← Акыда

Акыда · id 37435

شرح أصول اعتقاد أهل السنة للالكائي - محمد حسن عبد الغفار

محمد حسن عبد الغفار

Полный текст (838 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

الخلاف في رؤية النبي ﷺ لربه في الدنيا تنازع أهل السنة فيما بينهم على رؤية النبي ﷺ لربه في الدنيا بعيني رأسه على قولين: الأول: وهو قول عائشة ﵂ وأرضاها وعامة السلف على أن محمداً ﷺ لم ير ربه بعيني رأسه، حتى إنها أغلظت في القول فقالت: من زعم أن محمداً ﷺ رأى ربه في الدنيا - أي: ليلة المعراج- فقد أعظم على الله الفرية -أي: الكذب أو الخطأ-. والقول الثاني: وهو قول ابن عباس ﵁ وأرضاه على أن محمداً رأى ربه مرتين: ليلة أعرج به.

стр. 282

الرد على القائلين بأن الله يرى في الدنيا وقد وردت روايات عن ابن عباس وأبي هريرة في رؤية النبي ﵌ لربه منها: عن ابن عباس ﵁ وأرضاه قال: (لقد رأى محمد ﷺ ربه . وعنه في قوله جل وعلا: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى * عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى﴾ [النجم:١٣ - ١٤] قال: دنى منه ربه فتدلى، ﴿فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى * فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى﴾ [النجم:٩ - ١٠] قال: قد رآه النبي ﷺ . أي قد رأى ربه. وفي رواية أخرى عنه قال: بلى ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾ [النجم:١١] ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى * عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى﴾ [النجم:١٣ - ١٤] وسئل عكرمة -الذي يأخذ عن ابن عباس -: هل رآه؟ قال: نعم، قد رآه ثم رآه، فسألت عنه الحسن فقال الحسن: رأى جماله وعظمته، ورأى كذا وكذا وكذا. وعن أبي هريرة أنه سئل: هل رأى محمد ربه، قال: رآه، أو نعم قد رآه. فهذه الروايات تثبت أن محمداً ﷺ رأى ربه في ليلة المعراج بعيني رأسه. وسئل ابن عباس ﵁ وأرضاه في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾ [النجم:١٣] قال: إن النبي ﷺ رأى ربه بقلبه. وفي رواية أخرى في تفسير قوله تعالى: ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾ [النجم:١١] قال: رأى ربه بقلبه. وعن ابن عباس أن النبي ﷺ رأى ربه بفؤاده مرتين. فكيف نجمع بين الروايات التي يقول فيها ابن عباس: رأى محمد ربه بقلبه، والروايات الأخر التي أطلق فيها فقال: رأى ربه؟ و الجواب أنه رآه بعينه ثم رآه بقلبه، أو رآه بقلبه أولاً ثم رآه بعينه.

стр. 283

أقسام رؤية الله في الآخرة يختم باب الرؤيا بأن أول من ينظر إلى الله جل وعلا يوم القيامة هم العميان ﴿جَزَاءً وِفَاقًا﴾ [النبأ:٢٦]، وهذه وردت بأسانيد ضعيفة في أن الله جل وعلا قال لجبريل: (سلبت حبيبتيه؟ قال: نعم، قال: جزاؤه الدوام أو الخلود في جنتي، ودوام النظر إلى وجهي)، وهذه ليس فيها إشارة على أنه أول من ينظر إلى الله جل وعلا في الجنة، لكن فيها إشارة على دوام نظره لله . وتنقسم رؤية الله جل وعلا إلى ثلاثة أقسام: الرؤية الأولى: في عرصات القيامة. والثانية: يوم الجمعة. والتفاوت في هذه الرؤيا هو من حيث القرب والبعد، فالأقرب يوم الجمعة في الدنيا هو الأقرب عند الله، وهذا يفتح باب التسابق والتنافس في المسارعة إلى الجمعة؛ ولذلك كان ابن مسعود يحرص حرصاً شديداً على أن يكون أول من في المسجد يوم الجمعة، فإذا دخل فوجد ثلاثة أو اثنين قال: ثالث ثلاثة، أو رابع أربعة لا يبعد هذا، لكن لا يكون خامسهم ولا سادسهم-عافنا الله من الكسل ومما نحن فيه- قال الله تعالى: ﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾ [المطففين:٢٦]، فالذين يبكرون يوم الجمعة هم الذين يقتربون من رؤية الله يوم الجمعة، وهم أكثر نعيماً من غيرهم. وفضل آخر في التبكير ليوم الجمعة وهو حديث النبي ﷺ في السنن حيث قال: (من بكر وابتكر، وغسل واغتسل، وذهب إلى الجمعة ماشياً - هذا تقييد مهم جداً يعني: ليس بالسيارة- ثم دنا من الإمام فأنصت ولم يلغ، كتبت له كل خطوة بأجر سنة قيام وصيام)، يعني: لو مشى ربع ساعة فإن كل خطوة بأجر سنة قيام وصيام، فكم من الأجر العميم في هذا، وكم ضيعنا من هذا الخير. ومن فضل التكبير يوم الجمعة أنك ترى الله جل وعلا على قرب منه، فتكون أقرب إلى الله، وتتمتع أكثر بالنظر إليه. الرؤية الثالثة: في العيدين، وهذه للنساء، فهن لا يرينه يوم الجمعة على الراجح من الأقوال، ويرونه غدواً وعشياً. وهنا قال الحسن: يرى الله جل وعلا في الآخرة، وأول من يراه هو الأعمى، وهذا لا يبعد؛ لأن الله جل وعلا كريم حليم إذا أخذ من عبده شيئاً فصبر ورضى بقضاء الله عوضه الله خيراً مما أخذ منه، والقياس في ذلك كثير ففقراء المهاجرين عانوا في الدنيا كثيراً من الفقر، وهاجروا من مكة إلى المدينة، فالله جل وعلا كافأهم وعوضهم أفضل مما أخذ منهم فأدخلهم الجنة قبل الأغنياء بخمسمائة عام، قال النبي ﷺ : (الفقراء يدخلون الجنة قبل الأغنياء بنصف يوم) ونصف اليوم: خمسمائة عام، ولذلك فإن النبي ﷺ رأى ما في أهل الصفة من بأس فقال لهم: (لو علمتم ما لكم عند الله جل وعلا لدعوتم الله أن يشد عليكم أكثر مما أنتم فيه) أو كمال قال ﷺ ، وهذه علامة الإخلاص، وعلامة محبة لله جل وعلا. والمقصود أن القياس البديع في الشريعة يثبت أن الله جل وعلا إذا أخذ من عبده شيئاً فصبر عوضه خيراً منه، وكما في الترمذي أن النبي ﷺ قال: (إن عظم الجزاء مع عظم البلاء، فمن رضي فله الرضا، ومن سخط فعليه السخط).

стр. 284

النهي عن التفكر في ذات الله وردت بعض الآثار بأسانيد ضعيفة يعضد بعضها بعضاً في النهي عن التفكر في ذات الله، منها: أن النبي ﷺ قال: (لا تتفكروا في الله، ولكن تفكروا في خلق الله، فإن الله لا تصل إليه فكرة) والنهي هنا للتحريم، أما المعاني فلا بد أن نتفكر فيها، ولا يجوز التفكر في كيفية صفات الله جل وعلا، ودليل ذلك ما ورد عن أم سلمة بسند صحيح ﵂ وأرضاها -بسند صحيح- لما سئلت عن الاستواء قالت: الاستواء في اللغة معلوم - أي: تتفكر في معناه- والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، وقال ذلك ربيعة الرأي ومالك ﵏. فقوله: (لا تتفكروا) أي: لا تتفكروا في كيفية صفات الله جل وعلا، وأنى للعبد أن يتفكر فيمن الكون كله في يده كحبه خردل في يد أحدكم؟ وكيف يتفكر في الذي خلق السموات السبع والأرضين السبع، والذي بصره ينفذ إلى جميع خلقه؟ فلا تواري عنه سماء سماء، ولا أرض أرضاً، ولا جبل ما في وعره، ولا بحر ما في قعره، فبصره سبحانه ينفذ إلى جميع خلقه، وقد قال النبي ﷺ كما في الصحيحين عن أبي موسى الأشعري ﵁ وأرضاه: (حجابه النور لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه - أي: أنوار وجه الله جل وعلا - ما انتهى إليه بصره من خلقه) وبصر الله ينتهي إلى جميع خلقه، فيرى دبيب النملة السوداء على الصخرة الصماء في الليلة الظلماء، فكيف يتفكر العبد في عين الله جل وعلا، أو في بصر الله جل وعلا؟ وكيف يتفكر العبد في ذات الله، أو في كيفية صفات الله جل وعلا، والسماوات كلها بما فيها وبما حوت مطويات بيمينه، والأرض جميعاً قبضته؟ ووالله ما قدروا الله حق قدره، كما قال تعالى: ﴿مَا لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا﴾ [نوح:١٣]، فالتفكر في كيفية صفات الله جل وعلا ليس تعظيماً لله، قال تعالى: ﴿مَا لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا * وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا﴾ [نوح:١٣ - ١٤] ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ بِسَاطًا * لِتَسْلُكُوا مِنْهَا سُبُلًا فِجَاجًا﴾ [نوح:١٩ - ٢٠]. وقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَوَاتٍ طِبَاقًا * وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا * وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا * وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الأَرْضِ نَبَاتًا * ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجًا﴾ [نوح:١٥ - ١٨]، فلا تتفكروا في هذا الخالق العظيم! بل تفكروا في خلقه، فإن عجزتم عن وصف خلق من مخلوقات الله فأنتم عن وصف الله أعجز وأعجز، ففكروا في ديك مثلاً، كما ورد في أثر صححه بعض العلماء وضعفه آخرون، وهو مما يستأنس به، أن النبي ﷺ قال: (تفكروا في بعض مخلوقات الله، خلق الله ديكاً رجله في الأرض ورأسه في السماء، ينظر إلى العرش، فكلما نظر قال: سبحانك ما عُبدت حق عبادتك، وفي رواية: قال: والذين يحلفون بك كذباً لا يعرفون عظمتك) فهل يستطيع أحد أن يتفكر في هذا المخلوق في طوله في عرضه في رأسه؟ وأشد من ذلك عظمة في الخلق ما رواه أبو داود عن النبي ﷺ أنه قال: (أذن لي أن أحدث عن ملك - من حملة العرش- ما بين شحمة أذنه إلى عاتقه مسيرة سبعمائة عام) فهل يستطيع أحد أن يصف شحمة الأذن، أو يصف المكان الممتد بين شحمة الأذن إلى العاتق؟ فإن كان الإنسان عاجزاً في أن يتفكر في هذا المخلوق، فهو أعجز من أن يتفكر في صفات الخالق العظيم، وقد بين الله تعالى أنه جعل من الملائكة رسلاً أولي أجنحة مثنى وثلاث ورباع، ولا يستطيع أحد أن يصف لنا الملائكة الذين هم جسمين من الأجنحة. وهل الأجنحة بدلاً عن اليد، الراجح الصحيح أن للملائكة أيدي، والأجنحة زيادة، ودليل ذلك من كتاب الله جل وعلا حيث قال: ﴿والْمَلاَئكَةُ بَاسِطُوا أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ﴾ [الأنعام:٩٣]، فالملك له أيدي ولا نعرف عددها، وهذا هو الذي فعله على بن المديني إذ جاء لغلام من السلاطين فقال له: أنت تتكلم في صفات الله جل وعلا، فأسألك سؤالاً واحداً: تصف لي مخلوقاً من مخلوقات الله، فإن عجزت عن وصف هذا المخلوق فأنت عن وصف صفات الله جل وعلا أعجز، فقال: تكلم، قال: قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى * عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى * عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى﴾ [النجم:١٣ - ١٥]، قال: رأى محمد ﷺ جبريل في صورته أو على هيئته له ستمائة جناح صف لي جبريل ﵇؟ فأسقط في يد الغلام ولم يعرف كيف يتكلم، ثم قال: أنحي عنك هذا وأقول: صف لي ثلاثة من هذه الأجنحة؟ ثم قال: أنحي عنك هذا، صف لي هذا الجناح الثالث، أين يكون؟ وكيف يكون؟ فأسقط في يد الغلام ورجع فقال: والله إني لأعجز عن وصف هذا الجناح الثالث، إذاً: فإني عن وصف ربي جل وعلا أعجز وأعجز. فعلى الإنسان أن لا يتفكر في الله جل وعلا، ولا في كيفية صفاته، الله جل وعلا، ولكن في خلقه سبحانه، فهو لا يستطيع أن يصف مخلوقات الله فضلاً عن أن يصف صفات الله جل وعلا أو يكيفها.

стр. 285

خطر التفكر في ذات الله على عقيدة المسلم وقوله ﷺ : (لا تتفكروا في الله) للتحريم؛ فالتفكر في الذات يؤول بالمرء إلى نتيجتين: النتيجة الأولى: أن ينفر من التكييف لصفات الله جل وعلا؛ لأنه بالتكييف سيصل إلى تخاريف ولا يستطيع أن يصل إلى التكييف الحقيقي، فينفر من هذا فيعطل، فينفي الصفات، ثم يرتقي فينفي الأسماء ويلتحق بأهل الكفر الذين هم من غلاة الجهمية. النتيجة الثانية: أن يصل بنظره إلى صفات الله جل وعلا وتكييفه لها، فيقول: له يد، وهو ينزل ويجيء، ويأتي ويستوي، إذاً: فيده كيد البشر، وعينه كعين البشر، ويستوي كما يستوي البشر، فينزل الخالق منزلة المخلوق، ويصل إلى التثنية، وهو قول لأهل الكفر. أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.

стр. 286

شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة-ضوابط تكفير أهل البدع شأن التكفير عظيم، وأمره خطير جداً، فمن ثبت إيمانه بيقين فلا يزول إلا بيقين، ولا يحكم على الشخص بالكفر العيني إلا إذا توافرت فيه الشروط وانتفت الموانع.

стр. 287

سياق ما روي في تكفير المشبهة إن الحمد لله؛ نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. ثم أما بعد: قال المصنف ﵀: [سياق ما روي في تكفير المشبهة]. ختم المصنف هذا الباب بما روي في تكفير المشبهة، وهذا باب عظيم، وأصل بديع، وكان الحق أن نفصل فيه في كتاب الإيمان والكفر، ولكنا ننوه تنويهات ونقعد قواعداً ترسى لطالب العلم ما روي في تكفير المشبهة، فهم قوم مبتدعة أنزلوا صفات الخالق إلى منزلة صفات المخلوق، وقالوا: نثبت صفات الله، ولا نقول كما قالت الجهمية، بل نقول: لله يد، وساق، ورجل، وأنامل، وعين، لكن عين الله كعين المخلوق، ويد الله كيد المخلوق، وساق الله كساق المخلوق.

стр. 288

خطر التكفير التكفير أمر جلل خطير لا يجترئ عليه إلا مجترئ، ولا يتجاسر عليه إلا جريء؛ لأنه حق خالص لله جل وعلا، ولا يستطيعه إلا المسلمون، ولا يمكن لأحد أن يجترئ فيرمي أحداً بالكفر إلا إذا كان عنده برهان أسطع من شمس النهار، وإلا وقع في أمر خطير، وتحت طائلة حديث النبي ﷺ كما في الصحيحين: (من قال لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما) بمعنى: أنه إذا قال زيد لعمرو: أنت كافر، فإن لم يكن عمرو كافر رجعت هذه الكلمة على زيد فكفر زيد؛ لأنه كفر عمرو بغير بينه، بل رجماً بالغيب، وفي رواية أخرى: (من قال لأخيه: يا كافر أو يافاسق حارت عليه) فإن لم يكن في هذا الذي قيل له نفس الصفة حارت على قائلها، أي: رجعت عليه فكان فاسقاً أو كافراً، فهذا أمر جليل وعظيم. ولا يجترئ عليه إلا الجاهلون.

стр. 289

تكفير الجهمية وعكس المشبهة هم الجهمية المعطلة، فالمشبهة عبدوا الله جل وعلا على أنه خلق من الخلق، فشبهوه بالمخلوق، أما هؤلاء فقد نفروا من التشبيه فعطلوا صفات الله جل وعلا، وقالوا: لا سميع ولا سمع، لا بصير ولا بصر، لا قدير ولا قدرة، ومنهم من قال: هو سميع بلا سمع، قدير بلا قدرة، بصير بلا بصر، ومنهم من نفى الاسم والصفة، فمنهم من نفى الصفة دون الاسم، وهؤلاء أيضاً على كفر، فالقول قول كفر، لكن القائل ليس بكافر، والفاعل ليس بكافر حتى تقام عليه الحجة وتزال عنه الشبهة. والجهمية نسبة إلى الجهم بن صفوان وقد أخذ هذه البدعة عن الجعد بن درهم فهو الذي أنشأها، لكن الجهم أخذها وجعلها تعلو إلى السماء، وجر الخلفاء عليها، وامتحن أهل العلم بهذه البدعة الظلماء، ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية: أصل مقالة هؤلاء من أصل يهودي، وهي مقالة لبيد الأعصم الذي سحر النبي ﷺ ، فقد نفى صفات الله جل وعلا وأسمائه.

стр. 290

أنواع التكفير الكفر نوعان: كفر أكبر، وكفر أصغر، ونحن بصدد بيان الكفر الأكبر والكلام على أهل البدع. والتكفير نوعان: تكفير النوع، وتكفير العين، فتكفير النوع بمعنى أن القول أو الفعل كفر، والقائل والفاعل ليس بكافر حتى تقام عليه الحجة وتزول عنه الشبه، وهذا التأصيل أتينا به من الآيات التي تكفر الذين يفعلون الكفر، فهي إنما جاءت للأعيان، ولم تأت للأنواع، قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ﴾ [المائدة:٧٣]، وقال تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ [المائدة:١٧]، وقال الله تعالى: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر:٦٥]، فكل هذه الآيات والأحاديث جاءت في الأعيان لا في الأنواع. والسؤال هو: هل هناك دليل على التفريق بين كفر النوع وكفر العين مع أن الظاهر أن الأدلة كلها نزلت في تكفير الأعيان؟ الجواب هو أن دليل التفريق بين كفر النوع وكفر العين يستند على الوعيد، سواء الوعيد المطلق، أو الوعيد المقيد، فقد ورد أن النبي ﷺ : (لعن في الخمر عشر -والملعون هو: المطرود من رحمة الله جل وعلا- شاربها، وحاملها، وعاصرها، ومعتصرها، وشاريها، وبائعها) فكل هؤلاء لعنوا في الخمر، وهذا وعيد مطلق، وهو يشابه كفر النوع. وفي الصحيحين أن عياض بن حمار ﵁ وأرضاه كان كثيراً ما يضحك النبي ﷺ ، وكثيراً ما يؤتى به ليحد من شرب الخمر، فجيء به مرة وهو مخمور، فلما جلدوه بالنعال أو بالجريد، قال قائل: لعنة الله عليه! ما أكثر ما يؤتى به، فقال النبي ﷺ : (لا تلعنه، والله إني لا أراه إلا يحب الله ورسوله)، ووجه الدلالة أن النبي لعن في الخمر عشرة: الشارب، والحامل، والبائع، والمشتري، والعاصر، والمعتصر، فكل هؤلاء لعنوا في الخمر لعناً مطلقاً أو لعن نوع، ومع ذلك فالذي شربها وجيء به يجلد لم يوقع عليه النبي ﷺ عين اللعن، فهذا تفريق بين النوع وبين العين من نص حديث النبي ﷺ . وأيضاً فعل السلف يبين التفريق بين النوع والعين، فالإمام أحمد بن حنبل قال: من قال بخلق القرآن فقد كفر، والخليفة امتحنه في ذلك، بل جلده على ذلك، ومع ذلك سألوه: أنخرج عليه؟ قال: لا، والله! إن له عندي دعوة أدعو له كل يوم أو كل ليلة بالتسديد والتوفيق، وما كان يكفره، بل كان يصلي خلفه، مع أنه القائل: بأن من قال: القرآن مخلوق فهو كافر، واستفدنا من ذلك قاعدة مهمة وهي: من ثبت إيمانه بيقين، فلا يزول إلا بيقين، فهذا تفريق بين تكفير النوع وتكفير العين. إذاً: فالكفر نوعان: كفر نوع، وكفر عين، تقول: القول قول كفر، والفعل فعل كفر، والقائل والفاعل ليس بكافر حتى تقام عليه الحجة وتزال عنه الشبهة، ولا بد أن تقام عليه الحجة بدليل قول الله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء:١٥]، فإذا وجد رجل يطوف بالقبر فيكفر الفعل، أما هذا الطائف بالقبر فليس بكافر؛ لاحتمال أن يكون جاهلاً، أو نشأ في بيئة بعيدة لا يعلم شيئاً عن الدين بحال من الأحوال غير لا إله إلا الله محمد رسول الله. رجل آخر وجد ساجداً أمام صنم، فيكون: السجود للصنم كفر، والساجد ليس بكافر؛ لاحتمال أن يكون يقرأ في القرآن وما رأى الصنم ثم مر على آية سجدة فسجد فصادف سجوده للصنم، فهذا الرجل يعذر أيضاً، ولا بد أن تقام عليه الحجة، والكفر يدرأ بأي عذر؛ ولذلك قال الإمام مالك: لو كان المرء على تسعة وتسعين كفراً وواحدة إيمان لحملته على الواحدة إحساناً للظن بالمسلم.

стр. 291

الأسئلة

стр. 292

أدلة تكفير المشبهة وتكفير المشبهة له أكثر من وجه: الوجه الأول: أنهم كذبوا بصريح القرآن، فالله تعالى يقول: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١]، وهم يقولون: يد الله مثل يد المخلوق، وعين الله الخالق كعين المخلوق، ورجل الخالق كرجل المخلوق، وقال الله تعالى: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم:٦٥]، وهذا من الله جل وعلا منكراً على من يجعل له كفؤاً، فقوله: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ أي: ليس لله سمي ولا كفؤ، وهؤلاء يقولون: صفات الخالق كصفات المخلوق. أيضاً قال الله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١ - ٤]، فلا أحد يكافئ لله جل وعلا في ذاته ولا في صفاته، وأيضاً قال الله تعالى: ﴿فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الأَمْثَالَ﴾ [النحل:٧٤]، وفي آية أخرى قال: ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الأَعْلَى﴾ [النحل:٦٠]، فالذين يشبهون صفات الله جل وعلا بصفات المخلوق نزلوا الخالق منزلة المخلوق، فكفروا من هذا الوجه. الوجه الثاني من أوجه تكفير المشبهة: أنهم اتهموا الرسول ﷺ بعدم البلاغ والبيان، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ [المائدة:٦٧]، وقال جل وعلا في بيان التبليغ: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل:٤٤]، والرسول ﷺ إذا لم يبين أن يد الله كيد البشر، لم يبين الذكر الذي نزل إليه، فهذا اتهام صريح سافر للنبي بأنه قصر في البلاغ. الوجه الثالث في تكفير المشبهة: هو الإلحاد في صفات الله جل وعلا، والله جل وعلا يقول تعالى: ﴿وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ﴾ [الأعراف:١٨٠]، فمن باب الإلحاد في أسماء الله جل وعلا وصفاته تشبيه صفاته بصفات المخلوق. الوجه الرابع والأخير: هو نسبة النقص والعيب إلى الله جل وعلا، وعدم توقير الله وعدم تعظيمه؛ لأنهم إذا قالوا عين الله كعين المخلوق، ويد الله كيد المخلوق وصفوا الله جل وعلا بالنقائص، والله جل وعلا يقول: ﴿مَا لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا﴾ [نوح:١٣]، يقول جل وعلا: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّموَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر:٦٧].

стр. 293

المفوضة السؤال من هم المفوضة؟ الجواب المفوضة: هم الذين يفوضون ويمررون الكيفية والمعنى، ويقولون: السميع لا نعلم عنه إلا الألف واللام والسين والميم والياء والعين، ضمت هذه الحروف فنتجت هذه الكلمة: السميع. وأنت لو قيل لك: هذا رجل سميع، فإنك تعلم أنه يسمع، وله أذن يسمع بها، فإذا قيل لك: الله سميع، تعلم أنه يسمع الخلق ويسمع ما تتكلم به، يقول مالك: الاستواء معلوم-أي: في اللغة، فتفسيره معلوم لدينا- والكيف مجهول، أي: لا يفسر، ولذلك أجملت بعض الكلمات في الصفات عن الإمام أحمد فقال: أمروها كما جاءت، وشيخ الإسلام ابن تيمية دافع عن الإمام أحمد، وقال: لا يقصد بها إلا إمرار الكيفية.

стр. 294

حكم من أنكر معلوماً من الدين بالضرورة هناك أمور علمت من الدين بالضرورة، وهذه لا يدخل فيها تقسيم التكفير إلى تكفير النوع أو العين، فمن أنكر معلوماً من الدين بالضرورة كفر على الإطلاق، كأن يقول: رجل بيننا: فرضت أربع صلوات لا خمس صلوات، فلا يوجد هناك صلاة عصر، فهذا نقول عنه: مرتد، ولا بد أن يستتاب، فإن تاب وإلا ضربت عنقه. فالمعلوم من الدين بالضرورة لا حجة لمن أنكره، بل الحجة عليه قائمة، وقد علم بين صحابة رسول الله ﷺ أنه إذا قضى الله ورسوله أمراً فلا يكون لهم الخيرة من أمرهم، وقد نزلت هذه الآيات عليهم وعلى مسامعهم، وأشربوها وعملوا بها، وعلم أن الذي يتقاعس عن تنفيذ أمر النبي ﷺ أنه منافق معلوم النفاق، فالأمر كان معلوماً عندهم.

стр. 295

شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة - عقيدة أهل السنة والجماعة في الأسماء والصفات أخبر الله بأسمائه وصفاته في كتابه الكريم، ونبيه ﷺ في سنته، ومذهب أهل السنة والجماعة إثبات ما أثبته الله لنفسه في كتابه أو أثبته له رسوله ﷺ في سنته من غير تكييف ولا تمثيل، ولا تشبيه ولا تعطيل، ولابد أن نثبت كل الصفات الذاتية بأنواعها والسلبية إثباتاً يليق بجلاله وكماله، ولا دخل للعقل فيها، ولا اعتراض على ما أخبر الله عن نفسه.

стр. 296

مسائل مهمة في باب صفات الله تعالى

стр. 297

معنى التكييف والتمثيل والتشبيه والتعطيل إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار. ثم أما بعد: فإن المصنف بعد أن انتهى من الكلام على صفات الله جل وعلا، وبيان نوع هذه الصفات، وتكلم عن الصفات الثبوتية، وانتهى من الكلام عن الصفات، ورد على أهل البدع بأقوال السلف واعتقاد سلف هذه الأمة ابتدأ كتاب القدر، وقبل أن نبدأ في كتاب القدر لا بد أن نجمل المسائل المهمة في باب الصفات. نحن نعتقد في الله جل وعلا ما اعتقده النبي ﷺ ، واعتقده السلف الصالح، فنثبت له كل صفة أثبتها لنفسه في كتابه، أو أثبتها له رسوله ﷺ في سنته بفهم سلف الأمة، ونثبت هذه الصفات من غير تكييف ولا تمثيل، ولا تشبيه ولا تعطيل. والتكييف: هو تكييف الصفة، كأن تقول: هذه الصفة التي تكلم عنها الله جل وعلا كيفيتها كذا، أو صورتها هكذا، وتقول مثلاً: في قول الله تعالى: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ [الفتح:١٠]، نثبت لله يد طولها كذا، ومقدارها كذا، ولها أصابع وأنامل، فهذا معنى التكييف. والسلف الصالح كانوا يثبتون هذه الصفة بلا تكييف، ويؤمنون بها ويعرفون معناها، ولا يكيفونها، فعندما سئل مالك عن الاستواء: قال: الاستواء في اللغة معلوم -يعني: معروف- والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة. فنحن نثبت الصفة من غير تكييف ولا تمثيل. والتمثيل: هو المساواة في كل دقائق الصفة، كاليد اليمنى فإنها تماثل اليد اليسرى، كل هذه اليد بما فيها تساوي وتماثل اليد الأخرى، فهذا معنى المماثلة، ومثالها أن يقال في قوله تعالى: ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾ [القمر:١٤]: نثبت لله عين مثل عين المخلوق تماماً. ونحن إذ نثبت لله العين نثبتها بغير مماثلة، قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١]، فنثبت الصفة دون تمثيل، ولا تكييف، ولا تشبيه. والتشبيه: أن أكثر الصفات في الشيء تشبه أكثر الصفات في الشيء الآخر. والتعطيل نوعان: تعطيل الاسم والصفة، وتعطيل الصفة. فتعطيل الاسم والصفة أن يعني: يثبت لله ذاتاً موجودة لا تشبه ذوات المخلوقات، ثم ينفي عنه الاسم والصفة، فيقول: لا سميع ولا سمع، ولا بصير ولا بصر، ولا قدير ولا قدرة، وهذا التعطيل ذهب إليه غلاة الجهمية، وأما الآخر فقد ذهب إليه المعتزلة، وهم أخف من الجهمية؛ لأنهم يثبتون الذات والاسم وينفون الصفة، فيقولون: سميع لكنه بلا سمع، حاشا لله، بصير بلا بصر، قدير بلا قدرة، عزيز بلا عزة، فيسلبون الصفة من الاسم. ونحن إذ نثبت الصفة لله جل وعلا لا نعطلها، فنثبت الاسم ونثبت ما يتضمن هذا الاسم من الصفة. فاعتقادنا واعتقاد السلف الصالح في صفات الله جل وعلا أن نثبتها بغير تمثيل ولا تكييف ولا تشبيه، وأن ننفي عن الله ما نفاه عن نفسه، ونفاه عنه رسوله بلا تعطيل.

стр. 298

الصفات الثبوتية والصفات السلبية صفات الله على قسمين: صفات ثبوتية وصفات سلبية. الصفات الثبوتية: هي الصفات التي أثبتها الله لنفسه وأثبتها له رسوله كما بيناه. أما الصفات السلبية: فهي الصفات المنفية التي نفاها الله عن نفسه ونفاها عنه رسوله ﷺ .

стр. 299

ضابط الصفات السلبية ضابط الصفات المنفية: أن يتقدم الصفة أداة نفي، كـ (لا) و (ما) و (ليس)، كما قال الله تعالى: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت:٤٦]، وقال جل وعلا: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾ [ق:٣٨] واللغوب: التعب، يعني: ما مسنا من تعب، فهذا نفي أيضاً. وقول الله تعالى: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ﴾ [البقرة:٢٥٥]، السنة: الغفلة، والنوم معلوم، فإذاً: هذه صفة منفية عن الله جل وعلا، ضابطها: أن قبلها نفي، فقوله تعالى مثلاً: (وما ربك) قبلها (ما)، وأيضاً قول الله تعالى: ﴿وَلا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا﴾ [البقرة:٢٥٥] يعني: لا يتعبه حفظ السموات والأرض، أيضاً هذه صفة منفية عن الله جل وعلا. فهذا ضابط لا بد من الالتزام به في أمر النفي. وإذا وصفنا الله بالنفي فلا يجوز أن نصفه بالنفي المحض، والنفي المحض هو: أن تقول مثلاً: لا يتعب، لا ينام، (لا تأخذه سنة) لا يمسه نسيان، فهذا لا يجوز في حق الله جل وعلا؛ لأن النفي المحض لا كمال فيه، وضابط صفات الله جل وعلا: أنها كلها صفات كمال وجلال، فإذا كانت صفات الله جل وعلا كلها صفات كمال وجلال فلا تنفيها نفياً محضاً؛ لأن هذا لا يتضمن كمالاً، بل لا بد أن تنفي عن الله الصفة المنفية مع إثبات كمال الضد، وهذا ضابط في الصفات المنفية، ومثال ذلك: أنك إذا دخلت على وزير أو ملك فقلت له: أنت لست بسارق، ولا زان، ولا زبال، أنت لست بكذا وجلست تعدد المساوئ وتنفيها عنه، فسيكون رد فعله الضرب أو السجن؛ لأن هذا سوء أدب، وليس فيه مدح؛ لأنك عددت المساوئ ونفيتها عنه ولم تبين له كمالاً، أما إذا قلت له: أنت لست بسارق؛ بل أمين، وقد بلغت الذرى في الأمانة، أنت لست بزان، بل عفيف، فقد أثبت له كمال الضد، فإن كان هذا في حق العبد فهو في حق الله جل وعلا أولى. فلا تقل في قوله الله جل وعلا لله جل وعلا: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت:٤٦]: إن الله ليس بظالم وتسكت لا يجوز لك ذلك- بل لا بد أن تقول: الله ليس بظالم؛ لأنه بلغ الكمال في العدل والرحمة. فالله ليس بظالم؛ لكمال عدله، ولا يصيبه التعب؛ لكمال قدرته، و ﴿لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ﴾ [البقرة:٢٥٥]؛ لكمال قيوميته وحياته جل وعلا، ولا يمسه لغوب؛ لكمال عزته وقوته وقدرته. فنفي الصفة السلبية عن الله وإثبات كمال الضد ضابط مهم في الصفات المنفية.

стр. 300

أقسام الصفات الذاتية أما الصفات الثبوتية فتنقسم إلى ثلاث: صفات ذاتية، وضابط الصفات الذاتية: أنها لازمة للذات، لا تنفك عنها بحال من الأحوال أبداً وأزلاً؛ ولذا تسمى صفات ذاتية. فهذه الصفات أبدية أزلية، يتصف الله بها ولا تنفك عنه بحال من الأحوال كالحياة والقدرة والعزة والسمع والبصر، فلا يمكن أن نقول: الله يسمع في وقت ولا يسمع في وقت، أو يسمع إن شاء ولا يسمع إن لم يشأ، ولا يجوز أن تقول: الله يقدر على الأمر في وقت ولا يقدر عليه في وقت آخر، فهذه صفات ذاتية لا تنفك عن الله جل وعلا. القسم الثاني من الصفات الثبوتية: صفات فعلية، والصفات الفعلية ضابطها: أن تضع قبلها: إن شاء. وهذه الصفات متجددة، فهي تتعلق بمشيئة الله جل وعلا، كالاستواء مثلاً، فالله إن شاء استوى على العرش، وإن شاء لم يستو. والمجيء: إن شاء جاء وإن شاء لم يجيء، إن شاء أتى وإن شاء لم يأت. والنزول: إن شاء نزل وإن شاء لم ينزل. والكلام: إن شاء تكلم وإن شاء لم يتكلم، قال الله تعالى: ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ﴾ [الأنبياء:٢] هذه الصفة متجددة تتعلق بمشيئة الله جل وعلا. الثالث: صفات خبرية، والصفات الخبرية مسماها عند المخلوق أجزاء وأبعاض، كاليد، فإنها جزء أو بعض منك، وكذلك العين والرجل والساق. فالله جل وعلا له ساق، قال تعالى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾ [القلم:٤٢]، وهذه الصفة بالنسبة لله تسمى صفة خبرية لا مدخل للعقل فيها، فهي خبر محض من الله جل وعلا، ولله عين كما قال تعالى: ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾ [القمر:١٤]، والعين بالنسبة لك هي جزء أو بعض منك، ولكن بالنسبة لله جل وعلا لا يجوز أن نقول عنها أنها جزء أو بعض منه؛ لأنه لا أحد يعرف ذاته سبحانه ليقول ذلك يقال عن صفاته كما قال سبحانه: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١]، إذاً: فالصفات الخبرية مسماها عندنا أجزاء وأبعاض، كالساق، والعين واليد والرجل والأصابع والأنامل، كل هذه الصفات صفات خبرية، وهي في حق الله ليست أجزاء ولا أبعاض.

стр. 301

الاتفاق في الاسم لا يستلزم التساوي في المسمى الضابط الثالث لصفات الله جل وعلا: أن الاتفاق في اسم الصفة لا يستلزم التساوي في المسمى، فإذا قلت: للبقرة يد وللجمل يد، فقد اتفقت هذه الصفة في الاسم، ولكن لا يستلزم التساوي في المسمى، فيد البقرة لا تشابه يد الجمل، ولكن الله جل وعلا له يد ولك يد، فاتفاقهما في الاسم لا يلزم منه التشابه في المسمى، فيدك لا يمكن أن تشابه أو تماثل يد الخالق جل وعلا. إذاً: هذا الضابط في غاية الأهمية، فعلينا أن نستحضره دائماً في صفات الله جل وعلا، وهو أن الاتفاق في الاسم لا يستلزم الاتفاق أو التساوي في المسمى.

стр. 302

القول في بعض الصفات كالقول في كل الصفات وهناك قاعدة مهمة في الصفات يرد بها على الأشاعرة الذين يحرفون صفات الله جل وعلا ويدعون أنهم ينزهونه، وهي: القول في بعض الصفات كالقول في كل الصفات. فالأشاعرة يثبتون لله سبع صفات، والجواب عليهم أن القول في بعض الصفات كالقول في كل الصفات، فكما أثبتم الحياة اثبتوا النزول، وكما أثبتم القدرة اثبتوا المحبة والإتيان. فإن قالوا: لو أثبتنا النزول شبهنا الخالق بالخلق، فيكون: نزوله بمعنى رحمته، أو نزول أمره، وتكون المحبة بمعنى إرادة الثواب؛ لأننا لو قلنا: إنه يحب إذاً أثبتنا تغاير القلوب وميل القلب، وهذه كلها للبشر لا يمكن أن تكون للخالق، والجواب عليهم: أنكم تثبتون له القدرة، كما تثبتونها للبشر، فلم لا تقولون بأن قدرة البشر تساوي أو تماثل قدرة الخالق، فإن قالوا: لا، إن الله ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] قلنا: كما قلتم في القدرة قولوا في النزول، والمجيء، والمحبة! فالقول في بعض الصفات كالقول في كل الصفات.

стр. 303

القول في الصفات كالقول في الذات هناك ضابط آخر في صفات الله جل وعلا يرد به على الجهمية: الذين يثبتون الذات ولكن لا يثبتون الاسم ولا الصفة، وهذا الضابط هو أن القول في الصفات كالقول في الذات، يحذو حذوها وينحو نحوها، فإذا تكلمتم في الذات فمثله تكلموا في الصفات. فالجهمية يقولون: نثبت لله جل وعلا ذاتاً، وللمخلوق ذاتاً، وذات الخالق لا تشبه ذات المخلوق، فذات الخالق تليق بكماله وجلاله، وذات المخلوق تليق بنقصه، وهذا نتفق معهم عليه، لكنهم قالوا: نثبت للمخلوق صفات، ولا نثبت للخالق صفات، لأننا لو أثبتنا للخالق صفات وأثبتنا للمخلوق هذه الصفات شبهنا الخالق بالمخلوق، فنقول لهم: كما قلتم: إن هذه الذات لا يشبهها ذوات المخلوقات، أيضاً قولوا في الصفات: إن هذه الصفات لا تشبهها صفات المخلوقات. هذا إجمال لمسألة الصفات. أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 304

شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة - هل محمد رأى ربه؟ الرد على أهل البدع في الرؤيا رؤية الله والتمتع بالنظر إلى وجه الكريم نعمة من نعمه الجليلة التي أنعم بها على أهل كرامته؛ بل هي أفضل نعمة يسبغها الله على أهل جنته، وهي حقيقة ثابتة بالكتاب والسنة وبإجماع علماء سلف الأمة، ولا ينكرها إلا إنسان غلبت عليه شقوته وأضله هواه.

стр. 305

حكم من أنكر رؤية المؤمنين لربهم في الآخرة إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]، أما بعد. فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار، ثم أما بعد: فإن من جحد رؤية المؤمنين لربهم جل وعلا يوم القيامة، فقد جحد الدليل القطعي الذي ثبت في الكتاب والسنة، ووصل إلى حد التواتر، ولهذا يكون كافراً. وهذا الذي قرره شيخ الإسلام ابن تيمية نقلاً عن الإمام أحمد لما سئل عمن جحد رؤية الله جل وعلا يوم القيامة فقال: يكفر بذلك؛ لأنه جحد دليلاً قطعياً ثابتاً من طريق قطعي.

стр. 306

الدلالة على رؤية المؤمنين ربهم في قوله تعالى: (رب أرني أنظر إليك) ثبتت رؤية الله بالكتاب والسنة والعقل، وزيادة على ثبوت الرؤية بالعقل نقول: قال الله تعالى عندما سأله موسى: ﴿رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي﴾ [الأعراف:١٤٣]، وفي هذه الآية دلالة عقلية ثابتة أثبتها العلماء على أن المؤمنين يرون الله جل وعلا بدليل العقل، من وجوه: الوجه الأول: أن موسى ﵇ في زمانه هو أعلم عباد الله بالله جل وعلا، فلا يمكن أن يتجرأ أو يتعدى حدوده مع الله جل وعلا فيسأله أمراً فيه تعدٍ أبداً، تأدباً مع الله جل وعلا، وإذا كان الأمر كذلك فسؤال الموتى لله أن يروه جل وعلا ليس فيه تعدٍ بل هو ممكن، ولو لم يكن ممكناً لما سأله موسى ﵇ من ربه. الوجه الثاني: قد يقول قائل: إنه ليس بمتعدٍ على الله، وليس متعدٍ للأدب مع الله جل وعلا، لكنه لا يعلم أن هذا السؤال لا يسأل، أي: أنه سأله جهلاً منه، كما سأل نوح ربه إنقاذ ابنه فقد سأله جاهلاً، فيمكن لموسى أن يسأل الله جل وعلا رؤيته وهو جاهل بأن هذا تعدٍ وحرام، والرد عليهم سهل ويسير وهو: أن الله جل وعلا لا يقر على خطأ أبداً، فلو كان هذا تعدياً وخطأ وجهل من موسى ﵇ لما أقره الله جل وعلا، ولأنكر عليه كما أنكر على نوح في قوله: ﴿قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ﴾ [هود:٤٦] وفي قراءة: ﴿إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ [هود:٤٦]. الوجه الثالث: أن الله جل وعلا علق الرؤيا على ممكن، ولم يعلقها على مستحيل فقال: ﴿انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي﴾ [الأعراف:١٤٣] ولكن موسى لا يمكنهُ الرؤيا في الدنيا لضعف بصره ﵇ وضعف قوته على تحمل تجلي الله جل وعلا له، وذلك بالنظر والقياس، فموسى ﵇ نظر إلى الجبل الشامخ الراسخ وعندما تجلى الله له أصبح كثيباً مهيلا، فكيف بموسى الضعيف هل يستطيع أن يصبر على تجلي الله جل وعلا له، ولذلك فإن موسى استغفر وعلم أنه لا يستطيع ذلك. أما بصر الإنسان في الآخرة فيخبر الله عنه ويقول: ﴿فََبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾ [ق:٢٢] أي: له قوة يستطيع الإنسان أن ينظر بها إلى الله جل وعلا.

стр. 307

أقوال الناس في رؤية المؤمنين لربهم أقوال الناس في رؤية المؤمنين لله جل وعلا ثلاثة: القول الأول: الله جل وعلا يُرى في الدنيا وفي الآخرة، وهذا قول أهل الوجد والارتقاء والفناء من أهل التصوف الذين يجدون في أنفسهم أنهم يرون الله ويرون الرسول، وأن الأولياء خير من الأنبياء، ومنهم من يدعي أنه سلم على النبي ﷺ . وإذا اعترض عليهم بأن موسى ﵇ من الأنبياء الأصفياء، ومن أولي العزم من الرسل، بل هو ثاني أو ثالث مرتبة عند الله جل وعلا، سأل الله أن يراه فلم يره، ولم يعطه الله جل وعلا ذلك، ردوا بقولهم: إن الولي هو الذي يرى الله، والولي أعلى مرتبة من النبي، ألا ترى أن الخضر ﵊، -وهم يقولون: إنه ولي- جاءه موسى يسعى حثيثاً حتى يتعلم منه وهو ولي وموسى نبي؟ فالأولياء عندهم أفضل من الأنبياء، والولاية درجة أعلى من درجة النبوة، فللولي أن يرى الله جل وعلا دون النبي. وكذلك قالوا: إنه من الممكن للإنسان أن يرى الله، وهؤلاء هم أصحاب ابن عربي الذي يتبنى مذهب الحلول والاتحاد، ولذلك قالوا: لما طلب موسى من ربه أن يراه وتجلى الله جل وعلا رأى موسى نفسه فكأنما رأى الله جل وعلا! يعني: أن الله جل وعلا حل فيه، وهذا القول أشد من قول النصارى في عيسى ﵇، فمن الممكن عندهم للإنسان أن يرى الله؛ لأن الله حل في كل إنسان. وهذا قول الفريق الأول من الناس، وكلامهم لا يمر على جاهل فضلاً على طالب العلم، وهذا القول ضعيف ونحن في غنى عن أن نرد عليه. القول الثاني وهو على النقيض وهو قول أهل البدع من الجهمية وغيرهم، الذين قالوا: إن الله جل وعلا لا يرى في الدنيا ولا في الآخرة، فنفوا رؤية عن الله جل وعلا، وهؤلاء لنا معهم كلام آخر في النهاية. القول الوسط هو قول أهل السنة والجماعة، الذين قالوا: إن الله جل وعلا يرى في الآخرة دون الدنيا.

стр. 308

الاختلاف في رؤية محمد لربه في الدنيا اختلف أهل العلم هل رأى محمد ربه جل وعلا في الدنيا أم لا؟ وذلك على قولين: القول الأول: وهو قول جمهرة من السلف ومن الصحابة، وهو قول عائشة، وابن مسعود، وأبي هريرة ﵁ وأرضاه، وكثير من السلف، حيث قالوا: إن محمداً ﷺ لم ير الله جل وعلا في الدنيا بعينه ولكن رآه بقلبه، واستدلوا على ذلك بقول الله تعالى لموسى عندما سأل الله أن يراه ﴿قَالَ لَنْ تَرَانِي﴾ [الأعراف:١٤٣]، واستدلوا أيضاً بحديث في الصحيح وهو أنه لما عرج بالنبي ﷺ فسأله أصحابه: (أرأيت ربك؟ قال: نور أنى أراه؟!)، وفي رواية أخرى: (أرأيت ربك؟ قال: رأيت نوراً) والأصح في هذا النور أنه الحجاب؛ لأن الله جل وعلا حجابه النور، كما قال النبي ﷺ في الصحيحين عن أبي موسى الأشعري ﵁ وأرضاه: (إن الله لا ينام ولا ينبغي له أن ينام، يرفع القسط ويخفضه)، ثم قال: (حجابه النور إذا كشفه أحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه)، ، فالنبي ﷺ : رأى الحجاب عندما وصل إلى سدرة المنتهى. القول الثاني: وهو قول ابن عباس، ورجحه الحافظ ابن حجر وبعض المتأخرين: أن محمداً ﷺ رأى ربه بعينه في الدنيا، ويراه في الآخرة، واستدلوا على ذلك بقول الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى * عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى﴾ [النجم:١٣ - ١٤]، وفي الحديث: سئل النبي ﷺ (هل رأيت ربك؟ قال: نور أنى أراه)، وفيه رواية قال: (نور إني أراه)، يعني: أرى الله جل وعلا، فلكل دليل ولكل وجهة هو موليها، والخلاف معتبر.

стр. 309

الراجح أن النبي ﵊ لم ير ربه الراجح والصحيح هو قول عائشة وجمهرة السلف وهو أن محمداً ﷺ لم ير ربه في الدنيا؛ لقول الله: للآية: ﴿لَنْ تَرَانِي﴾ [الأعراف:١٤٣]، وللحديث: (نور أنى أراه)، فحجاب الله جل وعلا النور. والذي يعضد هذا القول هو قول الله تعالى في معرض المنة على رسوله ﷺ في الإعجاز والمواساة ليلة المعراج قال تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ﴾ [الإسراء:١] ومواساة ومنة قال: ﴿لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا﴾ [الإسراء:١]، ومن آيات الله جل وعلا التي رآها: أنه رأى جبريل، ورأى آكل الربا، والزناة، وكل الآيات التي أخبر عنها النبي ﷺ . وأعظم آية أن يرى ربه، وإذا رأى محمد ربه كان أولى بالذكر في الآية من الآيات التي هي أدنى منها في العظمة والمرتبة. وقول الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾ [النجم:١٣]، المقصود به جبريل ﵇ كما في الصحيحين.

стр. 310

الرد على القائلين بأن محمداً ﷺ رأى ربه الرد على استدلالهم بقوله ﵊: (نور إني أراه)، أن هذا الحديث الصحيح فيه أنه انقلب على الراوي، وهو وهم منه، والصحيح في الروايات كلها: قوله: (نور أنى أراه؟)، أي: كيف أراه؟ وأما ابن عباس وما ذهب إليه فقد وصلنا عنه قولان: القول الأول قال: محمد رأى ربه، بالإطلاق، ثم جاءت رواية بسند صحيح قال فيها: رأى محمد ربه مرتين بفؤاده. فقيد الرؤية بالقلب، فيحمل قول ابن عباس المطلق على المقيد، ونحن نوافقهم في ذلك، بل إن عائشة توافق في ذلك حيث قالت: إن محمداً رأى ربه، ولذلك لما قالوا لها: (رأى النبي ﷺ ربه بعينه قالت: قف شعري مما تقول، من زعم أن محمداً رأى ربه فقد أعظم الفرية)، يعني: أخطأ خطأ فاحشاً أن يقول: إنه رأى ربه، ثم استدلت على ذلك بقول الله تعالى: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ﴾ [الأنعام:١٠٣]، وهذا الاستدلال فيه نظر، ولكن ما ذهبت إليه هو الصحيح، وهو أن محمداً ﷺ لم ير ربه في الدنيا، ويراه في الآخرة.

стр. 311

أدلة القول بأن الله لا يرى في الدنيا ولا في الآخرة القول الثالث: وهو قول الجهمية والنفاة الذين قالوا: إن الله جل وعلا لا يرى في الدنيا ولا يرى في الآخرة. واستدلوا بقول الله تعالى عندما سأله موسى ﴿قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي﴾ [الأعراف:١٤٣]، فـ (لن) أصلها في اللغة للتأديب، والتأديب يتضمن عدم الرؤية في الدنيا وعدم الرؤية في الآخرة. واستدلوا كذلك بقول الله تعالى: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ﴾ [الأنعام:١٠٣]، هذا الدليل السمعي، أما الدليل النظري فهو أنه لو أثبتم الرؤية فقد جسمتم؛ لأن المجسم هو الذي يرى، وإذاً زعمتم أن لله جسم، فقد شبهتم الخالق بالمخلوق. وردوا على الاستدلال بقول الله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٢ - ٢٣]، بأن المعنى: إلى ثواب ربها ناظرة، فينظرون إلى الأنهار وإلى الجنات وإلى حور العين وإلى الملائكة، ويتمتعون بنعم الله عليهم قد علموا بعذاب أهل النار.

стр. 312

الرد على من قالوا بعدم الرؤية في الآخرة الرد الأول: أن (لن) ليست للتأبيد فالسياق في الآية يدلنا على المعنى المراد منها، قال الله تعالى: ﴿َلَكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي﴾ [الأعراف:١٤٣] فعلق الأمر على محتمل لا على مستحيل، وهذا يدل على أن (لن) ليست نافية، وإذا قلنا بأن (لن) للتأبيد فقول الله جل وعلا لموسى (إنك لن تراني) يكون في الدنيا فقط دون الآخرة، فلا ذكر للآخرة في الآية، فلا يصح أن نقول إنهم لا يرون الله جل وعلا في الآخرة. وإذا رجعنا إلى اللغة فسنجد أن (لن) في أصل اللغة ليست للتأبيد، وهذا الذي قرره ابن مالك فقال: إن (لن) لا تفيد التأييد إلا بقرائن. والدليل على ذلك قول الله تعالى عن أهل الكفر: ﴿قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ [البقرة:٩٥]، ثم بين لنا أنهم في الآخرة سيتمنون الموت، قال الله تعالى: ﴿وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾ [الزخرف:٧٧]، فقال: ﴿لَنْ يَتَمَنَّوْهُ﴾ [البقرة:٩٥] وتمنوه في الآخرة، فهذه دلالة قاطعة على أن (لن) لا تكون للتأبيد بحال من الأحوال، وإنما هي لمطلق النفي فقط. أما قولهم: كيف تقولون: إنكم سترون الله والله جل وعلا يقول: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ﴾ [الأنعام:١٠٣] فالجواب عليه من وجهين: الوجه الأول: أن الإدراك غير الرؤية، فلم يقل الله جل وعلا لا تراه الأبصار وإنما قال:: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ﴾ [الأنعام:١٠٣] والإدراك معناه الإحاطة، ودلالة ذلك أنه لما فر موسى بقومه من فرعون ﴿فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ * قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الشعراء:٦١ - ٦٢] ففرعون يرى موسى ومن معه وهم يرون فرعون ومن معه، ومع ذلك فموسى ﵇ نفى الإدراك ولم ينف الرؤية، فهم يرونهم ولكن ما أحاطوا بهم، وما أدركوهم. كذلك في قول الله تعالى: ((لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ)) أي: لا تحيط به جل وعلا، لكنها تراه، والكيفية لا يعلمها إلا الله جل وعلا، والرؤية أعم من الإدراك. أما دليلهم العقلي وهو قولهم: إنكم لو أثبتم رؤية الله فقد جسمتم الله، وأصبح الخالق كالمخلوق، وشبهتم الخالق بالمخلوق، فالرد عليهم بأن الذي أودى بكم إلى هذا هو التشبيه، فقد شبهتم الخالق بالمخلوق، ونحن نقول: نثبت كل صفات الله جل وعلا بدون تمثيل ولا تشبيه ولا تكييف، ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] ولا يستلزم من رؤية الله جل وعلا أن يكون جسماً، ولو كان لازم هذه الآية التي تدل على الرؤية أن يكون جسماً فليكن جسماً؛ لأن لازم الحق حق، ولكننا نتوقف في مثل هذا الكلام فلا ننفيه ولا نثبته. وأما قولهم في قول الله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٢ - ٢٣]، أن النظرة تكون إلى ثواب ربهم فقد قدروا بكلامهم هذا أمراً محجوباً، والرد عليهم من ثلاثة وجوه: الأول: أن هذا خلاف فهم النبي ﷺ وخلاف ما بلغ به أمته؛ لأنكم لو قلتم: معنى هذه الآية: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٢] (إلى ثواب ربها ناظرة) فقد اتهمتم النبي أنه قصر في البلاغ، فهو يعلم أن الآية معناها: (إلى ثواب ربها ناظرة)، ولكنه قصر في التبليغ، وهذا اتهام صريح للنبي ﷺ ؛ والله جل وعلا أمره بالتبليغ في قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ﴾ [المائدة:٦٧]، وقال: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل:٤٤]. الثاني: خلاف فهم وإجماع السلف الصالح. الثالث: يلزم من رؤية الله جل وعلا رؤية ثواب الله؛ لأن رؤية الله هو أعلى نعيم ممكن يصل إليه المرء، فمن رأى الأعلى يلزم منه أن يرى الأدنى، والتقسيم دائماً في الدنيا أن النعيم نعيمان، نعيم مادي حسي، وهو نعيم البدن، كالأكل والشرب والنكاح والجماع، ونعيم روحي وهو نعيم القلب، فيستلزم من حصول النعيم الأعلى الروحي وهو النظر إلى الله جل وعلى حصول النعيم الأدنى وهو نعيم البدن، والله جل وعلا أعطى المؤمنين ما يشتهون، وألذ ما يتمنون وأعظم ما يتنعمون به وهو رؤية الله جل وعلا. أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.

стр. 313

إثبات رؤية من قال الله فيه (ونحشره يوم القيامة أعمى) وقد يرد إشكال في قول الله تعالى في وصف الكافرين: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ [طه:١٢٤]، وهو كيف يرى هذا الله جل وعلا وقد حشر أعمى البصر؟ ويعضد ذلك قول الله تعالى: ﴿وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وَجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا﴾ [الإسراء:٩٧] والجواب على ذلك هو أن الراجح في تفسير هذه الآية ما ورد عن ابن عباس ومجاهد وعطاء حيث قالوا: معنى أعمى أي: عن حجته التي يدلي بها بين يدي الله جل وعلا، وأصم لا يسمع ما ينفعه، وأبكم لا يتكلم بما يكون حجة له، فالآيات التي جاءت في العمى مؤولة؛ لأن هناك أدلة أخرى تثبت أنهم يسمعون زفير النار، ويسمعون الحساب ويسمعون الله جل وعلا عندما يكلمهم، ويرون النار كما قال تعالى: ﴿وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا﴾ [الكهف:٥٣]، ويرون الملائكة كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلائِكَةَ لا بُشْرَى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا﴾ [الفرقان:٢٢]. والراجح أنهم يرون الله جل وعلا عند الحساب، وهذه الرؤية ليست رؤية رحمة، والله أعلم.

стр. 314

شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة - مراتب الإيمان بالقضاء والقدر القدر سر الله في الكون، لا يطلع عليه نبي مرسل، ولا ملك مقرب، وإن من الأهمية بمكان أن يتعلم الإنسان ما يحصن نفسه من شبه المؤولين، والمحرفين الزائغين حول القدر، كأن يعلم تعريفه وأهميته ومراتبه، وكيف يتعبد الإنسان ربه بالإيمان به.

стр. 315

المداومة على الطاعة إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، ثم أما بعد: فإن الله جل وعلا يحب من العبد الديمومة على العمل، وقد حث الله على ذلك، وحث رسوله ﷺ فقال جل وعلا: ﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾ [المطففين:٢٦]. وقال جل وعلا: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ﴾ [آل عمران:١٣٣]. وقد أنكر الله جل وعلا على الذين قاموا بطاعات ثم نقضوا هذه الطاعات وتركوها وعزفوا عنها فقال جل وعلا: ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثًا﴾ [النحل:٩٢] أي: التي غزلت هذا الغزل وأتقنته ثم بعد ذلك تركته قطعاً، وما دامت عليه. وأنكر الله جل وعلا على بني إسرائيل النصارى خاصة الذين اجتهدوا في عبادة الله جل وعلا بابتداع لا بشرع من عند الله جل وعلا، ثم بعد ذلك ما أداموا الطاعة، قال الله تعالى: ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا﴾ [الحديد:٢٧] حتى هذه تركوها. وقد أنكر النبي ﷺ على بعض من أطاع الله جل وعلا ثم ترك هذه الطاعة، فقال لـ عبد الله بن عمرو بن العاص: (يا عبد الله! لا تكن كفلان كان يقيم من الليل ثم تركه). فعلى العبد الذي يبارك له في عمل طاعة من الطاعات أن ويلزمها، ويلزم نفسه عليها، قال عمر بن الخطاب: من بورك له في عمل فليلزم هذا العمل. يعني: من بارك الله له في الصدقة فليشد على نفسه وليكثر من الصدقة، ومن بارك الله له في الصيام فليكثر من الصيام وليلزمه، ومن بارك الله له في القيام فليداوم على القيام، وعليه باليسر فإن الله ييسر على العبد الذي يداوم على طاعته. وفي الصحيحين عن عائشة ﵂ وأرضاها أنها قالت قال رسول الله ﷺ : (إن أحب الأعمال إلى الله الدائم وإن قل). إذ أن الديمومة أحب إلى الله جل وعلا، وقد كان ﷺ إذا ترك من الليل شيئاً من القيام لوجع أو تعب أو ضيق وقت فإنه يستدرك ذلك بالنهار، فيصلي ثنتي عشرة ركعة لله جل وعلا، وكان النبي ﷺ إذا أقام طاعة ثبت عليها ولم يتركها، وقد صح عنه أنه شغل عن السنة البعدية للظهر بأموال الصدقة ينفقها يميناً ويساراً ويوزعها على مستحقيها فلما قرب وقت العصر صلى العصر ثم بعد ذلك أعقب صلاة العصر بركعتي الظهر التي لم يصلها في وقتها، لذلك قالت عائشة ﵂ وأرضاها: (ما عبد النبي ﷺ عبادة أو صلى لله صلاة إلا وثبت عليها). فإذا بورك للإنسان في عمل فلا بد أن يثبت عليه، وخاصة أهمها وهو طلب العلم، إذ أن الأمة ضاعت بضياع علمائها، وقد قال النبي ﷺ : (إن من ورائكم أياماً يرفع فيها العلم ويظهر فيها الجهل ويكثر الهرج)، وما ضاعت الأمة إلا بضياع العلماء. وقد قسم علي بن أبي طالب الناس على ثلاثة أصناف فقال: عالم رباني: وهو العالم الذي يستضيء بنور العلم، فلا يتعبد لله بعبادة إلا بعلم، ولا يسير على نهج إلا وله نور من العلم يسير عليه. والعالم الرباني هو أرفع هذه المنازل على الإطلاق، وكما قال ابن عيينة: أفضل الخلق على الإطلاق الوسائط بين الخالق وبين المخلوق. والثاني: متعلم على سبيل النجاة، فهو يسعى في طلب العلم فلا يترك جلسة علم إلا ويجلس فيها ليتعلم ويتبصر أمور دينه، فيتعلم كيف يتعبد لله جل وعلا، ويتعلم كيف يتعامل مع الناس، ويتعلم الحلال ليعمل به، والحرام ليتجنبه ويبتعد عنه، ويسعى جاهداً لتطبيق ذلك في حياته. فهو كما وصفه الإمام علي ﵁ متعلم على سبيل النجاة، فهو ينجو بتعلمه، (وإن الملائكة -كما قال النبي ﷺ لتضع أجنحتها رضاً لطالب العلم بما يعمل). وقال النبي ﷺ أيضاً كما في الصحيح: (من سلك طريقاً يطلب به علماً سهل الله له طريقاً إلى الجنة). والثالث: همج رعاع أتباع كل ناعق لم يستضيئوا بنور العلم، فإذا قال أحدهم: يميناً اتجهوا يميناً، أو إذا قال: يساراً اتجهوا يساراً؛ لأنهم لم يستضيئوا بنور العلم، فقد شغلتهم الدنيا عن الدين، فالتهوا بلذات فانية وتركوا اللذات الباقية، ولأنهم لم يستضيئوا بنور العلم تراهم يتخبطون دائماً قد فقدوا البصيرة، وحتى إذا دعوا إلى الله جل وعلا لم يدعوا إلى الله على بصيرة، وإن تعبدوا تعبدوا على جهل، والذي يتعبد على جهل أبعد من الله جل وعلا من الذي يعصيه، لأن الذي يعصيه وهو على علم له أن يتوب ويرجع ثم يتعبد على علم، أما الذي يتعبد على جهل فهو أحب إلى الشيطان كما قال سفيان الثوري: البدع أحب إلى الشيطان من المعصية؛ لأن الذي يتعبد على جهل لا بد أن يبتدع في دين الله جل وعلا، والمبتدع لا توبة له، كما جاء في بعض الآثار: الذي يبتدع في دين الله جل وعلا لا يوفق إلى توبة أبداً.

стр. 316

المداومة على الطاعة قربة

стр. 317

الإيمان بالقدر إن سياق ما فسر من الآيات في كتاب الله ، وما روي من سنة النبي ﷺ يدل دلالة تامة لا مراء فيها ولا جدال على إثبات القدر، كما يدل على ذلك ما نقل من إجماع الصحابة والتابعين والخالفين لهم من علماء الأمة؛ ومما ثبت بالكتاب والسنة والإجماع أن أفعال العباد كلها مخلوقة لله طاعتها ومعصيتها. وقبل البدء في سرد الآيات التي تفسر القدر: لا بد أن نذكر جملة من مباحث القدر، كتعريفه لغة، ثم شرعاً ثم أهميته، ثم بعد ذلك الأدلة عليه، ومراتبه، وكيف يتعبد لله جل وعلا بالإيمان بالقدر؟

стр. 318

تعريف القدر القدر لغة: مأخوذ من التقدير، قال ابن تيمية: يجوز أن يكون قد أخذ من القضاء والقدر، أو أخذ من المداومة والمساواة، وقيل: أخذ من القدرة. وشرعاً: هو أن تعلم يقيناً أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك. أو: هو أن تعلم يقيناً أن الله علم ما كان وما يكون وما لم يكن لو كان كيف سيكون، فهو يعلم أحوال العباد، وأرزاق العباد، وأخلاق العباد، وآجالهم، وأهل الجنة منهم وأهل النار وأهل السعادة منهم وأهل الشقاوة، وأن الله قدر ذلك قبل أن يخلق الخلق أجمعين بخمسين ألف عام. فما أخطأك لم يكن ليصيبك؛ لأنه كتب في علم الله السابق، وما أصابك لم يكن ليخطئك؛ لأنه كتب في علم الله السابق. وعرف القدر أنه قدرة الله، وهو: أوجز ما يطالب فيه، كما قال الإمام أحمد: أجمل ما قيل فيه: القدر هو قدرة الله، واستحسن ذلك ابن عقيل قال: هذا من دقة فهم الإمام، فالقدر من لوازم ربوبية الله جل وعلا، ومن آمن بربوبية الله علم أن القدر هو قدرة الله جل وعلا، إذ هو سر مكتوم، من أسرار الله جل وعلا لم يطلع عليه نبي مرسل، ولا ملك مقرب، هذا القدر هو الذي أعجز الناس إذ لا قياس فيه ولا عقل، بل من أدخل عقله في أمر القدر تاه في بحر الحيرة، ودائماً يتساءل الناس: الإنسان مخير أم مسير؟ وهل هو مجبر أم له اختيار؟

стр. 319

أهمية الإيمان بالقدر تكمن أهمية الإيمان بالقدر؛ في الركن السادس من أركان الإيمان، ومن نفاه أو تركه أو لم يعتقد بأن الله جل وعلا كتب كل شيء قبل أن يخلق كل شيء فهو كافر بالله العظيم، خارج من ملة الإسلام. ففي الصحيحين عن عمر بن الخطاب ﵁ وأرضاه: (أن جبريل جاء إلى النبي ﷺ وأسند ركبتيه إلى ركبتيه وسأله وكان مما سأله أن قال: أخبرني عن الإيمان؟ -يريد: أركان الإيمان- فقال: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره)، فهو الركن السادس من أركان الإيمان، والركن كما عرفه علماء الأصول: هو ماهية الشيء، وهو ما يلزم من وجوده الوجود ومن عدمه العدم. ومعنى يلزم من وجوده الوجود: أنه إذا وجد هذا الركن وجد الأمر، وإذا نفي نفي الأمر. مثال ذلك: الركوع فهو ركن من أركان الصلاة، فإن وجد الركوع صحت الصلاة، وإن لم يوجد الركوع فالصلاة باطلة، فلو أن رجلاً كبر تكبيرة الإحرام ثم قرأ الفاتحة ثم سجد دون أن يركع فلا تصح ركعته بالإجماع؛ لأنه لم يأت بركن من أركان الصلاة، وكذلك الأمر بالنسبة للقدر فهو ركن من أركان الإيمان فالذي يؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر ثم لا يؤمن بالقدر فإنه لم يأت بالإيمان كله، فهو خارج من ملة الإسلام، ولذلك قال ابن القيم عن عوف بن مالك: قال عوف: من كذب بالقدر فقد كذب بالإسلام. وفي المسند عن عبادة بن الصامت لما دخل عليه ابنه وسأله عن القدر أو قال: أوصني أوصاه، ثم قال: إن لم تؤمن بالقدر دخلت النار. وفي رواية: فإن رسول الله ﷺ بريء منك، والنبي ﷺ لا يبرأ إلا من الكافر. وقد بين اللالكائي أن طاوس قال]: أدركت ثلاثين من أصحاب رسول الله ﷺ كلهم يقول: إن الأمر بقضاء وقدر. قال الله تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر:٤٩]، وقال جل وعلا: ﴿وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ﴾ [القمر:٥٣] أي: مكتوب في اللوح المحفوظ. وقال جل وعلا: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا﴾ [الحديد:٢٢]. اختلف العلماء: في عود الضمير في قوله: نبرأها، فقيل: على النفس، والمعنى: مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إلا في كتاب من قبل أن نبرأ النفس، وقيل: على الأرض، والمعنى: من قبل أن نبرأ الأرض، وقيل: إن الهاء عائدة على المصيبة، والتحقيق: أنها عائدة على كل ذلك: قبل أن يخلق الله النفس، وقبل أن يخلق الأرض، وقبل أن يخلق المصيبة التي تنزل على النفس، فقد كتبها الله في اللوح المحفوظ قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة، قال الله تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا﴾ [الحديد:٢٢] أي: من قبل أن نبينها ونظهرها ونوجدها. وقال جل وعلا: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ [التغابن:١١] قال العلماء: ومن يؤمن بأن هذه المصيبة كتبت عليه قبل أن يخلق هدى الله قلبه للإيمان، وجعله يستسلم لقضاء الله، وكان برداً وسلاماً عليه وأجر على ذلك. فمن رضي فله الرضا ومن سخط فعليه السخط. وأيضاً في الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ وأرضاه قال: قال رسول الله ﷺ : (المؤمن القوي خير من المؤمن الضعيف وفي كل خير، احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجز، وإذا أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلت كذا لكان كذا وكذا، ولكن قل: قدر الله وما شاء فعل؛ فإن لو تفتح عمل الشيطان). وقد بين النبي ﷺ كراهة النذر فقال: (إن النذر يستخرج الله به من البخيل)، وقال أيضاً: (النذر لا يأتي بخير) أي أنه لا يرد قدر الله جل وعلا، بل إن الله قدر الأمر ويستخرج من البخيل ما نظر على نفسه. وفي الصحيحين أيضاً عن النبي ﷺ أنه قال: (لا تسأل المرأة طلاق أختها لتكفأ ما في صحفتها -يعني: تأخذ رزقها- ولتنكح -أي: تنكح من زوجها- فإن لها ما قدر لها) والمعنى: أن الذي كتب لها سيأتيها ولا يستطيع أحد رده، ولذلك كان النبي ﷺ يبين خطر عدم الإيمان بالقدر ويقول: (أخوف ما أخاف على أمتي حيف الأئمة -المضلين- وتكذيباً بالقدر، وإيماناً بالنجوم)، وفي رواية: (أخاف على أمتي تكذيباً بالقدر وإيماناً بالنجوم)، نعوذ بالله من الإيمان بالنجوم أو التكذيب بالقدر. وجاء في القدر أيضاً أن النبي ﷺ قال لـ ابن عباس مرشداً له -والحديث رواه أحمد في مسنده-: (يا غلام! إني أعلمك كلمات إلى أن: واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لن ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك ولو اجتمعت الأمة على أن يضروك بشيء لن يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف)، فلو اجتمعت الأمة قاطبة على أن يجروا لك ربحاً أو يوقعوا بك خسارة فلن يأتيك إلا ما قدره الله لك. وجاء أن أبا هريرة ﵁ وأرضاه جاء إلى النبي ﷺ يشكوا ضعف الباءة لديه، وهو يشتاق للنساء، فقال: (يا رسول الله! أأختصي -فإني لا أستطيع أن أتزوج-؟ فقال: يا أبا هريرة! جف القلم على ما أنت لاق) أي أن الأمر مكتوب سواءً اختصيت أم لا فما كتب ستلقاه. كما أنه لما سئل النبي ﷺ عن أمر العزل: وهو أن يجامع الرجل امرأته ثم إذا قرب الإنزال أنزل خارج الفرج؛ لأنه لا يريد أن تخصب البويضة فأجاب قائلاً: (إذا أرد الله خلق شيء لم يمنعه شيء)؛ لأن الأمر إذا كتب وقضي فلا راد له، ولذلك طيب النبي ﷺ قلوب الذين يلهثون وراء أطماع الدنيا، ويسارعون في كسب أكبر قدر منها -حتى أن جلهم ينطبق عليه حديث النبي ﷺ (حمار بالليل جيفة بالنهار)، فلا هو ترك لنفسه وقتاً بالنهار ليتعلم، ولا بالليل ليقمه لربه- فقال لهم النبي ﷺ : (نفث في روعي الروح الأمين أنه لن تموت نفس حتى تستوفي أجلها ورزقها فأجملوا الطلب). فلو أنك آمنت بالقدر وعلمت أن رزقك قد كَتِبَ وأنه لا شك آتيك، فلن تلهث وراء حطام هذه الدنيا الفانية، وقد كان الحسن البصري يَعلم حديث النبي ﷺ ويطبقه فكان يأخذ التمر فيبيع تمرات قدر قوت يومه ثم يجمع حاجته ويذهب فيقول له الناس بع يا رجل فقد أتاك المشرتون فهذا رزق ساقه الله إليك فيقول: علمت أن رزقي بيد ربي ولن يصل إلى غيري فاطمأن قلبي؛ لأنه آمن بالله، وآمن أن الرزق قد كتب والأجل قد كتب، ولذلك قال النبي ﷺ : (أجملوا الطلب)؛ لأن المكتوب سيأتي. وكما أن الأجل سيأتي فالرزق يسعى إلى المرء أشد من سعي الأجل إليه، ولذلك جاء في بعض الآثار الإلهية: (عبدي انشغل بي أكفك الهموم كلها، وإن انشغلت بالدنيا وعزتي وجلالي لأسلطن عليك الدنيا تركض فيها ركض الوحوش في البرية، ولن تأخذ إلا ما قسم لك) فلو رقيت إلى السماء أو غصت في أعماق المحيطات فلن تأخذ إلا ما كتب لك، فمن آمن بالقضاء والقدر ولم يوكل عقله وكان مستسلماً لربه فقد أراح واستراح، فتراه إن نزلت عليه البلايا والمصائب ضاحكاً مستبشراً يعلم أن الله حكيم ولم يقدر عليه إلا الخير، ولذلك قال بعض السلف: إذا نزلت المصيبة بالعبد فإنها تحمد على ثلاث: على أنها كانت مكتوبة في الأجل وقد وقع وانتهى الأمر، وعلى أنها لم تكن أكبر مما كانت، وعلى أن الله يرفق بالعبد إذا نزلت به المصيبة، فإنه حكيم عليم لطيف خبير. إذاً القدر: قدرة الله وهو سر مكتوم لا يعلمه إلا الله جل وعلا، وهذه هي الأدلة على القضاء والقدر، ولن ينتظم إيمان عبد بالقضاء والقدر حتى يؤمن بكل ما تقدم لأن ذلك لازم من لوازم الإيمان بالقدر.

стр. 320

مراتب الإيمان بالقدر إن إيمان العبد لن ينتظم ولن يستقيم حتى يؤمن بأربع مراتب، ومن لم يؤمن بمرتبة منها لم يؤمن بالقدر، وقد كان السلف لا يقسمون الإيمان بالقدر على أربع مراتب، بل كانوا يأتون بها مجملة، وكان شيخ الإسلام قدس الله روحه هو أول من قسم هذه التقسيمات، ولذلك بدعه أهل الجهالة والضلالات فقالوا: هذا مبتدع لا يتبع علم السلف، فالسلف لم يقولوا: الإيمان بالقدر أربع مراتب، وما أتى بها ابن تيمية إلا استنباطاً من أقوال السلف، وقسمها للتوضيح لا أنه أراد أن يبتدع، فجزاه الله عنا وعن الإسلام خير الجزاء.
следующие страницы →