Полный текст (838 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.
стр. 211
الرد على شبهات المبتدعة التي أوردوها في نفي علو الله المقيد
نرد على شبهات الأشاعرة في نفيهم الاستواء بما يلي: الرد الأول: أن الله جل وعلا قد أثبت في كتابه، وفي سنة نبيه ﷺ ، وبالإجماع، وبالفطرة، وبالعقل أنه فوق العرش كما أسلفنا في الأدلة الكثيرة السابقة، قال تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥]، وقال الله تعالى: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ [النحل:٥٠]، وقال الله تعالى: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ [الأنعام:١٨]، فأثبت الفوقية وأثبت الاستواء على العرش، فالاستواء على العرش معناه في اللغة: العلو، فإن كان بمعنى الاستيلاء فسيقوله الرسول ﷺ ؛ لأن الرسول هو المبين عن الله، وإن لم نعرفه من الرسول ﷺ فنعرفه ممن ينقل عن الرسول وهم الصحابة أو التابعون أو تابعو التابعين في القرون الخيرية الثلاثة، وهل ذكر النبي ﷺ في قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] أنه بمعنى: استولى؟ لم ينقل بحديث ضعيف ولا موضوع أن النبي ﷺ قال ذلك، ولم يقله الصحابة والتابعون الذين نزل القرآن بلغتهم، وفهمهم لكلام الله وحصافة ذهنهم معلومة، وهم إذا خاطبهم الله فهموا كلامه، قالت أم سلمة أم المؤمنين زوج النبي ﷺ : الاستواء في اللغة معلوم، بمعنى: علا واستقر، ولذلك وهم بعض العلماء فرفعه إلى النبي ﷺ ؛ لأن أم سلمة لم تأت به من عند نفسها، وهي ليلاً ونهاراً مع النبي ﷺ ، قالت: الاستواء معلوم، يعني: علا واستقر، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، فهي أصل هذا القول وليس الإمام مالك، فقد فهمت قول الله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] أنه بمعنى: علا واستقر، وأنتم لستم أفهم من رسول الله، ولا من أم سلمة، ولا من صحابة رسول الله ﷺ ، ولا من أم التابعين، ولا من تابعي التابعين، ولا من القرون الخيرية بالإجماع، كما قال الشافعي: أنا وأهل الحديث على الله فوق عرشه، وعلمه في كل مكان، وكما قال مالك وشيخه ربيعة: الاستواء معلوم -أي: علا واستقر- والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، فهذا هو الأصل في اللغة، وهذا هو الظاهر من الآية، وليس هناك قرائن تصرف هذا الظاهر، بل توجد قرائن من القرآن تعضد وتثبت هذا الظاهر، وهي آيات يثبت الله فيها أن الاستواء بمعنى العلو والاستقرار، قال الله تعالى: ﴿لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ﴾ [الزخرف:١٣]، فالاستواء بمعنى: العلو والاستقرار، وقال الله تعالى: ﴿وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَاسَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ﴾ [هود:٤٤]، واستوت أي: استقرت على الجبل، وهو الجودي، فهذه قرائن من القرآن تثبت لنا أن الاستواء معناه العلو والاستقرار، أثبت لنا ذلك أولاً: المعنى الظاهر وعضد الظاهر قرائن أخرى من القرآن تثبت هذا المعنى، وكذلك الصحابة الذين هم أفهم الناس عن الله وعن رسول الله، فعندهم أن الاستواء بمعنى: العلو والاستقرار، فباللغة وبالشرع وبالصحابة الكرام بفهمهم وحصافة ذهنهم علمنا أن الاستواء بمعنى: العلو والاستقرار، لا بمعنى الاستيلاء، هذا أولاً.
ثانياً: نتنزل ونقول: إن الاستواء بمعنى الاستيلاء، فيلزم من هذا أن النبي ﷺ ترك الأمة حائرة، وعصى ربه ولم يبين كما أمره، قال الله تعالى: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل:٤٤]، فلم يبين للناس أن الاستواء بمعنى الاستيلاء، وترك أمته حائرة لا تفقه عن الله، ولا تعقل عن الله، ولا تتعبد بآثار أسمائه الحسنى وصفاته العلى، وهذا اللازم الأول الباطل: اتهام النبي ﷺ بعدم التبيين عن الله جل وعلا؛ لأنه لو كان معنى الاستواء: الاستيلاء لقاله النبي ﷺ ، ولبينه، وما دام لم يبينه النبي ﷺ فكفاكم ذلك، فلا تتكلموا فيه؛ لأنكم لستم بأفقه من رسول الله ﷺ عن الله جل وعلا.
أذكر: أن أعرابياً مر فسمع رجلاً يقرأ قوله تعالى: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ * حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ﴾ [التكاثر:١ - ٢]، زرتم المقابر ليس معناه: الإقامة، بل يعني: أنك مت وقبرت، وهذه زيارة، فقال: والله إن الزائر ليس بمقيم! أعرابي فهم هذا بفطرته، وقال: والله! إن الزائر ليس بمقيم، ويعني كلامه: أنه ما دام أنه زائر فلا يمكن أن يقيم، وطالما هو زائر في القبر فلا بد أن يرجع، ولا يمكن أن يقيم، إذاً: سيخرج ويبعث، واستدل على البعث بهذا.
وأيضاً: أعرابي سمع رجلاً يقرأ قوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة:٣٨]، إلى أن قال: ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة:٧٤]، قال: أعد علي هذه القراءة، فقرأها إلى أن قال: ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة:٧٤]، فقال الأعرابي: لو غفر ورحم ما قطع، قال: قل: ﴿وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [المائدة:٣٨]؛ فلأنه عز وحكم فقطع، بعزة وبقوة، فهم بالسليقة، ولو كان الفهم أن الاستواء: القوة والاستيلاء، لأظهروا لنا ذلك، ولم يخفوه علينا وقد أمروا بالتبيين.
اللازم الثاني: إذا تنزلنا وقلنا: الاستواء بمعنى: الاستيلاء، فهو باطل، وهو بمعنى: أن الله أخذ منه العرش، وبعد ما سلب منه العرش تقوى ثم غلب الذي غلبه وأخذ منه العرش، فهل هذا رب؟! وهل يستحق أن يكون رباً الذي يضعف في لحظات، ثم يستولي على ملكه، ثم بعد ذلك يهزم الغالب، ويأتي ويأخذ ملكه؟! فمن لازم قولكم الباطل اتهام الله جل وعلا بصفات النقص.
اللازم الثالث الباطل: أنهم قالوا: أنتم تقولون: نحن نقول: إن استولى أي: غلب، يلزم منه أنه أخذ الملك ممن غلبه، ونحن لا نقصد ذلك، بل نقصد أن استولى بمعنى: مطلق التمليك، ومطلق الملك لله، نقول لهم: أيضاً هذا لازم باطل؛ لأن الأرض ملك لله، والجبال ملك لله، والبحر ملك لله، والسماء ملك لله، ولم يخص الله جل وعلا هذه الصفة بالعرش، فلم يقل: الرحمن على الجبل استوى؛ لأنه ملكه، وإذا قلتم بمطلق التمليك، فالكون كله ملك لله، فبدل أن يقول: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥]، فليقل: الرحمن على الجبل استوى، أو الرحمن على الأرض استوى، أو الرحمن على البحر استوى فخص الاستواء بالعرش؛ لأن هذا خاص به، وصفة من صفاته الفعلية، وليست بمعنى الملك.
إذاً: الرد عليهم بأن أصل الشرع، وظاهر اللفظ واللغة، وقول الصحابة والإجماع على أن الاستواء بمعنى: العلو والاستقرار لا بمعنى الاستيلاء، وإذا قلنا تنزلاً معكم: الاستواء بمعنى: الاستيلاء يلزمنا لوازم باطلة، ولازم الباطل باطل، وفيه اتهام النبي ﷺ بالتقصير في التبيين، واتهام الله جل وعلا بصفات النقص.
الثالث: إذا قلتم بمطلق التمليك وأن الاستيلاء هذا استيلاء على ملكه الذي غاب عنه، فنقول: هو مالك للكون كله، ولم يخص صفة فعله هذه بالعرش إلا أن تكون مزية للعرش، وأنها حكمة من عند الله جل وعلا، وصفة من صفات الفعل إن شاء فعل وإن شاء لم يفعل، هذه أدلتنا على أهل التحريف، ونرد على بدعهم بهذه الأدلة التي استدلوا بها.
стр. 212
الرد على الأشاعرة في تأويلهم لآيات الاستواء
الأصل في اللفظ أنيحمل على الظاهر حتى تأتي قرينة تؤوله من الظاهر إلى المؤول، قال الأشاعري: عندنا المؤول من اللغة، وهو بيت الشعر.
قد استوى بشر على العراق من غير سيف أو دم مهراق فنقول: أولاً: هذا ليس ببيت عربي، وأهل اللغة قاطبة لا يعرفون هذا البيت، ولا يقرون به، بل هذا البيت لرجل نصراني، وليس بعربي أصيل، فأهوينا هذا الدليل.
ثانياً: إذا تنزلنا معهم وقلنا: إن هذا البيت عربي أصيل، من عرب أقحاح، وإذا نظرنا فيه وجدنا أن هناك قرينة تجعلنا نقول بأن الاستواء في هذا البيت الاستيلاء، للقرائن المذكورة وهي: من غير سيف أو دم، مهراق.
قد استوى بشر على العراق من غير سيف ولا دم مهراق فالسيف لأجل العلو والاستقرار أم لأجل القتال والاستيلاء؟ فلزاماً يأول الاستواء: بالاستيلاء، لقرينة السيف والدم المهراق، لأن هذه من لوازم الاستيلاء والمغالبة.
إذاً: هذا ليس بيتاً عربياً أصيلاً فلا يؤخذ به، وإن تنزلنا وقلنا: هو بيت عربي، والأصل والظاهر أن استوى بمعنى العلو والاستقرار، وهناك قرينة من نفس البيت أولت العلو والاستقرار إلى الاستيلاء، هذه القرينة هي: ذكر السيف، وعدم إراقة الدماء، وقوله: استوى بشر على العراق، لا يعني: علا واستقر بغير سيف ودم مهراق؛ لأنه دخل بالغلبة والاستيلاء، وأدوات الحرب جعلتنا نؤول الاستواء بمعنى الاستيلاء، أما في قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥]، لا يوجد أي قرينة من الكتاب ولا من السنة ولا من لغة العرب تصرف المعنى إلى استولى، وفي هذا الكتاب أكثر من أثر فيه: لا نعرف في لغة العرب أن الاستواء بمعنى: الاستيلاء بل الاستواء في قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥]، بمعنى: علا واستقر.
يبقى لنا من شبهاتهم اللوازم التي ألزمونا بها، وليست بلازمة، اللازم الأول أنهم قالوا: لو قلنا: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] بمعنى: علا واستقر، حدثت المماسة، أي: مس الرحمن العرش، والمماسة تدل على الحد؛ لأن العرش محدود، فإذاً: جعلنا لله حداً، فنقول لهم: ننظر في هذا اللازم هل هو باطل أم حق حتى نعمل به، والحد كلمة واصطلاح من المتأخرين لا من المتقدمين، وقد قعدنا قاعدة عقيدية للإخوة الأفاضل في الكلمات المبهمة في العقيدة وكيف نتعامل معها فلا ننفيها ولا نثبتها، ولكن نسأل عن المقصود منها؛ لأننا لو نفيناها لعلها لله جل وعلا، فنكون نفينا شيئاً في حق الله أثبته الله جل وعلا لنفسه، ولو أثبتناها لربما كانت منفية عن الله جل وعلا لنفسه، وهذه لفظة مجملة لا بد أن نفصل فيها ونعلم مقصودكم من الحد، إن قصدتم بالحد التمييز، يعني الله جل وعلا عال على عرشه بائن من خلقه فهذا حق، فنحن نؤمن به ونقول به، ومعنى الحد هنا: التمييز، تمييز بين الخالق وبين المخلوق لا كما تقول الصوفية وابن سينا وابن عربي، هؤلاء الكفرة الذين قالوا: لا فرق بين الخالق والمخلوق، فإن قصدوا في الحد أنه: التمييز وأن الله بائن من خلقه، فوق عرشه والخلق؛ فهذا صحيح -إن صح التعبير- فالله بائن من خلقه، والحد بمعنى: التمييز فهذا حق ونحن نقول به، وإن كنتم تقصدون أن الحد معناه: التجسيم، أي: أن الله جسم، فهذا لا نقبله، بل نرده عليكم، وما جركم إلى ذلك إلا أنكم شبهتم الخالق بالمخلوق، ونرد عليكم بثلاثة أمور: أولاً: أنتم قلتم: المماسة تكون بالحد، أي أن الله جل وعلا له حد، فكيفتم صفات الله جل وعلا، فنقول لكم: هل رأيتم الله لتكيفوا الصفة، وتبينوها لنا، وتقولوا: إن هذا حد؟ وهل رأيتم مثل الله؟ وهل أخبركم الثقة الصادق المصدوق أن الله جل وعلا إذا استوى على العرش كانت هذه مماسة وحداً؟ ستجيبون: بلا، إذاً: لا رأيتم الله، ولا رأيتم مثيله، ولا أخبركم الصادق المصدوق بهذا، فإذاً قد افتريتم وأتيتم ببهتان وزور، ولا يقبل كلامكم، وكيفتم ونحن لا نكيف، والصحابة أجمع لا يكيفون، وقد قالوا: الاستواء في اللغة معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة.
إذاً لو قلتم: إن هناك مماسة وحداً، فإن قصدتم بالحد التمييز، والله بائن من خلقه فنحن نقول بذلك، فنكون قد اتفقنا وما افترقنا، وإذا قصدتم بذلك تكييف الصفة، فنحن بقول: بأن الله علا على العرش واستقر وهو غير محتاج إلى العرش حاشا لله! قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ﴾ [فاطر:١٥]، فمن باب أولى أن يكون العرش محتاجاً إلى الله جل وعلا، والسماوات فقيرة إلى الله جل وعلا، والشمس والقمر فقيران إلى الله تعالى، وكل ما في الكون فقير إلى الله، والله هو الغني، فالله أثبت أنه الغني، فهو الغني وله الغنى المطلق، وكل الخلائق محتاجة إلى الله جل وعلا، فقيرة إليه.
وإذا قلتم: إن الله علا واستقر فهو محتاج للعرش، فقد كيفتم استواء الله جل وعلا، وهذا التكييف مردود كما قلنا في سابقه، فالأشعرية أولوا الاستواء بالاستيلاء وليس لهم وجه في ذلك، حتى البيت الذي قالوا: هو مسوغ لنا، ليس بعربي أصيل، واللوازم الباطلة التي ألزمونا بها ليست بلازمة.
стр. 213
علم الله غير مخلوق
قال المؤلف: (ما دل من كتاب الله جل وعلا وما روي عن النبي ﷺ في أن الله عالم بعلم وأن علمه غير مخلوق) شرح هذه الجملة يبدأ بالإعراب وهو الذي سيجعلنا نفصل القاعدة التي أريدها، فعلم الله: علم مضاف، والمضاف إلى الله نوعان: أعيان قائمة بذاتها، ومعان فالعين القائمة بذاتها عندما تضاف إلى الله تكون إضافة تشريف، مثل: الكعبة، هي عين، فتقول: الكعبة بيت الله، فالكعبة عين قائمة بذاتها، وإضافتها إلى الله تشريف، وليست صفة من صفاته، وكذلك: عيسى روح الله، عيسى عين قائمة بذاتها، وهو مضاف إلى الله إضافة تشريف، فإضافة المعاني إضافة صفة إلى موصوف، وإضافة الأعيان إضافة تشريف، أما قولنا: عيسى روح الله، أي: روح من عند الله، كما قال الله تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾ [الجاثية:١٣] أي: من عنده للقرائن الدالة على ذلك، قائمة بذاته.
стр. 214
الأسئلة
قال المؤلف: (ما دل من كتاب الله جل وعلا وما روي عن النبي ﷺ في أن الله عالم بعلم وأن علمه غير مخلوق) شرح هذه الجملة يبدأ بالإعراب وهو الذي سيجعلنا نفصل القاعدة التي أريدها، فعلم الله: علم مضاف، والمضاف إلى الله نوعان: أعيان قائمة بذاتها، ومعان فالعين القائمة بذاتها عندما تضاف إلى الله تكون إضافة تشريف، مثل: الكعبة، هي عين، فتقول: الكعبة بيت الله، فالكعبة عين قائمة بذاتها، وإضافتها إلى الله تشريف، وليست صفة من صفاته، وكذلك: عيسى روح الله، عيسى عين قائمة بذاتها، وهو مضاف إلى الله إضافة تشريف، فإضافة المعاني إضافة صفة إلى موصوف، وإضافة الأعيان إضافة تشريف، أما قولنا: عيسى روح الله، أي: روح من عند الله، كما قال الله تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾ [الجاثية:١٣] أي: من عنده للقرائن الدالة على ذلك، قائمة بذاته.
стр. 215
هدف الأشاعرة من إنكار الاستواء
السؤال
ما هدف الأشاعرة من إنكار الإستواء؟
الجواب
هدف الأشاعرة بقولهم الاستواء بمعنى: الاستيلاء أنه لا يوجد عرش، وكان قائدهم أبو المعالي الجويني يقول: كان الله ولا عرش، وهو الآن على ما كان عليه، يعني لا يوجد عرش، فهو يومئ إلى ذلك، فهم يريدون أن يصلوا إلى إنكار العرش أصالة، ولذلك قلنا لهم: نجعل الأمر على الظاهر، وقلتم: هو استيلاء للعرش.
وصفة العرش نحن لا نعلمها، لكن نقول: هو استولى على العرش واستولى على الأرض والجبال، فلم خص ذكر الاستواء على العرش؟ وقولهم: لو قلنا بالعلو والاستقرار كما تقولون لكان لازم هذا القول: المماسة والحاجة للعرش، وهو لازم باطل، والقاعدة الأصولية تقول: لازم الباطل باطل، فهم قالوا: لو قلتم: علا واستقر، فقد مس، ولو مس فقد حد، ونحن نقول: أنتم هكذا كيفتم الصفة، ونحن لم نكيف الصفة، ولا نعرف كيف استوى، فأنتم شبهتم استواء الخالق باستواء المخلوق فنتج عندكم المماسة، فتكلمتم بها، ففرتم من التشبيه بالإنكار.
فإن قيل: هل عندما ينزل الله جل وعلا إلى السماء الدنيا، يخلو منه العرش؟ قلنا: لا يخلو منه العرش.
стр. 216
الجمع بين النزول والاستواء
السؤال
كيف نجمع بين النزول وبين الاستواء؟
الجواب
الجمع ظاهر جداً، فليس بلازم أنه إذا نزل إلى السماء الدنيا أن يخلو من العرش؛ لأننا لا نعرف كيفية الاستواء، والكيفية تليق بجلال الله وكماله جل وعلا، فهو مستو على عرشه وينزل إلى السماء الدنيا، والكون كله كحبة خردل في يد أحدكم، ونحن نؤمن بأن الله جل وعلا قادر على كل شيء، وقادر على أن ينزل إلى السماء الدنيا وهو على العرش، ولا يخلو منه العرش.
стр. 217
حكم المنكرين للصفات
السؤال
حكم المنكرين للصفات؟
الجواب
الذين ينكرون صفات الله ينقسمون إلى قسمين: قسم غلاة ظهرت لهم الأدلة، وقسم توابع لهم، فالغلاة الذين ظهرت لهم الأدلة وعاندوا على ما هم عليه هم كفار، كفرهم شيخ الإسلام ابن تيمية، فغلاة الجهمية والشيعة كفروا، أما التابعون الذين لا يفقهون شيئاً فلا يكفرون، وعذرهم الجهل، ونحن قد قعدنا قاعدة في الإيمان هي: القول قول كفر، والفعل فعل كفر، والقائل والفاعل ليس بكافر حتى تقام عليه الحجة، وتزال عنه شبه الكفر، أي تتوافر الشروط وتنتفي الموانع، وكفى بالجهل قبحاً أن يفر منه أهله، فـ ابن مسعود قال: كن عالماً، أو متعلماً، أو محباً لأهل العلم، ولا تكن الرابع فتهلك، فالأولى: أن تتشرف بنور العلم، والثانية: إن لم يستطع العلم، والله جل وعلا يقسم بين عباده فضله كيفما شاء، فنقول للعامي: آمن بكل صفة تسمعها، ويقول: الاستواء في اللغة معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، والنزول كذلك، يقول فيه: النزول في اللغة معلوم، والكيف مجهول والسؤال بدعة، والإيمان به واجب، وكل صفة فعلية تأتيه يقول فيها هذا الكلام.
стр. 218
النووي وابن حجر ليسا من الأشاعرة
السؤال
هل النووي وابن حجر من الأشاعرة؟ الإمام النووي والإمام ابن حجر لا يصطفان لصف الأشاعرة، فهما متأثران بكلام الأشاعرة، وليسا بأشعريين، بل هما من أهل السنة والجماعة، لكنهما انغمسا في ذلك؛ لأن البلدة التي كانا فيها انتشر فيها منهج الأشاعرة، ولذلك الذي يقرأ صحيح مسلم أو يقرأ فتح الباري يجد أن شارح صحيح مسلم فيه تذبذب، لكنه قليل، فمرة يأتي بكلام أهل السنة والجماعة وكثيراً ما ينقل عن المازري وهو أشعري جلد، وكلامه تابع له، فهو ناقل مقلد دون أن يدري بهذا.
أما الحافظ ابن حجر فهو متذبذب يذكر مذهب أهل السنة ثم يذكر الأشاعرة، ويكثر من النقل عن أهل السنة، ويقل من الكلام عن الأشاعرة، فهما حسبا أن هذا هو المنهج الصحيح، وعاشا على أن هذا هو المنهج الصحيح، ولم ينتشر عندهما المنهج الصحيح، والأشاعرة انتشروا بسرعة عجيبة؛ لوجود العقل عندهم، وكانت المعتزلة تضرب في أهل السنة والجماعة، فقالوا هؤلاء: إذا تكلمتم بالعقل نتكلم معكم بالعقل.
فغروا الناس بعقولهم، ومن يتكلم بالمنطق يردون عليه به وشيخ الإسلام ابن تيمية ما زالت الأمم إلى الآن تحتج به، والصوفية غلبته وهو يحاجهم، وكادوا أن يقتلوا شيخ الإسلام ابن تيمية؛ لأنهم قالوا: وليت الذي بيني وبينك عامر وبيني وبين العالمين خراب إذا صح منك الود فالكل هين وكل الذي فوق التراب تراب قالوا: هذا الرجل ـ شيخ الإسلام ابن تيمية ـ لا يفهم شيئاً، يقول: الأصل والفصل والفرع، والصوفية هؤلاء هم أفضل ناس، الغر يقول بهذا الكلام.
فالمنطق جعل سمعتهم عالية وانتصر مذهبهم، فحسب بعض العلماء مثل الإمام النووي والحافظ ابن حجر أن هذا هو المذهب الحق، وما أحد جاء يناظرهم ويبين لهم الحق، ونحن نربأ بهم أن يعاندوا الحق بحال من الأحوال، ولا يمكن لإنسان إلا متجرئ متنطع أن يجعل النووي أو يجعل الحافظ ابن حجر في صف الأشاعرة أبداً، جاهل متنطع من يجعل هؤلاء في صفهم، فأنا إذا جلست مع شيخ، وليس عندي غير هذا الشيخ، وما أسمع في هذه البلدة من شيخ يتكلم بعلم إلا بعلم هذا الرجل، وحتى لما رحلت ما وجدت أحداً يتكلم إلا بكلام هذا الرجل، وليس عندي ما يضاده، وليس عندي علم يخالفه، فلما تعلمت على شيخي تعلمت منه هذا الكلام، فالحافظ ابن حجر كان ينقل كثيراً دون أن يمحص النظر، فيغتفر له، وتجعل في بحر حسناته، وجهوده المباركة الشريفة.
سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، نشهد أن لا إله إلا أنت، نستغفرك ونتوب إليك، وجزاكم الله خيراً.
стр. 219
شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة - صفة العلم
صفة العلم من الصفات الذاتية الثبوتية التي لا تنفك عن الله ، وهي صفة أبدية أزلية، فهو سبحانه يعلم ما كان وما سيكون وما لم يكن لو كان كيف سيكون.
وقد اختص الله نفسه بعلم الغيب المطلق، ووهب لعباده شيئاً من علم الشهادة، إلا أن هناك بعض الاستثناءات التي خص الله بها بعض أنبيائه فأطلعهم على شيء من علم الغيب تأييداً ونصرة لهم.
стр. 220
ثبوت صفة العلم لله في الكتاب والسنة والعقل
стр. 221
ثبوت صفة العلم في الكتاب
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
إخوتي الكرام! ما زلنا مع سياق ما دل من كتاب الله جل وعلا وما روي عن النبي ﷺ في أن الله عالم بعلم، وأن علمه غير مخلوق، فقولنا: الله عالم بعلم نرد بذلك على المعتزلة الذين قالوا: إن الله عالم بذاته، وقولنا: علمه غير مخلوق، نرد على ما قاله بعض المبتدعة.
وعلم الله جل وعلا ثابت بالكتاب والسنة والعقل.
قال الله : ﴿فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وَمَا كُنَّا غَائِبِينَ﴾ [الأعراف:٧]، وقال جل وعلا: ﴿وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ﴾ [الشورى:٢٥]، استدل بالفعل وهو يعلم، وقال: ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ﴾ [البقرة:٢٥٥]، وتنوعت الدلالات لسعة علم الله جل وعلا، كقوله: ﴿فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ﴾ [هود:١٤]، وقال تعالى: ﴿وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ﴾ [فاطر:١١]، وعلم الله صفة من صفات الله جل وعلا الثابتة بالكتاب والسنة والعقل، وهي صفة أزلية أبدية ثبوتية ذاتية.
فصفة العلم ثابتة في الكتاب على تنوع الدلالات.
ومن الأدلة كذلك: قول الله جل وعلا: ﴿بِمَا أَنزَلَ إِلَيْكَ أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ﴾ [النساء:١٦٦]، وقال جل وعلا: ﴿فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ﴾ [هود:١٤]، والأسماء الحسنى تدل على علم الله جل وعلا، قال الله تعالى في سورة يوسف: ﴿إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [يوسف:٦]، فقرن بين العلم والحكمة.
ومن مقتضيات الأسماء التي تثبت علم الله جل وعلا: الخبير الذي علم بدقائق الأمور، واللطيف الذي علم بما خفي ودق، وأيضاً الشهيد، فإن الله جل وعلا لا يغيب عنه شيء ولا يعزب عنه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض.
ومن الدلالات المتنوعة التي تثبت علم الله جلا وعلا واتساع علم الله جل وعلا قوله تعالى: ﴿وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ وَلا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ﴾ [يونس:٦١].
стр. 222
ثبوت صفة العلم في السنة
ورد في الصحيح في حديث الاستخارة قول النبي ﷺ : (إذا هم أحدكم بالأمر فليركع ركعتين من غير الفريضة ثم ليقل: اللهم! إني أستخيرك بعلمك، وأستقدرك بقدرتك، وأسألك من فضلك العظيم، فإنك تقدر ولا أقدر، وتعلم ولا أعلم، وأنت علام الغيوب) وهذا هو الشاهد على صفة العلم من السنة.
والحديث الذي ورد في الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ وأرضاه في الخمس الذي لا يعلمهن إلا الله جل وعلا وقرأ: ﴿وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ﴾ [لقمان:٣٤].
стр. 223
ثبوت صفة العلم بالعقل
دلالة هذه الصفة بالعقل من وجهين: الوجه الأول: النظر إلى الكون الشاسع المتقن المحكم الذي فيه كل هذا الإتقان، فإذا أردت أن تنظر هل فيه خلل رجع إليك البصر خاسئاً وهو حسير، قال الله تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُنِيرًا * وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا﴾ [الفرقان:٦١ - ٦٢]، فمن تدبر هذا الكون المحكم المتقن من قبل الله جل وعلا، علم أن هذا الإحكام وهذا الإتقان نابع عن إرادة، يعني: أراد الله أن يخلق هذا الكون بهذا الشكل وهذا الإحكام وهذا الإتقان، وهذه الإرادة تستلزم العلم بالمراد، فلا يمكن لأحد يريد شيئاً إلا وهو يعلم هذا الشيء الذي يريده، فالإرادة تستلزم العلم بالمراد.
الوجه الآخر من أوجه الدلالة بالعقل على علم الله: أن الله جل وعلا شرف بعض عباده بهذا العلم، وبين أنه بالنسبة لهم صفة كمال؛ كما قال الله تعالى: ﴿كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ [يوسف:٧٦]، فعلم يوسف ﵇ كيف يكيد ليأخذ أخاه، وهذه من صفات الكمال ليوسف، ووصف الله يعقوب بأنه عليم فقال: ﴿وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِمَا عَلَّمْنَاهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [يوسف:٦٨]، فهذه صفة كمال في العبد، والقاعدة بين الرب وبين العبد قياس الأولى، فإن اتصف العبد بالكمال فمن باب أولى أن يتصف الخالق بالكمال؛ لأن الخالق هو الذي أوزع وأودع في المخلوق هذه الصفة، فصفة العلم ثابتة لله جل وعلا بالكتاب والسنة وبالعقل، وأقوال الصحابة كما سنقرؤها من هذا الكتاب.
стр. 224
علم الله محيط بكل شيء
علم الله جل وعلا واسع شاسع، يحيط بكل شيء علماً، ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ [طه:١١٠]، ﴿يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ﴾ [آل عمران:٢٩] ما دق وما خفي، ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ [غافر:١٩]، يعلم جل وعلا كل شيء ولا يخفى عليه أي شيء: دق أو جل، عظم أو صغر؛ لأن الله جل وعلا أحاط بكل شيء علماً، قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَمِنَ الأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [الطلاق:١٢]، وعلم الله الواسع جل وعلا يتمثل في أنه عَلِمَ ما كان، وعلم ما يكون، وعلم ما لم يكن لو كان كيف سيكون.
علم ما كان: فالله جل وعلا يعلم ما سبق، وقد قص علينا بعلمه ما كان من قصص، وأيد نبيه ﷺ بهذه المعجزة وهي: أن يقص على أهل الكفر وأهل قريش ومن يدعوهم إلى الإسلام القصص السابقة، وهي وحي من الله جل وعلا يدل على علم الله السابق، فقص الله علينا خلق آدم، وأول الخلق، وأنه أمر الملائكة بالسجود له، وأنه أمر إبليس ولكنه أبى: ﴿أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة:٣٤]، فأنزل إبليس من الجنة وأنزل آدم منها أيضاً.
وقص علينا من قصة نوح ﵇ عندما أوحى إليه أن يعمل السفينة ﴿أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا﴾ [المؤمنون:٢٧] ﴿وَلا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ﴾ [المؤمنون:٢٧]، وأيضاً قص علينا أنه أنجاه ومن معه في الفلك وأغرق الباقين.
وقص الله علينا جل وعلا خبر ضيف إبراهيم المكرمين، وأن إبراهيم بشر بغلام حليم، وبشر بعده بغلام آخر عليم، وقص الله علينا قصص كل من سبق، فهذه دلالة على علم الله بما كان، والله جل وعلا قصها على النبي وجعلها عبرة ليعتبر بها، وهدى ليهتدي بها، ومعجزة وآية له حتى يبين أنه ما أتى بهذا الكلام من عنده وأنه ليس أساطير الأولين، بل هو وحي من الله جل وعلا.
وعلم ما يكون مستقبلاً، فالله جل وعلا علم ما يكون وقصه وأوحاه إلى نبيه، ومنه ما تحقق بعدما أخبر به النبي ﷺ في عصره، ومنه ما تحقق في عصرنا هذا، ومنه ما ننتظر أن يتحقق.
أما النوع الأول وهو ما تحقق: قال الله تعالى: ﴿سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الأَعْرَابِ شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا﴾ [الفتح:١١] وحدث ذلك وتحقق، وكذلك وهم في مكة في أشد ما يكونون، أنزل على نبيه ﷺ ما يكون: ((الم * غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ﴾ [الروم:١ - ٣]، وتحقق وحدث كما قال الله تعالى، أيضاً أوحى الله إليه أنه سيدخل المسجد الحرام، وأنه سيدخل فاتحاً مكة، وتحقق قال تعالى: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ﴾ [الفتح:٢٧].
وأوحى إليه أشياء لم تحدث في عصره وحدثت بعد ذلك مثل النار التي بين أنها من أمارات الساعة وخرجت كما قال الإمام النووي، قص علينا من الأمارات ما نراها عياناً كما في مسند الإمام أحمد عن النبي ﷺ أنه قال: (بين يدي الساعة سنون خداعة، يصدق فيها الكاذب، ويكذب فيها الصادق، ويؤتمن الخائن ويخون الأمين، وينطق الرويبضة، قالوا: يا رسول الله! وما الرويبضة؟ قال: الفاسق أو قال: الفويسق يتكلم في أمر العامة)، وقد تحقق ذلك، (وجاء أعرابي فأخذ بخطام الناقة فقال: يا رسول الله! متى الساعة فسكت، ثم قال: من السائل عن الساعة؟ قال: أنا، قال: إذا وسد الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة)، وقد تحققت أشياء كثيرة أخبر عنها النبي ﷺ مستقبلاً وهذه متعلقة بحكم ما يكون.
والذي لم يتحقق وننتظر تحققه وهو على مشارف التحقيق قول النبي ﷺ : (ستصالحون الروم صلحاً آمنا) الروم أهل الكفر أهل الكتاب النصارى، (ستصالحون الروم صلحاً آمناً فيغدرون، سيأتونكم تحت ثمانين راية، تحت كل راية اثنا عشر ألفاً)، هذه من الأخبار التي في علم الله فيما يكون مستقبلاً قد أخبر عنها النبي ﷺ ونحن الآن ننتظر أن تتحقق أو نحن على مشارف أن تتحقق، ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [يوسف:٢١].
أيضاً: ننتظر ما أخبر به النبي ﷺ : (ينطق الشجر والحجر، فيقول: يا مسلم يا عبد الله! تعال خلفي يهودي فاقتله)، وهذا أيضاً من علم الله بما يكون مستقبلاً وأخبر به، ففيه ما تحقق وفيه الذي لم يتحقق حتى الآن ونحن ننتظر أن يتحقق، وكل ذلك مكتوب وقد فرغ منه، وعلم ما لم يكن لو كان كيف سيكون من الممكنات أو من المستحيلات، من الممكنات كقول الله تعالى مثلاً في أهل الكفر الذين يستمعون الآيات ويستمعون الذكر ويعرضون: ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ * وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ﴾ [الأنفال:٢٢ - ٢٣] هذا لم يحدث، فلو حدث كيف سيكون؟ لا أحد يعلم إلا الله، فقال الله تعالى مبيناً لنا بأنه يعلم ما لم يكن لو كان كيف سيكون قال: ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوا وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ [الأنفال:٢٣].
ومن ذلك أيضاً: خروج الصف المنافق مع الصف المسلم، فإنه يغري بالصف المسلم ويخذل الصف المسلم، قال الله تعالى: ﴿وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ * لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ﴾ [التوبة:٤٦ - ٤٧] فعلم الله ذلك، فهم لم يخرجوا، والله جلا وعلا يبين لنا أنه علم ما لم يكن لو كان كيف سيكون، فلو خرجوا ماذا سيكون؟ وكيف التصور؟ وماذا يفعلون في الصف المسلم؟ بين ذلك في قوله: ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ﴾ [التوبة:٤٧]، هذه من الممكنات.
أيضاً من الممكنات في عرصات يوم القيامة: عندما يقف أهل الكفر على النار، قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ﴾ [الأنعام:٢٧ - ٢٨]، فلو أعادهم الله إلى الدنيا لن يفعلوا ما قالوا، الله الذي يعلم هذا قد بين لنا ذلك، قال تعالى: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ [الأنعام:٢٨].
أما المستحيلات التي يعلمها الله جل وعلا لو حدثت مثل قوله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء:٢٢]، فمستحيل أن يكون في الكون أكثر من إله، ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ لفسد الكون، وفساد الكون أيضاً الله جل وعلا صوره لنا، فهو يعلم ما لم يكن لو كان كيف سيكون، قال الله تعالى: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [المؤمنون:٩١] فهو يعلم ما لم يكن لو كان كيف سيكون، وهذه دلالة على سعة علم الله جل وعلا، فمن سعة علم الله أنه أحاط بكل شيء علماً، علم ما كان وما يكون وما لم يكن لو كان كيف سيكون.
стр. 225
معنى قوله تعالى: (ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم)
يوجد إشكال لابد من الإجابة عنه: قال الله تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ﴾ [محمد:٣١]، (حتى نعلم)، حتى في هذه الآية للغاية، فالله جل وعلا يبتلى الناس ليميز بين المجاهد والصابر وبين المنافق، وقال الله تعالى: ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا﴾ [آل عمران:١٦٧]، ﴿وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران:١٦٦] وقال الله تعالى: ((الم * أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ﴾ [العنكبوت:١ - ٢]، ثم قال: ﴿فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ [العنكبوت:٣] وقد ذكرنا أن الله يعلم ما كان وما يكون وما لم يكن لو كان كيف سيكون، وأحاط بكل شيء علماً، فكيف يقول الله في كتابه الكريم: ﴿فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾، ويقول: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ﴾ [محمد:٣١] ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا﴾ [آل عمران:١٦٧]؟ الإجابة عن هذا الإشكال هو أن الله جل وعلا علم ذلك وكتبه في اللوح المحفوظ، لكن لابد أن يخرجه لأرض الواقع، ولابد أن يقطع دابر حجة الظالمين-، وتقدير الكلام: حتى نعلم علماً نحاسبكم عليه؛ لأن الله لو جاء بالعبد فحاسبه على علمه السابق دون أن ينزله إلى أرض البسيطة وقال للعبد: أنا علمت سابقاً أنك ستعمل كذا وكذا وكذا وسأحاسبك عليه اليوم، فهو سيقول: لا يا رب! لو أنزلتني إلى الأرض لسمعت وأطعت الرسل، فكيف تحاسبني على علمك السابق لي؟! إذاً: الإشكال يجاب عنه بجواب هين جداً ألا وهو: أن الله جل وعلا لما علم سابقاً أخرج هذا العلم على أرض الواقع ليحاسب الناس ويقطع حجتهم.
أقول: علم الله سابق لأفعال العباد، وقد كتب ذلك، وقد فرغ ربكم من العباد، فأصحاب الجنة في الجنة وأصحاب النار في النار، أما قول الله تعالى: ﴿حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ﴾ [محمد:٣١]، ﴿فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ [العنكبوت:٣]، فهذا العلم ليس علماً مستجداً لله جل وعلا، لكن العلم فيه بالنظر إلى العباد، وهذا العلم يسمى علم محاسبة، وعلم إخراج إلى أرض الواقع؛ حتى يقطع دابر الحجة التي يحتج بها العبد على الله جل وعلا، ولذلك الله جل وعلا في سورة طه قال: ﴿وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى﴾ [طه:١٣٤]، فلا حجة للعباد أمام الله جل وعلا؛ ولذلك الله جل وعلا قال في الرسل: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء:١٦٥].
стр. 226
أقسام العلم
стр. 227
علم الشهادة
العلم علمان: علم شهادة وعلم غيب، أما علم الشهادة فكله بجزئياته وكلياته يعلمه الله جل وعلا، وقد فرق الله بعض العباد بعلم الشهادة ممن اصطفاهم على البشر وعلى الناس، اصطفى ملائكة فعلمهم، واصطفى من البشر هم الأنبياء ثم الأولياء والعلماء الذين هم ورثة الأنبياء، فكفى بهم شرفاً أن يعلمهم الله من علم الشهادة، وذلك أن الله قد وسم ووصف بعض عباده بالعلم، قال جل وعلا مادحاً ليوسف ﵇: ﴿نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ [يوسف:٧٦]، وقال عن أبيه: ﴿وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِمَا عَلَّمْنَاهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [يوسف:٦٨]، والنبي ﷺ بين شرف العلم وشرف العلماء فقال: (العلماء ورثة الأنبياء، والأنبياء لم يورثوا درهماً ولا ديناراً، ولكن ورثوا العلم، فمن أخذه فقد أخذ بحظ وافر)، فهذا يبين أن علم الشهادة يمكن للعبد أن يتعلمه.
والله يصطفي من رسله من يشاء ليعلمهم، كما في الصحيح في قصة موسى والخضر ﵉، لما جاء موسى إلى الخضر، وقال له: أنت على علم علمكه الله لم يعلمنيه، وأنا على علم علمنيه الله جل وعلا لم يعلمك إياه، ثم نظر إلى عصفور نقر في البحر، فقال: ما علمي وعلمك إلى علم الله جل وعلا إلا كما نقر هذا العصفور من البحر.
فعلم الشهادة يشترط العباد بما علمهم الله جل وعلا: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنِ اللَّهِ﴾ [النحل:٥٣] أفضل النعم على الإطلاق بعد الإيمان والتقوى هي العلم، بل العلم أفضل من الشهادة، وورد في بعض الآثار وإن احتاجت إلى تحقيق السند: مداد العلماء أفضل من دماء الشهداء، نقول هذا دم، فطلب العلم أفضل الأعمال على الإطلاق، والعالم شهيد وزيادة، فالعلماء هم الذين فضلهم الله بعلم الشهادة.
стр. 228
علم الغيب
القسم الثاني من العلم: علم الغيب، وعلم الغيب أيضاً على قسمين: غيب مطلق، وغيب نسبي.
الغيب المطلق: هو صفة من صفات الله الذاتية التي لا ينازع فيها الله جل وعلا إلا كافر، لا ينازع أحد الله جل وعلا في علم الغيب إلا كافر، قال الله تعالى: ﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [النمل:٦٥]، وهذا أسلوب حصر، يعني: كل علم الغيب لله جل وعلا، فمن نازع الله جل وعلا في هذه الصفة فقد كفر؛ لأنه كذَّب القرآن، ونازع الله في صفة يختص بها الله جل وعلا دون غيره، فالغيب المطلق يعلمه الله وحده، قال النبي ﷺ لـ أبي بكر: (أنت منهم يا أبا بكر)، لما ذكر المصطفى أبواب الجنة: باب الريان باب الصدقة فقال أبو بكر: يا رسول الله! هل تفتح هذه الأبواب لواحد من عباد الله؟ فقال ﵊: (نعم وأنت منهم) فهذا علم غيب، وكلما غاب عن الإنسان فهو غيب.
الغيب النسبي: يكون غيب بالنسبة لأحد، وشهادة بالنسبة للآخرين، فما يحدث مثلاً في أمريكا الآن هو غيب عنا، لكن عن أهل أمريكا ليس بغيب وإنما هو شهادة، فهذا هو الذي يسمى غيباً نسبياً، فالغيب المطلق: هو ما غاب كلية عن البشر.
الغيب المطلق لله جل وعلا، والله جل وعلا يقول: ﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [النمل:٦٥]، وقال جل وعلا: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ﴾ [آل عمران:١٧٩]، إذاً: أو كل علم الغيب لله تعالى، ولكن النبي ﷺ بشر العشرة بالجنة على وجه الخصوص، فهذا من الغيب، ومنه الآخرة، وما بعد عرصات يوم القيامة، وما بعد المحاسبة، هذا غيب مطلق كيف يعرفه النبي ﷺ والله جل وعلا يقول: ﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾، فكيف يكون الجمع بين هذه الآية وأن النبي علم علماً أخروياً؟ الجمع يكون بأن الغيب المطلق يعلمه الله جل وعلا واستثنى الله استثناءات محدودة جداً من هذا الغيب أطلع الله جل وعلا النبي ﷺ عليها ولحكمة بليغة ألا وهي: تعظيم النبي ﷺ بمعجزة ربانية ليثبت للناس أنه يوحى إليه من قبل الله جل وعلا؛ ولذلك لما جاء جبريل يسأل النبي ﷺ عن موعد الساعة، قال: (ما المسئول عنها بأعلم من السائل)، فالغيب المطلق لله ولا يعلمه إلا الله جل وعلا، ومن نازع الله في هذه الصفة فقد كفر؛ لأنه كذب بالقرآن ونازع صفة لله يختص بها الله جل وعلا، واستثنى الله من علم الغيب المطلق بعض أنبيائه فخصهم باستثناء محدود وعلم محدود عن الغيب المطلق تأييداً لهم.
стр. 229
علم الغيب النسبي
بعض الناس يذهبون إلى الكهنة ويقولون: قد أخبرونا مستقبلاً بأشياء وقد وقعت وقد حدثت ورأيت كثيراً من الناس ذهبوا إلى الكهنة والعرافين فأخبروهم بأمور مستقبلة وحدثت فوقعت وهذا من الغيب، فكيف عرف الكهنة هذا الغيب والله جل وعلا ينفي علم الغيب عن أي أحد إلا هو؟ قال النبي ﷺ : (يركب بعضهم فوق بعض -هكذا- فيسترق مسترق السمع فيأتيه الشهاب فإما يأتيه الشهاب قبل أن يصل بالكلمة وإما يصل بالكلمة ثم يأتيه الشهاب، فقال النبي ﷺ : فيقرقرها في أذن الكاهن فيكذب معها مائة كذبة)، والذي يدل على ذلك الحديث الصحيح في خبر ابن صياد وفيه أن النبي ﷺ لا يعلم الغيب، فكان يشك في ابن صياد هل هو الدجال أم لا، فكان النبي ﷺ يختبئ له بين الأشجار، وكان نائماً وهو يزمزم يقول: زم زم، فرأت النبي ﷺ أمه فقالت: يا صائد! هذا محمد ﷺ ، فجاءه النبي ﷺ وقال: (ما ترى؟ قال: أرى عرشاً على الماء قال: ما يأتيك؟ فقال: يأتيني كاذب وصادق، قال النبي ﷺ لـ عمر: خُلط عليه الأمر، ثم قال: إني خبأت لك خبيئة)، والنبي ﷺ يسأله مختبراً، ولذلك قلنا: لا يسأل الجن أبداً مسترشداً، حتى وإن استدل بكلام شيخ الإسلام ابن تيمية أنه يجوز الاستعانة بالجني المسلم على قضاء حوائج المسلمين، فهذا الكلام غير صحيح، واستدل شيخ الإسلام ابن تيمية على ذلك بفعل أبي موسى الأشعري ﵁ وأرضاه حين غاب عنهم عمر، فذهب إلى امرأة لها رئي -يعني جني- وقال: سلي رئيك أين عمر؟ فسألته، وقالت: هو في المكان الفلاني، فذهبوا فوجدوه.
وهذا الأثر يحتاج إلى إثبات السند، وهو واقعة عين، وعندنا الأدلة التي تثبت عدم جواز الاستعانة بهم بحال من الأحوال؛ لأن هذا غائب، ونحن اشترطنا شروطاً عظيمة جداً في الاستعانة وهي: حي حاضر قادر، والجن لا نراه، فهو غائب، فانتقض بذلك شرط من شروط الاستعانة، فالجن غائب عنا فلا يجوز الاستعانة به، لكنه قال: خبأت لك خبيئة ليرى كذب هذا الرجل وما الذي يحدث له، فقال: الدخ، حتى ما قال: الدخان، يعني: الجن سمعوا الدخ، قبل أن يقولوا: الدخان، والشهاب أتاه فقتله، فنزلت على أذنه يقرقرها في أذنه، فقال: الدخ وما أكمل الدخان، فقال النبي ﷺ وهو يعلم أنه كاذب: (اخسأ فلن تعدو قدرك)، فالكهنة يعرفون الكلمة من المسترق فيكذبون عليها مائة كذبة، ولا يعلمون الغيب، والصحيح الراجح أن الغيب المطلق لا يعلمه إلا الله جل وعلا، ومن نازع في هذه الصفة فقد كفر، فحكم الكهنة الذين يخبرون بالأمور المستقبلة حتى ولو تحققت أنهم كفار، فالفعل فعل كفري.
والغيب النسبي يحل لنا إشكالاً كبيراً جداً وهو إشكال المنديل، وهو أن أناساً عندنا في مصر يذهبوا إلى العراف فيضرب الورق، فيقول له: من الذي سرق البضاعة هذه؟ فيقول له: فلان بن فلان سرقها الساعة الفلانية، ويذهبون فيجدونه، فيضربوه ضرباً شديداً، فيعترف اعترافاً صحيحاً: نعم سرقتها في الوقت الفلاني وفي نفس المكان، وهذا ليس إخباراً بالغيب؛ لأن الغيب هنا غيب نسبي، فهو لبعض المخلوقين شهادة، فالقرين مع هذا السارق رآه كيف يسرق ومتى سرق فأخبر الكاهن هذا الذي يضرب الودع أو يكلم الجن، ومثله التنويم المغناطيسي، فهو يكلم قرين النائم، فقرين الكاهن يذهب إلى القرين الثاني فيسأله فيجيب ويقول له: سرقها في الوقت الفلاني، وهو مختبئ الآن في المكان الفلاني، فالإشكال حُلَّ، فالغيب النسبي هو ما غاب عني وهو شهادة بالنسبة للآخرين، فيغيب عن بعض الناس ويكون شهادة لبعض الناس، وهذا يعلمه البعض ويخفى عن البعض.
стр. 230
الطوائف التي أنكرت علم الله جل وعلا
إن الله علم عالم ويرد بهذا على المعتزلة الذين يقولون: عالم بذاته، وهذا أصل أصلوه، قالوا: عالم بذاته، ونفوا صفة العلم نفسها، وأثبتوا الاسم، ونحن قلنا في قاعدة الأسماء: كل اسم من الأسماء الحسنى يتضمن صفة كمال، قال تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [يوسف:٦]، عليم اسم من أسماء الله يتضمن صفة العلم، فهم يفرغون الاسم من الصفة؛ ولذلك يقولون: عالم بذاته لا بعلمه.
فالطائفة الأولى الذين نفوا علم الله هم اليهود عليهم لعنة الله أولاً وآخراً بحراً وجواً فوقاً وتحتاً، ونسأل الله جل وعلا أن يقر أعيننا بهلاك اليهود في الدنيا قبل عرصات يوم القيامة، فهم نفوا علم الله جل وعلا، بل تجرءوا على الله وقالوا: الله لا يعلم ما يكون، ويستفيد الله جل وعلا من التجارب، ولذلك في التوراة المزعومة قالوا: لما خلق الله الخلق نظر إلى الفساد العارم الذي أحدثه الخلق فندم وبكى فأرمد؛ فعين الله غامضة؛ لأنه لا يعلم ما سيحدث من بني آدم، فاستفاد من التجارب وكأن الله جل وعلا لن يخلق خلقاً ثانياً حاشا لله.
وأفراخ اليهود من هذه الأمة هم: القدرية الذين نفوا القدر، فهم ينفون علم الله جل وعلا، وهم لا ينفون العلم السابق، ولكن ينفون اللاحق، ينفون علم الله جل وعلا بما يكون، ويقولون: الله جل وعلا لا يعلم أفعال العباد حتى يفعلها العباد، والرد عليهم بالآيات التي تثبت علم الله بما كان وما يكون وما لم يكن لو كان كيف سيكون.
الطائفة الثالثة من الطوائف المبتدعة الذين نفوا علم الله: الفلاسفة، وهم لا يصرحون بالنفي، كما قالوا في القرآن: هو من وحي محمد، فمحمد هو صاحب النفس الزكية أتاه القلب فتخيل بياضاً اسمه جبريل، ثم سمع منه وحياً يسمى القرآن! وكأن القرآن من عند محمد، لكن لم يقولوها صراحة، فالفلاسفة قالوا: إن الله لا يعلم الجزئيات وإنما يعلم الكليات فقط، أما الأشياء الخفية والدقيقة فلا يعلمها، وهذه تستلزم أنه يخفى عنه الجزئيات ولا يعلم الكليات؛ لأن كل جزء بجانب جزء يعطي الكل، فمن نفى الجزء فقد نفى الكل.
والرد عليهم بأن الله جل وعلا أثبت في كتابه أنه علم ما كان وما يكون وما لم يكن لو كان كيف سيكون.
стр. 231
علم المخلوق ناقص ومحدود
أختم هذه الدرس عن علم الله جل وعلا بأن هذه الصفة وإن كانت مطلقة الله جل وعلا فيمكن للعبد أن يتصف بها، فيعقوب ﵇ عليم، ويوسف ﵇ عليم، وأقول: الله عليم، لكن يبقى سؤال هنا: إذا قلنا: إن الإنسان قد وصف بالعلم والله جل وعلا موصوف بالعلم فهل التساوي في الاسم يستلزم التساوي في المسمى؟
الجواب
صفة الله على كماله وجلاله، وصفة العبد على نقصه وتقصيره.
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم وجزاكم الله خيراً.
стр. 232
الأسئلة
стр. 233
بيان الفرق بين مطلق الشيء والشيء المطلق
السؤال
ما الفرق بين مطلق الشيء والشيء المطلق؟
الجواب
مطلق الشيء معناه أصل الشيء، والشيء المطلق يعني: كل شيء، فإذا قلت: مطلق العلم فهو يعني: أصل العلم عند العبد، ولا يمكن أن يبقى، ولو قلت: إن العلم المطلق عند العبد فهذا كلام لا يصح، فالأصح أن تقول: هو على علم علمه الله هذا العلم، ورزقه الله علماً، قال تعالى: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنِ اللَّهِ﴾ [النحل:٥٣]، بل الأصل في العبد الجهل والظلم قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ﴾ [النحل:٧٨]، فهذا إثبات أن الأصل في العبد الجهل، أي: أن هذه الصفة مكتسبة.
فالكمال المطلق لله جل وعلا، فلو أتيت إلى أخ طيب كريم وقلت له: يا سيد! أعطني كذا، ووقعت في محظور أو في نهي عن أن تقول للعبد: يا سيد؛ لأن في المسألة نهي، كما في الحديث عن النبي ﷺ قال: (من قال للمنافق: يا سيد فقد أغضب الله) والحديث صحيح، وأصل الحديث أن النبي ﷺ لما قيل له: يا سيد قال: (قولوا بقولكم أو ببعض قولكم ولا يستهوينكم الشيطان) وفي رواية أخرى قال: (إنما السيد الله).
والفرق بينهما أن الإطلاق بالألف ولام التعريف، كما تقول: رب البيت رب الدار، وهذه تقول: الرب في البيت؛ لأن لفظ الرب مطلقاً يكون لله جل وعلا.
ومثال ذلك قوله: ﴿وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ﴾ [لقمان:٣٤] هذا مطلق لله جل وعلا، فإن الله يعلم ما في الأرحام، يعلم الله جل وعلا أولاً من التقاء الحيوان المنوي مع البويضة والتخصيب، ما أحد يعلم بحال من الأحوال هذا الأمر، هل الحيوان المنوي يخصب البويضة أم لا؟ هذه مطلقة يعلمها الله، والله يعلم ما في الأرحام.
الثاني: عند التكوين بعد الالتقاء حين تكون مضغة وعلقة إلى آخر الأطوار، فهذه لا يعلمها إلا الله جل وعلا، ذكر أم أنثى لا يعلمه إلا الله جل وعلا، حاله في الحياة لا يعلمه إلا الله جل وعلا، رزقه لا يعلمه إلا الله، أيختم عليه بخير أم بشر لا يعلمه إلا الله، أما بالنسبة لعلم الأطباء فهو مثل واحد زائد واحد يساوي اثنين، من أين أتيت بهذا؟ أثبت الجواب من مقدمة ونتيجة، فممكن أن النظرية هذه تصيب وممكن أن تخطئ، والنظريات تخطئ، فعلم هؤلاء البشر يكون بمقدمات، فيستنتجون من المقدمات هذه النتائج، فيقولون: لو حدث كذا فسيحصل كذا، فيقولون مثلاً: الأمطار ستنزل غداً إن شاء الله؛ لأن هناك سحابة ينتظر منها المطر، فممكن يخطئ هذا الظن وممكن يصيب، ونفس الأمر: كثير من النساء يذهبن يفحصن نوع الجنين فيقال لإحداهن: أنت ستأتي بذكر، فتأتي ببنتين وليس بذكر! وهذا يحدث حقاً، فهي مسألة مقدمات ومسائل يعلمها من يتقنها وعلمهم لما في الأرحام هو بعد التكوين، لكن قبل التكوين لا يعلم إلا الله.
стр. 234
شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة - صفة السمع والبصر والقدرة
من مذهب أهل السنة والجماعة إثبات الصفات الذاتية لله كما يليق بجلاله وعظمته، على ما جاء في كتابه وسنة رسوله ﷺ ، والعقل يوافق الوحيين في ذلك، ولا يستلزم من السمع آلة سمع ولا من البصر آلة بصر، ولا ننفي ولا نثبت ما لم يرد في إثباته ولا نفيه دليل من كتاب ولا من سنة.
стр. 235
إثبات صفة السمع والبصر والقدرة لله
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
ما زلنا مع شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة للعلامة اللالكائي.
سنتكلم إن شاء الله عن صفات ذاتية ثبوتية لله جل وعلا، فالله جل وعلا سميع بسمع، بصير ببصر، قادر بقدرة، وهذا أمر مهم جداً.
أورد النسائي عن ابن عباس ﵁ وأرضاه في قوله تعالى: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ﴾ [البقرة:٢٥٥] قال: وسع علمه السماوات والأرض، فـ ابن عباس هنا يؤول الكرسي بالعلم، وهذا التفسير خطأ ليس بصحيح، ويرد على هذا الكلام من وجهين: الوجه الأول: عندنا قاعدة مهمة في مسألة الاعتقاد: أن ثبِّت العرش ثم انقش، يعني: أثبت السند ثم قل: إنَّ هذا هو قول ابن عباس، وبتتبع السند وجدنا أن السند إلى ابن عباس ضعيف، كما أنه قد ورد بسند صحيح عن ابن عباس ﵁ وأرضاه أنه قال: (الكرسي موضع القدمين) فهذا يرد على التأويل الأول الضعيف.
الوجه الثاني: إن قلنا: إنه قد ثبت عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ﴾ أن الكرسي هو العلم، فهذا مخالف لظاهر الآية، وقد قعدنا قاعدة مهمة لأهل الاعتقاد، وهي: أن اللفظ يكون على ظاهره ما لم تأت قرينة تصرفه من الظاهر إلى المؤول، وتأويل الكرسي الذي هو معلوم عندنا في اللغة بالعلم مفتقر إلى قرينة.
قلنا: علم الله جل وعلا صفة ذاتية ثابتة لله جل وعلا بالكتاب والسنة والعقل، ثم قلنا: العلم: علم غيب وعلم شهادة، وعلم الغيب ينفرد به الله جل وعلا، فالغيب ينقسم إلى غيب مطلق وغيب نسبي، وبينا أن علم الشهادة ممكن أن يتعلمه عباد الله سبحانه.
قال الشافعي: من أنكر علم الله فهو كافر، كما روى اللالكائي عن الشافعي قال: قال حفص الفرد: علم الله مخلوق، قال الشافعي: كفرت بالله العظيم، وجه كفره بالله العظيم أنه كذب صريح القرآن.
أيضاً عن عبد الله بن أحمد بن حنبل عن أبيه أنه لما سأله علي بن الجهم: من قال بالقدر يكون كافراً؟ قال: إذا قال: إن الله لم يكن عالماً حتى خلق علماً فعلمه فجحد علم الله جل وعلا فهو كافر.
إذاً: حكم من أنكر علم الله جل وعلا أنه كافر.
اليوم نتكلم عن صفات مهمة من الصفات الثبوتية الذاتية لله جل وعلا: أن الله جل وعلا سميع بسمع بصير ببصر قادر بقدرة، وفي هذا الكلام رد صريح على أهل الاعتزال الذين ينفون علم الله جل وعلا، ورد على الأشاعرة كما سنبين، فالذين يؤولون سمع الله وبصر الله بالعلم، يقولون: سميع بصير أي: بعلمه لا بسمع ولا ببصر، ويستدلون على ذلك بقول الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة:٢٢٤]، وقوله ﵎: ﴿لِمَ تَعْبُدُ مَا لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا﴾ [مريم:٤٢]، وقوله جل وعلا: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه:٤٦]، وقوله: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾ [المجادلة:١].
стр. 236
إثبات صفة السمع والبصر والقدرة لله من الكتاب
لقد قرن الله بين صفة السمع والبصر كثيراً في كتابه، وأيضاً الرسول ﷺ ، أما صفة القدرة فقد انفرد القرآن بها وكذلك السنة، فهذه الصفات الثلاث صفات ذاتية ثبوتية لله جل وعلا لا تنفك عن الله، أزلية أبدية ثابتة بالكتاب والسنة والعقل، ثابتة بالكتاب في قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة:٢٢٤]، وقوله جل وعلا: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [النساء:٥٨] فالسمع وحده صفة كمال، والبصر وحده صفة كمال، فاقتران السمع والبصر زيادة كمال على كمال، وأما بالنسبة للقدرة فقال الله في كتابه: ﴿عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً وَاللَّهُ قَدِيرٌ﴾ [الممتحنة:٧]، وقال الله تعالى: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا﴾ [النساء:١٤٩]، وقال الله جل وعلا: ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة:٢٨٤].
стр. 237
إثبات صفة السمع والبصر والقدرة من السنة
لقد ثبت في السنة صفة السمع والبصر والقدرة لله جل وعلا، وذلك عندما قام النبي ﷺ على المنبر خطيباً فقال: (إن ربكم سميع بصير، ثم أشار إلى عينه وأذنه)، والإشارة هنا من النبي ﷺ ليست إثباتاً للعين الجارحة لله جل وعلا، وليست إثباتاً للأذن، بل إشارة من النبي ﷺ أن لله سمعاً وبصراً؛ لأن الأصم إذا أشرت إليه بالعين علم أنك ترى بهذه العين، وإذا أشرت إليه بالأذن علم أنك تسمع بهذه الأذن، فإشارة النبي ﷺ ليست إشارة للجارحة، حاشا النبي ﷺ أن يشير إلى شيء قد يدخل على الناس مسألة التشبيه، ولكنه أشار إلى صفة السمع وصفة البصر.
كذلك لما علت أصوات الصحابة رضوان الله عليهم في الدعاء، قال لهم النبي ﷺ : (أربعوا على أنفسكم، إنكم لا تدعون أصمَّ ولا غائباً ولكنكم تدعون سميعاً بصيراً) هنا قرن بين صفة السمع وصفة البصر لله ، وفي الانفراد قال الرسول ﷺ في حديث رواه أحمد في مسنده: (اعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك)، فأثبت الرؤية لله جل وعلا.
أما بالنسبة للقدرة في السنة فقال النبي ﷺ في حديث الاستخارة: (اللهم إني أستخيرك بعلمك وأستقدرك بقدرتك) فقوله: (وأستقدرك بقدرتك) هذا هو الشاهد.
وأيضاً في الصحيح أن النبي ﷺ قال لـ أبي موسى الأشعري مرشداً إياه: (قل: لا حول ولا قوة إلا بالله، فإنها كنز من كنوز الجنة)، فأثبت القوة لله جل وعلا التي هي بمعنى القدرة، هذا بالنسبة للكتاب والسنة.
وأيضاً ثبت في السنة السمع وحده، قالت عائشة ﵂ وأرضاها: (سبحان الذي وسع سمعه الأصوات كلها، إن التي تشتكي زوجها كانت تتحدث مع النبي ﷺ وإني في ناحية البيت ويخفى عليَّ بعض حديثها، والله جل وعلا يقول: ﴿وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا﴾ [المجادلة:١]).
стр. 238
إثبات صفة السمع والبصر والقدرة بالعقل
أما بالنسبة للعقل فقد تثبت هذه الصفات لله جل وعلا من وجهين: الوجه الأول: أن الله قد وصف بعض عباده بهذه الصفات، وهذه الصفات صفات كمال، فإن كان للمرء صفات كمال فالقاعدة تقول: كل صفة كمال اتصف بها المخلوق فمن باب أولى أن يتصف بها الخالق، قال الله تعالى: ﴿فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [الإنسان:٢] فجعل له السمع والبصر، ولذلك قال: ﴿وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيمَا إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصَارًا وَأَفْئِدَةً﴾ [الأحقاف:٢٦]، فالله جل وعلا أثبت لهم هذه الصفات وهي صفات كمال، فمن باب أولى أن يتصف الله جل وعلا بالسمع والبصر، وكذلك الله جل وعلا يتصف بالقدرة، ومازالت العرب تتشرف أمام الناس بالقدرة على القتال، وبالقدرة على الجماع، وتحمل المشاق، وهذه صفة كمال لهم، فمن باب أولى أن يتصف الله جل وعلا بالقدرة كما يليق بجلال .
الوجه الثاني: أن هذه الصفات التي يتصف الله بها جل وعلا لو كانت عارية عن أحد، لكانت صفات نقص، فلو لم يتصف الله جل وعلا بهذه الصفات لكانت صفات نقص، والله له الكمال المطلق؛ ولذلك عاب الله جل وعلا على من يعبد من له صفات النقص، ما لا يسمع ولا يبصر ولا يقدر؛ ولذلك قال الله تعالى على لسان إبراهيم: ﴿لِمَ تَعْبُدُ مَا لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا﴾ [مريم:٤٢] أي: لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يقدر أن يفعل لك خيراً أو يدفع عنك ضراً؟ فهذه من باب العقل صفات نقص، والله له صفات الكمال المطلقة.
إذاً هذه الصفات الثلاث ثابتة لله جل وعلا بالكتاب والسنة والعقل.
وقولنا: إن الله سبحانه يسمع بسمع فيه رد على المعتزلة الذين قالوا: يسمع بعلم، وقالوا في قول الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [النساء:٥٨] أي: عليماً بأفعال العباد وأقوالهم، فهم لا يثبتون لله سمعاً، لكن نحن نقول: إن الله يسمع.
стр. 239
أقسام سمع الله سبحانه
إن سمع الله جل وعلا أقسام: سمع إدراك وإحاطة، فهو جل وعلا أحاط بكل المسموعات ما دق منها وما خفي، وما جل منها وما عظم، لا يخفى على الله جل وعلا شيء من الأصوات، سواء أكانت أصوات دعاء أم أصوات استغاثة، لا يخفى عليه من ذلك شيء، بل يسمع دبيب النملة السوداء على الصخرة الصماء في الليلة الظلماء، ويرى مخ ساقها ، ولا تختلف عليه اللغات، ولذلك قال الله في الحديث القدسي: (يا عبادي! لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا في صعيد واحد فسألوني) معلوم أن الناس تختلف لغاتهم، وهذه من قدرة الله جل وعلا في الخلق، الإنجليزي والفرنسي والروسي والصيني والعربي والعجمي كل واحد له لغة مختلفة، ومع ذلك لو قاموا في صعيد واحد وفي وقت واحد فسأل كل واحد منهم مسألته من الله وأعطى كل واحد مسألته لوسع سمعه كل الأصوات، فهذا سمع إحاطة وإدراك، وكل مكتوب ومسموع لا يخفى على الله سبحانه، والله جل وعلا يسمع من يناجيه؛ فيثيبه على المناجاة فيقربه إليه، ويسمع من يدعوه ويرجوه؛ فيتقبل دعاءه ولا يرده خائباً، كما قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة:١٨٦]، فهو قريبٌ يسمع دعوة الداعي فيجيب دعاءه، وفي الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: (إن الله ينزل ثلث الليل الآخر فيقول: هل من مستغفر فأغفر له؟ هل من سائل فأعطيه؟ هل من داع فأستجيب له؟) أي: أسمع دعاءه فأستجيب له.
فلا بدَّ أن نستحضر صفة السمع عندما نرفع أيدينا إلى الله جل وعلا وأن يكون دعاؤنا بصدق وإخلاص، فالله يسمع دعاءنا فيستجيب لنا، ولعل رجلاً مخلصاً واحداً قام في ثلث الليل الآخر فرفع يده فدعا الله جل وعلا؛ فسمع الله مناجاته وصوته الخافت، ويتذلّله وانكساره بين يديه جل وعلا استجاب الله له ورفع الغمة عن الأمة، والله جل وعلا وسع سمعه كل الأصوات، فهو يسمع من يخفت صوته مناجاة له؛ كما في حديث أبي بكر ﵁ وأرضاه أن النبي ﷺ قال: (مررت بك يا أبا بكر وأنت تخافت بقراءتك، قال: إني أسمع من أناجي) فالله جل وعلا قريب من العبد مع علوه، ولا يخفى عليه شيء، ويثيب من يناجيه جل وعلا.
القسم الثاني: سمع تأييد ونصرة وتسديد، وهذا السمع لو استحضره أهل الإيمان وأهل الصدق وأهل الجهاد لفازوا به، وهذا السمع يُقبل عليه كل مسلم مؤمن صادق مصدق بقوة الله وقدرته، فموسى وهارون لما خافا من بطش فرعون، فقالا: ﴿إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى﴾ [طه:٤٥]، قال الله تعالى مجيباً لهما: ﴿لا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه:٤٦] أي: أسمع ما يقال لكما، واعلما أن نصري لكما بالتأييد والتسديد موجود.
فهذا سمع تأييد ونصرة وتسديد، فما أفقر العباد الآن إلى سمع الله جل وعلا سمع التأييد والتسديد والنصرة.
القسم الثالث: من أقسام السمع لله جل وعلا: سمع التهديد والوعيد، وما أحرى الكفار والمنافقين أن يستحضروا سمع الله جل وعلا الذي فيه الزجر والردع والتهديد والوعيد، هذا السمع نستنبطه من قول الله تعالى: ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾ [آل عمران:١٨١]، هذا تهديد شديد؛ لأن الله يسمع المنافق الذي يكيد في الليل بالمؤمنين، ويسمع الكافر الذي يريد أن ينكس راية لا إله إلا الله ويرفع راية الكفر، فالله يسمع ذلك ويهدد بأنه يسمع ذلك؛ لأنهم راجعون إليه وسيحاسبهم.
أيضاً قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ﴾ [التوبة:٧٨] أي: إن كان مكراً دبر بليل وعاونهم على ذلك المنافقون فهو يعلمه، كما ذكر في غزوة الأحزاب أن المنافقين الذين تخلوا عن الله جل وعلا وعن رسوله ومشوا في ركاب الكفار، فإن الله يسمع هذا التدبير بالليل وهذا المكر ويهددهم بهذا السمع، ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ﴾ أي: أنهم سيرجعون إليه وسيحاسبهم على ذلك؛ لأنه يسمع سرهم ونجواهم.
القسم الأخير: سمع إجابة الدعاء وسمع إثابة.
стр. 240
إثبات السمع لله لا يستلزم إثبات الأذن لله تعالى
إذا أثبتنا لله السمع فإنه لا يستلزم أن نثبت له آلة السمع، فلا نثبت ولا ننفي؛ لعلنا إذا نفينا أن يكون لله أذن ونكون قد نفينا شيئاً ثابتاً لله جل وعلا، وتجرأنا على الله، والله جل وعلا يحرم علينا أن نتكلم عليه بغير علم، ولعلنا إذا أثبتنا أن لله أذناً ولا يكون لله أذن، فنكون قد تقولنا على الله بغير علم، فالصحيح الراجح في مسألة الأذن أننا لا نثبت ولا ننفي؛ لأن هذه من باب الصفات لله جل وعلا، لم يأتِ الشرع بإثباتها ولا بنفيها، ولكن هل يُتصور أن يسمع أحد من غير أذن؟ نعم؛ قد سمعت النار كلام الله جل وعلا، وسمعت الأرض والسماء أوامر الله: ﴿قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ [فصلت:١١].
وفي ذلك رد على المعتزلة الذين يقولون: أثبتم السمع فقد شبهتم الخالق بالمخلوق، وجعلتم أذناً لله، فنقول: لا يستلزم إثبات صفة السمع إثبات الأذن التي هي الآلة حاشا لله، فلا نثبت ولا ننفي.
أما بالنسبة للبصر فبصر الله جل وعلا يدرك كل المبصرات، ويرى كل شيء، يرى مخ ساق النملة السوداء في الصخرة الصماء في الليلة الظلماء، لا تعطي عنه سماء سماء، ولا أرض أرضاً.
وهذه الرؤية تجعل الإنسان يرتدع ويخشى الله الذي يراه، ويرى تحركاته، ويرى ما يدبر بليل، ويرى ما يهدم به الدين، فقد أحاط الله بكل شيء رؤية، كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه:٤٦]، وكما قال النبي ﷺ : (اعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك).
стр. 241
أقسام بصر الله تعالى
بصر الله أقسام: بصر يراد به العلم، أو يلزم منه العلم، كما قال الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾ [البقرة:٩٦] أي: عليم بما يعملون، وهذا يحتمل الزجر.
وبصرٌ يراد به التأييد والنصرة والتسديد، لقول الله تعالى: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه:٤٦].
وبصر يراد به الإثابة، كقول النبي ﷺ : (اعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك).
أي: أنه يراك ويرى منك طاعتك ودعاءك وتذللك وانكسارك لله جل وعلا؛ فيثيبك على ذلك.
وأيضاً: قول الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾ [البقرة:٩٦] تحتمل أيضاً هذه الإثابة؛ لأن الله بصيرٌ بالذي يعمل الخير، فيثيبه على ذلك.
وأيضاً قول الله تعالى: ﴿الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ * وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ﴾ [الشعراء:٢١٨ - ٢١٩] فيراك حين تقوم الليل فيثيبك على هذا، فهذا أيضاً بصر إثابة وبصر تهديد؛ لأن الله يرى ما يحدث فيهدد من يخالف شرعه، أو يخذل دينه ولا ينصره.
قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى﴾ [العلق:١٤] أي: يرى ما يفعل فيحاسبه عليه، وقال جل وعلا: ﴿فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ [التوبة:١٠٥] فهذا تهديد للمنافقين الذين ينافقون ويدسون السم لأهل الإسلام، فالله جل وعلا يخذلهم، بل ويهددهم بأنه يرى عملهم، بل وسيرى الناس عملهم في الدنيا فضيحة لهم، ثم يرجعون إليه ويبعثون؛ فيحاسبهم على نفاقهم أشد الحساب، والمنافقون في الدرك الأسفل من النار.
стр. 242
إثبات صفة البصر لله لا يستلزم إثبات آلة البصر
لا يستلزم من إثبات البصر إثبات العين الجارحة لله جل وعلا، لكن العين ثبتت لله بأدلة أخرى جاءتنا من كتاب الله ومن سنة الرسول ﷺ ، قال تعالى: ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾ [القمر:١٤]، وقال سبحانه: ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ [طه:٣٩] وقال النبي ﷺ : (إن ربكم ليس بأعور) كما سنبين صفة العين.
وهناك دليلٌ من كتاب الله أن بعض الأشياء ترى من دون عين جارحة كالنار قال الله تعالى: ﴿إِذَا رَأَتْهُم مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا﴾ [الفرقان:١٢] فالنار رأت الكفار ولم يثبت لها العين الجارحة.
стр. 243
أقسام قدرة الله تعالى
الله جل وعلا قادر بقدرة، وقدرة الله أحاطت بكل شيء، والله على كل شيء قدير، وقدرة الله أقسام: القدرة على تغيير الإرادات وعلى تغيير ما في القلوب، وهذه أدق الأشياء، وإذا علمتم ذلك فإن المرء يخشى على نفسه، قال الله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾ [الأنفال:٢٤]، لعل المرء يكون مؤمناً في الصباح، فيغير الله ما في قلبه؛ فيغير إيمانه إلى كفر، فيمسي كافراً، أو يمسي مؤمناً ثم يصبح كافراً، والله يمحص البشر، ويبتليهم ويختبرهم بالمصائب؛ ليمحص ما في القلوب، ويميز الخبيث من الطيب، فهذا البلاء والاختبار؛ لتمييز الصف المسلم من الصف المنافق ومن الصف المخذل الكافر، سئل أعرابي: كيف عرفت ربك؟ قال: عرفت ربي بتغيير الإرادات.
أي: أن الله جل وعلا يملك القلب فيغير الهمم ويغير الإرادات.
والله سبحانه قد يبتلي قلب المرء؛ ليعلم هل هو صادق أم أنه لا يريد نصرة الله ولا نصرة رسوله ودينه؟ فهو سبحانه قادر على تغيير الإرادات، فيغير إرادة من يريد إهلاك المسلمين فيصبح يريد الخير للمسلمين، وقد حدث ذلك قديماً وسيحدث حديثاً.
стр. 244
صور واقعية تثبت قدرة الله على تغيير الإرادات
من أشهر الصور التي تثبت قوة الله وقدرته جل وعلا على تغيير الإرادات والهمم، غزوة الأحزاب فقد كان عدد أهل الكفر من غطفان ستة آلاف مقاتل، ومن قريش أربعة آلاف مقاتل، ومن يهود بني قريظة وغيرهم، فكانوا أكثر من عشرة آلاف مقاتل، كل هؤلاء تكالبوا على النبي ﷺ وأصحابه، لكن قوة الله وقدرته أظهرت أن النصر لا يكون بالسيف فقط، فهذه دالة على قدرة الله جل وعلا، وتجعل المرء إذا علم أن الله قادر على تغيير القلوب والهمم يدعو الله أن يصرف قلوب الذين يريدون تخذيل الدين إلى نصرة الدين، ويصرف قلوب الكافرين لهدم الدين إلى بناء الدين، والله ينصر دينه بالكافر وبالبر وبالفاجر، فالله جل وعلا جعل الخلل في الأحزاب الذين تحزبوا على دين الله، وأرادوا إهلاك واستئصال شأفة المسلمين، ولا يخفى علينا ما حدث في الصف المسلم من رعب وزلزلة، والقاعدة: أن المحن لابد أن يعقبها منح ولن يمكن المرء حتى يبتلى، فالصف المسلم بعد هذه الزلزلة التي وصفها الله جل وعلا بقوله: ﴿وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا﴾ [الأحزاب:١١] من تكالب الأحزاب الكافرة عليهم، وتكالب المنافقين وخذلانهم وإرجافهم بأهل المدينة، وقالوا: ﴿إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ﴾ [الأحزاب:١٣] وأرادوا الرجوع، وكذلك نقض يهود بني قريظة للعهد؛ فأصبح الصف المسلم في زلزلة عظيمة شديدة جداً، فعلم المؤمنون أنه لا ملجأ ولا منجى من الله إلا إليه، وعلموا أن النصر لا يمكن أن يكون بالحسابات المادية بحال من الأحوال، وهذا رد قوي جداً على أصحاب الكفر التائه الضائع الذين جعلهم الله من الهمج الرعاع؛ كما قال علي بن أبي طالب: الناس عالم رباني أو متعلم أو همج رعاع، والهمج الرعاع مثل الذين يقيسون قدرة الله بقدرة البشر، يقولون: كيف يقف النبي ﷺ وأصحابه أمام عشرة آلاف من أهل الكفر بسيوفهم ورماحهم وخيولهم وعتادهم؟ هل للنبي ﷺ طاقة؟ وأصحابه لا يتجاوزون ثلاثة آلاف، فهل يستطيع النبي ﷺ أن يواجههم؟ نقول: إن القوة الخفية التي هي قوة الله جل وعلا فوق ذلك كله، والذي يعلم قدرة المليك المقتدر يعلم أن قوة الله جل وعلا ليست في الموت فقط، أو أن يذيق الكافرين الموت، أو يقلب هذا على ذاك، لا، بل غيَّر الله سبحانه قلب رجل واحد وحوله من الكفر إلى الإسلام، ألا وهو نعيم بن مسعود الغطفاني وكان بغية غطفان هو تمر المدينة وقد أراد النبي ﷺ أن يخلخل الصفوف بذكاء منه، فقال: (أبايعكم على ثلث تمر المدينة على أن ترجعوا بجيوشكم، فقال سعد بن معاذ: يا رسول الله! إن كان هذا أمر من الله سمعنا وأطعنا، وإن كان هذا أمر تحبه أنت سمعنا وأطعنا، وإن كان من أجلنا فوالله لا نعطيهم تمرة واحدة إلا بالبيع والشراء أو قرى، فألغى النبي ﷺ هذا الصلح، وقال: شأنكم، وإنما رأيت العرب قد رمتكم عن قوس واحدة، قالوا: لنا الله ورسوله) هذا هو الرد القوي، فمن علم بقدرة الله فليقل: لنا الله، ومن جهل قدرة الله فليقل مثل ما قال ذلك الرجل: (لئن قدر الله علي ليعذبني) فهذا الرجل قدح في قدرة المليك المقتدر.
(أتى نعيم بن مسعود الغطفاني النبي ﷺ فأسلم وأخفى إسلامه عن الجميع، فقال: يا رسول الله قد أسلمت، ما تأمرني؟ قال: إنما أنت رجل واحد، ولكن خذل عنا ما استطعت) أي: حاول أن تخذل عنا الذين تمالئوا علينا، وهكذا جعل الله نصر المؤمنين على يد رجل واحدٍ، فذهب الرجل بدهاء الحرب والخدعة إلى غطفان وقريش وأخبرهم أن اليهود ستغدر بكم، وسيأتون إليكم ويقولون: ائتونا برهائن يكونون عندنا؛ حتى لا تغدرون، وهم يفعلون ذلك ثم يغدرون، ثم ذهب إلى اليهود وقال: إن قريشاً وغطفان سيغدرون بكم، فعليكم أن تستوثقوا منهم، فخذوا منهم رهائن، فاختلف الفريقان، ونجحت الخطة، ورد الله جل وعلا قريشاً وغطفان بكيدهم، وأبقى اليهود بحسرتهم، والنبي ﷺ أخذ كل أموالهم غنيمة له ونساءهم سبياً له وللمؤمنين، ثم بعد ذلك قتل مقاتلتهم، انظروا إلى قدرة الله جل وعلا، قدرة الإرادات! قال الله تعالى في الحديث القدسي: (من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إلي عبد بشيء أحب إلي مما افترضته عليه، وما زال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به) من يستطيع حرب الله جل وعلا؟! من يقوى على أن يقاتل الله جل وعلا؟! من قاتل أولياء الله فالحرب بينه وبين الله، فإنَّ الله يقول: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ [الأنفال:١٧].
قدرة الله المادية ظهرت جلية في أكثر من صورة من صور غزوات النبي ﷺ ، ففي غزوة بدر كان عدد المسلمين أربعة عشر رجلاً وثلاثمائة، وعدد المشركين ما يقارب ألفاً، وجعل الله النصر للمؤمنين: ﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ﴾ [الأنفال:١٢].
وأيضاً في غزوة مؤتة كان الروم ثلاثمائة ألف بعددهم وعتادهم بينما عدد المسلمين ثلاثة آلاف، لا يمكن لعقل أن يتصور النصر للمؤمنين، لكن قدرة الله فوق كل قدرة، ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة:٢٨٤]، فالله قادرٌ على أن يرسل الملائكة يقاتلون من أجل نصرة دينه، قال الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [يوسف:٢١]، ومن استيقن هذه الآية علم أن الله غالب على أمره، وعلم أن الله ناصر دينه، وأن الله جل وعلا قال: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الروم:٤٧].
ففي غزوة مؤتة أوحى الله إلى نبيه ﷺ يخبره ما حصل للمسلمين فيها، فقام النبي ﷺ خطيباً في الناس باكياً على مقتل هؤلاء الصحابة، ثم قال: (ثم استلم الراية سيف من سيوف الله جل وعلا استله الله على أعدائه، فجعل النصرة على يديه) أي: جعل الله النصر على يد خالد بن الوليد.
لما فقه هرقل هذا الكلام قال لـ خالد: أأنزل الله لك سيفاً من السماء تقاتل به فلا تنكل أبداً؟ وعمر بن الخطاب الذي يفقه أن النصر ليس من خالد ولا من أحد، وإنما النصر من عند الله، أول ما صار خليفة عزل خالداً، ولما سئل وعوتب على ذلك قال: حتى لا يظن الناس أن النصر من خالد، ولما تولى الراية أبو عبيدة بن الجراح جعل الله النصر على يديه؛ لأن النصر من عند الله جل وعلا، والقدرة قدرة الله، فمن استيقن بقدرة الله أتاه نصر الله، أما من لم يستيقن بقدرة الله جل وعلا فهو المخذول.
стр. 245
الرد على الأشاعرة والمعتزلة في الصفات
الأشاعرة والمعتزلة قالوا بعدم إثبات الصفات، لكن الأشاعرة يثبتون صفة السمع والبصر والقدرة، ولكن قالوا: الله سميع بصير بعلم، وهناك فارق بين السمع والبصر والعلم، لكن هم يقولون: السمع والبصر يستلزمان العلم حسب زعمهم.
والرد عليهم بأمور: الأول: الأدلة التي سردناها من الكتاب والسنة في عدم استلزام السمع والبصر للعلم.
الثاني: نقول: إنكم خالفتم إجماع الصحابة.
الثالث: أنتم خالفتم ظاهر القرآن وظاهر السنة بدون قرينة.
الرابع: العقل يرد عليكم، فلا يستلزم العلم السمع والبصر، فالأعمى يعلم بوجود السماء ولا يراها، فهل يستلزم علم الأعمى بالسماء أن يراها؟ لا، أيضاً: الأصم الذي لا يسمع يعلم أن الناس يتكلمون ولا يسمع كلامهم، فلا يستلزم العلم صفة السمع والبصر وأيضاً القدرة.
стр. 246
شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة - صفة الوجه
صفات الله قد أخبر عنها في كتابه، ووصفه بها رسوله ﷺ ، فأثبتها الصحابة الكرام وتابعوهم بلا تأويل ولا تشبيه، ولكن أهل البدع أبوا إلا تأويلها أو تعطيلها.
ومن هذه الصفات صفة الوجه، فقد ذكر أن له وجهاً، وكذلك ورد عن رسول الله ﷺ ، فأثبتها من اتبع طريق الرسول، وأبى أهل البدع إلا أن يؤولوها وينفوها؛ تحريفاً لكلام الله وكلام رسوله.
стр. 247
إثبات صفات الله كما وردت دون تأويل
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
ثم أما بعد: فإن الله سميع بسمع، بصير ببصر، قادر بقدرة، فهو سبحانه يسمع، وسمع الله أحاط بكل شيء، فسبحان الذي وسع سمعه الأصوات كلها، فلا يخفى عليه شيء حتى تفنن الحاجات واختلاف اللغات لا يختلف على الله جل وعلا، فلا تواري منه سماء سماء، ولا أرض أرضاً، ولا بحر ما في قعره، ولا جبل ما في جوفه، والله يرى دبيب النملة السوداء على الصخرة الصماء.
وقلنا: سميع بسمع، لنرد على بعض طوائف أهل البدع الذين يقولون: سميع بصير بمعنى: عليم، ولو قلنا: إن الله يسمع الأصوات، يقولون: لا، وإنما يعلم الأصوات، ويعلم ما يقولون.
وإذا قلنا: إنه بصير يرى، قالوا: لا، بل هو بصير بمعنى يعلم هذه الأفعال التي تفعل من عباده.
فنرد عليهم بالأثر وبالنظر.
أما الأثر: فالأدلة ظاهرة.
قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ [الحج:٧٥]، وقال: ﴿وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا﴾ [المجادلة:١].
أما الأثر فقوله ﷺ : (أربعوا على أنفسكم، إنكم لا تدعون أصم ولا غائباً، وإنما تدعون سميعاً بصيراً).
وأيضاً في اللغة معلوم أن السميع هو: من يسمع الأصوات.
وأن البصير هو: من يرى الأشياء.
أما هم فقالوا: لا نثبت السمع ولا البصر، ولكنه يعلم الأفعال التي تفعل، ويعلم الأقوال التي تقال.
ونرد عليهم من النظر: بأنهم أولوا السمع والبصر بالعلم، ولا يستلزم العلم السمع والبصر، فلو قلنا بقولهم فلابد أن ننفي صفتي السمع والبصر؛ لأن الأعمى يعلم بوجود سماء، وأرض، وجبال، وبحار، وهو لا يراها، فلا يستلزم العلم بوجود الجبال والسماء والأرض الرؤية.
وكذلك لو أولنا السماع بالعلم فإننا سننفي صفة السمع.
وهم لا يريدون نفي جميع الصفات مثل الجهمية الذين ينفون كل صفات الله جل وعلا، لكنهم قالوا: السمع بمعنى العلم، ويسمع الأقوال يعني: يعلم الأقوال، فنقول: العلم لا يستلزم السماع، فإذا كان هناك رجل أصم أو أبكم ويرى الناس يتكلمون يعلم بوجود كلام، وأصوات وحروف خارجة من هذه الأفواه، وهو مع ذلك لا يسمع، فلا يستلزم العلم السماع.
وهذه الصفات: السمع والبصر ومثلهما القدرة صفات ذاتية ذاتية، أي: لا تنفك عن الله.
فهي أزلية أبدية.
وإذا اقترن السمع بالبصر أو اقترنت الصفة مع صفة أخرى وصفة ثالثة فإن هذا الاقتران يجعل الصفة الثانية والثالثة على كمال فوق كمال، فيزداد الكمال فيكون أكمل، فقولك: سميع بصير أكمل من أن تقول: سميع فقط، أو بصير فقط، فهذا زيادة في الكمال؛ ولذلك استحسن لمن يتوسل إلى الله جل وعلا أن يكثر من ذكر أسماء الله الحسنى التي يتوسل بها، وصفاته العلى.
стр. 248
صفة الوجه
دل كتاب الله وسنة رسوله ﷺ على أن من صفات الله : الوجه، قال تعالى: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٢٧]، وقال جل وعلا: ﴿وَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [القصص:٨٨].
وهو من الصفات الذاتية الخبرية، وسميت خبرية لأنه غير ممكن للعقل أن يأتي بها أبداً، وإنما ورد بها السمع، فهي صفة ذاتية لا تنفك عن الله، أزلية أبدية، وهي ثبوتية لأنها غير منفية، وهذه الصفة ثابتة بالكتاب والسنة وإجماع الأمة، ويمكن تجوزاً أن يكون لها دليل من العقل.
أما ثبوتها بالكتاب فقد قال الله تعالى: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٢٧]، ولو قال: (ذي) لكانت ترجع إلى قوله: (ربك).
وقال جل وعلا: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص:٨٨]، فأضاف الوجه إلى الله جل وعلا، والمضاف إلى الله نوعان: أعيان ومعان، فإضافة الأعيان هي إضافة تشريف، مثل: الكعبة بيت الله، عيسى روح الله، محمد رسول الله.
أما المعاني فهي إضافة صفة إلى موصوف، والوجه صفة من صفات الله أضيفت إلى الله جل وعلا.
وأما ثبوتها بالسنة ففي الصحيحين عن النبي ﷺ في الحديث الطويل قال: (وما بين القوم وبين أن يروا ربهم إلا رداء الكبرياء على وجهه ، فإذا كشفه رأوا الله جل وعلا.
وأيضاً في صحيح مسلم عن أبي موسى الأشعري ﵁ وأرضاه قال: قال رسول الله ﷺ : (إن الله لا ينام، ولا ينبغي له أن ينام، يخفض القسط ويرفعه، يرفع إليه عمل الليل قبل النهار، ويرفع إليه عمل النهار قبل الليل، حجابه النار) وفي رواية: (حجابه النور، لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه).
والشاهد فيه قوله: (حجابه النار لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه) أي: وجه الله، فالهاء عائدة على الله جل وعلا، فالوجه مضاف إلى الله جل وعلا.
وقوله: (سبحات وجهه) أي: أنوار الله جل وعلا.
وأما ثبوته بالإجماع فقد أجمع سلف الأمة على أن لله وجهاً يليق بجلاله وكماله، لا يشبه وجه المخلوقين، كما قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١].
ولا نكيف وجه الله جل وعلا الذي له العظمة والبهاء.
وقد وصف لنا الله جل وعلا بعض الصفات التي يتصف بها وجهه ومن هذه الصفات: الصفة الأولى: أنه ذو جلال وإكرام، قال تعالى: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٢٧].
الصفة الثانية: البقاء، قال تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص:٨٨] وهذه من صفات الله الأزلية الأبدية.
الصفة الثالثة: البهاء والعظمة، قال ﷺ : (لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه) أي: بهاء الله جل وعلا، وعظمة وجه الله.
فهذه صفات وجه الله، وهي ثابتة بالكتاب وبالسنة وبإجماع الأمة، وله صفات البهاء والعظمة والجلال الإكرام والبقاء، فهذه صفات أزلية أبدية.
وعندما نعتقد أن لله وجهاً نشتاق لرؤية وجه الله جل وعلا، والمسلم إذا نظر إلى وجه الله فإن الجنة لا تعدل عنده شيئاً، فلا يمكن لنعيم أن يوازي نعيم النظر إلى وجه الله جل وعلا.
ولذلك كان رسول الله ﷺ يقول: (وأسألك لذة النظر إلى وجهك)، وإذا لم نعتقد أن لله وجهاً فكيف نسأل الله جل وعلا أن ننظر إلى وجهه الكريم؟!
стр. 249
اعتقاد أهل البدع في الوجه والرد على شبهاتهم
أهل البدع عكروا علينا هذا الفهم، وهذا الاعتقاد الصحيح.
فقالوا: أنتم تقولون: لله وجه، فشبهتم الخالق بالمخلوق.
لأننا لو قلنا: لله وجه فهذا جزء وبعض، وإذا قلتم: جزء وبعض فقد جزأتم الله، والله لا يتجزأ.
قالوا: وأنتم شبهتم الخالق بالمخلوق؛ لأن المخلوق له وجه وله يد وله ساق، فشبهتم الخالق بالمخلوق، والخالق منزه عن ذلك.
وقالوا: إن الوجه المراد به الثواب، وما يراد به الوجه حقيقة.
فنقول: الرد عليهم من وجوه: الوجه الأول: أننا نثبت لله وجهاً؛ لأن الله قد أثبته لنفسه، وقد أثبته له نبيه، ونحن لسنا بأعلم من الله جل وعلا، ولا أعلم بالله من رسول الله ﷺ ، فإن الله الذي يعلم بنفسه قد أثبت لنفسه وجهاً، والرسول الذي هو أعلم بربه من وحيه قد أثبت له الوجه.
فآمنا بالله، وبما جاء عن الله على مراد الله، وآمنا برسول الله، وبما جاء عن رسول الله على مراد رسول الله.
أما هذه المقدمة التي قدمتموها وأن فيه تشبيه الخالق بالمخلوق فهي مقدمة باطلة؛ لأننا نثبت لله هذه الصفة دون أن تشابه صفات المخلوقين؛ وذلك تحت قاعدة قعدها الله في كل صفاته، قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١]، والاشتراك في الاسم لا يستلزم التساوي في المسمى.
فعندما أقول: لي يد، وللحيوان يد، وللفيل يد، وللحمار يد، فهل يد الإنسان تشبه يد الفيل؟ لا، وعندما أقول: بأن لي وجهاً، وللمعز وجهاً، فهل وجهي مثل وجه الماعز؟
الجواب
لا.
إذاً: فلي وجه، ولله وجه.
ووجه الله يليق بجلاله وكماله، ووجه الإنسان يليق بنقصه وضعفه.
إذاً: نثبت ما أثبته الله لنفسه دون أن يشابه المخلوقين.
وأما الرد عليكم بأن المراد بالوجه: الثواب فنقول: أولاً: خالفتم ظاهر القرآن.
وظاهر القرآن هو ما قاله الله تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص:٨٨]، وقال جل وعلا: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٢٧]، فخالفتم الظاهر المعروف من الوجه، فإن الظاهر منه في اللغة معلوم، وإذا خالفتم هذا الظاهر وأولتموه فلا بد أن تأتوا بالقرينة؛ لأن الأصل في اللفظ أن يحمل على ظاهره إلا أن تأتي قرينة تصرفه عن الظاهر إلى المؤول، ولا قرينة لكم هنا.
ثانياً: خالفتم ظاهر حديث النبي ﷺ ، الذي هو أعلم الناس بكلام الله جل وعلا، وأعلم الناس باللغة العربية فإنه قال: (اللهم إني أسألك النظر إلى وجهك الكريم)، وقال في دعاء دخول المسجد: (أعوذ بالله العظيم، ووجهه الكريم، وسلطانه القديم، من الشيطان الرجيم)، فخالفتم ظاهر كلام النبي ﷺ من دون قرينة صارفة للحديث عن ظاهره.
ثالثاً: لو تنزلنا معكم وقلنا: إن وجه الله هو الثواب، فكيف نعقل هذه الآية التي يقول فيها الله جل وعلا: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٢٧]؟ فإن تأويلها عندكم: ويبقى ثواب ربك ذو الجلال والإكرام.
فهل الثواب عاقل حتى يوصف بأنه: ذو جلال وإكرام؟ وهل هناك عاقل يصف الثواب بأنه: ذو جلال وإكرام؟ بل الأشد والأنكى من ذلك، وهو الذي بين ضعف عقولكم قول النبي ﷺ : (حجابه النار أو النور لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه).
وهذا تأويله عندكم: لأحرقت سبحات ثوابه ما انتهى إليه بصره من خلقه.
وهذا عجيب جداً! وهو يبين ضعف تأويلكم.
فإن الذي يحرق ما انتهى إليه بصره من خلقه هو وجه الله، وأنوار وجه الله، وبهاء وجه الله جل وعلا.
فقالوا: لا نؤول الوجه بالثواب، ونؤوله بأمر آخر، فنقول: الوجه بمعنى: الذات.
والدليل على أن الوجه لا يراد به الوجه، وإنما يراد به الذات قول الله تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص:٨٨]، قالوا: فهل يهلك كل شيء ويبقى وجه الله فقط؟ قالوا: ولو قلنا: بأن الوجه هو الوجه فلا بد أن نقول بأن كل شيء هالك إلى وجهه، أي: أن كل شيء سيفنى، ولا يبقى إلا الوجه، وهذا كلام ليس بصحيح، فلابد أن نقول: إن الوجه هو: الذات، وهذا كلام قوي.
فنقول لهم: قول الله تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص:٨٨] فيها إثبات صفة الوجه، وكل: هنا للعموم، أي: كل شيء.
ولكن كل لفظ عام مؤول في القرآن وفي السنة، أما في القرآن فكما قال الله تعالى: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا لا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ﴾ [الأحقاف:٢٥] يعني: المساكن لم تدمر، مع أنه قال: ((تُدَمِّرُ كُلَّ)) يعني: كل شيء من المساكن والبيوت والناس، لكن بقيت المساكن، فنحن نؤول كل بمعنى: تدمر كل ما كان قابلاً للتدمير.
فهو مخصوص بالعرف.
وكذلك قوله: ((كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ)) أي: كل شيء قابل للهلاك فهو هالك.
أما ذات الله ويد الله وساق الله وبصر الله وعين الله فهذه صفات أزلية أبدية ليست قابلة للهلاك، فنقول: (كل) هنا ليست على العموم.
فقول الله تعالى: ((كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ)) يعني: يبقى وجه الله جل وعلا، وباللزوم إذا بقي الوجه يبقى الذات.
ونقول لهم: النبي ﵊ غاير بين الوجه وبين الذات، فكيف تسوون أنتم بين الوجه وبين الذات؟ فالنبي ﷺ غاير بينهما، فعطف الوجه على الذات، وهذا العطف يدل على المغايرة؛ لأن الأصل في العطف المغايرة، قال ﷺ : (إذا دخل أحدكم المسجد فليقل: أعوذ بالله العظيم، وبوجهه الكريم) فذكر الذات، ثم عطف عليه صفة الوجه، وهذا العطف يدل على المغايرة، وأن الوجه غير الذات، بل الوجه صفة للذات، لأنها أضيفت إليه، كما قال الله تعالى: ((وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ))، فأضاف الصفة إلى الذات وهو الموصوف.
стр. 250
معنى قوله تعالى: (فأينما تولوا فثم وجه الله)
فإن قالوا: عندنا دليل آخر: وهو أن السلف أولوا هذا التأويل، فقالوا: وجه الله: الجهة، وذلك في قول الله تعالى: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة:١١٥]، فقد قال بعض السلف: أي: فثم جهة الله جل وعلا.
بمعنى: أنك أينما توجهت وأنت تصلي إذا كنت لا تعرف جهة القبلة فاجتهدت وصليت فأنت في جهة الله جل وعلا، وصحيح أن بعض السلف قال ذلك.
فنقول: نحن لا نخالفكم في هذا التفسير، وهذا التفسير لا ينافي إثبات الوجه لله.
وبيان ذلك أن بعض السلف أولوا الوجه في الآية على الجهة.
والأصل في أي لفظ أن يكون على ظاهره، إلا أن تأتي قرينة تصرفه من الظاهر إلى المؤول، وهنا قرينة، وهي سبب النزول فسبب نزول الآية: أن صحابة رسول الله ﷺ كانوا في سفر، واجتهدوا رأيهم أين القبلة، فتوجه كل منهم باجتهاده إلى جهة وصلى، ولكن خافوا ألا تقبل الصلاة؛ لأنهم أخطئوا القبلة، فطيب الله قلوبهم، وبين أن ثوابهم لا يضيع، فأنزل قوله تعالى: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة:١١٥] أي: فهناك جهة الله جل وعلا، يعني: أينما تولوا وجوهكم باجتهاد فصلاتكم صحيحة، وثوابكم محفوظ عند الله جل وعلا، وأنتم مأجورون على ذلك.
فنقول: إن هذا لا يخالف الحق، فنثبت الجهة ونثبت الوجه لله؛ لأن عندنا الدليل الذي يفسر قول الله تعالى: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة:١١٥] ووجه الله أحاط بكل شيء؛ لأن الله قد أحاط بكل شيء، فوجه الله أحاط بكل شيء، فأينما تولوا فهناك وجه الله، فوجه الله أحاط بكل شيء وهو على عرشه، ودليل ذلك حديث الصحيحين: أن النبي ﷺ قال: (إذا قام أحدكم يصلي فلا يبصقن أمام وجهه، فإن الله قبل وجهه)، فإن الله أحاط بكل شيء، ووجه الله أحاط بكل شيء.
فنثبت لله الوجه، وأيضاً: نثبت له الجهة، ولا منافاة.
فوجه الله ثابت، والجهة أيضاً ثابتة، فأينما تولوا وجوهكم فهناك جهة الله؛ لأن الله قد أحاط بكم.
إذاً: هذه الصفة الذاتية الخبرية ثابتة بالكتاب وبالسنة وبإجماع السلف.
следующие страницы →