Полный текст (838 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
صفة العلو
قال الله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ طه ٥]، دلت هذه الآية على صفة من أهم الصفات وهي صفة العلو لله جل وعلا، والعلو علوان: علو مطلق، وعلو مقيد.
العلو المطلق: هو علو الشأن وعلو الذات، وعلو القهر، وعلو القدر والمكانة، وهو من الصفات الذاتية التي لا تنفك عن الله.
والعلو المقيد: هو علو الاستواء على العرش، فهذا علو مقيد بالعرش، وهو صفة فعلية وليست صفة ذاتية، لأنها تتعلق بمشيئة الله جل وعلا، إن شاء استوى، وإن شاء لم يستو.
أما العلو المطلق فإن الله جل وعلا اتصف بعلو الذات، وعلو الشأن وعلو القهر، علو الشأن أي: علو المكانة، والقدر والتعظيم، هذا لم يختلف فيه أحد، قال الله تعالى: ﴿رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ﴾ [غافر:١٥] ، له الكمال المطلق، والجلال المطلق، والعظمة المطلقة، وقد أنكر على أهل الكفر والإلحاد أنهم ما عظموه حق عظمته، ولا قدروه حق قدره، قال الله تعالى: ﴿مَا لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا﴾ [نوح:١٣]، أي: تعظيماً وإجلالاً، وقال جل وعلا: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ [الأنعام:٩١].
أما العلو الثاني من أنواع العلو المطلق فهو علو القهر وعلو الربوبية، وهذا أيضاً لم يختلف فيه أحد، فالله جل وعلا قهر عباده، وكل العباد تحت أمره، لا راد لأمره ولا لقضائه، قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [النحل:٤٠]، وقال سبحانه: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ [مريم:٩٣] تحت قهر الله جل وعلا، وقال الله تعالى: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ [الأنعام:١٨] فهذا علو القهر أيضاً لم يختلف فيه أحد.
أما علو الذات فحدث فيه الخلاف، ومعناه: أن الله عال بذاته على خلقه، وقد دل على ذلك أكثر من دليل من الكتاب والسنة وإجماع الصحابة، كما دل على ذلك العقل والفطرة.
أما الدليل من الكتاب فقول الله تعالى: ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ [سبأ:٢٣]، وقال: ﴿الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ﴾ [الرعد:٩]، والقاعدة أن كل اسم من أسماء الله الحسنى يتضمن صفة من صفات الكمال، فاسم الله العلي اسم من أسماء الله الحسنى يتضمن صفة العلو، فهذه أول دلالة من دلالات أسماء الله في القرآن تثبت علو الله جل وعلا.
الدلالة الثانية التي تدل على العلو: الدلالة المقيدة العلو على العرش، قال الله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ طه ٥].
وقال جل وعلا: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف:٥٤].
وقال سبحانه: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف:٥٤] والاستواء يأتي في اللغة بمعاني فيتعدى بنفسه ويتعدى بإلى ويتعدى بعلى، ولكل معنى سنبينه عند شرح الآية.
أيضاً: من الدلالات على علو الله : دلالة الفوقية، وتكون من لفظ العلو، قال الله تعالى: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ [الأنعام:١٨] فهذه دالة على علو الله جل وعلا، وقال الله تعالى: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [النحل:٥٠] فالملائكة فوقهم العرش، وفوق العرش الله جل وعلا، فدلالة الفوقية تدل على علو الله جل وعلا.
ومن الدلالات أيضاً: التصريح بالعندية، قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ عِنْدَهُ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلا يَسْتَحْسِرُونَ﴾ [الأنبياء:١٩] العندية هنا: فوق؛ لأن الملائكة في السموات، فعندية الله جل وعلا فوق السموات.
أيضاً: من الدلالات على علو الله على خلقه: الصعود، فالصعود يكون من أسفل إلى أعلى، قال الله تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ﴾ [فاطر:١٠] من أسفل إلى أعلى، ﴿يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر:١٠] فالصعود والرفعة والعروج كل ذلك يدل على علو الله جل وعلا.
وقال الله تعالى عن عيسى: ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾ [النساء:١٥٨]، وقال جل وعلا في سورة آل عمران: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ * إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ [آل عمران:٥٤ - ٥٥] يعني: من السفول إلى العلو ورافعك من الأرض إلى السماء.
وقال جل وعلا: ﴿سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ * لِلْكَافِرينَ لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ * مِنَ اللَّهِ ذِي الْمَعَارِجِ﴾ [المعارج:١ - ٣] ثم فصل المعارج، فقال: ﴿تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾ [المعارج:٤] أي: تصعد.
أيضاً: من الدلالة على علو الله: عكس الصعود، وهو النزول، لأن النزول يكون من أعلى إلى أسفل، قال الله تعالى: ﴿فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ﴾ [هود:١٤] أنزل أي: من أعلا إلى أسفل وقال الله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ * نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ﴾ [الشعراء:١٩٢ - ١٩٤]، فالتنزيل يكون من أعلى إلى أسفل.
أيضاً: من الدلالات على علو الله: (في) قال الله تعالى: ﴿أَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الأَرْضَ﴾ [الملك:١٦] ففي هنا تعني: الله جل وعلا في السماء، والسماء لا تظله ولا تقله، بل كل السموات والعرش تحته جل وعلا فلا بد من تأويل: ﴿أَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ [الملك:١٦] على ذلك، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: هذه الآية على معنيين: ﴿أَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ [الملك:١٦] أي: أأمنتم من في العلو، فالسماء هنا بمعنى: العلو، واستدل على ذلك بقول الله تعالى: ﴿وَأَنزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾ [النمل:٦٠] فالمطر ينزل من السحاب، وسماه الله سماءً من السمو وهو العلو، فالسماء هنا بمعنى: العلو، ﴿وَأَنزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾ [النمل:٦٠] أي: من المزن وهو في العلو، إذاً: فهنا قول الله تعالى: ﴿أَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ [الملك:١٦] معناه: أأمنتم من في العلو.
المعنى الثاني: أن في بمعنى على ولها مسوغ في اللغة، فهناك قرائن تدل على أن في تأتي في اللغة بمعنى على، قال الله تعالى: ﴿فَسِيرُوا فِي الأَرْضِ﴾ [آل عمران:١٣٧] أي: على الأرض، وليس معنى ذلك أن يشقوا الأرض ويسيروا في داخلها، وقال تعالى: ﴿فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا﴾ [الملك:١٥] أي: على مناكبها، وقال الله تعالى حاكياً عن فرعون: ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ طه ٧١] أي: على جذوع النخل، هذه الأدلة من الكتاب.
أما الأدلة من السنة فقد قال ابن القيم: إنها وصلت إلى خمسين حديثاً كلها تدل على علو الله جل وعلا.
стр. 177
شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة - صفة الاستواء
من عقيدة أهل السنة أن الله مستو على عرشه استواء يليق بجلاله، وقد دل على هذه الصفة القرآن والسنة وإجماع الصحابة والتابعين والعقل والفطرة، والأدلة متكاثرة جداً على إثبات هذه الصفة، وقد أوصلها بعضهم إلى أكثر من ألف دليل.
стр. 178
أدلة إثبات صفة الاستواء للرب جل وعلا
стр. 179
دلالة السنة القولية على علو الله
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
ثم أما بعد: فنستكمل سياق ما روي في قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥].
وقد ذكرنا أن علو الله جل وعلا علوان: علو مطلق وعلو مقيد.
ونأخذ الدلالات على علو الله تعالى، ثم نشرح معنى العلو المقيد، فالدلالات على علو الله جل وعلا تؤخذ من الكتاب ومن السنة، وتثبت بالعقل والفطرة وبالإجماع.
فدلالات علو الله جل وعلا من السنة وردت بالقول وبالفعل وبالتقرير، سواء بالصعود الذي يدل على الارتقاء إلى أعلى، أو بالنزول الذي يدل على الهبوط من أعلى إلى أسفل، أو بالإشارة، أو بالإقرار على أن الله فوق السماء، ففي الصحيحين عن النبي ﷺ في حديث المعراج الطويل المشهور أنه عرج به إلى السماء السابعة حتى وصل إلى سدرة المنتهى، ففرض الله عليه خمسين صلاة، فرجع فنزل فكلمه موسى وقال: أمتك لا تقدر على ذلك.
ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف، فرجع النبي ﷺ من عند موسى ﵇ إلى الله .
وهذا الارتقاء فيه دلالة على العلو، فإنه كان يرتقي إلى أعلى، إلى سدرة المنتهى، فيراجع ربه جل وعلا، حتى استحيا من ربه، ثم نزل وبلغ أمته أن الخمسين صلاة خففت إلى خمس صلوات بأجر الخمسين صلاة.
وفي الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال: (إن لله ملائكة سياحين في الأرض يلتمسون حلق الذكر، فيحفون الذين يطلبون العلم والذكر ثم يعرجون إلى الله جل وعلا).
يعني: يصعدون إلى أعلى، وهذا فيه دليل على علو الله جل وعلا، (فيسألهم وهو أعلم بهم: كيف تركتم عبادي؟ فيقولون: يسبحونك ويحمدونك ويكبرونك ويهللونك) إلى آخر الحديث.
وفي الصحيح عن النبي ﷺ قال: (يتعاقبون فيكم ملائكة في الليل وملائكة في النهار، فيجتمعون في الفجر والعصر ثم يعرج الذين باتوا فيكم)، فالعروج من أسفل إلى أعلى، فهذه دلالة على أنهم يعرجون إلى الله جل وعلا، فالله في العلو فوق السماء.
وهناك نوع آخر من أنواع الدلالة وهو: النزول، والنزول لا يكون إلا من علو.
قال النبي ﷺ كما في الحديث الصحيح: (ينزل ربنا -نزولاً يليق بجلاله جل وعلا- إلى السماء الدنيا ثلث الليل الآخر فيقول: هل من داع فأستجيب له؟ هل من سائل فأعطيه؟ هل من مستغفر فأغفر له).
ومن الأدلة في السنة على العلو: قول النبي ﷺ في الصحيحين عندما جاءه الخارجي وقال: اعدل يا محمد! فقال النبي ﷺ : (ألا تأمنوني وأنا أمين من في السماء؟) أي: من على السماء.
وفي السنن عن النبي ﷺ قال: (ما تصدق أحد بعدل تمرة من كسب طيب، ولا يصعد إلى الله إلا الطيب).
стр. 180
دلالة السنة الفعلية على علو الله
النبي ﷺ أشار إلى العلو مما يدل على أن الله في العلو، ففي خطبة حجة الوداع وقف النبي ﷺ خطيباً بالأمة يرشدهم ويعلمهم أن ربا الجاهلية موضوع والدماء موضوعة إلى آخر الحديث، ثم قال: (ألا هل بلغت؟ قالوا: نعم، قال: اللهم هل بلغت؟ قالوا: نعم، فأشار بأصبعه إلى السماء ونكت بها إليهم، وقال: اللهم فاشهد، اللهم فاشهد، اللهم فاشهد)، فهذه دلالة بالفعل على علو الله جل وعلا؛ لأنه كان يشير بأصبعه إلى السماء ويقول: (اللهم فاشهد، اللهم فاشهد، اللهم فاشهد) وهذا فيه رد على الأشاعرة الذين يقولون: لا يجوز لأحد أن يشير بأصبعه إلى السماء!
стр. 181
دلالة السنة التقريرية على علو الله
في صحيح مسلم عن معاوية بن الحكم السلمي ﵁ وأرضاه أنه كانت له جارية ترعى غنمه، فأخذ الذئب شاة منها، فتغيظ عليها فصكها في وجهها، ثم ذهب إلى النبي ﷺ آسفاً على ما فعل نادماً عليه، يريد أن يكفر عما فعل، فقال: يا رسول الله أعتقها؟ فقال النبي ﷺ : (ائتني بها) وهذه الجارية عمرها من ست إلى تسع، يعني: أن الفطر السليمة لا تنحرف بنفسها، إنما يؤثر عليها غيرها، كما قال النبي ﷺ : (إني خلقت عبادي حنفاء فجاءتهم الشياطين فاجتالهتهم عن دينهم) أي: غيرت فطرهم السليمة، قال ﵊: (ائتني بها، فأتى بها، فقال النبي ﷺ لها: أين الله؟ فقالت: في السماء، قال: من أنا؟ قالت: أنت رسول الله، فقال النبي ﷺ : اعتقها فإنها مؤمنة)، فوسمها بالإيمان لعلتين: العلة الأولى: اعتقادها علو الله، وإقرارها بأن الله على العرش عال فوق السماء.
والعلة الثانية: أنها أقرت برسالة النبي ﷺ ، فوسمها بالإيمان لما اعتقدت فوقية الله جل وعلا، وأقرها النبي ﷺ على ذلك، ففي هذا الحديث إقرار فوقية الله، وإثبات علو الله جل وعلا، وفيه فائدتان: الفائدة الأولى: السؤال عن الله بأين؛ لأن الأشاعرة يحرمون ذلك، وهكذا الجهمية أهل التعطيل يحرمون السؤال عن الله جل وعلا بأين، فهذا أكمل الخلق وأعبد الخلق وأعلم الخلق بالله جل وعلا رسول الله ﷺ يسأل عن الله بأين، فيقول للجارية: (أين الله؟) فلما قالت: (في السماء) أقرها على ذلك، و (في السماء) هنا بمعنى على السماء، وآمنت برسالته، فقال: (اعتقها فإنها مؤمنة).
فهذه جملة من أحاديث النبي ﷺ الدالة على العلو، وقد بلغت التواتر، فإنها تصل إلى نحو خمسين حديثاً تثبت علو الله جل وعلا.
стр. 182
دلالة الإجماع على علو الله
الدلالة الثالثة من دلالات علو الله جل وعلا الإجماع: فقد أجمعت الأمة على علو الله جل وعلا، وعلى رأس هذه الأمة صحابة رسول الله ﷺ الذين هم أعلم الخلق برسول الله وبكلام رسول الله، وبمراد الله وبمراد رسول الله؛ فقد نزل القرآن عليهم بلسانهم العربي المبين، ولا خلاف بين العلماء أن الإجماع الذي يعمل به هو إجماع الصحابة، فأجمعت الصحابة على إثبات علو الله جل وعلا، فهذا أبو بكر ﵁ دخل على النبي ﷺ وهو ميت فقبل بين عينيه وقال: (يا رسول الله طبت حياً وميتاً) ثم خرج في الناس وهم يتخبطون فهدأهم وقال: (عباد الله! من كان يعبد محمداً فإن محمداً قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله في السماء حي لا يموت).
فهذا إجماع سكوتي من الصحابة؛ فإنه قال: (فإن الله في السماء) يعتقد ذلك، والصحابة يسمعون أنه يقول: (إن الله في السماء) ويقرون كلامه.
أيضاً ورد عن عمر ﵁ وأرضاه أنه لما ذهب إلى بيت المقدس وكان على بعيره قالوا: لو ارتقيت برذوناً يعني لأجل أن الناس يهابونك ويعلمون أن لك مكانة وأنك أمير المؤمنين، فقال: عمر بن الخطاب ﵁ وأرضاه منكراً عليهم مشيراً إلى السماء: (الأمر من هاهنا لا من هاهنا) يعني: ليست المظاهر ولا المهابة ولا المكانات تحرك الناس أو تأتي بالنصر أو تأتي بالهزيمة، بل النصر من عند الله والتمكين من عند الله الذي هو في السماء، والتوفيق من الله جل وعلا الذي هو في السماء.
فهذا أيضاً رد على الأشاعرة الذين يحرمون الإشارة إلى السماء؛ فإنه أشار إلى السماء وقال: (الأمر من هاهنا وليس من هاهنا).
وفي رواية أخرى أنه مر في طرقات المدينة، فقابلته خولة بنت حكيم ﵂ وأرضاها فقالت: (إيه يا عمر! كنت في مكة تسمى عميراً، يعني: تلعب مع الأطفال فتضربهم، ثم أصبحت عمر والآن يقال لك: أمير المؤمنين، فاتق الله يا عمر! فإن من خشي الموت أمن الفوت، ومن آمن بالوعد أمن من الوعيد، اتق الله يا عمر، فقال رجل: يا امرأة! أما تعرفين من تكلمين؟! تجرأت على أمير المؤمنين.
قال: دعها فإنها خولة بنت حكيم التي سمع الله شكواها من فوق سبع سماوات) وقع هذا بمحضر من الصحابة وهم يسمعون قول عمر: (من فوق سبع سماوات) ولا منكر له منهم.
وفي البخاري عن عائشة ﵂ وأرضاها قالت: (سبحان الذي وسع سمعه الأصوات! إن المرأة كانت تشتكي لرسول الله ﷺ وأنا في ناحية البيت يخفى علي بعض حديثها، والله يقول من فوق سبع سماوات: ﴿وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا﴾ [المجادلة:١]).
فقالت: (من فوق سبع سماوات).
وكانت زينب بنت جحش ﵂ وأرضاها تقول: زوجكن آباؤكن، وزوجني الله من فوق سبع سماوات.
فهذا دليل على أن الصحابية الجليلة أم المؤمنين تعتقد أن الله فوق السماوات، وإقرار من أمهات المؤمنين على أن الله فوق السماوات.
وفي التحكيم: لما جاء سعد بن معاذ وحكمه رسول الله في بني قريظة، فقال له النبي ﷺ : (احكم فيهم، قال: نعم، فقال: تقتل رجالهم وتسبى نساؤهم، وتؤخذ أموالهم، فقال له النبي ﷺ : حكمت بما حكم به الله جل وعلا من فوق سبع سماوات)، فهذا اللفظ من النبي ﷺ على أن الله جل وعلا فوق السماوات السبع.
وعن ابن مسعود بسند فيه كلام والراجح التصحيح قال: (ما بين السماء والأرض مسيرة خمسمائة عام، وما بين السماء الأولى والسماء الثانية مسيرة خمسمائة عام إلى السابعة، وما بين السابعة والكرسي مسيرة خمسمائة عام، وما بين الكرسي والماء مسيرة خمسمائة عام، والله فوق العرش، ولا يخفى عليه منكم شيء .
فهذه جملة من أقوال الصحابة رضوان الله عليهم تثبت الإجماع على فوقية الله جل وعلا، والكلام ما زال محصوراً في العلو المطلق.
ودخل ابن عباس ﵁ وأرضاه على عائشة وهي في النفس الأخير وهي تموت ﵂ وأرضاها، فكان يفعل بسنة النبي ﷺ : (لا يموتن أحد منكم إلا وهو يحسن الظن بالله) فقال: أبشري يا أم المؤمنين! إنك حبيبة رسول الله، وزوجته في الجنة، وبرأك الله من فوق سبع سماوات، فهذا دليل على أن ابن عباس ﵁ وأرضاه يعتقد هذه العقيدة والصحابة يقرون بها.
стр. 183
دلالة العقل على علو الله
الدلالة الرابعة على علو الله جل وعلا: دلالة العقل، وأقصد بالعقل: القياس، أو محض النظر، فأقول: دلالة العقل تدل على فوقية الله، وعلى علو الله جل وعلا بمقدمات ونتائج، من المقدمات: أن السفول صفة نقص والعلو صفة كمال، والقاعدة العريضة عند كل الناس بالاتفاق: أن صفات الكمال يتصف بها الله جل وعلا، فيكون العلو صفة من صفات الله جل وعلا دل عليها العقل؛ لأن السفول صفة نقص، والله منزه عن النقص.
ومن المقدمات والنتائج أن تقول: إن الله تعالى إما في العلو، وإما في السفول، فلو قلنا: إنه في السفول كان الكون فوقه، ولا يمكن السيطرة على ما يكون فوقه، فلزم أن يكون في العلو؛ لأنه هو الذي يدبر الكون، كما قال : ﴿يُدَبِّرُ الأَمْرَ يُفَصِّلُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ﴾ [الرعد:٢]، فهذا التدبير يكون من علو.
стр. 184
دلالة الفطرة على العلو
الدلالة الخامسة والأخيرة على علو الله جل وعلا: دلالة الفطرة، فما من أحد إلا وهو مجبول مفطور على علو الله جل وعلا، ولا ترى أحداً ضاق به المقام، أو نزلت به نازلة إلا وقلبه يهفو إلى أعلى، ونظره إلى السماء، وكأن القلب يحوم حول العرش، ودائماً ترى الراقي الذي يتعبد لله جل وعلا يسمو بروحه إلى السماء.
فدلالة الفطرة تثبت علو الله جل وعلا في أكثر من نوع: فعندما تمر بالمرء ضائقة أو نازلة وأراد أن يدعو تراه يرفع يديه إلى أعلى، وهذه دلالة على أنه يدعو من في العلو، كما فعل النبي ﷺ يوم بدر عندما قال: (اللهم وعدك الذي وعدت، اللهم أنجز لي وعدك الذي وعدت، اللهم نصرك، وكان يرفع يديه حتى سقط رداؤه من على كتفيه) ولما دخل عليه الرجل، وقال: جاعت العيال وهلك الزرع ادع الله لنا أن يسقينا، رفع يديه إلى السماء، ولم ينزل حتى تحدر المطر من على لحيته.
فالشاهد: أنه رفع يديه لله جل وعلا، فهذه فطرة الإنسان تراه يرفع يديه عند الدعاء وقلبه معلق بمن في السماء.
وإذا أراد شيئاً ينظر إلى السماء مضطراً إلى ذلك، فسيد الخلق كان يحب أن يحول الله القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة، فكان يديم النظر إلى السماء، قال الله تعالى: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ﴾ [البقرة:١٤٤] فهو كان ينظر إلى أعلى؛ لأنه يعلم أن الله في العلو، فهذه دلالة الفطرة.
وقد ورد بسند مختلف فيه، والراجح -والله أعلم- التصحيح: (أن سليمان ذهب ليستسقي، فلما ذهب ليستسقي ومعه حاشيته رأى نملة رافعة قوائمها، كأنها ترفع يديها تقول: اللهم إنا خلق من خلقك، اللهم اسقنا، فقال: ارجعوا فقد كفيتم بغيركم) فهذه النملة خلق من خلق الله جل وعلا تعلم بفطرتها أن الله في السماء.
وهناك قصة طريفة جداً لـ أبي المعالي الجويني لما كان يجلس في مجلس العلم، فجلس معه الهمداني فقال: كان الله وما كان العرش -أي: أن العرش ما كان مخلوقاً، بل كان الله وحده- والآن الله على ما كان قبل وجود العرش، ويؤول العرش بالملك، ويقول: ليس بمستوٍ على عرشه، فهو ينفي العلو، فقال له الهمداني: يا أستاذ! أريد منك إجابة، ما الذي يحدث معنا ضرورة في القلب إذا قال العارف بالله: يا ألله! يتجه قلبه ضرورة إلى السماء؟! فضرب أبو المعالي على رأسه وقال: حيرني الهمداني، حيرني الهمداني؛ لأنه يجد ذلك في قلبه ولا يستطيع أن يدفعه.
فبالفطرة تعلم أن الله عال في السماء بائن من خلقه جل وعلا.
هذا هو العلو المطلق، وهو علو الذات وعلو الشأن وعلو القهر، فعلو الشأن وعلو القهر اتفقت عليه جميع الطوائف، أما علو الذات فاختلفت فيه الطوائف كما سنبين.
والعلو المقيد هو علو الله على العرش، كما قال الله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥]، والعلو المطلق صفة ذات، والعلو المقيد صفة فعل، أي: تتعلق بمشيئة الله جل وعلا؛ إن شاء استوى، وإن شاء لم يستو.
س
стр. 185
معاني الاستواء
قال الله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ الاستواء يأتي في اللغة على ثلاثة أوجه: إما أن يتعدى بنفسه أو يتعدى بإلى أو يتعدى بعلى، فإذا تعدى بنفسه يكون بمعنى اعتدل وقام، أو اعتدل قائماً، يفهم هذا من حديث النبي ﷺ : (استووا ولا تختلفوا) أي: اعتدلوا حال كونكم قائمين، ويتعدى بإلى فيكون بمعنى القصد، وهذا هو الذي يؤوله المعطلة والمعتزلة والجهمية، وتكون على بمعنى إلى فيكون معنى استوى إلى كذا أي: قصد كذا، قال الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾ [البقرة:٢٩] وليس معنى استوى إلى السماء علا وارتفع، بل المعنى: قصد السماء ليخلقها.
ويتعدى بعلى كما في قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾، وتكون على أربعة معان: علا وارتفع وصعد واستقر.
وقوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ الرحمن اسم من أسماء الله الحسنى يتضمن صفة الرحمة وهي صفة ذاتية، يعني: أزلية أبدية لا تنفك عن الله جل وعلا، والعرش هو السقف الذي أحاط بالسماء، وهو في اللغة: السرير الخاص بالملك، والله جل وعلا وصف عرش ملكة سبأ بأنه عظيم فقال: ﴿وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ﴾ [النمل:٢٣] فكيف بعرش الله جل وعلا؟ فالعرش هو السرير الخاص بالملك، وهو سرير عظيم وصفه الله بالعظمة والمجد فقال: ﴿ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ﴾ [البروج:١٥]، وقال جل وعلا: ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ﴾ [المؤمنون:١١٦] فوصفه بالكرم، وفي قوله: ﴿رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ [التوبة:١٢٩] وصفه بالعظمة، ووصفه النبي ﷺ فقال: (فرأيت موسى متعلقاً بقوائم العرش)، فدل هذا الحديث على أن للعرش قوائم، ويحمله ثمانية ملائكة، ويؤول أهل البدع العرش بالملك فيقولون: العرش معناه: الملك، فنقول لهم: هذا لفظ ظاهر قد صرفتموه عن ظاهره، فما القرينة الصارفة له عن ظاهره؟ وهل يصح أن نقول: الرحمن على الملك استوى؟! حاشا لله، فهم يقصدون بذلك أن تقول: الرحمن على الملك استولى كما سنبين تأويلاتهم الباطلة.
وأيضاً هذا التأويل تأباه النفس، وقال تعالى: ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾ [الحاقة:١٧] فهل معنى هذا يحمل ملك ربك؟! وفي الحديث: إن موسى ﵇ رآه النبي ﷺ آخذاً بقوائم العرش.
فهل معنى ذلك: أن موسى مسك وقبض على قوائم الملك بيده، لا بقوائم العرش؟! فهذا رد عليهم.
والحديث الموقوف على ابن مسعود: بين (الكرسي والعرش مسيرة خمسمائة عام) وصح أن ابن عباس قال: (الكرسي موضع القدمين)، فما بالكم بالعرش؟!
стр. 186
العرش مخلوق قبل السماوات والأرض
هل خلق الله العرش أولاً أم السماوات والأرض؟ قال الله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف:٥٤]، ففي هذه الآية الترتيب الزمني للاستواء لا للخلق؛ لأن هناك آية أخرى أثبتت أن العرش خلق قبل السماوات، قال الله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ﴾ [هود:٧] أي: وكان عرشه على الماء حين خلق السماوات والأرض، إذاً العرش مخلوق قبل الأرض.
стр. 187
ذكر بعض الأدلة على علو الله
ثم ساق المؤلف الأدلة على علو الله التي تكلم عنها سابقاً ومنها قوله تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ [فاطر:١٠]، وقوله: ﴿أَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الأَرْضَ﴾ [الملك:١٦]، وقوله: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ [الأنعام:١٨] وفي هذه الآية التصريح بالفوقية.
ثم سرد المؤلف الأحاديث من السنة، ومنها خمسة أحاديث ضعيفة، وسنأخذ بعضها ونعلق عليها تعليقات مهمة، فمن هذه الأحاديث الحديث رقم ستمائة وأربعة وخمسين، وفيه ضعف في سنده، قال رسول الله ﷺ : (من توضأ فأحسن وضوءه، ثم رفع نظره إلى السماء فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله؛ فتحت له ثمانية أبواب الجنة يدخل من أيها شاء)، الشاهد من هذا الحديث (رفع نظره إلى السماء)، والنظر من دلالة الفطرة.
والحديث ستمائة وسبعة وخمسون: عن ابن مسعود: (ارحم من في الأرض يرحمك من في السماء)، وجه الدلالة في قوله: (في السماء) التي بمعنى على السماء.
والحديث ستمائة وثمانية وخمسون قال عمر: والذي نفس عمر بيده لو أن أحدكم أشار إلى السماء بأصبعه إلى مشرك ثم نزل إليه على ذلك، ثم قتله لقتلته به.
يعني: جعلته في ذمة الله وأعطيته الأمان بإشارتك إلى السماء، كأنه يقول: الله يشهد بيني وبينك أني أعطيتك الأمان فغرر به؛ لأنه أشار إلى السماء فضمنه ذمة الله جل وعلا، فلما نزل قتله، قال عمر: أقتله به؛ لأنه غرر بالرجل، فوجه الشاهد من الأثر أنه قال: (أشار إلى السماء) أي: يعطيه ذمة الله جل وعلا الذي في السماء.
وهنا خلاف فقهي هل يقتل المسلم بالمستأمن؟ الراجح أن المسلم لا يقتل بكافر ولو كان مستأمناً أو ذمياً، والأحناف فقط يقولون: يقتل به.
وكلامهم ضعيف واستدلالاتهم أضعف، ويحمل هذا الأثر على أن عمر ﵁ وأرضاه رأى أنه يقتله بالتغرير وبالخيانة، فهو قتل تعزير لا قصاص؛ لأن في صحيح مسلم قال رسول الله ﷺ : (اغزوا باسم الله، قاتلوا من كفر بالله، ثم قال: فإن أرادوك على ذمة الله فلا تفعل وأنزلهم على ذمتك، فإنك إن تخفر ذمتك خير لك من أن تخفر ذمة الله جل وعلا)، والأثر موقوف على عمر ﵁ وأرضاه، ويقدم عليه حديث النبي ﷺ ، قال ابن عباس: أوشكت السماء أن تمطر عليكم حجارة، أقول لكم: قال رسول الله، وتقولون: قال أبو بكر وعمر؟! وقد قال رسول الله: (المسلمون تتكافأ دماؤهم، وهم يد على من سواهم) ومفهوم المخالفة لقوله: (تتكافأ دماؤهم) أن غير المسلمين لا تتكافأ دماؤهم مع المسلمين، ولا يقتل مسلم بذمي لكنه يعتبر عاصياً.
والحديث الأخير، في تفسير هذه الآية: ﴿ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ﴾ [الأعراف:١٧] قال ابن عباس: لم يستطع أن يقول: من فوقهم لأنه علم أن الله من فوقهم.
وسئل مالك عن الاستواء قال: الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، وهذا الكلام أصله لـ ربيعة الرأي شيخ مالك، وأصله موقوف على أم سلمة، وبعضهم رفعه كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية أي: أنه أثر عن النبي ﷺ مرفوعاً وموقوفاً على أم سلمة، فالاستواء في اللغة معلوم المعنى، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة.
وقد سئل الإمام مالك: ما معنى قول الله : ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥]، فقال: هو على عرشه كما أخبر، فقال السائل: يا أبا عبد الله! ليس هذا معناه إنما معناه استولى.
قال: اسكت! ما أنت وهذا؟! لا يقال: استولى على الشيء إلا أن يكون له مضاد، فإذا غلب أحدهما قيل: استولى.
وهذه صفة نقص، وكأن الله جل وعلا نازعه أحد فأخذ منه الملك، ثم استولى بعد ذلك على الملك، حاشا لله.
стр. 188
استغناء الله عن العرش
إن قيل: هل الله تعالى محتاج للعرش وحملته؟ قيل: ليس فوقيته كفوقية العباد، فالعرش ومن يحمل العرش يحتاجون إلى الله جل وعلا، والله هو الغني، والله لا يحتاج إلى العرش، بل صفة الاستواء لحكمة من عند الله جل وعلا، وهي صفة كمال تدل على أن الله إن شاء أن يفعل شيئاً فعله.
وإن قيل: هل العرش يخلو منه ؟ قيل: لا، بل العلماء قالوا: ينزل من عرشه ولا يخلو منه العرش؛ لأن الله ينزل بكيفية يعلمها الله جل وعلا، فالله ينزل نزولاً يليق بمقامه وجلاله وكماله، ولا نقول: يخلو منه العرش، ولا نعرف كيفية النزول، فالسماء لا تظله ولا تقله بحال من الأحوال.
стр. 189
شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة - الرد على أهل البدع في مسألة العلو وما يتعلق بها من مسائل
موضوع صفات الله مزلة أقدام لمن انحرف عن منهج أهل السنة والجماعة، وقد انقسمت حولها الفرق وتشعبت، ما بين غالٍ وناف ومثبت ومجسم، ومؤول ومحرف ومعطل ومشبه، وكان ذلك كله ناتجاً عن تحكيم العقول في قضايا الغيب، وعدم التسليم للنصوص، وعدم الوقوف على ما وقف عليه الصحابة الكرام ومن تبعهم بإحسان.
стр. 190
صفة العلو، والأدلة عليها
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * ﴿يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
ثم أما بعد: قال المصنف ﵀ [باب: ما روي في سياق قول الله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥]].
علو الله جل وعلا علوان: علو مطلق، وعلو مقيد، فأما العلو المطلق فهو صفة ذاتية من صفات الذات، وأما العلو المقيد فصفة فعلية.
قال الإمام اللالكائي رحمه الله تعالى: [كنا عند أبي سليمان داود بن علي قال: كنا عند ابن الأعربي فأتاه رجل فقال له: ما معنى قول الله : ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥]، فقال: هو على عرشه كما أخبر ، فقال: يا أبا عبد الله! ليس هذا معناه إنما معناه استولى -إذاً أول الاستواء بالاستيلاء-، قال: يا أبا عبد الله! ليس هذا معناه إنما معناه استولى، قال: اسكت ما أنت وهذا، لا يقال: استولى على الشيء إلا أن يكون له مضاد، فإذا غلب أحدهما قيل: استولى، ثم ذكر بيت النابغة].
إن علو الله جل وعلا على عرشه لا ينافي قربه منا، ولا ينافي علمه وإحاطته بنا، فسبحانه جل وعلا يعلم ما كان وما يكون وما لم يكن لو كان كيف سيكون، لا تواري عنه سماء سماء ولا أرض أرضاً، ولا بحر ما في قعره ولا جبل ما في وعره، فإن الله جل وعلا يرى دبيب النملة السوداء على الصخرة الصماء في الليلة الظلماء ! وهو علي في قربه، قريب في علوه فقد أثبت الله جل وعلا أنه عال على العرش، والعرش فوق السماء، وأثبت أيضاً قربه من العباد، فقد قال جل وعلا: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة:١٨٦]، فقربه هنا قرب سمع وإجابة وإحاطة، وقال النبي ﷺ : (أربعوا على أنفسكم! إنكم لا تدعون أصم ولا غائباً، وإنما تدعون سميعاً بصيراً).
أي: قريب منكم، يسمع دعاءكم فيستجيب لكم .
وفي الحديث الصحيح أنه ﷺ قال: (هو الأول فليس قبله شيء، وهو الآخر فليس بعده شيء، وهو الظاهر فليس فوقه شيء، وهو الباطن فليس دونه شيء).
الباطن الذي يعلم بواطن الأمور، فالله جل وعلا قريب من العباد، يعلم ما هم عليه، ويعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، ويثبت ذلك جلياً قول ابن مسعود ﵁ وأرضاه موقوفاً عليه: (ما بين كل سماء وأخرى خمسمائة عام، وما بين السماء الأخيرة إلى الكرسي خمسمائة عام، وما بين الكرسي والعرش مسيرة خمسمائة عام، والله فوق ذلك، -يعني: فوق العرش- ويعلم ما أنتم عليه).
стр. 191
ثمرات الإيمان بصفة العلو
الفائدة من تعلم واستيقان علو الله جل وعلا هي: أن العبد إذا علم أن الله علي بذاته، علي شأنه، قدير جليل عظيم فإنه كلما أخطأ في حقه استحيا منه، ولم يأت بما أتى به المشركون، كما قال تعالى: ﴿مَا لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا﴾ [نوح:١٣].
وإذا علم العبد شأن الله الجليل العظيم فإنه سيوقره أحسن التوقير، وسيبجله أعظم التبجيل والتعظيم .
وأيضاً إذا علم العبد واستقر في قلبه ونفسه علو الله جل وعلا فإنه تعلو همته ويحب كل علو، سواء كان علو همة أو علو عبادة أو علو مكانة، فيرتقي بذلك تعبداً لآثار هذه الصفة، وهي صفة العلو لله جل وعلا، وكذلك إذا علم العبد أن الله علي عال على عباده بقهره وقوته فإنه لن يخاف إلا من الله جل وعلا، ولن يرتجف قلبه إلا من الله جل وعلا، ولن يذل إلا لله جل وعلا، ولن يتوكل إلا على الله، ولو اجتمعت جيوش الكفر كلها على أهل الإسلام فلا يعبأ بهم؛ لأنه يعلم أن الله فوقهم قاهر، وأن الله جل وعلا عال بذاته، قاهر لكل عبد من عباده، بربوبيته جل وعلا، وإذا أراد أن يجعل هذه الدنيا عاليها سافلها جعلها كذلك فلا يخاف إلا من الله، حتى لو أرجف المرجفون وقالوا: جمعوا وجيشوا الجيوش عليكم، فتسمو أرواحهم وتحوم قلوبهم حول عرش الرحمن؛ لأنهم يعلمون أنه القاهر القادر الرب الذي إذا أراد شيئاً قال له: كن فيكون، نسأل الله جل وعلا أن يجعلنا نستيقن بعلو الله جل وعلا، ونتعبد له بأثر هذه الصفة، التي إذا تعبدنا له بها استحيينا منه، فلا نبادره بالمعاصي، وإن وقعنا استغفرنا، ورددنا قول النبي ﷺ : (اللهم إن تغفر تغفر جماً)، أي: ذنباً جماً (وأي عبد لك ما ألما) فالله جل وعلا غفور رحيم، وعلو قهره يجعلك تستغفره مستحيياً منه خائفاً منه جل وعلا.
стр. 192
إنكار أهل البدع لصفة العلو
أهل البدع أولوا في هذه الصفة، قال اللالكائي: أولوا (استوى) باستولى، وهناك فرقتان من أهل البدع أولوا هذه الصفة.
الفرقة الأولى: الجهمية المعطلة، وهؤلاء هم نفاة الصفات.
فينفون الاسم والصفة.
وقد انتحلوا مذهب الحلولية، فنفوا أن يكون الله جل وعلا على عرشه، وقالوا: هو في كل مكان.
أي: معي ومعك ومع الآخر، ومع هذا في بيته، ومع الآخر في متجره، وهنا في هذه البلدة مع الناس، ومعهم في فلسطين، ومعهم في مصر، ومعهم في أي ناحية من هذه الأمصار.
وقالوا: إن الله جل وعلا في كل مكان.
وقالوا: عندنا في ذلك الأدلة القوية التي تثبت هذا.
قالوا: وهذه الأدلة: أولاً من الكتاب: قال الله تعالى: ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَوَاتِ وَفِي الأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ﴾ [الأنعام:٣].
وقال الله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الأَرْضِ إِلَهٌ﴾ [الزخرف:٨٤]، واستدلوا أيضاً بقول الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ [الحديد:٤].
واستدلوا أيضاً بقول الله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة:١٨٦].
وأما من السنة فقالوا: جاء في الحديث القدسي قال النبي ﷺ : قال الله تعالى: (من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب)، ثم قال في الحديث: (وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه، وما زال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها)، قالوا: فهذه دلالة على أن الله جل وعلا معه بسمعه وبصره ويده التي يبطش بها، فأولوا هذا الحديث على الحلول والعياذ بالله، هؤلاء هم الجهمية المعطلة الذين نفوا علو الله على العرش، وقالوا: إن الله جل وعلا في كل مكان.
وقبل أن نرد عليهم نقعد قواعد مهمة جداً لطلبة العلم، نسير على هذه القواعد لنصد أي بدعة وأي تحريف أو تأويل.
стр. 193
قواعد مهمة في باب الأسماء والصفات
أهل البدع أولوا في هذه الصفة، قال اللالكائي: أولوا (استوى) باستولى، وهناك فرقتان من أهل البدع أولوا هذه الصفة.
الفرقة الأولى: الجهمية المعطلة، وهؤلاء هم نفاة الصفات.
فينفون الاسم والصفة.
وقد انتحلوا مذهب الحلولية، فنفوا أن يكون الله جل وعلا على عرشه، وقالوا: هو في كل مكان.
أي: معي ومعك ومع الآخر، ومع هذا في بيته، ومع الآخر في متجره، وهنا في هذه البلدة مع الناس، ومعهم في فلسطين، ومعهم في مصر، ومعهم في أي ناحية من هذه الأمصار.
وقالوا: إن الله جل وعلا في كل مكان.
وقالوا: عندنا في ذلك الأدلة القوية التي تثبت هذا.
قالوا: وهذه الأدلة: أولاً من الكتاب: قال الله تعالى: ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَوَاتِ وَفِي الأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ﴾ [الأنعام:٣].
وقال الله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الأَرْضِ إِلَهٌ﴾ [الزخرف:٨٤]، واستدلوا أيضاً بقول الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ [الحديد:٤].
واستدلوا أيضاً بقول الله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة:١٨٦].
وأما من السنة فقالوا: جاء في الحديث القدسي قال النبي ﷺ : قال الله تعالى: (من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب)، ثم قال في الحديث: (وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه، وما زال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها)، قالوا: فهذه دلالة على أن الله جل وعلا معه بسمعه وبصره ويده التي يبطش بها، فأولوا هذا الحديث على الحلول والعياذ بالله، هؤلاء هم الجهمية المعطلة الذين نفوا علو الله على العرش، وقالوا: إن الله جل وعلا في كل مكان.
وقبل أن نرد عليهم نقعد قواعد مهمة جداً لطلبة العلم، نسير على هذه القواعد لنصد أي بدعة وأي تحريف أو تأويل.
стр. 194
معنى التأويل
القاعدة الأولى: التأويل قسمان: قسم مقبول، وقسم باطل مردود.
والقسم المقبول: له تعريفان، أولاً: تعريفه في اللغة: التأويل: هو حقيقة الشيء.
وثانياً: في الاصطلاح: له معان عدة:
стр. 195
من معاني التأويل الحقيقة التي يئول إليها
المعنى الأول: هو ما يئول إليه الشيء يعني: حقيقة الشيء.
فتحقق هذا الأمر بمعنى الحقيقة التي يدل عليها، أو يئول إليها، كما في قوله تعالى في سورة الأعراف: ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ فَهَلْ لَنَا مِنْ شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوا لَنَا﴾ [الأعراف:٥٣] ففي عرصات يوم القيامة يئول لهم حقيقة ما أخبركم به النبي ﷺ أنكم ستقفون عند الله جل وعلا ليس بينكم وبين الله ترجمان، فيسألكم عما فعلتم، وفي مالكم كيف أنفقتموه، وكل لحظاتكم وسكناتكم وحركاتكم ستسألون عنها، فترون النار عين اليقين، وكذلك الجنة عين اليقين.
فهذا هو المعنى الأول للتأويل، وهو: حقيقة الأمر الذي يئول إليه، قال تعالى: ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهَُ﴾ [الأعراف:٥٣] أي: على حقيقته التي سردها النبي ﷺ عليهم.
стр. 196
من معاني التأويل التفكير
المعنى الثاني للتأويل بمعنى: التفكير؛ أي: فهم الدلالة من النص والعمل به.
كما قال ابن عباس في تفسير هذه الآية الكريمة في سورة آل عمران: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ﴾ [آل عمران:٧].
قال ابن عباس: لك أن تصل ولا تقف.
فتقول: لا يعلمه إلا الله والراسخون، يعني الراسخون أيضاً يعلمون هذا التأويل.
بمعنى: أن الراسخين يعلمون تفسير ذلك.
فالله يعلم المعنى والدلالة، وأيضاً العلماء يعلمون الدلالة، وتفسير هذه الآية كما في الحديث الذي في مسلم عن جابر وفيه (والنبي ﷺ بين أظهرنا وعليه ينزل القرآن وهو يعلم تأويله، فيعمل به ونعمل بما عمل به) يعني: يعلم الدلالة من الآيات إن كان أمراً أو نهياً، فنحن نتعلم ذلك منه ونعمل به.
стр. 197
التأويل عند الأصوليين
المعنى الثالث عند أهل السنة والجماعة من معاني التأويل، وهو المعروف عند الأصوليين: صرف اللفظ عن ظاهره بقرينة تثبت هذا الصرف.
يعني: صرف اللفظ من الراجح إلى المرجوح بقرينة أو بدليل يثبت أن المراد من هذه الآية أو من هذا الحديث هذا اللفظ المرجوح.
كأن نقول: نهى النبي ﷺ عن الشرب قائماً.
فظاهر النهي التحريم، وهذا الأصل.
فإذا جاءت قرينة فصرفت النهي من التحريم إلى الكراهة سمي هذا تأويلاً.
أي: تأويل من ظاهر النص الراجح إلى المرجوح.
وهذا التأويل لا بد أن يكون له مسوغ في اللغة، وله قرينة من الشرع.
فإذاً التفسير الثالث للتأويل هو: صرف اللفظ عن ظاهره الراجح إلى المرجوح بقرينة، يعني: من الحقيقة إلى المجاز مثل قول الله تعالى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ﴾ [القلم:٤٢]، فالساق هنا لم تضف إلى الله، فلا تستطيع أن تقول: إن الساق المراد بها هنا: ساق الله جل وعلا.
إلا أن تأتي قرينة تثبت أن الساق ساق الله جل وعلا.
وقد ورد عن ابن عباس أثر في ذلك وفيه ضعف.
والغرض المقصود من ذلك أنه قال: ((يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ))، يعني: هل من الموقف على الصراط أو من موقف يوم القيامة؟ وفي اللغة مسوغ لذلك، فإنهم يقولون: اشتدت ساق الحرب، يعني: حمي الوطيس وهول الحرب، فهذا المسوغ قد أصبح ظاهراً.
إذاً: فهذا له مسوغ من اللغة.
والصحيح: أن الساق المذكورة هنا هي: ساق الله جل وعلا؛ لحديث النبي ﷺ في ذلك، والغرض المقصود: أنه من الممكن أن يئول اللفظ الظاهر بالقرينة، يعني: من الحقيقة إلى المجاز.
هذا القسم الأول، وهو التأويل الصحيح.
стр. 198
التأويل الباطل
التأويل الباطل المردود هو: تأويل اللفظ الظاهر عن ظاهره بدون مسوغ لا بقرينة من اللغة ولا من الشرع ولا من العرف.
فهذا التأويل باطل ومردود.
مثال ذلك قول النبي ﷺ : (حتى يضع الله)، أو (حتى يضع رب العزة رجله في النار فتقول: قط قط!).
فقد أول أهل البدعة والضلالة الرجل بالطائفة من الناس، فقالوا: الرجل معناها الطائفة من الناس، يعني: حتى يضع الله طائفة من الناس في النار فتقول: قط قط، فهذا باطل ومردود؛ لأنه لم يرد عن أهل اللغة وأهل العربية الأقحاح أن: الرجل معناها الطائفة من الناس.
فهذا تأويل باطل مردود.
وكذلك تأويل أهل البدع لاستوى بمعنى: استولى، فإنه لا مسوغ له في اللغة، حتى بيت الشعر الذي احتجوا به فيه مقال، وهو شعر لرجل نصراني وليس بعربي، فهذا التأويل تأويل باطل.
إذاً: التأويل منه ما هو مقبول، وهو: التأويل الصحيح، ومنه ما هو باطل مردود، يرد على صاحبه.
فلا بد من النظر في تأويلات القوم هل هي تأويلات باطلة مردودة أم هي تأويلات مقبولة لهم فيها مسوغات؟
стр. 199
كلام الله لا اختلاف فيه ولا تناقض
القاعدة الثانية: كلام الله جل وعلا لا اختلاف فيه، قال الله جل وعلا: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾ [النساء:٨٢]، فكلام الله لا اختلاف فيه ولا تناقض، فإذا أثبت الله شيئين فهما ثابتان لإثبات الله لهما، وإذا نفى شيئين فهما منفيان لنفي الله لهما، وإذا كان العقل لا يقبلها فنقول له: قف عندها، واجعل عقلك خلف ظهرك، لأن الله سيعلم ذلك لبعض أناس فيعلمونك الذي لم يقبله عقلك.
وهذه القاعدة مهمة جداً في الرد على أهل البدع.
стр. 200
الرد على الجهمية المعطلة أهل الحلول
نرجع إلى أهل البدع وهم الطائفة الأولى الذين أولوا الاستواء وقالوا: إن الله جل وعلا في كل مكان، وعطلوا العلو وقالوا: إن الله جل وعلا في كل مكان، معي ومعك، ففي أي مكان كنت فالله معك، واستدلوا بهذه الآية العظيمة وهي قول الله تعالى: ((وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ)).
ونقول في الرد عليهم: أولاً: خالفتم ظاهر القرآن؛ لأن المعية لا تستوجب المخالطة، وخالفتم رسول الله ﷺ ؛ لأنه لم يفسر ذلك كما فسرتموه، وخالفتم إجماع الصحابة؛ لأن الصحابة أجمعوا على أن المعية هي معية العلم والإحاطة، هذا الرد إجمالاً.
стр. 201
معنى المعية
أما الرد بالتفصيل فنقول: إن المعية معيتان، وموجب المعية في اللغة على قسمين: القسم الأول: معية تستلزم المخالطة والمماسة، كأن تقول: الشاي مع الحليب، فهذه تستلزم الحلول والمخالطة.
أو تقول: الملح مع الماء، فهذه أيضاً تستلزم المخالطة.
القسم الثاني: لا تستلزم المخالطة، بل هي بمعنى: مطلق المصاحبة.
كما تقول العرب: سرت والقمر، يعني: سرت مع القمر، ولا قائل بأن القمر نزل من عليائه فوضع يده في يد الرجل الذي كان معه فتسامرا في الليل، وإنما سار معه القمر وهو في عليائه، فهذه معية بمعنى مطلق المصاحبة، أو تقول: سرت والنيل، فالواو هنا واو المعية، يعني: سرت مع النيل، ولم يخرج النيل من مجراه يسير مع الرجل.
وإنما هذه المعية بمعنى: مطلق المصاحبة.
إذاً: معية الله جل وعلا في هذه الآية: ((وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ)) تحتمل أن تكون المعية التي تستلزم المخالطة والمماسة؛ لأن لها مسوغاً في اللغة أو أنها تكون بمعنى مطلق المصاحبة، دون استلزام المخالطة، والذي يرجح لنا أحد الاحتمالين هي: القرائن المثبتة، والقرائن هنا: أولاً: القاعدة المعروفة التي تكلمنا عنها آنفاً، وهي: أن القرآن لا اختلاف فيه.
وقد أثبت القرآن بأن الله في عليائه، فقال: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥].
وأثبت أنه في السماء، فقال: ﴿أَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ [الملك:١٦] أي: من على السماء.
وقال النبي ﷺ : (ألا تأمنوني وأنا أمين من في السماء؟!).
وقال ﷺ للجارية: (أين الله؟ قالت: في السماء).
فهذه الأدلة أثبتت فوقية الله جل وعلا، وعلوه على عرشه، ثبوتاً راسخاً ودلالة قطعية متواترة.
وقد تواترت الأدلة من القرآن والحديث وأجمع الصحابة على علو الله، وأن الله فوق العرش.
إذاً: هذه المعية حق؛ لأن الله أثبتها كما أثبت علوه على عرشه، وأثبت أيضاً معيته لعباده، فقال: ((وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ)).
إذاً: فقد أثبت القرآن أن الله فوق العرش وليس في الأرض.
وأنه في السماء جل وعلا، وهم يقولون: في كل مكان، في السماء وفي الأرض، وفي البحر وفي الجبال، وفي كل مكان.
فنقول لهم: أخطأتم، فقد أثبت الله في كتابه العزيز أنه في السماء، وتردد الاحتمال بين معية المخالطة ومعية مطلق المصاحبة لا أثر له؛ لأنه ثبت بالأدلة أن الله فوق السماء.
إذاً: المعية هنا معية مطلق المصاحبة.
стр. 202
المعية معيتان
إن معية الله جل وعلا معيتان: معية عامة، وهي معية الإحاطة والعلم والإحصاء، ويدل على ذلك قول الله جل وعلا في هذه الآية في سورة الحديد: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ﴾ [الحديد:٤] أي: بعلمه.
﴿أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ [الحديد:٤].
فبدأ بالعلم، ولا بد أن تكون النتيجة مرتبطة بالمقدمة.
فالمقدمة كانت بالعلم، ولا بد أن تكون النتيجة بالعلم.
فمعنى قوله تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ [الحديد:٤] أي: بعلمه وإحصائه وإحاطته جل وعلا.
كما قال في الآية الأخرى: (أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ﴾ [المجادلة:٦] أي: أحصى ما هم عليه من العمل.
وقال الله تعالى في نفس هذه الآية، وهذه أوضح آية: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَوَاتِ﴾ [المجادلة:٧]، فبدأها بالعلم، وختمها بالعلم.
قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ [المجادلة:٧]، ومطلق المصاحبة تستلزم علم وإحاطة، ﴿يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ [المجادلة:٧]، أي: بعلمه؛ لأنه يعلم ما في السماوات والأرض، ﴿وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ﴾ [المجادلة:٧]، أي: بعلمه، ﴿أَيْنَ مَا كَانُوا﴾ [المجادلة:٧].
وختمها بالعلم، فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [المجادلة:٧].
فابتدأها بالعلم وختمها بالعلم فدلت هذه المقدمة والنتيجة على أن المعية المذكورة في هذه الآية هي معية العلم والإحاطة.
وهذه المعية العامة يستوي فيها المؤمن والكافر.
المعية الخاصة هي معية النصرة والتأييد، ينصر الله بها عباده المؤمنين، ولا يمكن أن يصل عبد إلى هذه المعية إلا بتقوى الله والإيمان والإسلام، قال الله تعالى حاكياً عن موسى عندما قال فرعون: ﴿إِنَّ هَؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ * وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ * وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ﴾ [الشعراء:٥٤ - ٥٦].
قال تعالى: ﴿فَأَخْرَجْنَاهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ﴾ [الشعراء:٥٧].
ثم قال عن موسى ﴿فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ * قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الشعراء:٦١ - ٦٢]، فمعية المصاحبة هنا تستلزم النصرة والتأييد، ((إِنَّ مَعِيَ رَبِّي)) أي: بنصره وتأييده وإحاطته، والنبي ﷺ لما حبس في الغار مع أبي بكر ﵁ قال أبو بكر للنبي ﷺ : لو نظر أحدهم تحت قدمه لرآنا.
فقال: (يا أبا بكر! ما ظنك باثنين الله ثالثهما؟).
قال تعالى: ﴿ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة:٤٠] أي: بنصره وتأييده وكفايته جلا وعلا.
نسأل الله جل وعلا أن يمن علينا وعلى إخواننا المسلمين بهذه المعية، معية النصرة والتأييد.
إذاً: الله جل وعلا معنا، وهو فوق عرشه.
هذا الرد الأول على هذا الاستدلال الذي استدلوا به.
стр. 203
اللوازم الباطلة على القول بأن الله في كل مكان
وكما رددنا عليهم بالنص نرد عليهم بالعقل، فنقول: قولكم هذا له لوازم باطلة، ولازم الباطل باطل.
ومن هذه اللوازم الباطلة على قولهم: إن الله في كل مكان أنه يكون معنى قوله تعالى: ((وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ)) أي: وأنت في بيتك فهو معك، وفي الحمام معك، وفي البحر معك، وفي الأسواق معك، فهو معك في كل مكان! إذاً: فاللازم الباطل الأول هو قولكم في تفسيركم ((وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ)): في كل مكان، وتجعلون الله في الأماكن التي يتعالى عنها العبد الذي هو معروف نهايته، فمن باب أولى أن يتعالى عنها الرب جل وعلا.
إذاً: هذا لازم باطل، وهو أن الله في كل مكان، أي: في مكان القاذورات، وفي الحمامات، وهذا اعتقاد مزري، يعني: ما يقبله عاقل أبداً.
اللازم الثاني من اللوازم الباطلة في هذا القول: أنك إذا قلت: إن الله معي هنا ومعك في البيت ومعه في المتجر ومعه في فلسطين ومع الآخر في مصر وآخر في أميريكا وآخر في فرنسا فمعنى هذا أنه جل وعلا يتجزأ، وحاشا لله أن يكون كذلك.
اللازم الثالث من اللوازم الباطلة: اتهام النبي ﷺ بالتقصير وعدم البيان، والله جل وعلا ما أنزل عليه القرآن إلا ليبين لهم ما أنزل إليه، قال تعالى: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل:٤٤].
وإذا لم يبين النبي ﷺ أن تفسير هذه الآية ومدلول هذه الآية: ((وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ)) أنه في كل مكان، فقد قصر النبي ﷺ واتهام النبي ﷺ بالتقصير كفر؛ لأنه بلغ وقال: (هل بلغت؟! اللهم فاشهد!)، والله يقول: ﴿وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ﴾ [النور:٥٤].
فإن لم يبلغ واتهم بالتبليغ فهذا كفر والعياذ بالله، وهذا من اللوازم الباطلة.
وهذا أول رد عليهم في هذه الآية.
стр. 204
معنى قوله تعالى: (وهو الله في السماوات وفي الأرض)
فإن قالوا: عندنا دليل آخر أقوى من هذا الدليل لا تستطيعون الرد عليه، وهو قول الله تعالى: ((وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَوَاتِ وَفِي الأَرْضِ))، والواو للعطف، فيكون المعنى: هو الله في السماوات وهو الله في الأرض، وهذا يدل على أن الله جل وعلا في كل مكان! فنقول لهم أولاً: القرآن لا يتضارب، وقد أثبتنا بالدليل المتواتر أن الله فوق العرش، ويعلم ما نحن عليه، كما أجمع الصحابة والتابعون وتابعو التابعين على ذلك، فإذا قد أثبتنا بالتواتر أن الله فوق العرش فإن ظاهر هذه الآية: ((وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَوَاتِ)) تتساوى مع أن الله فوق العرش فقط، فنقر بهذه، ولكن ما نقر بالثانية، وهي: أن الله في الأرض.
يعني: هذه الآية بالتواتر أثبتت أن الله فوق السماء، يعني: على العرش فوق السماوات، أما في الأرض فلا نقر؛ لأن الآيات الثابتة ثبوت الجبال الرواسخ لا تقر هذا الكلام، وهو أن الله في الأرض، وحاشا لله أن يكون كذلك، هذا الرد إجمالاً.
أما التفصيل فنقول: أولاً: الاستدلال بهذه الآية بعيد جداً من ناحية دلالات الأسماء الحسنى والصفات العلى؛ لأن القاعدة في أسماء الله جل وعلا: أن كل اسم من أسماء الله هو اسم من الأسماء الحسنى، ومن تمام الحسن: أنه يتضمن صفة كمال، فالرد على الاستدلال بهذه الآية من الدلالات: أن قول الله تعالى: ((وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَوَاتِ وَفِي الأَرْضِ))، أن الله اسم من أسماء الله الحسنى يتضمن صفة الإلهية.
وصفة الإلهية تعني: أنه إله، يعني: تألهه القلوب وتحبه وتعبده الأبدان والقلوب.
إذاً: فقوله تعالى: ((وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَوَاتِ)) يعني: أنه المألوه المحبوب في السماوات، المعبود فيها، وهو الله في الأرض، أي: المألوه المحبوب المعبود في الأرض.
إذاً: أول رد عليهم من دلالات الأسماء، فإن اسم الله الأعظم الله يتضمن صفة الإلهية، وصفة الإلهية تعني: أنه هو الذي تألهه القلوب، يعني: تعبده القلوب وتحبه، فالله مألوه، يعني: معبود في السماوات وفي الأرض.
فإذاً: هذه الآية حق على ظاهرها، وهذا تأويل بالقرائن.
الرد الثاني: وهو من القراءات المتواترة، فهناك وقف لازم عند قوله تعالى: ((وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَوَاتِ))، فيوقف وقفاً لازماً؛ لأن الآية بعد ذلك مستأنفة، وليست معطوفة مرتبطة بالتي قبلها.
فنقرأ: ((وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَوَاتِ))، ثم نسكت، وهذا قول ابن جرير، فنقف على (السماوات) ثم نستأنف: (وفي الأرض يعلم سركم وجهركم) فقوله تعالى: ((وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَوَاتِ)) قد دلت الأدلة على أن الله في السماوات، كما قال ﷺ : (ألا تأمنوني وأنا أمين من في السماء)، وفي سؤاله للجارية: (أين الله؟ قالت: في السماء) وقال تعالى: ﴿أَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ [الملك:١٦].
فكل هذا يتواكب مع قول الله تعالى: ((وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَوَاتِ)).
ثم نستأنف: ((وَفِي الأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ))، وهذا موافق لنص حديث ابن مسعود الموقوف: (الله فوق العرش ويعلم ما أنتم عليه).
وقد نقل عن الإمام أحمد وأنس بن مالك والإمام الشافعي في عقيدة أهل الحديث: أن الله في عليائه فوق العرش، ويعلم ما أنتم عليه، علمه لا يخلو منه مكان.
إذاً الرد الثاني: أننا نقف وقفاً لازماً عند قوله تعالى: ((وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَوَاتِ))، والأدلة كلها قاطبة تؤكد هذا، ثم نستأنف ((وَفِي الأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ))، يعني: مع أنه فوق السماء فإنه يعلم ما أنتم عليه، ولا تخفى عنه خافية.
الرد الثالث على ذلك: ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَوَاتِ وَفِي الأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ﴾ [الأنعام:٣]، أننا لو قلنا: إن الله جل وعلا في السماوات وفي الأرض دل ذلك على أن الله في كل مكان، ويلزم منه اللوازم الباطلة التي سبق أن سردناها.
стр. 205
معنى قوله تعالى: (وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله)
قول الله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الأَرْضِ إِلَهٌ﴾ [الزخرف:٨٤].
قلنا: الجواب عن هذه الآية مثل الرد على التي قبلها، والذي يعضد ما نقول حديث النبي ﷺ في الرقية في سنن أبي داود قال: (ربنا أنت في السماء، رحمتك في السماء، فأنزل رحمتك في الأرض)، وفي رواية: (أمرك في السماء) أي: شرعك في السماء، وأمرك في الأرض.
فقوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الأَرْضِ إِلَهٌ﴾ [الزخرف:٨٤] أي: إله في السماء يأمر وينهى، فيسمع ويطاع ويعبد، كما في الحديث: (أطت السماء وحق لها أن تئط، ما بين أربع أصابع إلا وملك ساجد أو راكع)، ومنهم الذي يحوم حول العرش، ويسبح لله جل وعلا، ومنهم الراكع، ومنهم الساجد، فهو الإله في السماء يأمر وينهى ويدبر الشئون، ويسمع له ويطاع، وهو إله في الأرض، أي: يأمر وينهى، ويسمع ويطاع شرعاً لا كوناً؛ لأن الله قدر كوناً أن بعض العباد يكفرون بأمره الشرعي.
وهذا هو الرد على هؤلاء الذين نفوا معية الله، ونفوا علوه جل وعلا على عرشه، وقالوا: إن الله جل وعلا في كل مكان، واستدلوا بقول الله تعالى: ((وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ))، وبقوله تعالى: ((وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَوَاتِ وَفِي الأَرْضِ)) وبقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الأَرْضِ إِلَهٌ﴾ [الزخرف:٨٤].
стр. 206
معنى قوله تعالى: (وإذا سألك عبادي عني فإني قريب)
وقد استدلوا أيضاً بقول الله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة:١٨٦]، فقالوا: القرب هنا يثبت هذه الآية: ((وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ)) فنقول: إن القرب هنا قرب إحاطة وعلم وإحصاء، وقرب إجابة وسمع، قال الله تعالى: ((وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ))، ثم فصل بقوله: ((قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ)) وقد جاء في البخاري عن عائشة ﵂ وأرضاها قالت: سبحان الذي وسع سمعه الأصوات كلها، إنها تشتكي لرسول الله ﷺ من زوجها، ويخفى عني بعض حديثها! وكانت في طرف البيت، والله من فوق سماواته يقول: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ﴾ [المجادلة:١].
فالقرب هنا: قرب سماع، وقرب إجابة.
فهو قرب مخصوص بعناية المؤمنين، ((وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ))، أي: قرب خاص، وقرب إجابة للداعي الذي آمن بالله جل وعلا واتقاه.
الطائفة الثانية هم المحرفة، الذين يدعون زرواً وبهتاناً بالمئولة، وهم الأشاعرة الذين أولوا صفة الاستواء بالاستيلاء، وسنرد عليهم من الكتاب والسنة ومن العقل والفطرة، والاستواء صفة فعل، فبعدما خلق الله العرش استوى عليه ولو قلنا: إنه ينزل فذلك لا يستلزم خلو العرش؛ لأن نزول الله لا نعلم كيفيته، كما أن استواء الله لا نعلم كيفيته، فإن الكون كله في يده كحبة خردل بيد أحدكم.
وقد أورد الأشاعرة على أهل السنة بقولهم: هناك لوازم باطلة أيها المجسمة من إثبات صفة الاستواء، وهي: أنه عندما تقولون: إن الله استوى على العرش فمن اللوازم الباطلة أنه يلزم المماسة وإذا استوى على العرش فهو محدود فإذاً: الله محدود.
وقالوا: إن الله جل وعلا يحتاج إلى العرش لو استوى عليه، وسنبين الجواب عن هذه الشبه في الدرس القادم إن شاء الله.
стр. 207
شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة - الرد على أهل البدع في الاستواء
من عقائد السلف إثبات علو الله المطلق والمقيد، وقد خالف هذه العقيدة طوائف من المتبدعة، فبعضهم أنكر العلو المطلق، وبعضهم أنكر العلو المقيد، وقد رد أهل السنة على شبهاتهم، وبينوا بطلانها.
стр. 208
الفرق التي أنكرت علو الله المطلق
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
تكلمنا عن علو الله جل وعلا، وقلنا: إن العلو علوان: علو مطلق وعلو مقيد، وتكلمنا بالتفصيل على هذه الصفة، وأثبتنا أن العلو المطلق هو صفة ذاتية من صفات الذات الجلية لا تنفك عن الله جل وعلا، والعلو المقيد هو العلو على العرش كما قال تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥].
وأثبتنا بالكتاب والسنة والعقل والفطرة والإجماع هذه الصفة العظيمة الجليلة، ثم بعد ذلك تكلمنا عن آثار تعبد العبد بهذه الصفة، فلو علم العبد أن الله جل وعلا فوقه وفوق العباد كلهم، وهو قاهر جل وعلا، وكل العباد في قبضته، وكل الكون كحبة خردل في يد أحدكم، وهو إذا قال للشيء: كن فيكون، قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [يوسف:٢١]، وبينا أنه لا تنافي بين علو الله جل وعلا وقربه من العبد، وأن معية الله جل وعلا معيتان: معية عامة ومعية خاصة، فالمعية الخاصة: هي التي تستجلب النصر، وتستجلب قدرة الله وإحاطته جل وعلا، ونصره وتأييده، قال تعالى: ﴿قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الشعراء:٦٢]، فهذا قول موسى ﵇ لما جاء فرعون بكل جنوده خلف موسى، وقال أتباع موسى كما قال تعالى: ﴿إِنَّا لَمُدْرَكُونَ * قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الشعراء:٦١ - ٦٢]، كذلك قول النبي ﷺ عندما كان في أحلك اللحظات لما قال له أبو بكر: يا رسول الله! ﷺ لو نظر أحدهم تحت قدميه لرآنا! فطمأنه بقلب ثابت ويقين راسخ يعلم أن قوة الله ليس فوقها قوة، فقال ﷺ : (يا أبا بكر! ما ظنك باثنين الله ثالثهما؟ يا أبا بكر! لا تحزن إن الله معنا)، فأنزل الله سكينته على رسوله، وأيده بنصر وجنود من عنده، نسأل الله جل وعلا أن تتنزل علينا معيته الخاصة، ويجعلنا ممن يؤهل لأن يرفع عند ربه جل وعلا محاطاً بقدرة الله جل وعلا ورعايته ونصره.
وتكلمنا عن أهل البدع الذين نفوا هذه الصفة، وهم طائفتان: طائفة: نفت العلو المطلق، وطائفة: نفت العلو المقيد، فالطائفتان اللتان نفتا العلو المطلق الصوفية والجهمية وهم الذين قالوا: إن الله في كل مكان، ونفوا علو الله جل وعلا، واستدلوا على ذلك بأدلة كثيرة منها قول الله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الأَرْضِ إِلَهٌ﴾ [الزخرف:٨٤]، قالوا: هو في السماء وفي الأرض، واستدلوا أيضاً بقول الله تعالى: ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَوَاتِ وَفِي الأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ﴾ [الأنعام:٣]، واستدلوا بقول الله تعالى: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ [ق:١٦]، وقالوا: القرب هنا دلالة أنه ليس فوق العرش كما تقولون، واستدلوا أيضاً بالحديث القدسي: قال الله تعالى: (من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب) ثم قال فيه: (وما زال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها).
стр. 209
الرد على شبهات المبتدعة التي أوردوها في نفي علو الله المطلق
قوله تعالى: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ [ق:١٦] القرب هنا لا ينافي العلو، فقد أثبت الله جل وعلا أنه فوق عرشه، بائن من خلقه، يعلم ما هم عليه، وهذا ثابت بالكتاب والسنة وإجماع الصحابة، فالقرب هنا له معنى آخر غير المعنى المفهوم عند الجهمية أو الصوفية، ألا وهو قرب العلم، وانظر إلى أول الآية وانظر إلى وسط الآية، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ﴾ [ق:١٦]، فذكر العلم ليبين أنه محيط بهذا الإنسان، قال تعالى: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ [ق:١٦]، ثم فسر القرب هنا: بالملائكة، قرب بالعلم والإحاطة والإحصاء وقرب بالملائكة، قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ [ق:١٦]، ثم فسر الآية بعدها فقال تعالى: ﴿إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ﴾ [ق:١٧]، فالذي يتلقى هم الملائكة، وهم الذين ذكرهم الله جل وعلا وعناهم بقوله: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ [ق:١٦]، نظير ذلك قول الله في سورة الواقعة: ﴿فَلَوْلا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ * وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ * وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ﴾ [الواقعة:٨٣ - ٨٥]، فالقرب هنا ليس قرب ذات الله جل وعلا بل قرب إحاطته وإحصائه وملائكته، والقرينة التي أثبتت ذلك هي قول الله تعالى: ﴿فَلَوْلا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ * وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ * وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لاَ تُبْصِرُوْنَ﴾ [الواقعة:٨٣ - ٨٥]، والشاهد قوله: ﴿وَلَكِنْ لا تُبْصِرُونَ﴾ [الواقعة:٨٥]، فلا يستطيع أحد أن يرى الله في الدنيا.
والمراد بقوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ لا تُبْصِرُونَ﴾ [الواقعة:٨٥] أي: الملائكة التي جاءت لقبض الروح، فالملائكة في هذه اللحظة هم الذين يقبضون الروح، ملك الموت ومن يعاونه من الملائكة.
فإن قلنا: القرب هنا: قرب الملائكة، وقرب علمه وإحاطته جل وعلا، فالإشكال: أن الله نسب ذلك لنفسه، قال تعالى: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ [ق:١٦]، وفي الآية الأخرى قال تعالى: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ﴾ [الواقعة:٨٥]، فنقول: لا إشكال في ذلك، لأنك إذا قلت: بنى عمرو بن العاص الفسطاط، صح ذلك، ولكن إذا نظرنا إلى الواقع نجد أنه أمر الناس بالفعل، ونسب له، لأنه الآمر، فعندما تقول: بنى عمرو بن العاص مسجداً فليس هو الباني، ولكنه هو الآمر، فنسب له، لأنه الآمر.
وفي القرآن ما يدل على ذلك، قال الله تعالى: ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ * إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ * فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ [القيامة:١٦ - ١٨]، والذي يقرؤه بالاتفاق هو جبريل، ونسب إلى الله حل وعلا؛ لأن جبريل ما قرأ على النبي ﷺ إلا بأمر من الله جل وعلا، فلا إشكال في أن ينسب الفعل إلى الله، قال تعالى: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ [ق:١٦] أي: أمرنا الملائكة أن تكون معه، تحصي حسناته وحركاته وضحكاته، وتكتب كلامه كما قال تعالى: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق:١٨]، وكذلك في قوله تعالى: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ﴾ [الواقعة:٨٥]، فملك الموت هو الذي يسحب هذه الروح بأمر من الله جل وعلا.
تبقى شبهة واحدة أوردوها في الحديث القدسي، قال الله تعالى: (من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب) أي: من كان ولياً لله جل وعلا فنصرته من عند الله، ومن استطاع أن يحارب الله أو أطاق حرب الله فليحارب الله جل وعلا، فليرينا كيف ينتصر على ربه جل وعلا، فجندي الريح أو الذباب أو الناموس لو يسلطه الله على عباده أجمعين سيبيتون هلكى ولكن لا يفقهون، والمقصود من الحديث: (من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إليّ مما افترضته عليه، وما زال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به) قالوا: هنا مخالطة، إذاً: الله جل وعلا في كل مكان، وهذا مدعاة للحلول الذي يحتجون به، ويقولون: الله في كل مكان، حاشا لله! والرد عليهم هين وسهل، فتفسير الحديث يكون بالحديث؛ لأن الرسول مبين كما قال تعالى: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل:٤٤]، فانظر في هذا الحديث، وفي رواية أخرى أن الله تعالى قال: (كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به) ثم قال: (فبي يسمع وبي يبصر وبي يبطش) أي: بقدرتي وبإحاطتي ونصرتي وتأييدي، وهذه معية خاصة، وهذه المعية الخاصة هي معية النصرة والتأييد، أي: فبنصرتي ينتصر، فبقوتي يبطش، فبرضاي عليه لا يسمع إلا ما يرضي، فبحفظي لا ينظر إلا لما يرضي، فبي يسمع وبي يبصر وبي يبطش، فهذا هو الرد عليهم؛ لأن الحديث يفسره ما بعده، ومعنى قوله تعالى: (كنت سمعه) أي بقوتي وقدرتي ونصرتي وتأييدي يسمع ويبصر ويبطش.
فهذه الطائفة نفت العلو المطلق، والطائفة الأخرى نفت العلو المقيد.
стр. 210
الفرق التي نفت العلو المقيد
العلو المقيد هو: الاستواء على العرش، والذين نفوا هذا العلو: هم الأشاعرة، الذين يطلق عليهم متكلمي أهل السنة والجماعة، وهم محرفو الكلم عن موضعه فقد قالوا في قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] أي: استولى، قالوا: وعندنا مسوغ، والأصل في اللفظ أن يكون على ظاهره، حتى تأتي قرينة تصرفه من الظاهر إلى المؤول، وإذا لم يوجد مسوغ أو قرينة فالتأويل باطل مردود.
قالوا: عندنا المسوغ، وعندنا القرينة من لغة العرب، والشعر يدل على ذلك، قال الأخطل: قد استوى بشر على العراق من غير سيف أو دم مهراق فأول ما دخل دب الرعب في أهل العراق، فتركوا له المدينة دون إراقة دماء، فهذا هو المسوغ لهم، وقالوا: وأنتم أيها المجسمة! لو قلنا بقولكم أن استوى على العرش معناه: علا واستقر للزمنا لوازم، واللوازم التي ذكروها لوازم باطلة هي: اللازم الأول الباطل: أن هناك مماسة بين الله وبين العرش، والعرش محدود حتى ولو وسع السماوات والأرض فهو محدود، ولو قلتم بالمماسة فقد جعلتم لله حداً، وهذا تجسيم، فنفر من هذا، وهم يتهمونا باطلاً.
واللازم الثاني الباطل قولهم: أيها المجسمة! -يقصدون أهل السنة والجماعة-: إننا لو قلنا: إن الله استوى على العرش بمعنى علا واستقر فالله يحتاج إلى هذا العرش، بمعنى: -ليقرب إلى الأذهان- أنا الآن جالس على هذا السرير فأنا أحتاج إليه، ولو سحب من تحتي لوقعت، فأنا أحتاج إليه لأنه يسندني، ولو قلتم بهذا القول: علا واستقر على العرش فيلزم من قولكم هذا أن الله جل وعلا الغني محتاج إلى العرش!
стр. 211
الرد على شبهات المبتدعة التي أوردوها في نفي علو الله المقيد
نرد على شبهات الأشاعرة في نفيهم الاستواء بما يلي: الرد الأول: أن الله جل وعلا قد أثبت في كتابه، وفي سنة نبيه ﷺ ، وبالإجماع، وبالفطرة، وبالعقل أنه فوق العرش كما أسلفنا في الأدلة الكثيرة السابقة، قال تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥]، وقال الله تعالى: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ [النحل:٥٠]، وقال الله تعالى: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ [الأنعام:١٨]، فأثبت الفوقية وأثبت الاستواء على العرش، فالاستواء على العرش معناه في اللغة: العلو، فإن كان بمعنى الاستيلاء فسيقوله الرسول ﷺ ؛ لأن الرسول هو المبين عن الله، وإن لم نعرفه من الرسول ﷺ فنعرفه ممن ينقل عن الرسول وهم الصحابة أو التابعون أو تابعو التابعين في القرون الخيرية الثلاثة، وهل ذكر النبي ﷺ في قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] أنه بمعنى: استولى؟ لم ينقل بحديث ضعيف ولا موضوع أن النبي ﷺ قال ذلك، ولم يقله الصحابة والتابعون الذين نزل القرآن بلغتهم، وفهمهم لكلام الله وحصافة ذهنهم معلومة، وهم إذا خاطبهم الله فهموا كلامه، قالت أم سلمة أم المؤمنين زوج النبي ﷺ : الاستواء في اللغة معلوم، بمعنى: علا واستقر، ولذلك وهم بعض العلماء فرفعه إلى النبي ﷺ ؛ لأن أم سلمة لم تأت به من عند نفسها، وهي ليلاً ونهاراً مع النبي ﷺ ، قالت: الاستواء معلوم، يعني: علا واستقر، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، فهي أصل هذا القول وليس الإمام مالك، فقد فهمت قول الله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] أنه بمعنى: علا واستقر، وأنتم لستم أفهم من رسول الله، ولا من أم سلمة، ولا من صحابة رسول الله ﷺ ، ولا من أم التابعين، ولا من تابعي التابعين، ولا من القرون الخيرية بالإجماع، كما قال الشافعي: أنا وأهل الحديث على الله فوق عرشه، وعلمه في كل مكان، وكما قال مالك وشيخه ربيعة: الاستواء معلوم -أي: علا واستقر- والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، فهذا هو الأصل في اللغة، وهذا هو الظاهر من الآية، وليس هناك قرائن تصرف هذا الظاهر، بل توجد قرائن من القرآن تعضد وتثبت هذا الظاهر، وهي آيات يثبت الله فيها أن الاستواء بمعنى العلو والاستقرار، قال الله تعالى: ﴿لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ﴾ [الزخرف:١٣]، فالاستواء بمعنى: العلو والاستقرار، وقال الله تعالى: ﴿وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَاسَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ﴾ [هود:٤٤]، واستوت أي: استقرت على الجبل، وهو الجودي، فهذه قرائن من القرآن تثبت لنا أن الاستواء معناه العلو والاستقرار، أثبت لنا ذلك أولاً: المعنى الظاهر وعضد الظاهر قرائن أخرى من القرآن تثبت هذا المعنى، وكذلك الصحابة الذين هم أفهم الناس عن الله وعن رسول الله، فعندهم أن الاستواء بمعنى: العلو والاستقرار، فباللغة وبالشرع وبالصحابة الكرام بفهمهم وحصافة ذهنهم علمنا أن الاستواء بمعنى: العلو والاستقرار، لا بمعنى الاستيلاء، هذا أولاً.
ثانياً: نتنزل ونقول: إن الاستواء بمعنى الاستيلاء، فيلزم من هذا أن النبي ﷺ ترك الأمة حائرة، وعصى ربه ولم يبين كما أمره، قال الله تعالى: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل:٤٤]، فلم يبين للناس أن الاستواء بمعنى الاستيلاء، وترك أمته حائرة لا تفقه عن الله، ولا تعقل عن الله، ولا تتعبد بآثار أسمائه الحسنى وصفاته العلى، وهذا اللازم الأول الباطل: اتهام النبي ﷺ بعدم التبيين عن الله جل وعلا؛ لأنه لو كان معنى الاستواء: الاستيلاء لقاله النبي ﷺ ، ولبينه، وما دام لم يبينه النبي ﷺ فكفاكم ذلك، فلا تتكلموا فيه؛ لأنكم لستم بأفقه من رسول الله ﷺ عن الله جل وعلا.
أذكر: أن أعرابياً مر فسمع رجلاً يقرأ قوله تعالى: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ * حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ﴾ [التكاثر:١ - ٢]، زرتم المقابر ليس معناه: الإقامة، بل يعني: أنك مت وقبرت، وهذه زيارة، فقال: والله إن الزائر ليس بمقيم! أعرابي فهم هذا بفطرته، وقال: والله! إن الزائر ليس بمقيم، ويعني كلامه: أنه ما دام أنه زائر فلا يمكن أن يقيم، وطالما هو زائر في القبر فلا بد أن يرجع، ولا يمكن أن يقيم، إذاً: سيخرج ويبعث، واستدل على البعث بهذا.
وأيضاً: أعرابي سمع رجلاً يقرأ قوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة:٣٨]، إلى أن قال: ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة:٧٤]، قال: أعد علي هذه القراءة، فقرأها إلى أن قال: ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة:٧٤]، فقال الأعرابي: لو غفر ورحم ما قطع، قال: قل: ﴿وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [المائدة:٣٨]؛ فلأنه عز وحكم فقطع، بعزة وبقوة، فهم بالسليقة، ولو كان الفهم أن الاستواء: القوة والاستيلاء، لأظهروا لنا ذلك، ولم يخفوه علينا وقد أمروا بالتبيين.
اللازم الثاني: إذا تنزلنا وقلنا: الاستواء بمعنى: الاستيلاء، فهو باطل، وهو بمعنى: أن الله أخذ منه العرش، وبعد ما سلب منه العرش تقوى ثم غلب الذي غلبه وأخذ منه العرش، فهل هذا رب؟! وهل يستحق أن يكون رباً الذي يضعف في لحظات، ثم يستولي على ملكه، ثم بعد ذلك يهزم الغالب، ويأتي ويأخذ ملكه؟! فمن لازم قولكم الباطل اتهام الله جل وعلا بصفات النقص.
اللازم الثالث الباطل: أنهم قالوا: أنتم تقولون: نحن نقول: إن استولى أي: غلب، يلزم منه أنه أخذ الملك ممن غلبه، ونحن لا نقصد ذلك، بل نقصد أن استولى بمعنى: مطلق التمليك، ومطلق الملك لله، نقول لهم: أيضاً هذا لازم باطل؛ لأن الأرض ملك لله، والجبال ملك لله، والبحر ملك لله، والسماء ملك لله، ولم يخص الله جل وعلا هذه الصفة بالعرش، فلم يقل: الرحمن على الجبل استوى؛ لأنه ملكه، وإذا قلتم بمطلق التمليك، فالكون كله ملك لله، فبدل أن يقول: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥]، فليقل: الرحمن على الجبل استوى، أو الرحمن على الأرض استوى، أو الرحمن على البحر استوى فخص الاستواء بالعرش؛ لأن هذا خاص به، وصفة من صفاته الفعلية، وليست بمعنى الملك.
إذاً: الرد عليهم بأن أصل الشرع، وظاهر اللفظ واللغة، وقول الصحابة والإجماع على أن الاستواء بمعنى: العلو والاستقرار لا بمعنى الاستيلاء، وإذا قلنا تنزلاً معكم: الاستواء بمعنى: الاستيلاء يلزمنا لوازم باطلة، ولازم الباطل باطل، وفيه اتهام النبي ﷺ بالتقصير في التبيين، واتهام الله جل وعلا بصفات النقص.
الثالث: إذا قلتم بمطلق التمليك وأن الاستيلاء هذا استيلاء على ملكه الذي غاب عنه، فنقول: هو مالك للكون كله، ولم يخص صفة فعله هذه بالعرش إلا أن تكون مزية للعرش، وأنها حكمة من عند الله جل وعلا، وصفة من صفات الفعل إن شاء فعل وإن شاء لم يفعل، هذه أدلتنا على أهل التحريف، ونرد على بدعهم بهذه الأدلة التي استدلوا بها.
стр. 212
الرد على الأشاعرة في تأويلهم لآيات الاستواء
الأصل في اللفظ أنيحمل على الظاهر حتى تأتي قرينة تؤوله من الظاهر إلى المؤول، قال الأشاعري: عندنا المؤول من اللغة، وهو بيت الشعر.
قد استوى بشر على العراق من غير سيف أو دم مهراق فنقول: أولاً: هذا ليس ببيت عربي، وأهل اللغة قاطبة لا يعرفون هذا البيت، ولا يقرون به، بل هذا البيت لرجل نصراني، وليس بعربي أصيل، فأهوينا هذا الدليل.
ثانياً: إذا تنزلنا معهم وقلنا: إن هذا البيت عربي أصيل، من عرب أقحاح، وإذا نظرنا فيه وجدنا أن هناك قرينة تجعلنا نقول بأن الاستواء في هذا البيت الاستيلاء، للقرائن المذكورة وهي: من غير سيف أو دم، مهراق.
قد استوى بشر على العراق من غير سيف ولا دم مهراق فالسيف لأجل العلو والاستقرار أم لأجل القتال والاستيلاء؟ فلزاماً يأول الاستواء: بالاستيلاء، لقرينة السيف والدم المهراق، لأن هذه من لوازم الاستيلاء والمغالبة.
إذاً: هذا ليس بيتاً عربياً أصيلاً فلا يؤخذ به، وإن تنزلنا وقلنا: هو بيت عربي، والأصل والظاهر أن استوى بمعنى العلو والاستقرار، وهناك قرينة من نفس البيت أولت العلو والاستقرار إلى الاستيلاء، هذه القرينة هي: ذكر السيف، وعدم إراقة الدماء، وقوله: استوى بشر على العراق، لا يعني: علا واستقر بغير سيف ودم مهراق؛ لأنه دخل بالغلبة والاستيلاء، وأدوات الحرب جعلتنا نؤول الاستواء بمعنى الاستيلاء، أما في قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥]، لا يوجد أي قرينة من الكتاب ولا من السنة ولا من لغة العرب تصرف المعنى إلى استولى، وفي هذا الكتاب أكثر من أثر فيه: لا نعرف في لغة العرب أن الاستواء بمعنى: الاستيلاء بل الاستواء في قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥]، بمعنى: علا واستقر.
يبقى لنا من شبهاتهم اللوازم التي ألزمونا بها، وليست بلازمة، اللازم الأول أنهم قالوا: لو قلنا: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] بمعنى: علا واستقر، حدثت المماسة، أي: مس الرحمن العرش، والمماسة تدل على الحد؛ لأن العرش محدود، فإذاً: جعلنا لله حداً، فنقول لهم: ننظر في هذا اللازم هل هو باطل أم حق حتى نعمل به، والحد كلمة واصطلاح من المتأخرين لا من المتقدمين، وقد قعدنا قاعدة عقيدية للإخوة الأفاضل في الكلمات المبهمة في العقيدة وكيف نتعامل معها فلا ننفيها ولا نثبتها، ولكن نسأل عن المقصود منها؛ لأننا لو نفيناها لعلها لله جل وعلا، فنكون نفينا شيئاً في حق الله أثبته الله جل وعلا لنفسه، ولو أثبتناها لربما كانت منفية عن الله جل وعلا لنفسه، وهذه لفظة مجملة لا بد أن نفصل فيها ونعلم مقصودكم من الحد، إن قصدتم بالحد التمييز، يعني الله جل وعلا عال على عرشه بائن من خلقه فهذا حق، فنحن نؤمن به ونقول به، ومعنى الحد هنا: التمييز، تمييز بين الخالق وبين المخلوق لا كما تقول الصوفية وابن سينا وابن عربي، هؤلاء الكفرة الذين قالوا: لا فرق بين الخالق والمخلوق، فإن قصدوا في الحد أنه: التمييز وأن الله بائن من خلقه، فوق عرشه والخلق؛ فهذا صحيح -إن صح التعبير- فالله بائن من خلقه، والحد بمعنى: التمييز فهذا حق ونحن نقول به، وإن كنتم تقصدون أن الحد معناه: التجسيم، أي: أن الله جسم، فهذا لا نقبله، بل نرده عليكم، وما جركم إلى ذلك إلا أنكم شبهتم الخالق بالمخلوق، ونرد عليكم بثلاثة أمور: أولاً: أنتم قلتم: المماسة تكون بالحد، أي أن الله جل وعلا له حد، فكيفتم صفات الله جل وعلا، فنقول لكم: هل رأيتم الله لتكيفوا الصفة، وتبينوها لنا، وتقولوا: إن هذا حد؟ وهل رأيتم مثل الله؟ وهل أخبركم الثقة الصادق المصدوق أن الله جل وعلا إذا استوى على العرش كانت هذه مماسة وحداً؟ ستجيبون: بلا، إذاً: لا رأيتم الله، ولا رأيتم مثيله، ولا أخبركم الصادق المصدوق بهذا، فإذاً قد افتريتم وأتيتم ببهتان وزور، ولا يقبل كلامكم، وكيفتم ونحن لا نكيف، والصحابة أجمع لا يكيفون، وقد قالوا: الاستواء في اللغة معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة.
إذاً لو قلتم: إن هناك مماسة وحداً، فإن قصدتم بالحد التمييز، والله بائن من خلقه فنحن نقول بذلك، فنكون قد اتفقنا وما افترقنا، وإذا قصدتم بذلك تكييف الصفة، فنحن بقول: بأن الله علا على العرش واستقر وهو غير محتاج إلى العرش حاشا لله! قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ﴾ [فاطر:١٥]، فمن باب أولى أن يكون العرش محتاجاً إلى الله جل وعلا، والسماوات فقيرة إلى الله جل وعلا، والشمس والقمر فقيران إلى الله تعالى، وكل ما في الكون فقير إلى الله، والله هو الغني، فالله أثبت أنه الغني، فهو الغني وله الغنى المطلق، وكل الخلائق محتاجة إلى الله جل وعلا، فقيرة إليه.
وإذا قلتم: إن الله علا واستقر فهو محتاج للعرش، فقد كيفتم استواء الله جل وعلا، وهذا التكييف مردود كما قلنا في سابقه، فالأشعرية أولوا الاستواء بالاستيلاء وليس لهم وجه في ذلك، حتى البيت الذي قالوا: هو مسوغ لنا، ليس بعربي أصيل، واللوازم الباطلة التي ألزمونا بها ليست بلازمة.
стр. 213
علم الله غير مخلوق
قال المؤلف: (ما دل من كتاب الله جل وعلا وما روي عن النبي ﷺ في أن الله عالم بعلم وأن علمه غير مخلوق) شرح هذه الجملة يبدأ بالإعراب وهو الذي سيجعلنا نفصل القاعدة التي أريدها، فعلم الله: علم مضاف، والمضاف إلى الله نوعان: أعيان قائمة بذاتها، ومعان فالعين القائمة بذاتها عندما تضاف إلى الله تكون إضافة تشريف، مثل: الكعبة، هي عين، فتقول: الكعبة بيت الله، فالكعبة عين قائمة بذاتها، وإضافتها إلى الله تشريف، وليست صفة من صفاته، وكذلك: عيسى روح الله، عيسى عين قائمة بذاتها، وهو مضاف إلى الله إضافة تشريف، فإضافة المعاني إضافة صفة إلى موصوف، وإضافة الأعيان إضافة تشريف، أما قولنا: عيسى روح الله، أي: روح من عند الله، كما قال الله تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾ [الجاثية:١٣] أي: من عنده للقرائن الدالة على ذلك، قائمة بذاته.
стр. 214
الأسئلة
قال المؤلف: (ما دل من كتاب الله جل وعلا وما روي عن النبي ﷺ في أن الله عالم بعلم وأن علمه غير مخلوق) شرح هذه الجملة يبدأ بالإعراب وهو الذي سيجعلنا نفصل القاعدة التي أريدها، فعلم الله: علم مضاف، والمضاف إلى الله نوعان: أعيان قائمة بذاتها، ومعان فالعين القائمة بذاتها عندما تضاف إلى الله تكون إضافة تشريف، مثل: الكعبة، هي عين، فتقول: الكعبة بيت الله، فالكعبة عين قائمة بذاتها، وإضافتها إلى الله تشريف، وليست صفة من صفاته، وكذلك: عيسى روح الله، عيسى عين قائمة بذاتها، وهو مضاف إلى الله إضافة تشريف، فإضافة المعاني إضافة صفة إلى موصوف، وإضافة الأعيان إضافة تشريف، أما قولنا: عيسى روح الله، أي: روح من عند الله، كما قال الله تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾ [الجاثية:١٣] أي: من عنده للقرائن الدالة على ذلك، قائمة بذاته.
стр. 215
هدف الأشاعرة من إنكار الاستواء
السؤال
ما هدف الأشاعرة من إنكار الإستواء؟
الجواب
هدف الأشاعرة بقولهم الاستواء بمعنى: الاستيلاء أنه لا يوجد عرش، وكان قائدهم أبو المعالي الجويني يقول: كان الله ولا عرش، وهو الآن على ما كان عليه، يعني لا يوجد عرش، فهو يومئ إلى ذلك، فهم يريدون أن يصلوا إلى إنكار العرش أصالة، ولذلك قلنا لهم: نجعل الأمر على الظاهر، وقلتم: هو استيلاء للعرش.
وصفة العرش نحن لا نعلمها، لكن نقول: هو استولى على العرش واستولى على الأرض والجبال، فلم خص ذكر الاستواء على العرش؟ وقولهم: لو قلنا بالعلو والاستقرار كما تقولون لكان لازم هذا القول: المماسة والحاجة للعرش، وهو لازم باطل، والقاعدة الأصولية تقول: لازم الباطل باطل، فهم قالوا: لو قلتم: علا واستقر، فقد مس، ولو مس فقد حد، ونحن نقول: أنتم هكذا كيفتم الصفة، ونحن لم نكيف الصفة، ولا نعرف كيف استوى، فأنتم شبهتم استواء الخالق باستواء المخلوق فنتج عندكم المماسة، فتكلمتم بها، ففرتم من التشبيه بالإنكار.
فإن قيل: هل عندما ينزل الله جل وعلا إلى السماء الدنيا، يخلو منه العرش؟ قلنا: لا يخلو منه العرش.
следующие страницы →