Полный текст (1 296 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.
стр. 701
الأسئلة
стр. 702
مدى صحة القول بعلم فرعون بفوقية الله ﷻ
السؤال
هل كان فرعون يعلم بفوقية الله ؟
الجواب
قال بعض السلف: إنه فهم بفطرته أن الله فوق، وإنه بذلك أراد أن يغالط في مسألة الوصول إلى الله ، وبعضهم فهم العكس، وقال: إنه أراد بذلك أن ينكر دعوى موسى بأن الله فوق السماوات، وهذا بعيد، وفي نظري أن القول الأول أصح، وهو أن فرعون كان يعرف أن الله فوق السماوات، لكنه أراد أن يوهم الناس من حوله بمثل هذا الإيهام ليقول: إنه ليس هناك رب لكم غيري.
وعلى أي حال أقول: إن قصة موسى تحتمل معنيين، وفي كلا المعنيين دليل على إثبات العلو لله .
стр. 703
وجه الدلالة على العلو من استفهامه ﷺ الجارية بلفظ (أين)
السؤال
يقول في الدليل الرابع عشر في أدلة العلو: التعبير بلفظ (الأين)، فما المقصود بالاستدلال به؟
الجواب
يقصد به أن النبي ﷺ كان يسأل عند الحاجة بلفظ (أين الله)، كما سأل الجارية: أين الله؟ هذا معنى الأين، ولا يمكن أن يسأل بلفظ (أين الله) إلا إذا كان الله موصوفاً بشيء مما يقتضي السؤال، وهو العلو، فلو كان كما يقولون: إن الله وجوده معنوي؛ لما جاز السؤال بـ (أين)؛ لأن الشيء المعنوي الذي يوجد في الأذهان فقط لا يسأل عنه بلفظ: أين هو؟ ثم إنه يقصد بالسؤال بـ (الأين) أن السؤال ترتب عليه جواب أقره النبي ﷺ ، فالنبي ﷺ سأل: (أين الله) ثم جاء الجواب بأنه في السماء مع رفع الأصبع بالإشارة إلى العلو، فهذا معنى قوله: (التصريح بلفظ الأين)، أي: السؤال عن الجهة، وهي جهة الفوق والعلو.
والله أعلم، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 704
شرح العقيدة الطحاوية [٦١]
أدلة إثبات علو الله على خلقه متواترة نصاً وعقلاً وحساً، وكل من أراد أن يشكك في الأدلة أو يعارضها بزعمه وعقله وحدسه فإنها لا تثبت ولا تستقيم، بل سرعان ما تتلاشى وتتهاوى تجاه قوة الأدلة وكثرتها التي تفيد بوضوح إثبات العلو لله تعالى.
стр. 705
ثبوت علو الله تعالى على خلقه بدليل العقل
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وعلوه كما هو ثابت بالسمع ثابت بالعقل والفطرة، أما ثبوته بالعقل فمن وجوه: أحدها: العلم البديهي القاطع بأن كل موجودين إما أن يكون أحدهما سارياً في الآخر قائماً به كالصفات، وإما أن يكون قائماً بنفسه بائناً من الآخر].
كلمة (قائم به) كثير ما يعبر بها أهل الكلام فيما يتعلق بالصفات وكثير من الأمور الغيبية، ويقصدون لزوم الشيء للشيء، يعني: الصفات الملازمة لله سبحانه.
وأحياناً يقصدون أن القائم بالشيء هو الذي يعد جزءاً منه، أو أنه غير منفصل عنه، فأبرز تعبيراتهم هي القائم بالشيء، أي: اللازم له الحاصل منه أو الحاصل فيه الذي لا ينفصل عنه، وهو تعبير فلسفي ينبغي أن يتفاداه المسلم إلا عند الضرورة عندما يضطر للرد.
قال رحمه الله تعالى: [الثاني: أنه لما خلق العالم فإما أن يكون خلقه في ذاته أو خارجاً عن ذاته، والأول باطل، أما أولاً: فبالاتفاق، وأما ثانياً: فلأنه يلزم أن يكون محلاً للخسائس والقاذورات! تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً.
والثاني: يقتضي كون العلم واقعاً خارج ذاته، فيكون منفصلاً، فتعينت المباينة؛ لأن القول بأنه غير متصل بالعالم وغير منفصل عنه غير معقول.
الثالث: أن كونه تعالى لا داخل العالم ولا خارجه يقتضي نفي وجوده بالكلية؛ لأنه غير معقول، فيكون موجوداً إما داخله وإما خارجه، والأول باطل، فتعين الثاني، فلزمت المباينة].
وهذه الأمور بدهية، وتكرير البدهيات كثيراً ما يشكل، ولولا أن المؤلف ساق هذا هنا في الرد على أناس ممن ينتسبون للعلم، ويفتن بهم كثير من المسلمين، خاصة في تلك العصور التي كانوا فيها أعلاماً، ينظر إليهم نظرة إكبار وإعجاب، كحال أبي المعالي الجويني قبل رجوعه، والرازي قبل رجوعه، والغزالي والشهرستاني والبغدادي وغيرهم من الذين كان كثير من الناس ينظر إليهم نظرة إكبار وإعجاب، فوجد منهم هذا التلبيس، فاضطر السلف إلى أن يردوا على هذه المقولة دفعاً للبس، وإلا فالمفروض ألا يتكلم المسلم بهذه الأمور لغير ضرورة قصوى خاصة في الأماكن العامة والدروس العامة.
لذا نجد أن الذين تصدوا لهذه الردود أحياناً يقولون أشياء غير لائقة، وبإمكانهم أن يعبروا عنها بتعبيرات أخرى سليمة، لكن الحرص على الرد والإمعان في رد هذه الشبهات جعلهم يقعون في مصطلحات وتعبيرات استعملها الخصوم.
فمثلاً: استعمال الشارح عبارة لا ينبغي لطالب العلم أن يستعملها أبداً، وهي قوله: أما ثانياً: فلأنه يلزم أن الله يكون محلاً لكذا وكذا، والمفروض أن يعبر بتعبير يدل على المراد مجملاً، كأن يقول: يلزم منه أن يكون محلاً لما لا يليق، وهذا كاف؛ لأن أي إنسان مطبوع على الفطرة السليمة ينفر من أن يعبر عن الله بما لا يليق دون ذكر العبارات التي توقع في حرج، فالمسلم يجد حرجاً شديداً في أن يحكيها حتى وإن قالها هؤلاء الملبسون.
ولذا فإن ذكر هذه الأمور أحياناً يوجد أحياناً شيئاً من الإشكال عند الناس الذين هم على الفطرة، فلا يلجأ المسلم إلى هذا التعبير إلا عند الضرورة القصوى، أو في دروس خاصة من دروس العقيدة ونحوها، وأن يؤمن فيها عدم وجود الأحداث الصغار وعدم وجود العوام الجهال، وعدم وجود قليلي العلم الشرعي من المثقفين المغرورين ونحوهم.
стр. 706
ثبوت علو الله تعالى على خلقه بدليل الفطرة
قال رحمه الله تعالى: [وأما ثبوته بالفطرة فإن الخلق جميعاً بطباعهم وقلوبهم السليمة يرفعون أيديهم عند الدعاء، ويقصدون جهة العلو بقلوبهم عند التضرع إلى الله تعالى.
وذكر محمد بن طاهر المقدسي أن الشيخ أبا جعفر الهمذاني حضر مجلس الأستاذ أبي المعالي الجويني المعروف بإمام الحرمين وهو يتكلم في نفي صفة العلو ويقول: كان الله ولا عرش، وهو الآن على ما كان! فقال الشيخ أبو جعفر: أخبرنا -يا أستاذ- عن هذه الضرورة التي نجدها في قلوبنا؟ فإنه ما قال عارف قط: (يا الله) إلا وجد في قلبه ضرورة تطلب العلو، لا يلتفت يمنة ولا يسرة، فكيف ندفع هذه الضرورة عن أنفسنا؟! قال: فلطم أبو المعالي على رأسه ونزل! وأظنه قال: وبكى وقال: حيرني الهمذاني، حيرني الهمذاني! أراد الشيخ: أن هذا أمر فطر الله عليه عباده، من غير أن يتلقوه من المعلمين، يجدون في قلوبهم طلباً ضرورياً يتوجه إلى الله ويطلبه في العلو].
هذه الضرورة يدركها كل إنسان، وليس المسلم فقط، فكل إنسان يعرف الله ويدرك هذه الضرورة، وهي اللجوء إلى الله والتوجه إلى العلو، سواء كان توجهاً فعلياً أو توجهاً قلبياً.
والناس في هذا درجات، فالمسلم الموقن الصادق المتقي لله يستصحب في كل أموره دائماً هذه الحقيقة، فيتوجه إلى العلو حينما يدعو الله ، يتوجه قلبه وجوارحه، أما توجه قلبه فهذا أمر دائم، أما توجه جوارحه فعندما يدعو أو يعبر عن شيء من كمالات الله يجد أنه يشير إلى العلو، دون أن يقصد أحياناً، أي: يشير بفطرته.
أما العاصي والكافر ونحوهما فإنهم عند الضرورة -أي: عند الأمور الملحة وعندما يمسهم الضر- تجدهم بفطرتهم تتوجه قلوبهم وجوارحهم إلى الله ، حتى عند المفاجئة التي ليس من طبع الإنسان أن يفكر فيها بسرعة، فعندما يدهمه أمر يجد أنه متوجه إلى الله إلى جهة العلو بجوارحه وبقلبه، بل الحيوانات كذلك، فالحيوانات عندما يمسها شيء من الضر -خاصة عند النزع- أو عندما تفقد شيئاً من الأمور الغالية عليها -كأن تفقد الدابة ولدها- تجدها تشخص ببصرها إلى الله إلى جهة السماء، فهذا أمر فطري يدرك في الحيوان وفي الإنسان، لكن الفلسفة أحياناً تضيع الحقائق الفطرية وتضيع الأمور التي يقتضيها العقل السليم، ودليل ذلك أن الناس إذا تمادوا في الفلسفات أنكروا البدهيات المشاهدة أمامهم فضلاً عن البدهيات العقلية؛ لأنه يوجد من الفلاسفة من يذهب إلى الشك في وجود نفسه، فالناس ليس في أوهامهم وظنونهم دلالة، والعقول لا تنضبط بشيء، فمن أضل الله عقله فلن يهتدي بالحق، فليس فيما يوجد من شذوذات عند المتكلمين والفلاسفة دليل على ما في الفطر والعقول السليمة، إنما الدليل ما عليه جمهور العقلاء وما تقتضيه النصوص الشرعية والفطرة السلمية التي يعبر عنها السذج من الناس، فإذا اختلف المتجادلون فليلجئوا إلى ما عليه أهل الفطرة السليمة الذين لم تدخلهم الفلسفة، فسيجدون عندهم حقيقة الأمور الفطرية، نعم ليس عندهم فقه شرعي، لكن الحقيقة في الأمور الفطرية تجدها عند السذج السالمين من الأهواء، السالمين من البدع، السالمين من الفلسفات الدخيلة، تجد عندهم كثيراً من الحقائق التي يماري فيها أهل الأهواء، سواء ما يتعلق بوجود الله ، وبعلوه سبحانه وفوقيته، وما يتعلق بأسمائه وصفاته وأفعاله.
стр. 707
الاعتراض على الدليل العقلي على علو الله والرد عليه
قال رحمه الله تعالى: [وقد اعترض على الدليل العقلي بإنكار بداهته؛ لأنه أنكره جمهور العقلاء، فلو كان بديهياً لما كان مختلفاً فيه بين العقلاء، بل هو قضية وهمية خيالية.
والجواب عن هذا الاعتراض مبسوط في موضعه، ولكن أشير إليه هنا إشارة مختصرة، وهو أن يقال: إن العقل إن قبل قولكم فهو لقولنا أقبل، وإن رد العقل قولنا فهو لقولكم أعظم رداً؛ فإن كان قولنا باطلاً في العقل فقولكم أبطل، وإن كان قولكم حقاً مقبولاً في العقل؛ فقولنا أولى أن يكون مقبولاً في العقل؛ فإن دعوى الضرورة مشتركة.
فإنا نقول: نعلم بالضرورة بطلان قولكم، وأنتم تقولون كذلك، فإذا قلتم: تلك الضرورة التي تحكم ببطلان قولنا هي من حكم الوهم لا من حكم العقل؛ قابلناكم بنظير قولكم، وعامة فطر الناس -ليسوا منكم ولا منا- يوافقونا على هذا].
هذا ما أشرت إليه سابقاً، وهو أن عامة الناس الذين هم على الاستقامة في الأصل ولم تدخلهم الفلسفات هم الذين يعتد بفطرهم السليمة، وقد لا يدركون الأمور العقلية العميقة، لكن هذه ليست محل خلاف، فأغلب الخلاف في الأمور البدهية، والأمور التي يتعمق فيها الفلاسفة ناتجة عن الخلاف في البدهيات.
فأغلب الأمور التي تفلسف فيها المتفلسفون وتكلم فيها المتكلمون، ودوخوا فيها أنفسهم ودوخوا فيها المسلمين راجعة إلى البدهيات، فإذا أسقطنا أصولهم بالبدهيات سقطت جميع الفرعيات التي فرعوا عنها.
فمثلاً: كثير من الأمور التي أولوا فيها الصفات راجعة إلى مسألة العلو ومسألة الاستواء، ومسألة كلام الله .
فهذه الأمور هي التي يدور عليها أكثر تأويل المؤولة من الجهمية والمعتزلة، وأهل الكلام وغيرهم تبع لهم، ثم هذه الثلاث كلها تدور على مسألة واحدة، وهي مسألة العلو، فإذا قررنا العلو بالفطرة تقرر الوجود الذاتي لله ، وإذا تقرر الوجود الذاتي تقرر إثبات الأسماء والصفات والأفعال لله على ما يليق بجلاله، وتقرر الاستواء ثم الكلام ثم سائر الصفات.
ومسألة العلو بدهية، فإذا قررناها بالبداهة بعيداً عن السفسطة وبعيداً عن التكلف الذي تكلف به المتكلفون انتهى وانهدم أصل الخصم الذي بنى عليه التأويل أو بنى عليه التعطيل.
وقول الهمذاني مثال فقط لما يجري بين أهل السنة وبين غيرهم في تقرير العقيدة، فـ الهمذاني ما ذهب يتفلسف، بل ألجأ الجويني إلى الاعتراف بحقيقة الفطرة الساذجة، فقال: دعنا من كلامك هذا كله، لكن فسر لي الضرورة التي يجدها قلب كل إنسان ما تفلسف ولا درس على الجويني ولا على غيره، يجد في قلبه أنه إذا دعا الله توجه قلبه إلى فوق، فهذه الضرورة من أين جاءت؟! مع أنه ما قرأ ولا تعلم على يد معلم ولا سمع الجويني ولا غير الجويني، فمن أين جاءت هذه الضرورة؟! فـ الجويني تأمل وقال: هذه فطرة، فالله هو الذي خلق هؤلاء العباد وفطرهم، فمن أين جاءتهم هذه الضرورة التي يتفقون عليها؟! ولماذا أنا وعدد من الناس يعدون على الأصابع على الحق وهذه الأمة التي هي على الفطرة السليمة يضيع إيمانها كلها، حيث لم تؤمن بما قاله الجويني وحينما آمنت بصيغة العلو؟! تأمل ذلك قليلاً ثم ضرب على رأسه وبكى، وبعد ذلك رجع رجعة عبر عنها بتعبير لا يستطيع أحد أن يعبر بمثل تعبيره؛ لأنه جرب.
قال رحمه الله تعالى: [فإن كان حكم فطر بني آدم مقبولاً ترجحنا عليكم، وإن كان مردوداً غير مقبول بطل قولكم بالكلية؛ فإنكم إنما بنيتم قولكم على ما تدعون أنه مقدمات معلومة بالفطرة الآدمية، وبطلت عقلياتنا أيضاً، وكان السمع الذي جاءت به الأنبياء معنا لا معكم، فنحن مختصون بالسمع دونكم، والعقل مشترك بيننا وبينكم.
فإن قلتم: أكثر العقلاء يقولون بقولنا؟ قيل: ليس الأمر كذلك، فإن الذين يصرحون بأن صانع العالم].
كان اللازم أن يعبر بـ (خالق العالم)، لكن هذا التعبير من تعبير شيخ الإسلام ابن تيمية وهو يرد على أهل الكلام، فكثيراً ما يستعمل مصطلحاتهم؛ لأنها أقرب إلى مفاهيمهم وأقرب إلى إقامة الحجة عليهم، وعلى هذا ينبغي أن يكون بدلها (خالق العالم).
قال رحمه الله تعالى: [فإن الذين يصرحون بأن صانع العالم ليس هو فوق العالم وليس فوق العالم شيء موجود، وأنه لا مباين للعالم ولا حال في العالم؛ طائفة من النظار، وأول من عرف عنه ذلك في الإسلام جهم بن صفوان وأتباعه].
стр. 708
الاعتراض على الدليل الفطري على علو الله تعالى والرد عليه
قال رحمه الله تعالى: [واعترض على الدليل الفطري أن ذلك إنما لكون السماء قبلة للدعاء، كما أن الكعبة قبلة للصلاة].
الذين اعترضوا على الدليل الفطري في إثبات العلو لله هم أهل الكلام من الجهمية والمعتزلة، والذين ورثوهم في هذه المسألة هم متكلمة الأشاعرة والماتريدية، فهؤلاء قالوا: إن الدليل الفطري ينقضه أن توجه الناس إلى السماء يعني أن السماء قبلة الدعاء، لا أنه غريزة، كما أن الكعبة بزعمهم هي قبلة الصلاة، يقولون: كما أن الكعبة هي قبلة الصلاة كذلك السماء أو العلو قبلة الدعاء، وهذا سينقضه المؤلف بكلام بين واضح.
قال رحمه الله تعالى: [واعترض على الدليل الفطري أن ذلك إنما لكون السماء قبلة للدعاء، كما أن الكعبة قبلة للصلاة، ثم هو منقوض بوضع الجبهة على الأرض مع أنه ليس في جهة الأرض.
وأجيب على هذا الاعتراض من وجوه: أحدها: أن قولكم: (إن السماء قبلة للدعاء) لم يقله أحد من سلف الأمة، ولا أنزل الله به من سلطان، وهذا من الأمور الشرعية الدينية، فلا يجوز أن يخفى على جميع سلف الأمة وعلمائها.
الثاني: أن قبلة الدعاء هي قبلة الصلاة؛ فإنه يستحب للداعي أن يستقبل القبلة، وكان النبي ﷺ يستقبل القبلة في دعائه في مواطن كثيرة، فمن قال: إن للدعاء قبلة غير قبلة الصلاة، أو: إن له قبلتين: إحداهما الكعبة والأخرى السماء؛ فقد ابتدع في الدين، وخالف جماعة المسلمين.
الثالث: أن القبلة: هي ما يستقبله العابد بوجهه، كما تستقبل الكعبة في الصلاة والدعاء والذكر والذبح، وكما يوجه المحتضر والمدفون، ولذلك سميت وجهة.
والاستقبال خلاف الاستدبار، فالاستقبال بالوجه، والاستدبار بالدبر، فأما ما حاذاه الإنسان برأسه أو يديه أو جنبه فهذا لا يسمى قبلة، لا حقيقة ولا مجازاً، فلو كانت السماء قبلة الدعاء لكان المشروع أن يوجه الداعي وجهه إليها، وهذا لم يشرع، والموضع الذي ترفع اليد إليه لا يسمى قبلة لا حقيقة ولا مجازاً؛ ولأن القبلة في الدعاء أمر شرعي تتبع فيه الشرائع، ولم تأمر الرسل أن الداعي يستقل السماء بوجهه، بل نهوا عن ذلك، ومعلوم أن التوجه بالقلب واللجأ والطلب الذي يجده الداعي من نفسه أمر فطري، يفعله المسلم والكافر، والعالم والجاهل، وأكثر ما يفعله المضطر والمستغيث بالله، كما فطر على أنه إذا مسه الضر يدعو الله، مع أن أمر القبلة مما يقبل النسخ والتحويل، كما تحولت القبلة من الصخرة إلى الكعبة.
وأمر التوجه في الدعاء إلى الجهة العلوية مركوز في الفطر، والمستقبل للكعبة يعلم أن الله تعالى ليس هناك، بخلاف الداعي فإنه يتوجه إلى ربه وخالقه، ويرجو الرحمة أن تنزل من عنده.
وأما النقض بوضع الجبهة فما أفسده من نقض، فإن واضع الجبهة إنما قصده الخضوع لمن فوقه بالذل له، لا أن يميل إليه إذ هو تحته، هذا لا يخطر في قلب ساجد، لكن يحكى عن بشر المريسي أنه سمع وهو يقول في سجوده: سبحان ربي الأسفل! تعالى الله عما يقول الظالمون والجاحدون علواً كبيراً.
وإن من أفضى به النفي إلى هذه الحال لحري أن يتزندق إن لم يتداركه الله برحمته، وبعيد من مثله الصلاح، قال تعالى: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الأنعام:١١٠]، وقال تعالى: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف:٥]، فمن لم يطلب الاهتداء من مظانه يعاقب بالحرمان، نسأل الله العفو والعافية].
стр. 709
الأسئلة
стр. 710
وجه دلالة مباينة الله تعالى لخلقه على علوه ﷻ
السؤال
الوجوه التي ذكرها المؤلف في إثبات علو الله سبحانه بالعقل فهمت منها إثبات المباينة، فهل يلزم من إثبات المباينة إثبات العلو؟
الجواب
نعم، فيلزم من إثبات المباينة إثبات العلو؛ لأنَّ الله غير خلقه، فوجوده غير وجود المخلوقات، والله منزه عن النقص، ولا بد أن يوصف بالكمال، وأكمل وأحسن الجهات هي العلو؛ لأن العلو هو الدليل على التمكن والدليل على الهيمنة والدليل على الإحاطة، والله موصوف بأنه العلي العظيم، وهو بكل شيء محيط، فأي الجهات تناسب صفات الله وأسماءه الحسنى؟! فكونه غير خلقه لا بد أن يكون مبايناً لها، أي: منفصلاً عنها، فليس هو المخلوقات، ووجوده وجود ذاتي، بمعنى أنه له وجود فعلي حقيقي، ليس كما يتوهم أولئك أنه وجود ذهني أو معنوي؛ لأن الوجود المعنوي ليس بشيء، فالمعدوم له وجود معنوي في التصور والأذهان والأوهام، بمعنى أن النفس تتخيله وهو عدم.
стр. 711
بيان معنى قول أهل الكلام: (لا نسلم أنه قابل للفوقية حتى يلزم من نفيها ثبوت ضدها)
السؤال
ما معنى قول الشارح في الطحاوية: لا نسلم أنه قابل للفوقية حتى يلزم من نفيها ثبوت ضدها؟
الجواب
هذه عبارة الجهمية والمعتزلة وطوائف من أهل الكلام، قالوا: لا نسلم أنه قابل للفوقية حتى يلزم من نفيها ثبوت ضدها، ذلك أن السلف قالوا: يلزم من نفي الفوقية ثبوت ضد الفوقية وهو السفل، ذلك أنه لا يعقل أن يكون موجود بلا جهة على الإطلاق؛ إذ الجهة أمر نسبي لكل موجود، فالموجودات التي هي المخلوقات تحكمها الجهات الأربع والجهات الست.
أما بالنسبة لوجود الله فإنه لا بد أن يوصف بالكمال، والكمال بالنسبة للجهات هو الفوق والعلو، وما دام المنازعون -وهم أكثر أهل الكلام- يقرون بوجود الله ، وأن الوجود صفة ثبوتية حقيقية عند كثير منهم؛ فإنه يلزمهم بناءً على إقرارهم أن يكون هذا الوجود إلى جهة، والجهة اللائقة بالله هي العلو، لا سيما أنها ثبتت في النصوص الشرعية، فهي مقتضى النص والفطرة والعقل السليم، فمن لم يصف الله بالفوقية والعلو والاستواء على العرش وغير ذلك مما ورد في النصوص فإنه يلزمه بناءً على ذلك أن يصف الله بضد العلو؛ لأنه أقر بوجود الله الوجود الثبوتي، ويلزم من الوجود الجهة.
فقال المنازع: لا نسلم أنه قابل للفوقية حتى يلزم من نفيها ثبوت ضدها.
وهذا من العبث بالألفاظ ومعارضة العقول السلمية والفطر فضلاً عن رد الشرع.
فالرسول ﷺ عند وفاته شخص ببصره إلى السماء وقال: (بل الرفيق الأعلى)، أليس هذا من أدلة العلو؟!
و
الجواب
بلى، بل هو دليل صريح على العلو.
стр. 712
شرح العقيدة الطحاوية [٦٢]
لقد دلت النصوص الكثيرة على إثبات صفات الله تعالى على وجه لا تشابه فيه صفات المخلوقين ولا تماثلهم، ومن تلك الصفات صفتا المحبة والخلة، وقد حاول بعض المبتدعة كما هي عادتهم إنكار الصفات وجحدها أو تأويلها أو تفويضها، ولكن أئمة الإسلام وعلماؤه الأعلام تصدوا لهم وردوا عليهم وأقاموا عليهم الحجج البينات، كما فعل خالد القسري وسلم بن أحوز وغيرهم من الأمراء الذين تصدوا للمارقين بناءً على فتاوى علماء المسلمين.
стр. 713
إثبات المحبة والخلة لله تعالى
قال المصنف رحمه الله تعالى: [قوله: (ونقول: إن الله اتخذ إبراهيم خليلاًَ، وكلم موسى تكليما، إيماناً وتصديقاً وتسليماً): قال تعالى: ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ [النساء:١٢٥]، وقال تعالى: ﴿وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء:١٦٤].
الخلة: كمال المحبة، وأنكرت الجهمية حقيقة المحبة من الجانبين، زعماً منهم أن المحبة لا تكون إلا لمناسبة بين المحب والمحبوب، وأنه لا مناسبة بين القديم والمحدث توجب المحبة.
وكذلك أنكروا حقيقة التكليم كما تقدم، وكان أول من ابتدع هذا في الإسلام هو الجعد بن درهم في أوائل المائة الثانية، فضحى به خالد بن عبد الله القسري أمير العراق والمشرق بواسط، خطب الناس يوم الأضحى فقال: أيها الناس! ضحوا تقبل الله ضحاياكم، فإني مضح بـ الجعد بن درهم؛ إنه زعم أن الله لم يتخذ إبراهيم خليلا ولم يكلم موسى تكليما.
ثم نزل فذبحه وكان ذلك بفتوى أهل زمانه من علماء التابعين ﵃، فجزاه الله عن الدين وأهله خيرا.
وأخذ هذا المذهب عن الجعد الجهم بن صفوان].
قبل هذا المقطع هناك ثلاثة أسطر سقطت عن غير قصد، وهي: [قوله: (وقد أعجز عن الإحاطة خلقه) أي: لا يحيطون به علماً ولا رؤية ولا غير ذلك من وجود الإحاطة، بل هو سبحانه محيط بكل شيء ولا يحيط به شيء].
فالله لا يمكن أن تحيط به مدارك الناس ولا قواهم ولا حواسهم، فهو أعز وأجل من أن تحيط به حواس البشر وقواهم وأفكارهم وعقولهم، بمعنى أن تدرك كيفية ما هو عليه ، أو أن تنتهي إلى منتهى الكمال لله ، ولا بمجرد التصور؛ لأن الله أعظم وأجل من أن تدركه العقول القاصرة والأفهام المحدودة والقوى الفانية.
وذلك يشمل قدرات البشر في الدنيا والآخرة، ومع أن الناس في الآخرة يرون ربهم، وأن المؤمنين في الجنة يرون ربهم كما يليق بجلال الله فضلاً منه وإحساناً -نسأل الله أن يجعلنا من هؤلاء- مع ذلك لا يحيطون بالله ، أي: بذاته، كما لا يحيطون بعلمه ولا يحيطون بكماله، فجميع كمالاته لا يحيطون بها، وجميع صفاته لا يحيطون بها، وجميع أسمائه لا يحيطون بها.
فعجز الخلق عن الإحاطة بالله يشمل أحكام الدنيا وأحكام الآخرة، ويشمل قوى البشر المعنوية والحسية كلها، فلا يمكن لها أن تحيط بالله سبحانه.
стр. 714
ما أنكره الجهمية من جانبي المحبة وما أنكروه من التكليم
وأما قوله: [وأنكرت الجهمية حقيقة المحبة من الجانبين]؛ فإن الجهمية الغلاة منهم أنكروا المحبة من الله لعباده الصالحين، وأنكروا محبة العباد لله ، هذا معنى قوله: (من الجانبين)، أي: أنكروا أن تتوجه المحبة من العباد لله على وجه الحقيقة، وأنكروا أن تكون المحبة من الله لعباده.
ثم قال: [وكذلك أنكروا حقيقة التكليم]، أي: أنكروا أن الله يكلم عباده أو أنه يتكلم على الحقيقة، وزعموا أن الكلام عبارة عما يخلقه الله أو يوجده مما يسمعه العباد أو مما يكتب، أو مما يلقى في أذهان البشر أو في عقولهم.
ويزعمون أنه حروف وأصوات خلقها الله فسميت كلاماً، ومن هنا زعموا أن القرآن مخلوق.
وأحياناً يعبرون عن القرآن والتوراة والإنجيل وغيرها بأنها مما يفيض على العباد، أو أنها معانٍ نفسية ثم يترجمها إما الملك وهو جبريل، وإما الرسول ﷺ وغيره من الرسل، فإذا ترجمت سميت بحسبها، فإذا كانت هذه المعاني باللغة العبرية سميت توراة، وإذا كانت هذه المعاني باللغة العربية سميت قرآناً، وهكذا، فزعموا أن الله لا يتكلم على الحقيقة.
والمقصود بالحقيقة هنا: أنهم أنكروا الكلام لله بما يليق بجلاله، والسلف يقولون: إن الله متكلم حقيقة؛ لأن الله لا يتكلم إلا بحق، فالله حينما قال: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء:١٦٤] فلابد أن يكون هذا حقيقة، والحقيقة على ما يليق بجلال الله، ومن توهم المعنى الذي يتوهمه الناس في أذهانهم من كلام البشر أو كلام المخلوقات؛ فذلك لا يمكن في حق الله ؛ لأن الله ليس كمثله شيء.
فمعنى أنهم أنكروا حقيقة الكلام أنهم أنكروا أن الله يتكلم على الحقيقة، وفسروا كلام الله بتفسير يؤدي إلى القول بأنه مخلوق.
стр. 715
نظرة في الكلام على خالد القسري وسلم بن أحوز
أما الكلام عن خالد بن عبد الله القسري فهو مما خالف فيه أهل الأهواء أهل السنة في كل العصور، وإلى يومنا هذا، لكن في العصر الحاضر نجد بعض المثقفين من أبناء المسلمين الذين قد لا يتهمون بهوى أو نزعة افتراق وإنما لجهلهم وقلة اطلاعهم على أقوال السلف خاضوا فيما خاض فيه الأولون في اتهام خالد بن عبد الله القسري وأمثاله بأن قتله رءوس البدع والأهواء كان لغرض سياسي، وهذا نوع من تفسير ما في القلوب والنيات لا يجوز، وهذا قول قال به معاصرون من الجهمية، والمعتزلة، والخوارج، والرافضة، ثم صار سمة لأهل الأهواء دائماً، ما أن يقع فيه طوائف من أبناء السنة فهذا مما لا ينبغي السكوت عليه، وينبغي التنبيه عليه، والتحذير من الوقوع في المجاراة للمبطلين وأهل الأهواء.
وخالد بن عبد الله القسري ﵀ من أمراء العراق، كان عنده شيء من القسوة والظلم وليس ممدوحاً في جميع خصاله، وإن كان جواداً كريماً، وله غيرة على دين الله ، لكن له خصال مذمومة، وقد يكون عنده شيء من النصب، أي: القول في علي بما لا يجوز، فهذا نسب إليه، وقد لا يثبت، ومع ذلك لا يلزم من كونه غيوراً على دين الله أن يكون سوياً في جميع جوانب حياته وخصاله، وهذه قاعدة في جميع الولاة في تاريخ الإسلام، أنه لا يلزم من كون الوالي قوياً في الدين، ومجاهداً في سبيل الله أن يكون على سمت أهل الورع والتقوى والصلاح من كل وجه.
وأظن عدم إدراك هذه المسألة هو الذي أوقع بعض شبابنا في الخلط، فظنوا أنه ما دام قد اتهم بشيء من الظلم والمعاصي فلا يمكن أن يكون قتله هؤلاء الزنادقة إلا لسياسة، أقول: هذا لا يجوز، وما قاله أحد السلف الذين عاصروه ومن بعدهم من أئمة الدين إلى يومنا؛ لأنه حكم على القلوب والنيات، ولأنه أيضاً يعد من مجاراة أهل الأهواء والقول بقولهم.
فقتله لمثل الجعد كان بناءً على فتوى أهل العلم، وإذا كان مثل هذا القتل يخدم الوالي فهذا أمر آخر لا صلة له بهذه المسألة، وهو أمر مظنون لا ينبغي أن نبني عليه أحكاماً، وهذا يشمل خالد بن عبد الله القسري وغيره ممن تصدوا لأهل الأهواء وعندهم بعض الفساد، فإنهم يحمدون على ما فعلوا، وقد تكون قوتهم في نصر الحق من التأييد لدين الله ، كما قال الرسول ﷺ في الحديث الصحيح: (إن الله ليؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر).
قال رحمه الله تعالى: [وأخذ هذا المذهب عن الجعد الجهم بن صفوان فأظهره وناظر عليه، وإليه أضيف قول الجهمية، فقتله سلم بن أحوز أمير خراسان بها].
هنا أيضاً مسألة مهمة، وهي أيضاً تشمل ما سبق، وهي الحكم على سلم بن أحوز في قتله كثيراً من الزنادقة، فقد قتل الجهم وغيره، ولاشك في أن الجهم حينما قتل كان قتله على إثر خروجه على الأئمة، ولهذا فرح بعض أهل الأهواء قديماً وحديثاً وبعض الذين تأثروا بهم بهذه المناسبة، فجعلوا مثل هذه الظواهر -أي: قتل هؤلاء من رءوس البدع- لأسباب سياسية.
وأنا أقول: الجهم خرج، ومن أسباب قتله خروجه، ومن أسباب قتله قوله بالتجهم أيضاً، فاجتمع الأمران في قتله: أنه خرج على الأئمة، وأنه أيضاً كان جعدياً على مذهب الجعد، وسمت الفرقة باسمه فيما بعد.
فيصح أن يكون الجهم قتل لخروجه، لكن هذا أمر أيضاً لا يتنافى مع كونه قتل للتعطيل، وهذا يشمل أيضاً جميع أهل الأهواء.
ومن سمات أهل الأهواء أنهم يرون الخروج، فلذلك أكثرهم قتل لخروجه، وقتل أيضاً لاعتقاده الخروج ولو لم يخرج فعلاً، وقد يكون قتل أيضاً لآرائه وعقائده.
ومن هؤلاء غيلان الدمشقي، فـ غيلان الدمشقي قتل لقوله في القدر وغلوه في ذلك وتعطيله، وقتل أيضاً لأنه كان يرى الخروج، وهذه سمة أهل الأهواء جميعاً، أنهم يجمعون مع أهوائهم القول بالخروج، ولذلك ذكر كثير من السلف أن من السمات الجامعة لأهل الأهواء أنهم يرون السيف على تفاوت بينهم.
فإذاً: لا يستبعد أن يكون الشخص الواحد يجتمع فيه أمران لقتله: فيكون ذا عقائد باطلة تستوجب قتله، ويكون أيضاً ممن يرى الخروج، أو ينتهز الفرصة مع كل خارج، ومع كل ناعق.
وهنا أنبه على أن القاسمي في (تاريخ الجهمية والمعتزلة) تعاطف مع الجهمية ومع بعض الفرق، واعتبرها مظلومة في بعض جوانب آرائها.
فعلى هذا لا يصح أن نعتمد عليه في مثل هذه الأمور التي فيها حكم على الأشخاص، وحكم على أمور العقيدة.
قال رحمه الله تعالى: [ثم انتقل ذلك إلى المعتزلة أتباع عمرو بن عبيد وظهر قولهم في أثناء خلافة المأمون، حتى امتحن أئمة الإسلام، ودعوهم إلى الموافقة لهم على ذلك.
وأصل هذا مأخوذ عن المشركين والصابئة، وهم ينكرون أن يكون إبراهيم خليلاً، وموسى كليماً؛ لأن الخلة هي كمال المحبة المستغرقة للمحب، كما قيل:
стр. 716
أدلة إثبات الخلة لنبينا ﷺ
قال رحمه الله تعالى: [ولكن محبة الله وخلته -كما يليق به تعالى- كسائر صفاته، ويشهد لما دلت عليه الآية الكريمة ما ثبت في الصحيح عن أبي سعيد الخدري عن النبي ﷺ قال: (لو كنت متخذاً من أهل الأرض خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلاً، ولكن صاحبكم خليل الله) يعني نفسه.
وفي رواية: (إني أبرأ إلى كل خليل من خلته، ولو كنت متخذاً من أهل الأرض خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلاً)، وفي رواية: (إن الله اتخذني خليلاً كما اتخذ إبراهيم خليلاً).
فبين ﷺ أنه لا يصلح له أن يتخذ من المخلوقين خليلاً، وأنه لو أمكن ذلك لكان أحق الناس به أبو بكر الصديق، مع أنه ﷺ قد وصف نفسه بأنه يحب أشخاصاً، كقوله لـ معاذ: (والله إني لأحبك)، وكذلك قوله للأنصار ﵃، وكان زيد بن حارثة حب رسول الله ﷺ ، وابنه أسامة ﵁ حبه، وأمثال ذلك، وقال له عمرو بن العاص: (أي الناس أحب إليك؟ قال: عائشة.
قال: فمن الرجال؟ قال: أبوها).
فعلم أن الخلة أخص من مطلق المحبة، والمحبوب بها لكمالها يكون محبوباً لذاته، لا لشيء آخر؛ إذ المحبوب لغيره هو مؤخر في الحب عن ذلك الغير، ومن كمالها لا تقبل الشركة ولا المزاحمة؛ لتخللها المحب، ففيها كمال التوحيد وكمال الحب، ولذلك لما اتخذ الله إبراهيم خليلاً، وكان إبراهيم قد سأل ربه أن يهب له ولداً صالحاً، فوهب له إسماعيل، فأخذ هذا الولد شعبة من قلبه، فغار الخليل على قلب خليله أن يكون فيه مكان لغيره، فامتحنه بذبحه؛ ليظهر سر الخلة في تقديمه محبة خليله على محبة ولده].
هذا التعبير فيه نوع تساهل، ونسبة الغيرة إلى الله لاشك أن المقصود بها اللائق بالله ، لا الجانب السلبي في مفهوم الغيرة.
لكن مع ذلك ينبغي تفادي هذا الأسلوب في نسبة الغيرة على هذا السياق وعلى هذا النحو إلى الله بغير نص مأثور، وإن كان المعنى صحيحاً والمقصود صحيحاً.
قال رحمه الله تعالى: [فلما استسلم لأمر ربه، وعزم على فعله، وظهر سلطان الخلة في الإقدام على ذبح ولده إيثاراً لمحبة خليله على محبته نسخ الله ذلك عنه، وفداه بالذبح العظيم؛ لأن المصلحة في الذبح كانت ناشئة من العزم وتوطين النفس على ما أمر، فلما حصلت هذه المصلحة عاد الذبح نفسه مفسدة فنسخ في حقه، وصارت الذبائح والقرابين من الهدايا والضحايا سنة في أتباعه إلى يوم القيامة.
وكما أن منزلة الخلة الثابتة لإبراهيم صلوات عليه قد شاركه فيها نبينا ﷺ كما تقدم، كذلك منزلة التكليم الثابتة لموسى صلوات الله عليه قد شاركه فيها نبينا محمد ﷺ كما ثبت ذلك في حديث الإسراء].
стр. 717
جواب إشكال حول طلب الصلاة على نبينا كما حصل لإبراهيم ﵇
قال رحمه الله تعالى: [وهنا سؤال مشهور، وهو: أن النبي ﷺ أفضل من إبراهيم ﷺ ، فكيف طلب له من الصلاة مثل ما لإبراهيم، مع أن المشبه به أصله أن يكون فوق المشبه؟ وكيف الجمع بين هذين الأمرين المتنافيين؟ وقد أجاب عنه العلماء بأجوبة عديدة يضيق هذا المكان عن بسطها، وأحسنها: أن آل إبراهيم فيهم الأنبياء الذين ليس في آل محمد مثلهم، فإذا طلب للنبي ﷺ ولآله من الصلاة مثل ما لإبراهيم وآله - وفيهم الأنبياء - حصل لآل محمد ما يليق بهم، فإنهم لا يبلغون مراتب الأنبياء، وتبقى الزيادة التي للأنبياء وفيهم إبراهيم لمحمد ﷺ ، فيحصل له من المزية ما لم يحصل لغيره.
وأحسن من هذا: أن النبي ﷺ من آل إبراهيم، بل هو أفضل آل إبراهيم، فيكون قولنا: كما صليت على آل إبراهيم متناولا الصلاة عليه وعلى سائر النبيين من ذرية إبراهيم، بل هو متناول إبراهيم أيضاً، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران:٣٣]، فإبراهيم وعمران دخلا في آل إبراهيم وآل عمران، وكما في قوله تعالى: ﴿إِلَّا آلَ لُوطٍ نَجَّيْنَاهُمْ بِسَحَرٍ﴾ [القمر:٣٤]، فإن لوطاً داخل في آل لوط، وكما في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ [البقرة:٤٩]، وقوله: ﴿أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر:٤٦]، فإن فرعون داخل في آل فرعون، ولهذا -والله أعلم- أكثر روايات حديث الصلاة عن النبي ﷺ إنما فيها كما صليت على آل إبراهيم، وفي كثير منها: كما صليت على إبراهيم، ولم يرد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إلا في قليل من الروايات، وما ذلك -والله أعلم- إلا لأن في قوله: (كما صليت على إبراهيم) يدخل آله تبعاً، وفي قوله: (كما صليت على آل إبراهيم) هو داخل في آل إبراهيم، وكذلك لما جاء أبو أوفى ﵁ بصدقته إلى النبي ﷺ دعا له النبي ﷺ وقال: (اللهم صل على آل أبي أوفى).
فعلى رواية من روى: (كما صليت على إبراهيم وعلى آله إبراهيم) لا يدخل فيهم لإفراده بالذكر.
ولما كان بيت إبراهيم ﵇ أشرف بيوت العالم على الإطلاق خصهم الله بخصائص، منها: أنه جعل فيهم النبوة والكتاب، فلم يأت بعد إبراهيم نبي إلا من أهل بيته، ومنها: أنه سبحانه جعلهم أئمة يهدون بأمره إلى يوم القيامة، فكل من دخل الجنة من أولياء الله بعدهم فإنما دخل من طريقهم وبدعوتهم، ومنها: أنه سبحانه اتخذ منهم الخليلين، كما تقدم ذكره، ومنها: أنه جعل صاحب هذا البيت إماماً للناس، قال تعالى: ﴿قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة:١٢٤]، ومنها: أنه أجرى على يديه بناء بيته الذي جعله قياماً للناس ومثابة للناس وأمناً، وجعله قبلة لهم وحجاً، فكان ظهور هذا البيت من أهل هذا البيت الأكرمين، ومنها: أنه أمر عباده أن يصلوا على أهل هذا البيت، إلى غير ذلك من الخصائص].
стр. 718
الأسئلة
стр. 719
المراد بلفظ (سذَّج)
السؤال
ما المراد بالسذج؟
الجواب
المقصود بالسذج: هم الذين على الفطرة ولم يطرأ على عقولهم علوم فلسفية، ولا ثقافات صحف وتشويشات تدخل في أذهان الناس ما ليس من الحق.
فالساذج: هو الباقي -كما خلقه الله على الفطرة، وليس المقصود بالسذج المغفلين كما يفهم بعض الناس، ولا أقصد هذا، بل أقصد بالسذاجة الفطرة النقية الصالحة التي جعلها الله أصل الخلق في العباد.
стр. 720
شرح العقيدة الطحاوية [٦٣]
للإيمان أصول وأركان معلومة بالضرورة عند المسلمين أجمعين، ولكن من انتكست فطرهم وغيم الجهل عليهم أصبحوا لا يعرفون للدين أصلاً ولا ركناً ولا واجباً ولا مستحباً، كالفلاسفة وبعض أصناف المبتدعة، الذين حاولوا الطعن في الإسلام من داخله، وإلقاء الشبهات حوله، والتشكيك في المسلمات والأصول، وبضاعة هؤلاء وأمثالهم مزجاة، وأفكارهم ضحلة وعقيمة، وضلالهم وسوء صنيعهم تجاه الشريعة والإسلام واضح لكل أحد.
стр. 721
أصول الإيمان التي اتفقت عليها الأنبياء والرسل
قال المصنف رحمه الله تعالى: [قوله: (ونؤمن بالملائكة والنبيين، والكتب المنزلة على المرسلين، ونشهد أنهم كانوا على الحق المبين): هذه الأمور من أركان الإيمان، قال تعالى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ﴾ [البقرة:٢٨٥] الآيات، وقال تعالى: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ﴾ [البقرة:١٧٧].
فجعل الله الإيمان هو الإيمان بهذه الجملة، وسمى من آمن بهذه الجملة مؤمنين، كما جعل الكافرين من كفر بهذه الجملة بقوله: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا بَعِيدًا﴾ [النساء:١٣٦].
وقال ﷺ في الحديث المتفق على صحته، حديث جبريل وسؤاله للنبي ﷺ عن الإيمان، فقال: (أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره).
فهذه الأصول التي اتفقت عليها الأنبياء والرسل صلوات الله وسلامه، ولم يؤمن بها حقيقة الإيمان إلا أتباع الرسل].
стр. 722
موقف الفلاسفة المبتدعة من أصول الإيمان
قال رحمه الله تعالى: [وأما أعداؤهم ومن سلك سبيلهم من الفلاسفة وأهل البدع؛ فهم متفاوتون في جحدها وإنكارها، وأعظم الناس لها إنكاراً الفلاسفة المسمون عند من يعظمهم بالحكماء؛ فإن من علم حقيقة قولهم علم أنهم لم يؤمنوا بالله ولا رسله، ولا كتبه ولا ملائكته، ولا باليوم الآخر، فإن مذهبهم أن الله سبحانه وجوده مجرد لا ماهية له، ولا حقيقة، فلا يعلم الجزئيات بأعيانها].
стр. 723
بيان المراد بالفلاسفة وما يهتمون به من العلوم
يقصد بذلك الفلاسفة ومن نحا نحوهم، والمقصود بالفلاسفة: طائفة من البشر الذين يحكمون عقولهم في أمور الغيب، ويفترضون أوهاماً، ويبنون على افتراضاتهم أحكاماً.
ولذلك فإن الفلسفة تتعلق بالغيبيات، أما ما يتعلق بعالم الشهادة فليس فلسفة، إنما يدخل في العلوم التطبيقية، أو العلوم الطبيعية، أو عالم الشهادة، فلذلك تميز الفلاسفة كلهم ومن سلك طريقهم بأنهم يميلون إلى الأفكار الخيالية وإلى الأوهام.
وليس عند الفلاسفة إلا أوهام، مع أنه قد يوجد من يتعلق عقدياً بالفلسفة والفلاسفة، ويظن أن عندهم شيئاً من الحق أو الحقيقة، وهذا لا يمكن؛ لأن ما عند الفلاسفة نوعان: نوع يتعلق ببعض الأصول والقواعد المنطقية التي تستقرأ من عالم الشهادة، أو التي تعرف بالبداهة في الفطرة، مثل بعض الأمور الرياضية والحسابية وغيرها، فهذه أمور ليس للفلاسفة فيها ميزة، ولم يسموا من أجلها فلاسفة، وإن تعلقت بفلستهم واهتماماتهم.
والأمر الثاني من اهتمامات الفلاسفة هو ما يتعلق بالخوض في الغيبيات، سواء الغيبيات التي جاء ذكر أصنافها في الكتب المنزلة، كاليوم الآخر، والملائكة، والجن، وما يتعلق بالإلهيات، أو غيرها من الغيبيات الأخرى التي افترضها الفلاسفة مجرد افتراض وتوهم، وسموا بعضها بالعقل الفعال، والعلة الأولى، والعلة الثانية، والمدبرات السبعة، وغير ذلك مما يختلفون في الكلام فيه وفي الاصطلاحات.
وقد يعلقون بعض أوهامهم بأمور موجودة، أو بأمور ورد ذكرها في الكتاب والسنة.
فالأمور الموجودة: كالنجوم، فقد يربطون ما يعتقدون من أوهام وفلسفات بالنجوم، أو بنحوها مما في الكون، وقد يربطونها أيضاً بأمور لها وجود في الكتاب والسنة، لكنها غيبية، وقد يتكلم الفلاسفة في الملائكة، لكن على نحو يخالف الإقرار بالملائكة في الكتاب والسنة، وقد يتكلمون أيضاً عن بعض أحوال الروح، أو عن المعاد أحياناً، لكن على خلاف ما ثبت في الكتاب والسنة.
إذاً: فالفلاسفة ليس عندهم علم، ومن ادعى ذلك فعليه البرهان.
وقد يتكلمون عن بعض العلوم الطبيعية، لكن لا علاقة لها بالفلسفة، وربطها بالفلسفة إنما هو من باب التجوز.
كما أن الفلاسفة قد يهتمون ببعض العلوم المتعلقة بالإنسان كالطب، أو علوم النفس أو غيرها، فهذه علوم إنسانية أو طبيعية لا صلة لها بالفلسفة.
وقد سلك سبيل الفلاسفة من يسمون بالعقلانيين، وهم الذين زعموا أن لعقولهم حكماً في الغيبيات، وهذا المنحى ظهر في الإسلام على أيدي فئات، أولها: أهل الكلام، فهم يحكمون عقولهم في أمور الغيب، وتلبيسهم أشد من تلبيس الفلاسفة؛ لأن الفلاسفة الخلص إلحادهم واضح، لكن أهل الكلام -وأعني بهم الجهمية والمعتزلة ومتكلمة الأشاعرة والماتريدية ومن سلك سبيلهم، كالكرامية والسالمية والرافضة ومتأخرة الخوارج- كلهم ينزعون نزعة الكلام، وقد أخذوا كثيراً من أصولهم الكلامية عن الفلاسفة، لكن تلبيسهم أشد من تلبيس الفلاسفة؛ لأنهم صاغوا أوهام الفلاسفة باصطلاحات إسلامية، وأخضعوا أصول العقيدة -خاصة في الأسماء والصفات، وفيما يتعلق باليوم الآخر- لصياغة فلسفية ملبسة، فلذلك دخلوا على المسلمين باستعمالهم المصطلحات الإسلامية، وعرض مذاهب الفلاسفة بقوالب ومصطلحات شرعية.
стр. 724
أتباع الفلاسفة في العصر الحديث
أما في العصر الحديث فإن أصحاب هذه النزعة يتمثلون باتجاهات كثيرة تتفاوت كتفاوت المتكلمين السابقين ما بين الغلو والإفراط في تفسير الأصول الإسلامية والعقائد والغيبيات تفسيرات إلحادية، وبين التأويل وبين نزعة التردد والتشكيك، أو عدم التسليم بحقائق الغيب.
وهؤلاء على رأسهم أصحاب الاتجاهات العقلانية الذين يفسرون كثيراً من أمور العقيدة -بل كثيراً من أحكام الإسلام وشرائعه- بتفسيرات عقلانية، ويخضعون بزعمهم الإسلام لمقررات ومقدرات العقل.
ومنهم من تسمى بغير هذه الأسماء، أي: بغير العقلانية، كالحداثيين، وإن كان منهم فئات ملحدة خالصة، لكن هناك فئة منهم عقلانية، ومنهم من سموا أنفسهم بأصحاب الاتجاهات العصرانية، ومنهم من لم يسم نفسه لا بهذا ولا بذاك، وإنما قد يدعي السنة، وقد يدعي أنه يسلك مسالك أهل الحق، لكنه أقرب إلى العقلانيين، وقد يكون منهم من يحمل لواءات في الاتجاهات الإسلامية الحديثة.
وربما يكون من المشاهير الذين تتبعهم حركات كبرى، فهؤلاء على مختلف نزعاتهم كلهم يريدون تجريد المعاني الغيبية، والأصول الإسلامية عن حقائقها، وإعطاءها تصورات وتفسيرات عقلية أغلبها وهمية.
стр. 725
تصورات الفلاسفة لوجود الله تعالى
أما قوله عن الفلاسفة بأن مذهبهم: أن الله سبحانه وجود مجرد لا ماهية له ولا حقيقة، فلا يقصد بذلك أنهم لا يعتقدون أن لله وجوداً ذاتياً مستقلاً عن وجود المخلوقات.
ولذلك فهم ذهبوا إلى تفسير وجود الله بأنه وجود مجرد، وفسروه بتفسيرات تؤدي إلى إنكار أسماء الله وصفاته وذاته وأفعاله، بل إلى إنكار الوجود الحقيقي الذي يتصوره العقلاء.
إذاً: فتصورهم لوجود الله تصور تجريدي يجردونه من الوجود الحقيقي، فمنهم من فسره بالوجود العقلي، والعقل ليس له وجود حقيقي عندهم، إنما هو قوة فعالة، وبعضهم فسره بالروح، أي: فسروا وجود الله بأنه روح، وبعضهم فسر وجود الله بأنه قوة، وبعضهم فسر وجود الله بالحلول في الخلق، وبعضهم فسره بالاتحاد بالخلق، وبعضهم فسره بوحدة الوجود، وقال: إن هذا الوجود كله هو الله، تعالى الله عما يزعمون.
وكل هذه المذاهب هي مذاهب الفلاسفة، لكنها ظهرت في المسلمين تحت شعارات وتحت ألوية الفرق بمسميات إسلامية، إما على أيدي الفلاسفة أو الباطنية، أو الصوفية، أو على أيدي من جمعوا هذه المذاهب كلها، كمتأخرة الزنادقة أمثال: ابن عربي والسهروردي، وابن سبعين، وابن الفارض وأمثالهم.
ولذلك لما فسروا النبوات وفسروا الوحي فسروه بما يتفق مع هذه المعاني.
فمنهم من قال: إن الوحي والنبوة إنما هي إشراق من نور الوجود بالمثال إلى عالم المادة، ومنهم من قال: إنها فيض، ومنهم من قال: إنها تأتي عن طريق العقل الفعال كما ستأتي الإشارة إليه.
ومن هنا جردوا الله من الأسماء والصفات والأفعال، وإن أقروا له بالصفات، أو أقر بعضهم بالأسماء والصفات، فإنما أقروا بمعانٍ لا تنطبق على موصوف ولا مسمى، إنما هي مجرد معاني دل عليها ظواهر المخلوقات، ولا ترجع إلى موصوف موجود.
قال رحمه الله تعالى: [فإن مذهبهم: أن الله سبحانه وجود مجرد لا ماهية له ولا حقيقة، فلا يعلم الجزئيات بأعيانها، وكل موجود في الخارج فهو جزئي، ولا يفعل عندهم بقدرته ومشيئته، وإنما العالم عندهم لازم له أزلاً وأبداً، وإن سموه مفعولا له فمصانعة ومصالحة للمسلمين في اللفظ، وليس عندهم بمفعول ولا مخلوق ولا مقدور عليه، وينفون عنه سمعه وبصره وسائر صفاته! فهذا إيمانهم بالله].
стр. 726
تصورات الفلاسفة لكتب الله تعالى ووحيه
قال رحمه الله تعالى: [وأما كتبه عندهم؛ فإنهم لا يصفونه بالكلام، فلا تكلم ولا يتكلم].
المؤلف هنا اختصر الكلام، وكأنه اعتمد على ما هو أصل عند جميع المسلمين، وهو: أن الكتب المنزلة من عند الله هي كلامه.
فبنى على ذلك أن كلامهم في كلام الله ينطبق على الكلام في الكتب، فإنهم إذا أنكروا الكلام الذي هو صفة الله فإنهم سينكرون أن تكون الكتب من عنده، أو يفسرونها بتفسير لا يطابق الواقع، ولا يدل عليه الوحي، بل يفسرونها بأمور سيأتي ذكرها.
قال رحمه الله تعالى: [فإنهم لا يصفونه بالكلام، فلا تكلم ولا يتكلم، ولا قال ولا يقول، والقرآن عندهم فيض فاض من العقل الفعال على قلب بشر زاكي النفس طاهر].
العقل الفعال عندهم مجرد افتراض، فلو أردنا أن نعرف معنى العقل عندهم لوجدناه مجرد وهم وتصور ليس له حقيقة في الواقع.
وهم لا يعتقدون أن لمثل هذه المعاني حقيقة في الواقع، وإن كان بعضهم قد يقول بأن مثل هذه الأمور -كالعقل الفعال- تتلبس بمخلوقات أخرى، وقد ينسبونها إلى النجوم والكواكب، فبعضهم قد ينسب مثل هذا الاختلاف إلى أكبر الكواكب، أو إلى أصل الكواكب أو أصل النجوم كالقطبين، وكل هذه تفسيرات وهمية، والمهم: أنهم يجردون ذات الله عن الوجود الفعلي، وينسبون ما يحدث من أمور خارقة لا يقدر عليها البشر إلى أمور غيبية، أو وهمية كالعقل الفعال، والعقل الفعال يقصدون به: القوة الخفية المدبرة للكون، وقد يقول بعضهم بأن العقل أيضاً يصدر أوامره وتوجيهاته إلى عقول أخرى تحت أمرة هذا العقل، وهذه العقول أيضاً تتجزأ مسئولياتها ثم تتفرع إلى عقول أخرى وهكذا، وقد يجعلون هذا عن طريق النجوم، أو عن طريق الملائكة بأسمائها، أو نحوها.
فالمهم: أن العقل الفعال يقصدون به وجوداً ذهنياً ليس له واقع، إنما هو قوة متوهمة -عندهم- تدبر الكون، وقد يعتقدون أن هذا العقل الفعال له وجود، وليس لهم على ذلك أدلة ولا براهين.
ومن هنا يبقى هذا الأمر مجرد وهم؛ لأن الشيء الغيبي الذي ليس عليه برهان من الله من ادعاه بدون دليل فلابد أن يكون قد توهم.
فالأمر الغيبي لابد له من أحد أمرين: إما أن يكون هذا الغيب جاء عن طريق صحيح، وهو: الوحي المنزل من الله ، وهذا نؤمن به ونسلم.
وإما أن يكون مجرد توهم، والتوهم لا حقيقة له؛ لأنا نجزم قطعاً بأن الذين قالوا بوجود العقل الفعال لا يمكن أن يأتوا لنا بدليل على وجوده، إنما اضطرهم إليه إنكار وجود الله الوجود الذاتي، فاضطروا إلى أن يؤمنوا بمدبر لهذا الكون، سواء أكان عقلاً أم قوة، أم روحاً أو نحو ذلك مما عبروا به، فقالوا بمدبر للكون وهم لا يؤمنون بالله، وإنما يؤمنون به تعالى إيماناً تجريدياً كما ذكرت، فلجئوا بعد ذلك إلى افتراض قوة تدبر الكون سموها العقل الفعال.
قال رحمه الله تعالى: [والقرآن عندهم فيض فاض من العقل الفعال على قلب زاكي النفس طاهر، متميز عن النوع الإنساني بثلاث خصائص: قوة الإدراك وسرعته؛ لينال من العلم أعظم مما يناله غيره! وقوة النفس؛ ليؤثر بها في هيولى العالم بقلب صورة إلى صورة! وقوة التخييل؛ ليخيل بها القوى العقلية في أشكال محسوسة، وهي الملائكة عندهم!].
الهيولى عادة يقصدون بها أموراً، منها: أصل الشيء، أصل الخلقة، أو -بتعبير المحدثين- مادة الخلق، أي: المادة الأساسية قبل أن يتجزأ الخلق إلى عناصر، فالأساس للخلق -سواء كان مادياً، أو قوة أخرى لها تأثير في حركة الكون- قد يعبرون عنه بالهيولى.
قال رحمه الله تعالى: [وليس في الخارج ذات منفصلة تصعد وتنزل، وتذهب وتجيء، وترى وتخاطب الرسول، وإنما ذلك عندهم أمور ذهنية لا وجود لها في الأعيان، فهم أشد الناس تكذيباً به وإنكاراً له].
وهذا يعني أنهم ينكرون أن يكون هناك ملك اسمه: جبريل ينزل بالوحي، وأن تكون هناك ملائكة تنزل وتصعد بأمر الله ، ينكرون ذلك كله، ويفسرونه بتفسيرات تجريدية وهمية ذهنية تخييلية، ويقولون: هذه تخييلات يعبر بها عن القوى المعنوية المدبرة للكون.
стр. 727
تصورات الفلاسفة لأحداث الآخرة
قال رحمه الله تعالى: [وعندهم أن هذا العالم لا يخرب، ولا تنشق السماوات ولا تنفطر، ولا تنكدر النجوم، ولا تكور الشمس والقمر، ولا يقوم الناس من قبورهم ويبعثون إلى جنة ونار! كل هذا عندهم أمثال مضروبة لتفهيم العوام، لا حقيقة لها في الخارج كما يفهم منها أتباع الرسل، فهذا إيمان هذه الطائفة الذليلة الحقيرة بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وهذه هي أصول الدين الخمسة].
стр. 728
سلوك المعتزلة والرافضة مسلك الفلاسفة في إحداث أصول هادمة للدين
قال رحمه الله تعالى: [وقد أبدلتها المعتزلة بأصولهم الخمسة التي هدموا بها كثيراً من الدين؛ فإنهم بنوا أصل دينهم على الجسم والعرض، الذي هو الموصوف والصفة عندهم، واحتجوا بالصفات التي هي الأعراض على حدوث الموصوف الذي هو الجسم، وتكلموا في التوحيد على هذا الأصل، فنفوا عن الله كل صفة، تشبيها بالصفات الموجودة في الموصوفات التي هي الأجسام، ثم تكلموا بعد ذلك في أفعاله التي هي القدر، وسموا ذلك العدل، ثم تكلموا في النبوة والشرائع والأمر والنهي والوعد والوعيد، وهي مسائل الأسماء والأحكام، التي هي المنزلة بين المنزلتين، ومسألة إنفاذ الوعيد، ثم تكلموا في إلزام الغير بذلك، الذي هو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وضمنوه جواز الخروج على الأئمة بالقتال، فهذه أصولهم الخمسة، التي وضعوها بإزاء أصول الدين الخمسة التي بعث بها الرسول].
الأصول الخمسة وغيرها مما تكلم به أهل الأهواء قديماً، ومما بدأت تظهر بعض مظاهره عند الفرق الحديثة، وأعني بذلك وضع أصول أو أركان للدين غير ما ورد في الشرع؛ فإن هذا من البدع، ولذلك يجب أن يحذر طالب العلم ويحذر غيره من تسمية ما يعتقده الناس أو يجتهدون فيه من مناهج أصولاً في الدين، بمعنى: أنه لا يصح أن نسمي في الإسلام أركاناً غير الأركان الخمسة، ولا أن نسمي للإيمان أركاناً غير الأركان الستة، ولا أن نضع أصولاً للدين غير ما تقرر في الكتاب والسنة، وإذا أقررنا بمجمل الأصول فلا نعدها عداً على سبيل الحصر، فلا يجوز -مثلاً- لقائل أن يقول: أصول الدين تنحصر في عشرين مسألة أو في عشرين أصلاً؛ لأن الحصر في أصول الدين لا يجوز، وهذا بخلاف الأمور الاجتهادية، فإذا كان العالم أو طالب العلم يتكلم عن أمور اجتهادية تتعلق بالتفريعات على العقيدة، أو بالأحكام؛ فلا مانع من أن يضع ضوابط للتقسيم، فيقول مثلاً: هذا فيه عشر مسائل، هذا فيه عشرة أصول، هذا فيه عشر قواعد إلى آخر ذلك من الأمور الاجتهادية.
أما فيما يتعلق بأصول الدين -كأركان الإسلام وأركان الإيمان والإحسان، ونحو ذلك من المصطلحات الشرعية التي حددت أصولها- فلا يجوز لأحد أن يحدث شيئاً فيها.
ولذلك ينبغي أن نتنبه لما أحدثه الناس من مناهج يضعونها أصولاً لهم، فهذا يضع أصولاً عشرين، وهذا يضع خمسة، وهذا يضع ستة، وغير ذلك مما تفعله الجماعات الآن.
وهذا -وإن كان لا يقصد به مضاهاة أصول الدين، ولا يقصد به وضع أصول غير ما جاء في الشرع- لكنه مع مرور الزمن إذا بقي بدون تنبيه عليه -وهذا في الغالب مما لا يضبط- وإذا أصر أصحابه على التحديد فإنه ستأتي أجيال تجعل هذه الأصول من أصول الدين، كما فعلت المعتزلة في أصولها الخمسة، وكما فعلت الرافضة في أصولها، والخوارج في أصولها، والقدرية في أصولها، وأهل الكلام في أصولهم، حيث وضعوا قواعد جعلوها هي الأصل في تكميل الدين واعتقاده.
فينبغي أن نتنبه لهذه المسألة، فلا يجوز أن نضع مناهج ونسميها أصولاً، أو أن ننسبها إلى الدين، ما عدا الأمور الاجتهادية التي تتعلق بالأحكام أو بالفرعيات، بشرط أن تكون أصولاً أو تفريعات علمية لا أموراً يجتمع عليها وينتمي إليها الناس، وتكون بمثابة الشعارات، بمعنى أنه لو اجتهد أحد في أمور من المسائل الاجتهادية ووضع لها أصولاً حددها أو لم يحددها؛ فإنه لا ينبغي أن يدعو الناس لاعتناقها أو للاجتماع عليها، أو أن تكون شعاراً لجماعة أو منهجاً لطريقة من الطرق أو حركة من الحركات أو نحو ذلك؛ فإن هذا في الغالب -ولابد- يؤدي مع مرور الزمن إلى التعصب لهذه الأصول وجعلها بديلاً عن أصول الدين.
والجماعات التي وضعت هذه الأصول قديماً وحديثاً نجد بوضوح أنها بدأت تحتكم إليها وتوالي وتعادي عليها على تفاوت بينهم، وبدأت تقرر أصول الدين ومناهج الدين على هذه الأسس التي وضعتها، وقد تنسى في غمرة الحماس لهذه الأصول أركان الإسلام وأركان الإيمان، بل إن كثيراً من الجماعات نسيت الحديث عن أركان الإيمان وأركان الإسلام إلا عرضاً، وجعلت الحديث مع الناس وفي الدعوة إلى مبادئها على هذه الأصول التي وضعتها أو قررتها، فينبغي التنبه لذلك والتنبيه عليه.
стр. 729
اتباع أهل السنة في أصولهم لما جاء به الرسول ﷺ من أصول الدين
قال رحمه الله تعالى: [وأصول أهل السنة والجماعة تابعة لما جاء به الرسول، وأصل الدين: الإيمان بما جاء به الرسول ﷺ كما تقدم بيان ذلك، ولهذا كانت الآيتان من آخر سورة البقرة -لما تضمنتا هذا الأصل- لهما شأن عظيم ليس لغيرهما؛ ففي الصحيحين عن أبي مسعود عقبة بن عمرو عن النبي ﷺ قال: (من قرأ الآيتين من آخر سورة البقرة في ليلة كفتاه).
وفي صحيح مسلم عن ابن عباس ﵄ قال: (بينا جبرائيل قاعد عند النبي ﷺ سمع نقيضاً من فوقه، فرفع رأسه، فقال: هذا باب من السماء فتح اليوم، لم يفتح قط إلا اليوم، فنزل منه ملك، فقال: هذا ملك نزل إلى الأرض، لم ينزل قط إلا اليوم، فسلم، وقال: أبشر بنورين أوتيتهما لم يؤتهما نبي قبلك: فاتحة الكتاب، وخواتيم سورة البقرة، لن تقرأ بحرف منهما إلا أوتيته).
وقال أبو طالب المكي: أركان الإيمان سبعة.
يعني هذه الخمسة، والإيمان بالقدر، والإيمان بالجنة والنار، وهذا حق].
بناءً على ما قرره السلف من أنه لا يجوز إحداث أركان أو أصول في الدين غير ما ذكره الله في القرآن، وشرعه وبينه الرسول ﷺ ، بناءً على هذا يجب أن نتوقف في كلام أبي طالب وأمثاله في جعل أركان الإيمان سبعة؛ لأن أركانه الستة التي ذكرها الرسول ﷺ في حديث جبريل مشتملة على لوازمها الأخرى التي هي بمثابة أصول الدين، والإيمان بالله يشمل جميع ما يتعلق بالإيمان بذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله، والإيمان بالملائكة كذلك، والإيمان بالكتب كذلك، والإيمان بالرسل كذلك، وهكذا بقية أركان الإيمان، فلا داعي لأن نحدث ركناً نسميه سابعاً.
وعلى هذا فإن موافقة المؤلف هنا لـ أبي طالب المكي فيها نظر، إلا إن كان يقصد أنه ما قال إلا حقاً من حيث تفصيل الأركان، أما إذا قصد أننا نسمي الأركان على هذا النحو سبعة ونعد هذه السبعة فلا يجوز؛ لأن الإيمان بالجنة والنار داخل في الإيمان باليوم والآخر، والإيمان بالقدر منصوص عليه في الحديث.
فينبغي اجتناب مثل هذه الألفاظ والتنبيه عليها.
قال رحمه الله تعالى: [وقال أبو طالب المكي: أركان الإيمان سبعة.
يعني هذه الخمسة والإيمان بالقدر والإيمان بالجنة والنار، وهذا حق، والأدلة عليه ثابتة محكمة قطعية، وقد تقدمت الإشارة إلى دليل التوحيد والرسالة].
стр. 730
الإيمان بالملائكة وحقيقتهم عند أتباع الرسل
قال رحمه الله تعالى: [وأما الملائكة فهم الموكلون بالسماوات والأرض، فكل حركة في العالم فهي ناشئة عن الملائكة].
هذه الكلمة مجملة، أعني قوله: [فكل حركة في العالم فهي ناشئة عن الملائكة] ففيها نوع تجوز، ولاشك أن الله جعل للملائكة وظائف في الكون، وكل ذلك بإذن الله ومشيئته، ولا يخرج عن تدبيره وعن أمره وربوبيته سبحانه، لكن القول بأن كل حركة في العالم ناشئة عن ملائكته قد يكون فيه نظر؛ لأنه قد ورد في بعض النصوص أن هناك أموراً تحدث بهذه الأسباب، أي: بما جعله الله من أعمال الملائكة الموكلين بالسماوات والأرض، وأموراً تكون بقدرة الله المحضة، كما ورد من أن الله خلق آدم بيده، وخلق عيسى بن مريم بيده، وتولى كثيراً من أمر خلقه بيده سبحانه.
كما أن هناك من الأمور ما يحدث بأسباب مباشرة، أي: يكون وجوده وخلقه بأسباب جعلها الله ، وهناك ما يكون بمجرد قول الله : (كن).
فتدبير الله للعالم يكون بفعله وبقوله، ويكون بيده سبحانه، ويكون أيضاً بتسخيره للملائكة، وبأمره لهم.
قال رحمه الله تعالى: [وأما الملائكة فهم الموكلون بالسماوات والأرض، فكل حركة في العالم فهي ناشئة عن الملائكة، كما قال تعالى: ﴿فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا﴾ [النازعات:٥]، ﴿فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا﴾ [الذاريات:٤].
وهم الملائكة عند أهل الإيمان وأتباع الرسل، وأما المكذبون بالرسل المنكرون للصانع فيقولون: هي النجوم].
هناك من فسر بعض هذه الآيات -المقسمات، والمدبرات، وكذلك المرسلات والناشرات والفارقات والنازعات والناشطات والسابحات- فسرها بالملائكة، ومنهم من فسرها بأمور أخرى لكنها ترجع أيضاً إلى أن الملائكة هي أسباب في هذه التفسيرات، ومنهم من فسر بعض هذه الأمور بالسحاب، وبعضها بالرياح المرسلة من الله ، وبعضها بأمور أخرى هي من خلق الله ، ومن الأسباب التي جعلها الله أسباباً في هذا الكون، لكن هذا لا يمنع من تفسيرها بالملائكة؛ لأنه معلوم أنا إذا فسرنا بعض هذه الألفاظ بالرياح فالرياح أيضاً وكل الله بها الملائكة، وإذا فسرنا بعضها بالسحاب والمطر فإن الله وكل بالسحاب والمطر طائفة من الملائكة، فتفسيرها ببعض المخلوقات راجع إلى أمر الله للملائكة.
стр. 731
دلالة الكتاب والسنة على أصناف الملائكة وأعمالهم
قال رحمه الله تعالى: [وقد دل الكتاب والسنة على أصناف ملائكته، وأنها موكلة بأصناف المخلوقات، وأنه سبحانه وكل بالجبال ملائكة، ووكل بالسحاب والمطر ملائكة، ووكل بالرحم ملائكة تدبر أمر النطفة حتى يتم خلقها، ثم وكل بالعبد ملائكة لحفظ ما يعمله وإحصائه وكتابته، ووكل بالموت ملائكة، ووكل بالسؤال في القبر ملائكة، ووكل بالأفلاك ملائكة يحركونها، ووكل بالشمس والقمر ملائكة، ووكل بالنار وإيقادها وتعذيب أهلها وعمارتها ملائكة، ووكل بالجنة وعمارتها وغراسها وعمل آلاتها ملائكة، فالملائكة أعظم جنود الله، ومنهم: المرسلات عرفاً، والناشرات نشراً، والفارقات فرقاً، والملقيات ذكراً.
ومنهم: النازعات غرقاً، والناشطات نشطاً، والسابحات سبحاً، فالسابقات سبقاً، ومنهم: الصافات صفاً، فالزاجرات زجراً، فالتاليات ذكراً.
ومعنى جمع التأنيث في ذلك كله: الفرق والطوائف والجماعات، التي مفردها: فرقة وطائفة وجماعة].
أراد بهذا الاحتراز من وصف الملائكة بالأنوثية، وهذا من سمات المشركين والفلاسفة والعقلانيين وغيرهم من أهل الضلالة والبدع؛ فإنهم قد يصفون الملائكة بأنهم إناث.
فنظراً لأن مثل هذه الألفاظ قد تشير إلى معنى التأنيث في الإشارة إلى الملائكة، أراد أن يبين أن التأنيث هنا راجع إلى الجنس لا إلى الملائكة بأفرادهم.
فالملائكة فرق، والفرقة من حيث المعنى اللغوي توصف بالتأنيث، وكذلك الطوائف، فالطائفة لفظها اللغوي مؤنث، والجماعات لفظها اللغوي مؤنث، فلا يعني ذلك تأنيث الملائكة؛ لأن الملائكة لا يوصفون بذلك، إنما هذه الألفاظ تنصرف إلى جنس جماعة الملائكة وفرقها وطوائفها ونحو ذلك.
قال رحمه الله تعالى: [ومنهم ملائكة الرحمة، وملائكة العذاب، وملائكة قد وكلوا بحمل العرش، وملائكة قد وكلوا بعمارة السماوات بالصلاة والتسبيح والتقديس، إلى غير ذلك من أصناف الملائكة التي لا يحصيها إلا الله.
ولفظ (الملك) يشعر بأنه رسول منفذ لأمر مرسله، فليس لهم من الأمر شيء، بل الأمر كله لله الواحد القهار، وهم ينفذون أمره: ﴿لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ * يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾ [الأنبياء:٢٧ - ٢٨]، ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [النحل:٥٠].
فهم عباد مكرمون، منهم الصافون، ومنهم المسبحون، ليس منهم إلا له مقام معلوم لا يتخطاه، وهو على عمل قد أمر به لا يقصر عنه ولا يتعداه، وأعلاهم الذين عنده: ﴿لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلا يَسْتَحْسِرُونَ * يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لا يَفْتُرُونَ﴾ [الأنبياء:١٩ - ٢٠] ورؤساؤهم الأملاك الثلاثة: جبرائيل وميكائيل وإسرافيل الموكلون بالحياة، فجبريل موكل بالوحي الذي به حياة القلوب والأرواح، وميكائيل موكل بالقطر الذي به حياة الأرض والنبات والحيوان، وإسرافيل موكل بالنفخ في الصور الذي به حياة الخلق بعد مماتهم.
فهم رسل الله في خلقه وأمره، وسفراؤه بينه وبين عباده].
الملائكة منهم السفراء الخاصة، كجبريل ﵇ الذي جاء بالوحي إلى نبينا محمد ﷺ وإلى سائر الأنبياء.
ومنهم سفراء سفارة عامة، وهم الملائكة الذين يحيطون بعباد الله بالرعاية والتدبير العام، وبالرعاية الخاصة بالمؤمنين، فالله أوكل هذا الأمر إلى طوائف من الملائكة، وهذا من معنى السفارة العامة، أما السفارة الخاصة فهي الوحي الذي هو عن طريق جبريل.
قال رحمه الله تعالى: [فهم رسل الله في خلقه وأمره وسفراؤه بينه وبين عباده، ينزلون بالأمر من عنده في أقطار العالم، ويصعدون إليه بالأمر].
من السفراء الكرام الكاتبون، والملائكة الموكلون بالعباد الذين يتناوبون صباح مساء.
قال رحمه الله تعالى: [قد أطت السماوات بهم وحق لها أن تئط، ما فيها موضع أربع أصابع إلا وملك قائم أو راكع أو ساجد لله، ويدخل البيت المعمور منهم كل يوم سبعون ألفاً لا يعودون إليه آخر ما عليهم].
стр. 732
تنوع حالات ذكر الملائكة في القرآن الكريم
قال رحمه الله تعالى: [والقرآن مملوء بذكر الملائكة وأصنافهم ومراتبهم، فتارة يقرن الله تعالى اسمه باسمهم، وصلاته بصلاتهم، ويضيفهم إليه في مواضع التشريف، وتارة يذكر حفهم بالعرش وحملهم له، وبراءتهم من الذنوب، وتارة يصفهم بالإكرام والكرم، والتقريب والعلو والطهارة والقوة والإخلاص، قال تعالى: ﴿كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ﴾ [البقرة:٢٨٥]، ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُوْلُوا الْعِلْمِ﴾ [آل عمران:١٨]، ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ [الأحزاب:٤٣]، ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ [غافر:٧]، ﴿وَتَرَى الْمَلائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ [الزمر:٧٥]، ﴿بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ﴾ [الأنبياء:٢٦]، ﴿إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ﴾ [الأعراف:٢٠٦]، ﴿فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لا يَسْأَمُونَ﴾ [فصلت:٣٨]، ﴿كِرَامًا كَاتِبِينَ﴾ [الانفطار:١١]، ﴿كِرَامٍ بَرَرَةٍ﴾ [عبس:١٦]، ﴿يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ﴾ [المطففين:٢١]، ﴿لا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الأَعْلَى﴾ [الصافات:٨]، وكذلك الأحاديث النبوية طافحة بذكرهم، فلهذا كان الإيمان بالملائكة أحد الأصول الخمسة التي هي أركان الإيمان].
стр. 733
شرح العقيدة الطحاوية [٦٤]
الإيمان بالملائكة ركن من أركان الإيمان كما دل على ذلك الكتاب والسنة، فيجب الإيمان بهم، وبأنهم موكلون بأمور وقضايا وكلهم الله بها، وهم أعظم جنود الله ومخلوقاته، وقد اختلف في تفضيلهم على جنس البشر بناءً على اختلاف الأدلة في ذلك، وهذه المسألة في جملتها من المسائل التي لا يترتب عليها ثواب ولا عقاب، ولا خير ولا شر، ولكن بحثها في علم العقيدة جاء عرضاً ضمن باب الملائكة.
стр. 734
الخلاف في المفاضلة بين الملائكة وجنس البشر
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وقد تكلم الناس في المفاضلة بين الملائكة وصالحي البشر، وينسب إلى أهل السنة تفضيل صالحي البشر والأنبياء فقط على الملائكة، وإلى المعتزلة تفضيل الملائكة، وأتباع الأشعري على قولين: منهم من يفضل الأنبياء والأولياء، ومنهم من يقف ولا يقطع في ذلك قولاً، وحكي عن بعضهم ميلهم إلى تفضيل الملائكة، وحكي ذلك عن غيرهم من أهل السنة وبعض الصوفية، وقالت الشيعة: إن جميع الأئمة أفضل من جميع الملائكة، ومن الناس من فصل تفصيلاً آخر، ولم يقل أحد ممن له قول يؤثر: إن الملائكة أفضل من بعض الأنبياء دون بعض، وكنت ترددت في الكلام على هذه المسألة لقلة ثمرتها، وأنها قريب مما لا يعني، (من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه)، والشيخ ﵀ لم يتعرض إلى هذه المسألة بنفي ولا إثبات، ولعله يكون قد ترك الكلام فيها قصداً، فإن الإمام أبا حنيفة ﵁ وقف في الجواب عنها على ما ذكره في مآل الفتاوى، فإنه ذكر مسائل لم يقطع أبو حنيفة فيها بجواب، وعد منها: التفضيل بين الملائكة والأنبياء، وهذا هو الحق، فإن الواجب علينا الإيمان بالملائكة والنبيين، وليس علينا أن نعتقد أي الفريقين أفضل، فإن هذا لو كان من الواجب لبين لنا نصاً، وقد قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة:٣]، ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مريم:٦٤]، وفي الصحيح: (إن الله فرض فرائض فلا تضيعوها، وحد حدوداً فلا تعتدوها، وحرم أشياء فلا تنتهكوها، وسكت عن أشياء رحمة بكم غير نسيان فلا تسألوا عنها)، فالسكوت عن الكلام في هذه المسألة نفياً وإثباتاً والحالة هذه أولى، ولا يقال: إن هذه المسألة نظير غيرها من المسائل المستنبطة من الكتاب والسنة؛ لأن الأدلة هنا متكافئة على ما أشير إليه إن شاء الله تعالى، وحملني على بسط الكلام هنا: أن بعض الجاهلين يسيئون الأدب بقولهم: كان الملك خادماً للنبي ﷺ ، أو أن بعض الملائكة خدام بني آدم! يعنون الملائكة الموكلين بالبشر، ونحو ذلك من الألفاظ المخالفة للشرع، المجانبة للأدب.
والتفضيل: إذا كان على وجه التنقص أو الحمية والعصبية للجنس لا شك في رده، وليس هذه المسألة نظير المفاضلة بين الأنبياء، فإن تلك قد وجد فيها نص، وهو قوله تعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [البقرة:٢٥٣]، وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ﴾ [الإسراء:٥٥]، وقد تقدم الكلام في ذلك عند قول الشيخ: (وسيد المرسلين) يعني النبي ﷺ .
والمعتبر رجحان الدليل، ولا يهجر القول لأن بعض أهل الأهواء وافق عليه، بعد أن تكون المسألة مختلفاً فيها بين أهل السنة.
وقد كان أبو حنيفة ﵁ يقول أولا بتفضيل الملائكة على البشر، ثم قال بعكسه، والظاهر أن القول بالتوقف أحد أقواله.
والأدلة في هذه المسألة من الجانبين إنما تدل على الفضل، لا على الأفضلية، ولا نزاع في ذلك].
قصده فضل بعض الأفراد أو بعض الأجناس، لا الأفضلية المطلقة، يعني: ما ورد من بعض النصوص التي تدل على فضل الملائكة يعني فضلاً مقيداً بأشخاص، والنصوص التي وردت في تفضيل بعض البشر ورد في سياقها على أنها تدل على تفضيل بعض الأشخاص -كالنبي ﷺ على الملائكة، أو تفضيل جنس من البشر، لا تفضيل عموم البشر.
إذاً: الأدلة التي وردت في المسألة -سواء في تفضيل الملائكة أو في تفضيل البشر، أو في تفضيل بعض الملائكة، أو في تفضيل بعض البشر- أغلبها يدل على خصوصية الفضل لا على الأفضلية المطلقة من كل وجه، ويقصد بذلك: أنه ليس عندنا من النصوص التي وردت ما يدل على أن الملائكة كلهم أفضل من جميع البشر، ولا ما يدل على أن البشر كلهم أفضل من جميع الملائكة، بل ليس هناك دليل يدل على أن الملائكة أفضل من طائفة من البشر، ولا على أن البشر أفضل من طائفة من الملائكة، إنما قد يرد في بعض الأفراد أو في بعض الحالات ما يدل على التفضيل، وليس من كل وجه.
قال رحمه الله تعالى: [وللشيخ تاج الدين الفزاري ﵀ مصنف سماه: الإشارة في البشارة في تفضيل البشر على الملك، قال في آخره: اعلم أن هذه المسألة من بدع علم الكلام، التي لم يتكلم فيها الصدر الأول من الأمة، ولا من بعدهم من أعلام الأئمة، ولا يتوقف عليها أصل من أصول العقائد، ولا يتعلق بها من الأمور الدينية كثير من المقاصد، ولهذا خلا عنها طائفة من مصنفات هذا الشأن، وامتنع من الكلام فيها جماعة من الأعيان، وكل متكلم فيها من علماء الظاهر بعلمه لم يخل كلامه عن ضعف واضطراب.
انتهى].
стр. 735
أدلة القائلين بتفضيل الأنبياء على الملائكة وردود مخالفيهم عليها
قال رحمه الله تعالى: [فمما استدل به على تفضيل الأنبياء على الملائكة: أن الله أمر الملائكة أن يسجدوا لآدم، وذلك دليل على تفضيله عليهم، ولذلك امتنع إبليس واستكبر وقال: ﴿أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ﴾ [الإسراء:٦٢].
قال الآخرون: إن سجود الملائكة كان امتثالاً لأمر ربهم، وعبادة وانقياداً وطاعة له، وتكريماً لآدم وتعظيماً، ولا يلزم من ذلك الأفضلية، كما لم يلزم من سجود يعقوب لابنه يوسف ﵉ تفضيل ابنه عليه، ولا تفضيل الكعبة على بني آدم بسجودهم إليها امتثالاً لأمر ربهم.
وأما امتناع إبليس فإنه عارض النص برأيه وقياسه الفاسد بأنه خير منه، وهذه المقدمة الصغرى، والكبرى محذوفة، تقديرها: والفاضل لا يسجد للمفضول، وكلتا المقدمتين فاسدة.
أما الأولى فإن التراب يفوق النار في أكثر صفاته، ولهذا خان إبليس عنصره، فأبى واستكبر، فإن من صفات النار طلب العلو والخفة والطيش والرعونة، وإفساد ما تصل إليه ومحقه وإهلاكه وإحراقه، ونفع آدم عنصره في التوبة والاستكانة، والانقياد والاستسلام لأمر الله، والاعتراف وطلب المغفرة، فإن من صفات التراب الثبات والسكون والرصانة، والتواضع والخضوع والخشوع والتذلل، وما دنا منه ينبت ويزكو، وينمي ويبارك فيه، ضد النار.
وأما المقدمة الثانية -وهي: أن الفاضل لا يسجد للمفضول- فباطلة؛ فإن السجود طاعة لله وامتثال لأمره، ولو أمر الله عباده أن يسجدوا لحجر لوجب عليهم الامتثال والمبادرة، ولا يدل ذلك على أن المسجود له أفضل من الساجد، وإن كان فيه تكريمه وتعظيمه، وإنما يدل على فضله، قالوا: وقد يكون قوله: ﴿هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ﴾ [الإسراء:٦٢] بعد طرده لامتناعه عن السجود له، لا قبله، فينتفي الاستدلال به.
ومنه: أن الملائكة لهم عقول وليست لهم شهوات، والأنبياء لهم عقول وشهوات، فلما نهوا أنفسهم عن الهوى، ومنعوها عما تميل إليه الطباع؛ كانوا بذلك أفضل.
وقال الآخرون: يجوز أن يقع من الملائكة من مداومة الطاعة وتحمل العبادة وترك الونى والفتور فيها ما يفي بتجنب الأنبياء شهواتهم، مع طول مدة عبادة الملائكة.
ومنه: أن الله تعالى جعل الملائكة رسلاً إلى الأنبياء، وسفراء بينه وبينهم.
وهذا الكلام قد اعتل به من قال: إن الملائكة أفضل، واستدلالهم به أقوى، فإن الأنبياء المرسلين إن ثبت تفضيلهم على المرسل إليهم بالرسالة ثبت تفضيل الرسل من الملائكة إليهم عليهم، فإن الرسول الملكي يكون رسولاً إلى الرسول البشري.
ومنه: قوله تعالى: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ [البقرة:٣١] الآيات.
قال الآخرون: وهذا دليل على الفضل لا على التفضيل، وآدم والملائكة لا يعلمون إلا ما علمهم الله، وليس الخضر أفضل من موسى بكونه علم ما لم يعلمه موسى، وقد سافر موسى وفتاه في طلب العلم إلى الخضر وتزودا لذلك، وطلب موسى منه العلم صريحاً، وقال له الخضر: إنك على علم من علم الله إلى آخر كلامه، ولا الهدهد أفضل من سليمان ﵇ بكونه أحاط بما لم يحط به سليمان علماً.
ومنه: قوله تعالى: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص:٧٥].
قال الآخرون: هذا دليل الفضل لا الأفضلية، وإلا لزم تفضيله على محمد ﷺ ، فإن قلتم: هو من ذريته، فمن ذريته البر والفاجر، بل يوم القيامة إذا قيل لآدم: ابعث من ذريتك بعثا إلى النار، يبعث من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين إلى النار، وواحدا إلى الجنة.
فما بال هذا التفضيل سرى إلى هذا الواحد من الألف فقط.
ومنه: قول عبد الله بن سلام ﵁: ما خلق الله خلقا أكرم عليه من محمد ﷺ الحديث.
فالشأن في ثبوته، وإن صح عنه فالشأن في ثبوته في نفسه؛ فإنه يحتمل أن يكون من الإسرائيليات.
ومنه: حديث عبد الله بن عمرو ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: (إن الملائكة قالت: يا ربنا! أعطيت بني آدم الدنيا يأكلون فيها ويشربون ويلبسون، ونحن نسبح بحمدك، ولا نأكل ولا نشرب ولا نلهو، فكما جعلت لهم الدنيا فاجعل لنا الآخرة.
قال: لا أجعل صالح ذرية من خلقت بيدي كمن قلت له: كن فكان).
أخرجه الطبراني، وأخرجه عبد الله بن أحمد بن محمد بن حنبل عن عروة بن رويم أنه قال: أخبرني الأنصاري عن النبي ﷺ : (أن الملائكة قالوا) الحديث، وفيه: (وينامون ويستريحون، فقال الله تعالى: لا، فأعادوا القول ثلاث مرات، كل ذلك يقول: لا).
والشأن في ثبوتهما، فإن في سنديهما مقالاً، وفي متنهما شيئاً، فكيف يظن بالملائكة الاعتراض على الله تعالى مرات عديدة وقد أخبر الله تعالى عنهم أنهم لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون؟! وهل يظن بهم أنهم بأحوالهم متشوقون إلى ما سواها من شهوات بني آدم؟! والنوم أخو الموت،
стр. 736
أدلة القائلين بتفضيل الملائكة وردود مخالفيهم عليها
قوله: [ومما استدل به على تفضيل الملائكة] بدأ يقلب به المسألة في الاستدلال، حيث بدأ يستدل للفريق الآخر الذي يقول بتفضيل الملائكة على البشر، ومن هنا يكون قوله: (أجاب الآخرون) مراداً به الأولون الذين قالوا بتفضيل بعض البشر على الملائكة، خاصة الأنبياء.
قال رحمه الله تعالى: [أجاب الآخرون بأجوبة، أحسنها -أو من أحسنها-: أنه لا نزاع في فضل قوة الملك وقدرته وشدته وعظم خلقه، وفي العبودية خضوع وذل وانقياد، وعيسى ﵇ لا يستنكف عنها ولا من هو أقدر منه وأقوى وأعظم خلقاً، ولا يلزم من مثل هذا التركيب الأفضلية المطلقة من كل وجه.
ومنه قوله].
أي: من أدلة الذين قالوا بأفضلية الملائكة.
قال رحمه الله تعالى: [ومنه قوله تعالى: ﴿وَلا أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ﴾ [هود:٣١]، ومثل هذا يقال بمعنى: إني لو قلت ذلك لادعيت فوق منزلتي، ولست ممن يدعي ذلك.
أجاب الآخرون: بأن الكفار كانوا قد قالوا: ﴿وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الأَسْوَاقِ﴾ [الفرقان:٧]، فأمر أن يقول لهم: إني بشر مثلكم أحتاج إلى ما يحتاج إليه البشر من الاكتساب والأكل والشرب، لست من الملائكة الذين لم يجعل الله لهم حاجة إلى الطعام والشراب، فلا يلزم حينئذ الأفضلية المطلقة.
ومنه ما روى مسلم بإسناده عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير)، ومعلوم أن قوة البشر لا تداني قوة الملك ولا تقاربها.
قال الآخرون: الظاهر أن المراد المؤمن من البشر- والله أعلم - فلا تدخل الملائكة في هذا العموم.
ومنه ما ثبت في الصحيح عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال فيما يروي عن ربه قال: (يقول الله تعالى: أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه إذا ذكرني، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم) الحديث، وهذا نص في الأفضلية.
قال الآخرون: يحتمل أن يكون المراد (خيراً منه) للمذكور لا الخيرية المطلقة.
ومنه ما رواه ابن خزيمة بسنده عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (بينا أنا جالس إذ جاء جبرائيل فوكز بين كتفي، فقمت إلى شجرة مثل وكري الطير، فقعد في إحداهما وقعدت في الأخرى، فسمت وارتفعت حتى سدت الخافقين، وأنا أقلب بصري، ولو شئت أن أمس السماء مسيت، فنظرت إلى جبرائيل كأنه حلس لاطئ، فعرفت فضل علمه بالله علي).
قال الآخرون: في سنده مقال؛ فلا نسلم الاحتجاج به إلا بعد ثبوته.
وحاصل الكلام: أن هذه المسألة من فضول المسائل، ولهذا لم يتعرض لها كثير من أهل الأصول، وتوقف أبو حنيفة ﵀ في الجواب عنها كما تقدم، والله أعلم بالصواب].
هذه المسألة: تكلم عنها بعض أهل العلم، وممن أفاض فيها شيخ الإسلام ابن تيمية في أكثر من موضع، ومن المواضع التي فصلت فيها في المجلد الرابع من الفتاوى، ومع ذلك لم يجزم شيخ الإسلام بقول، ولم يجزم برأي، وإن كان بين بعض الآراء الغريبة والشاذة، وبين بعض الآراء التي قد تقتضيها ظواهر الأدلة، لكنه لم يجزم بشيء.
إذاً: فالخلاصة في هذا الكلام أنه لا طائل تحته وليس من أمور الاعتقاد، لا سيما أنه لم يرد فيه نص قاطع من ناحية، ومن ناحية أخرى أن ما ورد من نصوص إنما تتعلق بأفراد من الفريقين من البشر أو من الملائكة، أما جملتهم فلم يرد فيها نصوص قاطعة، والله أعلم.
стр. 737
الإيمان بالأنبياء والمرسلين
قال رحمه الله تعالى: [وأما الأنبياء والمرسلون فعلينا الإيمان بمن سمى الله تعالى في كتابه من رسله، والإيمان بأن الله تعالى أرسل رسلاً سواهم وأنبياء لا يعلم أسماءهم وعددهم إلا الله تعالى الذي أرسلهم.
فعلينا الإيمان بهم جملة؛ لأنه لم يأت في عددهم نص، وقد قال تعالى: ﴿وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ﴾ [النساء:١٦٤]، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ﴾ [غافر:٧٨]].
الإيمان الإجمالي معناه أنه لابد لكل مسلم من أن يؤمن بأن الله أرسل أنبياء ورسلاً، وأن عددهم كثير، وأن الله أرسل في كل أمة رسولاً، وأقام الحجة إما برسول، وإما بدين جاء به هذا الرسول حتى لو لم يكن حياً بين ظهراني أمته، بمعنى أن إرسال الرسول لا يعني: أن يكون حياً بين أمته، بل قد تبقى رسالته وتبقى شريعته ويكون هذا بمثابة إقامة حجة، وقوله : ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خلا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ [فاطر:٢٤] قال بعض أهل العلم: إن المقصود به: النبي والرسول، وبعضهم قال: المقصود به النبي والرسول أو من يحمل الرسالة الباقية التي لم تغير ولم تحرف من المنذرين والمصلحين، وهذا الاستدلال الثاني لا ينافي الأول، وهو الذي يدل عليه واقع الأمم والبشر؛ فإن هناك من الأمم من بقيت فيهم شرائع الأنبياء حتى بعد موتهم، فإن شريعة موسى بقيت بعده حجة على قومه وعلى البشر الذين سمعوا برسالته.
وكذلك النبي ﷺ ، وإن كانت رسالته لا تخضع للقاعدة؛ لأن الله جعل له عموم الرسالة من ناحية؛ ولأن الله أبقى دينه محفوظاً إلى قيام الساعة، لكن مع ذلك فإنه بعد موته بقيت رسالته حجة، وما جاء به حجة.
إذاً: لابد من الإيمان بأن الله أقام الحجة بالرسل على جميع البشر وجميع الأمم، وبأنه ذكر طائفة من هؤلاء الأنبياء والرسل ولم يذكر غيرهم وهو تعالى أعلم بهم، وقد ورد في ذلك حديث حسنه كثير من أهل العلم، وقال بعضهم بأنه يصل إلى درجة الصحيح لغيره، وهو حديث أبي ذر وأبي أمامة الذي فيه ذكر عدد الأنبياء وعدد الرسل، فهذا الحديث إن صح وجب اعتقاد ما ورد فيه من عدد النبيين وعدد المرسلين، ففيه أن أبا ذر سأل النبي ﷺ عن عدد النبيين فذكر أنهم مائة ألف وأربعة وعشرون ألفاً، وسأله عن عدد المرسلين فقال له بأنهم ثلاثمائة وبضعة عشر، وفي بعض الروايات: ثلاثة عشر، وبعضها: خمسة عشر، وإذا ثبت هذا الحديث فإنه نص على عدد النبيين والمرسلين، فيدخل في باب الإيمان بالأنبياء والرسل على جهة الإجمال، أما على جهة التفصيل فالمقصود: أنه لابد لكل مسلم من أن يؤمن ويجزم ويصدق بكل نبي ورد ذكره في كتاب الله أو صح ذكره عن رسول الله ﷺ ، أو ورد وصفه ولو لم يرد ذكره، فلابد من الإيمان به من خلال وصفه.
стр. 738
بيان معنى الإيمان بالرسل عامة وبمحمد ﷺ وما أنزل عليه خاصة
قال رحمه الله تعالى: [وعلينا الإيمان بأنهم بلغوا جميع ما أرسلوا به على ما أمرهم الله به، وأنهم بينوه بياناً لا يسع أحداً ممن أرسلوا إليه جهله ولا يحل خلافه، قال تعالى: ﴿فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ * فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاغُ الْمُبِينُ﴾ [النحل:٨١ - ٨٢]، ﴿وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ﴾ [النور:٥٤]، ﴿وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَإِنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلاغُ الْمُبِينُ﴾ [التغابن:١٢].
وأما أولو العزم من الرسل فقد قيل فيهم أقوال، أحسنها: ما نقله البغوي وغيره عن ابن عباس ﵄ وقتادة أنهم نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد صلوات الله وسلامه عليهم، قال: وهم المذكورون في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ [الأحزاب:٧]، وفي قوله تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ [الشورى:١٣].
وأما الإيمان بمحمد ﷺ فتصديقه واتباع ما جاء به من الشرائع إجمالاً وتفصيلا.
وأما الإيمان بالكتب المنزلة على المرسلين فنؤمن بما سمى الله تعالى منها في كتابه من التوراة والإنجيل والزبور، ونؤمن بأن لله تعالى سوى ذلك كتباً أنزلها على أنبيائه لا يعرف أسماءها وعددها إلا الله تعالى].
ويضاف إلى ما ذكر في القرآن الكريم صحف إبراهيم وموسى ﵉.
قال رحمه لله تعالى: [وأما الإيمان بالقرآن فالإقرار به واتباع ما فيه، وذلك أمر زائد على الإيمان بغيره من الكتب، فعلينا الإيمان بأن الكتب المنزلة على رسل الله أتتهم من عند الله، وأنها حق وهدى ونور وبيان وشفاء، قال تعالى: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا﴾ [البقرة:١٣٦] إلى قوله: ﴿وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ [البقرة:١٣٦]، وقال: ﴿الم * اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [آل عمران:١ - ٢]، إلى قوله: ﴿وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ﴾ [آل عمران:٤]، وقوله: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ﴾ [البقرة:٢٨٥]، وقوله: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾ [النساء:٨٢]، إلى غير ذلك من الآيات الدالة على أن الله تكلم بها وأنها نزلت من عنده، وفي ذلك إثبات صفة الكلام والعلو.
وقال تعالى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ﴾ [البقرة:٢١٣]، وقال: ﴿وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ * لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت:٤١ - ٤٢]، وقال: ﴿وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ﴾ [سبأ:٦]، وقال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [يونس:٥٧]، وقال: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ﴾ [فصلت:٤٤]، وقال: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنزَلْنَا﴾ [التغابن:٨]، وأمثال ذلك كثيرة في القرآن].
стр. 739
الأسئلة
стр. 740
توجيه لمن يسأل عن المفاضلة بين الملائكة والبشر
السؤال
قد نسأل عن مسألة المفاضلة بين الملائكة والبشر، فهل نجيب بما هو موجود في كتاب شرح العقيدة الطحاوية كما قرأنا، أم نصرف الناس عن الجواب في هذه المسألة؟
الجواب
الأولى صرف الناس عن هذه المسألة بإقناع، بأن يقال: هذه المسألة ما تعبدنا بها، وهي أمور غيبية وليس فيها نص قاطع، وينبغي للمسلم أن لا يسأل عن أمور لا يحاسب عليها يوم القيامة، ولا يحتاج في ذلك إلى كثير كلام.
следующие страницы →