← Акыда

Акыда · id 37435

شرح أصول اعتقاد أهل السنة للالكائي - محمد حسن عبد الغفار

محمد حسن عبد الغفار

Полный текст (838 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة - صفة الوجه صفات الله قد أخبر عنها في كتابه، ووصفه بها رسوله ﷺ ، فأثبتها الصحابة الكرام وتابعوهم بلا تأويل ولا تشبيه، ولكن أهل البدع أبوا إلا تأويلها أو تعطيلها. ومن هذه الصفات صفة الوجه، فقد ذكر أن له وجهاً، وكذلك ورد عن رسول الله ﷺ ، فأثبتها من اتبع طريق الرسول، وأبى أهل البدع إلا أن يؤولوها وينفوها؛ تحريفاً لكلام الله وكلام رسوله.

стр. 247

إثبات صفات الله كما وردت دون تأويل إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. ثم أما بعد: فإن الله سميع بسمع، بصير ببصر، قادر بقدرة، فهو سبحانه يسمع، وسمع الله أحاط بكل شيء، فسبحان الذي وسع سمعه الأصوات كلها، فلا يخفى عليه شيء حتى تفنن الحاجات واختلاف اللغات لا يختلف على الله جل وعلا، فلا تواري منه سماء سماء، ولا أرض أرضاً، ولا بحر ما في قعره، ولا جبل ما في جوفه، والله يرى دبيب النملة السوداء على الصخرة الصماء. وقلنا: سميع بسمع، لنرد على بعض طوائف أهل البدع الذين يقولون: سميع بصير بمعنى: عليم، ولو قلنا: إن الله يسمع الأصوات، يقولون: لا، وإنما يعلم الأصوات، ويعلم ما يقولون. وإذا قلنا: إنه بصير يرى، قالوا: لا، بل هو بصير بمعنى يعلم هذه الأفعال التي تفعل من عباده. فنرد عليهم بالأثر وبالنظر. أما الأثر: فالأدلة ظاهرة. قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ [الحج:٧٥]، وقال: ﴿وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا﴾ [المجادلة:١]. أما الأثر فقوله ﷺ : (أربعوا على أنفسكم، إنكم لا تدعون أصم ولا غائباً، وإنما تدعون سميعاً بصيراً). وأيضاً في اللغة معلوم أن السميع هو: من يسمع الأصوات. وأن البصير هو: من يرى الأشياء. أما هم فقالوا: لا نثبت السمع ولا البصر، ولكنه يعلم الأفعال التي تفعل، ويعلم الأقوال التي تقال. ونرد عليهم من النظر: بأنهم أولوا السمع والبصر بالعلم، ولا يستلزم العلم السمع والبصر، فلو قلنا بقولهم فلابد أن ننفي صفتي السمع والبصر؛ لأن الأعمى يعلم بوجود سماء، وأرض، وجبال، وبحار، وهو لا يراها، فلا يستلزم العلم بوجود الجبال والسماء والأرض الرؤية. وكذلك لو أولنا السماع بالعلم فإننا سننفي صفة السمع. وهم لا يريدون نفي جميع الصفات مثل الجهمية الذين ينفون كل صفات الله جل وعلا، لكنهم قالوا: السمع بمعنى العلم، ويسمع الأقوال يعني: يعلم الأقوال، فنقول: العلم لا يستلزم السماع، فإذا كان هناك رجل أصم أو أبكم ويرى الناس يتكلمون يعلم بوجود كلام، وأصوات وحروف خارجة من هذه الأفواه، وهو مع ذلك لا يسمع، فلا يستلزم العلم السماع. وهذه الصفات: السمع والبصر ومثلهما القدرة صفات ذاتية ذاتية، أي: لا تنفك عن الله. فهي أزلية أبدية. وإذا اقترن السمع بالبصر أو اقترنت الصفة مع صفة أخرى وصفة ثالثة فإن هذا الاقتران يجعل الصفة الثانية والثالثة على كمال فوق كمال، فيزداد الكمال فيكون أكمل، فقولك: سميع بصير أكمل من أن تقول: سميع فقط، أو بصير فقط، فهذا زيادة في الكمال؛ ولذلك استحسن لمن يتوسل إلى الله جل وعلا أن يكثر من ذكر أسماء الله الحسنى التي يتوسل بها، وصفاته العلى.

стр. 248

صفة الوجه دل كتاب الله وسنة رسوله ﷺ على أن من صفات الله : الوجه، قال تعالى: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٢٧]، وقال جل وعلا: ﴿وَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [القصص:٨٨]. وهو من الصفات الذاتية الخبرية، وسميت خبرية لأنه غير ممكن للعقل أن يأتي بها أبداً، وإنما ورد بها السمع، فهي صفة ذاتية لا تنفك عن الله، أزلية أبدية، وهي ثبوتية لأنها غير منفية، وهذه الصفة ثابتة بالكتاب والسنة وإجماع الأمة، ويمكن تجوزاً أن يكون لها دليل من العقل. أما ثبوتها بالكتاب فقد قال الله تعالى: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٢٧]، ولو قال: (ذي) لكانت ترجع إلى قوله: (ربك). وقال جل وعلا: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص:٨٨]، فأضاف الوجه إلى الله جل وعلا، والمضاف إلى الله نوعان: أعيان ومعان، فإضافة الأعيان هي إضافة تشريف، مثل: الكعبة بيت الله، عيسى روح الله، محمد رسول الله. أما المعاني فهي إضافة صفة إلى موصوف، والوجه صفة من صفات الله أضيفت إلى الله جل وعلا. وأما ثبوتها بالسنة ففي الصحيحين عن النبي ﷺ في الحديث الطويل قال: (وما بين القوم وبين أن يروا ربهم إلا رداء الكبرياء على وجهه ، فإذا كشفه رأوا الله جل وعلا. وأيضاً في صحيح مسلم عن أبي موسى الأشعري ﵁ وأرضاه قال: قال رسول الله ﷺ : (إن الله لا ينام، ولا ينبغي له أن ينام، يخفض القسط ويرفعه، يرفع إليه عمل الليل قبل النهار، ويرفع إليه عمل النهار قبل الليل، حجابه النار) وفي رواية: (حجابه النور، لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه). والشاهد فيه قوله: (حجابه النار لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه) أي: وجه الله، فالهاء عائدة على الله جل وعلا، فالوجه مضاف إلى الله جل وعلا. وقوله: (سبحات وجهه) أي: أنوار الله جل وعلا. وأما ثبوته بالإجماع فقد أجمع سلف الأمة على أن لله وجهاً يليق بجلاله وكماله، لا يشبه وجه المخلوقين، كما قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١]. ولا نكيف وجه الله جل وعلا الذي له العظمة والبهاء. وقد وصف لنا الله جل وعلا بعض الصفات التي يتصف بها وجهه ومن هذه الصفات: الصفة الأولى: أنه ذو جلال وإكرام، قال تعالى: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٢٧]. الصفة الثانية: البقاء، قال تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص:٨٨] وهذه من صفات الله الأزلية الأبدية. الصفة الثالثة: البهاء والعظمة، قال ﷺ : (لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه) أي: بهاء الله جل وعلا، وعظمة وجه الله. فهذه صفات وجه الله، وهي ثابتة بالكتاب وبالسنة وبإجماع الأمة، وله صفات البهاء والعظمة والجلال الإكرام والبقاء، فهذه صفات أزلية أبدية. وعندما نعتقد أن لله وجهاً نشتاق لرؤية وجه الله جل وعلا، والمسلم إذا نظر إلى وجه الله فإن الجنة لا تعدل عنده شيئاً، فلا يمكن لنعيم أن يوازي نعيم النظر إلى وجه الله جل وعلا. ولذلك كان رسول الله ﷺ يقول: (وأسألك لذة النظر إلى وجهك)، وإذا لم نعتقد أن لله وجهاً فكيف نسأل الله جل وعلا أن ننظر إلى وجهه الكريم؟!

стр. 249

اعتقاد أهل البدع في الوجه والرد على شبهاتهم أهل البدع عكروا علينا هذا الفهم، وهذا الاعتقاد الصحيح. فقالوا: أنتم تقولون: لله وجه، فشبهتم الخالق بالمخلوق. لأننا لو قلنا: لله وجه فهذا جزء وبعض، وإذا قلتم: جزء وبعض فقد جزأتم الله، والله لا يتجزأ. قالوا: وأنتم شبهتم الخالق بالمخلوق؛ لأن المخلوق له وجه وله يد وله ساق، فشبهتم الخالق بالمخلوق، والخالق منزه عن ذلك. وقالوا: إن الوجه المراد به الثواب، وما يراد به الوجه حقيقة. فنقول: الرد عليهم من وجوه: الوجه الأول: أننا نثبت لله وجهاً؛ لأن الله قد أثبته لنفسه، وقد أثبته له نبيه، ونحن لسنا بأعلم من الله جل وعلا، ولا أعلم بالله من رسول الله ﷺ ، فإن الله الذي يعلم بنفسه قد أثبت لنفسه وجهاً، والرسول الذي هو أعلم بربه من وحيه قد أثبت له الوجه. فآمنا بالله، وبما جاء عن الله على مراد الله، وآمنا برسول الله، وبما جاء عن رسول الله على مراد رسول الله. أما هذه المقدمة التي قدمتموها وأن فيه تشبيه الخالق بالمخلوق فهي مقدمة باطلة؛ لأننا نثبت لله هذه الصفة دون أن تشابه صفات المخلوقين؛ وذلك تحت قاعدة قعدها الله في كل صفاته، قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١]، والاشتراك في الاسم لا يستلزم التساوي في المسمى. فعندما أقول: لي يد، وللحيوان يد، وللفيل يد، وللحمار يد، فهل يد الإنسان تشبه يد الفيل؟ لا، وعندما أقول: بأن لي وجهاً، وللمعز وجهاً، فهل وجهي مثل وجه الماعز؟ الجواب لا. إذاً: فلي وجه، ولله وجه. ووجه الله يليق بجلاله وكماله، ووجه الإنسان يليق بنقصه وضعفه. إذاً: نثبت ما أثبته الله لنفسه دون أن يشابه المخلوقين. وأما الرد عليكم بأن المراد بالوجه: الثواب فنقول: أولاً: خالفتم ظاهر القرآن. وظاهر القرآن هو ما قاله الله تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص:٨٨]، وقال جل وعلا: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٢٧]، فخالفتم الظاهر المعروف من الوجه، فإن الظاهر منه في اللغة معلوم، وإذا خالفتم هذا الظاهر وأولتموه فلا بد أن تأتوا بالقرينة؛ لأن الأصل في اللفظ أن يحمل على ظاهره إلا أن تأتي قرينة تصرفه عن الظاهر إلى المؤول، ولا قرينة لكم هنا. ثانياً: خالفتم ظاهر حديث النبي ﷺ ، الذي هو أعلم الناس بكلام الله جل وعلا، وأعلم الناس باللغة العربية فإنه قال: (اللهم إني أسألك النظر إلى وجهك الكريم)، وقال في دعاء دخول المسجد: (أعوذ بالله العظيم، ووجهه الكريم، وسلطانه القديم، من الشيطان الرجيم)، فخالفتم ظاهر كلام النبي ﷺ من دون قرينة صارفة للحديث عن ظاهره. ثالثاً: لو تنزلنا معكم وقلنا: إن وجه الله هو الثواب، فكيف نعقل هذه الآية التي يقول فيها الله جل وعلا: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٢٧]؟ فإن تأويلها عندكم: ويبقى ثواب ربك ذو الجلال والإكرام. فهل الثواب عاقل حتى يوصف بأنه: ذو جلال وإكرام؟ وهل هناك عاقل يصف الثواب بأنه: ذو جلال وإكرام؟ بل الأشد والأنكى من ذلك، وهو الذي بين ضعف عقولكم قول النبي ﷺ : (حجابه النار أو النور لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه). وهذا تأويله عندكم: لأحرقت سبحات ثوابه ما انتهى إليه بصره من خلقه. وهذا عجيب جداً! وهو يبين ضعف تأويلكم. فإن الذي يحرق ما انتهى إليه بصره من خلقه هو وجه الله، وأنوار وجه الله، وبهاء وجه الله جل وعلا. فقالوا: لا نؤول الوجه بالثواب، ونؤوله بأمر آخر، فنقول: الوجه بمعنى: الذات. والدليل على أن الوجه لا يراد به الوجه، وإنما يراد به الذات قول الله تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص:٨٨]، قالوا: فهل يهلك كل شيء ويبقى وجه الله فقط؟ قالوا: ولو قلنا: بأن الوجه هو الوجه فلا بد أن نقول بأن كل شيء هالك إلى وجهه، أي: أن كل شيء سيفنى، ولا يبقى إلا الوجه، وهذا كلام ليس بصحيح، فلابد أن نقول: إن الوجه هو: الذات، وهذا كلام قوي. فنقول لهم: قول الله تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص:٨٨] فيها إثبات صفة الوجه، وكل: هنا للعموم، أي: كل شيء. ولكن كل لفظ عام مؤول في القرآن وفي السنة، أما في القرآن فكما قال الله تعالى: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا لا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ﴾ [الأحقاف:٢٥] يعني: المساكن لم تدمر، مع أنه قال: ((تُدَمِّرُ كُلَّ)) يعني: كل شيء من المساكن والبيوت والناس، لكن بقيت المساكن، فنحن نؤول كل بمعنى: تدمر كل ما كان قابلاً للتدمير. فهو مخصوص بالعرف. وكذلك قوله: ((كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ)) أي: كل شيء قابل للهلاك فهو هالك. أما ذات الله ويد الله وساق الله وبصر الله وعين الله فهذه صفات أزلية أبدية ليست قابلة للهلاك، فنقول: (كل) هنا ليست على العموم. فقول الله تعالى: ((كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ)) يعني: يبقى وجه الله جل وعلا، وباللزوم إذا بقي الوجه يبقى الذات. ونقول لهم: النبي ﵊ غاير بين الوجه وبين الذات، فكيف تسوون أنتم بين الوجه وبين الذات؟ فالنبي ﷺ غاير بينهما، فعطف الوجه على الذات، وهذا العطف يدل على المغايرة؛ لأن الأصل في العطف المغايرة، قال ﷺ : (إذا دخل أحدكم المسجد فليقل: أعوذ بالله العظيم، وبوجهه الكريم) فذكر الذات، ثم عطف عليه صفة الوجه، وهذا العطف يدل على المغايرة، وأن الوجه غير الذات، بل الوجه صفة للذات، لأنها أضيفت إليه، كما قال الله تعالى: ((وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ))، فأضاف الصفة إلى الذات وهو الموصوف.

стр. 250

معنى قوله تعالى: (فأينما تولوا فثم وجه الله) فإن قالوا: عندنا دليل آخر: وهو أن السلف أولوا هذا التأويل، فقالوا: وجه الله: الجهة، وذلك في قول الله تعالى: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة:١١٥]، فقد قال بعض السلف: أي: فثم جهة الله جل وعلا. بمعنى: أنك أينما توجهت وأنت تصلي إذا كنت لا تعرف جهة القبلة فاجتهدت وصليت فأنت في جهة الله جل وعلا، وصحيح أن بعض السلف قال ذلك. فنقول: نحن لا نخالفكم في هذا التفسير، وهذا التفسير لا ينافي إثبات الوجه لله. وبيان ذلك أن بعض السلف أولوا الوجه في الآية على الجهة. والأصل في أي لفظ أن يكون على ظاهره، إلا أن تأتي قرينة تصرفه من الظاهر إلى المؤول، وهنا قرينة، وهي سبب النزول فسبب نزول الآية: أن صحابة رسول الله ﷺ كانوا في سفر، واجتهدوا رأيهم أين القبلة، فتوجه كل منهم باجتهاده إلى جهة وصلى، ولكن خافوا ألا تقبل الصلاة؛ لأنهم أخطئوا القبلة، فطيب الله قلوبهم، وبين أن ثوابهم لا يضيع، فأنزل قوله تعالى: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة:١١٥] أي: فهناك جهة الله جل وعلا، يعني: أينما تولوا وجوهكم باجتهاد فصلاتكم صحيحة، وثوابكم محفوظ عند الله جل وعلا، وأنتم مأجورون على ذلك. فنقول: إن هذا لا يخالف الحق، فنثبت الجهة ونثبت الوجه لله؛ لأن عندنا الدليل الذي يفسر قول الله تعالى: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة:١١٥] ووجه الله أحاط بكل شيء؛ لأن الله قد أحاط بكل شيء، فوجه الله أحاط بكل شيء، فأينما تولوا فهناك وجه الله، فوجه الله أحاط بكل شيء وهو على عرشه، ودليل ذلك حديث الصحيحين: أن النبي ﷺ قال: (إذا قام أحدكم يصلي فلا يبصقن أمام وجهه، فإن الله قبل وجهه)، فإن الله أحاط بكل شيء، ووجه الله أحاط بكل شيء. فنثبت لله الوجه، وأيضاً: نثبت له الجهة، ولا منافاة. فوجه الله ثابت، والجهة أيضاً ثابتة، فأينما تولوا وجوهكم فهناك جهة الله؛ لأن الله قد أحاط بكم. إذاً: هذه الصفة الذاتية الخبرية ثابتة بالكتاب وبالسنة وبإجماع السلف.

стр. 251

معنى حديث (فإن الله خلق آدم على صورته) يوجد إشكال واحد على هذه الصفة، وهذا الإشكال عجيب، وهو: أن النبي ﷺ قال: (لا تضرب الوجه)، ثم علل ذلك في رواية ابن خزيمة وغيره فقال: (فإن الله خلق آدم على صورته)، فتكريماً لهذا الوجه الذي خلقه الله على صورة الله قال: (لا تضربوا الوجه)، ثم قال: (فإن الله خلق آدم على صورته)، وفي رواية: (فإن الله خلق آدم على صورة الرحمن). فنقول: إن صفة الوجه ثابتة لله جل وعلا، وثبوت الوجه لله مندرج تحت قاعدة: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١]. فوجه الله ثابت، لكنه لا يشبه وجه المخلوقين. وهذا الحديث يقول: (إن الله خلق آدم على صورته) وفي رواية أخرى قال: (إن الله خلق آدم على صورة الرحمن). فنقول: أولاً: ثبت العرش ثم انقش. فأكثر المحدثين على أن هذا الحديث ضعيف بزيادة: (الرحمن)، والاحتجاج فرع عن التصحيح، فإذا كان حديثاً ضعيفاً فلا نحتج به. ثانياً: لو تنزلنا مع الخصم وقلنا: إن الحديث صحيح، ففي اللغة أن الضمير يعود على أقرب مذكور. وأقرب مذكور هو آدم، فالهاء: عائدة على آدم. أي: خلق الله آدم على صورته التي هو عليها، وهي: أن طوله ستون ذراعاً، وأن عرضه سبعة أذرع، وأن شعره كالشجرة. فإن اعترض المعترض وقال: إن عندنا قرينة على أنها ترجع إلى الله، وذلك الحديث الذي في النسائي: (إن الله خلق آدم على صورة الرحمن). فنقول: إن الله خلق آدم على صورة الرحمن، أي: له وجه كما أن لله وجهاً، وله ساق كما أن لله ساقاً، وله يد كما أن لله يداً، ولا يستلزم التساوي في اسم الصفة التشابه والتماثل في الصفة نفسها، فالله ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١]. وإذا اعترض علينا المعترض بأن قول النبي ﷺ : (إن الله خلق آدم على صورة الرحمن)، قد صححه بعض العلماء، ومنهم: الشيخ الألباني ﵀ فنقول: إن تأويله الصحيح عن من صحح إسناد هذا الحديث: (إن الله خلق آدم على صورته) أي: إن له وجهاً كما أن لله وجهاً، وله يد كما أن لله يداً، وله سمع كما أن لله سمعاً، وله بصر كما أن لله بصراً، وله ساق كما أن لله ساقاً. أو أن الإضافة إلى الله هنا إضافة تشريف، ويكون التأويل الصحيح: إن الله خلق آدم على صورته أي له صفات كما أن لله صفات، له يد كما أن لله يداً، وله عين كما أن لله عيناً، وله سمع كما أن لله سمعاً.

стр. 252

شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة - صفة اليد لقد أخبر الله في كتابه الكريم أن له أسماءً وصفاتٍ، وكذلك أخبر رسوله ﷺ ، وقد أثبتها الصحابة ومن بعدهم من التابعين وتابعيهم بإحسان كما أثبتها الله لنفسه وأثبتها له رسوله، ثم جاء المبتدعة فأرادوا نفيها أو تأويلها، فوقف لهم علماء السنة بالمرصاد، وردوا على شبههم، وبينوا بطلانها، ومن هذه الصفات صفة اليد لله ، فقد أثبتها أهل السنة كما أثبتها الله لنفسه، وأثبتها له رسوله، وردوا على المبتدعة الذين لا يؤمنون بها.

стр. 253

حكم صيام يوم السبت إن الحمد لله نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. ثم أما بعد: فقد دل كتاب الله وسنة رسوله ﷺ على أن من صفات الله : الوجه، والعينين، واليدين. وقبل أن أتكلم عن هذه الصفات أريد أن أذكر كلام العلماء في حكم صيام يوم السبت منفرداً، قال الجمهور: إنه يكره إفراده، ولا يحرم، وذهب الشيخ الألباني إلى أن صيام يوم السبت يحرم على الإطلاق، وله سلف في ذلك، وهو الإمام ابن جرير الطبري، واستدلا بأن النبي ﷺ قال: (لا تصوموا يوم السبت إلا فيما افترض عليكم). قالا: فمعنى الحصر أن يوم السبت لا يصام فيه إلا الفرض، ويدخل تحت الفرض صيام رمضان والقضاء وكفارة النذر. ولكن قد وردت أدلة أخرى تتعارض مع هذا الدليل، ولا بد من الجمع، ومن هذه الأحاديث أنه: دخل النبي ﷺ على المؤمنين أم سلمة ﵂ وكانت صائمة يوم الجمعة، فقال لها النبي ﷺ : (صمت أمس؟ قالت: لا)، وصوم يوم الجمعة معلوم إنه منهي عنه، فقد قال ﷺ : (لا تخصوا ليلة الجمعة بقيام، ولا يوم الجمعة بصيام) فقال لها: (صمت أمس؟ قالت: لا، قال: تصومين غداً؟ قالت: لا، قال: إذاً: فافطري) يعني: لا تفردي يوم الجمعة بصيام. ووجه الشاهد هنا: أن النبي ﷺ قال لها: (تصومين غداً؟) وغداً هو السبت، فقد أباح لها أن تصوم يوم السبت مقروناً مع صيام الجمعة، وهذا قرينة قوية تصرف الحكم من التحريم إلى الكراهة على قول الجمهور، أو تجعل دائرة التحريم في الانفراد دون الاجتماع، وهذا هو أقوى الأقوال، وهو الصحيح؛ لأن الأصل في النهي التحريم ما لم تأت قرينة تصرفه من التحريم إلى الكراهة، وقد جاءت هنا القرينة، فالنبي ﷺ أمرها أن تصوم يوم السبت ولا يأمرها بحرام. فصيام يوم السبت لا يجوز منفرداً وإنما يجوز إذا كان مع يوم آخر، ولذلك استشكل بعض العلماء إذا كان يوم عرفة يوافق يوم السبت ولم يصم الإنسان العشر، فهل يصوم يوم عرفة منفرداً؟! وهل يدور ذلك بين التحريم أو الكراهة؟ فنقول: هذا اليوم يسمى يوم السبت، ويسمى يوم عرفة، فالذي صام يقول: صمت عرفة، ولم أصم السبت فتغاير المسمى. وهنا إشكال وهو: قول النبي ﷺ : (أفضل الصيام صيام داود كان يصوم يوماً ويفطر يوماً)، فإذا وافق يوم الصيام يوم السبت فهل يجوز له صيامه؟ نقول: النبي نهى عن استقبال رمضان بصوم يوم أو يومين فقال: (لا تقدموا رمضان بصوم يوم أو يومين) ثم استثنى فقال: (إلا أن يكون صوم يوم أحدكم) يعني: عادة له، فمن كان عادته أن يصوم يوماً ويفطر يوماً فلا بأس أن يصوم يوم السبت.

стр. 254

صفة اليد لله تعالى

стр. 255

أدلة صفة اليد صفة اليدين لله جل وعلا صفة خبرية ثابتة بالكتاب والسنة وإجماع السلف، والقاعدة العقلية تقول: كل كمال يوصف به العبد فالله أولى به، وكل نقص ينزه عنه العبد فالله أولى أن ينزه. فهذه الصفة ثابتة لله جل وعلا بالكتاب والسنة وإجماع السلف والعقل، ولإثبات هذه الصفة لوازم كثيرة منها الخلق، قال تعالى: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص:٧٥]. ومنها: النفقة، قال تعالى: ﴿يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ [المائدة:٦٤]، وفي الصحيحين عنه ﷺ قال: (يد الله ملأ لا تغيضها النفقة). ومنها: البطش، قال تعالى: ﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾ [البروج:١٢]. لله يدان، وأما قول الله جل وعلا: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ [الفتح:١٠] فهو مفرد مضاف يعم الكثير، وقوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا﴾ [يس:٧١] فهو للتعظيم، كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ﴾ [الحجر:٩]، ويد الله يمين وشمال، فقد جاء من حديث أبي هريرة ﵁ أنه قال: قال رسول الله ﷺ : (يقبض الله السماوات، أو يقبض السماوات بيمينه). وفي رواية: (ويقبض الأرض بشماله)، وكلتا يدي ربي يمين، أي: من اليمن والبركة، كما أن اليمن والبركة تأتي من اليمين ولا تأتي من الشمال، وصفات الله كلها كمال وجمال؛ لأن اليد الشمال في الإنسان تكون دائماً أعجز من اليمين، فلا بد للإنسان أن ينزه الله عنها.

стр. 256

تأويل المبتدعة لصفة اليد وشبههم أهل البدعة والضلالة والتأويل قالوا: إن وصفنا الله باليد فقد شبهنا الخالق بالمخلوق، بل اليد عندنا بمعنى القدرة، ومن الأدلة على ذلك: أن معنى ضرب اليد بالحديد أي: بقوة أو بقدرة، وهذا معروف في لغة العرب، والله جل وعلا لما وصف عباده بقوله: ﴿أُوْلِي الأَيْدِي وَالأَبْصَارِ﴾ [ص:٤٥] أي: أولي القوة. وأيضاً لما قال: ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْيدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ﴾ [الذاريات:٤٧] أي: بقوة، فكل ذلك يثبت أن معنى اليد القدرة والقوة. وجاءت طائفة أخرى وهم المحرفة الأشاعرة فقالوا: إن اليد بمعنى النعمة قالوا: والدليل على ذلك من السنة، وأيضاً لنا مسوغ من لغة العرب. أما الدليل فقالوا: إذا أراد أن يمن أحد على أحد فإنه يقول له: كم أيد عندك لي؟ وذلك من لغة العرب كما جاء في قصة صلح الحديبية أن أبا بكر ﵁ بجانب النبي ﷺ وعروة يقول له: ما أرى معك إلا أوباشاً من الناس يفرون عنك، فغضب أبو بكر ﵁ وأرضاه غضباً شديداً وقال له كلمة شديدة قال: امصص بظر اللات، ويعتذر لـ أبي بكر ﵁ عن ذلك بقول الله تعالى: ﴿لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ﴾ [النساء:١٤٨]، ولذلك أقره النبي ﷺ ، فقال عروة: من هذا؟ قالوا: أبو بكر، قال: لولا يد لك عندي لم أجزك بها لأجبتك يعني: لكلت لك الصاع بالصاعين، فوجه الشاهد قوله: يد لك عندي، يعني: نعمة أكرمتني بها، ولم أجزك عليها، وقبل أن نرد عليكم نفصل فرقكم إلى أكثر من طائفة. الطائفة الأولى: طائفة الغلاة الجهمية الذين ينفون الاسم والصفة، ويثبتون الذات، فيقولون: لا سميع ولا سمع، لا بصير ولا بصر، فهؤلاء غلاة الجهمية، لكن أثبتوا ذاتاً لله جل وعلا، ولم يثبتوا الصفات، فيجاب عليهم بما قاله شيخ الإسلام ابن تيمية: القول في الصفات فرعٌ عن القول في الذات، فإن أنتم أثبتم ذاتاً فيلزمكم أن تثبتوا الصفات؛ لأن القول في الصفات كالقول في الذات يحذو حذوه. الطائفة الثانية: أهل التأويل من المعتزلة والأشاعرة، فنقول لهم: التأويل تأويلان: تأويل يكفر، وتأويل يفسق، أما التأويل الذي يكفر: فهو التأويل الذي ليس له مسوغ في اللغة، كمثل أن يقول الله جل وعلا: ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾ [القمر:١٤]، فيقولون: العين معناها الزرع، فهل العين في لغة العرب تكون زرعاً أو نباتاً؟ فهذا لا مسوغ له في اللغة فيكون كفراً؛ لأن مآله إلى الإنكار والجحود، فيجحدون بهذه الصفة، ويؤولونها بلا مسوغ من اللغة، هذا التأويل الأول. أما التأويل الثاني: فهو تأويل المعتزلة والأشاعرة الذي له مسوغ من اللغة، وهذا محله التفسيق لا التكفير، فمن تأول الصفة بمسوغ في اللغة ولم يقل به النبي ﷺ ولا الصحابة الكرام، فهذا يصل به إلى الفسق؛ كما تأول الأشاعرة العين بالرؤية، أي: بلازم الصفة، أو كما تأولوا النزول بنزول الرحمة أو نزول الأمر، فهذا له مسوغ في اللغة فيصل بصاحبه إلى الفسق؛ لأن النبي ﷺ لم يقل ذلك، والصحابة الكرام لم يقولوا بذلك. فالقول فسق، ولكن القائل ليس بفاسق ولا كافر حتى تقام عليه الحجة، وتزال عنه الشبهة.

стр. 257

الرد على من أول صفة اليد الرد على هذه الشبهة التي قالوا فيها: إن اليد بمعنى القدرة وبمعنى النعمة كما يلي: أولاً: نقول لهم: خالفتم ظاهر القرآن؛ لأن الله جل وعلا قال: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ [الفتح:١٠]. وقال جل وعلا: ((لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ)) , فعداها بالباء، وأضافها لنفسه دلالة بأنه باشر الخلق باليد المعلومة لدينا معنى. وأيضاً: إن أولتموها بمعنى النعمة فإن الله جل وعلا يقول: ((لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ))، فيكون المعنى: بنعمتي على قولكم! وهذه لا قرينة عليها، فخالفتم ظاهر القرآن والسنة. ثانياً: أأنتم أعلم أم رسول الله ﷺ ؟ وهل أنتم أعلم أم صحابة رسول الله ﷺ ؟ أفلا يسعكم ما وسعهم؟ فرسول الله لما قرأ: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ [الفتح:١٠] ما قال: قدرة الله فوق قدرته، وما قال: نعمة الله فوق نعمتهم، فما قال ذلك ﷺ وهو أعلم الخلق بالله، فإذا كان النبي ﷺ سكت عن هذا للعلم بالمعنى عندنا أفلا يسعنا ما وسع النبي ﷺ ؟! ثالثاً: خالفتم إجماع السلف فقد أجمع السلف أن لله يداً حقيقية تليق بجلاله وكماله. رابعاً: نقول تنزلاً مع الخصم: اليد بمعنى القدرة، فننظر إلى المعنى، قال الله تعالى: ((يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ)) فهذا الدليل لا يسلم من المعارضة، وكل من يستدل على قاعدة أو على حكم لا بد له من دليل من الكتاب أو السنة أو الإجماع، ولا بد لهذا الدليل أن يسلم من المعارضة، وهذا التأويل لا يسلم من المعارضة، فقولهم: المعنى: لما خلقت بقدرتي، فيها أكثر من اعتراض: الاعتراض الأول: تجزئة الصفة، فقد جعلوا القدرة قدرتين، وتجزئة الصفة لا بد لها من دليل؛ لأن الصفة لا تتجزأ؛ فالقدرة عامة ولا تتجزأ إلا إذا دل الدليل على تجزئة الصفة، فلا يجوز أن نقول: لما خلقت بقدرتي؛ لأنها تجزئة لصفة الله جل وعلا، ولا يجوز على الله جل وعلا أن نجزئ صفته، هذا أول اعتراض، ولا يمكن أن يسلم منه هذا التأويل. الاعتراض الثاني وهو أوجه وأقوى: قال الله تعالى منكراً على إبليس ممتدحاً آدم: ﴿قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص:٧٥] أي: للذي ميزته بهذه الميزة، وشرفته بهذا التشريف، بأن باشرت خلقه بيدي، فلو كان المعنى بقدرتي لتنطع إبليس وقال: يا رب! كيف ميزت آدم علي وقد خلقته بقدرتك وأنا خلقتني بقدرتك؟ لأن المحل هنا محل مدح وتمييز لآدم على إبليس بمباشرة الخلق بيده، ولو كان بالقدرة فإن إبليس خلق بالقدرة أيضاً. فلا بد أن يقول إبليس: يا رب أنا خلقت بالقدرة وهو خلق بالقدرة فلماذا تميزه علي؟! فكان إبليس لعنة الله عليه أفقه من هؤلاء البله، فلما علم أن الله جل وعلا يفضل آدم عليه بمباشرة الخلق باليد تحول إلى اعتراض آخر وقال: ﴿قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ [الأعراف:١٢]، فتحول إلى القياس الفاسد. فإبليس كان أفقه منهم، فعلم أن الله باشر خلق آدم بيده الشريفة المقدسة ، فهو أفقه من الأشاعرة، وهذا الاعتراض لا يمكن أن يسلم منه هذا التأويل، ولا رد لهم عليه، فيسقط هذا التأويل؛ لأنه ليس له قرينة تصرف الآية عن ظاهرها إلى المؤول. أما التأويل الثاني لليد الذي هو: بمعنى النعمة، ويقولون له مسوغ من اللغة، فنقول: أولاً: خالفتم ظاهر القرآن: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ [الفتح:١٠]، فاليد ليست النعمة، بل الظاهر أنها: اليد الحقيقية المعلومة، فاليد معلومة، وكيفيتها مجهولة، والإيمان بها واجب، والسؤال عنها بدعة. ثانياً: خالفتم رسول الله ﷺ ، وأنتم لستم بأعلم من رسول الله ﷺ ، فلو كانت اليد بمعنى النعمة لبينها النبي ﷺ ، فإن الله جل وعلا يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ﴾ [المائدة:٦٧]، فمن تمام التبليغ التبيين، وقال تعالى: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل:٤٤] والقاعدة تقول: تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز، وهذه صفة من صفات الله جل وعلا، فكيف يتأخر النبي ﷺ عن تبيين ذلك؟! ثالثاً: خالفتم الإجماع؛ لأن السلف أجمعوا بأن اليد حقيقية يوصف بها الله جل وعلا. رابعاً: تنزلاً مع الخصم نقول: إذا أولنا الآية كما أولتم فلا نسلم من المعارضة؛ لأنه يكون معنى قوله تعالى: ((يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ)): يا إبليس ما منعك أن تسجد لما خلقت بنعمتي، فحصرنا نعم الله بنعمتين فقط، مع أن الله جل وعلا يقول: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا﴾ [إبراهيم:٣٤]. ويصرح في آية أخرى قائلاً: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ﴾ [النحل:٥٣]، و (من): مبهمة تدل على العموم، يعني: ما بكم من أي نعمة فمن الله، فكيف حصرتم نعم الله جل وعلا في نعمتين؟! فلم تسلموا من هذا المعارض. وبهذه الطريقة تبهت شبهتهم، ويسلم لنا الدليل بأن اليد يد حقيقية، وثابتة لله جل وعلا بالكتاب والسنة وإجماع السلف.

стр. 258

إثبات صفة الكف والأصابع والأنامل لله هل يمكن أن يوصف الله جل وعلا بالكف أو بالأصابع أو بالأنامل؟ أما الأصابع فنعم، فإذا أثبتنا لله صفة اليد فنحن نثبت لله جل وعلا الأصابع، وحديث الحبر أشهر دليل في ذلك، فقد دخل على النبي ﷺ وقال: (يحمل الله جل وعلا الجبال على ذا، والبحار على ذا -إلى آخر الحديث- وقال: يهزهن هزاً؛ فابتسم النبي ﷺ ، إقراراً للحبر، فهذه سنة تقريرية، فهو يصف الله جل وعلا، ولو كان هذا الوصف لا يجوز على الله لأنكر النبي ﷺ قوله، ولكنه أقر الحبر على هذا الوصف. وأيضاً في الصحيحين قال النبي ﷺ : (القلوب بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء)، وكان أكثر دعائه يقول: (اللهم يا مقلب القلوب! ثبت قلبي على دينك، ويا مصرف القلوب! صرف قلبي على طاعتك). وكذلك الأنامل يوصف الله جل وعلا بها، فقد جاء في الترمذي بسند صحيح عنه ﷺ أنه قال: (فرأيت ربي في المنام)، وهذه قاعدة عريضة لكل فرد من هذه الأمة أنه يمكن أن يرى ربه في المنام، قال: (رأيت ربي في المنام، فسألني: يا محمد! فيم يختصم الملأ الأعلى؟ فقلت: الله أعلم) أو كما قال ﷺ ، قال: (فوضع يده على صدري) يعني: أن الله جل وعلا وضع يده على صدره، قال: (فوضع يده على صدري حتى شعرت ببرد أنامله)، فأضاف الأنامل لله جل وعلا، فإذاً يوصف الله جل وعلا بالأنامل؛ لأنه قال: (فشعرت ببرد أنامله) إلى آخر الحديث. كذلك يوصف الله جل وعلا بالكف، فقد روى الدارقطني بإسناد صحيح وصححه ابن خزيمة عن النبي ﷺ أنه قال: (يدخل من أمتي سبعون ألفاً بغير حساب ولا عذاب، ثم قال: ومع كل ألف يدخل سبعون ألفاً، فكبر عمر، فقال رسول الله ﷺ : ثم يحثو الرحمن بكفه ثلاث حثيات، فكبر تكبيرة شديدة)، فأتى باسم الرحمن، لم يقل: الرب، أو الله، أو الخالق، وإنما قال: الرحمن إيماءً وإشارة برحمة الله جل وعلا، فإذا كانت الحثوات من الرحمن الرحيم فلعل كل المسلمين إن شاء الله يكونون في هذه الحثوة، ولذلك كبر عمر: قال: (ومع هؤلاء ثلاث حثيات يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب) فقال: (يحثو الرحمن بكفه)، فوجه الشاهد قوله: بكفه، فلله كف. أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.

стр. 259

شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة - صفة النزول يجب على الإنسان العاقل ألا يعمل ذهنه وفكره إلا في حدود قدرته وطاقته، وصفات ربنا لا مجال للعقل أن يتخيلها بحال؛ لأن الله لا نظير له ولا ند له، فنثبت صفة النزول وغيرها من الصفات كما جاءت في الكتاب والسنة، ونجريها على ظاهرها كما أجراها السلف؛ إن أردنا الفلاح كما أفلحوا.

стр. 260

أقسام الصفات إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. ثم أما بعد: إخوتي الكرام! فما زلنا مع صفات الله جل وعلا، وقلنا: إن صفات الله جل وعلا على قسمين: صفات ثبوتية وصفات سلبية. أما الصفات الثبوتية: فهي التي أثبتها الله جل وعلا في كتابه، وأثبتها له رسوله ﷺ في سنته، وهي تنقسم إلى ثلاثة أقسام: ذاتية وفعلية وخبرية. أما الصفات الذاتية فهي التي لا تنفك عن الله جل وعلا، فهي أزلية: أي: أبدية، أما الفعلية فهي التي تتعلق بالمشيئة، أي: إن شاء فعلها وإن شاء لم يفعلها، أما الصفات الخبرية: فضابطها: أن مسماها عندنا أجزاء وأبعاض. وأما الصفات السلبية: فهي الصفات المنفية عن الله جل وعلا وضابطها: أن تجد قبلها: لا أو ما النافيتان كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا﴾ [يونس:٤٤]، وقال جل وعلا: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾ [ق:٣٨] فهذه هي الصفات السلبية. فصفات الله صفات ثبوتية وصفات سلبية، وما زلنا مع الصفات الثبوتية مع ما روي عن النبي ﷺ في نزول الرب ﵎، وصفة النزول صفة ثبوتية وفعلية، أي: اختيارية، وضابط الصفات الفعلية: أن تضع قبلها (إن شاء)، مثلاً: إن شاء جاء وإن شاء لم يجئ، إن شاء فعل كذا وإن شاء لم يفعل، إن شاء استوى وإن شاء لم يستو، إن شاء أتى وإن شاء لم يأت.

стр. 261

أدلة صفة النزول الصفات الفعلية ثابتة لله جل وعلا بالكتاب والسنة وإجماع السلف، ومنها: صفة النزول، أما ثبوتها بالكتاب فبالاستنباط من قول الله تعالى: ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلائِكَةُ﴾ [البقرة:٢١٠] وروى ابن منده بسند صحيح عن ابن مسعود قال: (أربعون سنة شاخصة أبصارهم ينتظرون القضاء، فينزل الله جل وعلا من العرش إلى الكرسي في ظلل من الغمام). وهذا الأثر عن ابن مسعود إن كان سنده صحيحاً فهو من باب الموقوف الذي له حكم الرفع؛ لأنه لا يدخل الاجتهاد فيه. أما من السنة ففي الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال: (ينزل ربنا جل وعلا حين يكون ثلث الليل الآخر، فيقول: هل من مستغفر فأغفر له؟ هل من تائب فأتوب عليه؟ هل من سائل فأعطيه؟) وفي رواية عن علي ﵁ وأرضاه في مسند أحمد: (هل من سقيم فأشفيه؟ وهل من مستشفٍ فأشفيه)؟ وأيضاً في السنن عن النبي ﷺ أنه قال: (ينزل الله حين يكون ثلث الليل الآخر فيقول: أنا الملك)، وأتيت بهذه اللفظة لأنها مهمة جداً في الرد على أهل البدع، (فيقول: أنا الملك هل من سائل فأعطيه؟ هل من مستغفر فأغفر له؟)

стр. 262

تعدد نزول الله إلى سماء الدنيا نزول الله جل وعلا متعدد، فينزل جل وعلا كل ليلة إلى السماء الدنيا، حين يكون ثلث الليل الآخر، نزولاً يليق بجلاله وكماله، وهذه من صفات الكمال والجلال؛ لأنها تدل على أن الله يفعل، والذي يفعل أكمل من الذي لا يفعل، والله جل وعلا فعال لما يريد، فينزل نزولاً يليق بجلاله وكماله إلى السماء الدنيا، فينزل كل ليلة حين يكون ثلث الليل الآخر، وينزل ليلة النصف من شعبان، ورد ذلك بأسانيد ضعيفة يعضد بعضها بعضاً، فيها أن النبي ﷺ قال: (ينزل ربنا إلى السماء الدنيا ليلة النصف من شعبان، فيغفر لكل أحد إلا المشرك والمشاحن) نعوذ بالله من المشاحنة، فيحرص المسلم أن يبيت وليس في قلبه على أحد شيء، فقد يطلع الله جل وعلا على نقاء قلبه فيغفر له، كما في الحديث: (يغفر لكل أحد إلا المشرك والمشاحن). أيضاً: هناك نزول آخر، وهو نزول الله جل وعلا عشية عرفة، ووردت في هذا أحاديث أسانيدها ضعيفة لكن يستأنس بها، وتدل على أن الله ينزل عشية عرفة، فيباهي الملائكة بهؤلاء الشعث الغبر الذين أتوه جل وعلا خاضعين متذللين. ولازم نزول الله جل وعلا قربه من عباده، مع علوه سبحانه، فهذا النزول قرب خاص يستلزم الرحمة، ويستلزم المغفرة والعطاء، فالنزول من الله جل وعلا يستلزم هذه الرحمات، فالنزول في ثلث الليل الآخر ليس عاماً ولكنه خاص لعباد الله المؤمنين، فإذا قلنا: إن هناك بلدة مليئة بالكفار، وليس فيها مسلم واحد فلا نزول في ثلث الليل الآخر لهذه البلدة، فالنزول خاص بالمؤمنين، كما أن المفخرة والمباهاة للملائكة بالحجاج فقط، أي: أن الله جل وعلا يباهي الملائكة بالحجيج، فكذلك النزول في الثلث الآخر لا يكون إلا للمؤمنين المستغفرين بالأسحار.

стр. 263

تعبد الله بمقتضى صفة النزول يستوجب على العبد أن يتعبد لله جل وعلا بأن يقوم في ثلث الليل الآخر، ولو قلنا: إن اليوم من طلوع الفجر فتكون أربع ساعات ما بين الثلث الآخر إلى طلوع الفجر، فتحسبها بهذا، ويكون ذلك هو ثلث الليل الآخر، فيقوم فيه العبد ذليلاً خاضعاً متذللاً متمسكاً أمام ربه، يرفع يديه ويعلم في قلبه أن الله حيي كريم ستير جواد كريم، يستحي أن يرد العبد خائباً، وهو ستير يستر عليه عيوبه، وكريم جواد يستجيب له ويغفر، ويرفعه إذا تذلل له وخضع بحق لله سبحانه جل وعلا. وقرب العبد من الرب جل وعلا أكثر ما يكون في السجود، وفي ثلث الليل الآخر يخلو القلب من أي شواغل، فينتهي المرء من يومه وعمله ثم ينام، ويستيقظ خالي الذهن، والناس نيام وهو قائم، هذه الأوقات أوقات جلها إخلاص، أوقات كلها ذل ومسكنة لله جل وعلا، فدمعة واحدة تنزل من عين هذا العبد القائم الخائف الذي يقوم لله جل وعلا يستمطر بها رحماته جل في علاه في هذه الأوقات، وهذا الوقت من أوقات الإجابة، كما بينه ابن القيم. فيستلزم أن العبد إذا علم أن الله ينزل ثلث الليل الآخر أن يجتهد في هذا الوقت، ويستغفر الله جل وعلا، ويطلب منه من فضله ويطمع في الطلب، ويستحيي أن يطلع الله جل وعلا عليه فيجده نائماً والآخرون قائمون. اللهم اجعلنا ممن يقوم في الأسحار يا رب العالمين.

стр. 264

إثبات عدم خلو العرش عند النزل إلى سماء الدنيا لو سأل سائل: أين الله؟ الجواب فوق العرش في السماء. وإذا نزل الله جل وعلا من العرش فهل يخلو منه العرش؟ إذا أثبتنا لله النزول فنقول: هو نزول يليق بجلال الله وكماله، فمن قال: إن النزول يستلزم منه خلو من العرش فقد شبه الخالق بالمخلوق، فالعرش في اللغة: السرير الذي يجلس عليه الملك، كهذا الكرسي، فإذا نزل المرء من الكرسي فقد خلا منه، فمن قال: إذا نزل الله جل وعلا إلى السماء الدنيا خلا منه العرش فقد شبه الخالق بالمخلوق. وإن قال: لا ينزل فقد قال بقول المعطلة الجهمية، والصواب الذي عليه إسحاق بن راهويه والإمام أحمد والشافعي والسلف الصالح: إنه ينزل ولا يخلو منه العرش، لأن نزوله يليق بجلال الله وكماله، والسماء لا تقله ولا ظله، فينزل الله جل وعلا من عرشه إلى السماء الدنيا، ولا يخلو منه العرش؛ لأن صفات الله لا يعلمها إلا هو جل وعلا. ويمكن أن يقال: يستحب أن النائم ينام متوضئاً كما ورد الأثر في ذلك، فإذا نام صعدت روحه إلى العرش، فإن كان متوضئاً نائماً طاهراً تطوف حول العرش، وإن كان جنباً أو غير متوضئ تكون بعيداً عن العرش، وهو نائم على سريره، وروحه عند العرش تطوف، فهل أحد يعرف كيف تطوف الروح عند العرش؟ لا أحد يعرف ذلك. فهذه الروح في جسدك ولا تعرف كيف تصعد إلى السماء، ولا تعرف شيئاً عن الملائكة، فنزول الله نزول يليق بجلاله وكماله ولا يخلو منه العرش. ويبقى إشكال واحد فقط نرد عليه؛ لأن من أهل البدع من يقول: إذا قلتم: إن الله جل وعلا ينزل إلى السماء الدنيا في ثلث الليل الآخر، فهنا في بلادنا ثلث ليل في وقت معين، ثم في بلاد أخرى يكون ثلث آخر، وهكذا، فهل يستلزم ذلك أن الله يبقى نازلاً كل الليل؟ نقول: هذا من كلام أهل البدع، أما نحن فنؤمن بما جاءنا، ولو كان هناك تفصيل لقاله النبي ﷺ ، فنحن نؤمن أنه عندما يبدأ ثلث الليل فالله نازل في هذا الثلث، فإن كان في مصر ثلث الليل الآخر فالله نازل فيه، وإن كان في أمريكا مسلمون ففي ثلث الليل الآخر ينزل الله جل وعلا هناك وهكذا، فنؤمن بما جاء عن نبينا ﷺ ، ولا نتبع المبتدعة ونقول: إن الله في كل الليل نازل، وإنما ينزل في ثلث الليل الآخر فقط.

стр. 265

حكم تأويل صفة النزول إلى سماء الدنيا بنزول الأمر ونحوه من أقوال أهل البدع -الذين لم يجعلونا نسلم في عبادتنا لله جل وعلا بأسمائه الحسنى وصفاته العلا-: إن معنى نزول ربنا في ثلث الليل الآخر إلى السماء الدنيا: نزول أمره، ونزول ملائكته ورحمته، وإذا قلنا بنزوله فقد شبهنا الخالق بالمخلوق. والرد عليهم من وجوه: الوجه الأول: هذا خلاف ظاهر الكتاب والسنة. الثاني: أأنتم أعلم أم رسول الله؟! أأنتم أعلم أم صحابة رسول الله ﷺ ؟ لو كان النزول نزول الأمر أو نزول الملائكة أو نزول الرحمة، لبينه النبي ﷺ ، فإذا لم يبينه فإما أنكم تتهمونه بالتقصير في البلاغ، وإما أنكم أعلم منه، ولم يسعكم ما وسع النبي ﷺ ، فيهربون ويقولون: لا نتهم النبي ﷺ بالتقصير، ونقول: إذا لم تتهموا النبي ﷺ بالتقصير فالنبي قد بلغ ما أمره الله بتبليغه، وقال: إن الله جل وعلا ينزل إلى السماء الدنيا نزولاً يليق بجلاله وكماله. الثالث: أنتم خالفتم طريقة السلف، فإجماع الصحابة أن الله جل وعلا ينزل إلى السماء الدنيا نزولاً يليق بجلاله وكماله جل وعلا. الرابع: ليس لكم دليل صريح يؤول هذا الظاهر إلى المؤول الذي ادعيتموه، أين الدليل أن قول النبي ﷺ : (ينزل ربنا للسماء الدنيا) فيه حذف، أي: أن الظاهر: أن النزول هنا مضاف للرب جل وعلا، فأين الدليل على حذف إضافة النزول إلى الرب نفسه سبحانه؟ هم يقولون: التقدير ينزل أمر ربنا، فنقول: الأصل عدم التقدير، وإن قلتم بالتقدير فأتونا بالدليل عليه، وعندهم دليل يثبت ذلك. والقاعدة هذه لو حفظتموها فستردون على كل أهل البدع بنفس الطريقة. الخامس: نتنزل مع الخصم ونقول: ينزل أمر ربنا، وتنزل الملائكة، وتنزل الرحمة، فهل يسلم هذا الكلام من معارضة أم لا؟ فلو قلنا: ينزل أمر ربنا تنزلاً مع الخصم فكيف نؤول حديث (فيقول: أنا الملك، هل من سائل فأعطيه؟ هل من مستغفر فأغفر له؟ هل من تائب فأتوب عليه؟). فأول اعتراض: هل أمر ربنا جل وعلا لا ينزل إلا في الثلث الآخر؟ وكيف تفعلون بقول الله تعالى: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ [الرحمن:٢٩]؟ يعني: كل وقت هو في شأن، يعز أقواماً ويذل آخرين، ويعطي هذا ويمنع هذا، يميت هذا ويحيي هذا، يرفع أقواماً ويخفض آخرين كما قال سبحانه: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ [الرحمن:٢٩] يعني: كل حين وآن هو في شأن، فكيف خصصتم الأمر الذي ينزل ليل نهار وكل ساعة ودقيقة بثلث الليل الآخر؟ وإن قلتم: ينزل في ثلث الليل الآخر فإلى أين ينزل؟ إلى الأرض أم إلى السماء الدنيا؟ قال في الحديث: (إلى السماء الدنيا) يعني: لا ينزل للأرض، وفيها أن الله ينزل فكيف تؤولونه بالأمر؟! فهذا أول اعتراض عليهم، وهو اعتراض قوي لا يستطيعون رده. الاعتراض الثاني: إن كان المراد نزول الأمر، فهل يقول: أنا الملك؟ والأمر كما هو معلوم صفة، فهل الصفة تقول: أنا الملك؟!! وهل أحد سمع صفة تقول له: تعال أولاً اذهب، أو افعل كذا؟ فهذا الاعتراض الثاني. الاعتراض الثالث: لو قلنا: إن الأمر يقول: أنا الملك، فهل يقول أيضاً: هل من سائل فأتوب عليه؟ فهل الأمر هو الذي يتوب على العباد أم الله الذي يتوب على من يشاء وحده؟! الله الذي يتوب على العباد، وما قيل في الأمر يقال في الرحمة، أي: هل تختص الرحمة بالنزول في ثلث الليل الآخر؟ فالليل والنهار تأتينا فيهما آثار رحمة الله تترى: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنِ اللَّهِ﴾ [النحل:٥٣]، هذه النعم من آثار رحمة الله جل وعلا كالمطر ونحوه، فهل ثلث الليل الآخر مختص برحمة الله جل وعلا دون ما سواه؟ حاشا لله. ثم هل الرحمة تقول: أنا الملك؟ وهل الرحمة تقول: هل من سائل فأتوب عليه؟ وإذا قالوا: المراد نزول الملائكة، فيرد عليهم بنفس الردود، ثم نأتي إلى تأويل الدليل على زعمهم، فنقول: هل يسلم من المعارضة أم لا؟ أي: إذا قلنا: تنزل الملائكة في ثلث الليل الآخر، فهل هي تقول: هل من مستغفر فأغفر له؟ إلى آخر الحديث، ثم إن قلنا: إن الملائكة تنزل إلى السماء الدنيا، فهل نزول الملائكة يعلمه أحد بعقله أم من الوحي؟ لا شك أنا لا نعلم ذلك إلا من الوحي. فهل جاءنا الوحي بنزول الملائكة إلى السماء الدنيا أم إلى الأرض؟ الجواب معلوم أن الملائكة تتعاقب علينا كل يوم، ويتقابلون في الفجر وفي العصر، وينزلون إلى الأرض، فلم خصصتم نزول الملائكة إلى السماء الدنيا فقط؟ ألم يقل الله: ﴿يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الرعد:١١] وهذا في الأرض فلم خصصتم ذلك بالسماء الدنيا؟ وأيضاً: هل الملك هو الذي يغفر؟ وهو الذي يتوب ويعطي؟ قال الله: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ [غافر:٧] فهل هم يغفرون لمن في الأرض أم يستغفرون؟ يستغفرون، فبطل هذا التأويل. والصحيح أن نرجع إلى قول النبي ﷺ ، ونتعبد لله جل وعلا بهذه الصفة، أي: بأن الله ينزل إلى السماء الدنيا في ثلث الليل الآخر، فيقول: (أنا الملك هل من مستغفر فأغفر له؟ هل من سائل فأعطيه؟ هل من تائب فأتوب عليه؟ هل من سقيم فأشفيه؟).

стр. 266

الجمع بين استواء الله على عرشه مع نزوله إلى سماء الدنيا إن قيل: لماذا لا يخلو العرش من الله وهو مستوٍ عليه إذا نزل إلى السماء الدنيا؟ فنقول: إذا قلت بذلك فقد جسمت، يعني: شبهته بالخلق؛ لأن السماء في نظرك تظله أو تقله وهذا ليس بصحيح، بل الكون كله في يد الرحمن كحبة خردل في يد أحدكم، فمن قال: إن الست السماوات تظل الله جل وعلا، فقد شبه الخالق بالمخلوق؛ لأن نزول الله ليس كنزول المخلوق، فأنا لو نزلت تحت الطاولة مثلاً فهي تظلني، وإن كنت عليها فهي تقلني؛ لأنني مخلوق، فلو قلت: إن السماوات الست تظل الله جل وعلا فقد شبهت الخالق بالمخلوق حتماً، وإن لم تصرح بذلك، لكن نقول: ينزل نزولاً يليق بجلاله، ولا يخلو منه العرش، والكون كله في يده سبحانه كحبة خردل في يد أحدكم، فنزوله صفة من الصفات التي تدل على كماله. ولو قلنا: إن السماء تظله أو تقله لكان محتاجاً لها وحاشا لله، بل كل المخلوقات تحتاج إلى الله، قال سبحانه: ﴿وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [الحج:٦٥] فهو قريب في علوه، وعال على عرشه حين ينزل إلى السماء الدنيا سبحانه. وهذه يقبلها العقل؛ لأن الله جل وعلا قادر على كل شيء، وصفات الله لا يمكن أن تشابه صفات المخلوقين. أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.

стр. 267

شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة - رؤية المؤمنين ربهم اختلف أهل السنة والجماعة مع غيرهم من أهل البدع والضلالات في كثير من المسائل الاعتقادية، وقد صنفت في ذلك المصنفات الكثيرة، ومن هذه المسائل: مسألة رؤية المؤمنين لربهم يوم القيامة، وقد ذكر المصنف في هذه المادة أقوال الفرق فيها مع ذكر حجج كل قول، وبين الحق فيها مؤيداً بالحجة والبرهان.

стр. 268

أنواع نزول الرب ﵎ إلى السماء الدنيا إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار. ثم أما بعد: لا زلنا مع كتاب (شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة) للعلامة اللالكائي، وقد انتهينا إلى صفة من صفات الله جل وعلا الفعلية وهي صفة نزوله ، وبينا أن الله جل وعلا ينزل نزولاً حقيقياً يليق بجلاله وكماله إلى السماء الدنيا، فينزل نزولاً عاماً ونزولاً خاصاً، فالنزول العام هو في كل ليلة حين يبقى ثلث الليل الآخر على خلاف سنبينه. وينزل نزولاً خاصاً يوم عرفة فيباهي ملائكته بالحجيج، فهذا النزول خاص بالحجيج فقط، وهذه فرحة كبرى لأهل الحج الذين يقفون في عرفات، فإن الله جل وعلا ينزل إلى سماء الدنيا يباهي بهم الملائكة، فقد أتوا شعثاً غبراً خاضعين متذللين لله جل وعلا. وينزل نزولاً خاصاً أيضاً في ليلة النصف من شعبان، وهذا النزول لا يحتاج من العبد أن يكون صائماً ولا مستغفراً ولا متقرباً بطاعة، بل هذه محض رحمة من الرب الكريم الجليل، ينزل في هذه الليلة فيغفر لكل عباده المسلمين إلا المشرك والمشاحن. وأما النزول العام في كل ليلة فيحتاج من العبد إلى القيام، فإن الله ينزل حين يبقى ثلث الليل الآخر فيغفر لمن يستغفر، ويعطي من سأل، ويجيب من دعا، ويشفي من استشفى، وأما الذي لا يستشفي ولا يدعو ولا يسأل فليس له هذا الثواب، فيا حسرتا ثم يا حسرتا على من ضيع ثلث الليل الآخر ولم يقم يدع الله متذللاً خاضعاً ممتثلاً لربه جل وعلا! يستغفره فيغفر له، أو يدعوه فيجيبه، أو يسأله فيعطيه، أو يستشفي الله جل وعلا فيشفيه. فهذا النزول يليق بجلال الله وكماله جل وعلا، وهو يعم المؤمنين والكافرين. بقي هنا إشكال تكلمنا عنه في المرة السابقة وهو: إذا قلنا: إن الله جل وعلا ينزل حين يبقى ثلث الليل الآخر، ففي مصر مثلاً ثلث الليل وفي أمريكا في نفس الوقت ليس كذلك، وفي المشرق ثلث الليل في وقت وفي المغرب ثلث الليل في وقت آخر، فيبقى الله جل وعلا طيلة الليل نازلاً، فهذا الإشكال هو الذي أورده أهل البدع في هذه المسألة. والجواب عليه: أن الخطأ الذي وقع فيه أهل البدع أنهم قاسوا نزول الحق على نزول الخلق، وقاسوا نزول الخالق على نزول المخلوق، وهذا هو الذي جعلهم يقعون في هذه الأباطيل، فنقول: إنه حين يكون ثلث الليل الآخر فإن الله ينزل إلى السماء الدنيا، فهو ثلث الليل هنا أو هناك، فالنزول مرتبط بثلث الليل الآخر.

стр. 269

الجمع بين الروايات الواردة في وقت النزول قسم بعض العلماء النزول إلى ثلاثة بمقتضى الأحاديث، فالحديث الأول في الكتاب: أن أبا هريرة ﵁ وأرضاه أخبر عن رسول الله ﷺ أنه قال: (ينزل الله كل ليلة حين يبقى ثلث الليل الآخر). وجاء في رواية أبي سعيد الخدري ﵁ وأرضاه أنه قال: (يمهل الله حتى إذا ذهب ثلث الليل نزل إلى السماء الدنيا)، وفي رواية أخرى قال: (لولا أن أشق على أمتي لأخرت العشاء الآخرة إلى ثلث الليل الأول، فإذا مضى ثلث الليل الأول هبط -يعني الله جل وعلا- إلى السماء الدنيا، فلم يزل بها حتى يطلع الفجر يقول: ألا سائل فأعطي)، ففي هذا دلالة على أن الله ينزل بعد ثلث الليل الأول، لكن في حديث أبي هريرة قال: (ينزل حين يبقى ثلث الليل الآخر)، وهذا إشكال. وهناك حديث فيه تحديد النزول في آخر ثلاث ساعات تبقى -وهذا إشكال آخر- وهو حديث أبي الدرداء ﵁ وأرضاه قال: قال رسول الله ﷺ : (ينزل الله في آخر ثلاث ساعات يبقين من الليل، ينظر في الساعة الأولى منهن الكتاب الذي لا ينظر فيه غيره) إلى آخر الحديث، فكيف نجمع بين هذه الروايات. الجمع بين هذه الروايات: أن الحديث الأول أظهر لنا وقت نزول الله جل وعلا وهو حين يبقى الثلث الأخير، ونحن لا نعرف الثلث الأخير هل هو حين تبقى ثلاث ساعات أو أربع ساعات أو ساعتان؟ فجاء حديث أبي الدرداء وجعله ثلاث ساعات، فهذا ضابط لهذا، ويبقى قول النبي ﷺ في الحديث الآخر: (حتى إذا ذهب ثلث الليل الأول نزل إلى السماء الدنيا) ولم يبين هل ينزل بعد ثلث الليل الأول بدقيقة، أو بعده بساعة، أو ساعتين أو ثلاث، أو حين يبقى الثلث الأخير؟ فهذه مطلقة ومجملة، والروايات الأخرى بينت الوقت وهو: حين يبقى ثلاث ساعات. إذاً فأرجح الأقوال: أن الله جل وعلا ينزل حين يبقى الثلث الآخر، أي: قبل الفجر بثلاث ساعات. وأما الذين قسموه إلى أول وأوسط فهو تقسيم ليس بجيد؛ لأنه يمكن الجمع بين الروايات، ولأن هذه الروايات كلها مطلقة قيدت بحديث: (ينزل حين يبقى ثلث الليل الآخر).

стр. 270

رؤية الله جل وعلا في الآخرة قبل أن ندخل في ثبوت رؤية المؤمنين لربهم يوم القيامة لابد من التفريق بين قوله ﷺ في الحديث الذي رواه مسلم: (خلق الله آدم على صورته)، والحديث الضعيف الذي رواه النسائي: (خلق الله آدم على صورة الرحمن)، فالأول صحيح، والثاني مختلف فيه: والشيخ ابن باز رحمة الله عليه يصححه، ويقول في معناه: إن الله له وجه كما أن آدم له وجه، وله يد كما أن آدم له يد، وله رجل كما أن آدم له رجل، فلله جل وعلا يد وعين وساق ورجل، لكنها تليق بكمال الله وجلاله، وسيأتي تفصيل ذلك إن شاء الله تعالى. أما بالنسبة لرؤية المؤمنين لربهم فهل منا أحد درب نفسه ليرى الله جل وعلا؟ وهل منا من نقى بصره لينظر إلى المليك المقتدر؟ وهل منا من لم يقع بصره على حرام؛ حتى لا يغار الله جل وعلا إذا انتهكت محارمه؟ نسأل الله أن يحفظ أبصارنا حتى نراه جل وعلا.

стр. 271

الأدلة على رؤية المؤمنين لله ورؤية المؤمنين لله المليك المقتدر ثابتة بالكتاب والسنة وإجماع السلف والعقل.

стр. 272

الأدلة من القرآن الكريم فأما الكتاب ففيه الآيات الباهرة التي تثبت رؤية المؤمنين لله جل وعلا. أولها: قول الله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٢ - ٢٣] فـ (ناضرة) من النضارة، وهو نور يشع من وجوههم بالنظر إلى وجه الله الكريم كما فسره ابن عباس، فهذه الآية صريحة ونص قاطع بأن المؤمنين يرون ربهم يوم القيامة، وذلك لعدة أمور: أولها: أن النظر: فعله نَظَر، وهذا الفعل إما أن يتعدى بنفسه، أو يتعدى بـ (إلى)، أو يتعدى بـ (في)، فإذا تعدى هذا الفعل بـ (إلى) يكون معناه النظر بالعين والإبصار، أي: يبصرون الله جل وعلا بأعينهم، والذي يؤكد ذلك أنه أتى بمحل النظر وهو الوجه الذي فيه العين التي ينظرون بها إلى الله جل وعلا. وأما إذا تعدى بنفسه فمعناه: الانتظار، فأقول: أنا ناظرك في المكان الفلاني الساعة الفلانية، أي: أنا منتظرك، ودلالة ذلك من كتاب الله جل وعلا، فقد قال الله تعالى عن المنافقين أنهم يقولون عندما يلتمسون النور من المؤمنين على الصراط: ﴿انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ﴾ [الحديد:١٣] أي: انتظرونا حتى نقتبس من نوركم؛ لنستهدي ونمر على الصراط. وإذا تعدى بـ (في) يكون بمعنى التدبر والتفكر، قال الله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَنظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ﴾ [الأعراف:١٨٥]. إذاً: إذا تعدى بـ (في) فمعناه التفكر والتدبر، أما إذا تعدى بـ (إلى) فهو نص قاطع على رؤية الله جل وعلا بالعين المجردة. فقوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٢ - ٢٣]، فيه أن هذه النظرة كما قال ابن عباس وأنس: من النظر إلى وجه الله الكريم. هذه أول آية تدل على رؤية المؤمنين لله جل وعلا. الآية الثانية: قول الله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس:٢٦]، وتفسير القرآن بالقرآن أولى التفاسير، ثم تفسير القرآن بالسنة، ثم تفسير القرآن بأقوال الصحابة، والنبي ﷺ فصل لنا هذه الآية بأبلغ بيان؛ وقد أمره الله جل وعلا بقوله: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل:٤٤]، فتعالوا إلى بيان النبي ﷺ لهذه الآية: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس:٢٦] قال رسول الله ﷺ كما في حديث أنس في صحيح مسلم: (الحسنى: الجنة، والزيادة: النظر إلى وجه الله الكريم) اللهم ارزقنا ذلك يا أرحم الراحمين. الآية الثالثة التي تثبت ذلك: قول الله تعالى عن المؤمنين: ﴿إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ * عَلَى الأَرَائِكِ يَنظُرُونَ * تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ﴾ [المطففين:٢٢ - ٢٤]. فاستدل العلماء على الرؤية بقول الله تعالى: ﴿عَلَى الأَرَائِكِ يَنظُرُونَ﴾ أي: ينظرون إلى وجه الله تعالى، فـ (ينظرون) هذا الفعل، والفاعل: المؤمنون، والمفعول به محذوف، والقاعدة تقول: نفي المعمول يؤذن بالعموم، أي: أن الأبرار ينظرون، لكن لا ينظرون إلى ثمار الجنة فقط، أو إلى الحور العين، أو إلى أشجار الموز أو التفاح، فالله تعالى لم يقل ذلك، بل ترك الآية عامة، والمنضور إليه غير مصرح به، فيدل على الإطلاق، أي: أنهم ينظرون إلى الحور العين، وإلى ثمار الجنة، وإلى أنهارها، وينظرون إلى ما هو أرقى من ذلك وأعلى وأنعم ألا وهو: وجه الله الكريم. إذاً وجه الدلالة: أن حذف المنظور إليه فيه دلالة على العموم، أي: أنهم ينظرون إلى الله جل وعلا، وينظرون إلى النعم التي أعدها الله لهم في الجنة، وينظرون إلى كل خير وبر، وإلى كل ما يمتعهم، وأشد ما يتمتعون به: النظر إلى وجه الله الكريم. أيضاً من الآيات الدالة على النظر إلى وجه الله الكريم ورؤية المؤمنين الله بأبصارهم يوم القيامة قول الله تعالى: ﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا﴾ [ق:٣٥] أي: في الجنة ﴿وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾ [ق:٣٥]، قال أنس وعلي بن أبي طالب: لهم فيها ما يشاءون: من الحور العين، ومن اللبن والخمر، ومن العسل المصفى، ومن كل ما يشتهون، حتى الذي يحب الأموال أو الجمال أو الأغنام -وكل هذا يكون تراباً يوم القيامة- فإنه إذا تمنى ذلك على الله أنشأ الله له الغنم من الذهب، أو الجو ذأوة أو مال من الذهب، وجاء في بعض الآثار: أن المؤمن ينظر إلى أمامه في الجنة فهو لا يريد، وإنما يريد الناحية الأخرى، فيشير إليها بأصبعه فتمشي معه حيثما سار، فللمؤمن في الجنة ما يشتهي، يقول ﷺ : (فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر)، وأعلى من ذلك المزيد، وهو: رؤية الله جل وعلا، وهذه لصاحب الحس المرهف، والقلب الواسع، الذي أحسن في عبادة الله جل وعلا فيجازى بالإحسان كما قال الله تعالى: ﴿هَلْ جَزَاءُ الإِحْسَانِ إِلَّا الإِحْسَانُ﴾ [الرحمن:٦٠]، فالذي أحسن في عبادته لله جل وعلا يجازى بملء بصره من النظر إلى وجه الله الكريم، كما قال الله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس:٢٦]، والإحسان: أن تعبد الله كأنك تراه، فكان جزاء وفاقاً، فمن عبد الله كأنه يراه كان جزاؤه أن يراه حقاً وحقيقة بعين اليقين في الآخرة. ومن الأدلة أيضاً: قول الله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين:١٥]، هذه الآية استدل بها الشافعي على رؤية المؤمنين لربهم جل وعلا، حيث قال: إذا حجب الله نفسه عن الكفار في السخط أو في الغضب، ففي الرضا لا بد أن يراه المؤمنون، فإن حجب نفسه عن الكافرين فإنه يتجلى للمؤمنين؛ رضاً عنهم. الآية السادسة التي تثبت رؤية الله جل وعلا -وهي ليست بصريحة في ذلك ولكن بدلالة اللزوم- وهي قول الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ [البقرة:٤٦] فاللقي لغة يلزم منه المعاينة، فإذا التقيت بشخص فلا بد أن تعاينه إلا إذا منع من ذلك مانع كالعمى، ويوم القيامة ليس فيه عمى، وإنما يكون الأمر كما قال الله تعالى: ﴿فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾ [ق:٢٢] أي: قوي؛ حتى تنظر إلى الله جل وعلا. فهذه الأدلة من الكتاب.

стр. 273

الأدلة من السنة النبوية وأما السنة فقد بلغت الأحاديث الدالة على رؤية المؤمنين لربهم في الآخرة، حد التواتر، وسوف نذكر طائفة يسيرة منها تبين المقصود. ففي الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ وأرضاه عن النبي ﷺ أنه قال -وهذا فيه تشويق لرؤية الله جل وعلا، فقد كان ﷺ دائماً يدعو: (اللهم! إني أسألك لذة النظر إلى وجهك الكريم)، فهذا النعيم ليس بعده نعيم-: (إنكم سترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر هل تضارون برؤيته؟ قالوا: لا، قال ﷺ : سترون ربكم كذلك) فالكاف هنا: تشبيه رؤية برؤية، لا تشبيه مرئي بمرئي؛ لأن الله جل وعلا ليس كمثله شيء، وفي رواية أخرى عن أبي موسى وصهيب وأبي سعيد أن النبي ﷺ قال عندما سئل: (هل نرى ربنا؟ فقال ﷺ : أترون القمر ليلة أربع عشرة؟ قالوا: نعم، قال: أترون الشمس ليس دونها سحاب؟ قالوا: نعم، قال: سترون ربكم كما ترون الشمس والقمر، لا تضامّون في رؤيته)، وفي رواية: (لا تَضَامَون) بدون التشديد، ومعنى (تضامّون) أي: ينضم بعضكم إلى بعض، أي: لا يتزاحمون عند النظر، كما لا يتزاحمون عندما يرون القمر، فمعنى قول النبي ﷺ : أنكم سترون الله دون مزاحمة ودون أي تضام فيما بينكم. ومعنى: (لا تضامون) بالتخفيف: من الضيم والظلم، أي: لا يحدث لكم أي ضرر، فيكون تفسير الحديث: أنكم ستنظرون إلى الله جل وعلا وترونه كما ترون القمر لا يلحقكم ضرر في ذلك. وفي حديث أبي موسى في الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال: (جنتان من ذهب آنيتهما وما فيهما، وجنتان من فضة آنيتهما وما فيهما، وما بين القوم وبين أن يروا ربهم إلا رداء الكبرياء يكشفه الله جل وعلا، فينظرون إلى الله جل وعلا)، وفي حديث صهيب: (أن الله جل وعلا يخاطب أهل الجنة بعد أن يدخلوا الجنة: هل تريدون شيئاً أزيدكم؟ فقالوا: ألم تبيض وجوهنا؟ ألم تدخلنا الجنة؟ فيكشف الله جل وعلا الحجاب فينظرون إلى ربهم من فوقهم، فما تنعموا بشيء كالنظر إلى وجه الله الكريم)، نسأل الله جل وعلا أن يرزقنا النظر إلى وجهه الكريم.

стр. 274

دليل الإجماع والعقل وأما الإجماع فقد أجمع السلف والصحابة الكرام أن المؤمنين يرون ربهم في الآخرة. أما العقل: فإننا نستطيع بالعقل أن نثبت أن المؤمن سيرى ربه، وذلك أن العدم لا يرى، والعدم نقص وليس بكمال، ولا يرى إلا الموجود، فالذي يرى أكمل من الذي لا يرى، والله جل وعلا متصف بالكمال، فهذا يدل على أن المؤمنين يرون ربهم جل وعلا. إذاً فرؤية المؤمنين لله جل وعلا ثابتة بالكتاب والسنة والإجماع والعقل.

стр. 275

مقدار رؤية المؤمنين لربهم بقيت هنا مسألة وهي: مقدار رؤية المؤمنين لربهم، فقد جاء ذلك بأسانيد فيها مقال يعضد بعضها بعضاً، ففي السنن عن ابن مسعود ﵁ وأرضاه قال: مقدار رؤية المؤمنين لله جل وعلا كصلاة الجمعة. أي: كمقدار صلاة الجمعة.

стр. 276

مسألة: هل رؤية الله خاصة بالمؤمنين أو عامة للمؤمنين والكفار ؟ وهنا مسألة في الرؤية وهي: هل رؤية الله تعالى في عرصات يوم القيامة خاصة بالمؤمنين فقط أم يراه الكفار أيضاً؟ اختلف العلماء في هذه على ثلاثة أقوال: القول الأول: إن الكل يرى الله جل وعلا: المؤمن والكافر على الإطلاق. والقول الثاني: إنه لا يرى الله جل وعلا إلا المؤمن التقي النقي. والقول الثالث: إن الله جل وعلا يراه في عرصات يوم القيامة المؤمنون والمنافقون. ولكل قول دليل، فالذين قالوا بأن الكفار يرون الله جل وعلا يوم القيامة قالوا: إن هذه الرؤية ليست رؤية كرامة ولا رحمة ولا تشريف، ولكنها رؤية محاسبة، واستدلوا على ذلك بأدلة: منها: أولاً: قوله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين:١٥] قالوا: فقد حجبوا بعدما رأوا، وهذه ذلة ومهانة وتحزين لهم. وأوضح دليل لهم في ذلك هو قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلاقِيهِ﴾ [الانشقاق:٦]، فالملاقاة يلزم منها المعاينة. ثانياً: حديث أبي هريرة ﵁ وأرضاه: أنه بعدما سأل الصحابة النبي ﷺ : هل يرون ربهم؟ فقال: (يأتي الله جل وعلا بالعبد ليس بينه وبينه أحد فيقول: عبدي! ألم أكرمك؟ ألم أسودك؟ ألم أعطك كذا وكذا وكذا فيقرره بنعائمه، فيقر بهذه النعم، ثم يقول: ما ظننت أنك ملاقي؟ فيقول: رب لا! ما ظننت ذلك، فيقول الله جل وعلا: أنساك اليوم كما نسيتني)، فهذا فيه دلالة على أنه ستحدث بينه وبين الله جل وعلا محادثة، وأنه يلقى الله جل وعلا، والملاقاة يلزم منها المعاينة. ثالثاً: عموم قوله ﷺ : (ما من أحد إلا وسيكلمه الله ليس بينه وبينه ترجمان، يذكره بكذا وكذا وكذا) أي: أن كل الناس سيحاسبهم الله جل وعلا. واستدل أصحاب القول الثاني على أنه لا يرى الله إلا المؤمنون بقوله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين:١٥]، فالمؤمن يرى الله جل وعلا في الرضا والكافر يحجب في السخط. ومن أدلتهم: حديث أبي هريرة ﵁ وأرضاه: (أنه بعدما سأل المؤمنون النبي ﷺ : هل يرون ربهم؟ قال: هل ترون القمر؟ -إلى آخر الحديث، ثم قال: فينادي مناد: من كان يعبد أحداً فليتبعه) فمن كان يعبد الصليب فيتبع الصليب حتى يتهاوى به إلى نار جهنم، ومن كان يعبد عيسى فإن الشيطان يتمثل له بعيسى ﵇ ويتهاوى به إلى نار جهنم، ومن كان يعبد الشمس فإنها تصور وتلقى في نار جهنم ويلقى خلفها في نار جهنم، فوجه الشاهد: أن النبي ﷺ قال عن الكافرين بعد أن ذكر أن المؤمنين يرون ربهم: إن كل كافر سيتبع ما كان يعبد، ففيه دلالة على أن المؤمن فقط هو الذي سيرى الله جل وعلا. واستدل أصحاب القول الثالث بدليل واضح جلي وهو: حديث أبي هريرة، فإن النبي ﷺ بعد أن قال: (وكل يتبع معبوده) قال: (ثم يبقى المؤمنون والمنافقون وطائفة من أهل الكتاب)، فيبقى المؤمنون، والمنافقون الذين يسجدون رياء ونفاقاً، وطائفة من اليهود الذين وحدوا الله جل وعلا، (فيأتيهم الله جل وعلا على غير الصورة التي يعرفونها، فيقول: أنا ربكم، فيقولون: نعوذ بالله منك، لا نشرك بالله أحداً، فيقول الله جل وعلا لهم: هل بينكم وبينه آية؟ فيقولون: نعم، فيكشف الله جل وعلا عن ساق فيخرون جميعاً سجداً لله جل وعلا إلا المنافق) أي: المرائي الذي نافق وسجد نفاقاً ورياء، قال النبي ﷺ واصفاً إياه: (إلا المنافق يرجع ظهره -أي: حلقات فقرات الظهر- طبقاً واحداً -أي: مستقيماً- فلا يستطيع السجود). وجه الشاهد من الحديث: أن المؤمنين والمنافقين وطائفة من أهل الكتاب يرون الله جل وعلا. فإن قيل: إذا كان الكافر لا يرى الله جل وعلا فمن باب أولى ألا يراه المنافق. و الجواب أن رؤية المنافقين من باب التحزين وزيادة الحسرة عليهم، كما أنهم يرون الجنة كأنهم سيدخلونها، فيضرب بينهم بسور له باب، ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾ [النساء:١٤٢]، فهم عندما يرون الله جل وعلا يستشعرون في أنفسهم أن الله حجب نفسه عن الكافرين وهم قد رأوه، فيستيقنون أنهم من أهل الجنة، ثم يخدعون، فلا يرون نوراً يمشون به إلى الجنة فيتساقطون في نار جهنم. ومن شدة حسرة أهل النار أيضاً أن الحجاب مكشوف بينهم وبين أهل الجنة، فأهل الجنة يرون ما يحدث لأهل النار؛ ليحمدوا الله جل وعلا على هذه النهاية، وأهل النار يرون أهل الجنة فيزدادون حسرة وحزناً شديداً أنهم لم يكونوا من أهل الجنة.

стр. 277

القول الراجح في رؤية الكافرين لربهم القول الراجح في هذ المسألة هو أن الكافرين يرون الله جل وعلا رؤية محاسبة، فيقررهم بما كفروا به جل وعلا، ثم يتهاوون في نار جهنم ويتساقطون فيها، نعوذ بالله من ذلك، ونسأل الله جل وعلا أن يجعلنا ممن يراه، كما نسأله أن يرزقنا لذة النظر إلى وجهه الكريم في غير ضراء مضرة.

стр. 278

إثبات رؤية الله جل وعلا في قول الله تعالى: ﴿هَلْ جَزَاءُ الإِحْسَانِ إِلَّا الإِحْسَانُ﴾ [الرحمن:٦٠] دليل على أن الذي عبد الله وأحسن في عبادته أنه يرى الله جل وعلا رؤية كاملة. ومن الأدلة على رؤية الله جل وعلا قوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي﴾ [الأعراف:١٤٣]، فهذه الآية من الأدلة على رؤية الله جل وعلا من وجوه: الأول: أن موسى ﵇ هو من أعلم الخلق بالله جل وعلا فلو كان السؤال معاباً على موسى لما سأل الله جل وعلا، ولو كان سأله جهلاً لا تعدياً لما أقره الله جل وعلا على ذلك، فالله تعالى لم يقر نوحاً ﵇ عندما قال: ﴿رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ﴾ [هود:٤٥] فقال الله له: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ﴾ [هود:٤٦] ثم قال: ﴿فَلا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ [هود:٤٦] فلم يقره على هذا الخطأ، ولو كان موسى ﵇ مخطئاً في السؤال ما أقره الله جل وعلا، ولكنه هنا أقره فقال: ﴿انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي﴾ [الأعراف:١٤٣]. ثانياً: أن الله جل وعلا لم يقل: أنا أرى، وإنما قال: ((لَنْ تَرَانِي)) أي في الدنيا؛ لأن بصرك لا يحتمل ذلك؛ ودليل ذلك أن الجبل الذي هو راسخ اشم شامخ دك عندما تجلى الله له. ثالثاً: أن الله جل وعلا علق الرؤية على أمر ممكن، ولم يعلقها على أمر مستحيل فقال: ((فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ))، وهذا أمر ممكن وليس بمستحيل، فلو استقر الجبل مكانة لرأى موسى ربه جل وعلا، فهذه دلالة على أنه سيرى. رابعاً: أن الله تجلى للجبل الجماد الذي ليس له ثواب ولا عليه عقاب، قال تعالى: ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا﴾ [الأعراف:١٤٣]، فمن باب أولى أن يتجلى الله تعالى لمن هو أكرم من الجبل وهو الإنسان المؤمن. سبحانك اللهم وبحمدك، نشهد أن لا إله إلا أنت نستغفرك ونتوب إليك.

стр. 279

شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة - مسائل في الرؤية اختلف الناس في رؤية المؤمنين لربهم في الدنيا والآخرة ما بين مجيز للأمرين، ومانع لهما، ومتوسط بينهما، وهم أهل السنة حيث قالوا بالرؤية في الآخرة فقط.

стр. 280

مذاهب أهل السنة في رؤية المؤمنين لربهم إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. أما بعد: فإن الناس قد انقسموا في رؤية المؤمنين لربهم على أقوال ثلاثة: القول الأول: إن المؤمنين يرى الله في الدنيا والآخرة، وإلى ذلك ذهب أهل الوجد والتصوف وأهل التخييل والخيالات، كـ ابن عربي وغيره. القول الثاني: إن الله لا يرى لا في الدنيا ولا في الآخرة، وإليه ذهب المعطلة الجهمية. والقول الثالث: وهو الوسط بين الطرفين، وهو قول أهل السنة والجماعة وسلف الأمة، الذين قالوا برؤية الله جل وعلا في الآخرة دون الدنيا. الطائفة الأولى الذين قالوا: إن الله يرى في الدنيا والآخرة يرد عليهم بحديث النبي ﷺ كما في مسلم: (إنه لن يرى أحد منكم ربه حتى يموت) ففي هذا دلالة على أن الله جل وعلا لا يرى في الدنيا، وقال الله تعالى جواباً لأحب الخلق إليه في ذلك الوقت وهو موسى ﵇ وذلك عندما سأل الله جل وعلا رؤيته: ﴿قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي﴾ [الأعراف:١٤٣]. فإذاً النبي ﷺ قال: (لن يرى أحد منكم ربه حتى يموت) وحتى هنا للغاية، أي: أنه بعد البعث يمكن أن يرى ربه جل وعلا.

стр. 281

الخلاف في رؤية النبي ﷺ لربه في الدنيا تنازع أهل السنة فيما بينهم على رؤية النبي ﷺ لربه في الدنيا بعيني رأسه على قولين: الأول: وهو قول عائشة ﵂ وأرضاها وعامة السلف على أن محمداً ﷺ لم ير ربه بعيني رأسه، حتى إنها أغلظت في القول فقالت: من زعم أن محمداً ﷺ رأى ربه في الدنيا - أي: ليلة المعراج- فقد أعظم على الله الفرية -أي: الكذب أو الخطأ-. والقول الثاني: وهو قول ابن عباس ﵁ وأرضاه على أن محمداً رأى ربه مرتين: ليلة أعرج به.

стр. 282

الرد على القائلين بأن الله يرى في الدنيا وقد وردت روايات عن ابن عباس وأبي هريرة في رؤية النبي ﵌ لربه منها: عن ابن عباس ﵁ وأرضاه قال: (لقد رأى محمد ﷺ ربه . وعنه في قوله جل وعلا: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى * عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى﴾ [النجم:١٣ - ١٤] قال: دنى منه ربه فتدلى، ﴿فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى * فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى﴾ [النجم:٩ - ١٠] قال: قد رآه النبي ﷺ . أي قد رأى ربه. وفي رواية أخرى عنه قال: بلى ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾ [النجم:١١] ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى * عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى﴾ [النجم:١٣ - ١٤] وسئل عكرمة -الذي يأخذ عن ابن عباس -: هل رآه؟ قال: نعم، قد رآه ثم رآه، فسألت عنه الحسن فقال الحسن: رأى جماله وعظمته، ورأى كذا وكذا وكذا. وعن أبي هريرة أنه سئل: هل رأى محمد ربه، قال: رآه، أو نعم قد رآه. فهذه الروايات تثبت أن محمداً ﷺ رأى ربه في ليلة المعراج بعيني رأسه. وسئل ابن عباس ﵁ وأرضاه في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾ [النجم:١٣] قال: إن النبي ﷺ رأى ربه بقلبه. وفي رواية أخرى في تفسير قوله تعالى: ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾ [النجم:١١] قال: رأى ربه بقلبه. وعن ابن عباس أن النبي ﷺ رأى ربه بفؤاده مرتين. فكيف نجمع بين الروايات التي يقول فيها ابن عباس: رأى محمد ربه بقلبه، والروايات الأخر التي أطلق فيها فقال: رأى ربه؟ و الجواب أنه رآه بعينه ثم رآه بقلبه، أو رآه بقلبه أولاً ثم رآه بعينه.

стр. 283

أقسام رؤية الله في الآخرة يختم باب الرؤيا بأن أول من ينظر إلى الله جل وعلا يوم القيامة هم العميان ﴿جَزَاءً وِفَاقًا﴾ [النبأ:٢٦]، وهذه وردت بأسانيد ضعيفة في أن الله جل وعلا قال لجبريل: (سلبت حبيبتيه؟ قال: نعم، قال: جزاؤه الدوام أو الخلود في جنتي، ودوام النظر إلى وجهي)، وهذه ليس فيها إشارة على أنه أول من ينظر إلى الله جل وعلا في الجنة، لكن فيها إشارة على دوام نظره لله . وتنقسم رؤية الله جل وعلا إلى ثلاثة أقسام: الرؤية الأولى: في عرصات القيامة. والثانية: يوم الجمعة. والتفاوت في هذه الرؤيا هو من حيث القرب والبعد، فالأقرب يوم الجمعة في الدنيا هو الأقرب عند الله، وهذا يفتح باب التسابق والتنافس في المسارعة إلى الجمعة؛ ولذلك كان ابن مسعود يحرص حرصاً شديداً على أن يكون أول من في المسجد يوم الجمعة، فإذا دخل فوجد ثلاثة أو اثنين قال: ثالث ثلاثة، أو رابع أربعة لا يبعد هذا، لكن لا يكون خامسهم ولا سادسهم-عافنا الله من الكسل ومما نحن فيه- قال الله تعالى: ﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾ [المطففين:٢٦]، فالذين يبكرون يوم الجمعة هم الذين يقتربون من رؤية الله يوم الجمعة، وهم أكثر نعيماً من غيرهم. وفضل آخر في التبكير ليوم الجمعة وهو حديث النبي ﷺ في السنن حيث قال: (من بكر وابتكر، وغسل واغتسل، وذهب إلى الجمعة ماشياً - هذا تقييد مهم جداً يعني: ليس بالسيارة- ثم دنا من الإمام فأنصت ولم يلغ، كتبت له كل خطوة بأجر سنة قيام وصيام)، يعني: لو مشى ربع ساعة فإن كل خطوة بأجر سنة قيام وصيام، فكم من الأجر العميم في هذا، وكم ضيعنا من هذا الخير. ومن فضل التكبير يوم الجمعة أنك ترى الله جل وعلا على قرب منه، فتكون أقرب إلى الله، وتتمتع أكثر بالنظر إليه. الرؤية الثالثة: في العيدين، وهذه للنساء، فهن لا يرينه يوم الجمعة على الراجح من الأقوال، ويرونه غدواً وعشياً. وهنا قال الحسن: يرى الله جل وعلا في الآخرة، وأول من يراه هو الأعمى، وهذا لا يبعد؛ لأن الله جل وعلا كريم حليم إذا أخذ من عبده شيئاً فصبر ورضى بقضاء الله عوضه الله خيراً مما أخذ منه، والقياس في ذلك كثير ففقراء المهاجرين عانوا في الدنيا كثيراً من الفقر، وهاجروا من مكة إلى المدينة، فالله جل وعلا كافأهم وعوضهم أفضل مما أخذ منهم فأدخلهم الجنة قبل الأغنياء بخمسمائة عام، قال النبي ﷺ : (الفقراء يدخلون الجنة قبل الأغنياء بنصف يوم) ونصف اليوم: خمسمائة عام، ولذلك فإن النبي ﷺ رأى ما في أهل الصفة من بأس فقال لهم: (لو علمتم ما لكم عند الله جل وعلا لدعوتم الله أن يشد عليكم أكثر مما أنتم فيه) أو كمال قال ﷺ ، وهذه علامة الإخلاص، وعلامة محبة لله جل وعلا. والمقصود أن القياس البديع في الشريعة يثبت أن الله جل وعلا إذا أخذ من عبده شيئاً فصبر عوضه خيراً منه، وكما في الترمذي أن النبي ﷺ قال: (إن عظم الجزاء مع عظم البلاء، فمن رضي فله الرضا، ومن سخط فعليه السخط).

стр. 284

النهي عن التفكر في ذات الله وردت بعض الآثار بأسانيد ضعيفة يعضد بعضها بعضاً في النهي عن التفكر في ذات الله، منها: أن النبي ﷺ قال: (لا تتفكروا في الله، ولكن تفكروا في خلق الله، فإن الله لا تصل إليه فكرة) والنهي هنا للتحريم، أما المعاني فلا بد أن نتفكر فيها، ولا يجوز التفكر في كيفية صفات الله جل وعلا، ودليل ذلك ما ورد عن أم سلمة بسند صحيح ﵂ وأرضاها -بسند صحيح- لما سئلت عن الاستواء قالت: الاستواء في اللغة معلوم - أي: تتفكر في معناه- والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، وقال ذلك ربيعة الرأي ومالك ﵏. فقوله: (لا تتفكروا) أي: لا تتفكروا في كيفية صفات الله جل وعلا، وأنى للعبد أن يتفكر فيمن الكون كله في يده كحبه خردل في يد أحدكم؟ وكيف يتفكر في الذي خلق السموات السبع والأرضين السبع، والذي بصره ينفذ إلى جميع خلقه؟ فلا تواري عنه سماء سماء، ولا أرض أرضاً، ولا جبل ما في وعره، ولا بحر ما في قعره، فبصره سبحانه ينفذ إلى جميع خلقه، وقد قال النبي ﷺ كما في الصحيحين عن أبي موسى الأشعري ﵁ وأرضاه: (حجابه النور لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه - أي: أنوار وجه الله جل وعلا - ما انتهى إليه بصره من خلقه) وبصر الله ينتهي إلى جميع خلقه، فيرى دبيب النملة السوداء على الصخرة الصماء في الليلة الظلماء، فكيف يتفكر العبد في عين الله جل وعلا، أو في بصر الله جل وعلا؟ وكيف يتفكر العبد في ذات الله، أو في كيفية صفات الله جل وعلا، والسماوات كلها بما فيها وبما حوت مطويات بيمينه، والأرض جميعاً قبضته؟ ووالله ما قدروا الله حق قدره، كما قال تعالى: ﴿مَا لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا﴾ [نوح:١٣]، فالتفكر في كيفية صفات الله جل وعلا ليس تعظيماً لله، قال تعالى: ﴿مَا لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا * وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا﴾ [نوح:١٣ - ١٤] ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ بِسَاطًا * لِتَسْلُكُوا مِنْهَا سُبُلًا فِجَاجًا﴾ [نوح:١٩ - ٢٠]. وقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَوَاتٍ طِبَاقًا * وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا * وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا * وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الأَرْضِ نَبَاتًا * ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجًا﴾ [نوح:١٥ - ١٨]، فلا تتفكروا في هذا الخالق العظيم! بل تفكروا في خلقه، فإن عجزتم عن وصف خلق من مخلوقات الله فأنتم عن وصف الله أعجز وأعجز، ففكروا في ديك مثلاً، كما ورد في أثر صححه بعض العلماء وضعفه آخرون، وهو مما يستأنس به، أن النبي ﷺ قال: (تفكروا في بعض مخلوقات الله، خلق الله ديكاً رجله في الأرض ورأسه في السماء، ينظر إلى العرش، فكلما نظر قال: سبحانك ما عُبدت حق عبادتك، وفي رواية: قال: والذين يحلفون بك كذباً لا يعرفون عظمتك) فهل يستطيع أحد أن يتفكر في هذا المخلوق في طوله في عرضه في رأسه؟ وأشد من ذلك عظمة في الخلق ما رواه أبو داود عن النبي ﷺ أنه قال: (أذن لي أن أحدث عن ملك - من حملة العرش- ما بين شحمة أذنه إلى عاتقه مسيرة سبعمائة عام) فهل يستطيع أحد أن يصف شحمة الأذن، أو يصف المكان الممتد بين شحمة الأذن إلى العاتق؟ فإن كان الإنسان عاجزاً في أن يتفكر في هذا المخلوق، فهو أعجز من أن يتفكر في صفات الخالق العظيم، وقد بين الله تعالى أنه جعل من الملائكة رسلاً أولي أجنحة مثنى وثلاث ورباع، ولا يستطيع أحد أن يصف لنا الملائكة الذين هم جسمين من الأجنحة. وهل الأجنحة بدلاً عن اليد، الراجح الصحيح أن للملائكة أيدي، والأجنحة زيادة، ودليل ذلك من كتاب الله جل وعلا حيث قال: ﴿والْمَلاَئكَةُ بَاسِطُوا أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ﴾ [الأنعام:٩٣]، فالملك له أيدي ولا نعرف عددها، وهذا هو الذي فعله على بن المديني إذ جاء لغلام من السلاطين فقال له: أنت تتكلم في صفات الله جل وعلا، فأسألك سؤالاً واحداً: تصف لي مخلوقاً من مخلوقات الله، فإن عجزت عن وصف هذا المخلوق فأنت عن وصف صفات الله جل وعلا أعجز، فقال: تكلم، قال: قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى * عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى * عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى﴾ [النجم:١٣ - ١٥]، قال: رأى محمد ﷺ جبريل في صورته أو على هيئته له ستمائة جناح صف لي جبريل ﵇؟ فأسقط في يد الغلام ولم يعرف كيف يتكلم، ثم قال: أنحي عنك هذا وأقول: صف لي ثلاثة من هذه الأجنحة؟ ثم قال: أنحي عنك هذا، صف لي هذا الجناح الثالث، أين يكون؟ وكيف يكون؟ فأسقط في يد الغلام ورجع فقال: والله إني لأعجز عن وصف هذا الجناح الثالث، إذاً: فإني عن وصف ربي جل وعلا أعجز وأعجز. فعلى الإنسان أن لا يتفكر في الله جل وعلا، ولا في كيفية صفاته، الله جل وعلا، ولكن في خلقه سبحانه، فهو لا يستطيع أن يصف مخلوقات الله فضلاً عن أن يصف صفات الله جل وعلا أو يكيفها.

стр. 285

خطر التفكر في ذات الله على عقيدة المسلم وقوله ﷺ : (لا تتفكروا في الله) للتحريم؛ فالتفكر في الذات يؤول بالمرء إلى نتيجتين: النتيجة الأولى: أن ينفر من التكييف لصفات الله جل وعلا؛ لأنه بالتكييف سيصل إلى تخاريف ولا يستطيع أن يصل إلى التكييف الحقيقي، فينفر من هذا فيعطل، فينفي الصفات، ثم يرتقي فينفي الأسماء ويلتحق بأهل الكفر الذين هم من غلاة الجهمية. النتيجة الثانية: أن يصل بنظره إلى صفات الله جل وعلا وتكييفه لها، فيقول: له يد، وهو ينزل ويجيء، ويأتي ويستوي، إذاً: فيده كيد البشر، وعينه كعين البشر، ويستوي كما يستوي البشر، فينزل الخالق منزلة المخلوق، ويصل إلى التثنية، وهو قول لأهل الكفر. أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.
следующие страницы →