Полный текст (838 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
أهمية صلاح القلوب
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
إن الأمة لا يمكن أن ترتفع عن هذه الكبوة العظيمة الشديدة التي هي فيها إلا بقلوب صادقة وأعمال صالحة يتقبلها الله جل وعلا.
لحمة صغيرة ومضغة ضئيلة تدور عليها سعادة الأمة، بل سعادة البشر أجمعين، هذه المضغة إذا صلحت صلح كل شيء، وإذا فسدت فسد كل شيء، ورد عن النبي ﷺ أنه قال: (ألا وإن في الجسد مضغة، إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب).
فالقلب محل السعادة أو محل الدمار والشقاء على العبد، فالنبي ﷺ وصف القلب بأنه إذا صلح صلح الجسد كله؛ لأن القلب ملك والأعضاء جنود، وإذا صلح الملك صلحت الرعية، وإذا فسد الملك فسدت الرعية، وإذا زهد الملك وكان أميناً زهدت الرعية وكانت أمينة.
دخل علي بن أبي طالب ﵁ وأرضاه على عمر بن الخطاب وفي حجره أموال كسرى وهو يبكي بكاء شديداً، فقال علي: ما يبكيك يا أمير المؤمنين؟ قال: قوم أدوا هذه الكنوز والله إنهم لأمناء، فقال: يا أمير المؤمنين زهدت فزهدوا، وكنت أميناً فصاروا أمناء.
فإذا صلح الملك صلحت الرعية، وإذا فسد الملك فسدت الرعية، وإذا سرق الملك سرقت الرعية، وإذا زنى الملك زنت الرعية، ومن قبل قالوا: إن كان رب البيت بالدف ضارباً فشيمة أهل البيت كلهم الرقص القلب له مكانة عظيمة جداً جليلة يبينها قول الله تعالى: ﴿رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ إِنْ تَكُونُوا صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلأَوَّابِينَ غَفُورًا﴾ [الإسراء:٢٥].
стр. 142
القلوب مقاييس الناس عند الله
مقاييس الناس عند رب الناس القلوب، ومقاييس الناس عند أراذل الناس وأغرارهم وسفهائهم الوجاهة والسلطان والمال.
(جلس النبي ﷺ وسط أصحابه فمر عليهم رجل مليء غني وسيم قسيم، فقال النبي ﷺ : ماذا ترون هذا فيكم؟ -هذا المليء الغني ذو السلطان والوجاهة- فقالوا رضوان الله عليهم: هذا حري به إذا تكلم أن يسمع) وأربأ بصحابة رسول الله ﷺ أن يقيسوا الناس بهذا المقياس، لكن تقدير الكلام: أن الصحابة الكرام يقولون لرسول الله ﷺ : هذا عند الناس حري به إذا تكلم أن يسمع، وإذا نكح أن ينكح، وإذا شفع أن يشفع.
ثم مر بعد ذلك رجل رث الثياب، بشع الهيئة، ضعيف، نحيف، حقير فقال رسول الله ﷺ : (ماذا ترون هذا فيكم؟ قالوا: يا رسول الله! هذا حري به إذا تكلم أن لا يسمع، وإذا نكح أن لا ينكح، وإذا شفع أن لا يشفع)، فقال لهم النبي ﷺ مصححاً لهم ليصححوا للأمة أن مقياس الناس وموازين الناس ومعايير الناس عند رب الناس غير مقاييس الناس عند الناس، قال عن هذا الرجل الذي هو رث الثياب، بشع الهيئة النحيف الضعيف الفقير: (هذا عند الله بملئ الأرض من هذا).
فمقياس الناس عند الناس المال، ويقولون: معك درهم تساوي درهماً، إن كان معك مال تكلم فيسمع لك، إن نكحت ينكح لك، يعني تقبل إن نكحت، وإن تقدمت تقبل، وإن شفعت تشفع، ويؤخذ بكلامك؛ لأنك من ذوي الوجاهات، ومن ذوي الرياسات، ومن ذوي الأموال.
أما مقياس الناس عند رب الناس: فهو طهارة القلوب، نقاء القلوب، فهذه التي عزت بحق في هذه الأمة، وفي هذه الآونة خصوصاً، فقلب واحد مخلص لنصرة الدين أقسم بالله غير حانث وأقسم على قسمي قسماً آخر لقلب واحد صادق مخلص لنصرة الدين، مخلص لوجه الله جل وعلا، والله الذي لا إله إلا هو يجعل الله النصر على يديه، قال الله تعالى: ﴿رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ﴾ [الإسراء:٢٥] بما في قلوبكم.
﴿إِنْ تَكُونُوا صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلأَوَّابِينَ غَفُورًا﴾ [الإسراء:٢٥].
وأمر النبي ﷺ أن يمحص الناس بالقلوب، وأمره أن يتكلم مع الأسرى الذين في أيديهم فقال: ﴿إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ﴾ [الأنفال:٧٠].
فليست المقاييس بالأعمال ولا بالمظاهر.
стр. 143
صلاح القلوب سبب لاستجابة الدعاء
جاء في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: (رب أشعث أغبر) أي ضعيف نحيف حقير رث الثياب، لكنه تقي نقي، قلبه طاهر، معمر بحب الله جل وعلا (مدفوع بالأبواب) أي: دفعه أغرار الناس وسفهاؤهم وأراذلهم، الذين يقيسون الناس بالأموال والوجاهات (لو أقسم على الله لأبره) أي: لاستحى الله جل وعلا أن يرده خائباً إذا رفع يديه، وإذا قال: يا رب، قال الله: لبيك لبيك، كما ورد ذلك عن البراء بن مالك ﵁ وأرضاه أنه كان رثاً ضعيفاً فقيراً وهو من الصحابة الكرام، ولما كانت المعركة قالوا له: يا براء قد دولت علينا فادع الله جل وعلا أن يولينا ظهورهم، فقام إلى الله جل وعلا ورفع يديه وقال: (اللهم بحق لا إله إلا الله -أو قال كلمة نحوها- اللهم ولنا ظهورهم، اللهم واجعلني أول شهيد فيهم، فدخل المعركة فكان ﵁ وأرضاه أول الشهداء)، فنصر الله جل وعلا الأمة بدعائه، وولاهم ظهور الكافرين بدعائه؛ لأن الله علم طهارة ونقاء قلبه وصدقه وإخلاصه لنصرة الدين.
стр. 144
صلاح القلوب سبب للسبق في الآخرة ودخول الجنة
قال تعالى: ﴿رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ﴾ [الإسراء:٢٥] أي بما في قلوبكم.
هناك أمور تبين أن أعمال القلوب تسفر للناس عن أعمال تسبق أعمال الجوارح بمراحل، يبيت الرجل نائماً على سريره هادئاً، ساكناً، لا يقوم الليل، ولا يستغفر بالأسحار، ولا يصوم النهار، لكنه متقدم عند الله جل وعلا بنقاء قلبه وطهارة قلبه، ففي مسند الإمام أحمد عن النبي ﷺ قال: (يخرج عليكم رجل من أهل الجنة، فاشرأبت أعناق الصحابة على من يشهد له النبي ﷺ بالجنة وهو بين أظهرهم يمشي على رجليه أمامهم، فخرج الرجل، فجاء في اليوم الثاني والثالث، فالنبي ﷺ قال: يخرج عليكم رجل من أهل الجنة فخرج نفس الرجل) فتبعه عبد الله بن عمرو بن العاص يريد أن يكشف عن أعماله، فقال: بيني وبين أبي ملاحاة، وأردت المبيت عندك، قال: أهلاً، فأكرمه وبات عنده، فلما أرخى الليل سدوله قام عبد الله بن عمرو يترقب هذا الرجل، هل يطيل ليله بالقيام تعبداً لله؟ فما وجده قائماً، قال: لعله في ظمأ الهواجر يصوم النهار، وصوم النهار لا عدل له، فلم يجد الرجل صائماً! فتعجب عبد الله بن عمرو وقال: والله ما كان بيني وبين أبي ملاحاة ولكني سمعت رسول الله ﷺ يقول: (يخرج عليكم رجل من أهل الجنة، فخرجت أنت، فأردت أن أرى عبادتك فما رأيت شيئاً يتطلع إليه، فقال الرجل: ما هو إلا ما رأيت، ولكني لا أبيت ليلة وأنا أحمل لأحد في قلبي شيئاً، فقال عبد الله بن عمرو بن العاص: هذه التي لا نقدر عليها)، انظروا إلى نقاء القلب وطهارته مع قلة النافلة من الصيام والصلاة، ومع قلة الصدقة، ومع قلة سائر العبادات غير المفروضة، فجعله الله بذلك مقدماً على أقرانه من الصحابة، بل يشهد له وهو حي يرزق بين أظهرهم بالجنة؛ لطهارة قلبه.
ما أعظم طهارة القلب! وما أحوجنا إلى طهارة القلب! وما أعظم الصدق والإخلاص واليقين مع الله جل وعلا!
стр. 145
صلاح القلوب سبب لقبول التوبة وتكفير الذنوب
أعجب من ذلك الرجل الذي قتل مائة نفس، وهو بقتل نفس واحدة كفيل بأن يقتص منه فيقتل، أو يعذب في نار جهنم كما قال ابن عباس: (لا توبة لقاتل)، وجاء في حديث عن النبي ﷺ أنه قال: (ما يزال الرجل في فسحة من دينه ما لم يصب دماً حراماً)، مفهوم المخالفة: أن من أصاب دماً حراماً لم يجد فسحة في دينه، يعني: هو في الآخرة من الخسران بمكان، وهذا قتل مائة نفس، ومع ذلك كشف الله عن قلبه فوجده صادقاً تائباً راجياً رحمة ربه جل وعلا، نقياً طاهر القلب، فمسح الله له كل هذه الأدران والجبال من المعاصي بعمل صغير يسير، هذا العمل هو أنه سأل عالماً: (هل لي من توبة؟ قال: نعم لك توبة، اذهب إلى أرض كذا فإن فيها أناساً يعبدون الله فاعبد الله معهم، فذهب الرجل فمات قبل أن يصل إلى هذه الأرض، فاختصمت فيه ملائكة العذاب وملائكة الرحمة، قالت ملائكة العذاب: استحق النار لقتله مائة نفس ولم يعمل خيراً قط، فقالت ملائكة الرحمة: تاب إلى ربه وأناب) فالله تعالى ينظر إلى القلوب كما قال النبي ﷺ في الصحيحين: (إن الله لا ينظر إلى صوركم ولا إلى أموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم)، فالأصل أعمال القلوب وأعمال الجوارح تكون تبعاً، فالله تعالى نظر إلى قلب هذا الرجل فوجده تائباً صادقاً خالصاً نقياً لله جل وعلا.
(فأوصى إلى أرض التوبة أن تقترب، وإلى أرض المعصية أن تبتعد، ثم أمر ملكاً يأتيهم على صورة رجل ليحكم بينهم ويحل الإشكال، فقال لهم: قيسوا بينه وبين الأرض التي سار إليها، فإن كان أقرب إلى أرض التوبة فهو من أهل التوبة، وإن كان أقرب إلى أرض المعصية فهو من أهل المعصية).
هذه القصص لا أذكرها لنتسلى بها، بل لأبين لكم ما نحن فيه من عطب، وأن الأمة لا يمكن أن ترتفع من كبوتها إلا بنقاء هذه القلوب وبالصدق والإخلاص مع الله جل وعلا؛ لأن محل الكرامة والنصرة القلوب، والله جل وعلا ينظر إلى القلوب، فإن وجد قلباً صادقاً طاهراً قبل هذا العبد الذي هو من أصحاب القلوب الطاهرة.
وأعجب من هذه القصة بمراحل ما في الصحيحين من قصة امرأة من بني إسرائيل كانت تزني، فرأت كلباً يلهث من شدة العطش، فسقته بموقها، فغفر الله لها؛ لأن الله علم نقاء قلبها، يقول الله جل وعلا: ﴿إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ﴾ [الأنفال:٧٠]، وقال : ﴿رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ﴾ [الإسراء:٢٥] أي: بما في قلوبكم.
فالصالح التقي طاهر القلب، وإن بذل كل نفسه في المعاصي فإن الله سيختم له بالصالحات؛ لعلمه بأن هذا القلب طاهر؛ لأن النبي ﷺ يقول: (إن الله طيب لا يقبل إلا طيباً).
فعلم الله طيب قلب هذه المرأة ونقائه وطهارته، لما وجدت الكلب بلغ منه العطش ما بلغ بها، وهي قد ارتوت، سقت هذا الكلب فشكر الله لها هذا العمل، وتقاطرت ماء السقيا على جبال ذنوب الزنا فهدمتها وجعلتها كثيباً مهيلاً! إذاً: الله تعالى يزن الناس بنقاء القلب وطهارة القلب، أما سمعتم إلى حديث النبي ﷺ : (يدخل الجنة أناس أفئدتهم كأفئدة الطير) أي: في الرقة والتوكل والنقاء لله جل وعلا.
стр. 146
صلاح القلوب سبب للنجاة يوم القيامة
أعجب من هذا وذاك: رجل مؤمن أو مسلم عاث في الأرض فساداً، فقام إلى ربه يحاسبه، فقام إلى الميزان والكفتين فوجد كفة السيئات فيها سجلات بلغت عنان السماء، وما وجد في كفة الحسنات شيئاً، فنظر أيمن منه فلم يجد إلا ما قدم من سجلات المعاصي، ونظر أشأم منه فلم يجد إلا النار، فقال: قد هلكت، واستيقن بالهلاك، فقيل له: لك عندنا شيء، فقال: وما عسى هذا الشيء أن يفعل مع هذه السجلات؟ قيل: لا ظلم اليوم، لك عندنا بطاقة، فأخذ البطاقة فوجد فيها: لا إله إلا الله، فوضعت هذه البطاقة في كفة، وتلك السجلات في كفة؛ فرجحت هذه البطاقة على كفة السجلات التي فيها أمثال الجبال العظام من المعاصي؛ لطهارة القلب ونقائه، قال : ﴿رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ إِنْ تَكُونُوا صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلأَوَّابِينَ غَفُورًا﴾ [الإسراء:٢٥]، وقال : ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الأَسْرَى إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ﴾ [الأنفال:٧٠].
إن أتتنا المصائب والبلايا تترى فاعلم أن الطامة من قلوبنا؛ لأننا لسنا صادقين مع الله جل وعلا، ولسنا مخلصين لنصرة الدين، ولسنا نعمل لله، فالذي ينبغي على كل واحد منا أن يصدق مع نفسه، وأسألكم سؤالاً: من منا قام ليلاً فقال: أنا وقف لله، وقتي لله، مالي لله، عملي لله، ما أريد إلا الله، فأنا بالله ولله ومع الله؟ والله لو منا صادق فعل ذلك ليلة واحدة ثم رفع يديه في ذلك الوقت الذي هو وقت إجابة ووقت صدق مع الله جل وعلا، فإن الله سيأتي بالنصر والتمكين لهذه الأمة.
كل مسلم يقول: لا إله إلا الله، لكن هناك فرق بين من يقولها بصدق قلبٍ وإخلاصٍ مع الله جل وعلا وبين من يقولها بغير إخلاص.
ولذلك عقب ابن القيم على حديث البطاقة فقال: كل يصلي ويصطف خلف الإمام والإمام يقرأ، وكل مستمع وكل يقرأ الفاتحة وكل يسبح وكل يسجد لله جل وعلا، والفرق بين مصل وآخر كما بين السماء والأرض، ما الذي فرق بينهما؟ طهارة القلب وصدق القلب وإخلاص القلب مع الله جل وعلا.
стр. 147
صلاح القلوب سبب للاصطفاء والتكريم
إن كان مقياس الناس عند أراذل الناس وسفهاء الناس وأغرار الناس: المكانات والوجاهات والأموال، فإن محل الكرامة عند الله هي القلوب، فالله جل وعلا لا يكرم إلا صاحب القلب النقي التقي الطاهر، الله جل وعلا لما نظر إلى الناس عربهم وعجمهم مقتهم واختار واصطفى منهم العرب؛ لأنهم أطهر قلوباً من العجم، ثم بعد ذلك اصطفى منهم كنانة، ثم اصطفى من كنانة بني هاشم؛ لأنهم أطهر قلوباً، ثم نظر في قلوب بني هاشم فلم يجد أطهر من قلب رسول الله ﷺ فجعله محل كرامته ورسالته، فقد جعله خاتم النبيين، بل أفضل الرسل وأكرم الرسل عنده جل وعلا؛ لطهارة قلبه ونقائه.
وأيضاً لما أراد الله جل وعلا أن يصطفي صحابة رسول الله الصفوة، التي تنصر هذا الدين وتحمله على أعناقها، ليصل إلينا غضاً طرياً كما نزل، نظر الله إلى القلوب فلم يجد أطهر من قلوب الصحابة رضوان الله عليهم بعد الأنبياء فاختارهم لهذا الأمر.
وقد ورد في سنن الدارمي عن ابن مسعود بسند صحيح قال: (من أراد أن يتأسى فليتأس بمن مات من أصحاب رسول الله ﷺ ؛ فإنهم أطهر قلوباً) أي: هذه أهم العلل التي جعلت الله جل وعلا يختارهم لصحبة نبيه ﷺ ؛ لأنهم أطهر قلوباً، وأخلص قلوباً، وأنقى قلوباً، وأصدق قلوباً مع الله جل وعلا؛ ولأنهم أحسن أخلاقاً، وأعمق علماً.
قال ابن عباس: (والله يؤتي المرء الفهم بإخلاصه وصدق نيته) يعني: بما في قلبه من طهارة ونقاء، قال الله : ﴿رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ إِنْ تَكُونُوا صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلأَوَّابِينَ غَفُورًا﴾ [الإسراء:٢٥]، وقال تعالى: ﴿إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ﴾ [الأنفال:٧٠].
وأبو بكر أفضل البشرية على الإطلاق سوى الأنبياء، وأفضل الصحابة، أفضل ملازم للنبي ﷺ هو أبو بكر ﵁ وأرضاه، كفى فخراً بـ أبي بكر أن يذكره الله جل وعلا بصيغة الجمع في الكتاب العزيز، قال تعالى: ﴿وَلا يَأْتَلِ أُوْلُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ﴾ [النور:٢٢] قوله: (أولوا الفضل) المقصود به أبو بكر، فالله جل وعلا يخاطب أبا بكر بصيغة التعظيم، ما الذي جعل لـ أبي بكر هذه المكانة! ما أرفعها من مكانة! ما أعظمها من مكانة، ما السبل التي اتخذها أبو بكر ﵁ وأرضاه ليرتقي إلى هذه المنزلة؟ والله لو وضع إيمان الأمة في كفة ووضع إيمان أبي بكر ﵁ وأرضاه في كفة لرجحت كفة أبي بكر) هل لأنه كان وسيماً قسيماً ذا مال ومن أغنى الصحابة وله السلطان والوجاهة عند الناس؟ لا والله ما كان كذلك، وإنما العلة أنه كان أطهر قلباً وأعمق علماً وأحسن خلقاً، والذي يدلك على ذلك الحديث الموقوف عن عبد الرحمن بن عوف ﵁ وأرضاه قال: (والله ما سبق أبو بكر هذه الأمة بكثير صلاة ولا صيام، ولكن بشيء وقر في قلبه).
إذاً: محل الكرامة القلوب، ومحل النجاة يوم القيامة القلوب، قال الله تعالى: ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء:٨٨ - ٨٩] لم يقل: إلا من أتى الله بمال وفير أو بذرية عظيمة أو بجمال أو بسلطان أو بجاه، وإنما قال: ﴿إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾.
والقلوب هي الميزان وهي المعيار عند الله جل وعلا، نسأل الله جل وعلا أن يطهر قلوبنا، وأن يصفي قلوبنا ويجعلها صادقة مخلصة معه؛ لتتنزل الرحمات، وترتفع البلايا التي على هذه الأمة.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.
стр. 148
شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة - القرآن كلام الله
القرآن كلام الله والناس يقرءونه بأصواتهم ويكتبونه بأقلامهم وما بين اللوحين هو كلام الله غير مخلوق، وهذا هو معتقد أهل السنة والجماعة في القرآن، وقد فتن في قضية خلق القرآن أقوام من المعتزلة وجاء بعدهم الكرامية وطوائف من الفلاسفة يخوضون في هذه المسألة بعقولهم العقيمة وأفهامهم السقيمة، ومن يضلل الله فما له من هاد.
стр. 149
القرآن كلام الله تعالى
إن الحمد لله؛ نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
ثم أما بعد: القرآن كلام الله غير مخلوق، يجب اعتقاد هذا، وسوف أدلل على هذه المسألة وأبين الشاهد ووجه الاستدلال ومحل الاستدلال من الأدلة.
قال الله تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء:١٦٤] محل الشاهد: (وكلم الله) الفعل مضاف إلى الله، والله هو الفاعل، ثم أكد بالمصدر وهو المفعول المطلق المؤكد للفعل، ولم يقل: تخييلاً ولا خلقاً، وإنما قال: (تكليماً)، فهذا مفعول مطلق مؤكد للنوع، والنوع هنا المبين هو الكلام، فالله جل وعلا هو المتكلم والسامع هو موسى ﵇.
وقال الله تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ﴾ [التوبة:٦]، هذا دليل على أن القرآن كلام الله، وأن الله متكلم، وأن الكلام صفة من صفات الله.
وجه الشاهد وكيفية الاستدلال هو: ((حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ)) الكلام مضاف إلى الله جل وعلا، والمضاف إلى الله نوعان: أعيان ومعان، إضافة الأعيان مثل: بيت الله الكعبة، فهي عين قائمة بذاتها، والإضافة هنا إضافة مخلوق لخالقه، وهي إضافة تشريف.
مثال آخر: عيسى روح الله، فهل الروح معنى أم عين؟ الروح عين قائمة بذاتها، فإنها تؤخذ على حنوط والملك يسحبها، وتعلق في الشجرة، فهي عين قائمة بذاتها، لذلك: عيسى روح الله مضاف إلى الله إضافة تشريف.
النوع الثاني: إضافة المعاني، مثل قولك: كلام الله، فهل الكلام عين قائمة بذاتها؟ وهل جدتم كلاماً يمشي أمامكم ترونه وتسلمون عليه؟ الكلام معنى، كذلك قولك: وعزة الله لأفعلن كذا وكذا، هذه صفة لموصوف، كذلك قولك: قدرة الله ورحمة الله، وكرم الله، وعطاء الله، كل هذا من إضافة المعاني، فإضافة الكلام إلى الله جل وعلا إضافة صفة إلى موصوف.
стр. 150
عقيدة المعتزلة في القرآن الكريم
قالت المعتزلة عن القرآن: إن قلتم: إن الله يتكلم فقد شبهتم الخالق بالمخلوق؛ لأن كل متكلم له مخرج، إذاً شبهتم الخالق بالمخلوق وقلتم: إن لله مخرجاً وفماً يتكلم به.
نقول لهم: لا يلزم من ذلك التشابه؛ لأن الألفاظ قد تطلق ولا يراد بها المعنى المتبادر إلى الذهن من اللفظ، وذلك لقرينة تصرفها عن ذلك، مثل قوله تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الزمر:٦٢] وفي سورة الأحقاف قال: ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا﴾ [الأحقاف:٢٤] إلى آخر الآية ثم قال: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا لا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ﴾ [الأحقاف:٢٥] لم تدمر المساكن مع أن الله جل وعلا قال: ((تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ)) وهذا الشيء يدخل فيه المساكن وغيرها، فيكون المعنى: كل شيء صالح للتدمير.
وعلى نفس السياق نقول في قوله تعالى: ((الله خالق كل شيء)) أي: كل شيء قابل للخلق فهو مخلوق.
والرد عليهم نظراً: نقول: السماوات تتكلم: ﴿قَالَتَا أَتَيْنَا﴾ [فصلت:١١] فكيف تكلمت؟! أين لسان السماء؟! أين المخرج من السماء؟! وجاء في السنة أن النار قالت: (أكل بعضي بعضي)، وقالت: (جعلتني للمتكبري)، وغير ذلك مما ورد أنه يتكلم، ولا نرى للنار مخارج، فإذا لم نعرف للمخلوقات مخارج في كلامهم، ولم نعرف كيفية الكلام، فمن باب أولى الخالق الذي لا يعلم كنه ذاته جل وعلا، فلا تعلم حقيقة صفاته وكيفيتها، وهذا يسمى قياس الأولى، فإن كانت المخلوقات لا نعلم كيفية تكلمها فكيف بالخالق الذي لا يمكن أن نعلم كيفيته جل وعلا؟!
стр. 151
حكم من يقول لفظي بالقرآن مخلوق
قال بعضهم: لا يجوز أن تقول: لفظي بالقرآن مخلوق؛ لأن عين كلام الله هو عين كلام المخلوق، والذي قال هذا هم الاتحادية والحلولية، فهم يقولون: كل كلام في الأرض كلامه، فالسب والشتم وقبيح الكلام ينسب إليه جل وعلا تعالى عما يقولون علواً كبيراً! قال قائلهم: وكل كلام في الأرض كلامه سواء علينا نثره أو نظامه والذي قال هذا هو ابن عربي، وهذا الرجل من أكفر أهل الأرض، ومع ذلك يعظمونه، وهو الذي يقول بالاتحاد والحلول.
واختلف السلف في قوله: لفظي بالقرآن مخلوق، فالإمام أحمد وعلي بن المديني وغيرهما يقولون: من قال: لفظي بالقرآن مخلوق فهو كافر، أما البخاري ومحمد بن إسحاق بن خزيمة والبيهقي ومسلم فإنهم يقولون بجواز القول بأن لفظي بالقرآن مخلوق، ونقول: هذه كلمة مجملة.
ونحن أصلنا في اعتقادنا أن الكلام المجمل الذي ينسب إلى الله لا ننفيه ولا نثبته، لكن نقول للقائل: ما تقصد؟ فإن كان القصد صحيحاً فالكلام صحيح، وإن كان القصد باطلاً فهو باطل.
إذاً: هذه لفظة مجملة فنسأله، فإن قال: قصدي القرآن فهو كافر؛ لأنه يقصد أن القرآن مخلوق، وإن قال: قصدي صوتي ونبراتي وفعلي وكسبي وتلاوتي فهذا حق على حقيقته، وعندنا أدلة على ذلك تثبت أن كل هذه الأفعال مخلوقة.
فالقرآن كتب وسطر في اللوح المحفوظ، وهذا التسطير كان مخلوقاً، قال تعالى: ﴿وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ * فِي رَقٍّ﴾ [الطور:٢ - ٣] والرق مخلوق.
وفي الصحيحين: (أول ما خلق الله القلم قال له: اكتب.
قال: ما أكتب؟ قال: اكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة) فالقلم نفسه الذي كتب القرآن مخلوق، كذلك التلاوة تكون باللسان واللسان مخلوق، قال تعالى: ﴿اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ﴾ [العنكبوت:٤٥] والتلاوة هذه اكتساب وأفعال مخلوقة، والنبي ﷺ قال: (لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله القرآن فهو يتلوه) بفعله وكسبه وإرادته، فهذه أفعال مخلوقة، فالأفعال الاختيارية للعبد مخلوقة، فإذا قال: أقول: لفظي بالقرآن مخلوق وأقصد فعلي وكسبي باختياري فهذا صحيح، أما الكلام نفسه: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة:٣]، ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥]، فهذا ليس مخلوقاً، وإنما هو كلام الله جل وعلا.
أيضاً القلوب تعي القرآن والصدور تحفظه، وهذه الصدور مخلوقة، وكذلك القلوب، قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ * نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ﴾ [الشعراء:١٩٢ - ١٩٤] فهذا القلب مخلوق.
إذاً: الجملة المجملة لا ننفيها ولا نثبتها، ولكن نسأل ماذا تقصد؟ فإن كان حقاً أثبتنا بلفظه الشرعي، وإن كان باطلاً رددناه.
ومن الأمثلة على الكلام المجمل كذلك: السؤال عن الجهة، نقول: كلمة الجهة مجملة، فلا ننفيها ولا نثبتها، ولكن نقول: إن قصدت بالجهة العلو فهذا حق، وإن قصدت بالجهة كل مكان فهذا باطل، وهكذا في كل شيء آخر من صفات الله تعالى نقول: هذا مجمل لا نثبت ولا ننفي حتى لا نتقول على الله بغير علم، فمثلاً: هل يمكن للإنسان أن يصف الله بالإذن أو ينفيها؟ لا؛ لأنه لم يرد دليل على ذلك، فلعل لله أذناً لا نعلمها، قال تعالى: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء:٣٦].
стр. 152
ضوابط التكفير
يقول الإمام أحمد: من قال: لفظي بالقرآن مخلوق فهو كافر، ولا يعني هذا أنه يكفر بعينه إلا إذا توافرت الشروط وانتفت الموانع.
فهناك قاعدة رصينة لابد للمجتهد أن يعتقدها ويعمل بها عند التكفير، وهي النظر في القول أو الفعل ثم في القائل أو الفاعل، ولهذه القاعدة ترتيب معين: أولاً: يثبت أن الفعل أو القول بالكتاب أو السنة كفر، هذه أول خطوة لابد أن يعملها المجتهد لكي يكفر.
الثاني: ينظر في حال القائل أو الفاعل هل توافرت فيه الشروط؟ وهل عنده الأهلية الكاملة؟ وهل هو فاهم للكلام؟ وهل ينطق بكلام رصين ليس مخموراً وليس مغمى عليه؟ وهل انتفت عنه الموانع من الجهل والشبهة في مثل هذا؟ فإذا توافرت الشروط وانتفت الموانع فإنه يكفر بذلك.
إذاً: أصل قول الإمام أحمد من قال: لفظي بالقرآن مخلوق فهو كافر، الفعل كفر، والقول كفر، ولا يكفر القائل بعينه حتى تقام عليه الحجة وتزال عنه الشبهة، أي: تتوافر الشروط وتنتفي الموانع.
стр. 153
عقيدة الكرامية في القرآن الكريم
اتفقت الكرامية مع أهل السنة والجماعة في أمر وافترقت معهم في أمر في مسألة القرآن، فالكرامية اتفقت مع أهل السنة والجماعة في أن القرآن صفة من صفات الله جل وعلا وأنه كلام الله جل وعلا تكلم به ويتعلق بمشيئته، واختلفت مع أهل السنة والجماعة في أن القرآن أو الكلام مكتسب ويقصدون بذلك أن هذه الصفة حادثة لم تكن لله جل وعلا.
لكن شيخ الإسلام ابن تيمية رد على الكرامية وقال: كلام الله قديم النوع حادث الآحاد، يعني: صفة الكلام موجودة أصلاً، فمثلاً: لو دخل رجل فوجد رجلاً ساكتاً ومرة ثانية وجده ساكتاً وثالثة ساكتاً فإنه سيقول: هذا أصم أبكم، لكن لو وجده في الرابعة يتكلم، وسمع كلامه، فإنه لا يمكن أن يقول عنه: إنه أصم أبكم، فهو عندما كان ساكتاً فهو متكلم بالقوة، فلما تكلم أصبح متكلماً بالفعل، وهكذا القول عن كلام الله، فهو يتكلم متى شاء كيف شاء.
стр. 154
عقيدة الفلاسفة في القرآن الكريم
الفلاسفة قالوا بالعقل الفياض، وسموا الله جل وعلا العلة الفاعلة، وقالوا عن القرآن: إنه فيض فاض على محمد ﷺ ثم جاءه تخييل، أي: تخيل أن هناك صورة بيضاء جاءته تسمى جبريل.
وهذا كلام ابن سينا والفارابي وهو منسوب لـ أرسطو أيضاً.
стр. 155
شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة - مراجعة كلام الله - رؤية النبي ﷺ
صفة الكلام لله من الصفات التي قد تضافرت عليها الأدلة من الكتاب والسنة والعقل، وهي صفة فعلية تليق به ، فنثبتها لله تعالى من غير تحريف ولا تعطيل ولا تمثيل ولا تشبيه، وإثباتها لله ، لا يستلزم منه إثبات آلة الكلام من فم ولسان وغيرهما، والقرآن فرع عن هذه الصفة، فهو كلام الله ، وهذا اعتقاد السلف، ثم خلف من بعدهم خلوف قالوا بخلق القرآن، فتصدى للرد عليهم أئمة السلف.
стр. 156
لا يستلزم من إثبات صفة الكلام لله إثبات آلة الكلام
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
ثم أما بعد: فما زلنا مع هذا الكتاب العظيم الجليل كتاب: (شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة) للإمام اللالكائي، وقلنا: إن من إبداع هذا العلامة الجهبذ في تصنيفه لهذا الكتاب وترتيبه إياه: أنه اكتفى بالإجمال ثم بعد ذلك أخذ في التفصيل اقتداء بكتاب الله جل وعلا واقتداء بسنة النبي ﷺ ، فالإجمال مشوق ثم التفصيل يؤسس ويقعد.
وقد تكلمنا فيما سبق عن جماع صفات الله جل وعلا، ووصلنا إلى صفة الكلام، وأن القرآن هو كلام الله جل وعلا سمعه جبريل ﵇ من الله جل وعلا، ثم نزل به إلى النبي محمد ﷺ .
وقد ذكرنا قاعدة مهمة جداً وهي: أن الله متكلم، ولا يستلزم من إثبات الكلام إثبات آلة الكلام، فلا نقول: لله فم ولسان، وهناك مخلوقات تكلمت وليس لها فم أو لسان، فكذلك ولله المثل الأعلى لا يلزم من كلام الله وجود فم أو لسان لله ، فمثلاً: النار تكلمت، فأين لسانها؟! والسماء تكلمت فقالت: ﴿قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ [فصلت:١١] فأين فمها ولسانها؟! والعبد القريب من ربه جل وعلا، والذي يعلم صفات الله وأسماء الله جل وعلا، ويتعبد بها، أحب عباد الله إلى الله وأعلمهم به، وقد قسم النبي ﷺ العلم إلى علمين: علم بالله، وعلم بأمر الله.
وأشرف العلوم: العلم بالله، وأنت تعبد ربك جل وعلا فحري بك أن تعرف من ربك؟ وما هي صفاته؟ وما أسماؤه؟ فكلما تعرفت على أسماء الله وصفاته أحببته، وكلما أحببت الله جل وعلا تعبدت له وأخلصت له، وكلما أخلصت له قربت من المنزلة عند الله جل وعلا حتى يرفعك إلى قبل درجة النبوة، فلا يفرق بينك وبين النبي إلا درجة النبوة، والعلماء في درجة النبوة، فلا يفرق بين العالم والنبي إلا درجة النبوة، ولذا حظي العلماء بهذه المنزلة العظيمة، وأعظم العلماء وأشرفهم وأعلمهم: أعلمهم بالله وأخشاهم له، وكلما ازددت علماً بربك ازددت له خشية وإنابة وإخلاصاً وتعبداً.
стр. 157
إدلة صفة الكلام لله تعالى
الأدلة على أن الله متكلم: أن الله قد تكلم مع مخلوقات عدة، منها: الملائكة، والأنبياء ومنهم: موسى، وآدم، وسمعت حواء صوت الله : ﴿أَلَمْ أَنْهَكُمَا﴾ [الأعراف:٢٢]، وكلم الله القلم، ففي الصحيحين أن النبي ﷺ قال: (أول ما خلق الله القلم، فقال له اكتب.
قال: ما أكتب؟ قال: اكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة) فتكلم الله مع القلم وسمع القلم صوت الله ، يا له من قلم! ويا له من شرف عظيم، نسأل الله أن يسمعنا صوته في الآخرة، وأن يتحدث معنا برضاه، آمين اللهم آمين.
وتكلم الله مع الجمادات، منها: السماء والأرض، فقال لهما: (اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ [فصلت:١١].
وتكلم مع الجنة والنار، وتكلم مع الجبال، والجبل يسمع ويحب ويريد، قال النبي ﷺ : (هذا أحد يحبنا ونحبه).
وتكلم الله مع إبليس فقال: ﴿قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص:٧٥]، وقوله: ﴿قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا﴾ [الأعراف:١٣]، وآيات كثيرة فيها تكلم الله مع إبليس اللعين.
فكل هذه أدلة من الكتاب تدل على أن الله متكلم.
وأما الأدلة من السنة على أن الله متكلم فحديث القلم السابق، وأصرح وأوضح منه حديث النبي ﷺ الذي قال فيه: (إذا أحب الله عبداً نادى في السماء: يا جبريل! إني أحب فلاناً فأحبوه).
وحديث المعراج الذي خص الله فيه سيدنا محمد ﷺ بالكلام، كما اصطفى موسى بالكلام؛ ولذلك قال بعض العلماء: جماع كل صفات الخير للأنبياء جمعها الله لرسول الله ﷺ .
وأما إثبات صفة الكلام لله بالعقل فجائز، مع أن بعض العلماء يقول: أنت لم تر الله، ولم يحدثك الثقة عن الله جل وعلا، ولم تر مثل الله جل وعلا، فكيف تقول: بالعقل نثبت صفة الكلام لله ؟ وشيخ الإسلام ابن تيمية ينكر أمر القياس بين الخالق والمخلوق، فلا يصح أن نقيس بقياس بين الخالق والمخلوق بأي من الأحوال؛ لأن القياس لا بد فيه من وجود علة مشتركة بين الأصل والفرع حتى نقيس الفرع على الأصل، فأيهما تجعله أصلاً وأيهما تجعله فرعاً؟! فأقول: هناك قاعدة عظيمة تقول: كل صفة كمال فالله يتصف بها.
وبالعقل أي صفة نقص فإن الله تعالى لا يتصف بها؛ لأن الله له الكمال المطلق.
وأما قولهم: كيف تقيسون الخالق بالمخلوق؟ ف
الجواب
القياس أنواع: قياس شبه، وقياس علة، وقياس أولى، والذي يستعمل في حق الله هو: قياس الأولى، لا قياس علة ولا قياس شبه.
فإذا كان الإنسان يتكلم، والكلام صفة كمال له، والأخرس عندنا ناقص، بل المتكلم الذي لا يستطيع أن يعبر عما بداخله ويفسر ما يريد ناقص، ولذلك فرعون أنكر على موسى ﵇ عدم إفصاحه في الكلام، فقال الله على لسانه: ﴿أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلا يَكَادُ يُبِينُ﴾ [الزخرف:٥٢].
فبين أن هذه صفة نقص، والله جل وعلا قد شفاه من ذلك، والله له حكمة في ذلك، وقد طلب الله أن يكون هارون عوناً له؛ لأنه أفصح منه لساناً، فالكلام صفة كمال.
فإن كان هذا كمالاً فمن باب أولى نقول: إن الله متكلم، وإن كان عدم الكلام أو عدم استطاعة الكلام نقص فمن باب أولى ننزه الله عنه، أما ترى أن الله قد أنكر على قوم عبدوا أصناماً لا تتكلم ولا تنفع ولا تضر، فقال : ﴿أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لا يُكَلِّمُهُمْ وَلا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا﴾ [الأعراف:١٤٨]، وقوله: ﴿أَفَلا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا وَلا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلا نَفْعًا﴾ [طه:٨٩] إذاً: صفة الكلام هي صفة ثابتة لله جل وعلا بالكتاب والسنة والعقل.
стр. 158
الكلام صفة فعلية لله
هنا
السؤال
هل هذه الصفة خبرية أم فعلية أم ذاتية؟
و
الجواب
فعلية، فهي قديمة النوع حادثة الأفراد، أي: هي من الأصل موجودة عند الله جل وعلا، ما استحدثت بعدما خلق الله موسى وقال له: يا موسى! إني أنا الله، وإلا كان الله جل وعلا غير متكلم وأضيفت له هذه الصفة، وكان غير متكلم، ثم كملت له هذه الصفة وحاشا لله، ولذلك نحن نقول ونرد على أهل الكلام: لو دخلت على رجل ومكث مدة طويلة لا يتكلم، ثم بعد ذلك تكلم، فهل تستطيع أن تقول: إنه كان أخرساً، وما تكلم إلا في هذا الوقت؟ لا، وإنما تقول: عنده صفة الكلام وهو متكلم، لكن يتكلم وقت ما شاء.
إذاً: إذا أثبتنا لله صفة الكلام، فقد تكلم الله وسمعت المخلوقات صوت الله جل وعلا، وأسمع الله من شاء كيفما شاء كما شاء، والقرآن فرع عن هذه الصفة، فالقرآن كلام الله جل وعلا.
فالقرآن هو: كلام الله المتعبد بتلاوته -وبهذا يخرج: الأحاديث القدسية والنبوية- المنزل على محمد ﷺ بواسطة جبريل، ابتدأ بالفاتحة وانتهى بسورة الناس.
стр. 159
القرآن كلام الله غير مخلوق
أجمع الصحابة على أن القرآن هو كلام الله جل وعلا، فقد روى البيهقي أن أبا بكر راهن قريشاً على غلبة الروم، فلما سألوه عن ذلك قرأ هذه الآيات: ﴿الم * غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الأَرْضِ﴾ [الروم:١ - ٣]، فلما حدثت الغلبة للروم، قالوا له: من أين أتيت بهذا؟ هل هو من عندك أو من عند صاحبك؟ فقال: ليس من عندي ولا من عند صاحبي، ولكن هو كلام الله جل وعلا.
أيضاً: الخلفاء الراشدون قالوا: القرآن كلام الله، وغيرهم كـ ابن عمر وابن عباس وكثير من الصحابة، كما قال عمرو بن دينار: أدركت تسعة من أصحاب رسول الله ﷺ يقولون: إن القرآن كلام الله جل وعلا.
ورأى ابن عباس رجلاً يدعو فيقول: اللهم رب القرآن اغفر لنا، فقال ابن عباس: القرآن ليس بمربوب، القرآن كلام الله جل وعلا.
وورد عن عائشة ﵂ وأرضاها أنها قالت: وكان شأني أحقر عند نفسي من أن يتكلم الله في شأني من فوق سبع سماوات.
أيضاً: من التابعين: ابن المسيب والزهري وأبو حنيفة -كبار التابعين وصغار التابعين- وبعدهم الشافعي وأحمد ومالك وابن عيينة والثوري وأبو جعفر المنصور، كلهم اتفقوا على أن القرآن كلام الله جل وعلا غير مخلوق.
стр. 160
قاعدة في التكفير
قال المصنف رحمه الله تعالى: [جماع ما روي بكفر من قال: إن القرآن مخلوق] قبل أن أبدأ في شرح أي مسألة يتكلم فيها المصنف، لا بد أن أقعد قاعدة مهمة جداً، حتى نضبط الفروع بإرجاعها إلى الأصل، وهذه القاعدة هي: أن الكفر حق من حقوق الله جل وعلا، فلا أحد يقوى عليه إلا بدليل ناصع، أسطع وأوضح من شمس النهار، فلا أحد يلقي بالكفر على أحد إلا بدليل قاطع، أيضاً: لا بد أن نثبت أن هذا الفعل أو القول كفر، سواء من الكتاب أو من السنة، أو إجماع الصحابة أو إجماع أهل العلم، فمثلاً: لو قلنا: إن إلقاء المصحف في الزبالات كفر، أو سب الذات الإلهية كفر، فلا بد من دليل من الكتاب أو السنة أو الإجماع، فإذا قال قائل: إن القرآن مخلوق، وقلت: إن هذا كفر، فلا بد عليك أن تأتي بدليل من الكتاب أو السنة أو الإجماع على ذلك، حتى تبرأ ساحتك عند الله؛ لأن هذا حق لله جل وعلا.
فنقول: عندنا أدلة تثبت أن من قال: إن القرآن مخلوق، فإنه يكفر، أو أن هذه المقولة كفر، منها: أولاً: قوله تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء:١٦٤]، وقوله: ﴿تَنزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الواقعة:٨٠] فأثبت أن هذا الكلام كلام الله جل وعلا، فهو قد أضاف الكلام إلى الله جل وعلا، فإن قال قائل: الكلام مخلوق، فقد كذب بصريح القرآن، وإذا كذب بصريح القرآن فهذا كفر بواح؛ لأن الله جل وعلا يقول: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا﴾ [النساء:١٢٢] فإن قال: لا أصدق هذا؛ فقد كذب الله جل وعلا، ومن وقع في التكذيب فقد كفر.
ثانياً: أن الذي يعتقد هذه المقولة شبه الخالق بالمخلوق، وتشبيه الخالق بالمخلوق كفر؛ لأنه تكذيب للقرآن، وتنقيص من حق الله جل وعلا، قال الله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١]، فالله تعالى يقول: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١]، وهو ينزل الله من منزلته جل وعلا إلى منزلة المخلوق.
ثم إذا أثبتنا أن هذه المقولة كفر بصريح القرآن أو السنة أو الإجماع فلا بد من توافر الشروط وانتفاء الموانع؛ حتى نحكم بالكفر على فلان أو علان، وتقام عليهم الحجة، وتزال أي شبهة عنهم، فلعله يكون لهم تأويل، ويثبت لنا هذا ما نقل عن الإمام أحمد أنه قال: من قال إن القرآن مخلوق فقد كفر.
وقال الشافعي: من قال: إن القرآن مخلوق فهو زنديق.
وسئل ابن المبارك عن رجل يقول: إن القرآن مخلوق، فقال: امرأته بائنة منه، فقالوا: لم؟ قال: هي مسلمة وهو كافر، وقال ابن عيينة: من قال إن القرآن مخلوق فهو كافر ويقتل ولا يصلى عليه.
وقيل للإمام أحمد: هل نخرج بالسيف على المأمون؟ فقال: لا، هم عندي جهال، ولم يكفر المأمون مع أنه ضربه بالسياط، وامتحنه على خلق القرآن.
وناظر شيخ الإسلام ابن تيمية الجهمية الذين ينفون الاسم والصفة -ليس فقط ينفون صفة الكلام، بل حتى كل اسم لله- فقال لهم: لو قلت بقولكم كفرت، ولكنكم عندي جهلة.
فلجهلهم عذرهم الإمام ابن تيمية.
стр. 161
حكم قول: لفظي بالقرآن مخلوق
مسألة من قال: لفظي بالقرآن مخلوق، هل هو مثل من قال: إن القرآن مخلوق أم لا؟ هذه مسألة عويصة ومعرفتها مهمة جداً، والناس فيها على ثلاث طوائف: الطائفة الأولى: الواقفة، وهذه فرقة من فرق الجهمية، فمثلهم مثل من يقول: إن القرآن مخلوق؛ ولذلك توقفوا في أمر اللفظي، فالواقفة جهمية أصلاً.
الطائفة الثانية: قالوا: لفظي بالقرآن غير مخلوق، وهم غلاة الصوفية، كـ ابن عربي وابن سبعين، فهم يقولون: كل كلام في الأرض كلام الله؛ لأن عندهم الحلول والاتحاد، فلا فرق بين الخالق والمخلوق، فالمخلوق هو الخالق، والخالق هو المخلوق، ولذلك قال ابن عربي: كل كلام في الوجود كلامه سواء علينا نثره ونظامه يعني: أي كلام فيه سب، وأي كلام تزدري الأذن أن تسمعه، يقول: هذا كلام الله، حاشا لله! لأن عنده أن المخلوق خالق، والخالق مخلوق، ولا يدري ما الفرق بينهما، حاشا لله! وهذه الطائفة أكفر أهل الأرض، عليهم من الله ما يستحقون.
الطائفة الثالثة: طائفة أهل السنة والجماعة القائلون: لفظي بالقرآن مخلوق، وقد حصل كلام ونزاع بينهم في المراد بهذه المقولة، فالإمام أحمد والشافعي وابن عيينة وغيرهم من الأئمة قالوا: من قال: لفظي بالقرآن مخلوق فهو زنديق، وقالوا: لا تصح هذه المقولة؛ لأن قولي: لفظي بالقرآن مخلوق، هي كقولي: القرآن مخلوق.
وخالف في ذلك البخاري وابن خزيمة وابن جرير الطبري فقالوا: هذه المقولة لا شيء فيها، وهي كلام صحيح.
ونحن نقول بالتفصيل، فهل تكلم الصحابة والتابعون بهذا الكلام؟ لا، وإنما هذه المقولة بدعة ظهرت في القرون المتأخرة، وهناك قاعدة تقول: كل كلام في حق الله فهو مجمل لا يقبل بالإطلاق، ولا يرد على الإطلاق، كالجهة والمكان، ولكن نقول للقائل: ما تقصد؟ فإن كان يقصد حقاً قبلنا الكلام، وإن لم يقصد حقاً رددنا الكلام.
فلو أنه قصد أن لفظه بالقرآن الذي يتلوه مخلوق يعني بسم الله الرحمن الرحيم ﴿الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ﴾ [البقرة:١ - ٢] فهو قد قال بقول المبتدعة الذين قالوا: إن القرآن مخلوق، ونرد عليه القول، ونزيل عنه الشبهة؛ فإن أصر على ذلك فقد كفر؛ لأن هذا القول قول كفر.
وإن قصد فعله وكتابته ولسانه وصوته الذي يطلع منه، فهذا حق، فإن فعله مخلوق، وتلاوته مخلوقة، ولسانه مخلوق، وقلبه مخلوق، وصدره مخلوق، والله جل وعلا والنبي ﷺ قد سميا التلاوة فعلاً، والله سيجازي الإنسان على فعله، وفعل الإنسان مخلوق، ولذلك في الصحيحين أن النبي ﷺ قال: (لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله القرآن فهو يتلوه آناء الليل وأطراف النهار) والفعل من كسب العبد، وهو مخلوق.
وعندنا أدلة تثبت أن التسطير للقرآن مخلوق، والقلم مخلوق، والآلات التي أقرأ بها مخلوقة، قال الله تعالى: ﴿وَالطُّورِ * وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ * فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ﴾ [الطور:١ - ٣] فكل هذه مخلوقات غير الكتاب، وقال النبي ﷺ : (أول ما خلق الله القلم، قال له: اكتب؛ فكتب) فكان من ضمن ما كتب: القرآن، فالقلم مخلوق، والقرآن مسطر، وهذا التسطير مخلوق، والورق مخلوق.
أيضاً: كلام الله جل وعلا في الصدور وفي القلوب، والصدور مخلوقة، قال الله تعالى: ﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ [العنكبوت:٤٩]، وقال الله جل وعلا: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ * نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ﴾ [الشعراء:١٩٢ - ١٩٤]، فالقرآن في قلب النبي ﷺ ، وقلب النبي ﷺ مخلوق.
كذلك: تلاوة العبد من فعل العبد، وهي مخلوقة، قال الله تعالى: ﴿اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ﴾ [العنكبوت:٤٥]، وقوله: ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾ [القيامة:١٦]، وقوله: ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ [القيامة:١٨]، وقوله: ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ﴾ [الإسراء:١٠٦]، وقوله تعالى: ﴿يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ﴾ [البقرة:١٢١] فهذه التلاوة مخلوقة؛ لأنها من كسب وفعل العبد.
أيضاً: هذا القرآن يسمع بالآذان، والآذان لا شك أنها مخلوقة، قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ﴾ [التوبة:٦] فيسمع كلام الله بالآذان المخلوقة، وهذه الآلات كلها مخلوقة، فإذا قلت: اللسان الذي تكلم بكلام الله مخلوق.
فلا شيء عليك، وإذا قلت: القلب الذي حفظ كلام الله مخلوق.
فلا شيء عليك، وإذا قلت: الصدر الذي وعى كلام الله جل وعلا مخلوق.
فلا شيء عليك، وإذا قلت: القلم الذي كتب بسم الله الرحمن الرحيم ﴿الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ﴾ [البقرة:١ - ٢] مخلوق.
فلا شيء عليك.
وبعد معرفتنا فصل الخطاب في حكم قولنا: لفظي بالقرآن مخلوق، نعلم أن الإنكار الشديد على الإمام البخاري ليس تحته طائل؛ لأن الإمام البخاري قال: إن التلاوة من فعل العبد، وفعل العبد مخلوق.
لكنه لم يقل: إن القرآن مخلوق.
وأما الجواب عن أئمة الهدى: الإمام الشافعي وابن عيينة والإمام أحمد واسحاق بن راهويه الذين قالوا: من قال: لفظي بالقرآن مخلوق فهو زنديق.
أنهم أرادوا بذلك سد الذريعة وحسم المادة؛ لأن غليان الفتنة كانت في تلك العصور كثيرة جداً، فما من بيت إلا ودخلته الفتنة، فأرادوا حسم المادة وسد الذريعة؛ لأن هذه المقولة مجملة، فقالوا: نحسم المادة ونسد الذريعة، ولا نقول: لفظي بالقرآن مخلوق؛ حتى لا يتوهم أحد أنك تقول: إن القرآن مخلوق.
стр. 162
رؤيا النبي حق وضوابطها
ذكر المؤلف بعد ذلك ما روي عن النبي ﷺ أن من رآه في المنام فقد رأى الحق، وأن بعضهم رأى النبي ﷺ يقول له: من قال: إن القرآن مخلوق فقد كفر، وهذه المسألة مهمة جداً، فأقول: إن رؤيا النبي حق، لكن حتى لا يأتي لنا المتهوكون الذين يرفعون عن أنفسهم التكليف برؤيا النبي ﷺ ، ويأتي لنا من يتبجح علينا ويقول: إن الذي يرى النبي في المنام سيراه في الآخرة، والنبي حي بيننا، وممكن يراه الإنسان في اليقظة، واللوازم عند ذلك لا تنتهي، فنقول لهم: إن رؤيا النبي ﷺ حق، لكن بشروط منها: الشرط الأول: أن يرى النبي ﷺ بنفس الصفة التي وصفها أهل العلم في الكتب المسطرة، ودليل ذلك أن النبي ﷺ قال: (من رآني فقد رآني، فإن الشيطان لا يتمثل بي) فكثير جداً يقول: رأيت رأساً، رأيت بدناً دون رأس، رأيت أبيضاً أملحاً، رأيت غترة سوداء، وكلام معيب جداً عن رسول الله ﷺ ، وضابط هذه المسألة ما ضبطها به العلماء، جاء رجل إلى ابن عباس فقال: رأيت النبي، فقال له: صفه لي؟ فوصفه له، قال: ما رأيت النبي.
وابن سيرين كان من دأبه أن من قال له: رأيت النبي، يقول له: صفه لي؟ فإن كان الوصف يوافق الوصف المسطر المعروف عن النبي ﷺ ، قال: قد رأيته، وإن لم يكن قال: لم تره.
الشرط الثاني: أن لا يأتينا ببدع من القول، وذلك كأن يقول: رأيت النبي ﷺ في المنام فقال لي: لا تصل الخمس! صل الأربع فقط! أو أناس ينتظرون رؤية الهلال، فيأتي فيقول: رأيت النبي ﷺ في المنام، وقال: صم غداً فإن رمضان غداً! فكل هذا الكلام لا يصح؛ لأن الشرع قد تم، والوحي قد انتهى.
وأما بالنسبة لما ذكره المصنف أن رجلاً قال: رأيت النبي ﷺ في المنام فقال لي: من قال: إن القرآن مخلوق جعلت يمينه يمين قر، فعاش بعد ذلك يوماً أو يومين، ثم يصير إلى النار؛ فإن هذه الرؤى ليست بحجة شرعية، ولذلك أنكر بعض العلماء على المحقق المدقق الإمام ابن القيم في كتابه: الروح؛ لأنه ملأ كتابه بالرؤى، مع أن كل كتب ابن القيم تمتلئ بقال الله، قال رسوله، قال الصحابة الفضلاء، لكن فيه يقول: ورأى صديق في المنام كذا، ورأى صاحبنا في المنام كذا، ورأى فلان كذا وكذا، فالحجة الشرعية ليست في المنام، لكن لا بأس أن نستأنس بهذا الكلام.
ثم روى المصنف بعض الروايات عن أكثر من واحد من السلف أنه قال: من قال: إن القرآن مخلوق فقد كفر.
стр. 163
الأسئلة
стр. 164
فعل الله صفة من صفاته
السؤال
إن قيل: إن الله كتب التوراة بيده، فهل فعل الله مخلوق؟
الجواب
لا، ففعل الله ليس بمخلوق، وإنما فعل الله صفة من صفاته.
والألواح التي كتبها الله لموسى بيده مخلوقة، ولذلك عندما ألقى موسى الألواح من يده فتكسرت لم يعاتبه الله .
стр. 165
الإضافة إلى الله نوعان
السؤال
المضاف إلى الله نوعان، فما هما؟
الجواب
المضاف إلى الله نوعان: إلى عين قائمة بذاتها، وإلى معنى ليس بعين.
والعين القائمة بذاتها إضافتها إلى الله إضافة تشريف، وذلك مثل قولنا: الكعبة بيت الله، ناقة الله، عيسى روح الله، موسى كليم الله، كتاب الله.
وأما الإضافة إلى معنى، فهي من باب إضافة الصفة إلى الموصوف، وذلك مثل قولنا: عزة الله، كرم الله، رحمة الله، قدرة الله، فكل هذه إضافة صفة إلى موصوف؛ لأنها معنى، وليست بعين قائمة بذاتها.
стр. 166
حكم الحلف بالمصحف
السؤال
ما حكم الحلف بالمصحف؟
الجواب
إن قصد كلام الله الذي هو صفة من صفات الله، فقد أقسم بالله، أما بالورق المخلوق فهذا لا يجوز القسم به.
стр. 167
حكم وضع اليد على المصحف عند الحلف
السؤال
ما حكم وضع اليد على المصحف عند الحلف؟
الجواب
بدعة، ولا يجوز ذلك.
стр. 168
شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة - صفة الكلام
الله يتكلم حقيقة متى شاء، وهذه عقيدة أهل السنة والجماعة، وقد خالفهم فيها كثير من طوائف أهل البدع، وهم مختلفون على مذاهب متعددة وآراء متباينة في صفة الكلام.
стр. 169
طوائف أهل البدع في صفة الكلام
стр. 170
الحلولية
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
ثم أما بعد: طوائف أهل البدع في صفة الكلام كثيرة منها: الطائفة الأولى: الاتحادية، أو الحلولية، ومذهبهم في صفة الكلام يتفرع عن قولهم بأن عين الخالق في عين المخلوق لا فرق بينهما، وهذا مذهب ابن عربي حيث قال: وكل كلام في الكون كلامه فرض علينا نثره ونظامه أي أن كل كلام في الدنيا هو كلام الله، وهذا القول من أقبح الأقوال، وهذه الطائفة من أشر الطوائف المبتدعة التي تصل بغلوها إلى الكفر والخروج من الملة، ويرد عليهم بقول الله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١]، وقوله تعالى: ﴿فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الأَمْثَالَ﴾ [النحل:٧٤]، والوجود كله فيه خالق ومخلوق، فما سوى الله من بشر وجماد وغير ذلك مخلوق، ولقبح هذه المقالة فلن نطيل في الرد عليها.
стр. 171
الفلاسفة
الطائفة الثانية: الفلاسفة مثل: أرسطو والفارابي وابن سيناء، هؤلاء يقولون: إن القرآن لم يتكلم الله به حقيقة، ولكنه فيض فاض من العلة الفعالة، فسموا الله جل وعلا بالعلة الفعالة، وهذه من الأسماء التي لم يسم الله جل وعلا نفسه، قالوا: فقابل نفساً زكية، يقصدون محمداً ﷺ ، فأوجب لها تخيلات وتصورات، فتصور ملكاً يدعى جبريل، يقرأ عليه كلاماً سماه قرآناً، فأملاه على الناس على أنه من جبريل.
والرد عليهم من وجهين: الوجه الأول: الأدلة التي تثبت أن القرآن كلام الله، كقوله تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء:١٦٤]، فلم يقل الله : وكلم الله موسى تخييلاً، أو تصويراً، بل قال الله تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء:١٦٤]، فتكليماً: مفعول مطلق يؤكد أن الذي صدر منه الكلام هو الله، وهو كلام حقيقي وليس تخيلاً ولا إفاضة على النفس الزكية.
الوجه الثاني: لازم قولهم يضاهي قول مشركي العرب، فقد قالوا: إن القرآن من كلام محمد ﷺ ، وقالوا عنه: شعر من شعره ﷺ ، وهذا مثل كلام الفلاسفة، لكنهم قالوا: هو نفس زكية تتخيل وتتصور بعض الأنوار الملائكية، أو تتصور ملكاً يسمى جبريل يأتيه بهذا الكلام، وهذا الكلام منتقض بقول الله تعالى: ﴿وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ * وَلا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾ [الحاقة:٤١ - ٤٢].
стр. 172
المعتزلة
الطائفة الثالثة: المعتزلة، القائلون بأن القرآن كلام الله ولكنه مخلوق، واستدلوا على ذلك بقول الله تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الرعد:١٦]، هذا استدلالهم بالنقل، أما استدلالهم بالعقل فقالوا: لو قلنا: إن الله يتكلم لزم من كلام الله أن يكون له مخرجاً، لأن كل متكلم لا بد له من مخرج، وهو أن يكون له فم ولسان، وهذا تشبيه بالمخلوق.
والرد عليهم من وجهين كما هي القاعدة في الرد على أهل البدع، أولاً بالأدلة الثابتة من الكتاب والسنة، ثم بإبطال الشبه والرد عليها.
أما الشبهة الأولى فهي استدلالهم بقول الله: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الرعد:١٦]، قالوا: فشيء: نكرة في سياق الإثبات، وهي صيغة من صيغ العموم، والقرآن شيء فيدخل تحت خالق كل شيء، فهو مخلوق.
والجواب عليهم هو أنه إذا كانت هذه اللفظة عامة، فقد أتت أدلة وقرائن أخرى خصصت هذا العموم، كقول الله تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ﴾ [التوبة:٦] وأضاف الكلام إليه بإضافة الصفة إلى الموصوف، وقول الله تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء:١٦٤]، وقول الله تعالى: ﴿مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ﴾ [البقرة:٢٥٣]، فهذه الأدلة تخصص هذا العموم، إذاً الكلام صفة من صفات الله، وصفات الله ليست مخلوقة.
ويخصص العموم أيضاً بالعقل، فقوله تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الرعد:١٦] كقول الله تعالى: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا لا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ﴾ [الأحقاف:٢٥] والمساكن لم تدمر، فالعقل يخصص هذا العموم، وهو أن الريح تدمر كل شيء قابل للتدمير، فقوله تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الرعد:١٦] أي: كل شيء مخلوق، والقرآن ليس بمخلوق بل هو صفة من صفات الله ومعنى من المعاني وليست عينه قائمة بذاتها.
أيضاً قولهم: إن المتكلم يلزم له مخرج أي: فم ولسان، فيجاب عليهم بأن القياس باطل بين الخالق والمخلوق، وليس هناك قياس شبه أو علة بين الخالق والمخلوق وإنما هو قياس أولى، أي أننا لو وصفنا خلقاً من خلق الله بالكمال، فمن باب أولى أن نصف به الله جل وعلا، وإن نزهنا مخلوقاً عن النقص فأولى أن ننزه الخالق جل وعلا منه، وبعض المخلوقات تكلمت وليس بلازم من تكلمها الحنجرة والفم واللسان، فقد تكلمت النار، قال الله تعالى: ﴿يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ﴾ [ق:٣٠] فتكلمت بلا فم ولا لسان.
وأيضاً: الجنة تكلمت، قال النبي ﷺ كما في الصحيحين: (احتجت الجنة والنار، فقالت الجنة: جعلتني للضعفاء من خلقك وقالت النار: جعلتني للمتكبرين من خلقك).
أيضاً: الطعام تكلم، فقد كان الصحابة من نقاء قلوبهم وقوة إيمانهم يسمعون تسبيح الطعام بين يدي رسول الله، فالطعام يسبح لله جل وعلا بلا مخرج.
أيضاً: السماء تكلمت، والأرض تكلمت قال الله تعالى: ﴿فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ [فصلت:١١] وقال تعالى عن الأرض: ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا * بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا﴾ [الزلزلة:٤ - ٥]، فتكلمت السماء والأرض بلا مخرج.
بل الأعجب من ذلك الجلود والأيدي والأرجل وهي جزء من الإنسان تتكلم بلا مخرج، قال الله تعالى ﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ﴾ [يس:٦٥] ختم الله على الأفواه فتكلمت الأيدي والأرجل، ولا نعرف كيفية التكلم، فمن باب أولى ألا نعرف كيف يتكلم الخالق جل وعلا.
стр. 173
الكلابية والأشعرية
الطائفة الرابعة من طوائف المبتدعة الذين يخوضون في صفة الكلام: الكلابية: أتباع ابن كلاب، الذي يقول: إن القرآن كلام الله حقيقة، وهو صفة من صفات الله الذاتية، يعني: اللازمة لله كلزوم الحياة، ولزوم القدرة، ولزوم العزة، فهي صفة ذاتية أزلية أبدية، لا تنفك عن الله جل وعلا، ولا تتعلق بالمشيئة، والحروف والأصوات التي نسمعها ونطويها هذه مخلوقة، والرد عليهم أيضاً من الوجه الأول بما جاء في الكتاب والسنة من أن صفة الكلام صفة لله جل وعلا، ويقال لهم: إذا قلتم: إنها صفة ذاتية أي: لا تنفك عن الله؛ خالفتم ظاهر القرآن وظاهر السنة، فقد أثبت الله أن هذه الصفة صفة متجددة تتعلق بالمشيئة، وأنه يتكلم وقت ما شاء، قال الله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾ [الأعراف:١٤٣] فالكلام هنا بسبب مجيء موسى فهو بمشيئة الله، شاء الله أن يتكلم عند مجيء موسى.
أيضاً: قال الله تعالى: ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ﴾ [الأنبياء:٢] وهذا نص من القرآن يثبت أن هذه الصفة تتعلق بالمشيئة، فهي صفة فعلية لا صفة ذاتية.
أما قولهم: إن الحروف والأصوات مخلوقة، فقد وافقوا بذلك قول المعتزلة وخالفوا الكتاب والسنة؛ فإن الله جل وعلا يتكلم بحرف وبصوت، ولم يخلق الحرف والصوت، قال الله تعالى: ﴿ن﴾ [القلم:١] نون: هذا حرف من كلامه تعالى، وقال: ﴿طه﴾ طه ١]، ﴿كهيعص﴾ [مريم:١]، ﴿طسم﴾ [الشعراء:١]، ﴿الم﴾ [البقرة:١] فتكلم الله بحروف، وكلام الله من صفاته، فالحروف ليست مخلوقة.
أيضاً: تكلم الله بصوت وبكيفية أعلمنا الله إياها، فتكلم بصوت عال وتكلم بصوت منخفض إن صح التعبير، قال الله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مُوسَى إِنَّهُ كَانَ مُخْلَصًا وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا * وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ﴾ [مريم:٥١ - ٥٢] والنداء: يكون للبعيد، ويكون بصوت مرتفع، وتكلم معه بصوت منخفض كما قال: ﴿وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا﴾ [مريم:٥٢] والمناجاة معناها: الصوت المنخفض، وكذلك يأتي الله بالعبد يوم القيامة ويضع عليه كنفه ويذكره بما فعل، ويقول: (سترتها عليك في الدنيا وأغفرها لك في الآخرة).
وهنا تكلم الله كيفما شاء بالكيفية التي شاءها، وهذا فيه رد قاطع على الكلابية، وعلى أفراخ الكلابية وهم الأشاعرة؛ لأن أبا الحسن الأشعري تلميذ لـ ابن كلاب، فالأشاعرة أتوا بغرائب الأقوال، فلا هم معتزلة، ولا هم أهل سنة وجماعة، ولا هم كلابية، أتوا ببدع من القول، فقالوا: القرآن كلام الله لكنه صفة من صفات الله الذاتية لا تنفك عن الله، فاتفقوا مع الكلابية في ذلك، ثم قالوا: وهو معنى في نفس الله، والمعنى في نفس الله بمعنى العلم وليس الكلام، فالذي نقرؤه ليس بكلام الله بل عبارة عن كلام الله، إن قرأت بالعبرية كان توراةً، وإن قرأت بالسريانية كان إنجيلاً، وإن قرأت بالعربية كان قرآناً.
فقالوا: أولاً: إن صفة الكلام ذاتية أزلية لا تنفك عن الله.
ثانياً: هو معنى في نفس الله.
ثالثاً: القرآن الذي بين أيدينا ليس هو كلام الله، بل هو عبارة عن كلام الله، إن قرئ بالعربية فهو قرآن، وإن قرئ بالعبرانية فهو توراة، وإن قرئ بالسريانية فهو إنجيل.
والجواب عليهم يكون بما جاء في الكتاب والسنة بأن صفة الكلام صفة فعلية لله جل وعلا، ثم نأتي إلى أدلتهم وشبههم: الأولى: قولهم: هي صفة ذاتية لا تنفك عن الله جل وعلا، يجاب عليه بأن الله جل وعلا يتكلم وقت ما شاء، قال الله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾ [الأعراف:١٤٣]، وقال سبحانه: ﴿وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمَنِ مُحْدَثٍ﴾ [الشعراء:٥].
ولازم قولهم هذا أن الله لم يزل ولا يزال يقول: (يا موسى إني أنا ربك)، ولم يزل ولا يزال يقول: (هي خمسون في الأجر وخمس قد فرضتها عليك) لما قالها للنبي ﷺ ، وهذا ليس صحيحاً، فإن الله لم يتكلم مع الرسول إلا في المعراج عندما أعرج به إلى السماء.
إذاً: صفة الكلام صفة فعلية لا ذاتية كما سبق بذلك الرد على الكلابية.
أما الرد على قولهم: إنها معنى في نفس الله، هو أن المعنى في النفس ليس بكلام، ولكنه علم، بل ولازم قولهم اتصاف الله بالنقص، وهو أن الله لا يستطيع أن يعبر عما في نفسه، فكأنهم يقولون: إن جبريل علم ما في نفس الله ثم ذهب إلى محمد فعبر له عن الذي في نفس الله جل وعلا، وهذه صفة نقص، فالذي لا يستطيع أن يعبر عما في نفسه من المخلوقات نقول عنه: إنه لا يستطيع أن يعرض ما في نفسه فمن باب أولى أن ننزه الله عن ذلك.
أما قولهم: إذا كان بالعبرية فهو توراة، وبالعربية فهو قرآن، وبالسريانية فهو إنجيل، فهو بدع من القول، ويلزم منه القول بوحدة الأديان، وأنه لا فرق بين أحكام التوراة وأحكام الإنجيل وأحكام القرآن، والله جل وعلا فرق بينهم، فقال الله تعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ﴾ [المائدة:٤٤] إلى آخر الآيات ثم قال: ﴿وَآتَيْنَاهُ الإِنجِيلَ﴾ [المائدة:٤٦]، ثم بعد ذلك قال القرآن: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ [المائدة:٤٨]، فهو مصدق للتوراة ومصدق للإنجيل، ومهيمن عليه أي: ناسخ لهذه الأحكام التي أتت في التوراة، وأتت في الإنجيل.
فبين الله المغايرة بين العبرية والسريانية وبين القرآن، كما قال سبحانه: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة:٤٨].
стр. 174
الكرامية
الطائفة الخامسة: طائفة الكرامية الذين اتفقوا مع أهل السنة والجماعة في أن القرآن هو كلام الله حقيقة، تكلم الله به، وسمعه جبريل، ونزل به إلى النبي ﷺ ، وقالوا: هي صفة فعلية يتكلم وقت ما شاء كيفما شاء بما شاء، لكنهم خالفوا أهل السنة والجماعة وقالوا: إن هذه الصفة اتصف الله بها بعدما كان غير متصف بها، أي: أنه اكتسب هذه الصفة اكتساباً.
والرد عليهم من وجهين: الوجه الأول: ما ثبت في الكتاب والسنة من أن الكلام صفة من صفات الله الفعلية الأزلية، قديمة النوع حادثة الأفراد، كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية، قال العلماء: إن الله كان رحيماً قبل أن يخلق الخلق ويرحمهم، كريماً قبل أن يخلق الخلق ويكرمهم، متكلماً قبل أن يخلق الخلق ويتكلم معهم، ولازم قولهم أن نصف الله بالنقص؛ لأننا لو قلنا: إن هذه الصفة قد اكتسبها الله جل وعلا وكان قبل ذلك لا يستطيع الكلام، فهذا نقص ينزه عنها المخلوق فضلاً عن الخالق، ولو أن رجلاً دخل على أحد أقربائه أو أقرانه فلم يتكلم يوماً ثم يومين ثم ثلاثة ثم في اليوم الرابع تكلم، فليس لأحد أن يقول: إنه كان أبكم لا يتكلم، ثم تكلم بعد ذلك، بل إن هذا الرجل كان متكلماً بالقوة، ثم بعدما شاء أن يتكلم أصبح متكلماً بالفعل.
стр. 175
السالمية
الطائفة الأخيرة: السالمية، قالوا: الكلام صفة ذاتية لا تنفك عن الله، وقد قال بذلك بعض الفقهاء وبعض أهل الحديث، وهذا مثل قول الكلابية، وقول الأشاعرة، والرد عليهم كما رددنا عليهم.
ولهم قول آخر وهو أن هذا الكلام حروفه ليست مرتبة ولا يسبق بعضها بعضاً.
والرد عليهم هو أننا عندنا نقرأ هذا الكلام الذي قرأه جبريل على النبي ﷺ ، وقرأه النبي ﷺ ، وجاءنا بالتواتر، فعندما نقرأ: بسم الله نبدأ بالباء، ثم بالسين، ثم بالميم؛ لترتيب الأحرف، فالوصل والقطع بين الأحرف لابد منه حتى تُنطق الكلمة عربية مفهومة بلسان عربي مبين.
стр. 176
صفة العلو
قال الله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ طه ٥]، دلت هذه الآية على صفة من أهم الصفات وهي صفة العلو لله جل وعلا، والعلو علوان: علو مطلق، وعلو مقيد.
العلو المطلق: هو علو الشأن وعلو الذات، وعلو القهر، وعلو القدر والمكانة، وهو من الصفات الذاتية التي لا تنفك عن الله.
والعلو المقيد: هو علو الاستواء على العرش، فهذا علو مقيد بالعرش، وهو صفة فعلية وليست صفة ذاتية، لأنها تتعلق بمشيئة الله جل وعلا، إن شاء استوى، وإن شاء لم يستو.
أما العلو المطلق فإن الله جل وعلا اتصف بعلو الذات، وعلو الشأن وعلو القهر، علو الشأن أي: علو المكانة، والقدر والتعظيم، هذا لم يختلف فيه أحد، قال الله تعالى: ﴿رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ﴾ [غافر:١٥] ، له الكمال المطلق، والجلال المطلق، والعظمة المطلقة، وقد أنكر على أهل الكفر والإلحاد أنهم ما عظموه حق عظمته، ولا قدروه حق قدره، قال الله تعالى: ﴿مَا لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا﴾ [نوح:١٣]، أي: تعظيماً وإجلالاً، وقال جل وعلا: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ [الأنعام:٩١].
أما العلو الثاني من أنواع العلو المطلق فهو علو القهر وعلو الربوبية، وهذا أيضاً لم يختلف فيه أحد، فالله جل وعلا قهر عباده، وكل العباد تحت أمره، لا راد لأمره ولا لقضائه، قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [النحل:٤٠]، وقال سبحانه: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ [مريم:٩٣] تحت قهر الله جل وعلا، وقال الله تعالى: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ [الأنعام:١٨] فهذا علو القهر أيضاً لم يختلف فيه أحد.
أما علو الذات فحدث فيه الخلاف، ومعناه: أن الله عال بذاته على خلقه، وقد دل على ذلك أكثر من دليل من الكتاب والسنة وإجماع الصحابة، كما دل على ذلك العقل والفطرة.
أما الدليل من الكتاب فقول الله تعالى: ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ [سبأ:٢٣]، وقال: ﴿الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ﴾ [الرعد:٩]، والقاعدة أن كل اسم من أسماء الله الحسنى يتضمن صفة من صفات الكمال، فاسم الله العلي اسم من أسماء الله الحسنى يتضمن صفة العلو، فهذه أول دلالة من دلالات أسماء الله في القرآن تثبت علو الله جل وعلا.
الدلالة الثانية التي تدل على العلو: الدلالة المقيدة العلو على العرش، قال الله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ طه ٥].
وقال جل وعلا: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف:٥٤].
وقال سبحانه: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف:٥٤] والاستواء يأتي في اللغة بمعاني فيتعدى بنفسه ويتعدى بإلى ويتعدى بعلى، ولكل معنى سنبينه عند شرح الآية.
أيضاً: من الدلالات على علو الله : دلالة الفوقية، وتكون من لفظ العلو، قال الله تعالى: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ [الأنعام:١٨] فهذه دالة على علو الله جل وعلا، وقال الله تعالى: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [النحل:٥٠] فالملائكة فوقهم العرش، وفوق العرش الله جل وعلا، فدلالة الفوقية تدل على علو الله جل وعلا.
ومن الدلالات أيضاً: التصريح بالعندية، قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ عِنْدَهُ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلا يَسْتَحْسِرُونَ﴾ [الأنبياء:١٩] العندية هنا: فوق؛ لأن الملائكة في السموات، فعندية الله جل وعلا فوق السموات.
أيضاً: من الدلالات على علو الله على خلقه: الصعود، فالصعود يكون من أسفل إلى أعلى، قال الله تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ﴾ [فاطر:١٠] من أسفل إلى أعلى، ﴿يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر:١٠] فالصعود والرفعة والعروج كل ذلك يدل على علو الله جل وعلا.
وقال الله تعالى عن عيسى: ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾ [النساء:١٥٨]، وقال جل وعلا في سورة آل عمران: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ * إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ [آل عمران:٥٤ - ٥٥] يعني: من السفول إلى العلو ورافعك من الأرض إلى السماء.
وقال جل وعلا: ﴿سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ * لِلْكَافِرينَ لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ * مِنَ اللَّهِ ذِي الْمَعَارِجِ﴾ [المعارج:١ - ٣] ثم فصل المعارج، فقال: ﴿تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾ [المعارج:٤] أي: تصعد.
أيضاً: من الدلالة على علو الله: عكس الصعود، وهو النزول، لأن النزول يكون من أعلى إلى أسفل، قال الله تعالى: ﴿فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ﴾ [هود:١٤] أنزل أي: من أعلا إلى أسفل وقال الله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ * نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ﴾ [الشعراء:١٩٢ - ١٩٤]، فالتنزيل يكون من أعلى إلى أسفل.
أيضاً: من الدلالات على علو الله: (في) قال الله تعالى: ﴿أَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الأَرْضَ﴾ [الملك:١٦] ففي هنا تعني: الله جل وعلا في السماء، والسماء لا تظله ولا تقله، بل كل السموات والعرش تحته جل وعلا فلا بد من تأويل: ﴿أَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ [الملك:١٦] على ذلك، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: هذه الآية على معنيين: ﴿أَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ [الملك:١٦] أي: أأمنتم من في العلو، فالسماء هنا بمعنى: العلو، واستدل على ذلك بقول الله تعالى: ﴿وَأَنزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾ [النمل:٦٠] فالمطر ينزل من السحاب، وسماه الله سماءً من السمو وهو العلو، فالسماء هنا بمعنى: العلو، ﴿وَأَنزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾ [النمل:٦٠] أي: من المزن وهو في العلو، إذاً: فهنا قول الله تعالى: ﴿أَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ [الملك:١٦] معناه: أأمنتم من في العلو.
المعنى الثاني: أن في بمعنى على ولها مسوغ في اللغة، فهناك قرائن تدل على أن في تأتي في اللغة بمعنى على، قال الله تعالى: ﴿فَسِيرُوا فِي الأَرْضِ﴾ [آل عمران:١٣٧] أي: على الأرض، وليس معنى ذلك أن يشقوا الأرض ويسيروا في داخلها، وقال تعالى: ﴿فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا﴾ [الملك:١٥] أي: على مناكبها، وقال الله تعالى حاكياً عن فرعون: ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ طه ٧١] أي: على جذوع النخل، هذه الأدلة من الكتاب.
أما الأدلة من السنة فقد قال ابن القيم: إنها وصلت إلى خمسين حديثاً كلها تدل على علو الله جل وعلا.
стр. 177
شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة - صفة الاستواء
من عقيدة أهل السنة أن الله مستو على عرشه استواء يليق بجلاله، وقد دل على هذه الصفة القرآن والسنة وإجماع الصحابة والتابعين والعقل والفطرة، والأدلة متكاثرة جداً على إثبات هذه الصفة، وقد أوصلها بعضهم إلى أكثر من ألف دليل.
стр. 178
أدلة إثبات صفة الاستواء للرب جل وعلا
стр. 179
دلالة السنة القولية على علو الله
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
ثم أما بعد: فنستكمل سياق ما روي في قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥].
وقد ذكرنا أن علو الله جل وعلا علوان: علو مطلق وعلو مقيد.
ونأخذ الدلالات على علو الله تعالى، ثم نشرح معنى العلو المقيد، فالدلالات على علو الله جل وعلا تؤخذ من الكتاب ومن السنة، وتثبت بالعقل والفطرة وبالإجماع.
فدلالات علو الله جل وعلا من السنة وردت بالقول وبالفعل وبالتقرير، سواء بالصعود الذي يدل على الارتقاء إلى أعلى، أو بالنزول الذي يدل على الهبوط من أعلى إلى أسفل، أو بالإشارة، أو بالإقرار على أن الله فوق السماء، ففي الصحيحين عن النبي ﷺ في حديث المعراج الطويل المشهور أنه عرج به إلى السماء السابعة حتى وصل إلى سدرة المنتهى، ففرض الله عليه خمسين صلاة، فرجع فنزل فكلمه موسى وقال: أمتك لا تقدر على ذلك.
ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف، فرجع النبي ﷺ من عند موسى ﵇ إلى الله .
وهذا الارتقاء فيه دلالة على العلو، فإنه كان يرتقي إلى أعلى، إلى سدرة المنتهى، فيراجع ربه جل وعلا، حتى استحيا من ربه، ثم نزل وبلغ أمته أن الخمسين صلاة خففت إلى خمس صلوات بأجر الخمسين صلاة.
وفي الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال: (إن لله ملائكة سياحين في الأرض يلتمسون حلق الذكر، فيحفون الذين يطلبون العلم والذكر ثم يعرجون إلى الله جل وعلا).
يعني: يصعدون إلى أعلى، وهذا فيه دليل على علو الله جل وعلا، (فيسألهم وهو أعلم بهم: كيف تركتم عبادي؟ فيقولون: يسبحونك ويحمدونك ويكبرونك ويهللونك) إلى آخر الحديث.
وفي الصحيح عن النبي ﷺ قال: (يتعاقبون فيكم ملائكة في الليل وملائكة في النهار، فيجتمعون في الفجر والعصر ثم يعرج الذين باتوا فيكم)، فالعروج من أسفل إلى أعلى، فهذه دلالة على أنهم يعرجون إلى الله جل وعلا، فالله في العلو فوق السماء.
وهناك نوع آخر من أنواع الدلالة وهو: النزول، والنزول لا يكون إلا من علو.
قال النبي ﷺ كما في الحديث الصحيح: (ينزل ربنا -نزولاً يليق بجلاله جل وعلا- إلى السماء الدنيا ثلث الليل الآخر فيقول: هل من داع فأستجيب له؟ هل من سائل فأعطيه؟ هل من مستغفر فأغفر له).
ومن الأدلة في السنة على العلو: قول النبي ﷺ في الصحيحين عندما جاءه الخارجي وقال: اعدل يا محمد! فقال النبي ﷺ : (ألا تأمنوني وأنا أمين من في السماء؟) أي: من على السماء.
وفي السنن عن النبي ﷺ قال: (ما تصدق أحد بعدل تمرة من كسب طيب، ولا يصعد إلى الله إلا الطيب).
стр. 180
دلالة السنة الفعلية على علو الله
النبي ﷺ أشار إلى العلو مما يدل على أن الله في العلو، ففي خطبة حجة الوداع وقف النبي ﷺ خطيباً بالأمة يرشدهم ويعلمهم أن ربا الجاهلية موضوع والدماء موضوعة إلى آخر الحديث، ثم قال: (ألا هل بلغت؟ قالوا: نعم، قال: اللهم هل بلغت؟ قالوا: نعم، فأشار بأصبعه إلى السماء ونكت بها إليهم، وقال: اللهم فاشهد، اللهم فاشهد، اللهم فاشهد)، فهذه دلالة بالفعل على علو الله جل وعلا؛ لأنه كان يشير بأصبعه إلى السماء ويقول: (اللهم فاشهد، اللهم فاشهد، اللهم فاشهد) وهذا فيه رد على الأشاعرة الذين يقولون: لا يجوز لأحد أن يشير بأصبعه إلى السماء!
следующие страницы →