيى كلاهما له عمل من ربه متقبل وأن الذي عادى اليهود ابن مريم رسول أتى من عند ذي العرش مرسل وأن أخا الأحقاف إذ قام فيهمو يجاهد في ذات الإله ويعدل فقال النبي ﷺ : (وأنا أشهد).
وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: (لما قضى الله الخلق كتب في كتاب فهو عنده فوق العرش: إن رحمتي سبقت غضبي) وفي رواية: (تغلب غضبي) رواه البخاري وغيره.
وروى ابن ماجه عن جابر يرفعه قال: (بينا أهل الجنة في نعيمهم إذ سطع لهم نور، فرفعوا إليه رءوسهم فإذا الجبار ﷻ قد أشرف عليهم من فوقهم وقال: يا أهل الجنة! سلام عليكم.
ثم قرأ قوله تعالى: ﴿سَلامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ [يس:٥٨]، فينظر إليهم، وينظرون إليه، فلا يلتفتون إلى شيء من النعيم ما داموا ينظرون إليه).
وروى مسلم عن النبي ﷺ في تفسير قوله تعالى: ﴿هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ﴾ [الحديد:٣] بقوله: (أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء، وأنت الظاهر فليس فوقك شيء، وأنت الباطن فليس دونك شيء).
والمراد بالظهور هنا: العلو، ومنه قوله تعالى: ﴿فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ﴾ [الكهف:٩٧] أي: يعلوه].
من معاني الظهور العلو، أما حصر الظهور في العلو فلا أظنه مقصود الشارح، إنما قصد أنَّ من معاني الظهور هنا العلو، وإلا فالظهور أشمل من العلو، فالعلو من لوازم الظهور.
قال رحمه الله تعالى: [فهذه الأسماء الأربعة متقابلة: اسمان منها لأزلية الرب وأبديته، واسمان لعلوه وقربه.
وروى أبو داود عن جبير بن محمد بن جبير بن مطعم عن أبيه عن جده قال: (أتى رسول الله ﷺ أعرابي فقال: يا رسول الله! جهدت الأنفس ونهكت الأموال -أو هلكت- فاستسق الله لنا، فإنا نستشفع بك على الله ونستشفع بالله عليك! فقال رسول الله ﷺ : ويحك! أتدري ما تقول؟! وسبح رسول الله ﷺ ، فما زال يسبح حتى عرف ذلك في وجوه أصحابه، ثم قال: ويحك! إنه لا يستشفع بالله على أحد من خلقه، شأن الله أعظم من ذلك، ويحك! أتدري ما الله؟ إن الله فوق عرشه، وعرشه فوق سماواته -وقال بأصابعه مثل القبة- وإنه ليئط به أطيط الرحل الجديد بالراكب).
وفي قصة سعد بن معاذ يوم بني قريظة لما حكم فيهم أن تقتل مقاتلتهم وتسبى ذراريهم، فقال النبي ﷺ : (لقد حكمت فيهم بحكم الملك من فوق سبع سماوات)، وهو حديث صحيح أخرجه الأموي في مغازيه، وأصله في الصحيحين.
وروى البخاري عن زينب ﵂ أنها كانت تفخر على أزواج النبي ﷺ وتقول: زوجكن أهاليكن، وزوجني الله من فوق سبع سماوات.
وعن عمر ﵁: أنه مر بعجوز فاستوقفته، فوقف معها يحدثها، فقال رجل: يا أمير المؤمنين! حبست الناس بسبب هذه العجوز؟! فقال: ويلك! أتدري من هذه؟! هذه امرأة سمع الله شكواها من فوق سبع سماوات، هذه خولة التي أنزل الله فيها: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ﴾ [المجادلة:١] أخرجه الدارمي.
وروى عكرمة عن ابن عباس في قوله: ﴿ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ﴾ [الأعراف:١٧] قال: ولم يستطع أن يقول: من فوقهم؛ لأنه قد علم أن الله سبحانه من فوقهم.
ومن سمع أحاديث الرسول ﷺ وكلام السلف وجد منه في إثبات الفوقية ما لا ينحصر.
ولا ريب أن الله سبحانه لما خلق الخلق لم يخلقهم في ذاته المقدسة، تعالى الله عن ذلك؛ فإنه الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد، فتعين أنه خلقهم خارجاً عن ذاته، ولو لم يتصف سبحانه بفوقية الذات -مع أنه قائم بنفسه غير مخالط للعالم- لكان متصفاً بضد ذلك، لأن القابل للشيء لا يخلو
стр. 691
وجه إنكار أهل الكلام علو الله تعالى وفوقيته على خلقه
سيفصل الشارح في إثبات العلو والفوقية لله ، وكل ذلك رد على المؤولة، لاسيما أن إنكار الفوقية الذاتية لله والعلو مما وقع فيه طوائف من أهل العلم من المنتسبين للحديث والفقه وغيرهم، خاصة من الأشاعرة والماتريدية، فإن من أعظم ما تابعوا فيه الجهمية موضوع العلو والفوقية، وهذا أمر جعل السلف يحشدون له كثيراً من المؤلفات والأقوال والمناظرات؛ لأنه مما عمت به البلوى وانخدع به كثير من عامة المسلمين؛ لأنه قال به بعض المنتسبين للعلم والمنتسبين للسنة، ولله الأمر من قبل ومن بعد.
وإنما أنكر أهل الكلام العلو قياساً على عموم المخلوقات، فقالوا: لا يمكن أن تكون الفوقية إلا في جهة، والذي في جهة لا بد أن يكون مقابلاً، والمقابل يلزم من مقابلته حدود ومسافة إلى آخره.
فهو يلزمهم بإلزامهم، يقول: على قولكم: إنه لا يمكن أن يكون فوق فلابد من أن يكون في ضد الفوق، وإذا نفيتم ضد الفوق فإن الذي لا يوجد فوق ولا في غير فوق يكون معدوماً.
فهو أراد أن يلزمهم بلوازم عقلية، وإلا فإن أهل السنة لا يحتاجون إلى هذا الرأي ولا يقولون به؛ لأن مسألة الفوق والسفل لا تحكم غير المخلوقات ولا شك، لكن نظراً لأنهم أخضعوا أفعال الخالق سبحانه وقاسوها بأفعال المخلوقين، وقاسوا صفات الخالق بصفات المخلوقين فقالوا بإنكار العلو والفوقية؛ لأنه يلزم منها بزعمهم وجود الذات، ووجود الذات حقيقة لكنهم لا يريدون إثبات وجود الذات، وأما إذا لزم إثبات وجود الذات لزم إثبات لوازم الذات من الكم والكيف والحدود والمسافة إلى آخره، فكل هذا أخذوه من باب قياس المخلوقات، فهو أراد أن يلزمهم بكل شيء، وأكثر المسائل التي ستأتي في الرد التفصيلي في الدرس اللاحق -إن شاء الله- كلها من هذا الباب، من باب الإلزام العقلي على قواعدهم العقلية، وإلا فالناس الذين هم على الفطرة تكفيهم براهين القرآن، وهي براهين عقلية قاطعة، إضافة إلى أنها خبر عن الله لا يقبل الجدل.
стр. 692
الأسئلة
стр. 693
نظرة في تضعيف محقق الطحاوية لبعض الأحاديث
السؤال
ما صحة تضعيف المحقق لما ضعفه من الأحاديث؟
الجواب
ليس كل ما ذكر المحقق أنه ضعيف وافق فيه الصواب، فبعض الأحاديث التي قال فيها المحقق: إنها ضعيفة لا أدري هل أهمل بعض الطرق التي قال بعض الأئمة: إنها صحيحة، أم أنه حكم على السند الموجود؟ فبعض الأحاديث التي ذكر أنها ضعيفة ليست ضعيفة، ولها طرق أخرى صحيحة، ولها شواهد، ومن أراد الاستزادة في هذا الموضوع فليرجع إلى كتاب صحيح التوحيد وصفة الرب لـ ابن خزيمة، فحديث الأطيط وحديث الأوعال ونحوهما ذكرها ابن خزيمة تفصيلاً وذكر طرقها والروايات فيها.
стр. 694
حكم قول الداعي: (يا من لا تراه العيون ولا يصفه الواصفون)
السؤال
في دعاء القنوت يقول بعض الأئمة: يا من لا تراه العيون ولا يصفه الواصفون، فما صحة هذه العبارة؟
الجواب
هذه العبارة لا ينبغي أن تتلى، فإذا كان المقصود ما ذكره أهل العلم، وهو امتناع الرؤية في الدنيا؛ فهذا صحيح، لكن العوام قد يفهمون إنكار الرؤية مطلقاً، في حين أن الله تراه عيون المؤمنين يوم القيامة بالأبصار، نسأل الله أن يجعلنا جميعاً منهم.
وكذلك قوله: (لا يصفه الواصفون) ليس بحق على الإطلاق، فالواصفون يصفونه بما وصف به نفسه، والعقول السليمة والفطر السليمة تصف الله بالكمال، وتصفه إجمالاً، وتصفه تفصيلاً بكل ما ورد في الكتاب والسنة، فهذه العبارات قد تكون من أدعية المتكلمين أو شبيهة بأدعية المتكلمين، فالأولى اجتنابها.
стр. 695
شرح العقيدة الطحاوية [٦٠]
علو الله تعالى على خلقه ثابت بالكتاب والسنة والإجماع والعقل والفطرة، وما يدعيه نفاة العلو من أدلة عقلية أو نظرية تناقض أدلة الإثبات هي في حقيقتها أدلة في خيالاتهم لا أثر لها في الواقع والحس، مع أن شهادة النصوص المتضافرة على إثبات العلو مما يدعم الأدلة العقلية الواقعية التي لا يدفعها إلا مكابر أو جاهل.
стр. 696
الردود على منكري الفوقية
стр. 697
الردود العقلية
قال المصنف رحمه الله تعالى: [فإن قيل: لا نسلم أنه قابل للفوقية حتى يلزم من نفيها ثبوت ضدها.
قيل: لو لم يكن قابلاً للعلو والفوقية لم يكن له حقيقة قائمة بنفسها، فمتى أقررتم بأنه ذات قائم بنفسه غير مخالط للعالم، وأنه موجود في الخارج، ليس وجوده ذهنياً فقط، بل وجوده خارج الأذهان قطعاً، وقد علم العقلاء كلهم بالضرورة أن ما كان وجوده كذلك فهو إما داخل العالم وإما خارج عنه، وإنكار ذلك إنكار ما هو أجلى وأظهر الأمور البديهيات الضرورية بلا ريب].
قولهم: (لا نسلم أنه قابل للفوقية) هذا قول أهل الكلام الفلاسفة والجهمية وكثير من المعتزلة وكثير من المتكلمين الذين سايروا الجهمية والمعتزلة في هذه المسألة، كـ الرازي والجويني في أول أمره، فهؤلاء ينكرون الفوقية لله ، ويؤولون ما ورد في النصوص من الفوقية والعلو لله سبحانه بأمور معنوية، وبعضهم ينكرها بالكلية كغلاة الجهمية، ثم اتسعوا بذلك على أوهام ليس لها أصل، ذلك أن مسألة الفوقية والعلو في حق الله لا يجوز للإنسان أن يتفلسف فيها؛ لأن القول بأنه قابل للفوقية أو غير قابل مسألة لا ينبغي أن ترد مع النص أبداً، فنحن نقول بأن الله من صفاته أنه علي على خلقه، وكذلك من أسمائه العلي، وأنه القاهر فوق عباده، وأنه في السماء، كل هذه معانٍ جاءت بلسان عربي مبين أراد الله بها حقيقة معناها، وصف الله تعالى بها نفسه ووصفه بها رسوله ﷺ في نصوص كثيرة لا تكاد تحصى، فنقف عند هذه النصوص ونعلم أنها حقيقة، ولا نأتي بأمور تشكل وتلبس، ككلمة قابل أو غير قابل، فمن الذي يفرض القبول أو لا يفرضه؟ فالله هو القاهر فوق عباده، ولا تحكم لأحد فيه.
فالشارح جاء بعبارات أطلقها المتكلمون والفلاسفة قد تنطلي على كثير ممن ليس عنده علم بعقيدة السلف، فقولهم مثلاً: القيام بالنفس أو عدم القيام بالنفس، يقصدون به أن الله له وجود غير وجود المخلوقات، وأنه غني عن مخلوقاته لا يحتاج إليها، وهذا أمر بدهي فطري، فهو سبحانه الغني، وقد أكد الله ذلك وأكده رسوله ﷺ ، فلسنا بحاجة إلى أن نعمل العقول الضعيفة في مثل هذه الحقائق الكبرى التي تقتضيها الفطرة ضرورة وورد النص بها قطعاً.
إذاً: فقول الفلاسفة بأنه قائم بنفسه أو غير قائم بنفسه هذا كله خبط وخلط لا يجوز الاعتماد عليه، وإنما اضطر السلف للرد على هذه المسائل من أجل أن يقرروا الحق بمسالك القوم أنفسهم، فيقيموا الحجة عليهم بأدلتهم وبراهينهم.
وكذلك قولهم: (غير مخالط للعالم) هذا أيضاً أمر بدهي، وكذلك كونه موجوداً في الخارج، أي: خارج المخلوقات، أي: أن وجوده غير جنس وجود المخلوقات، وأحياناً يعبر الفلاسفة عن الوجود في الخارج أنه في خارج الأذهان، وهذا أيضاً افتراض فلسفي لا يعقل، فما في الأذهان لا يقبل التحقيق إلا إذا كان له وجود فعلي، والوجود الفعلي إن كان في عالم الشهادة فقد ندركه بحواسنا أو يأتي به خبر الغيب، وإن كان في عالم الغيب فلا ندركه إلا بخبر الغيب.
فإن كان الوجود الذي تتصوره الأذهان يتعلق بأمر وجودي فعلاً وفي عالم الشهادة تدركه الحواس فهذا أمر يصدق ما يرد في الأذهان من تصورات.
وإن كان ما يرد في الأذهان يتعلق بأمر غيبي فإن الأمر الغيبي يقر بما جاء في الخبر لا بما في الأذهان، نعم الأذهان تتصور أشياء قد يكون لها وجود وقد لا يكون لها وجود، فلا سبيل إلى تحقيق وجود الموجودات التي ستتصورها الأذهان إلا بالحواس أو بخبر الغيب، وما تدركه الحواس لا جدال فيه، وما لا تدركه الحواس لا يمكن أن يثبت أبداً إلا بخبر الغيب، وما تتوهمه الأذهان في الموجودات التي لا تدركها الحواس لا يمكن أن تفهم كيفيته أبداً، فقولهم: (إنه موجود في الخارج) يقصدون به أن الله موجود خالج المخلوقات، وهذا -كما قلت- أمر فطري بدهي؛ لأن الله ليس بحال في مخلوقاته، وهو الأحد الصمد، فلا يمكن أن تتصور الأذهان المجبولة على الفطرة ولا العقول السليمة إلا أن الله ليس في مخلوقاته، فكلمة خارج وداخل كلمة فلسفية يجب أن نتفاداها؛ لأن معناها مفهوم بالفطرة والضرورة والنص، لكن اللفظ فيه لبس، فالله وجوده وجود فعلي بأسمائه وصفاته، وليس وجوداً ذهنياً كما يتصور الفلاسفة والجهمية.
وقوله: [بل وجوده خارج الأذهان قطعاً] يعني: أنه لا يكون وجوده فيما تتخيله الأذهان.
يقول: [وقد علم العقلاء كلهم بالضرورة أن ما كان وجوده كذلك فهو إما داخل العالم وإما خارجه]، هذا أيضاً افتراض تكلم به المتكلمون، فقالوا: هو إما داخل العالم وإما خارجه، فلما قالوا هذه الكلمة وردت عليهم معضلات كثيرة؛ لأنهم لما قالوا بافتراض أنه خارج العالم اضطروا إلى أن يقولوا بأن له وجوداً حقيقياً وأسماء وصفات وأفعالاً، فلما اضطروا إلى ذلك نفوا ذلك، فقالوا بأن الله لا داخل العالم ولا خارجه، تعالى الله عما يزعمون! مع أن هذه مسألة لا تتصور عقلاً، مع أنا نقول: إن هذه الأمور يجب أن لا نخوض
стр. 698
الردود النقلية
قال رحمه الله تعالى: [فكيف إذا انضم إلى ذلك شهادة العقول السليمة والفطر المستقيمة والنصوص الواردة المتنوعة المحكمة على علو الله على خلقه، وكونه فوق عباده، التي تقرب من عشرين نوعاً: أحدها: التصريح بالفوقية مقروناً بأداة (من) المعينة للفوقية بالذات، كقوله تعالى: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ [النحل:٥٠].
الثاني: ذكرها مجردة عن الأداة، كقوله: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ [الأنعام:١٨].
الثالث: التصريح بالعروج إليه، نحو: ﴿تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾ [المعارج:٤]، وقوله ﷺ : (فيعرج الذين باتوا فيكم فيسألهم).
الرابع: التصريح بالصعود إليه، كقوله تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ [فاطر:١٠].
الخامس: التصريح برفعه بعض المخلوقات إليه، كقوله تعالى: ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾ [النساء:١٥٨]، وقوله: ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ [آل عمران:٥٥].
السادس: التصريح بالعلو المطلق الدال على جميع مراتب العلو: ذاتاً وقدراً وشرفاً، كقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ [البقرة:٢٥٥]، ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ [سبأ:٢٣]، ﴿إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ [الشورى:٥١].
السابع: التصريح بتنزيل الكتاب منه، كقوله تعالى: ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ [الزمر:١]، ﴿تَنزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ [غافر:٢]، ﴿تَنزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [فصلت:٢]، ﴿تَنزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت:٤٢]، ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ﴾ [النحل:١٠٢]، ﴿حم * وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ * إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ * فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ * أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ﴾ [الدخان:١ - ٥].
الثامن: التصريح باختصاص بعض المخلوقات بأنها عنده، وأن بعضها أقرب إليه من بعض، كقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ﴾ [الأعراف:٢٠٦]، ﴿وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ﴾ [الأنبياء:١٩]، ففرق بين من له عموماً وبين من عنده من مماليكه وعبيده خصوصاً].
يعني بذلك أن الله له الملك كله، لكن فيما يتعلق بالعندية -أي: تخصيص بعض المخلوقات بأنها عنده- فإن هذا خص به بعض المخلوقات، الأمر الذي يدل على أنها أكثر رفعة وأعلى من غيرها.
قال رحمه الله تعالى: [وقول النبي ﷺ في الكتاب الذي كتبه الرب تعالى على نفسه: (أنه عنده فوق العرش).
التاسع: التصريح بأنه تعالى في السماء، وهذا عند المفسرين من أهل السنة على أحد وجهين: إما أن تكون (في) بمعنى (على)، وإما أن يراد بالسماء العلو، لا يختلفون في ذلك، ولا يجوز الحمل على غيره.
العاشر: التصريح بالاستواء مقروناً بأداة (على) مختصاً بالعرش الذي هو أعلى المخلوقات، مصاحباً في الأكثر لأداة (ثم) الدالة على الترتيب والمهلة.
الحادي عشر: التصريح برفع الأيدي إلى الله تعالى، كقوله ﷺ : (إن الله يستحي من عبده إذا رفع إليه يديه أن يردهما صفراً).
والقول بأن العلو قبلة الدعاء فقط باطل بالضرورة والفطرة، وهذا يجده من نفسه كل داع كما يأتي إن شاء الله تعالى.
الثاني عشر: التصريح بنزوله كل ليلة إلى سماء الدنيا، والنزول المعقول عند جميع الأمم إنما يكون من علو إلى سفل.
الثالث عشر: الإشارة إليه حساً إلى العلو، كما أشار إليه من هو أعلم بربه وبما يجب له ويمتنع عليه من جميع البشر، لما كان بالمجمع الأعظم الذي لم يجتمع لأحد مثله، في اليوم الأعظم، في المكان الأعظم، قال لهم: (أنتم مسئولون عني فماذا أنتم قائلون؟)].
هنا يقصد كلام النبي ﷺ في ذلك المكان الذي هو عرفة، في ذلك اليوم العظيم الذي جمع شرف الزمانين: يوم عرفة ويوم الجمعة.
قال رحمه الله تعالى: [(قالوا: نشهد أنك قد بلغت وأديت ونصحت)، فرفع أصبعه الكريمة إلى السماء رافعاً إلى من هو فوقها وفوق كل شيء قائلاً: (اللهم اشهد) فكأنا نشاهد الكريمة وهي مرفوعة إلى الله، وذلك اللسان الكريم وهو يقول لمن رفع أصبعه إليه: اللهم اشهد، ونشهد أنه بلغ البلاغ المبين وأدى رسالة ربه كما أمر، ونصح أمته غاية النصيحة، فلا يحتاج مع بيانه وتبليغه وكشفه وإيضاحه إلى تنطع المتنطعين وحذلقة المتحذلقين! والحمد لله رب العالمين.
ال
стр. 699
إثبات الفوقية والعلو في كلام السلف رحمهم الله تعالى
قال رحمه الله تعالى: [وكلام السلف في إثبات صفة العلو كثير جداً، فمنه: ما روى شيخ الإسلام أبو إسماعيل الأنصاري في كتابه الفاروق، بسنده إلى أبي مطيع البلخي: أنه سأل أبا حنيفة عمن قال: لا أعرف ربي في السماء أم في الأرض؟ فقال: قد كفر؛ لأن الله يقول: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] وعرشه فوق سبع سماوات، قلت: فإن قال: إنه على العرش، ولكن يقول: لا أدري العرش في السماء أم في الأرض؟ قال: هو كافر؛ لأنه أنكر أنه في السماء، فمن أنكر أنه في السماء فقد كفر.
وزاد غيره: لأن الله في أعلى عليين، وهو يدعى من أعلى، لا من أسفل.
انتهى.
ولا يلتفت إلى من أنكر ذلك ممن ينتسب إلى مذهب أبي حنيفة، فقد انتسب إليه طوائف معتزلة وغيرهم، مخالفون له في كثير من اعتقاداته، وقد ينتسب إلى مالك والشافعي وأحمد من يخالفهم في بعض اعتقاداتهم، وقصة أبي يوسف في استتابة بشر المريسي لما أنكر أن يكون الله فوق العرش مشهورة، رواها عبد الرحمن بن أبي حاتم وغيره].
الملاحظ في التاريخ أن أصحاب مذاهب الكلام كان كثير منهم على مذهب أبي حنيفة في الفروع، كمشاهير الجهمية المنتسبين ومشاهير المعتزلة، كما أن كثيراً من المتكلمين كانوا بين شافعية وأحناف، وهذا لا يضر بأصول المذاهب نفسها، لكن هذا من باب العلم بالواقع، وإلا فالأئمة الأربعة كلهم على مذهب أهل السنة والجماعة، وأوائل تلاميذهم كذلك، لكن إذا أرادنا أن نؤرخ لدخول المذاهب الكلامية على المذاهب فسنجد أن الأحناف هم أول من تأثر بمذاهب الجهمية، وأن الشافعية وجد في أوائلهم من دخل في مذاهب الكلابية الذي هو أصل مذهب الأشاعرة والماتريدية، ثم بعد ذلك انتشرت المذاهب الكلامية في جميع المذاهب في بعض المالكية ثم في بعض الحنابلة.
стр. 700
الرد على متأول الفوقية
قال رحمه الله تعالى: [ومن تأول (فوق) بأنه خير من عباده وأفضل منهم، وأنه خير من العرش وأفضل منه، كما يقال: الأمير فوق الوزير، والدينار فوق الدرهم؛ فذلك مما تنفر عنه العقول السليمة، وتشمئز منه القلوب الصحيحة، فإن قول القائل ابتداء: الله خير من عباده، وخير من عرشه من جنس قوله: الثلج بارد، والنار حارة، والشمس أضوأ من السراج، والسماء أعلى من سقف الدار، والجبل أثقل من الحصى، ورسول الله ﷺ أفضل من فلان اليهودي، والسماء فوق الأرض، وليس في ذلك تمجيد ولا تعظيم ولا مدح، بل هو من أرذل الكلام وأسمجه وأهجنه! فكيف يليق بكلام الله الذي لو اجتمع الإنس والجن على أن يأتوا بمثله لما أتوا بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيراً؟! بل في ذلك تنقص، كما قيل في المثل السائر: ألم تر أن السيف ينقص قدره إذا قيل إن السيف أمضى من العصا ولو قال قائل: الجوهر فوق قشر البصل وقشر السمك لضحك منه العقلاء، للتفاوت الذي بينهما، فالتفاوت الذي بين الخالق والمخلوق أعظم وأعظم، بخلاف ما إذا كان المقام يقتضي ذلك، بأن كان احتجاجاً على مبطل، كما في قول يوسف الصديق ﵇: ((أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ)) [يوسف:٣٩]، وقوله تعالى: ﴿آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [النمل:٥٩] ﴿وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [طه:٧٣].
وإنما يثبت هذا المعنى من الفوقية في ضمن ثبوت الفوقية المطلقة من كل وجه، فله فوقية القهر وفوقية القدر، وفوقية الذات، ومن أثبت البعض ونفى البعض فقد تنقص، وعلوه تعالى مطلق من كل الوجوه، فإن قالوا: بل علو المكانة لا المكان! فالمكانة تأنيث المكان، والمنزلة تأنيث المنزل، فلفظ المكانة والمنزلة تستعمل في المكانات النفسية والروحانية، كما يستعمل لفظ المكان والمنزل في الأمكنة الجسمانية].
يعني أن المكانة تقال في الأمور المعنوية، والمكان يقال في الأمور الحسية.
قال رحمه الله تعالى: [فإذا قيل: لك في قلوبنا منزلة، ومنزلة فلان في قلوبنا وفي نفوسنا أعظم من منزلة فلان، كما جاء في الأثر: إذا أحب أحدكم أن يعرف كيف منزلته عند الله؛ فلينظر كيف منزلة الله في قلبه، فإن الله ينزل العبد من نفسه حيث أنزله العبد من قلبه.
فقوله: منزلة الله في قلبه: هو ما يكون في قلبه من معرفة الله ومحبته وتعظيمه وغير ذلك، فإذا عرف أن المكانة والمنزلة تأنيث المكان والمنزل، والمؤنث فرع على المذكر في اللفظ والمعنى، وتابع له، فعلو المثل الذي يكون في الذهن يتبع علو الحقيقة، إذا كان مطابقاً كان حقاً، وإلا كان باطلاً.
فإن قيل: المراد علوه في القلوب، وأنه أعلى في القلوب من كل شيء؛ قيل: وكذلك هو، وهذا العلو مطابق لعلوه في نفسه على كل شيء، فإن لم يكن عالياً بنفسه على كل شيء، كان علوه في القلوب غير مطابق، كمن جعل ما ليس بأعلى أعلى].
الخلاصة: أن الشارح ﵀ سلك في الرد على الذين أنكروا العلو الذاتي لله مسلك التفصيل واستقصاء الأدلة والبراهين العقلية والنقلية، وهذا مذهب السلف في الأمور التي تلجّ فيها القضايا بينهم وبين المخالفين، ذلك أن من عادة السلف إذا كانت الشبهات خفيفة أن يردوا عليها بإجمال، وإذا كانت كبيرة ومعضلة ويكثر فيها الكلام وتعم بها البلوى زادوا في التفصيل فيها إلى حد حشر الأدلة العقلية والنقلية بتوسع، كما فعل الشارح تبعاً لمن سبقه, خاصة ابن القيم.
стр. 701
الأسئلة
стр. 702
مدى صحة القول بعلم فرعون بفوقية الله ﷻ
السؤال
هل كان فرعون يعلم بفوقية الله ؟
الجواب
قال بعض السلف: إنه فهم بفطرته أن الله فوق، وإنه بذلك أراد أن يغالط في مسألة الوصول إلى الله ، وبعضهم فهم العكس، وقال: إنه أراد بذلك أن ينكر دعوى موسى بأن الله فوق السماوات، وهذا بعيد، وفي نظري أن القول الأول أصح، وهو أن فرعون كان يعرف أن الله فوق السماوات، لكنه أراد أن يوهم الناس من حوله بمثل هذا الإيهام ليقول: إنه ليس هناك رب لكم غيري.
وعلى أي حال أقول: إن قصة موسى تحتمل معنيين، وفي كلا المعنيين دليل على إثبات العلو لله .
стр. 703
وجه الدلالة على العلو من استفهامه ﷺ الجارية بلفظ (أين)
السؤال
يقول في الدليل الرابع عشر في أدلة العلو: التعبير بلفظ (الأين)، فما المقصود بالاستدلال به؟
الجواب
يقصد به أن النبي ﷺ كان يسأل عند الحاجة بلفظ (أين الله)، كما سأل الجارية: أين الله؟ هذا معنى الأين، ولا يمكن أن يسأل بلفظ (أين الله) إلا إذا كان الله موصوفاً بشيء مما يقتضي السؤال، وهو العلو، فلو كان كما يقولون: إن الله وجوده معنوي؛ لما جاز السؤال بـ (أين)؛ لأن الشيء المعنوي الذي يوجد في الأذهان فقط لا يسأل عنه بلفظ: أين هو؟ ثم إنه يقصد بالسؤال بـ (الأين) أن السؤال ترتب عليه جواب أقره النبي ﷺ ، فالنبي ﷺ سأل: (أين الله) ثم جاء الجواب بأنه في السماء مع رفع الأصبع بالإشارة إلى العلو، فهذا معنى قوله: (التصريح بلفظ الأين)، أي: السؤال عن الجهة، وهي جهة الفوق والعلو.
والله أعلم، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 704
شرح العقيدة الطحاوية [٦١]
أدلة إثبات علو الله على خلقه متواترة نصاً وعقلاً وحساً، وكل من أراد أن يشكك في الأدلة أو يعارضها بزعمه وعقله وحدسه فإنها لا تثبت ولا تستقيم، بل سرعان ما تتلاشى وتتهاوى تجاه قوة الأدلة وكثرتها التي تفيد بوضوح إثبات العلو لله تعالى.
стр. 705
ثبوت علو الله تعالى على خلقه بدليل العقل
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وعلوه كما هو ثابت بالسمع ثابت بالعقل والفطرة، أما ثبوته بالعقل فمن وجوه: أحدها: العلم البديهي القاطع بأن كل موجودين إما أن يكون أحدهما سارياً في الآخر قائماً به كالصفات، وإما أن يكون قائماً بنفسه بائناً من الآخر].
كلمة (قائم به) كثير ما يعبر بها أهل الكلام فيما يتعلق بالصفات وكثير من الأمور الغيبية، ويقصدون لزوم الشيء للشيء، يعني: الصفات الملازمة لله سبحانه.
وأحياناً يقصدون أن القائم بالشيء هو الذي يعد جزءاً منه، أو أنه غير منفصل عنه، فأبرز تعبيراتهم هي القائم بالشيء، أي: اللازم له الحاصل منه أو الحاصل فيه الذي لا ينفصل عنه، وهو تعبير فلسفي ينبغي أن يتفاداه المسلم إلا عند الضرورة عندما يضطر للرد.
قال رحمه الله تعالى: [الثاني: أنه لما خلق العالم فإما أن يكون خلقه في ذاته أو خارجاً عن ذاته، والأول باطل، أما أولاً: فبالاتفاق، وأما ثانياً: فلأنه يلزم أن يكون محلاً للخسائس والقاذورات! تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً.
والثاني: يقتضي كون العلم واقعاً خارج ذاته، فيكون منفصلاً، فتعينت المباينة؛ لأن القول بأنه غير متصل بالعالم وغير منفصل عنه غير معقول.
الثالث: أن كونه تعالى لا داخل العالم ولا خارجه يقتضي نفي وجوده بالكلية؛ لأنه غير معقول، فيكون موجوداً إما داخله وإما خارجه، والأول باطل، فتعين الثاني، فلزمت المباينة].
وهذه الأمور بدهية، وتكرير البدهيات كثيراً ما يشكل، ولولا أن المؤلف ساق هذا هنا في الرد على أناس ممن ينتسبون للعلم، ويفتن بهم كثير من المسلمين، خاصة في تلك العصور التي كانوا فيها أعلاماً، ينظر إليهم نظرة إكبار وإعجاب، كحال أبي المعالي الجويني قبل رجوعه، والرازي قبل رجوعه، والغزالي والشهرستاني والبغدادي وغيرهم من الذين كان كثير من الناس ينظر إليهم نظرة إكبار وإعجاب، فوجد منهم هذا التلبيس، فاضطر السلف إلى أن يردوا على هذه المقولة دفعاً للبس، وإلا فالمفروض ألا يتكلم المسلم بهذه الأمور لغير ضرورة قصوى خاصة في الأماكن العامة والدروس العامة.
لذا نجد أن الذين تصدوا لهذه الردود أحياناً يقولون أشياء غير لائقة، وبإمكانهم أن يعبروا عنها بتعبيرات أخرى سليمة، لكن الحرص على الرد والإمعان في رد هذه الشبهات جعلهم يقعون في مصطلحات وتعبيرات استعملها الخصوم.
فمثلاً: استعمال الشارح عبارة لا ينبغي لطالب العلم أن يستعملها أبداً، وهي قوله: أما ثانياً: فلأنه يلزم أن الله يكون محلاً لكذا وكذا، والمفروض أن يعبر بتعبير يدل على المراد مجملاً، كأن يقول: يلزم منه أن يكون محلاً لما لا يليق، وهذا كاف؛ لأن أي إنسان مطبوع على الفطرة السليمة ينفر من أن يعبر عن الله بما لا يليق دون ذكر العبارات التي توقع في حرج، فالمسلم يجد حرجاً شديداً في أن يحكيها حتى وإن قالها هؤلاء الملبسون.
ولذا فإن ذكر هذه الأمور أحياناً يوجد أحياناً شيئاً من الإشكال عند الناس الذين هم على الفطرة، فلا يلجأ المسلم إلى هذا التعبير إلا عند الضرورة القصوى، أو في دروس خاصة من دروس العقيدة ونحوها، وأن يؤمن فيها عدم وجود الأحداث الصغار وعدم وجود العوام الجهال، وعدم وجود قليلي العلم الشرعي من المثقفين المغرورين ونحوهم.
следующие страницы →