← Акыда

Акыда · id 37435

شرح أصول اعتقاد أهل السنة للالكائي - محمد حسن عبد الغفار

محمد حسن عبد الغفار

Полный текст (838 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

الجهاد ماض إلى يوم القيامة قال: (والجهاد ماضٍ إلى يوم القيامة). النبي ﷺ قال: (الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيام) فالأمة لن تعز إلا بالجهاد؛ لأنه فاصل بين أهل الكفر وأهل الإسلام, وقال النبي ﷺ كما في الصحيحين: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله).

стр. 72

إثبات صفة اليد قال: يا شعيب بن حرب! إذا وقفت بين يدي الله فسألك عن هذا الحديث فقل: يا رب! حدثني بهذا الحديث سفيان بن سعيد الثوري , ثم خل بيني وبين ربي . قوله: وقفت بين يدي الله, إثبات لصفة من صفات الله جل وعلا ألا وهي صفة اليد, وهي صفة ذاتية, ومعنى الصفة الذاتية أنها أزلية أبدية لا تنفك عن الله جل وعلا, وهذه الصفة تسمى صفة خبرية, وضابطها أن مسماها عندنا أجزاء وأبعاض. فالعين جزء مني، فإذاً تكون صفة لله جل وعلا خبرية؛ لأن مسماها عندي بعض وكذلك الرجل واليد, وهذه الصفات خبرية لأن مسماها عندنا أبعاض وأجزاء. صفة اليد صفة ذاتية خبرية, ومعنى خبرية أي لا يمكن إعمال العقل فيها, ولو لم يرد النص بها لا يمكن أن نثبتها لله جل وعلا. والصفات الفعلية يقرها العقل؛ لأنك تقول: إذا فعلها العبد وكانت صفة كمال له فمن باب أولى أن يتصف الله بها, أما الصفات الخبرية فلا تثبت بالعقل, بل تحتاج إلى دليل لإثباتها. مثلاً: صفة اليد ثابتة بالكتاب وبالسنة وبالإجماع, قال الله: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ [الفتح:١٠]، وقال الله جل وعلا: (بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة:٦٤]. وقال تعالى: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص:٧٥] وقال تعالى: ﴿أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا﴾ [يس:٧١] وأما السنة ففي الصحيحين عن النبي ﷺ قال: (يد الله ملأى لا يغيضها نفقة, سحاء الليل والنهار، يخفض ويرفع) . وفي حديث رؤية أهل الجنة لربهم قال النبي ﷺ : (ثم يرفع الحجاب فيرون الله جل وعل) فينظرون إلى وجه الله, ولا يتنعمون نعيماً مثل هذا النعيم, نسأل الله أن يرزقنا وإياكم هذا النعيم. وأجمع سلف الأمة على أن الله جل وعلا له يد, وكيفيتها مفوضة إلى الله جل وعلا, لا نعلمها، قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١]، ولابد من الإجابة عن بعض إشكالات. الإشكال الأول: أن الله جل وعلا قال: (يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ [الفتح:١٠] فأثبت أن له يداً واحدة, ثم قال الله تعالى: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص:٧٥] وقال: (بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة:٦٤] فأثبت اثنتين, ثم قال: ﴿مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا﴾ [يس:٧١] فهل لله يد واحدة أم يدان أم ثلاث أم أربع أم خمس أم أكثر من ذلك؟ الجواب قوله: (يد الله فوق أيديهم) (يد) مفرد مضاف: يد الله, والمفرد المضاف يعم -كما يقول أهل الأصول- المفرد هنا أو الواحدة لا تخالف الجمع في قوله: ﴿مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا﴾ [يس:٧١]. وكيف نجمع بين الاثنين والجمع؟ كما قال الله تعالى: (بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة:٦٤]. و الجواب أن قول الله تعالى: ﴿مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا﴾ [يس:٧١] ليس للجمع ولكنه للتعظيم, ثم قال سفيان: إذا سألك الله جل وعلا فخل بيني وبين ربي. وهذا فيه إثبات أيضاً للبعث قال تعالى: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ) [التغابن:٧] فأثبت الوقوف بين يدي الله جل وعلا, وهذا مصرح به في الأحاديث الكثيرة كما سنبين أن النبي ﷺ قال: (يقف الله جل وعلا يكلم العبد ليس بينه وبينه ترجمان) يقف العبد بين يدي ربه يذكره, يقول: عبدي! أما تذكر ذنب كذا؟ ويقرره بذنوبه, فيقول العبد: أي رب! أي رب! فينظر العبد أيمن منه وأشأم منه لا يجد إلا النار، فلا يجد إلا ما قدم، فيظن أنه قد هلك, فيأتي الرحيم ويلقي عليه ستره, ويقول: عبدي قد سترتها عليك في الدنيا وأنا أسترها لك اليوم في الآخرة، نسأل الله أن نكون منهم, آمين يا رب العالمين. أقول قولي هذا, وأستغفر الله لي ولكم.

стр. 73

شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة - الصبر الصبر صفة عظيمة وخصلة جليلة يتصف بها العبد المؤمن، فمن أوتي الصبر فقد أوتي الخير كله، فهو خير في الدنيا بأن يحمل العبد على الصبر على أوامر الله والصبر عن حدوده ومناهيه، وهو خير في الآخرة؛ لأن الله يوفي الصابرين أجرهم بغير حساب.

стр. 74

تعريف الصبر وأقسامه إن الحمد لله؛ نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. ثم أما بعد: قال المصنف ﵀: [قال الأوزاعي: اصبر نفسك على السنة وقف حيث وقف القوم, وقل بما قالوا, وكف عما كفوا]. الصبر في اللغة: حبس النفس، وفي الاصطلاح: حبس النفس على طاعة الله وعن معصية الله وعلى أقدار الله جل وعلا. والصبر قسمان: صبر اضطراري, وصبر اختياري. الصبر الاضطراري هو: صبر على أقدار الله جل وعلا, لا يبتلي الله عبداً بمصيبة فيصبر عليها إلا وله الأجر في الدنيا وله الرضا في الآخرة, قال النبي ﷺ كما في حديث الترمذي: (إن الله إذا أحب قوماً ابتلاهم, فمن رضي فله الرضا, ومن سخط فعليه السخط). وقال الله تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ [التغابن:١١] هذا في الدنيا، وفي الآخرة له الجنة كما في الصحيح عن النبي ﷺ قال: (عجباً لأمر المؤمن! إن أمره كله له خير, إن أصابته سراء شكر فكان خيراً له, وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له). والصبر الاختياري: صبر عن معصية الله جل وعلا, أن تصبر عن الزنا وعن المقامرة, أن تصبر عن أي فاحشة عن محارم الله جل وعلا, وقال بعض مشايخنا: الصالح حقاً من صبر عن المعاصي, لا من صبر على الطاعة, مع أن الراجح لدي أن الذي يقيم الطاعات ويقع في الزلات أفضل من الذي يمنع نفسه من الزلات ولا يقيم الطاعات، وبالإجمال فإن الصبر عن المعصية أن تصبر وتمنع نفسك عن أن تتعدى حدود الله جل وعلا. والصبر على الطاعة كأن تصبر على إقامة الصلاة، وعلى إيتاء الزكاة، وعلى طلب العلم، وعلى الجهاد في سبيل الله جل وعلا. والصبر الاختياري أفضل من الصبر الاضطراري, فصبر يوسف على المرأة أفضل من صبره على السجن, قال شيخ الإسلام ابن تيمية: وصبره عن إتيان المرأة أفضل بكثير من صبره على السجن؛ لأن الصبر على السجن صبر اضطراري على أقدار الله جل وعلا, والصبر على إتيان الشهوات صبر اختياري. قال الأوزاعي: اصبر نفسك على السنة, وقد فصلنا القول في السنة, وقد تعهده وأرشده إلى الصبر على السنة؛ لأن أهل السنة غرباء كما قال النبي ﷺ : (بدأ الإسلام غريباً وسيعود غريباً فطوبى للغرباء) والغرباء هم الذين يتمسكون بسنة النبي ﷺ , ويحيون ما مات من سنة النبي ﷺ , والذين يصلحون حين يفسد الناس. ثم قال: واسلك سبيل السلف الصالح, وقد شرحنا معنى السلف. ثم قال: وكان أهل الشام في غفلة من هذه البدعة, يقصد بها بدعة خلق القرآن.

стр. 75

تعريف الصبر وأقسامه اصبر نفسك: الصبر: حث النفس في اللغة، وفي الاصطلاح: حث النفس على طاعة الله وعن معصية الله وعلى أقدار الله جل وعلا. والصبر قسمان: صبر اضطراري, وصبر اختياري. الصبر الاضطراري هو: صبر على أقدار الله جل وعلا, لا يبتل الله عبداً بمصيبة فيصبر عليها إلا وله الأجر في الدنيا وله الرضى في الآخرة, قال النبي ﷺ كما في حديث الترمذي: (إن الله إذا أحب قوماً ابتلاهم, فمن رضي فله الرضا, ومن سخط فعليه السخ) وقال الله تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ [التغابن:١١] هذا في الدنيا، وفي الآخرة له الجنة كما في الصحيح عن النبي ﷺ قال: (عجباً لأمر المؤمن إن أمره كله له خير, إن أصابته سراء شكر وذلك له خير, وإن أصابته ضراء صبر وذلك له خي). والصبر الاختياري: صبر عن معصية الله جل وعلا, أن تصبر عن الزنا وعن المقامرة, أن تصبر عن أي فعل أي فاحشة عن محارم الله جل وعلا, وقال بعض مشايخنا: الصالح حقاً من صبر عن المعاصي, لا من صبر على الطاعة, مع أن الراجح لدي أن الذي يقيم الطاعات ويقع في المزلات أفضل من الذي يمنع نفسه من المزلات ولا يقيم الطاعات وبالإجمال فإن الصبر عن المعصية أن تصبر وتمنع نفسك عن أن تتخطى حدود الله جل وعلا. والصبر على الطاعة: كأن تصبر على إقامة الصلاة، وعلى إيتاء الزكاة وعلى طلب العلم وعلى الجهاد في سبيل الله جل وعلا.

стр. 76

بيان أفضلية الصبر الاختياري على الاضطراري والصبر الاختياري أفضل من الصبر الاضطراري, فصبر يوسف على المرأة أفضل من صبره على السجن, قال شيخ الإسلام ابن تيمية: وصبره عن إتيان المرأة أفضل بكثير من صبره على السجن, لأن الصبر على السجن صبر اضطراري على أقدار الله جل وعلا, والصبر على إتيان الشهوات صبر اختياري. قال الأوزاعي: اصبر نفسك على السنة, وقد فصلنا القول في السنة, وقد تعهده وأرشده إلى الصبر على السنة؛ لأن أهل السنة غرباء كما قال النبي ﷺ : (بدأ الإسلام غريباً وسيعود غريباً فطوبى للغربا) والغرباء هم الذين يتمسكون بسنة النبي ﷺ , ويحيون ما مات من سنة النبي ﷺ , والذين يصلحون حين يفسد الناس. ثم قال: واسلك سبيل السلف الصالح, كما شرحنا في الكلام على السلف. ثم قال: وكان أهل الشام في غفلة من هذه البدعة, يقصد بها بدعة خلق القرءان.

стр. 77

ذم اليأس اليأس من رحمة الله كفر, ومن يئس من رحمة الله فقد خرج من الملة؛ لأن اليائس من رحمة الله قد ظن ظن الجاهلية بالله, وقد ظن ظن السوء بالله, والله جل وعلا يقول: (الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ﴾ [الفتح:٦] وقال الله تعالى حاكياً عن يعقوب أنه قال: ﴿يَا بَنِيَ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلا تَيْئَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لا يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الكَافِرُونَ﴾ [يوسف:٨٧] وقال حاكياً عن إبراهيم: ﴿قَالَ أَبَشَّرْتُمُونِي عَلَى أَنْ مَسَّنِيَ الْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ * قَالُوا بَشَّرْنَاكَ بِالْحَقِّ فَلا تَكُنْ مِنَ الْقَانِطِينَ﴾ [الحجر:٥٤ - ٥٥] وفي الصحيح أن النبي ﷺ قال: (ضحك ربكم من عباده ييئسون ويقنطون والفرج قريب).

стр. 78

أوصاف النبي ﷺ قال الله: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح:٢٩] فإضافة الرسالة إلى الله تبين أن الذي أرسله هو الله جل وعلا, والرسول: هو كل من أوحي إليه فأمر بالتبيلغ. ومن صفاتهم أشداء على الكفار, أشداء وهذا من مظاهر ربوبية الله جل وعلا: أن تجد ملكة الغضب وملكة الرحمة والشفقة في العبد, قال: ﴿أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ﴾ [الفتح:٢٩] كما قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة:٧٣] وقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً﴾ [التوبة:١٢٣] يكون المؤمن أسداً ثائراً على أعداء الله جل وعلا, والنبي ﷺ يقول: (إن الله رفيق يحب الرفق) فضاعت الرحمة بيننا إما ظاهراً وإما باطناً نسأل الله أن يغفر لنا ويؤلف بين قلوبنا. أقول قولي هذا, وأستغفر الله لي ولكم, وجزاكم الله عنا خيراً.

стр. 79

الأسئلة

стр. 80

أنواع حب الدنيا السؤال ما هو حكم التجسس؟ الجواب حب الدنيا على نوعين: حب الدنيا يخرج من الملة, وحب الدنيا لا يخرج من الملة, فيمكن للمتجسس أن يتجسس للكفار لا لنصرة الكفار على المؤمنين, لا لأنه يحب أن يعلو الكفر على الإسلام, ولكن لأنه يحب الدنيا ولا يريد الآخرة، ويقدم الدنيا على الآخرة, ولذلك قال الله تعالى في سورة النحل: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الآخِرَةِ وَأَنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾ [النحل:١٠٧]، والآية ظاهرة جداً؛ لأن من اتخذ إلهه هواه أو قدم الدنيا على الآخرة يكفر, والمسألة لا تكون بالإطلاق ولكن بالتقييد, فقال الله تعالى: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النحل:١٠٦]. ويُذكر أنه ارتقى مؤذن صومعة ليؤذن، فرأى امرأة جميلة فتن بجمالها, فنزل وأرادها فقالت: والله! ما أريدك إلا أن تتنصر, فتنصر وقدم دين النصرانية على الإسلام, ولم يرد علو النصرانية, لكنه أحب الشهوة فترك دينه خلفه ظهرياً من أجل هذه الشهوة. فالمسألة تحتاج إلى تفصيل؛ لأن الإمام مالكاً قال: الجاسوس كافر يقتل كفراً, لكن نحن نقول: التجسس أنواع: التجسس من أجل نصرة دين الكفر على دين الإسلام وصاحبه يكفر. التجسس من أجل إعلاء الكفار على المؤمنين؛ حباً لكفرهم وبغضاً لإيمان المؤمنين وصاحبه يكفر. التجسس من أجل الدنيا وكراهية الآخرة وعدم إرادة الآخرة بالمرة وصاحبه يكفر. التجسس من أجل مال ومتعة زائلة مع أنه يعلم أن هذه معصية وشهوة زائلة وأنه سيرجع إلى ربه فهذه معصية، ولا يكفر صاحبها. فالنبي ﷺ لم يقتل حاطباً، وأتى النبي ﷺ له بالعذر وقال: (لعل الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم). وقصة حاطب لا يستدل بها على هذه المسألة؛ لأن حاطب بن أبي بلتعة ما فعل ذلك شهوة, بل فعل ذلك حفاظاً على عرضه ونسائه.

стр. 81

شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة - البدعة من أصول أهل السنة والجماعة: التمسك بما كان عليه أصحاب رسول الله ﷺ ، والاقتداء بهم، وترك البدعة، وقد بينها العلماء وذكروا أقسامها.

стр. 82

البدعة، تعريفها وأنواعها إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره, ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا, من يهده الله فلا مضل له, ومن يضلل فلا هادي له, وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له, وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢] ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١] ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١] أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله, وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ , وشر الأمور محدثاتها, وكل محدثة بدعة, وكل بدعة ضلالة, وكل ضلالة في النار. ثم أما بعد: قال الإمام أحمد بن حنبل: ومن أصول أهل السنة والجماعة: التمسك بما كان عليه أصحاب رسول الله ﷺ ، والاقتداء بهم، وترك البدعة, وكل بدعة ضلالة. أقول: البدعة في اللغة معناها: الشيء الجديد المخترع على غير مثال سابق, قال الله تعالى: ﴿بَدِيعُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [البقرة:١١٧] أي: على غير مثال سابق. وأما البدعة في الشرع: فهي التعبد لله جل وعلا بما لم يأت به الرسول ﷺ , ولها تعاريف أخرى، وأجمع هذه التعاريف ما اقتبسه الإمام الشاطبي من قول الله تعالى: ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ﴾ [الحديد:٢٧] فقال: البدعة: هي طريقة مخترعة تضاهى بها الشريعة، والمقصود ممن تمسك بها: المبالغة في طاعة الله وعبادته جل وعلا, فهي طريقة مخترعة لم يأت بها النبي ﷺ , ولم يشرعها الله جل وعلا. فقوله: طريقة في الدين مخترعة تضاهى بها الشريعة, يعني: من جنس أعمال الشرع, صوم أو صلاة أو صدقة أو جهاد تنزلاً، والمقصود من التمسك بها: هو المبالغة في طاعة الله وعبادته جل وعلا, ولذلك أنكر الله على النصارى هذه الفعلة فقال: ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ﴾ [الحديد:٢٧]، مع أنهم فعلوا ذلك ابتغاء رضوان الله جل وعلا، ﴿فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا﴾ [الحديد:٢٧] والبدعة مذمومة لا يحبها الله جل وعلا, ولا يحبها رسوله ﷺ , قال الله تعالى في سياق الذم للنصارى: ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا﴾ [الحديد:٢٧]، وقال النبي ﷺ كما في المسند من حديث العرباض بن سارية: (فإنه من يعش منكم فسيرى اختلافاً كثيراً, فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي, عضوا عليها بالنواجذ, وإياكم ومحدثات الأمور, فإن كل محدثة بدعة) وفي رواية النسائي قال: (وكل بدعة ضلالة). وفي الصحيحين قال النبي ﷺ : (كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى, قالوا: يا رسول الله ومن يأبى؟ فقال النبي ﷺ : من أطاعني دخل الجنة ومن عصاني فقد أبى). والمبتدع أشد الناس إباء عن رسول الله ﷺ , فهو متقدم على الله ومتقدم على رسول الله ﷺ , قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [الحجرات:١]، فكأن المبتدع يقول: إن هذا الدين لم يكمل, فهو يأتي بشرع جديد وعبادة جديدة حتى يكمل هذا الدين. قال ابن مسعود: اتبعوا ولا تبتدعوا فقد كفيتم. وقال أبو إدريس الخولاني: لأن يخبروني بأن في المسجد ناراً أحرقت المسجد ولا أستطيع فعل شيء, خير لي من أن يخبروني بأن في المسجد بدعة. وقال الثوري: البدعة أحب إلى الشيطان من المعصية؛ لأن صاحب البدعة يجادل عنها، وأما صاحب المعصية فيمكن أن يتوب منها. وقال أيوب السختياني: ما ازداد عبد اجتهاداً ببدعة إلا ازداد من الله جل وعلا بعداً ـ نعوذ بالله من البدعة ـ. والبدعة نوعان: بدعة مكفرة, وبدعة مفسقة. أما البدعة المكفرة: فهي التي تخرج صاحبها من دائرة الإسلام, كبدعة الجهمية: الذين ينفون عن الله جل وعلا أسمائه الحسنى وصفاته العلى, فيقولون: لا سميع ولا سمع, ولا بصير ولا بصر, ولا رحيم ولا رحمة, ولا قدير ولا قدرة ـ نعوذ بالله من الخذلان ـ فهذه بدعة مكفرة تخرج صاحبها من الملة. وكذلك بدعة الشيعة المميتة المخيفة: وهي قولهم: إن القرءان لم يكتمل, فالقرآن عندكم هو ستة آلاف آية فقط، والصحيح أنه ستة عشر ألف آية, فالمصحف الصحيح هو الذي كان عند فاطمة، ويزعمون تحريف القرآن, وبذلك يكذبون قول الله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر:٩]. وكذلك بدعتهم المميتة في قذف عائشة ﵂ وأرضاها، فهذا يخرج من الملة؛ لأن الله قد برأها من فوق سبع سماوات, فكفروا بتكذيبهم كلام الله جل وعلا. ومن هذه البدع أيضاً: بدعة الصوفية التي تخرج صاحبها من الملة: وهي اعتقادهم بأن للكون أقطاباً وأبدالاً يتحكمون في الكون من دون الله جل وعلا. وأيضاً بدعتهم في عبادة القبور, والطواف بها, والاعتقاد بأن المقبور يملك النفع والضر, فهذه أيضاً بدعة من البدع المكفرة التي تخرج صاحبها من الملة.

стр. 83

أقسام البدعة المفسقة البدعة المفسقة: هي البدعة التي يدخل بها صاحبها إلى الفسق وهو أكبر الكبائر, وهذه البدعة: هي التعبد لله جل وعلا بما لم يشرع الله, ولم يشرعه نبيه ﷺ , وأنواعها تحصر في بدع زمانية, وبدع مكانية, وبدع في الهيئة والكيفية. أما البدع الزمانية: فهي أن يتخير زماناً فينشئ فيه عبادة خاصة بهذا الزمان لم يخصصه الله جل وعلا, مثال ذلك: أن يأتي إلى ليلة النصف من شعبان فيجتهد في التعبد لله جل وعلا فيها, فيقوم الليل, ويصوم النهار, فهذه بدعة مميتة, فهو يتحين وقتاً لم يشرعه الله جل وعلا ولم يخصصه بعبادة, فيخصصه هو بالعبادة. ومنها: صيام خميس رجب, والنساء في مصر يزعمن وجوب صيام خميس رجب، ولابد من الزيارة للقبور في خميس رجب, فقد تحين وقتاً وخصصنه بالعبادة ولم يشرعه الله جل وعلا. ومن البدع الزمانية أيضاً: اتخاذ أعياد في أوقات لم يشرع الله جل وعلا الأعياد فيها؛ لأن الأعياد عبادات, والأصل في العبادات التوقيف. فقد دخل النبي ﷺ على الأنصار فوجدهم يلعبون في يومين, فسألهم عن اليومين, فقالوا: يومان نلعب فيهما, وأصل العيد: مأخوذ من العود، عبادة يظهر فيها الشكر والفرح، فالمقصود: أن النبي ﷺ بين لهم ذلك فقال: (قد أبدلكم الله خيراً منهما, أبدلكم بالأضحى والفطر). واليوم خرج علينا الخارجون فقالوا: عيد الأم, وعيد الأب, وعيد الفلاح, وعيد النصر, وعيد الحب للزهور, وقد استأت كثيراً يوم أن سمعت أن بعض الأخوات في عيد الحب نزلن يشترين الزهور -نسأل الله العفو والعافية- ولم يعرفن أن هذه بدعة مميتة, وأنهن سيحاسبن أمام الله جل وعلا, فهذه الأوقات أوقات توقيفية لابد ألا يتعبد فيها الله جل وعلا إلا بما شرع الله جل وعلا. كذلك أيضاً: المولد النبوي, فقد خرجوا علينا بيوم وقالوا: إن هذا هو المولد النبوي، وإن الدين لا يكون إلا في يوم المولد النبوي, مع أن العبد إذا تعبد لله جل وعلا يفرح بمولد النبي ﷺ , ويشكر الله على بعثه إلينا بهذا الرسول ﷺ الذي أخرج به الناس من الظلمات إلى النور, لتكرر الفرح بمولده وإرساله كل يوم وكل أسبوع, وقد غاب هذا عن كثير من الناس! وقد ثبت عن النبي ﷺ : أنه كان يصوم يوم الإثنين, فلما سئل عن ذلك -كما في صحيح مسلم - قال: (ذلك يوم ولدت فيه, فأحب أن يرفع عملي فيه وأنا صائم) أي: وأنا صائم فيه. فالذي يريد أن يحتفل بالمولد النبوي فعليه أن يصوم كل يوم إثنين بنيتين: نية رفع الأعمال إلى الله جل وعلا, والنية الثانية: للاحتفال بالمولد النبوي. أما البدعة الثانية المفسقة: فهي بدعة مكانية: وهي أن يتخير مكاناً مباركاً عنده فيخصص فيه عبادة، ولم يجعل الله جل وعلا هذا المكان للعبادة, كأن يذهب إلى القبر فيدعو الله جل وعلا عنده. كذلك أيضاً: أن يذهب مثلاً ليذبح إبلاً في مكان قد عبد غير الله فيه, فينذر أن يذبح مثلاً عند البدوي، والبدوي يعبد من دون الله جل وعلا, فينذر أن يذبح ذبيحة لله جل وعلا في هذا المكان الذي يعبد فيه غير الله جل وعلا, فهذه أيضاً من البدع المكانية. ومن البدع المكانية أيضاً: أن يشد رحله إلى غير المساجد الثلاثة؛ لأن النبي ﷺ يقول: (لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد). وأما النوع الثالث: فهي البدع في الهيئة والكيفية: كأن يصلي لله جل وعلا مسدلاً يديه دائماً وفي اعتقاده أن هذا الفعل من السنة، مع أن السنة قد جاءت بخلاف ذلك، فقد جاء في الصحيح: (أن النبي ﷺ كان يقبض اليمنى على اليسرى في الصلاة). ومن بدع الهيئات والكيفيات أيضاً: أن يبسط يده كبسط الكلب في السجود، فهذا من المنهي عنه, أو يصلي خاصراً: بأن يضع يده اليمنى على اليسرى على الخاصرة, وقد نهى عنها النبي ﷺ . ومن بدع الهيئات والكيفيات: أن ينذر لله جل وعلا أن يقوم ولا يقعد, وأن يقف في الشمس ولا يستظل, وقد رأى النبي ﷺ رجلاً يفعل ذلك فنهاه عن هذا, فهذا من البدع في الهيئات والكيفيات. ومن البدع المميتة في الهيئات والكيفيات: بدع الصوفية في ذكر الله جل وعلا, فتراه يقوم ويترنح ويأتي بأذكار أيضاً لم يشرعها الله جل وعلا, كأن يقول: هو هو, ويفعل ما يفعل حتى يسقط صريعاً على الأرض, فهذه أيضاً من البدع في الهيئة والكيفية -نعوذ بالله من البدع-. أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.

стр. 84

شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة - رؤية المؤمنين ربهم - خلق أفعال العباد ن أعظم البدع وأخطرها ما كان متعلقاً بالعقائد؛ كبدعة المعتزلة الذين ينكرون رؤية المؤمنين لربهم، وخلق أفعال العباد، وبدعة الجهمية وغيرهم الذين ينكرون استواء الله على عرشه.

стр. 85

رؤية الله في الجنة والأدلة على ذلك إن الحمد لله؛ نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. ثم أما بعد: هذا آخر الكلام عن اعتقاد إمام أهل السنة والجماعة أحمد بن حنبل ثم يبقى له أيضاً كلام جيد في الرؤية عليه رضوان الله ورحمته، ولنا أن نقول: عليه رضوان الله، قال عنه الأئمة: حفظ الله هذا الدين بـ أبي بكر في الردة, وبـ أحمد بن حنبل في الفتنة, وهذه الفتنة: هي فتنة خلق القرآن, رحمة الله عليه. ورؤية المؤمنين ربهم على نوعين: رؤية منفية, ورؤية مثبتة, أما الرؤية المنفية: فهي التي في الدنيا, -فلن يرو ربهم في الدنيا- أما الرؤية المثبتة: فهي الرؤية في الآخرة. وأما الدليل على أن المؤمنين لا يرون ربهم في الدنيا: فهي أن أحب الخلق إلى الله في زمانه وهو من أولي العزم طلب ذلك من الله ولم ينله، قال تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ﴾ [الأعراف:١٤٣]، فقال الله تعالى: ﴿لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا﴾ [الأعراف:١٤٣]، فلم ير الله جل وعلا. وقال النبي ﷺ : (لن ترو ربكم حتى تلقوه)، أو كما قال ﷺ , فنفى الرؤية في الدنيا. بقي إشكال واحد وهو: أن النبي ﷺ قد رأى ربه في الدنيا, وهذه المسألة خلافية بين العلماء، والصحيح الراجح فيها: أن النبي ﷺ لم ير ربه بعيني رأسه؛ لأنه قال عندما سألوه: رأيت ربك؟ قال: (نور أنى أراه)، أي: كيف أراه؟ أو ما رأيت إلا النور, وقال في رواية أخرى: (رأيت نوراً)، فلم ير الله جل وعلا, ولكنه رأى الحجاب وهو النور, وهذا هو الراجح. وقد ثبت أن النبي ﷺ رأى ربه جل وعلا بفؤاده مرتين, ورآه أيضاً في المنام, وللمؤمنين أن يروا ربهم في المنام, نسأل الله أن يجعلنا كذلك ممن يرونه في المنام, آمين يا رب العالمين! أما الرؤية المثبتة: فهي التي تكون في الآخرة، وقد بين الله جل وعلا أننا سنرى ربنا في الآخرة, وأخبر النبي ﷺ بذلك في عدة أحاديث. أما الآيات: فقد قال الله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٢ - ٢٣] أي: النظر إلى وجه الله الكريم -رزقنا الله وإياكم هذا الفضل العظيم-. قال: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٢ - ٢٣]، وقال جل وعلا: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس:٢٦]، وقد فسرها خير من يفسر كلام الله جل وعلا: وهو ﷺ فقال: (الزيادة: رؤية الله في الجنة) ﷺ . وقال الله تعالى أيضاً: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين:١٥]، وهذه الآية تثبت قطعياً رؤية المؤمنين لربهم؛ لأنها من المتضادات, قال الله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين:١٥]، فلما حجبهم الله في حال الغضب، جعل المؤمنين يرونه في حال الرضا. والأوضح من ذلك قول الله تعالى: ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ * مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ [القلم:٣٥ - ٣٦]، فلا يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون, ولا تستوي الظلمات والنور, فإذا قلت: إن المؤمنين لا يرون ربهم, وأنهم قد حجبوا عنه, فقد سويت بين المؤمنين والكافرين، والشريعة جاءت بالتفريق بين المختلفين, فالمؤمن غير الكافر، فإن كان عقاب الكافر ألا يرى الله جل وعلا, فجزاء المؤمن يكون برؤية الله جل وعلا. وفي الصحيحين: (نظر النبي ﷺ إلى القمر ليلة البدر فقال: سترون ربكم كما ترون هذا القمر لا تضارون في رؤيته) وفي رواية (لا تضامون في رؤيته)، وهذا من باب تشبيه الرؤية بالرؤية لا المرئي بالمرئي؛ لأن الله لا يشبه القمر، فالله جل وعلا ليس كمثله شيء, لكن النبي ﷺ بين أنكم سترون ربكم كما ترون القمر في ليلة البدر لا تتضررون بالنظر إليه، وفي الرواية الأخرى: (لا تضامون) يعني: لا يحدث لك ضيم، أي: ظلم, فلا يحدث الانضمام لبعضكم إلى بعض فتتزاحمون, فلا يرى البعض ربهم جل وعلا, فهذا لا يحدث, بل سترونه كما ترون القمر في هذه الدنيا البسيطة بالنسبة إلى الآخرة وما فيها وفي عرصات القيامة والله أعلم، -نسأل الله جل وعلا أن يجعلنا ممن يرى وجهه الكريم- فلا فرح ولا نعيم في الجنة إلا برؤيته، كما في الحديث عنه ﷺ أنه قال: (بعدما يستقر أهل الجنة في الجنة, فيكشف الحجاب فيرون ربهم، فما تنعموا بنعيم مثل هذا النعيم). رزقنا الله وإياكم هذا النعيم, آمين يا رب العالمين!

стр. 86

خلق أفعال العباد أختم الكلام بمجمل اعتقاد أبي جعفر محمد بن جرير الطبري , وهو نفس الاعتقاد، لكنه أتى بزيادات مهمة، فيجب أن ألمح إليها, ومن هذه الزيادات قوله: وقد خلق الله أفعال العباد. وهذا أصل من أصول أهل السنة والجماعة: فهم يعتقدون أن أفعال العباد مخلوقة لله جل وعلا, رداً بذلك على القدرية؛ لأن القدرية ينفون القدر ويقولون: إن الإنسان قد خلق فعل نفسه، وهذا باطل فقد قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الزمر:٦٢]، وقال جل وعلا: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات:٩٦]. وقال النبي ﷺ : (إن الله خلق كل صانع وصنعته)، لكن القدرية هجمت علينا بهذه المعتقدات الفاسدة، واستدلوا بأدلة على قولهم هذا فقالوا: أولاً: قال الله تعالى: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ [المؤمنون:١٤]، فأثبت بذلك أرباباً معه ـ حاشا لله من ذلك. وقالوا: إن الله جل وعلا ربط الجنة بالعمل فقال: ﴿جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الواقعة:٢٤]، فالعمل هو الذي يدخل الجنة دون غيره. ونرد عليهم بالآيات السابقة، فقد قال الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات:٩٦]، وقال تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الزمر:٦٢]، ووجه الاستدلال: أن (كل) من ألفاظ العموم، وأن النكرة في سياق الإثبات تفيد العموم. فإن قيل: فكيف تردون على قولهم: إن العبد خلق فعل نفسه, والله جل وعلا ربط الجنة بالعمل فقال: ﴿جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الواقعة:٢٤]، وقال: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ [المؤمنون:١٤]؟. ف الجواب أن يقال: إن الله قد أثبت في كتابه أنه خلق أفعال العباد, قال سبحانه: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الزمر:٦٢] , وقال: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات:٩٦] , فكيف تتجرءون على نفي ما أثبته الله جل وعلا في كتابه؟ فإنه يلزم من كلامكم تبديل كتاب الله جل وعلا، فهذا هو الدليل الأول. الدليل الثاني: أن الله جل وعلا بين أنه خلق كل شيء, وأنه كتب كل شيء في اللوح المحفوظ, ومما كتبه أفعال العباد, كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر:٤٩]. وفي الصحيحين أن النبي ﷺ قال: (لما خلق الله القلم قال له: اكتب, قال: وما أكتب؟ قال: اكتب كل شيء إلى يوم القيامة)، وتدخل أفعال العباد في قوله: (كل شيء). إذاً: الدليل الأول: أن الله أثبت لنفسه خلق أفعال العباد، فإن نفيتم ذلك فقد كذبتم القرآن. الدليل الثاني: أن الله خلق كل شيء وكتب كل شيء, ويدخل في هذا أفعال العباد. أما الرد على استدلالهم بقوله تعالى: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ [المؤمنون:١٤]، فنقول: للخالق أو الخلق ثلاثة معانٍ: المعنى الأول: إيجاد من عدم, والإيجاد من العدم خاص بالله جل وعلا. المعنى الثاني للخلق: التحويل من صورة إلى صورة, كتحويل الخشب والشجر إلى أبواب، والحديد إلى سيارة, فهذا يكون للعباد, والله جل وعلا أثبت أنهم خلقوا ذلك إنصافاً وعدلاً منه . المعنى الثالث: التقدير, فيكون معنى قوله تعالى: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ [المؤمنون:١٤] أي: تبارك الله أحسن المقدرين, فإذا قدر شيئاً أنفذه لكمال قدرته, أما إذا قدر العبد شيئاً فلا يستطيع إنفاذه لكمال عجزه وضعفه, ولذلك قال القائل: لأنت تفري ما خلقت وبعض القوم يخلق ثم لا يفري يعني: أنك تخلق ما قدرت وتوجده في الحيز على وجه البسيطة, وغيرك يقدر أنه سيفعل ويبني، ثم لا يفعل شيئاً منها لعجزه وضعفه, والله جل وعلا يفعل لكمال قدرته، وهذا هو المعنى في هذه الآية فلا صحة لهم فيها والله أعلم، فهذا هو الرد على القدرية الذين قالوا: إن العبد يخلق فعل نفسه فشابهوا بذلك المجوس؛ لأنهم يقولون: إن للكون خالقين.

стр. 87

الكلام على صفة الاستواء للعلي العظيم ثم ختم الإمام أبو جعفر بن جرير الطبري قوله بقول الله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥]، وهذه الصفة ثابتة بالكتاب وبالسنة وبالعقل. أما الكتاب فقد قال الله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥]، وقال: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف:٥٤] والآيات كثيرة في ذلك. وأما السنة فقد ثبت عن ابن مسعود موقوفاً عليه قوله: (بين السماء والأرض مسيرة خمسمائة عام, وما بين كل سماء وأخرى مسيرة خمسمائة عام)، إلى أن قال: (والعرش فوق ذلك, والله فوق العرش)، وهذا الحديث موقوف على ابن مسعود وله حكم الرفع, فهو من السنة. وأما العقل فقد قال تعالى: ﴿وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَاسَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ﴾ [هود:٤٤]، فعلمنا بذلك أن الاستواء معناه: العلو والاستقرار. قال الله تعالى: ﴿فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ فَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ [المؤمنون:٢٨]، والعبد الذي يستطيع أن يستوي ويستقر ويعلو على الدابة قادر على ذلك، أما الذي لا يستطيع أن يستوي ويستقر ويعلو على الدابة فهذا عاجز والعجز نقص, فإذا أثبتنا أن العلو والاستقرار للعبد صفة كمال, فمن باب أولى أن تكون صفة كمال لله جل وعلا، والقياس المستعمل بين الله وعباده: هو قياس الأولى، فإن قلنا: إن هذه صفة كمال للعبد, فمن باب أولى أن يتصف الله جل وعلا بها. وبهذا نكون قد انتهينا من جمل اعتقادات أهل السنة والجماعة، ثم نبدأ بعد ذلك في مسألة توحيد الله وصفاته وأسمائه.

стр. 88

توحيد الله وأنواعه فقوله: (توحيد الله). التوحيد نوعان: التوحيد العلمي الخبري، أو توحيد المعرفة والإثبات, وتوحيد القصد والطلب، والتوحيد العلمي الخبري, أو توحيد المعرفة والإثبات هو: توحيد الأسماء والصفات وتوحيد الربوبية. فتوحيد الربوبية: أن تعتقد اعتقاداً جازماً أن الله جل وعلا هو الرب الخالق الرازق المدبر الآمر الناهي السيد المطاع. وتوحيد الأسماء والصفات: أن تعتقد أن لله جل وعلا أسماء حسنى وصفات علا. والتوحيد الثاني: هو توحيد القصد والطلب: وهو توحيد الإلهية: وهو إفراد الله جل وعلا باستحقاق العبادة, فلا تصرف أي عبادة إلا لله جل وعلا.

стр. 89

الكلام على صفات الله تعالى وأقسامها قال: (وصفات الله جل وعلا الحي السميع) أما صفات الله جل وعلا فعلى قسمين: صفات ثبوتية, وصفات سلبية. فالصفات الثبوتية هي الصفات التي أثبتها الله لنفسه, وأثبتها له رسوله ﷺ , كأن يقول الله جل وعلا: ﴿وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [النساء:١٣٤] فأثبت السمع والبصر، وكأن يقول النبي ﷺ : (إنكم تدعون سميعاً بصيراً)، فأثبتها لله تعالى. وتنقسم الصفات الثبوتية إلى ثلاثة أقسام: صفات ذاتية, أي: أنها لا تنفك عن ذات الله جل وعلا, فهي أزلية أبدية, كالحياة والقدرة والعزة والكبرياء، فكلها صفات ذاتية لا تنفك عن ذات الله جل وعلا. القسم الثاني: صفات فعلية: وهي ما تعلقت بمشيئة الله, فإن شاء فعل وإن شاء لم يفعل, كالاستواء والحب والرحمة والغضب. القسم الثالث: صفات خبرية: وهي الأجزاء والأبعاض في تسميتنا، كالرجل والساق واليد والعين، قال تعالى: ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾ [القمر:١٤]، فالعين جزء مني، لكنها صفة تليق بجلال الله وكماله جل وعلا، وكاليد في قوله تعالى: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ [الفتح:١٠]، فتسمى هذه الصفات: صفات ثبوتية خبرية. أما القسم الثاني من أقسام صفات الله جل وعلا فهي الصفات السلبية، أي: الصفات المنفية عن الله جل وعلا, بأن نفاها الله عن نفسه في كتابه, أو نفاها عنه النبي ﷺ , قال الله تعالى: ﴿لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ﴾ [البقرة:٢٥٥]، فنفى عن نفسه صفة السنة وصفة النوم، وكما قال النبي ﷺ : (أيها الناس! أربعوا على أنفسكم! فإنكم لا تدعون أصم ولا غائباً)، فنفى عنه هاتين الصفتين, لكن لا بد في الصفات السلبية من قيد مهم ألا وهو: النفي مع إثبات كمال الضد، ويستطيع الواحد منا أن يفسر ذلك على ضوء الإنسان, قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾ [ق:٣٨]، فالصفة المنفية هنا: هي صفة اللغوب ومعناه: التعب والإعياء. قال: ﴿وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾ [ق:٣٨] أي: وما مسنا من تعب، لكمال القدرة لله جل وعلا, قال: ﴿لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ﴾ [البقرة:٢٥٥]، فهو نفي متضمن لإثبات كمال الضد، فكمال الضد للنوم والسنة: هي الحياة والقيومية, فهذه صفات الله جل وعلا, صفات ثبوتية, وصفات سلبية, والصفات السلبية لا تنفى بالكلية؛ لأن النفي المحض ليس فيه كمال, فلا بد أن تنفيها وتثبت كمال ضدها. أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.

стр. 90

الأسئلة قال: (وصفات الله جل وعلا الحي السميع) أما صفات الله جل وعلا فعلى قسمين: صفات ثبوتية, وصفات سلبية. فالصفات الثبوتية هي الصفات التي أثبتها الله لنفسه, وأثبتها له رسوله ﷺ , كأن يقول الله جل وعلا: ﴿وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [النساء:١٣٤] فأثبت السمع والبصر، وكأن يقول النبي ﷺ : (إنكم تدعون سميعاً بصيراً)، فأثبتها لله تعالى. وتنقسم الصفات الثبوتية إلى ثلاثة أقسام: صفات ذاتية, أي: أنها لا تنفك عن ذات الله جل وعلا, فهي أزلية أبدية, كالحياة والقدرة والعزة والكبرياء، فكلها صفات ذاتية لا تنفك عن ذات الله جل وعلا. القسم الثاني: صفات فعلية: وهي ما تعلقت بمشيئة الله, فإن شاء فعل وإن شاء لم يفعل, كالاستواء والحب والرحمة والغضب. القسم الثالث: صفات خبرية: وهي الأجزاء والأبعاض في تسميتنا، كالرجل والساق واليد والعين، قال تعالى: ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾ [القمر:١٤]، فالعين جزء مني، لكنها صفة تليق بجلال الله وكماله جل وعلا، وكاليد في قوله تعالى: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ [الفتح:١٠]، فتسمى هذه الصفات: صفات ثبوتية خبرية. أما القسم الثاني من أقسام صفات الله جل وعلا فهي الصفات السلبية، أي: الصفات المنفية عن الله جل وعلا, بأن نفاها الله عن نفسه في كتابه, أو نفاها عنه النبي ﷺ , قال الله تعالى: ﴿لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ﴾ [البقرة:٢٥٥]، فنفى عن نفسه صفة السنة وصفة النوم، وكما قال النبي ﷺ : (أيها الناس! أربعوا على أنفسكم! فإنكم لا تدعون أصم ولا غائباً)، فنفى عنه هاتين الصفتين, لكن لا بد في الصفات السلبية من قيد مهم ألا وهو: النفي مع إثبات كمال الضد، ويستطيع الواحد منا أن يفسر ذلك على ضوء الإنسان, قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾ [ق:٣٨]، فالصفة المنفية هنا: هي صفة اللغوب ومعناه: التعب والإعياء. قال: ﴿وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾ [ق:٣٨] أي: وما مسنا من تعب، لكمال القدرة لله جل وعلا, قال: ﴿لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ﴾ [البقرة:٢٥٥]، فهو نفي متضمن لإثبات كمال الضد، فكمال الضد للنوم والسنة: هي الحياة والقيومية, فهذه صفات الله جل وعلا, صفات ثبوتية, وصفات سلبية, والصفات السلبية لا تنفى بالكلية؛ لأن النفي المحض ليس فيه كمال, فلا بد أن تنفيها وتثبت كمال ضدها. أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.

стр. 91

حكم المشاركة في أعياد الكفار السؤال الأول: ما حكم المشاركة في أعياد الكفار؟ الجواب إذا شارك أهل الكفر أعيادهم معتقداً صحة دينهم فقد كفر نوعاً، فإن أصر كفر عيناً لا نوعاً.

стр. 92

الملك الظالم المسلم أحق بالولاية من الكافر المحسن السؤال الثاني: أيهما أولى بالولاية على المسلمين: الملك الكافر المحسن أم الحاكم المسلم الظالم؟ الجواب الحاكم المسلم الذي يسرق المسلمين أحق بالكرسي من الكافر الذي يعطي المسلمين، لأن الإسلام يعلو ولا يعلى عليه, فلا يمكن للكافر أن يتربع على عرش المسلمين بحال من الأحوال.

стр. 93

وجوب الخروج على الحاكم المتمذهب بالمذاهب البدعية إذا وجدت القوة السؤال الثالث: ما هو العمل إذا كان الحاكم مبتدعاً أو متمذهباً بمذهب غير أهل السنة, مثل الشيعة أو العلويين ونحوهم؟ الجواب في المسألة تفصيل: إن كانت بدعته هينة مثل الشيعة الذين يجهلون أمر الدين في الأصل، أو كان من الذين يرون تفضيل علي على أبي بكر وعمر, فهذا لابد له من السمع والطاعة. أما إذا كان علوياً أو نصيرياً كافراً يقول: إن علياً هو الإله ﵁ وأرضاه، فإن حكمه حكم الكافر الذي سبق تبيينه. وإن كان أيضاً من الجعفرية الذين يقولون: إن هذا القرآن محرف، ويسبون عائشة ﵂ وأرضاها، فهذا أيضاً كافر لابد من الخروج عليه إن وجدت القوة.

стр. 94

جواز الصلاة بأكثر من نية السؤال الرابع: هل يجوز الجمع بالنية بين أكثر من صلاة؟ الجواب نعم؛ لأن النبي ﷺ قال: (إذا هم أحدكم بالأمر فليركع ركعتين من دون الفريضة)، أي ركعتين, سواء كانت سنة الظهر أم سنة الوضوء أم سنة الضحى أم سنة العشاء وغيرها، فله أن يصليها بأكثر من نية.

стр. 95

جواز تبديل النية في الصلاة السؤال الخامس: هل يجوز تبديل النية في الصلاة؟ الجواب نعم، يجوز تبديل النية في الصلاة، ولنا صور كثيرة في ذلك منها: أن تدخل بنية مأموم ثم تبدل نيتك إلى منفرد عن إمامك، كما في قصة معاذ ﵁ وأرضاه, أو أن تدخل مثلاً بنية صلاة ركعتين فتبدل النية إلى نافلة مطلقة، فيجوز ذلك, أو تدخل بنية الظهر منفرداً فتجد جماعة قد انعقدت فتبدل نية الظهر وتجعلها نافلة ثم تنوي الصلاة مع الجماعة، وضابط هذه المسألة: أن الأعلى ينزل إلى الأدنى, والأدنى لا يصعد إلى الأعلى, فالفرض أعلى من النفل، فلك أن تنزل من الأعلى إلى الأدنى، وليس لك أن تصعد من الأدنى إلى الأعلى، فهذا لا يصح، فالفرض لا يبدل إلى سنة بخلاف العكس.

стр. 96

حكم الخروج على الحاكم المرتد السؤال السادس: نود أن توجه كلمة للشباب بشأن ضابط الخروج على الحاكم؟ الجواب نسأل الله أن يفرج عنا الكرب, فقد سئل علي بن أبي طالب فقالوا له: لماذا حدثت الفتن في عصرك وعصر عثمان ولم تحدث في عصر عمر ولا أبي بكر؟ فقال: لأن أبا بكر وعمر ولوا على أمثالنا, وولينا على أمثالكم. وهناك حديث يحتج به شيخ الإسلام ابن تيمية، لكنه حديث ضعيف يستأنس بمتنه: وهو أن الله جل وعلا يقول: (قلوب الولاة بيدي فإن أطعتموني لينت قلوبهم عليكم, وإن عصيتموني جعلتهم عليكم نقمة). فلا ينفع مع الحاكم المجرم الفاسق الفاجر الآن غير الصبر والدعاء, أما المرتد فإنه لابد من إعداد العدة للخروج عليه؛ لأن الإسلام يعلو ولا يعلى عليه.

стр. 97

حكم الصلاة وراء إمام لا يحسن قراءة الفاتحة السؤال السابع: ما حكم الصلاة وراء إمام لا يجيد قراءة الفاتحة؟ الجواب إذا كان الإمام لا يجيد قراءة الفاتحة فالصلاة باطلة عند من يعلم ركنية قراءتها، ولا بد للإمام أصلاً أن يكون متقناً للفاتحة.

стр. 98

وجوب مفارقة الإمام إذا علم المأموم بطلان صلاته السؤال الثامن: هل تجوز مفارقة الجماعة بنية المفارقة إذا علم بطلان صلاة إمامه؟ الجواب إذا أراد أن يفارق الجماعة ابتعد عنهم وصلى منفرداً، فإن كان في الصف الأول واستطاع أن يرجع إلى الخلف دون أن يحدث بلبلة في الصف الأول فله أن يفعل ذلك وإلا فلا؛ تغليباً لجانب المصلحة, إلا إذا كان يعلم يقيناً بطلان صلاة إمامه فإن عليه حينئذ أن يصلي منفرداً حتى وإن أحدث بلبلة في الصفوف. سبحانك اللهم ربنا وبحمدك, نشهد أن لا إله إلا أنت, نستغفرك ونتوب إليك.

стр. 99

شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة - الميزان - القبر - الحوض - الشفاعة من معتقد أهل السنة والجماعة الإيمان بحقيقة الميزان ونصبه يوم القيامة، وإثبات أن أعمال العباد توزن، ومن العباد من يرجح وزنه كالجبال، ومنهم من لا يزن جناح بعوضة على الحقيقة، كما يعتقدون بقبول الشفاعة العامة من الملائكة والنبيين والمؤمنين، واختصاص نبينا محمد ﷺ بالشفاعة العظمى لفصل القضاء وفتح أبواب الجنان لأهل الإيمان.

стр. 100

مجمل القول في الفرق بين صفات الله الذاتية والفعلية إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. ثم أما بعد: فما زلنا مع هذا التنسيق الجميل من الإمام الجليل اللالكائي في كتابه العظيم: شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة، ومن هذا التنسيق اقتداء بكتاب الله ، فطريقة تنسيقه للكتاب أنه ابتدأ بالمجمل ثم أتى بالتفصيل للتشويق، وهذا نجده في كثير من الأحكام في كتاب الله وعلا حيث يأتي بالإجمال ليشوق ثم بعد ذلك يفصل. وقبل أن نشرع في درس اليوم نذكر إجمالاً الفرق بين الصفات الذاتية، والصفات الفعلية. فنقول: الصفات الذاتية أزلية أبدية لا تنفك عن الله جل وعلا، بمعنى أنها غير متجددة. وأما الصفات الفعلية فهي صفات متجددة، أصلها ثابت لكنها متجددة. وضابط الصفات الفعلية أنه يصح لك قبل الصفة أن تقول: (إن شاء) بمعنى إن شاء فعل وإن شاء لم يفعل، وإن شاء استوى، وإن شاء لم يستو إن شاء جاء وإن شاء لم يجئ إن شاء ضحك وإن شاء لم يضحك إن شاء رحم وإن شاء لم يرحم، فكل هذه الصفات من الرحمة والمجيء والاستواء هي صفات فعلية؛ لأنه يصح أن نقول: إن شاء فعل وإن شاء لم يفعل، قال الله تعالى: ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ﴾ [الأنبياء:٢]، فكل الصفات الفعلية أزلية الأصل متجددة الآحاد، فهي قديمة النوع حادثة الأفراد، يعني: أصلها ذاتي لكن أفرادها متجددة؛ لأن الله جل وعلا متكلم من الأزل لكن ما تكلم إلا وقتما شاء أن يتكلم، وهذا معنى أنها قديمة النوع حادثة الأفراد. وقال الله تعالى: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ [الفتح:١٠] هذه صفة ذاتية خبرية، وضابط الصفة الخبرية: هي ما لا يمكن للعقل أن يحيط بها ويكون مسماها عندنا أجزاء وأبعاض. قال الله تعالى: ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾ [القمر:١٤] الصفة هنا: العين، ونوعها: ذاتية خبرية. وقال النبي ﷺ : (يضحك ربكم من عباده يقنطون والفرج يأتيهم)،الصفة هنا: الضحك، ونوعها: فعلية، فهو إن شاء ضحك وإن شاء لم يضحك.

стр. 101

تعريف السنة عند أهل العقيدة والمحدثين والفقهاء ذكر المصنف اعتقاد علي بن المديني قال ﵀: فقلت: أعزك الله السنة اللازمة التي من ترك منها خصلة لم يقلها أو يؤمن بها لم يكن من أهلها، ثم قال: الإيمان بالقدر خيره وشره. السنة في اللغة: الطريقة. وفي الشرع لها تعاريف عند أهل الحديث، وعند أهل الأصول، وعند أهل الفقه، وعند أهل الاعتقاد. فالسنة عند أهل الحديث هي: كل ما نسب إلى النبي ﷺ من قول، أو فعل، أو تقرير، أو صفة خَلْقية، أو صفة خُلُقية، ومثال القول: قال رسول الله ﷺ : (إنما الأعمال بالنيات) ومثال الفعل: ما ثبت في الصحيح عن ابن عمر ﵁ وأرضاه أنه قال: (كان النبي ﷺ إذا كبر رفع يديه حذو منكبيه) وأيضاً بعض الرواة وصف النبي ﷺ أنه: (كان إذا سجد يجنح في سجوده) يعني: يوسع بين يديه في السجود، أما ما يقع من ضم بعض الناس اليوم فهو خلاف السنة، والصحيح الراجح أن النبي ﷺ كان يوسع حتى جاء في بعض الروايات أنه لو مرت عنزة صغيرة لمرت، وهذه هي السنة في السجود. ومثال التقرير: أن النبي ﷺ يرى حكماً أو يسمع حكماً فيقرره، كما ثبت أن جابراً قال: (كنا نعزل والقرآن ينزل) فكان النبي ﷺ يقر الصحابة على العزل. أما الصفة الخَلْقية أو الخُلُقية فيندرج تحتها كل ما وصف به النبي ﷺ في الكتاب والسنة. أما أهل الأصول فهم ينظرون إلى كيفية استنباط الحكم من الدليل فلذلك كان تعريف السنة عندهم: ما نسب إلى النبي ﷺ من قول، أو فعل، أو تقريره، فقط. دون الصفة الخَلْقية والخُلُقية. أما أهل الفقه: فالسنة عندهم ما يكون مقابل الواجب، يعني: هي النافلة، والنافلة: هي خطاب الشارع للمكلفين لا على وجه اللزوم، وإنما على وجه الاستحباب. وحكمها أنه يثاب فاعلها ولا يعاقب تاركها، فسنة الظهر -مثلاً- يثاب فاعلها ولا يعاقب تاركها. والسنة عند أهل العقيدة: ما كان مقابل البدعة. فالسنة ما كان عليه النبي ﷺ . قال: السنة اللازمة التي من ترك منها خصلة لم يقلها أو يؤمن بها لم يكن من أهلها ثم قال: الإيمان بالقدر خيره وشره، والتصديق بالأحاديث فيه والإيمان بها، لا يقال: لم ولا كيف؟ إنما هو التصديق بها والإيمان بها. كما قال الإمام الشافعي: آمنت بالله وبما جاء عن الله على مراد الله، وآمنت برسول الله وبما جاء عن رسول الله ﷺ على مراد رسول الله، وهذا محض التسليم. ففي هذه المسائل لا يقال: لم ولا وكيف؟ صفات الله جل وعلا لا يقال: كيف؟ لأن الكيف عندنا فنفوض أمره إلى الله جل وعلا، والمعنى لا يفوض؛ لأن المعنى معلوم، والذين يفوضون المعنى هم المفوضة، فهم يقولون في السميع: لا نعلم عنه غير الألف واللام والسين والميم والياء والعين فقط. وهذا خلاف اعتقاد أهل السنة، فأهل السنة يعلمون المعنى، ولذلك من الكلام المشهور عن مالك أنه سئل عن الاستواء فقال: الاستواء معلوم -أي: في اللغة-، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، لذا المعنى لا يفوض وإنما الكيفية هي التي تفوض، أما في الأحكام فلا نقول: لم؟ في الأحكام التي غابت عنا.

стр. 102

الإيمان بالميزان يوم القيامة قال: والإيمان بالميزان يوم القيامة، يوزن العبد ولا يزن جناح بعوضة، وتوزن أعمال العباد كما جاءت به الآثار، قال: الإيمان به والتصديق، والإعراض عمن رد ذلك وترك مجادلته. الإيمان بالميزان على حقيقته قال الله تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [الأنبياء:٤٧]. ﴿فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ﴾ [القارعة:٦]، وقال: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ﴾ [القارعة:٨]، واختلف العلماء ما الذي يوزن يوم القيامة عمل العبد أم العبد أم الصحائف والسجلات؟ والصحيح الراجح: أن الأعمال والعباد والصحائف كلها توزن يوم القيامة، والدليل على ذلك أن النبي ﷺ قال بالنسبة للأعمال: (كلمتان خفيفتان على اللسان حبيبتان إلى الرحمن، ثقيلتان في الميزان: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم) ومن استشكل عليه أن يجسم الأمر المعنوي ويوضع في الميزان، فنقول له: ألم يأتكم نبأ الموت كيف أن الله جل وعلا يكيفه كبشاً على عرصات القيامة ثم ينادي المنادي: يا أهل الجنة، فيشرئبون وينظرون، وينادي أهل النار فيشرئبون وينظرون فيذبح الموت أمامهم فيقال: (يا أهل الجنة خلود بلا موت -اللهم اجعلنا منهم يا رب العالمين- ويقال: يا أهل النار خلود بلا موت) نعوذ بالله من ذلك. أيضاً هذه الكلمات وهذه الأعمال تسجل يوم القيامة وتوزن في الميزان، وكذلك العباد يوزنون يوم القيامة، ودليل ذلك من السنة أن النبي ﷺ قال عن الفاجر الكافر الفاسق: (يأتي يوم القيامة لا يزن عند الله جناح بعوضة) نعوذ بالله من ذلك. وأيضاً: ورد في السنة أن الصحابة نظروا إلى دقة ساقي ابن مسعود ﵁ وأرضاه فضحكوا من ذلك، فقال النبي ﷺ يعني: (أتضحكون من دقة ساقيه؟ لهما في الميزان أثقل من جبل أحد)، فهذه دلالة على أن العبد سيوزن يوم القيامة، وأيضاً السجلات والصحائف ستوزن لما رواه أحمد في مسنده في حديث البطاقة، وفيه أن السجلات والمعاصي توزن، فإذا رأى المرء في نفسه أنه قد هلك يؤتى بالبطاقة فيها لا إله إلا الله فتطيش هذه البطاقة بكل السجلات.

стр. 103

الإيمان بتكليم الله للعباد يوم القيامة قال: وإن الله يكلم العباد يوم القيامة ويحاسبهم ليس بينهم وبينه ترجمان الإيمان بذلك والتصديق. فالله . يتكلم، وكلام الله بصوت وحرف يسمع، ودليل ذلك حديث النبي ﷺ : (إن الله جل وعلا ينادي يوم القيامة بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب فيقول: أنا الملك الديان) أو كما قال ﷺ .

стр. 104

إثبات حوض النبي ﷺ وشرب المؤمنين منه يوم القيامة قال: والإيمان بالحوض، وإن لرسول الله ﷺ حوضاً يوم القيامة ترد عليه أمته. الحوض: لغة: من حاض يحوض وهو تجميع الماء في مكان. وشرعاً: هو الماء الذي ينزل من نهر الكوثر في الجنة الذي أعطاه الله للنبي ﷺ ، فينزل هذا الماء إلى الحوض، قال الله تعالى: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ [الكوثر:١]، وهذا الحوض ميزة خاصة برسول الله، فالأنبياء لكل منهم حوض كما ورد في الأحاديث، لكن الحوض الذي ينزل ماؤه من الكوثر هو خاص بالنبي ﷺ ، وهذا الحوض وصفه النبي ﷺ فقال: (طوله شهر، وعرضه شهر، وزواياه متساوية، وكيزانه كالنجوم، يشرب العبد منه شربة لا يظمأ بعدها أبداً) وهذا يكون في عرصات القيامة. نسأل الله أن يسقينا من هذا الحوض من يد النبي ﷺ ، ونكون ممن قال الله فيهم: ﴿وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا﴾ [الإنسان:٢١]. فمن أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة أنهم يعتقدون بهذا الحوض، وهذا الحوض يختلج أناس منه أمام النبي ﷺ فيقول النبي ﷺ : (أي رب أمتي أمتي! فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك) نعوذ بالله من البدع.

стр. 105

الإيمان بعذاب القبر وفتنته قال: والإيمان بعذاب القبر، وإن هذه الأمة تفتن في قبورها. من أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة الإيمان بعذاب القبر، وإثبات عذاب القبر ثابت من الكتاب ومن السنة وإجماع الأمة. أما من الكتاب فقال الله تعالى: ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [السجدة:٢١] اتفق المفسرون على أن العذاب الأدنى هو عذاب القبر، وقال الله تعالى: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر:٤٦]. أما من السنة فقال النبي ﷺ : (تفتنون في قبوركم) وكذلك الحديث المشهور الذي فيه أن الإنسان يسأل عن ربه ويسأل عن دينه ويسأل عن النبي ﷺ .

стр. 106

الإيمان بالشفاعة قال: والإيمان بشفاعة النبي ﷺ . الشفاعة في اللغة: ضم الوتر للوتر فيكون شفعاً، أو ضم الواحد إلى الواحد فيكون شفعاً. أما الشفاعة في الشرع فهي: التوسط للغير بجلب منفعة، أو دفع مضرة، وهذه الشفاعة جاء القرآن فأثبتها ونفاها، فالشفاعة التي نفاها الله جل وعلا هي عن أهل الكفر، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفَاعَةٌ﴾ [البقرة:٢٥٤] فهذه شفاعة منفية. وقال عن الكافرين: ﴿فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ * وَلا صَدِيقٍ حَمِيمٍ﴾ [الشعراء:١٠٠ - ١٠١] فهذه الشفاعة المنفية عن الكفار. أما الشفاعة المثبتة فقد قيدها الله جل وعلا بقيدين وشرطين مهمين: الشرط الأول: الرضا عن المشفوع والإذن للشافع، قال الله تعالى: ﴿وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء:٢٨]. وقال جل وعلا: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة:٢٥٥]. والشفاعة على ستة أنواع: ثلاثة خاصة بالنبي ﷺ ، والباقية يشترك فيها الملائكة والأنبياء والمؤمنون. أما الثلاثة الخاصة بالنبي ﷺ فهي: الأولى: الشفاعة العظمى في عرصات القيامة: ﴿يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ [الحج:٢]، يأتي كل البشر -مما يجدونه من الكرب والرعب والشدة والرهبة- فيذهبون إلى كل نبي، فآدم يبعثهم إلى نوح، وكل نبي يرسلهم إلى من بعده، حتى تصل إلى النبي ﷺ فيقول: (أنا لها أنا لها، فيذهب فيسجد عند العرش فيلهمه الله بمحامد تعلمها عند سجوده عند العرش، ثم يقال: يا محمد ارفع رأسك، وسل تعط، واشفع تشفع، فيشفع في أن يحكم الله بين العباد). والشفاعة الثانية الخاصة بالنبي ﷺ هي شفاعته في دخول أهل الجنة الجنة، إذ لا يمكن لأحد أن يدخل الجنة إلا بعد النبي ﷺ ، والملك الذي يقف ببابها يقول: (ما أمرت أن أفتح إلا لك). والشفاعة الثالثة الخاصة بالنبي ﷺ شفاعته في أهل الكفر، مع أنها شفاعة منفية، لكن هذه خصيصة للنبي ﷺ ، فيشفع في عمه أن يكون في ضحضاح من النار يغلي منه دماغه، ويظن أنه أشد الناس عذاباً يوم القيامة وهو أخفهم عذاباً. والشفاعة الرابعة: الشفاعة في أهل الكبائر ألا يدخلوا النار، وهذه الشفاعة وما بعدها يشترك فيها الأنبياء والملائكة والمؤمنون. والشفاعة الخامسة: الشفاعة فيمن دخلوا النار وأصبحوا حمماً أن يخرجوا منها. والشفاعة السادسة: رفع درجات المؤمنين من درجة إلى درجة. جعلنا الله منهم.

стр. 107

الإيمان بخروج الدجال وقتل عيسى بن مريم له في آخر الزمان قال: والإيمان بأن المسيح الدجال مكتوب بين عينيه كافر. أيضاً من أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة الإيمان بـ المسيح الدجال وأنه موجود محبوس، خلافاً لبعض المعاصرين، ومنهم الفقيه الذي قل في الناس من وصل لفقهه، وهو الشيخ محمد بن صالح العثيمين ﵀، فهو يرد حديث مسلم الذي فيه أن المسيح الدجال موجود الآن، فيقول: نعتقد أن المسيح الدجال سيخرج وهو أشد فتنة وأشر فتنة، لكن لا يؤمن أنه موجود الآن، لكن نقول فيه كما قيل من قبل: شيخ الإسلام حبيب إلينا والحق أحب إلينا منه. فالحديث ثابت في صحيح مسلم من حديث تميم الداري الذي قال فيه النبي ﷺ (حدثني تميم الداري بحديث أعجبني) وفيه بيان أنه موجود الآن ومحبوس بسلاسل وسيخرج، والمسيح الدجال أشد وأشر فتنة وأشر غائب ينتظر، وقد بين النبي ﷺ أمره وهو على المنبر، واحمر وجهه وانتفخت أوداجه حتى إن الصحابة من خوفهم ظنوا أنه خلف الشجرة، فلما رأى النبي ﷺ رعبهم قال: (إن خرج وأنا فيكم فأنا حجيجه، فإن لم أكن فيكم فالله خليفتي على كل مسلم)، ثم وصفه وصفاً دقيقاً فقال ﷺ : (هو أعور وربكم ليس بأعور، كأن عينه عنبة طافية) وبين النبي ﷺ أنه يجوب الأرض شمالاً وجنوباً، وشرقاً وغرباً. فيقول للسماء: أمطري فتمطر، ويذهب إلى الخربة فيقول: أخرجي كنوزك فتخرج، ويأتيه الرجل فيقول له: أؤمن بك إذا أخرجت أبي وأمي، فينادي أباه وأمه من القبر فيخرجان، وهما لا يخرجان حقيقة وإنما يتمثل بعض الجن في صورتهما لفتنة الناس، ولن يستشرفه أحد إلا فتنه، إلا رجل ذكر النبي ﷺ أنه خير الشباب في ذلك الوقت بعلمه وبصيرته يقول: أنت الدجال الذي وصفك لنا رسول الله ﷺ وحذرنا منه، والنبي ﷺ كان أمياً ما كان يقرأ ولا يكتب ولكن وصفه وصفاً دقيقاً فقال: (مكتوب بين عينيه (ك ف ر) يقرؤها الأمي والقارئ). فحين يقول هذا الرجل الصالح هذا الكلام يقوم الدجال فيشقه ويمشي بين نصفيه، فيقول: أرأيتم لو أحييته تؤمنون بي؟ فيقولون: نعم. فينادي عليه فيقوم؛ فتنة لهؤلاء، والله يعلم من يصلح للفتنة فيوقعه فيها، والله عليم حكيم، ثم يقوم الرجل بعلمه ودقة نظره فيقول: أنت الدجال، والله ما ازددت فيك إلا بصيرة فلا يسلط عليه بعد ذلك؛ لأن الله جل وعلا حباه القدرة على أن يفعل ذلك الفعل مرة واحدة ولا يكرره فإذا ضربه بالسيف وضعت حلقة على رقبته فلا يقوى عليه. وقد حذرنا النبي ﷺ منه، ونسأل الله جل وعلا ألا نعيش حتى ندركه؛ لأنه شر غائب ينتظر. ويبين النبي ﷺ بعد ذلك أن عيسى ينزل فيقتله. والعجيب أن أهل الكتاب من يهود ونصارى، وأهل الإسلام كل منهم ينتظر المسيح، أما أهل الإسلام فينتظرون مسيح الهدى عيسى ﵊، الذي ينزل فيكسر الصليب ولا يقبل من النصارى الجزية بل الإسلام أو القتل، ويقتل الخنزير. وأما اليهود فينتظرون المسيح الذي بشر به موسى، فهم اتهموا مريم وأرادوا قتل عيسى، فهم ينتظرون المسيح الذي بشر به موسى ﵊، أما النصارى فهم ينتظرون عيسى الذي هو ربهم، والعياذ بالله. المهم أن النبي ﷺ بين أن عيسى ﵊ سينزل على جناحي ملكين، وإذا بالناس قد اصطفوا للصلاة خلف المهدي، فإذا رأى المهدي عيسى ﵇ تراجع إلى الخلف حتى يصلي عيسى بالناس -فهو نبي من أولي العزم من الرسل- فيقول: عيسى، إمامكم منكم، وهذا من تكريم الله لهذه الأمة، اللهم لك الحمد والشكر. اللهم اجعلنا من خيار هذه الأمة يا رب العالمين. فيطارد عيسى ﵊ الدجال حتى يدركه عند باب لد فيقتله، وتبقى معه الفئة المؤمنة كما سنفصل بعد ذلك في أشراط الساعة.

стр. 108

عقيدة أهل السنة في السمع والطاعة لولي الأمر براً كان أو فاجراً قال: وخير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر ثم عمر ثم عثمان بن عفان، نقدم هؤلاء الثلاثة كما قدمهم أصحاب رسول الله ﷺ ولم يختلفوا في ذلك. ذكر أصحاب الشورى ثم أهل بدر، وكل ذلك شرحناه من قبل. ثم قال: ثم السمع والطاعة للأئمة وأمراء المؤمنين البر والفاجر، ومن ولي الخلافة بإجماع الناس ورضاهم. فإن المسلمين يلي أمرهم حاكمان: الحاكم الأول: من قد يلي أمر المسلمين بالمشورة أو بالاختيار. وهذا هو الذي قيل فيه: (خيار أئمتكم الذي تحبونهم ويحبونكم وتدعون لهم ويدعون لكم) ويحكمون بشرع الله والقسط. والحاكم الثاني: من غلب على أمر المسلمين بالسيف، وكل واحد منهما له السمع والطاعة بالقيد الذي بينه النبي ﷺ : (إنما الطاعة في المعروف) فالحاكم له السمع الطاعة، ولو كان كما قال النبي ﷺ : (ولو تأمر عليكم عبد حبشي أسود) أخرجه أحمد بن حنبل. ثم بين أنه لا يحل الخروج على إمام المسلمين براً كان أو فاجراً. ومسألة الخروج على الحاكم مسألة عظيمة ضل فيها كثير وزلت أقدام. والكلام فيها إجمالاً يتركز في نقاط: أولاً: هل يصح الخروج على الحاكم؟ الحاكم إما أن يكون حاكماً عادلاً مؤمناً تقياً ورعاً يحكم بين الناس بما أراه الله جل وعلا -أي: بشرع الله جل وعلا- فهو يقسط بينهم ويعدل بينهم، فهذا من خرج عليه يقتل؛ لأنه قد شق عصا الطاعة، فمن خرج على إمام عادل حكمه أنه يقتل لأنه شق عصا الطاعة. وإما أن يكون الحاكم ظالماً فاسقاً فهذا الحاكم أيضاً له السمع والطاعة، ومن خرج عليه فقد أتى ببدعة؛ لأن هذا ليس من اعتقاد أهل السنة والجماعة بل وزره أشد ما يكون؛ لأنه سيعيث في الأرض فساداً، لأن التأليب على الحاكم وعلى ولاة الأمور يجعل الفساد يستشري بين الناس، فالحاكم الظالم الفاسق لا يخرج عليه، لكن هذا الحاكم له أحوال ثلاثة: الحال الأول: أن يكون هذا الحاكم الظالم الفاسق ليس له شوكة وليس له منعة، وعندنا أهل الحل والعقد عندهم شوكة ومنعه فهؤلاء وجب عليهم أن يعزلوه وينصبوا مكانه الإمام العادل. الحال الثاني: أن يكون هذا الظالم الفاسق الإمام له شوكة ومنعة، لكن أهل الحل والعقد والمسلمون لهم شوكة ومنعة أقوى، ففئتهم أقوى من فئته. الحالة الثالثة: أن يكون الإمام الظالم معه شوكة ومنعة أقوى من شوكة المسلمين. فالصحيح أن الحاكم الظالم الفاسق أهل الحل والعقد هم الذين لهم حق التصرف معه فإن كان بإمكانهم عزله، والإتيان بالعادل مكانه فعلوا، وإلا لا يخرج عليه بحال من الأحوال، حتى وإن كان مع آحاد المسلمين شوكة ومنعة أكثر منه فلا يصح الخروج عليه، وهذا منهج أهل السنة والجماعة. أما الحاكم الثالث فهو الكافر، والكافر لا يولى على المسلمين، والإسلام يعلو ولا يعلى عليه، قال الله تعالى: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ [النساء:١٤١]. لكن لو كان الحاكم مسلماً ثم فسق وظلم، بل وكفر وخرج من الملة فهذا له أحوال: الحال الأول: أن يكون ليس له شوكة ومنعة، فهذا أهل الحل والعقد يعزلونه ثم يستتيبونه فإن تاب وإلا قتل ردة. الحال الثاني: أن يكون له شوكة ومنعة، لكن المؤمنين والمسلمين عندهم شوكة ومنعة أقوى منه، فهذا وجب عليهم أن يخرجوا عليه ويقاتلوه حتى ينحوه ثم يستتيبونه فإن تاب وإلا قتل ردة. الحال الثالث: أن يكون له شوكة ومنعة وفي المسلمين ضعف فهذا لا يجوز الخروج عليه مع أنه كافر، والكافر لا يعلو على المسلم، لكن تغليباً لدفع المفسدة عن جلب المصلحة، وهذا الكلام دقيق جداً، فهذا الحاكم ارتد وردته ظاهرة عندنا من الله فيها برهان، كما قال النبي ﷺ : (لا تنابذوهم إلا أن تروا كفراً بواحاً) فأنت رأيت الكفر البواح ورأيت الردة، كقول القائل من بعض الحكام: إن قطع يد السارق تخلف ورجعية. فهذا كفر وارتد أمامك، لكن مع ذلك لا تخرج عليه تغليباً لدرء المفسدة العظمى، وهي استئصال شأفة المسلمين. وجاء عن الشافعي أنه قال: لو كان في المسلمين ضعف لهم أن يدفعوا الجزية للنصارى وللكفار دفعاً للمفسدة العظمى التي تأتي على المسلمين باستئصال شأفتهم، فالصحيح الراجح: أنه إن لم يكن في المسلمين قوة، وارتد الحاكم بكفر بواح لنا فيه من الله برهان فلا يجوز الخروج عليه تغليباً لدرء المفسدة.

стр. 109

وجوب إقامة الحدود ثم ذكر إقامة الحدود وأنه فرض فرضه الله جل وعلا على عباده لا بد من إقامتها، والكلام في هذه المسألة من أجل بيان اعتقاد أهل السنة والجماعة سيكون في مسألتين: المسألة الأولى: هل إقامة الحد يكون لآحاد الأمة؟ فنقول: إقامة الحدود لولي الأمر، وهناك أدلة عامة على إقامة الحدود منها: قول الله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا﴾ [النور:٢]. وقوله جل وعلا: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة:٣٨]. فهذه أدلة عامة، ولكن جاءت أدلة خصصت هذه الأدلة العامة كقول النبي ﷺ : (تعافوا الحدود فيما بينكم، فمن أظهر لنا صفحته أقمنا عليه الحد). وأوضح من ذلك قصة صفوان بن أمية لما سرق رجل شملته، فأخذه إلى النبي ﷺ ، فأمر النبي ﷺ أن تقطع يده فقال: يا رسول الله، إني قد سامحت، فقال النبي ﷺ : (هلا كان ذلك قبل أن تأتيني به؟!). فهذه دلالة على أن إقامة الحدود ليست لأي أحد؛ لأنه كان يمكن للصحابي أن يقيم الحد على السارق؛ لكنه ذهب به إلى إمام المسلمين وولي الأمر وهو النبي ﷺ ، وبعدما أراد النبي ﷺ أن يقطع يده قال: سامحته يا رسول الله، فقال: (هلا كان ذلك قبل)، ولذلك النبي ﷺ قال: (من ألم بذنب فليستتر بستر الله جل وعلا، فمن أظهر لنا صفحته أقمنا عليه الحد). فهذه دلالة على أن ولي الأمر هو الذي يقيم الحد، ويمكن له أن يوكل غيره كما قال النبي ﷺ كما في الصحيحين: (اغد يا أنيس إلى امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها) يعني: إن اعترفت بالزنا فارجمها. المسألة الثانية: إذا أسقط الولي الحدود فلم يقم أي حد، فهل لآحاد الأمة أن يقيموا هذه الحدود؟ هذه المسألة فيها تفصيل: فأقول: الأصل أنه لو أسقط الولي الحدود فإن لآحاد الأمة أن يقيموها؛ لأن الله جل وعلا ما فرض هذه الحدود إلا لتطبق على أرض البسيطة، قال النبي ﷺ : (من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه) إلى آخر الأدلة، لكن هذا الأمر يقيد بقيود أشد ما تكون غلظة، فإن آحاد الأمة إذا أقاموا هذه الحدود فربما حصل بذلك تأليب للناس على ولي الأمر، فيترتب على ذلك مفسدة أعظم كأن يقوم الوالي بأخذ من أقام الحد وأخذ غيره معه بغية إثبات قوة يده وسلطانه، فالمسألة مقيدة بالمصلحة والمفسدة، فإن كان الرجل يعلم أنه لو وصل الوالي أنه أقام الحد فإن الوالي لن يعاقبه أو يعاقب بعده من معه، ولن ينزل على الأمة بأسرها هدماً وقتلاً وسجناً، فهذا مأمور بأن يقيم الحد. فضابط المصلحة والمفسدة هو الذي يضبط لنا إمكانية إقامة آحاد الأمة للحدود. لكن في واقعنا المعاصر هل يمكن للإنسان أن يقيس مصلحة ومفسدة، الصحيح: أن المفسدة أعظم ما تكون، فالراجح أنه ليس لآحاد الأمة في هذا الواقع المعاصر أن يقيم الحدود، فنحن قررنا مسألة نظرية علمية، لكن الآن ليس لآحاد الأمة أن يقيم الحدود التي عطلها الوالي. لكن لو جيء برجل زنى وأقيم أمام الوالي، وجاء رجل وأخذ السوط وجلده، فلما ضربه السوط الأول سكت الوالي، ثم الثاني وإلى الثمانين وفي كل هذا يسكت الوالي، فهذا يدل على رضاه وإقراره.

стр. 110

بيان النفاق المخرج من الملة نختم هنا بقول الإمام: والنفاق هو الكفر: أن يكفر بالله، ويعبد غيره. النفاق نفاقان: نفاق أكبر ونفاق أصغر، والنفاق معناه في اللغة: الطريق في الأرض، والنفاق الأكبر هو النفاق الاعتقادي؛ أن يظهر الإسلام ويضمر الكفر، والعياذ بالله، قال الله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ * يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ [البقرة:٨ - ٩]. أما النفاق الأصغر فهو النفاق العملي؛ وجاءت صفاته في حديث النبي ﷺ : (إذا حدث كذب، وإذا اؤتمن خان، وإذا وعد أخلف، وإذا عاهد غدر) وفي الرواية الأخرى: (وإذا خاصم فجر). وهنا مسألة في النفاق العملي: هل النفاق العملي يخرج من الملة أم لا يخرج، والنبي ﷺ يقول: (ثلاث من كن فيه كان منافقاً خالصاً)؟ فأقول إجابة على هذا الإشكال: المسألة فيها تفصيل فقول النبي ﷺ : (كان منافقاً خالصاً) أشكل على العلماء؛ لأن الله جل وعلا قال: ﴿وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ﴾ [التوبة:٥٤] فالتصريح هنا أنهم كفار، أما النبي ﷺ فلم يصرح، لكن قال: كان منافقاً خالصاً فهل يلحق بالكفار أم يكون من أهل الكبائر؟ للعلماء تأويلات كثيرة جداً: الأول: كان منافقاً خالصاً، يعني: كافراً، لكن باستحلال هذه الأمور، أي: باستحلال الكذب، والغدر وغيرها من هذه الصفات، فنقول لهم: هو يكفر إن كانت فيه هذه الصفات، أو لم تكن فيه هذه الصفات؛ لأن الاستحلال كفر، كما أن من جحد وجوب الصلاة فهو كافر وإن صلى. التأويل الثاني: كان منافقاً خالصاً، يعني: شبيهاً بالمنافقين وليس بمنافق، يعني: شابه صفاتهم كما قالوا: إن هذا يفعل فعلة الكفار، فصفته كصفة الكفار. التأويل الثالث: قالوا: إنه بريد الكفر، وهذا هو أعدل الأقوال، فالإنسان لو تشبع وتضلع بهذه الصفات واستمر عليها فهي بوابة إلى النفاق الأكبر؛ فهو حين يكذب يكون قد نزعت منه صفة الإيمان، لكن يبقى في دائرة الإسلام، فإذا اعتاد الكذب يخرج من دائرة الإسلام، وقد سئل النبي ﷺ : (أيكون المؤمن جباناً؟ قال: نعم. فقيل: أيكون المؤمن بخيلاً؟ قال: نعم. فقيل: أيكون كذاباً؟ قال: لا) فالكذب والغدر والخيانة ليست من صفات المؤمنين، فمن اعتاد عليها، وثبت عليها، فهذا منذر بخروجه من الملة والعياذ بالله.
следующие страницы →