← Акыда

Акыда · id 37435

شرح أصول اعتقاد أهل السنة للالكائي - محمد حسن عبد الغفار

محمد حسن عبد الغفار

Полный текст (838 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

المداومة على الطاعة قربة

стр. 317

الإيمان بالقدر إن سياق ما فسر من الآيات في كتاب الله ، وما روي من سنة النبي ﷺ يدل دلالة تامة لا مراء فيها ولا جدال على إثبات القدر، كما يدل على ذلك ما نقل من إجماع الصحابة والتابعين والخالفين لهم من علماء الأمة؛ ومما ثبت بالكتاب والسنة والإجماع أن أفعال العباد كلها مخلوقة لله طاعتها ومعصيتها. وقبل البدء في سرد الآيات التي تفسر القدر: لا بد أن نذكر جملة من مباحث القدر، كتعريفه لغة، ثم شرعاً ثم أهميته، ثم بعد ذلك الأدلة عليه، ومراتبه، وكيف يتعبد لله جل وعلا بالإيمان بالقدر؟

стр. 318

تعريف القدر القدر لغة: مأخوذ من التقدير، قال ابن تيمية: يجوز أن يكون قد أخذ من القضاء والقدر، أو أخذ من المداومة والمساواة، وقيل: أخذ من القدرة. وشرعاً: هو أن تعلم يقيناً أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك. أو: هو أن تعلم يقيناً أن الله علم ما كان وما يكون وما لم يكن لو كان كيف سيكون، فهو يعلم أحوال العباد، وأرزاق العباد، وأخلاق العباد، وآجالهم، وأهل الجنة منهم وأهل النار وأهل السعادة منهم وأهل الشقاوة، وأن الله قدر ذلك قبل أن يخلق الخلق أجمعين بخمسين ألف عام. فما أخطأك لم يكن ليصيبك؛ لأنه كتب في علم الله السابق، وما أصابك لم يكن ليخطئك؛ لأنه كتب في علم الله السابق. وعرف القدر أنه قدرة الله، وهو: أوجز ما يطالب فيه، كما قال الإمام أحمد: أجمل ما قيل فيه: القدر هو قدرة الله، واستحسن ذلك ابن عقيل قال: هذا من دقة فهم الإمام، فالقدر من لوازم ربوبية الله جل وعلا، ومن آمن بربوبية الله علم أن القدر هو قدرة الله جل وعلا، إذ هو سر مكتوم، من أسرار الله جل وعلا لم يطلع عليه نبي مرسل، ولا ملك مقرب، هذا القدر هو الذي أعجز الناس إذ لا قياس فيه ولا عقل، بل من أدخل عقله في أمر القدر تاه في بحر الحيرة، ودائماً يتساءل الناس: الإنسان مخير أم مسير؟ وهل هو مجبر أم له اختيار؟

стр. 319

أهمية الإيمان بالقدر تكمن أهمية الإيمان بالقدر؛ في الركن السادس من أركان الإيمان، ومن نفاه أو تركه أو لم يعتقد بأن الله جل وعلا كتب كل شيء قبل أن يخلق كل شيء فهو كافر بالله العظيم، خارج من ملة الإسلام. ففي الصحيحين عن عمر بن الخطاب ﵁ وأرضاه: (أن جبريل جاء إلى النبي ﷺ وأسند ركبتيه إلى ركبتيه وسأله وكان مما سأله أن قال: أخبرني عن الإيمان؟ -يريد: أركان الإيمان- فقال: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره)، فهو الركن السادس من أركان الإيمان، والركن كما عرفه علماء الأصول: هو ماهية الشيء، وهو ما يلزم من وجوده الوجود ومن عدمه العدم. ومعنى يلزم من وجوده الوجود: أنه إذا وجد هذا الركن وجد الأمر، وإذا نفي نفي الأمر. مثال ذلك: الركوع فهو ركن من أركان الصلاة، فإن وجد الركوع صحت الصلاة، وإن لم يوجد الركوع فالصلاة باطلة، فلو أن رجلاً كبر تكبيرة الإحرام ثم قرأ الفاتحة ثم سجد دون أن يركع فلا تصح ركعته بالإجماع؛ لأنه لم يأت بركن من أركان الصلاة، وكذلك الأمر بالنسبة للقدر فهو ركن من أركان الإيمان فالذي يؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر ثم لا يؤمن بالقدر فإنه لم يأت بالإيمان كله، فهو خارج من ملة الإسلام، ولذلك قال ابن القيم عن عوف بن مالك: قال عوف: من كذب بالقدر فقد كذب بالإسلام. وفي المسند عن عبادة بن الصامت لما دخل عليه ابنه وسأله عن القدر أو قال: أوصني أوصاه، ثم قال: إن لم تؤمن بالقدر دخلت النار. وفي رواية: فإن رسول الله ﷺ بريء منك، والنبي ﷺ لا يبرأ إلا من الكافر. وقد بين اللالكائي أن طاوس قال]: أدركت ثلاثين من أصحاب رسول الله ﷺ كلهم يقول: إن الأمر بقضاء وقدر. قال الله تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر:٤٩]، وقال جل وعلا: ﴿وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ﴾ [القمر:٥٣] أي: مكتوب في اللوح المحفوظ. وقال جل وعلا: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا﴾ [الحديد:٢٢]. اختلف العلماء: في عود الضمير في قوله: نبرأها، فقيل: على النفس، والمعنى: مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إلا في كتاب من قبل أن نبرأ النفس، وقيل: على الأرض، والمعنى: من قبل أن نبرأ الأرض، وقيل: إن الهاء عائدة على المصيبة، والتحقيق: أنها عائدة على كل ذلك: قبل أن يخلق الله النفس، وقبل أن يخلق الأرض، وقبل أن يخلق المصيبة التي تنزل على النفس، فقد كتبها الله في اللوح المحفوظ قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة، قال الله تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا﴾ [الحديد:٢٢] أي: من قبل أن نبينها ونظهرها ونوجدها. وقال جل وعلا: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ [التغابن:١١] قال العلماء: ومن يؤمن بأن هذه المصيبة كتبت عليه قبل أن يخلق هدى الله قلبه للإيمان، وجعله يستسلم لقضاء الله، وكان برداً وسلاماً عليه وأجر على ذلك. فمن رضي فله الرضا ومن سخط فعليه السخط. وأيضاً في الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ وأرضاه قال: قال رسول الله ﷺ : (المؤمن القوي خير من المؤمن الضعيف وفي كل خير، احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجز، وإذا أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلت كذا لكان كذا وكذا، ولكن قل: قدر الله وما شاء فعل؛ فإن لو تفتح عمل الشيطان). وقد بين النبي ﷺ كراهة النذر فقال: (إن النذر يستخرج الله به من البخيل)، وقال أيضاً: (النذر لا يأتي بخير) أي أنه لا يرد قدر الله جل وعلا، بل إن الله قدر الأمر ويستخرج من البخيل ما نظر على نفسه. وفي الصحيحين أيضاً عن النبي ﷺ أنه قال: (لا تسأل المرأة طلاق أختها لتكفأ ما في صحفتها -يعني: تأخذ رزقها- ولتنكح -أي: تنكح من زوجها- فإن لها ما قدر لها) والمعنى: أن الذي كتب لها سيأتيها ولا يستطيع أحد رده، ولذلك كان النبي ﷺ يبين خطر عدم الإيمان بالقدر ويقول: (أخوف ما أخاف على أمتي حيف الأئمة -المضلين- وتكذيباً بالقدر، وإيماناً بالنجوم)، وفي رواية: (أخاف على أمتي تكذيباً بالقدر وإيماناً بالنجوم)، نعوذ بالله من الإيمان بالنجوم أو التكذيب بالقدر. وجاء في القدر أيضاً أن النبي ﷺ قال لـ ابن عباس مرشداً له -والحديث رواه أحمد في مسنده-: (يا غلام! إني أعلمك كلمات إلى أن: واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لن ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك ولو اجتمعت الأمة على أن يضروك بشيء لن يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف)، فلو اجتمعت الأمة قاطبة على أن يجروا لك ربحاً أو يوقعوا بك خسارة فلن يأتيك إلا ما قدره الله لك. وجاء أن أبا هريرة ﵁ وأرضاه جاء إلى النبي ﷺ يشكوا ضعف الباءة لديه، وهو يشتاق للنساء، فقال: (يا رسول الله! أأختصي -فإني لا أستطيع أن أتزوج-؟ فقال: يا أبا هريرة! جف القلم على ما أنت لاق) أي أن الأمر مكتوب سواءً اختصيت أم لا فما كتب ستلقاه. كما أنه لما سئل النبي ﷺ عن أمر العزل: وهو أن يجامع الرجل امرأته ثم إذا قرب الإنزال أنزل خارج الفرج؛ لأنه لا يريد أن تخصب البويضة فأجاب قائلاً: (إذا أرد الله خلق شيء لم يمنعه شيء)؛ لأن الأمر إذا كتب وقضي فلا راد له، ولذلك طيب النبي ﷺ قلوب الذين يلهثون وراء أطماع الدنيا، ويسارعون في كسب أكبر قدر منها -حتى أن جلهم ينطبق عليه حديث النبي ﷺ (حمار بالليل جيفة بالنهار)، فلا هو ترك لنفسه وقتاً بالنهار ليتعلم، ولا بالليل ليقمه لربه- فقال لهم النبي ﷺ : (نفث في روعي الروح الأمين أنه لن تموت نفس حتى تستوفي أجلها ورزقها فأجملوا الطلب). فلو أنك آمنت بالقدر وعلمت أن رزقك قد كَتِبَ وأنه لا شك آتيك، فلن تلهث وراء حطام هذه الدنيا الفانية، وقد كان الحسن البصري يَعلم حديث النبي ﷺ ويطبقه فكان يأخذ التمر فيبيع تمرات قدر قوت يومه ثم يجمع حاجته ويذهب فيقول له الناس بع يا رجل فقد أتاك المشرتون فهذا رزق ساقه الله إليك فيقول: علمت أن رزقي بيد ربي ولن يصل إلى غيري فاطمأن قلبي؛ لأنه آمن بالله، وآمن أن الرزق قد كتب والأجل قد كتب، ولذلك قال النبي ﷺ : (أجملوا الطلب)؛ لأن المكتوب سيأتي. وكما أن الأجل سيأتي فالرزق يسعى إلى المرء أشد من سعي الأجل إليه، ولذلك جاء في بعض الآثار الإلهية: (عبدي انشغل بي أكفك الهموم كلها، وإن انشغلت بالدنيا وعزتي وجلالي لأسلطن عليك الدنيا تركض فيها ركض الوحوش في البرية، ولن تأخذ إلا ما قسم لك) فلو رقيت إلى السماء أو غصت في أعماق المحيطات فلن تأخذ إلا ما كتب لك، فمن آمن بالقضاء والقدر ولم يوكل عقله وكان مستسلماً لربه فقد أراح واستراح، فتراه إن نزلت عليه البلايا والمصائب ضاحكاً مستبشراً يعلم أن الله حكيم ولم يقدر عليه إلا الخير، ولذلك قال بعض السلف: إذا نزلت المصيبة بالعبد فإنها تحمد على ثلاث: على أنها كانت مكتوبة في الأجل وقد وقع وانتهى الأمر، وعلى أنها لم تكن أكبر مما كانت، وعلى أن الله يرفق بالعبد إذا نزلت به المصيبة، فإنه حكيم عليم لطيف خبير. إذاً القدر: قدرة الله وهو سر مكتوم لا يعلمه إلا الله جل وعلا، وهذه هي الأدلة على القضاء والقدر، ولن ينتظم إيمان عبد بالقضاء والقدر حتى يؤمن بكل ما تقدم لأن ذلك لازم من لوازم الإيمان بالقدر.

стр. 320

مراتب الإيمان بالقدر إن إيمان العبد لن ينتظم ولن يستقيم حتى يؤمن بأربع مراتب، ومن لم يؤمن بمرتبة منها لم يؤمن بالقدر، وقد كان السلف لا يقسمون الإيمان بالقدر على أربع مراتب، بل كانوا يأتون بها مجملة، وكان شيخ الإسلام قدس الله روحه هو أول من قسم هذه التقسيمات، ولذلك بدعه أهل الجهالة والضلالات فقالوا: هذا مبتدع لا يتبع علم السلف، فالسلف لم يقولوا: الإيمان بالقدر أربع مراتب، وما أتى بها ابن تيمية إلا استنباطاً من أقوال السلف، وقسمها للتوضيح لا أنه أراد أن يبتدع، فجزاه الله عنا وعن الإسلام خير الجزاء.

стр. 321

المرتبة الأولى: العلم المرتبة الأولى من مراتب الإيمان بالقدر: العلم، وهو أن تؤمن بعلم الله جل وعلا السابق لِكل شيء: ومما يدل على ثبوت علم الله السابق، أو علم ما كان وما يكون وما لم يكن لو كان كيف سيكون: قوله تعالى: ﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك:١٤] فالله يعلم كل شيء. وقال تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ﴾ [الجاثية:٢٣] قال المفسرون: أي: هذا الضال يعلم الله أنه ضال وراض بالضلال، تصديقاً لقول الله تعالى: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾ [فصلت:١٧]. أما ابن عباس فقد قال في تفسير قوله تعالى: ﴿وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ﴾ [الجاثية:٢٣] أضله الله لعلمه السابق فيه أنه محل للضلال، فلا يصح أن يكون مسلماً، قال تعالى: ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ﴾ [القلم:٣٥]، وقال جل وعلا: ﴿أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ﴾ [ص:٢٨]. كما أن الله جل وعلا لما اختار أنبياءه كان بعلمه السابق يعلم أن هذه القلوب طاهرة نقية، ولذلك قال الله تعالى عن إبراهيم: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ﴾ [الأنبياء:٥١] والمعنى: نحن نعلم أن إبراهيم ﵇ محل للهداية، ومحل للنبوة، ومحل لأن يكون خليلاً لله جل وعلا؛ لأنه شاكر لأنعم الله جل وعلا. ومما يدل على علم الله السابق أن الله لما فتن الكبراء بالعبيد وفضل العبيد عليهم؛ لعلمه السابق بما سيكون منهم قال: ﴿وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلاءِ﴾ [الأنعام:٥٣]، أي: الفقراء ﴿مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا﴾ [الأنعام:٥٣] فأجابهم الله تعالى: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ﴾ [الأنعام:٥٣] فكان الله جل وعلا على علم سابق بهؤلاء أنهم سيشكرون نعمته جل وعلا، فأوضع فيهم هذه النعمة وهي نعمة الإسلام. كما أن اختيار النبي ﷺ واختيار صحابة رسول الله كان بعلم الله السابق، فمن وجد نفسه في خير وعلى خير فليستبشر؛ لأنه في علم الله السابق من أهل الخير، وليزدد من الخير الذي هو فيه، قال الله تعالى: ﴿وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا﴾ [الفتح:٢٦] أي: أنهم كانوا ﴿أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا﴾ [الفتح:٢٦] في علم الله السابق، فإن الله علم أن أبا بكر أفضل الخلق بعد الأنبياء والمرسلين، وعلم أن عمر هو الفاروق فأودع في قلوبهم هذا الخير وجعلهم صحبة لنبيه ﷺ .

стр. 322

المرتبة الثانية: الكتابة المرتبة الثانية من مراتب القدر والتي لا بد للمؤمن بالقدر أن يؤمن بها: الكتابة، وهي تلي العلم، إذ لا يكتب أحد شيئاً إلا وقد علم بهذا الشيء الذي يكتبه، فالله علم كل شيء قبل أن يخلق أي شيء، وكتب كل شيء قبل أن يخلق كل شيء. والكتابة لها خمسة مقادير: أولاً: كتابة أزلية، والكتابة الأزلية هي كتابة كل شيء إلى يوم القيامة في اللوح المحفوظ، قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ [الأنبياء:١٠٥]، والذكر: اسم جنس لأي كتاب ينزل، كالقرآن أو التوراة أو الإنجيل أو الزبور، وهو الكتاب الذي أنزل على داود، والمعنى: كتبنا في الذكر وهو اللوح المحفوظ أن الأرض يرثها عبادي الصالحون. وقال الله تعالى عن آثار الذين يعملون الصالحات ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ﴾ [يس:١٢] والمعنى: أن كل شيء فعلوه من خير أحصاه في كتاب مبين، والإمام المبين هو اللوح المحفوظ. ومما كتب في اللوح المحفوظ: القرآن الكريم، قال تعالى: ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ * فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ [البروج:٢١ - ٢٢]. وميزة هذه الكتابة أنها لا تبدل ولا تغير، فما كتب في اللوح المحفوظ، من شقاوة العباد، أو سعادتهم، أو تصنيفهم من أهل الجنة، أو من أهل النار لا يتغير بحال من الأحوال، وما كتب فيها من أرزاق العباد، وتغير الأحوال، وأوقات الموت أو الحياة كل ذلك لا يتغير. ثانياً: كتابة أخذ الميثاق، وهي الكتابة التي أخذ الله جل وعلا فيها الميثاق على عباده عندما خلق آدم، فكانت الكتابة الأولى في اللوح المحفوظ قبل الخلق أجمعين، وكانت الكتابة الثانية بعد خلق آدم، فقد ورد في الحديث: (أن الله لما مسح على ظهر آدم وأخرج ذريته قبضة باليمين وقبضة بيده الأخرى فقال باليمين: هذه للجنة ولا أبالي، وقال في اليد الأخرى: هذه للنار ولا أبالي)، قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ [الأعراف:١٧٢]، فإن الله مسح على ظهر آدم فأخرج كل ذريته، وأخذ عليهم الميثاق وكتب عليهم كل شيء. وفي الصحيحين أن: (النبي ﷺ : لما سئل: يا رسول الله! أفرغ من الأمر وقضي أم نستقبل؟ -يعني: أكل الذي نعمله قد قضي وكتب، أم أننا نستقبله- فقال الرسول ﷺ : قضي أو فرغ منه، فقالوا: ففيم نعمل؟ -أي: إذا كان كل شيء قد كتب، فكتب أصحاب الجنة وأصحاب النار ففيم العمل؟ - فقال النبي ﷺ : اعملوا فكل ميسر لما خلق له)، فمن يسر له شرب الخمر فهو من أهل الخمر، ومن يسر له الزنا والفاحشة والقتل والسرقة والكذب والزور فهو من أهل ذلك، ومن يسأل الله الطاعة والجهاد وطلب العلم والذكر والصلاة فهو من أهل ذلك، فكل ميسر لما خلق له. وجاء في المسند أن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: (خرج علينا رسول الله ﷺ ومعه كتابان: كتاب في يده اليمنى وكتاب في يده الأخرى، فقالوا: يا رسول الله! ما هذان الكتابان؟ قال: هذا كتاب بيد ربي اليمنى فيه أهل الجنة بأسمائهم وأسماء آبائهم وقبائلهم وأجمل عليه -أي: أغلق فلا يزاد ولا ينقص- وفي اليد الأخرى أهل النار بأسمائهم وأسماء آبائهم وأسماء قبائلهم وأجمل على ذلك، ثم قال ﷺ : وإن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة، ويكون من أهل النار فيختم عليه بعمل أهل النار فيدخل النار، وإن الرجل ليعمل بعمل أهل النار ويكون في الكتاب من أهل الجنة فيعمل بعمل أهل الجنة ويختم له بعمل أهل الجنة) وهذا مصداق لقول الرسول ﷺ في السنن: (إن الله إذا أحب عبداً عسلة قالوا: يا رسول الله! وما عسلة؟ قال: إذا أحب الله عبداً وفقه لعمل الخير، فأماته عليه فختم له بعمل الخير، وإذا أبغض الله عبداً يسر له عمل أهل النار فختم عليه به) نعوذ بالله من ذلك. ثالثاً: الكتابة العمرية، وهي القدير العمري للإنسان في بطن أمه، كما قال ابن مسعود: الشقي من شقي في بطن أمه، والسعيد من وعظ بغيره، وكان إبراهيم بن أدهم أو غيره يبكي طيلة الليل والنهار فيطرقون عليه الباب ويقولون: علام تبكي وأنت المتزهد المتعبد؟ فيقول: والله ما أعلم كتبت وأنا في بطن أمي من أهل السعادة أو من أهل الشقاوة!. وجاء في الصحيح عن ابن مسعود قال: (أخبرني الصادق المصدوق إن أحدكم ليجمع خلقه في بطن أمه نطفة أربعين ليلة، ثم علقة مثل ذلك، ثم مضغة مثل ذلك، ثم يأتي الملك فينفخ فيه الروح، ثم يؤمر بأربع كلمات: يكتب رزقه وعمله وأجله شقي أم سعيد، فوالله الذي لا إله غيره إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بيه وبينها إلا ذراع -ويكون في الكتاب أنه من أهل النار- فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخل النار. وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخل الجنة). وقد ورد في الحديث: (أن النبي ﷺ رأى رجلاً يجاهد فقال الصحابة: يا رسول الله! هذا من أشجع الصحابة، وهو من أهل الجنة، فقال رسول الله ﷺ : إنه من أهل النار)، وكان الرجل يجاهد شجاعة ويقاتل حمية ويثخن المشركين قتلاً فظن الصحابة أنه من أهل الجنة، ولكن لما كتب في علم الله السابق أنه من أهل النار قال رسول الله: (إنه من أهل النار)، فقال بعض أحد الصحابة: إن رسول الله لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى فلا بد أن أتتبع الرجل، فتتبع الرجل فوجده يقاتل بشدة وشجاعة ثم جرح، فلما جرح لم يحتمل جرحه فأخذ ذبابة سيفه فوضعها في بطنه فاتكأ عليها حتى قتل نفسه، فقال الرجل: (يا رسول الله! رأيت الرجل الذي قلت فيه: أنه من أهل النار فعل كذا وكذا وكذا، فقال: أشهد أني رسول الله)، فهذا الرجل قاتل وجاهد وليس بينه وبين الجنة إلا ذراع، ولما كتب في علم الله السابق أنه من أهل النار سبق عليه الكتاب وختم عليه بعمل أهل النار فقتل نفسه، وقد جاء عن النبي ﷺ : (ومن قتل نفسه بشيء عذب به يوم القيامة). ثبت في الصحيحين عن أنس ﵁ وأرضاه قال: قال رسول الله ﷺ : (إن الله يوكل بالرحم ملكاً فيقول: رب نطفة رب علقة رب مضغة، فإذا أذن الله بخلقه أمره بنفخ الروح، فإذا نفخ الروح قال: رب ذكر أم أنثى؟ شقي أم سعيد؟ ما رزقه؟ متى أجله) فيكتب كل ذلك في صحيفة الملك، وهذه الصحيفة غير صحيفة اللوح المحفوظ، والفرق بين صحيفة اللوح المحفوظ وما كتب فيها وبين هذه الصحيفة: أن اللوح المحفوظ لا يغير فيه شيء ولا يبدل، أما صحائف الملائكة فيمكن أن يغير ما كتب فيها، ولذلك قال الله تعالى: ﴿يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ [الرعد:٣٩] أي: يمحو ما يشاء في صحائف الملائكة ويثبت ما فيها وعنده الثابت في اللوح المحفوظ وهو في أم الكتاب، ولذلك كان عمر بن الخطاب ﵁ وأرضاه يطوف بالكعبة ويقول: رب إن كنت قد كتبتني شقياً فامحها واكتبني عندك سعيداً، أي: إن كنت قد كتبتني في بطن أمي في صحيفة الملك شقياً فامحها وأثبتها عندك في اللوح المحفوظ سعيداً. رابعاً: -المرتبة الرابعة من مراتب الكتابة- الكتابة العامية، وهذه الكتابة جاءت استنباطاً من بعض الآيات كقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾ [الدخان:٣] والليلة المباركة هي ليلة القدر، قال ابن عباس: في ليلة القدر يكتب من يموت هذا العام ومن يحيا ومن يولد، ورزقه وأجله، وشقي في هذا العام أم سعيد؟ ويكتب في ليلة القدر حتى الحجاج، قال مجاهد: يمشي الرجل في الأسواق وقد كتب مع الأموات، وقال آخر: يمشي في الأسواق وقد كتب في ليلة القدر أنه مع الحجيج، فهذه الكتابة هي كتابة عامية تكتب كل عام في ليلة القدر. خامساً: الكتابة اليومية، وهي من قول الله تعالى: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ [الرحمن:٢٩]، قال بعض السلف: يرفع أقواماً في نفس اليوم ويخفض آخرين، يؤتي الملك من يشاء، وينزع الملك ممن يشاء، ويحيي ويميت ويعطي ويمنع وينفع ويضر ، وكل ذلك من أسمائه الحسنى وصفاته العلى. وفي الصحيحين أن النبي ﷺ قال: (يتعاقبون فيكم ملائكة في الليل والنهار)، في الليل: أي: في الفجر، وفي النهار أي: في العصر، وعملهم أنهم يكتبون ما يفعل العباد في اليوم.

стр. 323

المرتبة الثالثة: المشيئة والمشيئة تعني أن الله كتب فشاء ، ولا بد أن يؤمن العبد أنه لا يمكن أن يحدث شيئ إلا بمشيئة الله، فهجوم الروس على المسلمين بمشيئة الله، وضرب الأمريكان لأفغانستان بمشيئة الله، واحتلال اليهود لبيت المقدس وإفسادهم فيها بمشيئته، وظهور الحبشي قبل يوم القيامة وهدمه للكعبة واستخراجه لكنزها بمشيئة الله، وموت الرسول بمشيئة الله، وظهور المهدي في آخر الزمان بمشيئة الله جل وعلا، فما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن فعلى العبد أن يعلم أن كل شيء بمشيئة الله، وأن ذلك من حكمة حكيم عليم إذا شاء شيئاً كان هذا الشيء خاضع لحكمته، قال الله تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا * يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ﴾ [الإنسان:٣٠ - ٣١] فمشيئته خاضعة لحكمته ، وهي نافذة في كل شيء، فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن. قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا﴾ [البقرة:٢٥٣]، فلو شاء الله ما اقتتل الأفغان بعضهم مع بعض، ولا قاتل صدام ودخل على الكويت، ولا اقتتل اليهود مع المصريين عام سبعة وستين، ولا اقتتل يهود خيبر مع النبي ﷺ ، فالله يقول: ﴿َلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ [البقرة:٢٥٣]. وقال الله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا﴾ [يونس:٩٩] إذ أن مشيئة الله نافذة إذا شاء شيئاً كان وإذا لم يشأ لم يكن. وقال جل وعلا: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ﴾ [الأنعام:١١٢] فإنهم ما فعلوه إلا بمشيئة الله ﵎، وكل ما سبق عن المشيئة فهو عن المشيئة الكونية، والإرادة الكونية غير الإرادة الشرعية التي هي المحبة.

стр. 324

المرتبة الرابعة: الخلق علم أن مراتب القدر أربع: الأولى: أن تؤمن بعلم الله السابق وأن كل شيء نشأ عن علمه سبحانه. الثانية: الكتابة فالله كتب ما علمه جل وعلا. الثالثة: المشيئة والإرادة. الرابعة: التنفيذ، وهو ما عبرنا عنه بالخلق. فالله علم ثم كتب ثم شاء وأراد ثم خلق، قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الزمر:٦٢] ومن الأشياء التي خلقها: السماوات والأرض، والخلق وأفعال الخلائق وأرزاقهم، فـ ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الزمر:٦٢]، وأظهر من ذلك قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات:٩٦]، فإنه دليل على أن الله خلق أفعال العباد. وجاء وفي السنن أن النبي ﷺ قال: (خلق الله كل صانع وصنعته)، وفيه دلالة على أن الله خلق كل شيء، حتى أفعال العباد.

стр. 325

هل الإنسان مسير أم مخير ؟ الناس في الإجابة على هذا السؤال فرق ثلاث: ففرقة غلت وفرقة جفت وفرقه وتوسطت، فكان في الأولى إفراط، وعند الثانية تفريط، أما الثالثة فوسط بين الإفراط والتفريط. أما الذين غلو فهم القدرية إذ قالوا: الإنسان مخير في كل شيء، حتى أفعال العباد، فالعباد -عندهم- يخلقون أفعال أنفسهم، وجل وعلا -بزعمهم- لا يعلم أفعال العباد حتى يعملها العامل، ومن القدرية من يثبت علم الله لعمل العبد وينفي عن الله خلق أفعال العباد، فلم ينفقوا عن الله صفة العلم. أما غلاة القدرية فقد نفوا العلم فقالوا: الله لا يعلم بعمل العبد حتى يعمله، فالإنسان عندهم مخير على الإطلاق. وبعكس قول القدرية قالت الجبرية إذ الإنسان عندهم مسير على الإطلاق، فلا خيار له ولا اختيار ولا مشيئة ولا إرادة كما قال بعضهم: ألقاه في اليم مكتوفاً وقال له إياك إياك أن تبتل بالماء ولذلك كان متنطعهم قولهم: الشيطان أكبر عابد لله جل وعلا -لأنه مسير- فإن الله أجبره على ما فعل فرضي بما فعل وهو خاضع لله جل وعلا. أما أهل السنة والجماعة فهم وسط بين الفريقين إذ قالوا: الإنسان مسير مخير، فالإنسان مخير في فعله، فهو مخير في اختياره لزوجته، واختياره لعمله، واختياره لدينه، ألا ترى أن من شاء أن يدخل في النصرانية يدخل، ومن أراد الإسلام دخل في الإسلام، ومن أراد الكفر فعل الكفر، ومن أراد الزنا فعل الزنا ولا مجبر لهم، له، فالإنسان مخير في إرادته، ومخير في طلبه، وكفه، في منعه، وعطائه، وهو -أي الإنسان- مسير في موته، في طوله وقصره، في سواده وبياضه فلم يتحكم امرئ بلونه فقال: أريد أن أكون أبيض البشرة، بل ما خلقك الله عليه فأنت مسير به، كما أنه في اختيار في هذه ومسير من ناحية أخرى وهو أن مشيئته تابعة لمشيئة الله جل وعلا، قال الله تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الإنسان:٣٠] جل وعلا.

стр. 326

شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة - خلق أفعال العباد [١] لا يستقيم للعبد إيمانه حتى يؤمن بالقدر ومراتبه الأربع، وذلك نجاة له من الحيرة والتخبط، فالله علم فكتب، وإذا شاء خلق ما يريد، وإن العبد تحت قدرة الله، فما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، وليس بمقدور العبد أن يخرج عن أقدار الله تعالى، فهو الذي بيده الهداية والضلال، وكل ذلك حكمة منه وكمال مطلق.

стр. 327

مقدمة في مراتب القدر إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. وقال أيضاً: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]. وقال : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. ثم أما بعد: ما زلنا في الكلام على أبواب القدر، وفي سياق ما جاء من الآيات في كتاب الله ، وما روي من سنة رسول الله ﷺ في إثبات القدر، وما نقل من إجماع الصحابة والتابعين لهم من علماء الأمة: أن أفعال العباد كلها مخلوقة لله ، طاعاتها ومعاصيها. وقد قلنا: إن القدر هو قدرة الله جل وعلا، وهو سر لم ينكشف لا لعالم ولا لملك مقرب، ولا لنبي مرسل. وقلنا: إن الذي يعمل عقله في مسائل القدر يتخبط في بحر الحيرة، فمن تمام الإيمان بالله جل وعلا الإيمان بالقدر. والقدر بالنسبة لله تعالى هو صفة من صفاته، فإن التوحيد أقسام: توحيد الربوبية، وتوحيد الأسماء والصفات، وتوحيد الإلهية، والإيمان بالقدر يعتبر من توحيد الربوبية؛ لأنه يختص بأفعال الله جل وعلا. وقد قال الإمام أحمد: إن القدر هو قدرة الله جل وعلا، فلا يستقيم إيمان عبد حتى يؤمن بالقدر، وبمراتبه الأربع.

стр. 328

مرتبة العلم إن الذي يؤمن بأن الله قد قدر كل شيء لا بد عليه أن يؤمن بأن الله علم كل شيء، وقع أو سيقع، قبل أن يخلق الله الخلق بخمسين ألف سنة، وكل آية تثبت العلم لله تدل على ذلك، فالله يعلم ما كان وما يكون، وما لم يكن لو كان كيف سيكون، فهذه هي المرتبة الأولى من مراتب القدر، وهي مرتبة العلم.

стр. 329

مرتبة الكتابة المرتبة الثانية من مراتب القدر: مرتبة الكتابة، فالله قد كتب كل شيء في اللوح المحفوظ قبل أن يخلق الخلق. وإن العبد الذي يتعبد لله جل وعلا مقراً بمراتب القدر، يرتاح ولا يتبرم في الدنيا عند حلول مصائبها؛ لأنه يعلم أن الله قد كتب كل شيء. ولكن القول بأن الله كتب كل شيء كلمة مجملة تحتاج إلى تفصيل، وتفصيلها هو الكلام عن مراحلها. والكلام عن مراحل الكتابة مهم جداً، فإن أرزاق العباد وآجالهم، وتحديد أهل الجنة وأهل النار وغير ذلك كله قد كُتب في اللوح المحفوظ، وذلك أن الرسول ﷺ قال: (إن أول ما خلق الله القلم قال له: اكتب قال: ماذا أكتب؟ قال: اكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة)، وأما كيف كتب القلم؟ فالله أعلم بذلك، لكن القلم تكلم مع الله، فأمره الله أن يكتب فقال: سمعت وأطعت، فكتب كل كبيرة وصغيرة، وليس المكتوب في اللوح المحفوظ هو ما يتعلق بالبشر أو المخلوقات فقط، بل هو عام فيها وفي غيرها، وذلك أن الكلام صفات من صفات الله، وهذه الصفة قد كتبت في اللوح المحفوظ. وهناك كتابة تكون في الرحم، وتسمى: الكتابة العمرية، وأما الكتابة التي تكتبها الملائكة كل يوم على الإنسان فهي الكتابة اليومية، وهناك أيضاً الكتابة العامية، وهي التي تكون في ليلة القدر. وهنا سؤال، وهو: هل المكتوب في اللوح المحفوظ له أمد أو ليس له أمد؟ الجواب إن له أمداً؛ لأنه جاء في الحديث: أن القلم قال: (ماذا أكتب؟ قال: اكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة)، ولا شك أن هناك أحداثاً بعد يوم القيامة، وذلك مثل من سيتزوج الحورية الفلانية من الحور العين، ونحو ذلك. فأفعال الله جل وعلا معنا بعد دخول الجنة وغيرها من هذه الأمور فإنها لم تكتب، ولم يكتب كل شيء يحصل بعد يوم القيامة، لكن كتبت بعض الأحداث كرؤية الله تعالى، والنعيم عند زيارته كل أسبوع وغيرها. وصفات الله جل وعلا مكتوبة في اللوح في المحفوظ من نزول، ومجيء، وكلام وإعطاء، وإحياء، وإماتة. وهناك كتابة أخرى أيضاً فيها صفات الله جل وعلا كصفة الرحمة، فقد قال النبي ﷺ : (كتب ربكم في كتاب عنده - عند العرش - رحمتي سبقت غضبي). والرحمة والغضب صفتان من صفات الله جل وعلا. وكذلك مكتوب في اللوح المحفوظ أن الله جل وعلا سيتكلم مع موسى بقوله: ﴿إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالاتِي﴾ [الأعراف:١٤٤] ومكتوب أيضاً أن موسى سيقول: ﴿رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ﴾ [الأعراف:١٤٣] فيجيبه الله جل وعلا بقوله: ﴿لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي﴾ [الأعراف:١٤٣] ومكتوب أيضاً نزول الله كل ليلة إلى السماء الدنيا.

стр. 330

مرتبة المشيئة المراد بالمشيئة أن ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، وأما الخلق فسنتكلم عنه في مبحث مستقل.

стр. 331

خلق أفعال العباد قال المؤلف رحمه الله تعالى: [إن أفعال العباد كلها مخلوقة، طاعاتها ومعاصيها]. معنى أفعال العباد: هي كل ما يصدر من العبد من كلام، ومن حركات وسكنات، معصية كانت أو طاعة، فكل ذلك من أفعال العباد، وهي مخلوقة لله جل وعلا.

стр. 332

قول القدرية بأن الله لم يخلق الشرور والمعاصي إن القدرية قالوا: إن الله تعالى لم يخلق المعاصي والشرور، فظنوا أن الشر والمعصية لا يخلقهما الله تعالى، ولكن الآثار قد جاءت عن الصحابة بالسند الصحيح أنهم قالوا بأن الله خلق أفعال العباد، ومن هؤلاء الصحابة الخلفاء الأربعة، وعبد الله بن مسعود، وعبد الله بن عمرو، وأبي بن كعب وغيرهم. وجاء ذلك عن التابعين، منهم: سعيد بن المسيب، والقاسم بن محمد، وسالم بن عبد الله بن عمر وغيرهم، وكذلك من بعدهم كـ أيوب السختياني وغيره، ومن الفقهاء أيضاً: مالك، والشافعي، وأحمد، وأبو حنيفة، والليث بن سعد، وأشهب بن عبد العزيز، فكل هؤلاء قالوا بذلك.

стр. 333

دلالة الكتاب والسنة على خلق الله لأفعال العباد إن مما يثبت أن الله خلق أفعال العباد أدلة من الكتاب والسنة، فقد قال الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات:٩٦]. أي: كل فعل فعلتموه فإن الله هو الذي خلقه بنص هذه الآية. وقد ذكر البخاري في خلق أفعال العباد قول النبي ﷺ : (إن الله يصنع كل صانع وصنعته)، وفي رواية: (خلق الله كل صانع وصنعته). فالصنعة هذه هي نتيجة لفعل الله، فإنه قد خلق كل صانع وصنعته. وعن ابن عباس ﵁ وأرضاه مرفوعاً إلى النبي ﷺ قال: (كل شيء بقدر حتى العجز والكيس). فقوله: (كل شيء) لفظ عام. قال الإمام البخاري: خلق الله أفعال العباد، الحركات والسكنات، واليقظة والنوم، والأصوات وغيرها، فكل ذلك خلقه الله جل وعلا. وعن ابن عمر ﵁ وأرضاه قال: خلق الله أفعال العباد، حتى وضعك يدك على خدك خلقها الله جل وعلا. وقد كان علي بن أبي طالب ينكت بعصاه ويقول: هذه النكتة أو هذه الضربة في الأرض خلقها الله جل وعلا. وكذلك ابتساماتك في كل لحظة من اللحظات من الله جل وعلا، فقد قال الله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى﴾ [النجم:٤٣]. والضحك فعل من أفعال العبد، والبكاء فعل من أفعال العبد، والله جل وعلا هو الذي هو أضحكك وهو الذي أبكاك. والنبي ﷺ لما قال: (الأمر قد قضي، قالوا: على ما نستقبل أم على ما مضى؟ فقال: على ما مضى، فقالوا: يا رسول الله! ففيم العمل؟ قال: كل ميسر لما خلق له). ووجه الشاهد هو قوله: (كل ميسر)، يعني: إذا قدر الله لك باب الهداية خلق فيك العزيمة والإرادة للهداية، ثم خلق فيك فعل الهداية ووفقك له. فالله جل وعلا خلق كل فعل فعله العبد. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [جاء في الحديث عن حذيفة أن الرسول ﷺ قال: (المعروف كله صدقة، وإن الله صانع كل صانع وصنعته)]. وقد اختلف العلماء في قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات:٩٦]. فقالت القدرية: هذه الآية ليست دليلاً على أن الله خلق أفعال العباد؛ لأن (ما) هنا موصولة بمعنى الذي، فالمعنى: والله خلقكم والذي تعملون، والذي كان يعمله قوم إبراهيم هو جعل الأخشاب أصناماً فقال لهم إبراهيم: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات:٩٦]، أي: والذي تعملونه من هذه الأخشاب، فإن الله خلقها وخلقكم، قالوا: وهذا ليس له علاقة بأفعال العباد. والرد عليهم هو أن قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات:٩٦] معناه: إن هذه الأخشاب التي أصبحت أصناماً تعبدونها خلقها الله، وإذا كان الله قد خلقها وهي نتيجة المقدمة وهي عملكم، فيلزم من هذا أن يكون الله قد خلق المقدمة التي هي: العمل. فيرد عليهم من طريق اللزوم، فالأصنام هي النتيجة التي وصلتم إليها بعملكم، وهذه النتيجة التي وصلتم إليها الله خلقها، فمن باب أولى أن يكون الله هو الذي خلق العمل أو المقدمة التي أوصلكم بها إلى النتيجة. وأيضاً إذا فسرنا (ما) بأنها مصدرية فسيصبح معناها: والله خلقكم وعملكم، وليس في هذا أي نزاع، وقد جاء في الآية الأخرى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر:٤٩]. ووجه الشاهد من هذه الآية قوله: إن (كل) لفظ من ألفاظ العموم، ويدخل تحته كل شيء في السموات أو في الأرض، كبني آدم وأفعالهم، وبهذا دخلت أفعال العباد تحت ما خلقه الله تعالى بقدر. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وفي حديث أبي هريرة ﵁ وأرضاه قال: (جاء مشركو قريش إلى رسول الله ﷺ يخاصمونه في القدر، فأنزلت هذه الآية: ﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ * يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ * إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر:٤٧ - ٤٩]). وعليه فإن الله قد خلق مسبة أبي جهل للنبي ﷺ واتهامه بالسفه والكذب، وإن كان تعالى لا يرضى لنبيه أن يسب ويسفه ويكذب، وهذا يبين الفرق بين القضاء الكوني والقضاء الشرعي. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [تفسير قوله تعالى: ﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ [:٨]]. ووجه الاستدلال: أن الإلهام من الخلق، والشيخ الشعراوي ﵀ ذكر أن المعنى: أعلمها بالفجور وبالتقوى، وكان يقول: علم الله أهل الجنة فكتبهم، وعلم أهل النار فكتبهم، وكان يضرب مثلاً على ذلك فقال: إذا نظر المدرس لخمسة من تلامذته، ورأى أن التلميذ الجيد جداً سيحصل على تسعين في المائة فكتب ذلك عنده، ورأى أن المهمل سيحصل على ثلاثين في المائة، وكتب ذلك، فإذا جاءت نهاية العام وحصل ما كتبه المدرس وأخبر به، فلا يُلام المدرس على ذلك؛ لأنه عمل على ما يعلمه، وبهذا يتبين معنى القدر، فلا يصح الاحتجاج بالقدر على فعل المخالفات. فلو قلنا تنزلاً: إن معنى: (فَأَلْهَمَهَا) أي: أعلمها، فإن أم موسى ﵇ أوحي إليها وحي إلهام، وهذا تفسير صحيح، ولكن الشعراوي له تأويلات أخرى. والله جل وعلا أعلم البشر بقوله: ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد:١٠]. فأعلمهم الخير من الشر، والتقى من العصيان. ووجه الدلالة في قوله تعالى: ﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ [الشمس:٨] على خلق أفعال العباد: هي أن الله ألهمه فعل الشر، أي: خلق فيه إرادة الزنا مثلاً، ولكنه لم يخلق فيه نفس الفعل، فلو أنه زنا بامرأة، فإن هذا الشر قد علمه، ثم كتبه، وعند السؤال هل خلق الله هذا الزنا أو لا؟ فلو قلنا: تأدباً مع الله لا ينسب الشر إليه جل وعلا -أي: خلق الزنا- ولكنه خلق أسبابه فقط، فيلزم من هذا أن الزنا مخلوق لله جل وعلا، فخلاصة الأمر أن نقول: إن الزنا إذا نسبنا خلقه إلى الله جل وعلا فذلك منه حكمة وكمال، وإذا نسبناه للعبد نسبناه على أنه من الفجور الذي سيحاسب عليه؛ لأنه فاعل لذلك الفعل. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [تفسير قوله تعالى: ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد:١٠]]. يعني: أن الله جل وعلا هداه الطريقين: طريق الخير وطريق الشر.

стр. 334

أنواع الهداية الهدية أربعة أنواع:

стр. 335

الهداية العامة الهداية العامة تعم كل المخلوقات، فقد هدى الله آدم كيف يأتي امرأته، وهدى كل رجل كيف يسعى لرزقه، وهدى الحيوانات معرفة خالقها، وهداها كيف تجلب الرزق، وهو الذي هدى الثعلب أن ينام، وإذا نام أن يغمض واحدة ويترك الأخرى حتى ينقض على فريسته. وهناك قصة طريفة ذكرها بعض العلماء في أن الله تعالى هو الذي هدى الفأرة إلى أن تعرف الفرق بين كثافة الماء وكثافة الزيت، وذلك أن رجلاً كان عنده زيت في إناء، فما استطاع الفأر أن يأخذ الزيت إذ كان بعيداً عنه، فذهب إلى مكان فيه ماء، فكان يأخذ الماء ويجعله في هذه الإناء، فكلما نزل الماء في الزيت ارتفع الزيت حتى ارتفع الزيت إلى آخر الإناء فشرب منه الفأر. فمن الذي هدى هذا الفأر لمعرفة الفرق بين كثافة الماء وكثافة في الزيت؟ وكذلك النمل تكون طابوراً كاملاً حتى تنقض على الفريسة، ثم تذهب بها لتخزنها أعوماً. وأيضاً هدى الله كل هذه المخلوقات لتسبيحه فقال تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء:٤٤]. فهذه النقنقة من الضفدع تسبيحات لله جل وعلا، ولذلك نهى النبي ﷺ عن قتل الضفدع؛ لأنها تكثر من تسبيح الله جل وعلا بهذه النقنقة، وقيل: لأنها كانت تأخذ الماء وتلقي به في نار إبراهيم ﵇ لحمايته منها. والله هو الذي هدى الهدهد ليعرف أن الله جل وعلا يخرج الخبء من السماوات والأرض، وذلك عندما ذهب إلى بلقيس وقومها ووجدهم يسجدون للشمس من دون الله قال: ﴿وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لا يَهْتَدُونَ * أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [النمل:٢٤ - ٢٥]. فمن الذي هدى الهدهد ليعرف ذلك الأمر العظيم؟ إنه الله ، فهذه هي الهداية العامة.

стр. 336

الهداية الخاصة والهداية الثانية: هداية خاصة بالبشر، وهي هداية الإرشاد، أو هداية البيان، وهي تصديق لقول الله تعالى: ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد:١٠]، وفي بعض التفاسير لقوله تعالى: ﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ [:٨] يعني: بين لها طريق الفجور وطريق التقى. وهذه الهداية قد تكون لله جل وعلا أو لرسوله أو للدعاة إلى الله جل وعلا، ومنها قوله تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ [يوسف:١٠٨]، وقوله تعالى: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ﴾ [فصلت:١٧] أي: بينا لهم الطرق الصحيحة. ﴿فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾ [فصلت:١٧] وقوله: ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد:١٠] أي: بينا له طريق الخير وطريق الشر، وهذه الهداية أيضاً قد تكون للرسول قال تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى:٥٢]. يعني: تبين وترشد الناس.

стр. 337

هداية التوفيق الهداية الثالثة هي: هداية التوفيق والسداد وخلق الإرادة في القلب، أو خلق العزيمة على فعل الخير، وهذه لا تكون إلا لله جل وعلا، وفصل الخطاب فيها قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [القصص:٥٦]. مع أنه تعالى قال للنبي ﷺ : ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى:٥٢]. فكيف يثبت له الهداية هنا وينفيها في الآية الثانية إذ يقول: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [القصص:٥٦]؟ الجواب أن المراد بالآية التي تنفي عن الهداية: نفي هداية السداد والتوفيق لا هداية البيان والإرشاد، وهذه الهدايات الثلاث تكون في الدنيا.

стр. 338

هداية الآخرة إلى الجنة الهداية الرابعة: هي هداية الآخرة، وهي هداية أهل الجنة إلى منازلهم يعرفونها كما كانوا يعرفون منازلهم في الدنيا، قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ * سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ * وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ﴾ [محمد:٤ - ٦]. وقد بين النبي ﷺ أن كل امرئ يدخل الجنة فإنه يعرف مكانه في الجنة، ويعرف ملكه، واللؤلؤة المجوفة التي يدخل فيها، كما كان يعرف بيته في الدنيا، نسأل الله أن يجعلنا من أهل الجنة، وأن يجعلنا من المهديين هداية البيان والإرشاد، وهداية السداد والتوفيق. أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.

стр. 339

شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة - خلق أفعال العباد [٢] الله خالق كل شيء بما في ذلك أفعال العباد من حركات وسكنات ومعاص وسيئات، ولكن ليس معنى ذلك أن العبد مجبور على فعله، بل قد جعل الله له مشيئة واختياراً، وفي سابق علمه سبحانه أن هذا طائع وهذا عاص، وقد ضلت الجبرية لما قالوا: إن الله أجبر العبد على الفعل فنسبوا إليه الظلم، سبحانه أن يظلم أحداً من خلقه.

стр. 340

خلق الله لأفعال العباد إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. ثم أما بعد: ما زلنا مع القدر خيره وشره، وأنه ركن من أركان الإيمان، بل هو الركن السادس من أركان الإيمان، ولا يقبل إيمان عبد عند الله جل وعلا حتى يقابله وهو يؤمن أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه، وأن الله جل وعلا إذا قدر على العبد أمراً فلا بد وأن يقع، وأن ما شاء الله في هذا الكون الشاسع وقع، وما لم يشأ لم يكن، بقدرته وعزته جل وعلا. من مراتب القدر: الخلق، ومعناه عموم خلق الله جل وعلا لكل شيء، فالله علم فكتب فأراد فخلق ، والله جل وعلا خلق كل شيء، ومن هذا الشيء أفعال العباد، فما من شيء في الكون إلا وهو بإرادته ومشيئته جل وعلا.

стр. 341

الأدلة على خلق الله لأفعال العباد خلق الله لأفعال العباد أمر دل عليه الكتاب والسنة، أما الكتاب فقد قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الرعد:١٦]، ولفظ (شيء) نكرة في سياق الإثبات يفيد الإطلاق، وكل من ألفاظ العموم، أي: أن الله جل وعلا خلق كل شيء، ومن هذا الشيء فعل العبد من طاعة أو معصية. وقال الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات:٩٦]، وهذا تصريح بأن الله خلق أفعال العباد. وقال جل وعلا: ﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى﴾ [النجم:٤٣]، فالضحك والبكاء من خلق الله جل وعلا. هذا من الكتاب. أما من السنة فما رواه البخاري في خلق أفعال العباد عن عبد الله بن عمر ﵄، عن النبي ﷺ أنه قال: (إن الله خلق كل صانع وصنعته)، وفي حديث آخر قال: (كل شيء بقدر، حتى العجز والكيس)، ولذا قال البخاري: سكنات الإنسان، وحركاته، وأصواته، وحروفه، كلها مخلوقة لله جل وعلا، حتى قال: ووضع المرء يده على خده مخلوقة لله جل وعلا. هذا الدليل الأثري. أما من جهة النظر والعقل؛ فإن العقل الصحيح لا يخالف النص الصريح، فالعقل يدل على أن الله قد خلق فعل العبد، ففعل العبد صفة من صفات العبد، ودائماً نقول: الصفة تتبع الموصوف، فقولنا: محمد كريم، أي: الكرم صفة من صفات محمد، فلا يأتيه أحد إلا ويكرمه ويهش ويبش عند لقائه، إما أن يكرمه بكلمة طيبة أو بما عنده من علم ومال، ومحمد هذا مخلوق لله، فإذا كان الموصوف مخلوقاً لله فمن باب أولى الصفة التابعة للموصوف، فهي مخلوق لله، فالكرم الذي هو صفة تابعة للموصوف الذي هو محمد مخلوقة لله جل وعلا. إذاً: هذا فيه إثبات أن الله خلق كل أفعال العباد، حتى الفاحشة التي يفعلها العبد ويحاسب عليها خلقها الله، ويمدح الله جل وعلا أنه خلقها؛ لأن كل فعل ناتج عن الله كمال وجلال، فالشر والقبح والسوء ليست في فعل الله، حاشا لله، فهو ذو الجلال والكمال والإجلال.

стр. 342

أثر اعتقاد العبد بأن الله خلق أفعال العباد إذا علم العبد واعتقد في قلبه أن الله قد خلقه وخلق فعله من طاعة أو معصية، أثر ذلك فيه بأمور: أولاً: أن يعتقد العبد اعتقاداً جازماً أنه أفقر ما يكون إلى الله جل وعلا؛ لأن الله هو الذي خلقه وخلق فيه الخير والشر، وهيأ له سبب الخير والشر، فالعبد فقير بذاته إلى الله جل وعلا، فقير في أمر دينه إلى الله جل وعلا، فقير في أمر دنياه إلى الله جل وعلا، فهو فقير إلى أن يهتدي إلى الله جل وعلا، وأن يهديه إلى سواء السبيل وإلى الصراط المستقيم، فقير إلى أن يهديه إلى الإسلام ثم إلى الإيمان ثم إلى الإحسان، فقير إلى أن يهديه ثم يثبت الهدى فيه ثم يزيده هدى ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْواهُمْ﴾ [محمد:١٧]، فقير إلى الله جل وعلا أن يعصمه من مضلات الفتن، فقير إلى الله جل وعلا في هذه الأزمنة التي كثرت فيها الفتن أن يثبته على الحق المبين أمام فتن تجعل الحليم حيران، لا يمكن لعبد أن يثبت إلا أن يثبته الله جل وعلا. فإذا علم العبد أن الله هو الذي خلق التثبيت فيه، وخلق فيه الهداية، فإنه يستقم بذاته إلى الله جل وعلا، ويدعو الله متضرعاً متمسكناً خاضعاً ذليلاً له سبحانه حتى يثبته، ويعصمه من مضلات الفتن. إن العبد فقير إلى الله في رزقه وفي كل شئون دنياه، ففي الحديث: (إن روح القدس نفث في روعي أنه لا تموت نفس حتى تستوفي رزقها وأجلها، فاتقوا الله وأجملوا في الطلب)، فهو فقير إلى الله حتى يستجلب الرزق الذي يكون له قوتاً وكفافاً، وإن زيد له فيتصدق به، كما قال النبي ﷺ في السنن: (قد أفلح من أسلم، وكان رزقه كفافاً أو قوتاً، وقنعه الله بما أتاه)، فهو فقير إلى ربه أن يقنعه بما آتاه، فلا ينظر إلى غيره فيحقد عليه أو يحسده، وفقير إلى الله بأن يكون رزقه مالاً حلالاً ليس فيه سحتاً؛ حتى لا يأكل حراماً فيرفع يده إلى الله فيرد خائباً، مأزوراً غير مأجور، وفي الحديث: (إن الله طيب لا يقبل إلا طيباً)، فهو فقير إلى الله في كل أحواله، فإذا علم العبد أن الله خلق فيه أفعاله فهو فقير إلى ربه أن يجعل كل فعله رضاً لربه جل وعلا، كما قيل: إذا أردت أن تعلم مكانتك عند الله جل وعلا فانظر أين أقامك؟ فهو الذي يقيمك سبحانه. ثانياً: إذا علمت أن الله جل وعلا هو الذي خلق فعلك فلا يمكن أن يدخل العز إلى قلبك بعمل الطاعة، ولا يمكن أن تمن على ربك بطاعتك أبداً، ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنِ اللَّهِ﴾ [النحل:٥٣]، فإن كنت قائماً بالليل فالله هو الذي أقامك، وأثمر في قلبك أن تقوم خاشعاً متذللاً ذاكراً إياه، وهو الذي خلق ذلك فيك فلا تمن عليه؛ لأنك تعلم أن الطاعة التي تقيمها هو الذي خلقها فيك، وأودع في قلبك أن تهتم برضا ربك جل وعلا، فلا يمكن لك أن تمن على الله بجهاد في سبيله، لأنك -ووالله الذي لا إله إلا هو- ما وضعت نفسك في ساحة الوغى، بل إن الله جل وعلا هو الذي أوضعك، وما دمت قائماً بالليل فإن الله جل وعلا هو الذي أقامك، وما جلست في درس علم تتعلم ما ينفعك وتكون من خيرة الناس كما بين النبي ﷺ (خيرة الناس هم العلماء، وطلبة العلم)، فما كنت في هذا المجلس إلا بالله جل وعلا، فهو الذي وضعك، فلا تمن على ربك إن علمت أن الخير كله بيد الله ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنِ اللَّهِ﴾ [النحل:٥٣]، فالله جل وعلا هو الذي خلق فيك هذه الطاعة فاشكر ربك ولا تمن عليه. ثالثاً: إذا علمت بأن الله جل وعلا هو الذي خلق فيك الخير والشر فإنك ستدعوه ليل نهار وتذكره ليل نهار، متضرعاً بأن يعصمك من مضلات الفتن. إن أهل البدعة لا يريدون أن يتركوا أهل السنة ينعمون بعقيدتهم، ويعتقدون في ربهم أنه هو الذي خلق فيهم هذه الطاعة، ووفقهم إلى هذا الخير حتى لا يمنون على الله بإسلامهم كما قال تعالى: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلإِيمَانِ﴾ [الحجرات:١٧]؟

стр. 343

أدلة القائلين بأن الله لم يخلق أفعال العباد والرد عليهم جاءت المعتزلة أهل التجهم والجبرية فردوا على الله ما أثبته في كتابه، وردوا على أهل السنة والجماعة اعتقادهم بأن الله هو الذي خلق فيهم هذه الأفعال، وقالوا: العبد خلق فعل نفسه، والطائع هو الذي أطاع الله، ولولا أنه أطاع الله ما أطيع الله جل وعلا، والعبد الذي يتصدق إنما يتصدق بنفسه أما الله فلم يوفقه لذلك، ولذلك كانت الجنة لنا أجرة وثمناً على أعمالنا، وعندنا على ذلك أدلة من الكتاب والسنة فمن الكتاب قول الله تعالى: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ [المؤمنون:١٤]، فأثبت أن هناك خالقاً غير الله جل وعلا، وهم العباد الذين خلقوا أفعال أنفسهم، ثم قالوا -تعالى الله جل وعلا عما يقولون علواً كبيراً-: إن الله جل وعلا جعل الجنة أجرة وثمناً للعمل، كما قال الله تعالى: ﴿جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة:١٧]، فإذا صلى وصام كانت أجرته الجنة، وقال جل وعلا: ﴿وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف:٤٣]. والرد عليهم أن يقال لهم: إن أدلتكم هذه أوهى من بيت العنكبوت، وسوف نثبت لكم بالأدلة على أن الله جل وعلا خلق أفعال العباد، والله إذا قال صدق ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا﴾ [النساء:١٢٢]، فقد أثبت في كتابه أنه خلق أفعال العباد، وأثبت في سنة نبيه أنه خلق أفعال العباد، وأنتم قد نسيتم ما أثبته الله جل وعلا فاجترأتم على ربكم فوقعتم في المحظور الذي قاله الله تعالى عنه: ﴿وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:١٦٩] أما الأدلة على أن الله خلق أفعال العباد فهي: قول الله تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الرعد:١٦]، ومن هذا الشيء فعل العبد، وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات:٩٦]. والنبي ﷺ يقول: (إن الله خلق كل صانع وصنعته)، فقد أثبت الله الخلق لنفسه، وأثبته له رسوله، وأجمعت الصحابة على ذلك، وأنتم خالفتم ظاهر الكتاب والسنة، وأيضاً إجماع الصحابة.

стр. 344

الرد على استدلالهم بقوله تعالى: (فتبارك الله أحسن الخالقين) استدلالهم بقوله تعالى: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ [المؤمنون:١٤]، مردود لأن الخلق يأتي على ثلاثة معاني: المعنى الأول: التقدير، بمعنى أن كل ما خلقه الله قدره، والله جل وعلا إذا قدر خلق، ولذلك قال الله تعالى: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ [المؤمنون:١٤]، ثم إن من الممكن أن يكون التقدير بمعنى الدراسة، والتي يسمونها دراسة جدوى. فأنت تقدر الشيء، وتحسب أن هذه تكون لها كذا، والمقدمة تكون كذا، والنتيجة تكون كذا، تقدر هذا كتابة، فهذه دراسة جدوى. الله جل وعلا يقدر وهو أحسن المقدرين؛ لأن الله إذا قدر شيئاً أخرجه لحيز الوجود لأنه قادر ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس:٨٢]، أما العباد فقد يقدرون ويخططون لكنهم لا يستطيعون التنفيذ، ولذلك قال: (لأنت تفري ما خلقت) يعني: تخرجه لحيز الوجود، والبعض يخلق ولا يفري، يعني: يقدر ولا يخرج ما قدره إلى حيز الوجود. هذا المعنى الأول. إذاً: نرد عليهم بأن معنى: أحسن الخالقين أي: أحسن المقدرين. والمعنى الثاني: الإيجاد من العدم، وهذا ينفرد به الله جل وعلا، ولا يشترك فيه مع الله أحد، قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الرعد:١٦]، أي: أوجدهم من عدم ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الإِنسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا﴾ [الإنسان:١]، فالله جل وعلا هو الذي خلقه من عدم. المعنى الثالث: التحويل من صورة إلى صورة، بمعنى: أنه إذا كانت الصورة خشبة فتحول إلى باب، وهذه يشترك فيها البشر، فيسمى المحول خالقاً لهذا الباب، وكذلك الحديد لو حول إلى سيارة، فهل هذا الخشب أو الحديد أنزله البشر من السماء؟ الجواب لا. فالنعمة تنسب إلى مسديها، وعلى هذا نقول: خلق الله العقل الذي فكر بالتحويل ثم هيأ له سبب ذلك، فوفقه إلى تحويل الحديد إلى سيارة. إذاً: الرد على استدلالهم بالآية الأولى: أن المقصود بمعنى الخلق في هذه الآية: التقدير، وأن الله أحسن المقدرين؛ لأنه الذي يخرج ما قدره إلى حيز الوجود، أو التحويل من صورة إلى صورة، ونحن لا ننكر أن البشر يحولون من صورة إلى صورة، وهذا من الإنصاف والعدل، فالله سماهم بالخالقين؛ لأنهم حولوا من صورة إلى صورة.

стр. 345

الرد على قولهم بأن الجنة ثمن للعمل أما الدليل الثاني الذي استدلوا به وأن الجنة تعتبر ثمناً لأعمالهم، وأن الذي يصلي ثمنه وأجرته الجنة، فنقول: لو أن الله عذب أهل السموات والأرض الطائع، والصالح، والفاسق، والفاجر، والكافر لما كان ظالماً، فهو يفعل فيهم ما يشاء ﴿لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء:٢٣]، والجنة ليست ثمناً للعمل، ودليل ذلك قوله رسول الله ﷺ : (لن يدخل أحد منكم الجنة بعمله، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟! قال: ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته) لكن العمل سبب في الوصول إلى رحمة الله ودخول الجنة، وليس ثمناً لها.

стр. 346

الأدلة على إثبات مشيئة العبد إذا كان الله خلق أفعال العباد، وهو الذي خلق فيهم الطاعة، وخلق فيهم المعصية، فأين العبد، وأين فعل العبد؟ فهل للعبد أن يقول: يا رب أنا عصيت، وأنت الذي خلقت في المعصية، أو يقول: يا رب أنت قدرت عليّ المعصية والسرقة، وخلقت في وازع المعصية؟ فهل للإنسان أن يفعل ذلك ويحتج بالقدر، أو هل ينسب للإنسان فعله حقيقة فيثاب عليه أو يعاقب، أم ينسب إليه مجازاً؟ الجواب ليس للإنسان أن يفعل المعصية، ويحتج بالقدر، ففعله ينسب إليه حقيقة، فيثاب على الطاعة، ويعاقب على المعصية. والأدلة على هذا نقلية وعقلية، أما النقلية فالله جل وعلا بين أن للعبد مشيئة، وإرادة، واختياراً، وعملاً، قال الله تعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ [البقرة:٢٨٦]، فجعل الكسب لهم، وأيضاً قال الله تعالى: ﴿تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف:٤٣]، فنسب العمل لهم، وقال جل علا: ﴿أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة:٢٧٧]، فهم الذين فعلوا ذلك، وأقاموا الصلاة وأتوا الزكاة، وأيضاً قال جل وعلا: ﴿فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ﴾ [المدثر:٥٥]، فجعل لهم مشيئة وإرادة، وقال الله تعالى: ﴿مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الآخِرَةَ﴾ [آل عمران:١٥٢]، فأثبت لهم إرادة، وقال جل وعلا: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ﴾ [الإسراء:١٨]، وقال جل وعلا أيضاً في المشيئة التي هي مقاربة للإرادة: ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف:٢٩]، وقال تعالى: ﴿أَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾ [فصلت:١٧] باختيارهم. فهذه أدلة متوافرة متواترة في كتاب الله على أن للعبد عملاً، وكسباً، وإرادة، واختياراً، ومشيئة. أما من السنة فقد أثبت النبي ﷺ للعبد إرادة واختياراً وفعلاً، فقال الله ﷺ (يا معشر الشباب! من استطاع منكم الباءة فليتزوج)، فأضاف التزوج للعبد، فهذا فعل من أفعال العبد، وقال أيضاً رسول الله ﷺ : (الصلاة خير موضوع فليكثر من ذلك عبد أو يستقل)، فجعل الإكثار من فعل الطاعات أو الإقلال منها من فعل العبد، وأيضاً قال لمولاه الذي قال له: أسألك مرافقتك في الجنة: (أعني على نفسك بكثرة السجود) فكل هذه أدلة من السنة على أن العبد فاعل مريد مختار له مشيئة وإرادة خاصة به. أما الدليل النظري العقلي فإن الله قد كلف عباده بتكاليف، وجعل الثواب لمن فعل هذه التكاليف، والعقاب لمن لم يفعلها، فبالعقل نقول: الثواب والعقاب مقابل عمل، وإرادة، واختيار، وإلا فلو قلنا: إن الله جل وعلا يثيب أو يعاقب على ما لا يفعل العبد فهذا ظلم، والله جل وعلا منزه عن الظلم ﴿وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف:٤٩]، (يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي، وجعلته بينكم محرماً) إذا: الله جل وعلا جعل للعبد اختيار الفعل، وجعل له في النهاية ثواباً وعقاباً على فعله، ولو كان الثواب أو العقاب على غير الفعل كان ذلك ظلماً، والله منزه عن كل نقص أو ظلم.

стр. 347

الجمع بين مشيئة الله ومشيئة العبد إذا قلنا: إن الله هو الذي خلق فعل العبد، وإن العبد له فعل خاص به، وله اختيار، فكيف نجمع بينهما؟ يعني: إذا صليت أنت الظهر فإن الله خلق فيك وازعاً وإرادة لصلاة الظهر، ثم إنك أنت الذي صليت الظهر، فالفعل ينسب إليك. والجمع بين هذا وذاك أن الفعل ينسب إلى الله جل وعلا خلقاً وإيجاداً، وينسب إلى العبد فعلاً واكتساباً، بمعنى: أن الله جل وعلا هو الذي خلق فيك إرادة الصلاة، ووفقك لوقت الصلاة، وهيأ لك كل أسباب الصلاة لتصلي، وأنت الذي صليت، فنسبت الصلاة إليك كفعل واكتساب، والله جل وعلا هو الذي خلق ذلك فيك من عدم، وقديماً قالوا: العبد فاعل منفعل. ومعنى: العبد فاعل أنه هو الذي يتدبر، ويجاهد، ويطلب العلم، ويصلي، ويتزوج، ويزني، ويسرق، ويغتاب، وينم. ومعنى: العبد منفعل أن الله جل وعلا هو الذي خلق فيه إرادة الصلاة، وطلب العلم، والزكاة، والجهاد، وعلم منه سابقاً عدم حب الهدى، فخلق فيه إرادة الزنا، والسرقة، وفعل الفاحشة، والغيبة، والنميمة، وفتح له هذه الأبواب، وأغلق عليه أبواب الخير كلها. إذاً: العبد فاعل حقيقة، ومنفعل، أي: خلق الله فيه إرادة هذا الفعل، فالفعل لا ينسب إلى الله على أنه فعله، وإنما أثر من فعله، فالزنا والسرقة مثلاً بالنسبة لله تسمى مفعولات وآثاراً، لكن بالنسبة للعبد تسمى فعلاً، فالصلاة، والصيام، والصدقة، والزنا، والسرقة، والغيبة، والنميمة، تسمى بالنسبة للعبد فعلاً، وبالنسبة لله جل وعلا مفعولات، وتنسب للعبد لأنه فاعل مكتسب، ولله جل وعلا لأنه الخالق الموجد. فالفعل خلق لله، والعبد فاعل، فهو أثر الله، والمفعول غير الفاعل، فإذا قلت: خلق الله الزنا، فبالنسبة له هو خلق يحمد عليه؛ لأنه كمال وجلال، ولأنه فعله لحكمة عظيمة، أما الزاني والفعل فهو مفعول وأثر لخلق الله جل وعلا وليس فعلاً له، بل فعل للعبد حقيقة، وهذا كقول الله تعالى: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ * مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ [النساء:٧٨ - ٧٩]، ففي الآية الأولى قال: ﴿قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [النساء:٧٨]، فلم يفرق بين الحسنة والسيئة، وفي الآية الثانية أعاد التفريق فقال: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ [النساء:٧٩]. وقوله: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ﴾ [النحل:٥٣]، أي: أن أي نعمة أنت تنعم بها من طاعة أو حسنة فمن الله، وقوله: ﴿وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ [النساء:٧٩]، فهذا من مفعولات الله. ولذلك قال ابن عباس في قوله تعالى: ((وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ))، قال: كتبها وقدرها عليك وعلمها قبل أن توجد بخمسين ألف عام، فيعلم أنك ستقترف السوء، ثم تأتيك البلية بسبب هذا السوء، ولذلك يقال: ما نزل بلاء إلا بذنب، وما رفع إلا بتوبة. فكيف الجمع بين هذا وبين حديث النبي ﷺ (أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل)، وحديث: (والشر ليس إليك)، فهل قضاء الله شر، وهل ينسب الشر إلى الله جل وعلا مع أنه خلقه أم لا؟ الجواب هو أن الفرق بين الإرادة الكونية والشرعية أن الكونية فيما يحبه الله وما لا يحبه، وأنه سيقع حتماً لا محالة، والشرعية خاصة فيما يحبه الله، وقد يقع وقد لا يقع، كما في قوله تعالى: ((وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ))، فالسيئة لا تنسب إلى الله؛ لأنه لا يحبها، وقد تلتقي المحبة مع القضاء الكوني، فإيمان أبي جهل يحبه الله شرعاً، ولا يحبه كوناً.

стр. 348

أثر علم العبد بأنه فاعل الطاعات والمعاصي على إيمانه وعبوديته إذا علم العبد أنه هو الفاعل حقيقة للطاعات أو المعاصي كان لذلك العلم آثاراً في إيمانه وعبادته وهي كالتالي: أولاً: إذا علم ذلك فإنه لا يمكن له أن يحتج بالقدر على المعائب، فإذا عصى الله لن يقول: قدر الله علي، أو كتبه عليّ قبل أن يخلقني بخمسين ألف عام، فالقدر لا يحتج به على المعائب ولا على المعاصي. ثانياً: إذا علم أنه فاعل ومريد فلا بد أن يحترز من كل معصية وخطأ وزلل، وكلما نزلت عليه فتنة قال: هذه مهلكتي حتى ينقذه الله منها، ويسارع في الخيرات، ولسان حاله يقول: ﴿وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى﴾ [طه:٨٤] فلعل الله يرضى عنه.

стр. 349

إبطال عقيدة أهل الجبر أما أهل البدعة من الجبرية فقد قالوا بالجبر، وقالوا: العبد فاعل مجازاً لا حقيقة، وكل هذه الآيات والأحاديث لا تدل على أن العبد فعل الفعل، بل مجبور، وإبليس لم يسجد طاعة لله، ولم يجبره الله على ذلك، وجبريل سجد طاعة لله؛ لأن الله أجبره على ذلك، فإبليس وجبريل سواء عند هؤلاء البله السفهاء. ثم قالوا: العبد ليس بفاعل حقيقة، وعندنا على ذلك أدلة كثيرة: أولاً: قال الله تعالى: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ [الأنفال:١٧]، فقد نفى الله الرمي عن العبد ونسبه له. ثم استدلوا بحديث (لن يدخل الجنة أحدكم بعمله) على أنه لا اعتبار لفعل العبد؛ لأنه مجبور على فعله. فعندما يشرب أحدهم الخمر، إذا قيل له: اتقي الله، فقد لعن الرسول في الخمر عشرة فيقول: هذا ما قدره الله عليّ، وقد ذكر أن رجلاً قدرياً دخل على امرأته فوجد عليها رجلاً آخر فقال: هكذا تفعلين؟ فقالت: اسكت! قدر الله عليَّ هذا، فقال: نعم قدر الله عليك هذا! فتركها تفعل ما تشاء، وهذا فعل لا يقبله مجنون. ولما جاء سارق إلى عمر بن الخطاب قال: مهلاً يا أمير المؤمنين! والله! ما سرقت إلا بقدر الله. فقال: وأنا أقطع يدك بقدر الله. وهكذا فهم يحتجون بالقدر، والرد عليهم يكون كالتالي: أولاً: أن الله أثبت أن العبد قادر، وله مشيئة وإرادة واختيار، وذلك في الكتاب والسنة والنظر، وقد سبق ذكر ذلك تحت عنوان الأدلة على إثبات مشيئة العبد. أما آية: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ [الأنفال:١٧]، فقد نفى الله فيها الرمي ((وَمَا رَمَيْتَ))، ثم أثبته مرة ثانية فقال: ((إِذْ رَمَيْتَ))، يعني: أنت رميت ((وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى))، فالله تعالى أثبت له الرمي ولكن هناك شيء بعد الرمي ومتعلق به، وهو الإصابة والتسديد والتوفيق، فمهما ترمي يجوز أن تقع في عينه لكن لا تفقأ عينه إلا أن يقدر الله. فالنبي ﷺ أخذ التراب ورماه، وقال: (شاهت الوجوه) وليس يمكن أن تصل إلى الوجوه، فهذه حفنة من التراب رماها في وجوه هؤلاء الكفرة ولا يمكن أن تصل إليهم بهذه الدفعة البسيطة، ولكنها بتوفيق من الله أصابتهم، ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾. يصدق ذلك حديث النبي ﷺ (بك أصول، وبك أجول، وبك أقاتل)، أي: أنت الذي تسبب وتوفق. فدليلهم باطل، ولازم دليلهم أيضاً باطل، ولو قلنا بقولكم وهو نفي الفعل حقيقة فسوف نقول: وما زنيت إذ زنيت. ولكن حاشا لله، وما تركت إذ تركت. ولكن حاشا لله، وما ضربت إذ ضربت. ولكن حاشا لله، وسوف تتهموا الله جل وعلا وترموه بالعظائم حاشا لله، فلا بد أن نقول: إن المنفي هنا هو التسديد والتوفيق. وأما استدلالهم بحديث (لن يدخل الجنة أحد بعمله)، على أن العمل ليس له أي اعتبار عند الله، فدل هذا على أن هذا الفاعل فاعل مجازاً لا حقيقة؛ لأن العمل ليس عليه ثواب ولا عقاب، فيدخل الله من يشاء الجنة، ومن يشاء النار. فالجواب عليه بأن المنفي هنا هو أن يكون العمل ثمناً لدخول الجنة، فالعمل إنما هو سبب في وصول الرحمة إلى العبد، والعمل إنما هو من أجل التفاوت في الدرجات في الجنة، فهذا شهيد وهذا عالم، ولكل واحد منهم درجة معينة. ولذلك قال: ((أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ))، أي: بسبب أنكم فعلتم الخير وصلت إليكم الرحمة، ودخلتم الجنة. أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.

стр. 350

شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة - الاحتجاج بالقدر إن المؤمن حق الإيمان عندما يعرف أن الله خالق لأفعاله يترسخ في عقله وقلبه عظمة الله والخوف منه وعدم الأمن من مكره، ولا يصح للمؤمن بحال من الأحوال أن يحتج بالقدر على أفعاله إلا في حالات ذكرها أهل العلم استنباطاً من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ .

стр. 351

أثر معرفة المؤمن أن الله خالق أفعال العباد إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * -ُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١] أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. ثم أما بعد: فما زلنا مع أقوال أهل العلم في القدر والرد على أهل البدع من القدرية والجبرية. إن معرفة المؤمن بأن الله جل وعلا قد خلق أفعال العباد له أثر في عقيدة المؤمن، فإذا علم أن الله هو الذي خلق فيه الطاعة وهمة الطاعة وإرادة الطاعة، علم أنه فقير لذات الله جل وعلا، فيتذلل ويتمسكن لله حتى يوفقه إلى الطاعة هذا أولاً. ثانياً: إذا علم العبد أن الله هو الذي وفقه للطاعة فلا يمنن بطاعته على ربه؛ لأن المنة كلها لله، قال تعالى: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنِ اللَّهِ﴾ [النحل:٥٣] فلا يمن العبد على الله جل وعلا بطاعته. ثالثاً: لا يأمن العبد على نفسه من مكر الله. كما قال أبو بكر -وهذه فطنة وفقه عالٍ- منه ﵁: (والله! لو أن إحدى قدمي في الجنة والأخرى خارجها ما أمنت مكر الله. لو أن العبد طائع لله جل وعلا منفق مستغفر مجاهد، والله جل وعلا يرى من قلبه عدم الإخلاص، ختم له بعمل غير عمل أهل الخير، كما حدث مع الرجل الذي جاهد وقاتل حتى حسبه الصحابة أنه من أهل الجنة، فقال لهم النبي ﷺ : (هو من أهل النار)، قال تعالى: ﴿أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [الأعراف:٩٩]. أما حديث النبي ﷺ : (كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه)، فوجه الشاهد على القدر في الحديث (فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه)، وفيه رد على الجبرية الذين قالوا: ليس للعبد اختيار. والقدرية تخالف الجبرية، فيقولون: إن العبد هو خالق فعل نفسه.

стр. 352

إبطال الجبرية للشرع بالاحتجاج بالقدر والجبرية هم الذين أبطلوا الشرع بالاحتجاج بالقدر، فأبطلوا الأمر والنهي والحكمة والتعليم بالقدر، فلا يوجد عندهم شيء اسمه أمر، ولا يوجد شيء اسمه نهي، فاحتجوا بقدرالله وقالو: إن الله جل وعلا سير العبد بأفعاله، وقد وصف الله لنا حالهم، فقال عز من قائل: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلا آبَاؤُنَا وَلا حَرَّمْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [النحل:٣٥]. فرد الله عليهم برد قاطع في قوله: ﴿كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ [النحل:٣٥]، أي الكفار أمثالهم ﴿فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ﴾ [النحل:٣٥]. وهنا محل الرد ﴿فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ﴾ أي: أرسلنا الرسل بإقامة الحجة عليهم، ولقطع حجتهم ودحر شبهتهم؛ لأن الرسل جاءوا ليبينوا للمرء طريق الخير وطريق الشر، بل ويبين كل رسول لأمته بأن كل فرد منها مكلف وله اختيار وله إرادة، ألم تر أن الله جل وعلا قال: ﴿وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصَارًا وَأَفْئِدَةً﴾ [الأحقاف:٢٦]؟ آلات للتحرك والاختيار وللإرادة، ليفعلوا الفعل بإرادتهم واختيارهم، فالعبد لا يلومن إلا نفسه كما قال رسول الله ﷺ (فمن وجد خيراً فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه). وقال الله عنهم: ﴿وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا﴾ [الأعراف:٢٨]. وفي قولهم هذا فحش وتجبر وتجاسر وتجرؤ على الله لأنهم زعموا أن الله أمرهم بهذا الفعل، وأجبرهم عليه، فقالوا: نحن نسير على وفق ما أمرنا به. فرد الله عليهم: ﴿قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ﴾ [الأعراف:٢٩]، ﴿أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف:٢٨]. أي: الله جل وعلا لم يأمركم بأن تفعلوا الفاحشة، بل أمركم أن تفعلوا الخير وتتركوا الفاحشة. ثم قالوا: لم يشأ الله أن يهدينا، فقال الله تعالى: ﴿قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الأنعام:١٤٩]. أي: الله جل وعلا له الحجة البالغة، لأنه أخذ عليهم الميثاق وقال: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا﴾ [الأعراف:١٧٢]، وشهدوا بذلك ثم أرسل الرسل ليذكرهم بهذا المقال، وقطع بذلك حجتهم، قال الله تعالى: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء:١٦٥]، أي: بعد تبليغ هذه الرسالة. وقوله تعالى: ﴿فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ﴾ [الأنعام:١٤٩]. أي: له الحجة البالغة عليهم بأن قطع حجتهم، وجعلهم مكلفين، وجعلهم مختارين، وجعل لهم إرادة، وجعل لهم السمع والبصر والأفئدة التي تثبت الإرادة. واحتجوا أيضاً بحديث احتجاج آدم وموسى وهو قوله ﷺ : (التقى موسى ﵇ بآدم في دار الآخرة، فقال: موسى لآدم أنت آدم خلقك الله بيده ونفخ فيك من روحه، أخرجتنا ونفسك من الجنة -وفي رواية أخرى: خيبتنا، يعني: بإخراجك إيانا من الجنة- فقال آدم: أنت موسى اصطفاك الله برسالاته وبكلامه، وخط لك التوراة بيده، تلومني على أمر قد كتبه الله علي قبل أن يخلق الخلق بخمسين ألف سنة، فقال النبي ﷺ -مبيناً الترجيح بين الاحتجاجين-: فحاج آدم موسى -وفي رواية أخرى- قال: ألم تقرأ في التوراة: ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى﴾ [طه:١٢١]؟ قال: نعم، قال: وخط الله التوراة قبل أن يخلق الخلق بخمسين ألف سنة، فأقر موسى بذلك) هذا الحديث التي تعلق به الجبرية، وقالوا: هذا أبو البشر أرفع الناس منزلة في وقته وهو أول نبي من الأنبياء يحتج على المعصية بالقدر، يقول لموسى الله جل وعلا قدر علي أنني سأعصي قبل أن يخلقني بخمسين ألف سنة، فاحتج على ذلك بقدر الله جل وعلا. وكانت إجابة آدم احتجاجاً بالقدر، والنبي ﷺ قال: (حاج آدم موسى) يعني: الحجة كانت مع آدم على موسى لما احتج بالقدر، وهذا ضلال مبين، وفهم سقيم من الجبرية، حيث فهموا أن آدم احتج بالقدر بأن الله قدر عليه ذلك ولا بد أن يقع فيه، فنقول: حاشا لله أن يكون هذا النبي الكريم -الذي خلقه الله بيده وأكرمه بسجود الملائكة له- يحتج بالقدر، وقد امتلأ القرآن بالآيات الدالة على أن الله جل وعلا تاب على آدم بعد أن تاب من الذنب، وهو لم يحتج بالقدر على الله، بل أقر بالذنب واستغفر، وقال: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الأعراف:٢٣]. فأقر هو وحواء بالذنب أمام الله جل وعلا، وقالا: ((رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا))، فلم يحتجا بالقدر على هذه المعصية.

стр. 353

ردود أهل السنة على الجبرية في فهمهم لحديث احتجاج آدم وموسى اختلفت أقوال أهل العلم في معنى هذا الحديث على أربعة أقوال أو أكثر: القول الأول: قالوا: (فحاج آدم موسى) الحجة هنا حجة الأبوة؛ لأن آدم هو أب لموسى، والأب مع بنيه تكون الحجة دائماً مع الأب لأنه الأكبر. ورد أهل السنة على هذا القول بأنه باطل مردود، فمنزلة الأبوة والبنوة لا تقلب الحق باطلاً ولا الصواب خطأ أو الخطأ صواباً، بل إن إبراهيم كان في منزلة البنوة وأبوه في منزلة الأبوة وكانت الحجة لإبراهيم في قوله: ﴿يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا﴾ [مريم:٤٣]. فكانت الحجة مع إبراهيم ﵇ على أبيه، فمنزلة الأبوة والبنوة لا تقلب الحق باطلاً ولا الخطأ صواباً. والرد الثاني على أقوالهم الباطلة والتي قالوا فيها: إن آدم احتج في هذا الحديث بالقدر على موسى؛ لأن موسى لامه على الذنب الذي وقع فيه، وآدم قد تاب من هذا الذنب، وإذا عير أحد بذنب قد تاب منه تكون الحجة معه؛ لأن (التائب من الذنب كمن لا ذنب له) كما بين النبي ﷺ ، وبينت الآيات أن الذي يتوب يتوب الله عليه، فنقول هذا الرأي وإن كان أوجه من الأول لكنه باطل مردود من وجهين: الوجه الأول: لو كانت هذه هي حجة آدم لصرح بها لموسى، يعني لقال لموسى: كيف تلومني على ذنب قد تاب الله علي منه؟ ولم يقل آدم ذلك، فإن لم يقل آدم هذا بان لنا أن هذه ليست بجحة آدم. الوجه الثاني في الرد على هذا التأويل: أن موسى ﵇ لا يظن به أنه يعير أحداً بالذنب ويخفى عليه أن التائب من الذنب كمن لا ذنب له، فهذا قدح في مقدار موسى ﵇ أن يعير أحداً بذنب قد تاب منه. أما الإجابة الثالثة لأهل السنة والجماعة قالوا: حجة آدم أن موسى عيره في الدار الآخرة، وهي دار غير دار التكليف، لا يلام فيه المرء.

стр. 354

الحالات التي يصح للمرء أن يحتج فيها بالقدر يصح للمرء أن يحتج بالقدر في أربع حالات: الأولى: عند المصائب، قال الله تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ﴾ [التغابن:١١]. يعني: يؤمن أنها بقدر الله، فيقول قدر الله علي ذلك، ويهتدي إلى هذا. ومن يؤمن بالله ويؤمن أن هذه المصيبة وقعت عليه وأنها بلاء من الله جل وعلا قال تعالى عنه: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ [التغابن:١١]. أي: يجعل قلبه مستسلماً لله جل وعلا ويعمره بالإيمان، إذاً احتجاج بالقدر على المصائب. الثانية: يحتج بالقدر على الذنب إن تائب منه، فإن تاب يحتج بالقدر؛ لأن المرء دائر بين عينين: عين القدر وعين الشرع، فإن تاب من الذنب فهذا مأمور به شرعاً، ثم ينظر بعين القدر فيقول: الله جل وعلا قدر علي هذه المعصية ثم تاب علي بفضل منه ونعمة، فالله إن لم يوفقني لترك تلك المعصية فقد ختم لي بهذا العمل، فيشتد عبادة لله جل وعلا، وينظر أيضاً لحكمة الله أنه أنزل به هذا البلاء من فعله للذنب لينكسر أمام الله جل وعلا؛ لأنه إذا لم يفعل هذا الذنب قد يعجب بنفسه، وإذا عجب المرء بنفسه ووصل العجب إلى قلبه لم يدخل الجنة، كما قال النبي ﷺ : (لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر). الحالة الثالثة: أن تقع الخطيئة منه بغير إرادته، والدليل على أن المرء قد يقع في الخطأ دون إرادته: قتل موسى ﵇ للقبطي، وقد قال بعد أن قتل ﴿قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾ [القصص:١٥]. فهو لم يحتج بالقدر لكن له أنه يحتج به. ودليل ذلك من السنة: أن النبي ﷺ لما سافر في الوادي نام، ونام الصحابة وكلفوا بلالاً أن يوقظهم، فغلبه النوم قدراً من الله جل وعلا لحكمة بليغة؛ وهي أن يبين للناس كيف يقضون الصلاة، فنام بلال ونام رسول الله ﷺ وأصحابه، فقال النبي ﷺ : (أرواحنا بيد الله يقبضها وقت يشاء، ويرسلها ويبعثها وقت يشاء) فاحتج النبي ﷺ هنا بالقدر على ترك صلاة الجماعة وهو خطيئة، وإن كان بسبب، فله أن يحتج بالقدر؛ لأن النبي ﷺ قال: (ليس في النوم تفريط) لكن ليس أي نوم، فلا يأتي شخص طيلة الليل إما سهران يتكلم مع امرأته في سمر لا فائدة منه، أو يقرأ كتاب قصص أو ملاهي، أو يلهو بالتلفون مع أخيه فيما لا مصلحة فيه، فيسمر بعد العشاء حتى يصل إلى منتصف الليل، ثم ينام حتى يصبح والشمس قد أشرقت، فهذا عاصٍ لله جل وعلا، ويخشى عليه. وهناك قصة وقعت أيضاً بين الصحابة في نفس الأمر، فقد (طرق النبي ﷺ علياً وفاطمة بالليل -والطروق هو الإتيان بالليل- ثم قال: ألا تصليان من الليل؟! فقام علي بن أبي طالب فقال: يا رسول الله! أرواحنا بيد الله يبعثها وقت ما شاء ويقبضها وقت ما شاء، وما نصلي إلا الفرائض، فالنبي ﷺ ما تكلم معه، مع أنه احتج بالقدر أمامه، فضرب على فخذيه وقال: ﴿وَكَانَ الإِنسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا﴾ [الكهف:٥٤]). وهذا موطن من المواطن الذي يحتج فيه بالقدر. ومن المواطن أيضاً التي يحتج بها في القدر: إذا أخذ المرء بالأسباب، واستعان بالله، وحرص كل الحرص على ما ينفعه، ثم لم يصب الهدف، مثال ذلك: إذا كان لديه عمل معين، وهذا العمل يحتاج إلى أن يكون له سمات شخصية معينة ومهارة معينة، فاكتسب هذه المهارات والسمات الشخصية مثل العلم والحلم والصبر فتعلم هذه الصفات واكتسبها، ثم لما تقدم لهذا العمل لم يقبل، فهذا رجل له أن يحتج بالقدر، ودليل ذلك قول النبي ﷺ : (المؤمن القوي خير من المؤمن الضعيف وفي كل خير، احرص على ما ينفعك -يعني: خذ بالأسباب الصحيحة-واستعن بالله، ولا تعجز فإن أصابك شيء -بعد أن أخذت بالأسباب ولم يوجد منك تفريط- فلا تقل: لو أني فعلت كذا وكذا، فإن لو تفتح عمل الشيطان)، فللمرء أن يحتج بالقدر في هذه المواطن، فإذا حرص على ما ينفعه واستعان بالله جل وعلا وأخذ بكل الأسباب، ولم تصب معه فليقل: (قدر الله وما شاء فعل) فإذا قال ذلك: دخل الإيمان إلى قلبه، وكسب في الدنيا قبل أن يكسب في الآخرة.

стр. 355

القضاء الكوني والقضاء الشرعي القضاء قضاءان: قضاء كوني وقضاء شرعي، وضابط الفرق بين القضاء الكوني والشرعي، أن القضاء الكوني يكون فيما يحبه الله، وفيما لا يحبه. والضابط الثاني: أن القضاء الكوني لا بد أن يقع، قال تعالى: ﴿وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [البقرة:١١٧]. وضابط القضاء الشرعي: أولاً: أنه في ما يحبه الله خاصة. ثانياً: أنه قد يقع وقد لا يقع، قال الله تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء:٢٣].
следующие страницы →