Полный текст (838 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
الإيمان بالشفاعة
قال: والإيمان بشفاعة النبي ﷺ .
الشفاعة في اللغة: ضم الوتر للوتر فيكون شفعاً، أو ضم الواحد إلى الواحد فيكون شفعاً.
أما الشفاعة في الشرع فهي: التوسط للغير بجلب منفعة، أو دفع مضرة، وهذه الشفاعة جاء القرآن فأثبتها ونفاها، فالشفاعة التي نفاها الله جل وعلا هي عن أهل الكفر، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفَاعَةٌ﴾ [البقرة:٢٥٤] فهذه شفاعة منفية.
وقال عن الكافرين: ﴿فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ * وَلا صَدِيقٍ حَمِيمٍ﴾ [الشعراء:١٠٠ - ١٠١] فهذه الشفاعة المنفية عن الكفار.
أما الشفاعة المثبتة فقد قيدها الله جل وعلا بقيدين وشرطين مهمين: الشرط الأول: الرضا عن المشفوع والإذن للشافع، قال الله تعالى: ﴿وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء:٢٨].
وقال جل وعلا: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة:٢٥٥].
والشفاعة على ستة أنواع: ثلاثة خاصة بالنبي ﷺ ، والباقية يشترك فيها الملائكة والأنبياء والمؤمنون.
أما الثلاثة الخاصة بالنبي ﷺ فهي: الأولى: الشفاعة العظمى في عرصات القيامة: ﴿يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ [الحج:٢]، يأتي كل البشر -مما يجدونه من الكرب والرعب والشدة والرهبة- فيذهبون إلى كل نبي، فآدم يبعثهم إلى نوح، وكل نبي يرسلهم إلى من بعده، حتى تصل إلى النبي ﷺ فيقول: (أنا لها أنا لها، فيذهب فيسجد عند العرش فيلهمه الله بمحامد تعلمها عند سجوده عند العرش، ثم يقال: يا محمد ارفع رأسك، وسل تعط، واشفع تشفع، فيشفع في أن يحكم الله بين العباد).
والشفاعة الثانية الخاصة بالنبي ﷺ هي شفاعته في دخول أهل الجنة الجنة، إذ لا يمكن لأحد أن يدخل الجنة إلا بعد النبي ﷺ ، والملك الذي يقف ببابها يقول: (ما أمرت أن أفتح إلا لك).
والشفاعة الثالثة الخاصة بالنبي ﷺ شفاعته في أهل الكفر، مع أنها شفاعة منفية، لكن هذه خصيصة للنبي ﷺ ، فيشفع في عمه أن يكون في ضحضاح من النار يغلي منه دماغه، ويظن أنه أشد الناس عذاباً يوم القيامة وهو أخفهم عذاباً.
والشفاعة الرابعة: الشفاعة في أهل الكبائر ألا يدخلوا النار، وهذه الشفاعة وما بعدها يشترك فيها الأنبياء والملائكة والمؤمنون.
والشفاعة الخامسة: الشفاعة فيمن دخلوا النار وأصبحوا حمماً أن يخرجوا منها.
والشفاعة السادسة: رفع درجات المؤمنين من درجة إلى درجة.
جعلنا الله منهم.
стр. 107
الإيمان بخروج الدجال وقتل عيسى بن مريم له في آخر الزمان
قال: والإيمان بأن المسيح الدجال مكتوب بين عينيه كافر.
أيضاً من أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة الإيمان بـ المسيح الدجال وأنه موجود محبوس، خلافاً لبعض المعاصرين، ومنهم الفقيه الذي قل في الناس من وصل لفقهه، وهو الشيخ محمد بن صالح العثيمين ﵀، فهو يرد حديث مسلم الذي فيه أن المسيح الدجال موجود الآن، فيقول: نعتقد أن المسيح الدجال سيخرج وهو أشد فتنة وأشر فتنة، لكن لا يؤمن أنه موجود الآن، لكن نقول فيه كما قيل من قبل: شيخ الإسلام حبيب إلينا والحق أحب إلينا منه.
فالحديث ثابت في صحيح مسلم من حديث تميم الداري الذي قال فيه النبي ﷺ (حدثني تميم الداري بحديث أعجبني) وفيه بيان أنه موجود الآن ومحبوس بسلاسل وسيخرج، والمسيح الدجال أشد وأشر فتنة وأشر غائب ينتظر، وقد بين النبي ﷺ أمره وهو على المنبر، واحمر وجهه وانتفخت أوداجه حتى إن الصحابة من خوفهم ظنوا أنه خلف الشجرة، فلما رأى النبي ﷺ رعبهم قال: (إن خرج وأنا فيكم فأنا حجيجه، فإن لم أكن فيكم فالله خليفتي على كل مسلم)، ثم وصفه وصفاً دقيقاً فقال ﷺ : (هو أعور وربكم ليس بأعور، كأن عينه عنبة طافية) وبين النبي ﷺ أنه يجوب الأرض شمالاً وجنوباً، وشرقاً وغرباً.
فيقول للسماء: أمطري فتمطر، ويذهب إلى الخربة فيقول: أخرجي كنوزك فتخرج، ويأتيه الرجل فيقول له: أؤمن بك إذا أخرجت أبي وأمي، فينادي أباه وأمه من القبر فيخرجان، وهما لا يخرجان حقيقة وإنما يتمثل بعض الجن في صورتهما لفتنة الناس، ولن يستشرفه أحد إلا فتنه، إلا رجل ذكر النبي ﷺ أنه خير الشباب في ذلك الوقت بعلمه وبصيرته يقول: أنت الدجال الذي وصفك لنا رسول الله ﷺ وحذرنا منه، والنبي ﷺ كان أمياً ما كان يقرأ ولا يكتب ولكن وصفه وصفاً دقيقاً فقال: (مكتوب بين عينيه (ك ف ر) يقرؤها الأمي والقارئ).
فحين يقول هذا الرجل الصالح هذا الكلام يقوم الدجال فيشقه ويمشي بين نصفيه، فيقول: أرأيتم لو أحييته تؤمنون بي؟ فيقولون: نعم.
فينادي عليه فيقوم؛ فتنة لهؤلاء، والله يعلم من يصلح للفتنة فيوقعه فيها، والله عليم حكيم، ثم يقوم الرجل بعلمه ودقة نظره فيقول: أنت الدجال، والله ما ازددت فيك إلا بصيرة فلا يسلط عليه بعد ذلك؛ لأن الله جل وعلا حباه القدرة على أن يفعل ذلك الفعل مرة واحدة ولا يكرره فإذا ضربه بالسيف وضعت حلقة على رقبته فلا يقوى عليه.
وقد حذرنا النبي ﷺ منه، ونسأل الله جل وعلا ألا نعيش حتى ندركه؛ لأنه شر غائب ينتظر.
ويبين النبي ﷺ بعد ذلك أن عيسى ينزل فيقتله.
والعجيب أن أهل الكتاب من يهود ونصارى، وأهل الإسلام كل منهم ينتظر المسيح، أما أهل الإسلام فينتظرون مسيح الهدى عيسى ﵊، الذي ينزل فيكسر الصليب ولا يقبل من النصارى الجزية بل الإسلام أو القتل، ويقتل الخنزير.
وأما اليهود فينتظرون المسيح الذي بشر به موسى، فهم اتهموا مريم وأرادوا قتل عيسى، فهم ينتظرون المسيح الذي بشر به موسى ﵊، أما النصارى فهم ينتظرون عيسى الذي هو ربهم، والعياذ بالله.
المهم أن النبي ﷺ بين أن عيسى ﵊ سينزل على جناحي ملكين، وإذا بالناس قد اصطفوا للصلاة خلف المهدي، فإذا رأى المهدي عيسى ﵇ تراجع إلى الخلف حتى يصلي عيسى بالناس -فهو نبي من أولي العزم من الرسل- فيقول: عيسى، إمامكم منكم، وهذا من تكريم الله لهذه الأمة، اللهم لك الحمد والشكر.
اللهم اجعلنا من خيار هذه الأمة يا رب العالمين.
فيطارد عيسى ﵊ الدجال حتى يدركه عند باب لد فيقتله، وتبقى معه الفئة المؤمنة كما سنفصل بعد ذلك في أشراط الساعة.
стр. 108
عقيدة أهل السنة في السمع والطاعة لولي الأمر براً كان أو فاجراً
قال: وخير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر ثم عمر ثم عثمان بن عفان، نقدم هؤلاء الثلاثة كما قدمهم أصحاب رسول الله ﷺ ولم يختلفوا في ذلك.
ذكر أصحاب الشورى ثم أهل بدر، وكل ذلك شرحناه من قبل.
ثم قال: ثم السمع والطاعة للأئمة وأمراء المؤمنين البر والفاجر، ومن ولي الخلافة بإجماع الناس ورضاهم.
فإن المسلمين يلي أمرهم حاكمان: الحاكم الأول: من قد يلي أمر المسلمين بالمشورة أو بالاختيار.
وهذا هو الذي قيل فيه: (خيار أئمتكم الذي تحبونهم ويحبونكم وتدعون لهم ويدعون لكم) ويحكمون بشرع الله والقسط.
والحاكم الثاني: من غلب على أمر المسلمين بالسيف، وكل واحد منهما له السمع والطاعة بالقيد الذي بينه النبي ﷺ : (إنما الطاعة في المعروف) فالحاكم له السمع الطاعة، ولو كان كما قال النبي ﷺ : (ولو تأمر عليكم عبد حبشي أسود) أخرجه أحمد بن حنبل.
ثم بين أنه لا يحل الخروج على إمام المسلمين براً كان أو فاجراً.
ومسألة الخروج على الحاكم مسألة عظيمة ضل فيها كثير وزلت أقدام.
والكلام فيها إجمالاً يتركز في نقاط: أولاً: هل يصح الخروج على الحاكم؟ الحاكم إما أن يكون حاكماً عادلاً مؤمناً تقياً ورعاً يحكم بين الناس بما أراه الله جل وعلا -أي: بشرع الله جل وعلا- فهو يقسط بينهم ويعدل بينهم، فهذا من خرج عليه يقتل؛ لأنه قد شق عصا الطاعة، فمن خرج على إمام عادل حكمه أنه يقتل لأنه شق عصا الطاعة.
وإما أن يكون الحاكم ظالماً فاسقاً فهذا الحاكم أيضاً له السمع والطاعة، ومن خرج عليه فقد أتى ببدعة؛ لأن هذا ليس من اعتقاد أهل السنة والجماعة بل وزره أشد ما يكون؛ لأنه سيعيث في الأرض فساداً، لأن التأليب على الحاكم وعلى ولاة الأمور يجعل الفساد يستشري بين الناس، فالحاكم الظالم الفاسق لا يخرج عليه، لكن هذا الحاكم له أحوال ثلاثة: الحال الأول: أن يكون هذا الحاكم الظالم الفاسق ليس له شوكة وليس له منعة، وعندنا أهل الحل والعقد عندهم شوكة ومنعه فهؤلاء وجب عليهم أن يعزلوه وينصبوا مكانه الإمام العادل.
الحال الثاني: أن يكون هذا الظالم الفاسق الإمام له شوكة ومنعة، لكن أهل الحل والعقد والمسلمون لهم شوكة ومنعة أقوى، ففئتهم أقوى من فئته.
الحالة الثالثة: أن يكون الإمام الظالم معه شوكة ومنعة أقوى من شوكة المسلمين.
فالصحيح أن الحاكم الظالم الفاسق أهل الحل والعقد هم الذين لهم حق التصرف معه فإن كان بإمكانهم عزله، والإتيان بالعادل مكانه فعلوا، وإلا لا يخرج عليه بحال من الأحوال، حتى وإن كان مع آحاد المسلمين شوكة ومنعة أكثر منه فلا يصح الخروج عليه، وهذا منهج أهل السنة والجماعة.
أما الحاكم الثالث فهو الكافر، والكافر لا يولى على المسلمين، والإسلام يعلو ولا يعلى عليه، قال الله تعالى: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ [النساء:١٤١].
لكن لو كان الحاكم مسلماً ثم فسق وظلم، بل وكفر وخرج من الملة فهذا له أحوال: الحال الأول: أن يكون ليس له شوكة ومنعة، فهذا أهل الحل والعقد يعزلونه ثم يستتيبونه فإن تاب وإلا قتل ردة.
الحال الثاني: أن يكون له شوكة ومنعة، لكن المؤمنين والمسلمين عندهم شوكة ومنعة أقوى منه، فهذا وجب عليهم أن يخرجوا عليه ويقاتلوه حتى ينحوه ثم يستتيبونه فإن تاب وإلا قتل ردة.
الحال الثالث: أن يكون له شوكة ومنعة وفي المسلمين ضعف فهذا لا يجوز الخروج عليه مع أنه كافر، والكافر لا يعلو على المسلم، لكن تغليباً لدفع المفسدة عن جلب المصلحة، وهذا الكلام دقيق جداً، فهذا الحاكم ارتد وردته ظاهرة عندنا من الله فيها برهان، كما قال النبي ﷺ : (لا تنابذوهم إلا أن تروا كفراً بواحاً) فأنت رأيت الكفر البواح ورأيت الردة، كقول القائل من بعض الحكام: إن قطع يد السارق تخلف ورجعية.
فهذا كفر وارتد أمامك، لكن مع ذلك لا تخرج عليه تغليباً لدرء المفسدة العظمى، وهي استئصال شأفة المسلمين.
وجاء عن الشافعي أنه قال: لو كان في المسلمين ضعف لهم أن يدفعوا الجزية للنصارى وللكفار دفعاً للمفسدة العظمى التي تأتي على المسلمين باستئصال شأفتهم، فالصحيح الراجح: أنه إن لم يكن في المسلمين قوة، وارتد الحاكم بكفر بواح لنا فيه من الله برهان فلا يجوز الخروج عليه تغليباً لدرء المفسدة.
стр. 109
وجوب إقامة الحدود
ثم ذكر إقامة الحدود وأنه فرض فرضه الله جل وعلا على عباده لا بد من إقامتها، والكلام في هذه المسألة من أجل بيان اعتقاد أهل السنة والجماعة سيكون في مسألتين: المسألة الأولى: هل إقامة الحد يكون لآحاد الأمة؟ فنقول: إقامة الحدود لولي الأمر، وهناك أدلة عامة على إقامة الحدود منها: قول الله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا﴾ [النور:٢].
وقوله جل وعلا: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة:٣٨].
فهذه أدلة عامة، ولكن جاءت أدلة خصصت هذه الأدلة العامة كقول النبي ﷺ : (تعافوا الحدود فيما بينكم، فمن أظهر لنا صفحته أقمنا عليه الحد).
وأوضح من ذلك قصة صفوان بن أمية لما سرق رجل شملته، فأخذه إلى النبي ﷺ ، فأمر النبي ﷺ أن تقطع يده فقال: يا رسول الله، إني قد سامحت، فقال النبي ﷺ : (هلا كان ذلك قبل أن تأتيني به؟!).
فهذه دلالة على أن إقامة الحدود ليست لأي أحد؛ لأنه كان يمكن للصحابي أن يقيم الحد على السارق؛ لكنه ذهب به إلى إمام المسلمين وولي الأمر وهو النبي ﷺ ، وبعدما أراد النبي ﷺ أن يقطع يده قال: سامحته يا رسول الله، فقال: (هلا كان ذلك قبل)، ولذلك النبي ﷺ قال: (من ألم بذنب فليستتر بستر الله جل وعلا، فمن أظهر لنا صفحته أقمنا عليه الحد).
فهذه دلالة على أن ولي الأمر هو الذي يقيم الحد، ويمكن له أن يوكل غيره كما قال النبي ﷺ كما في الصحيحين: (اغد يا أنيس إلى امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها) يعني: إن اعترفت بالزنا فارجمها.
المسألة الثانية: إذا أسقط الولي الحدود فلم يقم أي حد، فهل لآحاد الأمة أن يقيموا هذه الحدود؟ هذه المسألة فيها تفصيل: فأقول: الأصل أنه لو أسقط الولي الحدود فإن لآحاد الأمة أن يقيموها؛ لأن الله جل وعلا ما فرض هذه الحدود إلا لتطبق على أرض البسيطة، قال النبي ﷺ : (من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه) إلى آخر الأدلة، لكن هذا الأمر يقيد بقيود أشد ما تكون غلظة، فإن آحاد الأمة إذا أقاموا هذه الحدود فربما حصل بذلك تأليب للناس على ولي الأمر، فيترتب على ذلك مفسدة أعظم كأن يقوم الوالي بأخذ من أقام الحد وأخذ غيره معه بغية إثبات قوة يده وسلطانه، فالمسألة مقيدة بالمصلحة والمفسدة، فإن كان الرجل يعلم أنه لو وصل الوالي أنه أقام الحد فإن الوالي لن يعاقبه أو يعاقب بعده من معه، ولن ينزل على الأمة بأسرها هدماً وقتلاً وسجناً، فهذا مأمور بأن يقيم الحد.
فضابط المصلحة والمفسدة هو الذي يضبط لنا إمكانية إقامة آحاد الأمة للحدود.
لكن في واقعنا المعاصر هل يمكن للإنسان أن يقيس مصلحة ومفسدة، الصحيح: أن المفسدة أعظم ما تكون، فالراجح أنه ليس لآحاد الأمة في هذا الواقع المعاصر أن يقيم الحدود، فنحن قررنا مسألة نظرية علمية، لكن الآن ليس لآحاد الأمة أن يقيم الحدود التي عطلها الوالي.
لكن لو جيء برجل زنى وأقيم أمام الوالي، وجاء رجل وأخذ السوط وجلده، فلما ضربه السوط الأول سكت الوالي، ثم الثاني وإلى الثمانين وفي كل هذا يسكت الوالي، فهذا يدل على رضاه وإقراره.
стр. 110
بيان النفاق المخرج من الملة
نختم هنا بقول الإمام: والنفاق هو الكفر: أن يكفر بالله، ويعبد غيره.
النفاق نفاقان: نفاق أكبر ونفاق أصغر، والنفاق معناه في اللغة: الطريق في الأرض، والنفاق الأكبر هو النفاق الاعتقادي؛ أن يظهر الإسلام ويضمر الكفر، والعياذ بالله، قال الله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ * يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ [البقرة:٨ - ٩].
أما النفاق الأصغر فهو النفاق العملي؛ وجاءت صفاته في حديث النبي ﷺ : (إذا حدث كذب، وإذا اؤتمن خان، وإذا وعد أخلف، وإذا عاهد غدر) وفي الرواية الأخرى: (وإذا خاصم فجر).
وهنا مسألة في النفاق العملي: هل النفاق العملي يخرج من الملة أم لا يخرج، والنبي ﷺ يقول: (ثلاث من كن فيه كان منافقاً خالصاً)؟ فأقول إجابة على هذا الإشكال: المسألة فيها تفصيل فقول النبي ﷺ : (كان منافقاً خالصاً) أشكل على العلماء؛ لأن الله جل وعلا قال: ﴿وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ﴾ [التوبة:٥٤] فالتصريح هنا أنهم كفار، أما النبي ﷺ فلم يصرح، لكن قال: كان منافقاً خالصاً فهل يلحق بالكفار أم يكون من أهل الكبائر؟ للعلماء تأويلات كثيرة جداً: الأول: كان منافقاً خالصاً، يعني: كافراً، لكن باستحلال هذه الأمور، أي: باستحلال الكذب، والغدر وغيرها من هذه الصفات، فنقول لهم: هو يكفر إن كانت فيه هذه الصفات، أو لم تكن فيه هذه الصفات؛ لأن الاستحلال كفر، كما أن من جحد وجوب الصلاة فهو كافر وإن صلى.
التأويل الثاني: كان منافقاً خالصاً، يعني: شبيهاً بالمنافقين وليس بمنافق، يعني: شابه صفاتهم كما قالوا: إن هذا يفعل فعلة الكفار، فصفته كصفة الكفار.
التأويل الثالث: قالوا: إنه بريد الكفر، وهذا هو أعدل الأقوال، فالإنسان لو تشبع وتضلع بهذه الصفات واستمر عليها فهي بوابة إلى النفاق الأكبر؛ فهو حين يكذب يكون قد نزعت منه صفة الإيمان، لكن يبقى في دائرة الإسلام، فإذا اعتاد الكذب يخرج من دائرة الإسلام، وقد سئل النبي ﷺ : (أيكون المؤمن جباناً؟ قال: نعم.
فقيل: أيكون المؤمن بخيلاً؟ قال: نعم.
فقيل: أيكون كذاباً؟ قال: لا) فالكذب والغدر والخيانة ليست من صفات المؤمنين، فمن اعتاد عليها، وثبت عليها، فهذا منذر بخروجه من الملة والعياذ بالله.
стр. 111
إطلاق الكفر العملي على المعاصي
ثم قال: نرويها كما جاءت ولا نفسرها مثل: (لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض).
ومثل: (إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار).
ومثل: (سباب المسلم فسوق وقتاله كفر).
ومثل: (من قال لأخيه: يا كافر فقد باء بها أحدهما).
ومثل: (كفر بالله تبرؤ من نسب وإن دق).
قال الإمام أحمد: هذه الأحاديث مما قد صح وحفظ فإنا نسلم به، وإن لم يعلم تفسيره، ولا يتكلم فيه، ولا يجادل فيه.
فهل نمرر هذه الأحاديث أم ننظر فيها وندقق النظر؟ وكيف يكون التدقيق؟ أولاً هذه الأحاديث من المتشابه فتحتاج إلى أن ترد إلى المحكم.
فلو جاءك من يقول: قاتل المؤمن كافر، بدليل قول النبي ﷺ : (سباب المسلم فسوق وقتاله كفر).
وقال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا﴾ [النساء:٩٣]، والخلود لا يكون إلا لكافر.
فنقول رداً عليه: الأصل في لفظ الكفر أنه كفر أكبر إلا أن تأتي قرينة تصرفه من الظاهر إلى المؤول، والقرينة هنا قوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ [الحجرات:٩]، فمع أنهم اقتتلوا إلا أنه سماهم المؤمنين، فلم ينزع منهم صفة الإيمان، وقال تعالى: ﴿فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ [الحجرات:١٠]، والأخوة هنا هي أخوة الإيمان والدين.
وثبت عن النبي ﷺ أنه قال عن الحسن: (إن ابني هذا سيد، وسيصلح الله به بين فئتين عظيمتين من المؤمنين) وحدث أن الحسن صالح معاوية فكانا مع من معهما الطائفتين المؤمنتين.
وكذلك قول النبي ﷺ : (تمرق مارقة عند فرقة من المسلمين يقتلها أولى الطائفتين بالحق).
والطائفتان هما طائفة علي، وطائفة معاوية، فسماهم مسلمين.
إذاً: فقتال المؤمن ليس بكفر، ولكنه كبيرة.
стр. 112
بيان الضابط في إطلاق مسمى الصحابي على من عاصر النبي ﷺ
بقيت هنا نقطة مهمة ننبه عليها، وهي مسألة الصحبة وتعريفها، فنقول: الصحبة تطلق على كل من لقي النبي ﷺ ومات على الإسلام.
وفي تعريف آخر: كل من رأى النبي ﷺ وآمن به، ومات على الإسلام.
والتعريف الأول أصح؛ لأننا لو قلنا بالتعريف الثاني لخرج من الصحابة عبد الله بن أم مكتوم فهو لم ير النبي ﷺ لأنه كان أعمى، ومن اعتقاد أهل السنة والجماعة أن كل صحابي بأمه ممن جاء بعهدهم، وهذا هو الصحيح الراجح، ولذلك لما سئل بعضهم عن معاوية وعمر بن عبد العزيز قال: ليوم من أيام معاوية صحب فيه النبي ﷺ ورآه فيه خير من عمل عمر بن عبد العزيز.
نسأل الله جل وعلا أن يجمعنا بهم مع النبي ﷺ في الفردوس الأعلى.
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.
стр. 113
شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة - القدرة - العلم - السمع والبصر
من الإيمان بالله الإيمان بأسمائه وصفاته، وإثباتها له كما أثبتها لنفسه في كتابه وسنة رسوله، ويجب إثبات الأسماء والصفات بالشرع لا بالعقل، والإيمان بها كما آمن بها السلف الصالح من غير تحريف ولا تعطيل ومن غير تمثيل ولا تكييف.
стр. 114
توحيد الله في أسمائه وصفاته
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
ثم أما بعد: قال المصنف ﵀: باب جماع توحيد الله وصفاته وأسمائه، وأنه حي قادر عالم سميع بصير متكلم مريد باقي.
التوحيد هو أشرف العلوم، وشرف العلم من شرف المعلوم، ولا أحد أشرف من الله جل وعلا.
وقد ضلت فرق كثيرة في باب توحيد الله جل وعلا، فمن الفرق الضالة الذين قالوا: إن التوحيد هو الإقرار بوجود الله فقط، فمعنى توحيد الله جل وعلا عندهم: هو أن تقر أن الله جل وعلا موجود، أو أن الله هو رب الكون وخالق الكون ورازق الكون، وهذا تفريط في باب التوحيد.
ومن هذه الفرق الذين قالوا: إن التوحيد هو وحدة الوجود، وهؤلاء هم غلاة الصوفية الحلولية كـ ابن سبعين وابن عربي، حيث قالوا: ما في الجبة إلا الله، ولا فرق بين الخالق والمخلوق، فالمخلوق هو الخالق، والخالق هو المخلوق!!
стр. 115
أقسام التوحيد
جاء في الواسطية أن أهل السنة والجماعة قالوا: إن توحيد الله جل وعلا هو إفراد الله بالعبادة وإفراده بالاعتقاد أنه الخالق الرازق المدبر الذي له الأسماء الحسنى والصفات العلا، وقسم شيخ الإسلام ابن تيمية ومن بعده التوحيد إلى قسمين: القسم الأول: توحيد المعرفة والإثبات أو التوحيد العلمي الخبري عن طريق السمع والتوقيف، وهو توحيد الله جل وعلا بأفعاله أو فعل الرب تجاه العبد وهو أن تعتقد أن لربك جل وعلا أسماء حسنى وصفات علا كلها جلال وكمال، وأن تعتقد أن خالق الكون ورازقه ومدبره هو الله جل وعلا، وهو السيد المطاع الآمر الناهي الذي له حق التشريع وحق الأخذ والإعطاء، وأنه يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير.
القسم الثاني من أقسام التوحيد: توحيد القصد أو توحيد الله بأفعال العباد، وهو توحيد الإلهية، وهو أن تفرد الله جل وعلا بالذبح والنذر والقسم والتذلل والخضوع والدعاء والتضرع، فهذا لا يكون إلا لله جل وعلا.
стр. 116
صفات الله وأقسامها
الصفة هي! ما يدل هي علم يدل على معنى قائم بذات الله جل وعلا، أي: أن الصفة هي علم، وهذا العلم يدل على معنى قائم بذات الله جل وعلا، أما الاسم فهو: علم يدل على ذات الله.
إذاً الفرق بين الصفة والاسم: أن الصفة علم يدل على معنى قائم بذات الله، سواء كانت هذه الصفة متعلقة بالمشيئة أو كانت أزلية أبدية، أما الاسم فهو علم يدل على ذات الله جل وعلا.
والصفات نوعان: صفات ثبوتية وصفات سلبية، فالصفات الثبوتية هي ما أثبتها الله لنفسه في كتابه وأثبتها له رسوله ﷺ في سنته، فأسماء الله وصفاته لا يمكن أن تكون إلا من الكتاب أو من السنة ولا مدخل لاجتهاد الصحابة أو غيرهم فيها، فهي توقيفية من الوحي سواء كان الكتاب أو السنة.
وتنقسم الصفات الثبوتية إلى ثلاثة أقسام: الأول: صفات فعلية، وضابطها أنها تتعلق بالمشيئة، كالضحك والرضا والغضب والمجيء والاستواء، فإن شاء فعل وإن شاء لم يفعل.
الثاني: صفات ذاتية أزلية أبدية، لا تنفك عن الله فهي منذ الأزل وإلى الأبد، مثل الحياة والقدرة والعزة والكبرياء.
القسم الثالث من الصفات الثبوتية: صفات خبرية، وهي بالنسبة لنا أجزاء وأبعاض، كالعين فهي جزء، ولكنها بالنسبة إلى الله صفة من صفات الكمال والجلال يتصف بها الله جل وعلا، واليد كذلك، قال الله تعالى: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ [الفتح:١٠].
وأما الصفات السلبية فهي: الصفات المنفية التي نفاها الله عن نفسه في كتابه أو نفاها عنه رسوله ﷺ في سنته، وهذه الصفات ننفيها مع إثبات كمال الضد؛ لأن صفات الله كلها كمال وجلال ومدح، والنفي المحض لا يليق بالله، وليس من الأدب معه سبحانه، فلو دخل رجل من عامة الناس إلى الملك أو إلى الحاكم فقال له: أنت لست بسارق ولست بزان ولست بكافر ولست بكذا لكان هذا تنقيصاً وليس بمدح له؛ لأن المدح: هو أن تنفي الصفة مع ثبوت كمال الضد، كقول الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾ [ق:٣٨] واللغوب: التعب، وما مسه من لغوب لكمال قوته وقدرته وعزته، ولا تأخذه سنة ولا نوم لكمال حياته وقيوميته جل وعلا.
стр. 117
أسماء الله والفرق بينها وبين الخبر
اسم الله علم على ذات الله يدلك على الله جل وعلا، فإذا قلت: الله، فإن الذهن يذهب إلى ذات الله العلية المقدسة، وأسماء الله جل وعلا كلها حسنى، ومعنى حسنى: أنها تتضمن صفات كمال.
وحتى نفرق بين الاسم والصفة والخبر نقول: ما معنى حسنى؟ يعني أن هذا الاسم يتضمن صفات كمال أخرى، قال الله تعالى مثلاً: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة:٢٥٥] فالحي اسم من أسماء الله جل وعلا، وهو علم يدل على ذات الله جل وعلا، ويتضمن صفة كمال وهي صفة الحياة، والحي يستلزم أن يكون قادراً مريداً متكلماً قوياً قاهراً، فهذه صفة تستلزم صفات أخرى.
وإذا قلنا بأن أسماء الله حسنى فلا بد أن نفرق بينها وبين الخبر عن الله جل وعلا بما ليس فيه حسن أو كمال كالوجود مثلاً، قال الله تعالى: ﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ﴾ [الأنعام:١٩] فـ (الله) هنا بدل عن شيء، ولذلك قال البيهقي: الله اسمه شيء، وهذا ليس بصحيح؛ لأن ذلك من باب الخبر كمن يقول عن الله جل وعلا: موجود، وليس صحيحاً أن يسمي الإنسان نفسه عبد الموجود أو عبد الشيء، وليس معنى موجود أن هناك من أوجده، بل هو خبر وليس اسماً من أسمائه.
والفرق بين الاسم والخبر: أن الخبر لا يدعى به الله والاسم يدعى به، تقول: يا حي، يا رازق ارزقني، يا كريم اكرمني، لكن لا تقل: يا موجود أوجدني أو أعطني أو يا شيء ارحمني، فالأخبار لا يدعى بها، وبابها أوسع بكثير من باب الأسماء.
والفرق الثاني بين الاسم والخبر: أن الأسماء كلها حسنى، أما الأخبار فلا تصل إلى الحسن الذي بلغته الأسماء، ولكنها لا تنزل إلى السوء، وهذا الضابط ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية وفرق به بين الخبر وبين الاسم.
وهناك من الجهلة من يقول في قول الله تعالى: ﴿وَلا تَيْئَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ﴾ [يوسف:٨٧]: الروح جزء من الله جل وعلا، ولو قلتم رحمة فهذا تأويل، وهذا جهل مركب، ومنهم من يقول: إن من أسماء الله الصاحب والخليفة، واستدل على ذلك بحديث النبي ﷺ : (اللهم أنت الصاحب في السفر، وأنت الخليفة في الأهل)، وهذا ليس صحيحاً فالخليفة يمكن أن يكون خليفة سيئاً ويمكن أن يكون خليفة حسناً، ولا يوجد في الدنيا من يسمي ابنه عبد الصاحب، فالأخبار عن الله بابه أوسع، أما الأسماء فكلها أسماء حسنى.
ومن الفوارق بين الأسماء والأخبار أن الأسماء توقيفية من الكتاب أو من السنة فقط، أما الأخبار فمن الممكن ألا تكون توقيفية فتخبر عن الله بما في نفسك.
стр. 118
أسماء الله غير محصورة
أسماء الله كلها حسنى، ولا تنحصر في عدد، بل له أسماء علمناها وأسماء لم نعلمها، ولا يشكل علينا قول النبي ﷺ : (لله تسعة وتسعون اسماً من أحصاها دخل الجنة) فإن معنى (من أحصاها) أي: من حفظها، من عدها، من عمل بها، والجمع بين هذه المعاني هو الصحيح كما سنفصل القول فيما بعد، ولا يدل ذلك على حصر أسماء الله في هذا الحديث، بل هذا الحديث فيه مزية وهي أن من حصر التسعة والتسعين اسماً دخل الجنة، كما تقول: معي خمسة دراهم للصدقة، فهذا لا ينفي أن هناك دراهم أخرى للنفقة على البيت، فمزيه الخمسة دراهم أنها للصدقة فقط، والذي يدل على ذلك قول النبي ﷺ الصريح: (اللهم إني عبدك وابن عبدك وابن أمتك، ناصيتي بيدك، ماضٍ فيّ حكمك، عدل فيّّ قضاؤك، أسألك بكل اسم هو لك، سميت به نفسك أو علمته أحداً من خلقك أو أنزلته في كتابك أو استأثرت به في علم الغيب عندك)، فقد استأثر الله نفسه ببعض أسمائه عنده في الغيب لا نعلمها، وفي حديث الشفاعة قال ﷺ : (فأذهب عند العرش فأسجد فأحمد الله بمحامد يفتح عليّ بها لا أعلمها الآن) هذه المحامد تسبيح لله بالأسماء والصفات، وهي وقف للسجود عند العرش بعد عرصات يوم القيامة، وهي أسماء لا نعلمها، إذاً أسماء الله غير محصورة.
стр. 119
الحي القادر
قال المصنف ﵀: ومن صفاته وأسمائه أنه حي، هذه صفة من صفات الله جل وعلا، وهي صفة ثبوتية ذاتية أزلية أبدية لا تنفك عن الله جل وعلا، ولا يمكن أن نقول: إن شاء حيي وإن شاء لم يحي، فالحياة الأزلية الأبدية من صفات ذات الله، وبها تحيي الدنيا والجنة والملائكة.
قال المصنف ﵀: حي قادر، القدرة صفة ذاتية أزلية أبدية، لا تنفك عن الله، وقدرة الله أحاطت بكل شيء، فما يشاؤه الله فهو قادر عليه، وما لم يشأه فهو أيضًا قادر عليه، وهذا يبين لنا خطأ من يقول: إن الله على ما يشاء قدير، فهذه كلمة خاطئة ترد على صاحبها، بل الله جل وعلا قادر على ما شاء وما لم يشأ، فكلمة: إن الله على ما يشاء قدير كلمة خاطئة لا بد أن يجتنبها طالب العلم، فالله أحاطت قدرته بكل شيء: ﴿لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [الطلاق:١٢].
فالقول بأن الله على ما يشاء قدير مفهوم المخالفة أن ما لم يشأه لا يقدر عليه، وأما قول الله: ﴿وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاءُ قَدِيرٌ﴾ [الشورى:٢٩] فهي مرتبطة بالسياق، كقوله: ((أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)).
стр. 120
العليم
قال المصنف ﵀: قادر عالم، عالم صفة من صفات الله، واسمه عليم، وهي صفة من صفات الذات الثبوتية، الذاتية التي لا تنفك عن الله جل وعلا الله، فهو عالم بكل شيء، وأحاط بكل شيء علماً، وقسمة علم الله جل وعلا: أن الله علم ما كان وما يكون وما لم يكن لو كان كيف سيكون، وأول ما خلق الله الخلق خلق القلم فقال له: اكتب، فقال: ما أكتب؟ قال: اكتب كل شيء إلى يوم القيامة، فكل شيء مكتوب في اللوح المحفوظ كائناً ما كان، ويعلم ما يكون من علامات الساعة كما أخبرنا في كتابه، أو في سنة نبيه ﷺ ، كما قال: (بين يدي الساعة سنون خداعة، يؤتمن فيها الخائن، ويخون فيها الأمين، ويصدق فيها الكاذب، ويكذب فيها الصادق)، إلى آخر تلك الروايات التي أخبرت بما يسأتي من أمارات الساعة، وقال الله تعالى: ﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتَانُونَ أَنفُسَكُمْ﴾ [البقرة:١٨٧].
كذلك علم ما لم يكن لو كان كيف سيكون بالمستحيل وبالممكن، قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ﴾ [الأنعام:٢٧ - ٢٨] ثم بين الله جل وعلا أنه من المستحيل أن يرجعوا إلى الدنيا، وإن رجعوا إلى الدنيا وهذا مستحيل فقد علم الله أنهم سيعودون إلى ما نهوا عنه: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ [الأنعام:٢٨] وهذا في المستحيل، وفي الممكن أيضًا علم ما لم يكن لو كان كيف سيكون، قال الله تعالى عن المنافقين: ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَة َ) [التوبة:٤٧] فليس من المستحيل أن يخرجوا، والله جل وعلا يقول: ولو خرجوا فيكم لأوهنوكم ضعفاً، وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ * وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوا وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ [الأنفال:٢٢ - ٢٣] فعلم ما لم يكن لو كان كيف سيكون.
стр. 121
السميع البصير
سمع الله جل وعلا أحاط بكل شيء، لا تختلف عليه اللغات ولا الأصوات مع تفنن الحاجات ، وسع سمعه كل الأصوات، سمع دبيب النملة السوداء على الصخرة الصماء في الليلة الظلماء حتى إنه يرى مخ ساقها جل وعلا، ولو قام الكون كله في صعيد واحد فسألوه في وقت واحد باختلاف هذه اللغات لاستمع لهم ولأعطاهم في نفس الوقت جل وعلا.
جاء في صحيح البخاري عن عائشة ﵂ وأرضاها قالت: سبحان الذي وسع سمعه كل الأصوات! والله إن خولة بنت ثعلبة جاءت تشتكي إلى الله وإلى رسوله من زوجها وأنا في ناحية البيت بجانبها يخفى عني بعض حديثها، والله جل وعلا أنزل: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾ [المجادلة:١] وهو فوق عرشه فوق السماوات السبع .
فسمع الله أحاط بكل شيء.
وهو بصير، وبصره نفذ في كل شيء كما في الصحيحين عن أبي موسى الأشعري ﵁ وأرضاه قال: (حجابه من نور لو كشفه لأحرقت سبحات -يعني أنوار- وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه)، وبصر الله ينتهي إلى كل خلقه؛ لأن الله ﵎ أحاط بكل شيء رؤية جل وعلا.
وهو متكلم، وهذه صفة فعلية، والصحيح الراجح ما قاله شيخ الإسلام ابن تيمية: هي ذاتية النوع، أي: الأصل، لكنها فعلية الآحاد، أي: أن الله جل وعلا في الأصل متكلم، لكن يتكلم إذا شاء بما شاء وكيفما شاء.
стр. 122
إرادة الله
الله مريد، فالله يريد، وكل حي يريد، وكل قادر يريد، وإرادة الله إرادتان: إرادة كونية وإرادة شرعية، والإرادة الكونية: ضابطها أنها فيما يحب الله وما لا يحب، وتقع حتماً ولا بد أن تنزل وتقضى، أما الإرادة الشرعية: فهي خاصة فيما يحبه الله، وكل شيء أراده الله بإرادة شرعية فهو يبيحه شرعاً، وهذه الإرادة قد تقع وقد لا تقع، مثال ذلك: قول الله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة:١٨٥] هذه إرادة شرعية، فالله يريد اليسر وبعض الناس يعسر على نفسه ولا يأخذ بالرخص، فبدل أن يتوضأ واحدة يتوضأ ثلاثاً، وبدل أن يتيمم يغتسل ويموت! ولا يأخذ بالرخص، فمنهم من يفعل ذلك ومنهم من لا يفعل، فهذه إرادة شرعية قد يقع وقد لا تقع، قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ [البقرة:٢٥٣] هذه إرادة كونية، فالقتل قد وقع في الزمان الماضي والله لا يحب القتل بين العباد، لكنه قدره لحكمة أعلى من هذا القصد.
قال الله تعالى: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾ [الأنعام:١٢٥] هذه إرادة كونية فقوله: ((فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ)) فيه شيء يحبه الله، وهذه إرادة كونية، والله جل وعلا إذا شرح صدر عبد لا مرد له، ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [القصص:٥٦]، وإذا أضل الله عبداً لن تجد له هادياً.
стр. 123
صفة البقاء لله
الله باقي، البقاء خبر عن وجود الله جل وعلا، وليست صفة من صفات الله جل وعلا، بل اسم الله هو الآخر فليس بعده شيء، وهو الأول فليس قبله شيء، فالباقي هنا يوازيه اسم من أسماء الله الحسنى وهو الآخر، فالبقاء هنا ليست صفة ولكنها خبر عن الله جل وعلا، كقولك: الله موجود، فموجود خبر عن الله جل وعلا، والله شيء يدل على الوجود، والفرق بين الخبر وبين الاسم أن الخبر ممكن أن يبلغ إلى الحسن وممكن ألا يبلغ إلى الحسن، ولكنه لا ينزل إلى السوء.
والقاعدة: كل اسم صفة ولا عكس، فهناك صفات لا يمكن أن تشتق من الأسماء كقول الله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] فصفة الاستواء لا يشتق منها اسم المستوي.
стр. 124
معرفة الله وأسمائه وصفاته بالشرع لا بالعقل
قال المصنف ﵀: سياق ما يدل من كتاب الله جل وعلا وما روي عن رسول الله ﷺ على وجوب معرفة الله تعالى وصفاته بالسمع لا بالعقل، وهذه قاعدة مهمة، وما ينشر من أن الله يعرف بالعقل فليس بصحيح، فالله نعرفه بالوحي لا بالعقل، ودلالة ذلك من الكتاب ومن السنة، قال الله تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [محمد:١٩] أمره بالعلم بالشرع، وقال الله تعالى: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ [العلق:١]، وقال جل وعلا: ﴿وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ﴾ [يونس:١٠٩] أي: وليس العقل، إنما الذي يوحى إليك، وقال الله جل وعلا آمراً نبيه أن يقول لنا: ﴿قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَى نَفْسِي وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي﴾ [سبأ:٥٠] أي: من العلم، كذلك الرسل لا يعرفون بالعقل؛ لأن الرسالة ليست اكتساباً ولكن هبة من الله جل وعلا، فلا يعرف الرسول إلا بالتوقيف كما قال الله تعالى: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ﴾ [النساء:١٦٥] ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ [الأعراف:١٥٨] أي: أن الله جل وعلا هو الذي أرسلني، ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم:٣ - ٤] ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء:١٥].
وفي الصحيح: (عن ابن عباس ﵁ وأرضاه قال: جاء رجل من بني بكر فقال للنبي ﷺ : أين ابن عبد المطلب؟ فقال النبي ﷺ : أنا، فقال: إني سائلك ومشدد عليك، من خلق الأرض؟ قال: الله، قال: من خلق السماء؟ قال: الله، قال: من نصب الجبال وجعل فيها ما فيها؟ قال: الله، فقال له الرجل: إني سائلك ومناشدك ومشدد عليك فلا تجدن علي في نفسك شيئاً، قال: نعم، فقال له: فبالذي خلق الأرض وخلق السماء ونصب هذه الجبال وجعل ما فيها آلله أرسلك؟ قال: نعم، فأسلم الرجل)، فما علم ذلك إلا بالوحي، فالمسألة تدور على الشرع لا على العقل، وهذا أصل من أصول أهل السنة والجماعة لا بد أن نعض عليه بالنواجذ، وهذا أصل من أصول أهل السنة والجماعة، فإن معرفة الله ومعرفة الرسل لا تكون إلا بالوحي، وليس معنى ذلك أن نهمل العقل، بل له مكانته وله احترامه ولكن له حدود ولا يعرف الله استقلالاً، فالعقل يعلم صدق الرسول لكن ليس استقلالاً بل لا بد معه من الوحي، وقد كرم الله بني آدم على العجماوات بالعقل فقال: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ﴾ [الإسراء:٧٠] وقال الله تعالى يبين مكانة العقل ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾ [النساء:٨٢]، وقال جل وعلا: (أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [محمد:٢٤].
وأمرهم أن يتدبروا بالعقل في الملكوت العلوي والسفلي فقال: ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ * وَالأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ * تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾ [ق:٦ - ٨]، وقال: ﴿وَالأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ﴾ [الحجر:١٩]، فالعقل محترم يتدبر في آلاء الله جل وعلا وآياته، ولا بد أن يكون موافقاً لشرع الله جل وعلا.
وقد بين الله جل وعلا قيمة العقل والتدبر وذلك بالحجج العقلية التي رماها للمشركين حتى يتدبروا فيها، قال الله تعالى: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ﴾ [الطور:٣٥] أي: انظروا وتدبروا هل خلقتم من غير شيء؟ وهل العدم يخلق شيئاً؟ ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾ [الطور:٣٥] فلا يمكن أن يقول عاقل: إنه خلق نفسه أو خلق غيره، ثم ارتقى إلى أعلى من ذلك فقال: ﴿أَمْ خَلَقُوا السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ﴾ [الطور:٣٦]، وقال الله تعالى: ﴿وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾ [الذاريات:٢١].
ومن الأدلة على احترام العقل والحجج العقلية: دليل التمانع، قال الله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء:٢٢] أي: لو تدبروا فإما أن يكون للكون إله واحد أو آلهة كثر، ولو كان آلهة كثر فكل إله سوف يخاصم الإله الآخر ويأخذ خلقه ويذهب، أو يصارع، ﴿قُلْ لَوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا﴾ [الإسراء:٤٢]، فصاحب الشمس أو القمر سوف يتخاصم مع صاحب السماء حتى يتملك الكل، كما يتنازع ملوك الأرض، فإن غلب أحدهما على الآخر فالمغلوب لا يكون رباً، لأن الرب لا يكون ضعيفاً، فإن لم يظهر أحد يبتغي إلى ذي العرش سبيلاً فلابد أن يكون واحد هو المدبر وهو الخالق لهذا الكون، وهذا دليل عقلي، وهو دليل على احترام العقل؛ لكن العقل لا يمكن أن يقدم على النقل ولا على الشرع، فمرتبته الثانية بعد الشرع، وإذا قلنا: إن الله يعرف بالعقل، أو إن العقل يقدم على النقل، فسيلزم من ذلك لوازم باطلة، وأول شيء منها إهمال مهمة الرسل، والله جل وعلا ما أرسل الرسل إلا ليدللوا عليه، فإذا قلنا: عرفنا الله بالعقل فلا نحتاج إلى رسول، وهذا مخالف لظاهر القرآن، قال الله تعالى: (وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء:١٥]، وقال: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ﴾ [النساء:١٦٥] فأرسلهم الله ليدلوا الناس عليه، وكما أن القول بأن الله يعرف بالعقل يفضي إلى إلغاء مهمة الرسل، فإنه يفضي إلى القول بأنه لا معنى لقوله تعالى: (وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء:١٥].
ومن لوازم تقديم العقل على الشرع وأن الله يعرف بالعقل: تقديم العقل على الشرع في أحكام الفروع الفقهية وتكذيب بعض الأحاديث كحديث المسح على أعلى الخفين، فإن الأسفل هو الأولى بالمسح.
وقد رد البعض حديث الذبابة الذي فيه أن في أحد الجناحين داء وفي الآخر دواء، وكل ذلك من لوازم تقديم العقل على النقل، حيث قالوا: قد عرفنا الله بالعقل، وبقية الأحكام كذلك نعرفها من باب أولى بالعقل.
واللازم الثالث من تقديم العقل على الشرع: التجاوز فيما يجوز لله وما لا يجوز كقولهم: إن الله لا يصح أن يكون له يد لأن اليد جارحة، وإذا قلنا: إن الله له جارحة فقد ضاهيناه بالمخلوق وشبهنا الخالق بالمخلوق، وكقولهم كذلك: لا يصلح أن يكون لله عين لأنها جارحة، وإذا قلنا بذلك فقد شبهنا الخالق بالمخلوق، وقالوا بأن هذه تجاوزات عقلية وإبطال لهذا العقل، وليس ذلك صحيحاً بل إن العقل له رتبته بعد الشرع.
فهذا الباب من أهم الأبواب في هذا الكتاب، وهو باب سياق ما يدل على وجوب معرفة الله وصفاته وأسمائه بالشرع لا بالعقل، والعقل يوافق الشرع، كما قال شيخ الإسلام: العقل الصحيح لا يخالف نصاً صريحاً صحيحاً مفهوماً.
стр. 125
هل الاسم هو المسمى أم هو غيره ؟
الباب الثاني ما نخالف فيه الإمام اللالكائي وهو قوله: باب ما فسر من كتاب الله جل وعلا وما روي عن رسول الله ﷺ -أي: وورد من لغة العرب- على أن الاسم هو المسمى، أي: أن الاسم والمسمى واحد، وهذا الكلام خطأ ليس بصحيح، فإجماع أهل السنة والجماعة يرد هذا الخطأ، وللعلماء في مسألة هل الاسم المسمى واحد أم لا ثلاثة أقوال، وهي مزلة أقدام، وقع فيها الكثير من أهل العلم، والمعصوم من عصمه الله، وممن زلت أقدامهم في هذا الباب الحافظ ابن حجر وابن حزم.
القول الأول في هذه المسألة قول اللالكائي وتبعه على ذلك البغوي والقرطبي فقالوا: إن الاسم هو المسمى وعندهم أدلة قوية، منها قول الله تعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾ [الأعلى:١] فإذا قلت: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾ [الأعلى:١] فأنت تسبح الذات المقدسة ذات الله جل وعلا، وقال الله تعالى: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [الحجر:٩٩] أي: اعبد ذات الله المقدسة.
القول الثاني: قول ابن حزم وابن حجر وقول المعتزلة وهو أن أسماء الله غير الله، وهي أسماء مخلوقة، واستدلوا على ذلك بلغة العرب وهو أنك إذا قلت: يا محمد (م ح م د) فهذه الحروف عربية، وكذلك قولك: الله (ألف لام هاء) أو الرحمن (ألف لام راء حاء ميم نون) فهذا لفظ عربي، فاللفظ غير المسمى، وهذا كلام المعتزلة، والحافظ ابن حجر وابن حزم.
أما أهل الوسطية المدققون المحققون من أهل السنة والجماعة فقالوا: كلمة الاسم هو المسمى تحتمل حق أو تحتمل باطل، فالاسم هو علم على ذات الله جل وعلا، تارة يراد به الذات الإلهية المقدسة، وتارة يراد به الحروف واللفظ العربي، فيراد به الذات المقدسة إذا أمرنا كقول الله تعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾ [الأعلى:١] أي: سبح باسم ذات الله جل وعلا، ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [الحجر:٩٩] أي: اسجد واركع واستغفر وتضرع وتذلل للذات الإلهية المقدسة لا للفظ والاسم، أما إذا قلت: الرحمن اسم عربي فهذا يراد به الحروف واللفظ، وإذا قلت: الكريم اسم من الأسماء العربية، فيقصد به الحروف واللفظ كذلك.
فالمحققون من أهل السنة والجماعة قالوا: يراد بالاسم الذات العلية وتارة يراد به اللفظ، وكل شيء يوضع في موقعه، فإذا أريد به الذات العلية يكون بالذات العلية المقدسة، وإذا أريد به الألفاظ والحروف يكون باللفظ.
فاللفظ العربي (الرحمن) هو بالحروف العربية: (الألف واللام والراء والحاء والميم والنون)، لا يقصد بها الذات العلية، فقوله تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ﴾ [الإسراء:١١٠] أي: الذات الإلهية، ولو قلت: بسم الله الرحمن الرحيم، فالمقصود بذلك الذات الإلهية، وإذا أطلق الاسم فإنه يدل على الذات العلية المقدسة.
وقوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ * عَلَّمَ الْقُرْآنَ﴾ [الرحمن:١ - ٢] أي: أن الذات الإلهية علمت القرآن.
إذاً: قول اللالكائي بأن الاسم هو المسمى فيه شيء من الحق ولكنه ليس صحيحاً؛ لأنه قد يراد بالاسم غير المسمى، وإذا قلنا بقول الحافظ ابن حجر وهو أن أسماء الله غير الله أو أنها أسماء مخلوقة على الإطلاق فيلزم من ذلك لوازم باطلة، وهي أن الله أمرنا أن لا نشرك به شيئاً فقال سبحانه: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ [النساء:٣٦]، فيكون قد أمرنا أن نعبد غيره وهو الاسم المخلوق، وقد أمرنا الله إذا ذبحنا ذبيحة ألا نأكل منها إلا بعد أن نسمي الله فقال سبحانه: ﴿وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهَِ﴾ [الأنعام:١٢١] فإذا قلت: بسم الله الرحمن الرحيم كأنك سميت غير الله، وهو اللفظ المخلوق، وأكلت ذبيحة مسمى عليها غير الله جل وعلا.
ومن اللوازم الباطلة: أن الله جل وعلا أمرنا أن لا نقسم بغيره، وبين النبي ﷺ أن القسم بغير الله شرك، فقال: (من حلف بغير الله فقد أشرك)، فإذا قلنا: إن أسماء الله غير الله يلزم منه أن من يقسم بالكريم أو العليم أو الرحمن فقد أشرك؛ لأنه أقسم بغير الله جل وعلا! وقولنا: إن الحافظ أخطأ ليس فيه ضير، فمن الذي له الحسنات ولا يخطئ قط، والمعصوم هو من عصمه الله، والحافظ من أساطين العلم ومن أهل السنة والجماعة ولكن أبى الله أن يعصم أحداً إلا رسوله، وما من أحد إلا ويصيب ويخطئ إلا رسول الله ﷺ ، وكلٌ يؤخذ من قوله ويرد إلا هو ﷺ ، وقد أخطأ مالك والشافعي وأبو حنيفة وهم جبال بالنسبة للحافظ ابن حجر، فأخطئوا ورد عليهم خطؤهم، ونحن لا ننتقص من قدر الرجل لكن نقول: لا معصوم إلا من عصمه الله جل وعلا وهو النبي ﷺ .
стр. 126
شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة - أدلة أن القرآن كلام الله
صفة الكلام لله ثابتة بالكتاب والسنة والإجماع والعقل، وهي صفة ذاتية، والنقل مقدم على العقل في الاستدلال، والله يتكلم بحرف مفهوم، وصوت مسموع، وكلماته لا تحصى ولا تفنى، ومنها: كلمات كونية، وكلمات شرعية، والقرآن كلام الله وليس بمخلوق، وهذا ثابت بالكتاب والسنة وإجماع الصحابة والتابعين.
стр. 127
أهمية معرفة الأصل الصحيح في الاعتقاد
إذا كان عندك الأصل الصحيح تستطيع أن ترد على الشبهات، ولا تدخل عليك الشبهة، حتى وإن لم تعرف كيف ترد عليها فالشبهة لا تشوش عليك، وأعبد الناس لله جل وعلا أعلمهم به، فيحب الله جل وعلا، ويتقرب إليه، ويجب أن يعرف صفاته، وتجد أنه إذا أحب الرجل أحداً في الله أتى بكل محاسنه، فكيف بكم وأنتم تحبون الله الكبير الكريم؟! نسأل الله أن يميتنا على الإسلام ويجعلنا جميعاً ننظر إلى وجهه الكريم في الآخرة، فلا بد من معرفة صفات الله جل وعلا، فإنَّ أحب عباد الله إلى الله أذلهم له، وأذلهم له جل وعلا أعبدهم، وأعبدهم: أعرفهم به، والنبي ﷺ يقول: (أنا أعلمكم بالله جل وعلا وأتقاكم)، وكلما كان المرء أعلم بربه كان أتقى له، و (إنما العلم الخشية)، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر:٢٨]، فالعلم علمان: علم بالله وعلم بأمر الله جل وعلا.
стр. 128
صفات الله
صفات الله تنقسم إلى قسمين: صفات ثبوتية وصفات سلبية.
والصفات الثبوتية تنقسم إلى أقسام أيضاً: صفات ذاتية، وصفات فعلية، وصفات خبرية.
والفرق بين الذاتية وبين الفعلية: أنَّ الصفات الذاتية لا تنفك عن الله جعل وعلا، يعني: هي أزلية أبدية، لا تنفك عن الله وليست متجددة، بل هي معه لم تزل ولا تزال، مثل الحياة، فحياة الله أزلية أبدية لا تنفك عن الله لحظة من اللحظات، وكذلك قدرة الله، وعزة الله وكبرياؤه، لا تنفك عن الله جل وعلا.
أما الصفات الفعلية فهي التي ترتبط بالمشيئة، وهي متجددة، إن شاء فعل وإن شاء لم يفعل، قال تعالى: ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ﴾ [الأنبياء:٢].
وأما الصفات الخبرية فنسميها عندنا أبعاض وأجزاء، لكن هي من صفات الله مثل القدم والساق واليد، وحاشا لله أن يكون له ذلك مثلنا.
стр. 129
بطلان المقولة المشهورة (الله نعرفه بالعقل)
هناك مقولة مشهورة جداً تقال: (الله نعرفه بالعقل)، وهي مقولة ليست صحيحة، وإنما نعرفه بالوحي، والدليل على ذلك: قال الله تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [محمد:١٩].
واللوازم الباطلة التي تستلزم مقولة (الله نعرفه بالعقل) ما يلي: أولاً: إنكار الرسل عليهم الصلاة والسلام، فإذا قلت: الله نعرفه بالعقل، فلست محتاجاً إلى رسول يبعث إليك ليعرفك بربك جل وعلا بأسمائه الحسنى وصفاته العلى.
ثانياً: تقديم العقل على النقل، فعندما تقول: عرفت ربي بعقلي، وهذا في الأصول، فأي حكم من الفروع يأتيك ستقول: هذا عقلي لا يستسيغه! فإذا كان الله جل وعلا أعرفه بعقلي، فبقية الأحكام كلها لا أعرفها، وتقول لي: الأصل في العبادات التوقيف، وهذا الكلام ليس بصحيح، لأنّ ما قبله العقل أخذنا منه، وما لم يقبله العقل يرد؛ لأن الله قد عرفته بعقلي، وهذا لازم باطل جداً.
ثالثاً: يقول: أنا عرفت بعقلي أن ربي له عيناً، وهذه العين صفتها كذا، واليد كذا، والآخر يأتي ويقول: عرفت بعقلي أنه ليس له عين بحال من الأحوال، ولا يسمع أيضاً، وكلهم يصف الله بعقله! رابعاً: أن الله جل وعلا لا يعذب يوم القيامة على العقل، وعلى التحسين والتقبيح، وعلى ميثاق الفطرة، فلا يقال: أنت عندك عقل عرفت به أن الله واحد، وعبادة الله جل وعلا لابد أن تكون لواحد، ولو صرفتها لغير الواحد تكون مشركاً، فلابد أن تعذب، هذا باطل لصريح قول الله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء:١٥]، وبهذه الشبهة فتحوا الباب على مصراعيه للمعتزلة وغيرهم، من الذين يقدمون عقولهم على شرع الله ودين الله جل وعلا.
стр. 130
ثبوت صفة الكلام لله في الكتاب والسنة والإجماع
صفة الكلام صفة ثابتة لله جل وعلا بالكتاب والسنة والإجماع والعقل، وصفة الكلام لله جل وعلا صفة كمال، والعقل يدل على أن القرآن كلام الله.
والصفات الخبرية لا يدخل فيها العقل، فكلام الله صفة ثابتة لله جل وعلا أزلية لا يزال الله جل وعلا ولم يزل متصفاً بها، فالأصل فيها: أنها ذاتية، قديمة النوع حادثة الأفراد، لا تنفك عن الله جل وعلا، وهي صفة كمال وجلال، فالأخرس ناقص، والمتكلم كامل، فإن كان في البشر المتكلم كامل، فالله جل وعلا أحق بهذا الكمال، وثبوت كلام الله جل وعلا ثابت من الكتاب ومن السنة والإجماع والعقل.
الكتاب: قال الله تعالى ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ [الشورى:٥١].
وقد دلت الأدلة الكثيرة على أن الله قد تكلم مع كثير من خلقه، منهم: أولاً: الملائكة.
ثانياً: الرسل.
ثالثاً: الجمادات من خلقه تكلم الله معها.
رابعاً: إبليس اللعين.
خامساً: تكلم الله مع من لم يفهم ولا ينطق، لكن الله جل وعلا أفهمه وجعله ينطق، وهاك الأدلة من الكتاب والسنة: قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ * فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ﴾ [الحجر:٢٨ - ٢٩]، وقال جل وعلا: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة:٣٠]، يبقى إذاً الملائكة سمعت كلام الله جل وعلا، وأيضاً قال: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا﴾ [البقرة:٣٤].
وفي الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال: (إذا أحب الله عبداً -جعلنا الله وإياكم ممن يحبهم الله جل وعلا- نادى من السماء -بصوت مسموع- أي جبريل! إني أحب فلاناً، فيحبه جبريل)، إلى آخر الحديث.
وأيضاً في الحديث الصحيح عن النبي ﷺ : (إن الله يوم القيامة يتكلم بصوته، فيسمعه من بعد كما يسمعه من قرب).
وأيضاً تكلم الله جل وعلا مع البشر، وهذا شرف عظيم للبشر، فقد تكلم الله مع آدم وحواء، تكلم مع آدم كما قال: ﴿قَالَ يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ﴾ [البقرة:٣٣]، فتكلم معه انفراداً، وتكلم معه ومع زوجه، قال الله تعالى: ﴿وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ [الأعراف:٢٢].
فتكلم الله مع آدم وتكلم مع حواء، فسمعت حواء صوت الحق جل وعلا، وسوف يمتعنا الله بصوته يوم القيامة.
وتكلم الله جل وعلا مع بعض الرسل كلاماً غير الوحي، وهو موسى ﵇، قال الله جل وعلا: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء:١٦٤]، وقال جل وعلا ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾ [الأعراف:١٤٣]، فقد تكلم الله جل وعلا مع موسى.
وتكلم الله مع أحب الخلق له وإليه وأكرم الخلق عليه، وهو الرسول ﷺ كما في حديث الإسراء: (لما صعد النبي ﷺ وراجع ربه فقال له موسى: ارجع؛ فإن قومك لا يستطيعون، فراجع الله جل وعلا حتى جعلها خمس صلوات وبالأجر خمسين صلاة) فكلمه الله جل وعلا، وسمع محمد ﷺ صوت الحق جل وعلا.
أيضاً: كلم الله جل وعلا الجمادات، والجمادات خلقها الله لما خلق السماء في يومين، وأوحى فيها أمرها، وخلق الأرض وسواها في أربعة أيام سواء للسائلين، قال تعالى: ﴿فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ [فصلت:١١].
وتكلم الله جل وعلا مع القلم، ففي الصحيح عن النبي ﷺ قال: (أول ما خلق الله القلم، قال له: اكتب، قال: وما أكتب؟ قال: اكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة)، فسمع القلم من الله، وخط وكتب كل شيء إلى يوم القيامة.
أيضاً: تكلم الله جل وعلا مع الجنة ومع النار، قال الله تعالى في سورة (ق) للنار: ﴿هَلِ امْتَلأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ﴾ [ق:٣٠]، وفي الصحيحين: (اختصمت الجنة والنار إلى الله جل وعلا، فقال الله للنار: أنت عذابي أعذب بك من أشاء، وقال للجنة: أنت رحمتي أرحم بك من أشاء)، وقال رسول الله ﷺ (واختصمت الجنة والنار أيضاً أمام الله جل وعلا، فأذن الله للنار بنفسين: نفس في الصيف وهو أشد ما تجدونه من الحر، ونفس في الشتاء وهو أشد ما تجدون من زمهرير).
وتكلم الله مع الجنة مع أنه بانيها، قال لها: (أنت رحمتي أرحم بك من أشاء).
وتكلم الله مع اللعين إبليس، قال الله تعالى: ﴿قَالَ أَنظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ * قَالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنظَرِينَ﴾ [الأعراف:١٤ - ١٥]، وأيضاً قال الله تعالى: ﴿قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا﴾ [الأعراف:١٣]، فهذا إثبات واضح جلي بنص قطعي متواتر على أن الله تكلم مع مخلوقاته، وأن الله جل وعلا يسمع من يشاء بصوته جل وعلا.
ومن الطرائف، قيل: إنّ موسى ﵇ لما سمع قول الحق جل وعلا عاف صفات البشر، ولم يُردْ أن يسمع أحداً لما سمع صوت الحق جل وعلا، قال تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي﴾ [الأعراف:١٤٣] فسمع كلام الله جل وعلا، فعاف كلام البشر، أسمعنا الله وإياكم صوته في الجنة بإذن الله.
وتكلم الله جل وعلا مع أهل النار ﴿قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون:١٠٨]، وتكلم مع أهل الجنة كما في الصحيح عندما اطلع على أهل الجنة وقالوا له: (لبيك ربنا وسعديك والخير بيديك، قال: هل رضيتم؟ قالوا: وما لنا لا نرضى، لقد أعطيتنا ما لم تعط أحداً من العالمين)، والشاهد: فقال الله لهم: (أحل عليكم رضاي فلا أسخط عليكم أبداً)، نسأل الله جل وعلا أن يجعلنا وإياكم منهم.
فهذا إثبات من الكتاب والسنة على أن الله جل وعلا متكلم، يتكلم وقت ما شاء كيفما شاء.
стр. 131
معنى قوله تعالى: (ولا يكلمهم الله)
إن أهل البدع يقولون: أنتم تزعمون أن الله يتكلم مع أهل النار، والله جل وعلا ينفي ذلك، قال الله تعالى: ﴿وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [آل عمران:٧٧].
والردَّ عليهم أنه لا تعارض بين كلام الله؛ لأن الكلام: عام وخاص، فالكلام العام قول الله تعالى: ﴿قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون:١٠٨]، فكلمهم، أما الكلام الخاص فهو: كلام الرحمة والتلطف والرأفة، وهذا لا يكون إلا للمؤمنين كما قال الله في الحديث القدسي: (أحل عليكم رضواني فلا أسخط عليكم أبداً).
إذاً: الله متكلم، وصفة الكلام ثابتة لله جل وعلا من الكتاب والسنة، فقد أجمع الصحابة والتابعون وتابعو التابعين على أن الله جل وعلا متكلم وقت ما شاء كيفما شاء، كما سنبين في أمر القرآن، فالإجماع منعقد على أن الله جل وعلا يتكلم وقت ما شاء بما شاء كيفما شاء.
والعقل يثبت هذه الصفة أيضاً لله جل وعلا، حيث إن الخرس نقص عند العقلاء، ويقولون: الذي لا يعرف كيف يعبر عما في نفسه ناقص، والشاهد على ذلك: قول الله تعالى: ﴿أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلا يَكَادُ يُبِينُ﴾ [الزخرف:٥٢]، والذي يستطيع أن يتكلم ويعبر هذه صفة كمال، فإن كان المتكلم كاملاً، وصفناه بصفة كمال، فالله يتصف بصفة الكمال هذه من باب أولى؛ لأن الكلام كمال وعدم الكلام نقص، والله يتنزه عن كل نقص، ويتصف بكل كمال، وقد بيّن الله جل وعلا أن الكلام صفة كمال، وأن عدم الكلام صفة نقص، ولنا شواهد قرآنية على ذلك: قال الله تعالى: ﴿أَفَلا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا وَلا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلا نَفْعًا﴾ [طه:٨٩]، وفي سورة الأعراف قال: ﴿أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لا يُكَلِّمُهُمْ وَلا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا﴾ [الأعراف:١٤٨]، فبين أن هذا نقص، فلا يمكن أن تعبد آلهة لا تسمع ولا تنظر ولا تتكلم؛ لأن عدم الكلام نقص، فالله جل وعلا أولى أن يتصف بالكمال.
وقال تعالى: ﴿يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا﴾ [مريم:٤٢].
والغرض المقصود: أننا نثبت بالعقل لله صفة الكلام؛ لأنها من باب الكمال، والله يتصف بكل كمال.
стр. 132
كلام الله بحرف وصوت
الله جل وعلا يتكلم بحرف، ويتكلم بصوت مسموع، وكلامه كلام كوني وكلام شرعي كما سنبين، دليل كلام الله جل وعلا بحرف قول الله تعالى: ﴿ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ﴾ [القلم:١]، ﴿الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ﴾ [البقرة:١ - ٢]، وقوله: ﴿حم * عسق﴾ [الشورى:١ - ٢]، وقال الله تعالى: ﴿كهيعص﴾ [مريم:١]، وقال جل وعلا: ﴿طه﴾ [طه:١] الطاء والهاء (طه) من أسماء النبي ﷺ كما هو المشهور عند العامة.
ويتكلم الله بصوت يسمع، ودليل ذلك: قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [الشعراء:١٠]، والنداء بالهمز دون سماع الصوت، والنداء لابد أن يكون بصوت مسموع، قال تعالى: ﴿وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ﴾ [الصافات:١٠٤]، وقال: ﴿وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الأَيْمَنِ﴾ [مريم:٥٢] نادى موسى ﵇، فالنداء لابد أن يكون بصوت.
إذاً: يتكلم الله بحرف مفهوم وبصوت مسموع، وكلام الله جل وعلا لا يحصى ولا يفنى، وهذه من أدلة أنها صفة من صفات الكمال كما سنبين، قال الله تعالى: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا﴾ [الكهف:١٠٩]، وقال الله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ﴾ [لقمان:٢٧]، فالله جل وعلا كلماته لا تفنى ولا تنفد؛ لأنها صفة من صفات الله، باقية ببقاء الله جل وعلا.
ومن صفات كلام الله جل وعلا أن كلمات الله تنقسم إلى قسمين: كلمات كونية، وكلمات شرعية.
الكلمات الكونية: التي منها الخلق والإعطاء والمنع والتعذيب والرحمة، والكلمات الشرعية: التي فيها الأوامر والنواهي، قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [النحل:٤٠]، فقوله: ((أَنْ نَقُولَ لَهُ))، الكلمة كلمة كونية منها الخلق؛ ولذلك كان النبي ﷺ يقول: (أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق)، فالحفظ والكلأ كلمتان كونيتان، يعني: أعوذ بكلمات الله من كل شيطان رجيم، وأن يحفظني من كل سوء، ويحفظني من كل هم، فالحفظ صفة من صفات الربوبية فهو كلمة كونية.
أما الكلمات الشرعية كقول الله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة:٤٣]، وقول الله تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ [النساء:٣٦]، فكل ما تجد من أمر ونهي كلمات شرعية، وكل ما تجد من إعطاء، ومنع، وإحياء، وإماتة، وحفظ، وكلأ، كلمات كونية تتصل بربوبية الله جل وعلا.
ولو جاءنا بعض المبتدعة وقال: أنتم الآن شبهتم الله بخلقه وقلتم هو متكلم، فهو يشبه المخلوقين.
فإن الرد عليهم أن نقول: هذا لازم باطل، ولا يمكن أن نقبله، ولو قلنا: الله غير متكلم ووافقنا أهل البدع، وقلنا: الله لا يمكن أن يتصف بالكلام، فإنه لا يوجد خلق؛ لأن الله خلق بالكلمة فقال: ((كُنْ فَيَكُونُ)) أي إذا قلتم: أن الله غير متكلم فلا خلق موجود، لكن الخلق موجود، ولو قلنا بهذه الشبهة فلا يوجد رسل؛ لأن الرسل ما أرسلوا إلا بوحي من الله، يعني: بكلام من الله جل وعلا، فيلزم المعتزلة والجهمية أن الله جل وعلا لم يخلق الخلق؛ لكنه خلق الخلق بكلمة (كن)، ويلزم من قولهم أن الله جل وعلا لم يرسل الرسل؛ لكن الله أرسلهم بوحي وبكلام منه جل وعلا.
стр. 133
صفة الكلام ذاتية
صفة الكلام ثابتة لله وهي ذاتية، أي: أن الأصل فيها: أنها ذاتية أزلية حادثة الأفراد، يعني: متجددة، فهي ثابتة من الأزل قبل أن يخلق الخلق.
стр. 134
القرآن كلام الله
القرآن كلام الله جل وعلا، والقرآن لغة: مصدر قرأ يقرأ قرآناً، أو قرأ يقرأ قراءةً.
وفي اللغة: قرآن مصدر للقارئ، يعني: قرأ يقرأ قرآناً، لكن الزمخشري قال: ثم بعد ذلك خصت بما نزل على النبي محمد ﷺ .
واصطلاحاً: هو كلام الله المتعبد بتلاوته المعجز، المنزل على محمد ﷺ .
(كلام الله) يعني: تكلم به.
(المتعبد بتلاوته) يتميز بهذه الصفة السنة والحديث القدسي؛ لأن القرآن هو المتعبد بتلاوته، ولا بد في الصلاة أن تقرأ القرآن.
(المعجِز) أي: معجزة، أعجز الله كل من سمع هذا القرآن أن يأتي بعشر سور، أو بسورة واحدة، أو بآية، وما استطاع أحد أن يأتي بآية.
(المنزل على محمد ﷺ كما قال تعالى: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ * بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء:١٩٣ - ١٩٥].
فالقرآن كلام الله تكلم به وسمعه جبريل، فلما سمعه من الله جل وعلا نزل به على قلب الرسول ﷺ ، وتكلم الله بهذا القرآن، وعندنا أدلة من الكتاب والسنة أيضاً والإجماع.
стр. 135
الأدلة على أن القرآن كلام الله
أولاً: الاستدلال الصريح، قال الله تعالى: ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ﴾ [الإسراء:١٠٦]، وقال جل وعلا: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ [القدر:١] أي: القرآن، وقال جل وعلا: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ﴾ [التوبة:٦]، وقال جل وعلا: ﴿يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ﴾ [البقرة:٧٥] وقال: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ﴾ [الفتح:١٥].
ووجه الشاهد من الآيات إضافة الكلام إلى الله جل وعلا والمضاف إلى الله صفة من صفات الله، حيث إن المضاف إلى الله نوعان: أعيان قائمة بالله بذاتها، ومعانٍ ليست أعياناً، وإضافة الأعيان القائمة بذاتها إلى الله إضافة تشريف، مثل عيسى، عينه قائمة بذاته، وإذا أضيفت إلى الله جل وعلا أضيفت للتشريف، فتقول: عيسى روح الله، والكعبة بيت الله وإضافته لله إضافة تشريف، وناقة الله إضافة تشريف، أما المعاني التي ليست أعياناً قائمة بذاتها فإضافتها إلى الله إضافة صفة إلى الموصوف، تقول: كلام الله، يعني: صفة من صفات الله، أي: أن الله تكلم، (رحمة الله، عزة الله، قدرة الله، كرم الله)، هذا معنى من المعاني، فالمعنى الذي يضاف إلى الله إضافته إلى الله إضافة صفة إلى الموصوف، وهذا أول دليل بالتصريح.
ثانياً: الاستنباط: الآية الأولى: قال الله تعالى: ﴿قُرآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ﴾ [الزمر:٢٨]، قال ابن عباس: غير مخلوق، بنص تفسير ابن عباس؛ لأن تفسير القرآن إما بالقرآن أو بالسنة أو بقول الصحابي، وكفاكم ترجمان القرآن.
الآية الثانية: قال الله تعالى: ﴿أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ﴾ [الأعراف:٥٤]، عطف الخلق على الأمر، والأصل في العطف: المغايرة، والخلق غير الأمر، بل الأمر منه الخلق؛ لأن الله جل وعلا إذا أراد شيئاً قال له: ((كُنْ فَيَكُونُ))، قال غير واحد من السلف: أما الأمر فهو كلامه، وأما الخلق فخلقه جل وعلا ناتج عن الأمر، مثل مفعولاته.
الآية الثالثة: قال الله تعالى ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ﴾ [لقمان:٢٧]، قالوا: هذا دليل على أن القرآن صفة من صفات الله، والشاهد: قوله تعالى: ((مَا نَفِدَتْ)) فكل المخلوقات ستفنى، إلا صفات الله جل وعلا، فصفات الله لا تفنى، ولا تزول الصفة ببقاء الله جل وعلا.
الآية الأخيرة في الاستنباط: قال الله تعالى: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [غافر:١٦] لو كان الكلام مخلوقاً، وكل المخلوقات قد ماتت وانتهت، فالقائل: ((لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ)) حيُّ لا يموت فلا يكون الكلام إلا صفة من صفات الله جل وعلا.
ولذلك بُهت المعتزلي أبو الهذيل العلاف لمّا جاءه رجل وسأله: ما تقول في القرآن؟ قال: مخلوق، قال: هو مخلوق؟ قال: نعم، قال: إذاً: يموت أم يخلد؟ قال: يموت، قال: وكيف موته؟ قال: يموت بموت من يتلوه، يعني: الذي يتلوه إذا مات مات القرآن، قال: نعم، أرأيت كل الدنيا قد زالت ومات كل من يتلو هذا القرآن ولم يبق إلا الواحد القهار فقال: ((لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ))؟ فبهت المعتزلي، وما استطاع أن يتكلم، إذا قلتم: أنه سيموت بموت تاليه، فكل الذين يتلون القرآن ماتوا، فمن يردد: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [غافر:١٦]؟ فهذه الآيات تثبت أن القرآن كلام الله جل وعلا، والله تكلم بهذا القرآن.
وفي الصحيحين عن النبي ﷺ قال: (أول ما خلق الله القلم، قال له: اكتب، قال: ما أكتب؟ قال: اكتب كل ما هو كائن إلى يوم القيامة)، فكتب كل ما هو كائن إلى يوم القيامة، ومنه القرآن، فالقرآن مكتوب في اللوح المحفوظ قبل أن ينزل على محمد ﷺ .
وذكر المصنف هنا أربعة أحاديث أسانيدها ضعيفة، قال: ما روي عن النبي ﷺ مما يدل على أن القرآن من صفات الله القديمة، وأما القديم فهو خبر عن الله جل وعلا، ونحن فرقنا بين الخبر والصفة، قلنا: الصفة من صفات الله جل وعلا كلها كمال، ويدعى بها، وتستطيع أن تتوسل إلى الله بصفة من صفات الله، فتقول: اللهم إني أسألك برحمتك أن ترحمني، لكن الخبر عن الله لا يسأل به، فلا تقول: يا شيء أعطني، يا قديم ارزقني، فالقديم خبر عن الله جل وعلا وليس صفة للرب.
فالمعتزلة هم الذين وصفوا الله بالقدم، وعندنا ما يغنينا، فهو الأول فليس قبله شيء، وهو الآخر فليس بعده شيء، ثم أورد حديث آدم وموسى في الاحتجاج، بعدما احتج موسى على آدم قال: (أنت الذي أخرجتنا من الجنة! فقال: أنت الذي خط الله لك التوراة بيده، ثم قال: أنا أقدم أم الذكر؟ قال: الذكر، فقال النبي ﷺ : فحاجَّ آدم موسى)، قال له: أنا الذي خلقت أولاً أم كلام الله جل وعلا هو الأول؟ قال: كلام الله جل وعلا هو الأول، قال: إذاً: لا تحاسبني على شيء قد تكلم الله به قبل أن يخلقني.
فالشاهد من ذلك: أن الله تكلم من القدم بما يحدث في آدم ﵇.
وذكر المصنف حديثاً ضعيفاً أن النبي ﷺ قال: (قرأ الله جل وعلا سورة يس طه قبل أن يخلق آدم بألفي عام)، وهذا الحديث أسانيده كلها ضعيفة، لكن نستند به على أن الله جل وعلا قد تكلم في القدم.
стр. 136
إجماع الصحابة على أن القرآن غير مخلوق
قال المصنف: (ما روي من إجماع الصحابة على أن القرآن غير مخلوق) ورد عن أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وابن مسعود وعائشة أن القرآن كلام الله تكلم به وليس بمخلوق.
عن أبي بكر أنه راهن قريشاً على أن الروم ستغلب، فلما غلبت الروم قالوا: من أين أتيت بهذا؟ أمنك أم من صاحبك؟ قال: لا مني ولا من صاحبي، بل هو من كلام الله جل وعلا، ثم تلا عليهم: ﴿الم * غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ﴾ [الروم:١ - ٣].
أيضاً: عمر بن الخطاب سألوه عن القرآن فقال: هو كلام الله.
أما عثمان فقال: لو طهرت قلوبنا ما شبعنا من كلام الله، يعني: عثمان يعتقد أن القرآن كلام الله، ووجه الشاهد من كلامه قوله: من كلام الله، حيث أضاف الكلام إلى الله جل وعلا، وإذا أضيف الكلام إلى الله فهو إضافة صفة إلى موصوف.
وابن مسعود قال: من أراد أن يختبر حبه لله جل وعلا فلينظر حبه لكلام الله جل وعلا.
وعلي بن أبي طالب لما حاجوه في أمر التكفير قال: كلام الله ليس بخالق ولا مخلوق، بل هو كلام الله جل وعلا.
ولما كان ابن عباس يصلي على رجل في جنازة سمع رجلاً يقول: اللهم رب القرآن ارحم هذا الميت، فأخذه بعد الجنازة، وقال: القرآن ليس بمربوب، القرآن من الله جل وعلا منه بدأ وإليه يعود وهو منه؛ لأنه صفة من صفاته جل وعلا.
وعائشة قالت: برأني الله من فوق سبع سماوات تكلم الله فيّ، هكذا قالت، فأثبتت كلام الله جل وعلا.
وأيضاً التابعون وتابعو التابعين يقولون: القرآن كلام الله، وليس بمخلوق.
стр. 137
الأسئلة
القرآن كلام الله جل وعلا، والقرآن لغة: مصدر قرأ يقرأ قرآناً، أو قرأ يقرأ قراءةً.
وفي اللغة: قرآن مصدر للقارئ، يعني: قرأ يقرأ قرآناً، لكن الزمخشري قال: ثم بعد ذلك خصت بما نزل على النبي محمد ﷺ .
واصطلاحاً: هو كلام الله المتعبد بتلاوته المعجز، المنزل على محمد ﷺ .
(كلام الله) يعني: تكلم به.
(المتعبد بتلاوته) يتميز بهذه الصفة السنة والحديث القدسي؛ لأن القرآن هو المتعبد بتلاوته، ولا بد في الصلاة أن تقرأ القرآن.
(المعجِز) أي: معجزة، أعجز الله كل من سمع هذا القرآن أن يأتي بعشر سور، أو بسورة واحدة، أو بآية، وما استطاع أحد أن يأتي بآية.
(المنزل على محمد ﷺ كما قال تعالى: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ * بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء:١٩٣ - ١٩٥].
فالقرآن كلام الله تكلم به وسمعه جبريل، فلما سمعه من الله جل وعلا نزل به على قلب الرسول ﷺ ، وتكلم الله بهذا القرآن، وعندنا أدلة من الكتاب والسنة أيضاً والإجماع.
стр. 138
أي صفة فعلية هي ذاتية فعلية
السؤال
ما الفرق بين الصفة الفعلية والذاتية؟
الجواب
القاعدة تقول: (أي صفة فعلية من صفات الفعل هي ذاتية فعلية)، مثل الضحك؛ لأن الله جل وعلا يضحك وقت ما شاء، والاستواء كذلك نفس الأمر، لكن صفة الاستواء فعلية ذاتية، والنزول ذاتية فعلية، والمحبة ذاتية فعلية.
وضابط المسألة: أن كل صفات الأفعال قديمة النوع حادثة الأفراد، وليس هناك شيءٌ حادث فقط؛ لأنك لو قلت: حادثة فقط، فإنَّ أهل البدع سيحتجون بأن أول الشيء نقص، لأن الذي لا يتكلم، أي: كان أخرساً ثم بعد ذلك يتكلم يكون كالناقص وبعد ذلك كمل، حاشا لله من ذلك.
ولو قلنا بالتجدد وليس هناك أصل لها، فإنه يصير حادثاً، ولم يكن الله جل وعلا ثم كان، وحاشا لله من كلام المبتدعة.
стр. 139
تفسير قول الله تعالى: (فلما تجلى ربه للجبل جعله دكاً)
السؤال
ما معنى قوله تعالى: ﴿تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ﴾ [الأعراف:١٤٣]؟
الجواب
يعني: كشف الحجاب فاندك الجبل حتى يرى موسى ربه، وما استطاع الجبل الصمود أمام نور الله، فصار دكاً وأصبح كثيباً مهيلاً، وصعق موسى ﵇؛ ولذلك العلماء قالوا: إن الله جل وعلا سيعطي الإنسان يوم القيامة بصراً حديداً، قال تعالى: ﴿فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾ [ق:٢٢] أي: يكون معه يوم القيامة غير البصر الذي كان في الدنيا حتى يستطيع أن يرى الله جل وعلا.
سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك اللهم وأتوب إليك.
стр. 140
شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة - نصيحة في إصلاح القلوب
صلاح القلب واستقامته هو الأساس في صلاح الفرد أولاً ثم المجتمع ثانياً، فلا يستقيم الإنسان ولا تصلح أمور حياته وتصرفاته إلا إذا صلح قلبه، ومقاييس الناس عند الله تعالى هي القلوب، وليست الأعمال والأشكال الظاهرة، فمتى ما صلحت القلوب أصلح الله الفرد والمجتمع.
стр. 141
أهمية صلاح القلوب
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
إن الأمة لا يمكن أن ترتفع عن هذه الكبوة العظيمة الشديدة التي هي فيها إلا بقلوب صادقة وأعمال صالحة يتقبلها الله جل وعلا.
لحمة صغيرة ومضغة ضئيلة تدور عليها سعادة الأمة، بل سعادة البشر أجمعين، هذه المضغة إذا صلحت صلح كل شيء، وإذا فسدت فسد كل شيء، ورد عن النبي ﷺ أنه قال: (ألا وإن في الجسد مضغة، إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب).
فالقلب محل السعادة أو محل الدمار والشقاء على العبد، فالنبي ﷺ وصف القلب بأنه إذا صلح صلح الجسد كله؛ لأن القلب ملك والأعضاء جنود، وإذا صلح الملك صلحت الرعية، وإذا فسد الملك فسدت الرعية، وإذا زهد الملك وكان أميناً زهدت الرعية وكانت أمينة.
دخل علي بن أبي طالب ﵁ وأرضاه على عمر بن الخطاب وفي حجره أموال كسرى وهو يبكي بكاء شديداً، فقال علي: ما يبكيك يا أمير المؤمنين؟ قال: قوم أدوا هذه الكنوز والله إنهم لأمناء، فقال: يا أمير المؤمنين زهدت فزهدوا، وكنت أميناً فصاروا أمناء.
فإذا صلح الملك صلحت الرعية، وإذا فسد الملك فسدت الرعية، وإذا سرق الملك سرقت الرعية، وإذا زنى الملك زنت الرعية، ومن قبل قالوا: إن كان رب البيت بالدف ضارباً فشيمة أهل البيت كلهم الرقص القلب له مكانة عظيمة جداً جليلة يبينها قول الله تعالى: ﴿رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ إِنْ تَكُونُوا صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلأَوَّابِينَ غَفُورًا﴾ [الإسراء:٢٥].
стр. 142
القلوب مقاييس الناس عند الله
مقاييس الناس عند رب الناس القلوب، ومقاييس الناس عند أراذل الناس وأغرارهم وسفهائهم الوجاهة والسلطان والمال.
(جلس النبي ﷺ وسط أصحابه فمر عليهم رجل مليء غني وسيم قسيم، فقال النبي ﷺ : ماذا ترون هذا فيكم؟ -هذا المليء الغني ذو السلطان والوجاهة- فقالوا رضوان الله عليهم: هذا حري به إذا تكلم أن يسمع) وأربأ بصحابة رسول الله ﷺ أن يقيسوا الناس بهذا المقياس، لكن تقدير الكلام: أن الصحابة الكرام يقولون لرسول الله ﷺ : هذا عند الناس حري به إذا تكلم أن يسمع، وإذا نكح أن ينكح، وإذا شفع أن يشفع.
ثم مر بعد ذلك رجل رث الثياب، بشع الهيئة، ضعيف، نحيف، حقير فقال رسول الله ﷺ : (ماذا ترون هذا فيكم؟ قالوا: يا رسول الله! هذا حري به إذا تكلم أن لا يسمع، وإذا نكح أن لا ينكح، وإذا شفع أن لا يشفع)، فقال لهم النبي ﷺ مصححاً لهم ليصححوا للأمة أن مقياس الناس وموازين الناس ومعايير الناس عند رب الناس غير مقاييس الناس عند الناس، قال عن هذا الرجل الذي هو رث الثياب، بشع الهيئة النحيف الضعيف الفقير: (هذا عند الله بملئ الأرض من هذا).
فمقياس الناس عند الناس المال، ويقولون: معك درهم تساوي درهماً، إن كان معك مال تكلم فيسمع لك، إن نكحت ينكح لك، يعني تقبل إن نكحت، وإن تقدمت تقبل، وإن شفعت تشفع، ويؤخذ بكلامك؛ لأنك من ذوي الوجاهات، ومن ذوي الرياسات، ومن ذوي الأموال.
أما مقياس الناس عند رب الناس: فهو طهارة القلوب، نقاء القلوب، فهذه التي عزت بحق في هذه الأمة، وفي هذه الآونة خصوصاً، فقلب واحد مخلص لنصرة الدين أقسم بالله غير حانث وأقسم على قسمي قسماً آخر لقلب واحد صادق مخلص لنصرة الدين، مخلص لوجه الله جل وعلا، والله الذي لا إله إلا هو يجعل الله النصر على يديه، قال الله تعالى: ﴿رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ﴾ [الإسراء:٢٥] بما في قلوبكم.
﴿إِنْ تَكُونُوا صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلأَوَّابِينَ غَفُورًا﴾ [الإسراء:٢٥].
وأمر النبي ﷺ أن يمحص الناس بالقلوب، وأمره أن يتكلم مع الأسرى الذين في أيديهم فقال: ﴿إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ﴾ [الأنفال:٧٠].
فليست المقاييس بالأعمال ولا بالمظاهر.
стр. 143
صلاح القلوب سبب لاستجابة الدعاء
جاء في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: (رب أشعث أغبر) أي ضعيف نحيف حقير رث الثياب، لكنه تقي نقي، قلبه طاهر، معمر بحب الله جل وعلا (مدفوع بالأبواب) أي: دفعه أغرار الناس وسفهاؤهم وأراذلهم، الذين يقيسون الناس بالأموال والوجاهات (لو أقسم على الله لأبره) أي: لاستحى الله جل وعلا أن يرده خائباً إذا رفع يديه، وإذا قال: يا رب، قال الله: لبيك لبيك، كما ورد ذلك عن البراء بن مالك ﵁ وأرضاه أنه كان رثاً ضعيفاً فقيراً وهو من الصحابة الكرام، ولما كانت المعركة قالوا له: يا براء قد دولت علينا فادع الله جل وعلا أن يولينا ظهورهم، فقام إلى الله جل وعلا ورفع يديه وقال: (اللهم بحق لا إله إلا الله -أو قال كلمة نحوها- اللهم ولنا ظهورهم، اللهم واجعلني أول شهيد فيهم، فدخل المعركة فكان ﵁ وأرضاه أول الشهداء)، فنصر الله جل وعلا الأمة بدعائه، وولاهم ظهور الكافرين بدعائه؛ لأن الله علم طهارة ونقاء قلبه وصدقه وإخلاصه لنصرة الدين.
стр. 144
صلاح القلوب سبب للسبق في الآخرة ودخول الجنة
قال تعالى: ﴿رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ﴾ [الإسراء:٢٥] أي بما في قلوبكم.
هناك أمور تبين أن أعمال القلوب تسفر للناس عن أعمال تسبق أعمال الجوارح بمراحل، يبيت الرجل نائماً على سريره هادئاً، ساكناً، لا يقوم الليل، ولا يستغفر بالأسحار، ولا يصوم النهار، لكنه متقدم عند الله جل وعلا بنقاء قلبه وطهارة قلبه، ففي مسند الإمام أحمد عن النبي ﷺ قال: (يخرج عليكم رجل من أهل الجنة، فاشرأبت أعناق الصحابة على من يشهد له النبي ﷺ بالجنة وهو بين أظهرهم يمشي على رجليه أمامهم، فخرج الرجل، فجاء في اليوم الثاني والثالث، فالنبي ﷺ قال: يخرج عليكم رجل من أهل الجنة فخرج نفس الرجل) فتبعه عبد الله بن عمرو بن العاص يريد أن يكشف عن أعماله، فقال: بيني وبين أبي ملاحاة، وأردت المبيت عندك، قال: أهلاً، فأكرمه وبات عنده، فلما أرخى الليل سدوله قام عبد الله بن عمرو يترقب هذا الرجل، هل يطيل ليله بالقيام تعبداً لله؟ فما وجده قائماً، قال: لعله في ظمأ الهواجر يصوم النهار، وصوم النهار لا عدل له، فلم يجد الرجل صائماً! فتعجب عبد الله بن عمرو وقال: والله ما كان بيني وبين أبي ملاحاة ولكني سمعت رسول الله ﷺ يقول: (يخرج عليكم رجل من أهل الجنة، فخرجت أنت، فأردت أن أرى عبادتك فما رأيت شيئاً يتطلع إليه، فقال الرجل: ما هو إلا ما رأيت، ولكني لا أبيت ليلة وأنا أحمل لأحد في قلبي شيئاً، فقال عبد الله بن عمرو بن العاص: هذه التي لا نقدر عليها)، انظروا إلى نقاء القلب وطهارته مع قلة النافلة من الصيام والصلاة، ومع قلة الصدقة، ومع قلة سائر العبادات غير المفروضة، فجعله الله بذلك مقدماً على أقرانه من الصحابة، بل يشهد له وهو حي يرزق بين أظهرهم بالجنة؛ لطهارة قلبه.
ما أعظم طهارة القلب! وما أحوجنا إلى طهارة القلب! وما أعظم الصدق والإخلاص واليقين مع الله جل وعلا!
стр. 145
صلاح القلوب سبب لقبول التوبة وتكفير الذنوب
أعجب من ذلك الرجل الذي قتل مائة نفس، وهو بقتل نفس واحدة كفيل بأن يقتص منه فيقتل، أو يعذب في نار جهنم كما قال ابن عباس: (لا توبة لقاتل)، وجاء في حديث عن النبي ﷺ أنه قال: (ما يزال الرجل في فسحة من دينه ما لم يصب دماً حراماً)، مفهوم المخالفة: أن من أصاب دماً حراماً لم يجد فسحة في دينه، يعني: هو في الآخرة من الخسران بمكان، وهذا قتل مائة نفس، ومع ذلك كشف الله عن قلبه فوجده صادقاً تائباً راجياً رحمة ربه جل وعلا، نقياً طاهر القلب، فمسح الله له كل هذه الأدران والجبال من المعاصي بعمل صغير يسير، هذا العمل هو أنه سأل عالماً: (هل لي من توبة؟ قال: نعم لك توبة، اذهب إلى أرض كذا فإن فيها أناساً يعبدون الله فاعبد الله معهم، فذهب الرجل فمات قبل أن يصل إلى هذه الأرض، فاختصمت فيه ملائكة العذاب وملائكة الرحمة، قالت ملائكة العذاب: استحق النار لقتله مائة نفس ولم يعمل خيراً قط، فقالت ملائكة الرحمة: تاب إلى ربه وأناب) فالله تعالى ينظر إلى القلوب كما قال النبي ﷺ في الصحيحين: (إن الله لا ينظر إلى صوركم ولا إلى أموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم)، فالأصل أعمال القلوب وأعمال الجوارح تكون تبعاً، فالله تعالى نظر إلى قلب هذا الرجل فوجده تائباً صادقاً خالصاً نقياً لله جل وعلا.
(فأوصى إلى أرض التوبة أن تقترب، وإلى أرض المعصية أن تبتعد، ثم أمر ملكاً يأتيهم على صورة رجل ليحكم بينهم ويحل الإشكال، فقال لهم: قيسوا بينه وبين الأرض التي سار إليها، فإن كان أقرب إلى أرض التوبة فهو من أهل التوبة، وإن كان أقرب إلى أرض المعصية فهو من أهل المعصية).
هذه القصص لا أذكرها لنتسلى بها، بل لأبين لكم ما نحن فيه من عطب، وأن الأمة لا يمكن أن ترتفع من كبوتها إلا بنقاء هذه القلوب وبالصدق والإخلاص مع الله جل وعلا؛ لأن محل الكرامة والنصرة القلوب، والله جل وعلا ينظر إلى القلوب، فإن وجد قلباً صادقاً طاهراً قبل هذا العبد الذي هو من أصحاب القلوب الطاهرة.
وأعجب من هذه القصة بمراحل ما في الصحيحين من قصة امرأة من بني إسرائيل كانت تزني، فرأت كلباً يلهث من شدة العطش، فسقته بموقها، فغفر الله لها؛ لأن الله علم نقاء قلبها، يقول الله جل وعلا: ﴿إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ﴾ [الأنفال:٧٠]، وقال : ﴿رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ﴾ [الإسراء:٢٥] أي: بما في قلوبكم.
فالصالح التقي طاهر القلب، وإن بذل كل نفسه في المعاصي فإن الله سيختم له بالصالحات؛ لعلمه بأن هذا القلب طاهر؛ لأن النبي ﷺ يقول: (إن الله طيب لا يقبل إلا طيباً).
فعلم الله طيب قلب هذه المرأة ونقائه وطهارته، لما وجدت الكلب بلغ منه العطش ما بلغ بها، وهي قد ارتوت، سقت هذا الكلب فشكر الله لها هذا العمل، وتقاطرت ماء السقيا على جبال ذنوب الزنا فهدمتها وجعلتها كثيباً مهيلاً! إذاً: الله تعالى يزن الناس بنقاء القلب وطهارة القلب، أما سمعتم إلى حديث النبي ﷺ : (يدخل الجنة أناس أفئدتهم كأفئدة الطير) أي: في الرقة والتوكل والنقاء لله جل وعلا.
следующие страницы →