Полный текст (838 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.
стр. 351
أثر معرفة المؤمن أن الله خالق أفعال العباد
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * -ُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١] أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
ثم أما بعد: فما زلنا مع أقوال أهل العلم في القدر والرد على أهل البدع من القدرية والجبرية.
إن معرفة المؤمن بأن الله جل وعلا قد خلق أفعال العباد له أثر في عقيدة المؤمن، فإذا علم أن الله هو الذي خلق فيه الطاعة وهمة الطاعة وإرادة الطاعة، علم أنه فقير لذات الله جل وعلا، فيتذلل ويتمسكن لله حتى يوفقه إلى الطاعة هذا أولاً.
ثانياً: إذا علم العبد أن الله هو الذي وفقه للطاعة فلا يمنن بطاعته على ربه؛ لأن المنة كلها لله، قال تعالى: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنِ اللَّهِ﴾ [النحل:٥٣] فلا يمن العبد على الله جل وعلا بطاعته.
ثالثاً: لا يأمن العبد على نفسه من مكر الله.
كما قال أبو بكر -وهذه فطنة وفقه عالٍ- منه ﵁: (والله! لو أن إحدى قدمي في الجنة والأخرى خارجها ما أمنت مكر الله.
لو أن العبد طائع لله جل وعلا منفق مستغفر مجاهد، والله جل وعلا يرى من قلبه عدم الإخلاص، ختم له بعمل غير عمل أهل الخير، كما حدث مع الرجل الذي جاهد وقاتل حتى حسبه الصحابة أنه من أهل الجنة، فقال لهم النبي ﷺ : (هو من أهل النار)، قال تعالى: ﴿أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [الأعراف:٩٩].
أما حديث النبي ﷺ : (كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه)، فوجه الشاهد على القدر في الحديث (فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه)، وفيه رد على الجبرية الذين قالوا: ليس للعبد اختيار.
والقدرية تخالف الجبرية، فيقولون: إن العبد هو خالق فعل نفسه.
стр. 352
إبطال الجبرية للشرع بالاحتجاج بالقدر
والجبرية هم الذين أبطلوا الشرع بالاحتجاج بالقدر، فأبطلوا الأمر والنهي والحكمة والتعليم بالقدر، فلا يوجد عندهم شيء اسمه أمر، ولا يوجد شيء اسمه نهي، فاحتجوا بقدرالله وقالو: إن الله جل وعلا سير العبد بأفعاله، وقد وصف الله لنا حالهم، فقال عز من قائل: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلا آبَاؤُنَا وَلا حَرَّمْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [النحل:٣٥].
فرد الله عليهم برد قاطع في قوله: ﴿كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ [النحل:٣٥]، أي الكفار أمثالهم ﴿فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ﴾ [النحل:٣٥].
وهنا محل الرد ﴿فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ﴾ أي: أرسلنا الرسل بإقامة الحجة عليهم، ولقطع حجتهم ودحر شبهتهم؛ لأن الرسل جاءوا ليبينوا للمرء طريق الخير وطريق الشر، بل ويبين كل رسول لأمته بأن كل فرد منها مكلف وله اختيار وله إرادة، ألم تر أن الله جل وعلا قال: ﴿وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصَارًا وَأَفْئِدَةً﴾ [الأحقاف:٢٦]؟ آلات للتحرك والاختيار وللإرادة، ليفعلوا الفعل بإرادتهم واختيارهم، فالعبد لا يلومن إلا نفسه كما قال رسول الله ﷺ (فمن وجد خيراً فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه).
وقال الله عنهم: ﴿وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا﴾ [الأعراف:٢٨].
وفي قولهم هذا فحش وتجبر وتجاسر وتجرؤ على الله لأنهم زعموا أن الله أمرهم بهذا الفعل، وأجبرهم عليه، فقالوا: نحن نسير على وفق ما أمرنا به.
فرد الله عليهم: ﴿قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ﴾ [الأعراف:٢٩]، ﴿أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف:٢٨].
أي: الله جل وعلا لم يأمركم بأن تفعلوا الفاحشة، بل أمركم أن تفعلوا الخير وتتركوا الفاحشة.
ثم قالوا: لم يشأ الله أن يهدينا، فقال الله تعالى: ﴿قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الأنعام:١٤٩].
أي: الله جل وعلا له الحجة البالغة، لأنه أخذ عليهم الميثاق وقال: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا﴾ [الأعراف:١٧٢]، وشهدوا بذلك ثم أرسل الرسل ليذكرهم بهذا المقال، وقطع بذلك حجتهم، قال الله تعالى: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء:١٦٥]، أي: بعد تبليغ هذه الرسالة.
وقوله تعالى: ﴿فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ﴾ [الأنعام:١٤٩].
أي: له الحجة البالغة عليهم بأن قطع حجتهم، وجعلهم مكلفين، وجعلهم مختارين، وجعل لهم إرادة، وجعل لهم السمع والبصر والأفئدة التي تثبت الإرادة.
واحتجوا أيضاً بحديث احتجاج آدم وموسى وهو قوله ﷺ : (التقى موسى ﵇ بآدم في دار الآخرة، فقال: موسى لآدم أنت آدم خلقك الله بيده ونفخ فيك من روحه، أخرجتنا ونفسك من الجنة -وفي رواية أخرى: خيبتنا، يعني: بإخراجك إيانا من الجنة- فقال آدم: أنت موسى اصطفاك الله برسالاته وبكلامه، وخط لك التوراة بيده، تلومني على أمر قد كتبه الله علي قبل أن يخلق الخلق بخمسين ألف سنة، فقال النبي ﷺ -مبيناً الترجيح بين الاحتجاجين-: فحاج آدم موسى -وفي رواية أخرى- قال: ألم تقرأ في التوراة: ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى﴾ [طه:١٢١]؟ قال: نعم، قال: وخط الله التوراة قبل أن يخلق الخلق بخمسين ألف سنة، فأقر موسى بذلك) هذا الحديث التي تعلق به الجبرية، وقالوا: هذا أبو البشر أرفع الناس منزلة في وقته وهو أول نبي من الأنبياء يحتج على المعصية بالقدر، يقول لموسى الله جل وعلا قدر علي أنني سأعصي قبل أن يخلقني بخمسين ألف سنة، فاحتج على ذلك بقدر الله جل وعلا.
وكانت إجابة آدم احتجاجاً بالقدر، والنبي ﷺ قال: (حاج آدم موسى) يعني: الحجة كانت مع آدم على موسى لما احتج بالقدر، وهذا ضلال مبين، وفهم سقيم من الجبرية، حيث فهموا أن آدم احتج بالقدر بأن الله قدر عليه ذلك ولا بد أن يقع فيه، فنقول: حاشا لله أن يكون هذا النبي الكريم -الذي خلقه الله بيده وأكرمه بسجود الملائكة له- يحتج بالقدر، وقد امتلأ القرآن بالآيات الدالة على أن الله جل وعلا تاب على آدم بعد أن تاب من الذنب، وهو لم يحتج بالقدر على الله، بل أقر بالذنب واستغفر، وقال: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الأعراف:٢٣].
فأقر هو وحواء بالذنب أمام الله جل وعلا، وقالا: ((رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا))، فلم يحتجا بالقدر على هذه المعصية.
стр. 353
ردود أهل السنة على الجبرية في فهمهم لحديث احتجاج آدم وموسى
اختلفت أقوال أهل العلم في معنى هذا الحديث على أربعة أقوال أو أكثر: القول الأول: قالوا: (فحاج آدم موسى) الحجة هنا حجة الأبوة؛ لأن آدم هو أب لموسى، والأب مع بنيه تكون الحجة دائماً مع الأب لأنه الأكبر.
ورد أهل السنة على هذا القول بأنه باطل مردود، فمنزلة الأبوة والبنوة لا تقلب الحق باطلاً ولا الصواب خطأ أو الخطأ صواباً، بل إن إبراهيم كان في منزلة البنوة وأبوه في منزلة الأبوة وكانت الحجة لإبراهيم في قوله: ﴿يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا﴾ [مريم:٤٣].
فكانت الحجة مع إبراهيم ﵇ على أبيه، فمنزلة الأبوة والبنوة لا تقلب الحق باطلاً ولا الخطأ صواباً.
والرد الثاني على أقوالهم الباطلة والتي قالوا فيها: إن آدم احتج في هذا الحديث بالقدر على موسى؛ لأن موسى لامه على الذنب الذي وقع فيه، وآدم قد تاب من هذا الذنب، وإذا عير أحد بذنب قد تاب منه تكون الحجة معه؛ لأن (التائب من الذنب كمن لا ذنب له) كما بين النبي ﷺ ، وبينت الآيات أن الذي يتوب يتوب الله عليه، فنقول هذا الرأي وإن كان أوجه من الأول لكنه باطل مردود من وجهين: الوجه الأول: لو كانت هذه هي حجة آدم لصرح بها لموسى، يعني لقال لموسى: كيف تلومني على ذنب قد تاب الله علي منه؟ ولم يقل آدم ذلك، فإن لم يقل آدم هذا بان لنا أن هذه ليست بجحة آدم.
الوجه الثاني في الرد على هذا التأويل: أن موسى ﵇ لا يظن به أنه يعير أحداً بالذنب ويخفى عليه أن التائب من الذنب كمن لا ذنب له، فهذا قدح في مقدار موسى ﵇ أن يعير أحداً بذنب قد تاب منه.
أما الإجابة الثالثة لأهل السنة والجماعة قالوا: حجة آدم أن موسى عيره في الدار الآخرة، وهي دار غير دار التكليف، لا يلام فيه المرء.
стр. 354
الحالات التي يصح للمرء أن يحتج فيها بالقدر
يصح للمرء أن يحتج بالقدر في أربع حالات: الأولى: عند المصائب، قال الله تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ﴾ [التغابن:١١].
يعني: يؤمن أنها بقدر الله، فيقول قدر الله علي ذلك، ويهتدي إلى هذا.
ومن يؤمن بالله ويؤمن أن هذه المصيبة وقعت عليه وأنها بلاء من الله جل وعلا قال تعالى عنه: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ [التغابن:١١].
أي: يجعل قلبه مستسلماً لله جل وعلا ويعمره بالإيمان، إذاً احتجاج بالقدر على المصائب.
الثانية: يحتج بالقدر على الذنب إن تائب منه، فإن تاب يحتج بالقدر؛ لأن المرء دائر بين عينين: عين القدر وعين الشرع، فإن تاب من الذنب فهذا مأمور به شرعاً، ثم ينظر بعين القدر فيقول: الله جل وعلا قدر علي هذه المعصية ثم تاب علي بفضل منه ونعمة، فالله إن لم يوفقني لترك تلك المعصية فقد ختم لي بهذا العمل، فيشتد عبادة لله جل وعلا، وينظر أيضاً لحكمة الله أنه أنزل به هذا البلاء من فعله للذنب لينكسر أمام الله جل وعلا؛ لأنه إذا لم يفعل هذا الذنب قد يعجب بنفسه، وإذا عجب المرء بنفسه ووصل العجب إلى قلبه لم يدخل الجنة، كما قال النبي ﷺ : (لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر).
الحالة الثالثة: أن تقع الخطيئة منه بغير إرادته، والدليل على أن المرء قد يقع في الخطأ دون إرادته: قتل موسى ﵇ للقبطي، وقد قال بعد أن قتل ﴿قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾ [القصص:١٥].
فهو لم يحتج بالقدر لكن له أنه يحتج به.
ودليل ذلك من السنة: أن النبي ﷺ لما سافر في الوادي نام، ونام الصحابة وكلفوا بلالاً أن يوقظهم، فغلبه النوم قدراً من الله جل وعلا لحكمة بليغة؛ وهي أن يبين للناس كيف يقضون الصلاة، فنام بلال ونام رسول الله ﷺ وأصحابه، فقال النبي ﷺ : (أرواحنا بيد الله يقبضها وقت يشاء، ويرسلها ويبعثها وقت يشاء) فاحتج النبي ﷺ هنا بالقدر على ترك صلاة الجماعة وهو خطيئة، وإن كان بسبب، فله أن يحتج بالقدر؛ لأن النبي ﷺ قال: (ليس في النوم تفريط) لكن ليس أي نوم، فلا يأتي شخص طيلة الليل إما سهران يتكلم مع امرأته في سمر لا فائدة منه، أو يقرأ كتاب قصص أو ملاهي، أو يلهو بالتلفون مع أخيه فيما لا مصلحة فيه، فيسمر بعد العشاء حتى يصل إلى منتصف الليل، ثم ينام حتى يصبح والشمس قد أشرقت، فهذا عاصٍ لله جل وعلا، ويخشى عليه.
وهناك قصة وقعت أيضاً بين الصحابة في نفس الأمر، فقد (طرق النبي ﷺ علياً وفاطمة بالليل -والطروق هو الإتيان بالليل- ثم قال: ألا تصليان من الليل؟! فقام علي بن أبي طالب فقال: يا رسول الله! أرواحنا بيد الله يبعثها وقت ما شاء ويقبضها وقت ما شاء، وما نصلي إلا الفرائض، فالنبي ﷺ ما تكلم معه، مع أنه احتج بالقدر أمامه، فضرب على فخذيه وقال: ﴿وَكَانَ الإِنسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا﴾ [الكهف:٥٤]).
وهذا موطن من المواطن الذي يحتج فيه بالقدر.
ومن المواطن أيضاً التي يحتج بها في القدر: إذا أخذ المرء بالأسباب، واستعان بالله، وحرص كل الحرص على ما ينفعه، ثم لم يصب الهدف، مثال ذلك: إذا كان لديه عمل معين، وهذا العمل يحتاج إلى أن يكون له سمات شخصية معينة ومهارة معينة، فاكتسب هذه المهارات والسمات الشخصية مثل العلم والحلم والصبر فتعلم هذه الصفات واكتسبها، ثم لما تقدم لهذا العمل لم يقبل، فهذا رجل له أن يحتج بالقدر، ودليل ذلك قول النبي ﷺ : (المؤمن القوي خير من المؤمن الضعيف وفي كل خير، احرص على ما ينفعك -يعني: خذ بالأسباب الصحيحة-واستعن بالله، ولا تعجز فإن أصابك شيء -بعد أن أخذت بالأسباب ولم يوجد منك تفريط- فلا تقل: لو أني فعلت كذا وكذا، فإن لو تفتح عمل الشيطان)، فللمرء أن يحتج بالقدر في هذه المواطن، فإذا حرص على ما ينفعه واستعان بالله جل وعلا وأخذ بكل الأسباب، ولم تصب معه فليقل: (قدر الله وما شاء فعل) فإذا قال ذلك: دخل الإيمان إلى قلبه، وكسب في الدنيا قبل أن يكسب في الآخرة.
стр. 355
القضاء الكوني والقضاء الشرعي
القضاء قضاءان: قضاء كوني وقضاء شرعي، وضابط الفرق بين القضاء الكوني والشرعي، أن القضاء الكوني يكون فيما يحبه الله، وفيما لا يحبه.
والضابط الثاني: أن القضاء الكوني لا بد أن يقع، قال تعالى: ﴿وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [البقرة:١١٧].
وضابط القضاء الشرعي: أولاً: أنه في ما يحبه الله خاصة.
ثانياً: أنه قد يقع وقد لا يقع، قال الله تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء:٢٣].
стр. 356
شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة - القضاء الشرعي والقضاء الكوني
إن الله لما خلق الكون خلقه بقدر، فقدر مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، وكل شيء سيكون كما قدره الله سبحانه، والإيمان بالقضاء والقدر من أركان الإيمان، فلا يكون المرء مؤمناً إذا لم يؤمن بهما، وليس معنى إيمان العبد بالقدر أن يترك العمل، ويقول: قدر الله علي ذلك، فالله لم يجبره بهذا القدر، إنما علم أن هذا العبد من أهل الجنة فيسر له عمل أهل الجنة، وعلم أن ذاك من أهل النار فيسر له عمل أهل النار، وهكذا فكل ميسر لما خلق له.
стр. 357
القضاء الكوني والقضاء الشرعي وضابط كل نوع
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠، ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
ثم أما بعد: فإن الناس يدورون في هذه الدنيا على أمرين: قدري كوني، وأمر شرعي.
والمرء في كل واقعة وفي كل نازلة له عينان ينظر بهما، عين الشرع وعين القدر.
وإن المصائب التي تنزل وتطرأ على الناس وعلى الأخوة المسلمين في كل مكان تحتاج إلى أن ندقق النظر فيها بعين القدر فنعلم أن الله جل وعلا قد قضى وقدر وكتب ذلك قبل أن يخلق الخلق بخمسين ألف عام، وننظر إلى ما حدث من بني إسرائيل للأنبياء وللمرسلين، وما حدث ويحدث لهؤلاء الفلسطينيين على عين الله جل وعلا، ونعتقد أن الله هو الذي كتب ذلك وقدره، فنؤمن بالله ونسلم ونقول: قدر الله وما شاء فعل، وهذا هو الإيمان بالقدر الكوني.
وأما العين الثانية: وهي عين الشرع، أي: النظر الشرعي، وهو أن تعلم أنك مأمور شرعاً أن تهتم بأمر المسلمين، وتحزن لحزنهم، وتفرح لفرحهم، وتتألم لآلمهم، فالمؤمن الحق عند الله جل وعلا من أحب في الله وأبغض في الله وأعطى في الله ومنع في الله، ووالى في الله وتبرأ في الله جل وعلا.
والقضاء قضاءان: قضاء كوني، وقضاء شرعي، وللقضاء الكوني ضابطان: الضابط الأول: أن القضاء الكوني لا بد أن يقع حتماً، والثاني: أن القضاء الكوني يكون فيما يحبه الله وما لا يحبه، فالقتل والتشريد والإبعاد والذبح الذي يحدث في فلسطين هذا يبغضه الله، ولا يمكن أن يكون شرعاً، وإنما هو كوناً.
وللقضاء الشرعي: ضابطان: الأول: أنه قد يقع وقد لا يقع، كما في قوله تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء:٢٣] فمنهم من عبد ومنهم من كفر.
والثاني: أنه لا يقع إلا في ما يحبه الله جل وعلا وكذلك الإذن والإرادة.
стр. 358
أمثلة تطبيقية على القضاء الكوني والشرعي
قال الله تعالى: ﴿فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الأَرْضِ﴾ [سبأ:١٤].
هذا قضاء كوني، والضابط الأول فيه هو أنه لا بد أن يقع حتماً، وكذلك الضابط الثاني وهو أنه يقع في ما يحب وما لا يحب.
وهل الله يحب موت سليمان أو لا يحبه؟ في المسألة نظران نظر الرب، ونظر العبد، ويوضح ذلك حديثان، الحديث الأول: قال النبي ﷺ : (من أحب لقاء الله أحب الله لقائه، فقالت عائشة: أينا يحب الموت؟ فقال: ليس بذلك يا ابنة الصديق) ثم بين لها أن العبد عندما يصل إلى الأجل يبشر أو ينذر، فالمؤمن عندما يبشر يحب لقاء الله في هذا الوقت فيحب الله لقاءه.
إذاً: فحديث: (من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه)، ليس على الإطلاق، والحديث الثاني هو الذي يوضح لنا المسألة جلية، قال الله تعالى في الحديث القدسي: (وما ترددت في شيء أنا فاعله ترددي في قبض نفس المؤمن يكره الموت، وأكره إساءته) والجمع بين الحديثين: أن المؤمن يكره الموت، وما من أحد إلا ويكره الموت، ولكن عندما يبشر تتحول هذه الكراهية إلى حب؛ لأنه سيحب لقاء الله، كما قال الرسول ﷺ : (اللهم الرفيق الأعلى، اللهم الرفيق الأعلى)، وهنا يحب الله لقائه.
وأما كراهية الموت فقبل أن يبشر؛ لصعوبة الموت، فلما يبشر يقول: اللهم الرفيق الأعلى، اللهم الرفيق الأعلى.
ولذلك عندما قالت عائشة منكرة: أينا يحب الموت؟ قال ﷺ : لا يا ابنة الصديق، فبين لها أنه عندما يبشر المرء يحب لقاء الله، وكان من كرامات الشهداء في أفغانستان وفي أماكن أخرى أن الرجل عندما يقذف بالقذيفة ويرونه يقفز فيأولونه على أنه رأى الحور العين، أو رأى الجنة، فقبل أن تنتهي حياته يبشره الله جل وعلا كرامة له.
وأما قبل فلا يحب الموت لصعوبته؛ لأنه ما من أحد إلا ويجد صعوبة للموت، وصعوبته تحت القبر، لأن كل أحد سيضم عليه القبر.
وأما قول الله جل وعلا: (ما ترددت بشيء أنا فاعله ترددي في قبض نفس المؤمن)، فهو يكره الموت بسبب الإساءة والصعوبة التي فيه، وقوله: (وأكره أساءته)، وهذه الصعوبة في القدر، ولها أثرها المترتب عليها وهو الجنة، فلا يمكن أن يدخل الجنة حتى يموت، فلابد أن يموت للحاجة التي هي أعظم.
وقال تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء:٢٣].
هذا قضاء شرعي؛ لوجود الضابط الأول فيه، وهو أنه فيما يحبه الله؛ لأن الله جل وعلا يحب أن يعبده العبد، وأن يوحده في الأرض.
والضابط الثاني: وهو أنه قد يقع وقد لا يقع، وأكثر الناس ضلوا وكفروا.
وقال تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ﴾ [الأنبياء:١١٢].
يقول ابن رشد رحمة الله عليه: ليس طالب العلم من يحفظ المسائل، وإنما طالب العلم من يضبط المسائل.
فقوله: ﴿قَالَ رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ﴾ [الأنبياء:١١٢] كوني؛ لأن الله إذا حكم فلا يحكم إلا بالحق، وإذا حكم وقع الحكم لا محالة، ولا أحد يمكن أن يرد على الله حكمه.
وقال تعالى: ﴿ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ﴾ [الممتحنة:١٠]، ﴿إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ﴾ [المائدة:١] يعني: فاقبلوه واعملوا به، أو لا تعملوا فحكم الله في الذبيحة أن تسموا الله عليها، وألا تأكلوا منها إلا إذا ذكر اسم الله عليها، وحكم الله أن الرجل إذا طلق امرأته ثلاثاً فلا ينكحها حتى تنكح زوجاً غيره.
ولما طلق الملك امرأته ثلاثاً في عهد يحيى ﵇، وأراد أن يتزوجها استفتى يحيى، فقال له يحيى: لا تحل لك حتى تنكح زوجاً غيرك.
فما زالت هذه المرأة اللعينة بالرجل حتى قالت: اقتله، وأرحنا منه، فقال: إنه نبي! فقالت: اقتله.
فما زالت خلفه حتى قتل يحيى، فأخذ رأسه على طبق وأهداه لهذه البغي.
ولم يقف بنو إسرائيل عند ذلك، بل ذهبوا إلى زكريا وقتلوه، فقد اختبئ منهم في شجرة انشقت له، وقالت: اختبئ فيّ، فدخل فيها واختبئ ولم يسكت بنو إسرائيل عن ذلك، بل ذهبوا خلفه وكان معهم الشيطان، وهو رئيسهم، فقال: هو هنا مختبئ في هذه الشجرة، وقد كان طرف ثوبه ظاهراً في شق الشجرة، فأخذوا المنشار وشقوا الشجرة، فشقوا زكريا ﵇ نصفين.
فإذا كانوا قد فعلوا ذلك مع أنبياء الله، بل ارتقوا واتهموا لوطاً بالزنا، وارتقوا أكثر واتهموا الله جل وعلا بالفقر وبالبخل، وأنه يبكي، وأنه ما كان يعلم ما يحدث في الأرض، فلا يستغرب الإنسان من هؤلاء أن يفعلوا ذلك مع آحاد الناس، والغرض المقصود أن هذا هو حكم الله، فمن شاء عمل به، ومن شاء تركه.
وقال الله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة:١٨٥]، بقضاء شرعي؛ فهناك أناس في السجن، وهناك أناس لا يجدون ما يأكلون، فهؤلاء في عسر مع أن الله يحب لهم اليسر.
وقال الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء:٢٧]، وهذا قضاء شرعي؛ لإنه يمكن أن يتوب أناس، ولا يتوب آخرون.
وقال الله تعالى: ﴿فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ [البروج:١٦]، وهذا قضاء كوني، وقال تعالى: (كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي﴾ [المجادلة:٢١]، وهذا كوني كذلك.
يعني أنه لابد أن يقع، ولا بد أن يكون النصر للمؤمنين، وإنشاء الله النصر للمؤمنين، ولو علت أصوات الكفار والمنافقين، فالله جل وعلا وعد المؤمنين بأن العاقبة لهم.
فهي لهم هنا قضاء كونياً، وهو قول الله جل وعلا: (كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي﴾ [المجادلة:٢١]، فالغلبة لله ولرسوله وللمؤمنين، الذين ساروا على نهج رسوله ﷺ .
وقال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ [الأنبياء:١٠٥]، بقضاء كوني.
فالأرض سيرثها المؤمنون إنشاء الله، ويكثرون من السبايا من الأمريكان وغيرهم بإذن الله.
وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة:١٨٣]، بقضاء شرعي.
وقال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس:٨٢]، بقضاء كوني.
وقال تعالى: (وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا﴾ [الأحزاب:٣٨]، وهذا قضاء كوني.
وقال تعالى: (وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا﴾ [مريم:٢١]، بقضاء كوني.
وقال الله تعالى: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا﴾ [الإسراء:١٦]، وهذا قضاء كوني شرعي.
فعندما يكون شرعياً يكون المعنى: أمرنا مترفيها بفعل الخيرات والطاعات، فمنهم من يفسق فيستحق العقاب، فهذا شرعي.
ولو قلنا: إنه كوني، فعلى قراءة أخرى ((وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَّرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا)) بتشديد الميم في (أمرنا).
وقال الله تعالى: (وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [البقرة:١٠٢] والإذن هنا قضاء كوني.
وقال الله تعالى: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [الحشر:٥]، وهذا قضاء شرعي.
فالله يريد أن تحرق وتكسر وتقطع إذا كان في ذلك مصلحة للمسلمين، أو كان المشركون يستعينون بها على قتل المسلمين، فللمسلمين أن يفعلوا ذلك، ولهم أن يتركوه إذا لم يكن فيه مصلحة لهم، فلا يجوز أن يقتلوا وليداً ولا امرأة ولا شيخاً، ولا يقطعوا شجرة، فالأمر برضاء الله جل وعلا في القطع وفي غير القطع.
وقال الله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلالًا قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ﴾ [يونس:٥٩]، وهذا قضاء شرعي.
أي: هل الله أذن لكم بذلك في كتابه؟ وقال الله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى:٢١]، وهذا شرعي.
وقال الله تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلالًا فَهِيَ إِلَى الأَذْقَانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ * وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا﴾ [يس:٨ - ٩] فالجعل الأول والجعل الثاني كوني؛ لأن المقصود بأن المتكلم يمر بهم وهم لا يرونه.
وقال تعالى: ﴿وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ﴾ [يونس:١٠٠]، وهذا قضاء كوني؛ لأنه لا يحب أن يجعل الرجس على أحد، ولا يرضى لعباده الكفر، ولكن قدر ذلك كوناً.
وقال الله تعالى: ﴿جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ﴾ [المائدة:٩٧]، وهذا شرعي فمن الناس من يقوم ومنهم من لا يقوم، وقال الله سبحانه: ﴿كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا أَنَّهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس:٣٣]، وهذا قضاء كوني؛ لأنه وقع فيما لا يحب الله جل وعلا، وقد يقع فيما يحبه الله كقوله تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا﴾ [الأعراف:١٣٧].
وقال تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ﴾ [التوبة:٦] ويقول ال
стр. 359
كل ميسر لما خلق له
إن المرء إذا اعتقد بربه أنه قدر وكتب كل شيء قبل أن يخلق الخلق بخمسين ألف سنة، فإنه يكون له في ذلك عينان، عين ينظر بها للقدر، وعين ينظر بها للشرع، وهما متلازمتان، فإن عين القدر إيمان بربوبية الله جل وعلا، وعين الشرع إيمان بإلهية الله جل وعلا، فالمرء دائر بين القدر الكوني وبين الأمر الشرعي.
السؤال هنا: هل إذا علمت أن الله قد كتبك أو قدر عليك أنك من أهل الجنة أو من أهل النار قبل أن يخلق الخلق بخمسين ألف سنة، هل هذا يجعل المرء يتقاعس عن عبادة الله جل وعلا، أم يجعل المرء يشتد ويجتهد في عبادته سبحانه؟ والجواب أنه قد دار ذلك في رأس أحد الصحابة، وذهب إلى النبي ﷺ وسأله: هل أمر انتهى وكتب أم أمر مستقبل؟ فقال له الرسول ﷺ : (أمر قد انتهى فقال: ففيم العمل)، فأوجز النبي ﷺ له بكلمات من أجمع الكلمات وأوسعها في باب القدر، و (اعملوا فكل ميسر لما خلق له) قد انتهى الأمر، وكتب الله أهل الجنة وكتب أهل النار، وفي الحديث أنه: (مسح على ظهر آدم، فأخذ بكفيه أو أخذ ذريته فقلبهما في كفيه، وقال هؤلاء إلى الجنة ولا أبالي، وهؤلاء إلى النار ولا أبالي).
ففي هذا الحديث أن النبي ﷺ قام، وخرج على الناس بكتابين، وقال: (فرغ ربكم من العباد، هذا كتاب بأهل الجنة بأسمائهم وأسماء أبائهم وذرياتهم، ثم أجمل لا يزاد فيه ولا ينقص، وهذا كتاب بأهل النار بأسمائهم وأسماء آبائهم وذرياتهم، وأجمل عليه، لا يزاد فيه ولا ينقص، فرغ ربكم من العباد.
فقال رجل: يا رسول الله ففيم العمل؟ فقال النبي ﷺ : اعملوا فكل ميسر لما خلق له).
وهذه فيها بشارة ونذارة وإجمال، وفيها النظر بعين القدر وعين الشرع بكلمات وجيزة، منه ﷺ حيث بين أنه لا يتعارض قدر كوني مع أمر شرعي فالإيمان بالقدر إيمان بربوبية الله؛ لأن القدر هو قدرة الله جل وعلا، وهو صفة من صفات الربوبية، والإيمان بالأمر والنهي والمسارعة في الأمر إيمان بتوحيد الإلهية، ولا يستقيم توحيد المؤمن لله جل وعلا إلا بتوحيد الربوبية والإيمان بالقدر، وتوحيد الإلهية.
وفي هذا الحديث بشر النبي ﷺ أهل الخير الذين يسارعون في الخيرات بالخير، كالذين وسع الله جل وعلا عليهم في المال فهم ليل نهار يسلطونه على هلكته في الحق فهؤلاء يستبشرون خيراً؛ لأن الله تعالى بالظن الغالب قد يسرهم لما خلقهم له، فخلقهم ليكونوا عباداً متصدقين منفقين لله جل وعلا، ويسر للبعض الجلوس في مجالس العلم، فيتعلمون ويعملون حتى يرتقوا عنده سبحانه (من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين).
فاعلم أن الله جل وعلا اصطفاك له، وكتبك قبل أن يخلق الخلق بخمسين ألف سنة ممن يسارع في الخيرات، فاستبشر خيراً، وإذا وجدت نفسك قد فتح لك باب من أبواب الجهاد أو من أبواب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وكنت في كل ساعات حياتك تعيش في ذكر الله أو استغفار أو أمر بمعروف أو نهي عن منكر فإنك ممن قال النبي ﷺ : (كل ميسر لما خلق له)، أي أنك خلقت لهذا العمل، وخلقت للدين، كما قيل في شيخ الإسلام ابن تيمية: خلق الله هذا الرجل لدينه، فلا يعرف شيئاً إلا الدين، ولا يعرف شيئاً إلا لله جل وعلا، وكما قال الله لموسى: ﴿وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي﴾ [طه:٤١]، أي: اصطفاه الله جل وعلا، واصطنعه لنفسه ولدينه فقط.
وفي هذا الحديث أيضًا إنذار لأهل الفساد والغي والضلال، فالعبد الذي تغلق عليه أبواب الخير ولا تفتح له إلا أبواب الغي والضلال والزنا والفاحشة والكذب والغيبة والنميمة والبخل فهذا إنذار من النبي ﷺ يقول له: (كل ميسر لما خلق له)، فلعله ما خلق إلا للنار والعياذ بالله.
стр. 360
والناس في ذلك أصناف
والناس في ذلك على ثلاثة أصناف: الصنف الأول: مؤمنون خلص: وهؤلاء هم الذين لهم البشارة، وهم الذين يستبشرون بأعمالهم الخيرة، وبأن الله جل وعلا اصطفاهم له، وهم الذين من نعومة أظفارهم قد نشئوا في عبادة الله جل وعلا، وهؤلاء هم الذين يصدق فيهم قول النبي ﷺ : (سبعة يضلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله -ومنهم-: شاب نشأ في عبادة الله) فهو عبد أول ما فتحت عيناه فتحت على نور الإسلام، فعمل به، فهو ليل نهار يتعبد الله جل وعلا، فهذا هو الذي ينطبق عليه قول الله تعالى: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ﴾ [الأنعام:١٢٥].
وهو الذي انغمس في طلب العلم، أو في الجهاد في سبيل الله، أو في النفقة والصدقة، وهذا الذي يقال فيه: (من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين) هذا الصنف الأول من الذين يسروا لما خلقوا له أي: للجنة.
الصنف الثاني مقابل الصنف الأول: وهم الذين خلقهم الله للنار، والذين فتح الله لهم أبواب الغي والضلال على مصراعيه، وهؤلاء ينطبق عليهم قول الله تعالى ﴿وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾ [الأنعام:١٢٥] فالعبد الذي كلما أمر بالمعروف أو نهي عن المنكر أو دعي إلى الإسلام استهزأ ولم يقبل فهو ميسر لما خلق له من النار، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة:٦]، ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ [البقرة:٧]، أي: طبع الله على قلوبهم، وأغلق عليهم أبواب الخير، وفتح لهم أبواب الشرور.
والصنف الثالث: صنف مخلط بين الصنفين المتقابلين، وهو الذي خلط عملاً صالحاً وآخر سيئاً، وهذا لا يقال فيه خلق لما يسر له بالتصريح، وإنما يقال: إن علم الله في قلبه الخير ختم له بالخير، وأن علم الله في قلبه الشر ختم له بالشر.
وهذا ينطبق عليه قول النبي ﷺ : (إن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينها وبينه إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها -فالأعمال بخواتيهما- وإن الرجل ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع)، ويكون قد سبق في علم الله جل وعلا وعلم من قلبه الطهارة والصدق وإرادة الله جل وعلا، ولكن غلبته شهوته، فما يكون بينه وبين النار إلا ذراع، (فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها)، أي: يختم له بعمل أهل الجنة.
стр. 361
الإيمان بالقدر باعث على العبادة
إن الإيمان بالقدر لا يستدعي من الإنسان أن يترك العبادة أبداً، بل لا بد أن يجتهد في العبادة.
ولذلك كان من فقهاء الصحابة من يقول: والله ما اجتهدت اجتهادي إلا بعدما عرفت القدر، ولما رأى النبي ﷺ أبا بكر وعمر يمشيان فقال لـ علي: (هذان سيدا كهول أهل الجنة.
فقال علي متهللاً: أفلا أبشرهما يا رسول الله؟ قال: لا) إنهما إذا بشرا بأنهما سيدا كهول أهل الجنة فلن يملا من عبادة الله جل وعلا، بل سيجتهدان حتى تتقطع أوصالهما من أجل شكر الله جل وعلا، فيجتهدان بعدما يعرفان القدر في طاعة الله جل وعلا.
стр. 362
أنواع الأقدار النازلة بالإنسان
الأقدار التي تنزل على الإنسان على قسمين: أقدار لا اختيار له فيها ولا إرادة، وهذه الأقدار مثل البلايا التي تنزل على الناس كالتقتيل والتشريد، وهجوم الكفرة على المسلمين، وعلو غيرهم عليهم، فكل هذه من الأقدار التي لا اختيار للعبد فيها، ولا يستطيع العبد أن يفعل معها شيئاً، بل إنها تنزل عليه فلا يستطيع ردها، فهذه يتعامل معها بالتسليم قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ﴾ [البقرة:١٥٦ - ١٥٧] وقال تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ﴾ [التغابن:١١] فيستسلم ويقول: هذه من عند الله، كتبت قبل أن أخلق بخمسين ألف سنة ﴿يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ [التغابن:١١] أي: يهد قلبه للإيمان، ويعمق الإيمان في قلبه، فيرضى بقدر الله جل وعلا، وكما قال النبي ﷺ : (إن الله إذا أحب قوماً ابتلاهم، فمن رضي فله الرضا، ومن سخط فعليه السخط) هذه النوع الأول.
النوع الثاني من القدر: قدر شرعي ليس كونياً وهو البلايا والأقدار التي يستطيع المرء أن يدافعها، فإن لم يدافعها فهو آثم، مثاله: أن يدافع أسباب الموت بأسباب الحياة، فإذا جاءك رجل ليقتلك فإنك تدفع قدر الموت وأسبابه بقدر الحياة.
والجوع المميت تدفعه بالأكل من الميتة نفسها، وإن كانت محرمة، لإنك تدفع قدر الموت بالحياة.
والعطش تدفعه بالشراب، وهذا جاء من فعل النبي وقوله، وهو القدوة لنا.
فمن ذلك: قوله ﷺ : (الحرب خدعة)، وقوله لمن سأله: من أي القوم أنتم؟ بعدما أخبروه بما يريد فقال: (نحن من ماء).
وقد خرج أبو بكر وعمر يدفعان قدر الجوع بمن يطعمهما، والنبي ﷺ قد دافع وأخذ بالأسباب عندما سار في الصحراء حتى وصل المدينة؛ لأنه أخذ رجلاً عالماً بالطريق، حتى لا يضيع نفسه، ومن مدافعته قوله ﷺ : (تداووا عباد الله، ولا تتداووا بحرام، فإن الله ما أنزل داء إلا وأنزل له دواء)، أيضًا قوله ﷺ : (فر من المجذوم فرارك من الأسد) ولما سحر النبي ﷺ أخذ بالأسباب، وقد كانت هذه الأسباب شرعية.
ومن ذلك أيضًا قول النبي ﷺ : (إذا سمع أحدكم بالطاعون في أرض فلا يدخل ولا يخرح منها)، وعمر بن الخطاب كان يفعل ذلك، فإنه لما سمع بالطاعون في أرض الشام ما أراد أن يدخلها فقال له أبو عبيدة بن الجراح ﵁ وأرضاه: يا أمير المؤمنين! أتفر من قدر الله؟ قال: أفر من قدر الله إلى قدر الله.
وكذلك لما سرق الرجل، وقال: مهلاً يا أمير المؤمنين ما سرقت إلا بقدر الله.
قال: مهلاً وأنا أقطع يدك بقدر الله جل وعلا.
فهذه الأقدار لا بد أن يدفعها المرء بالوسائل الشرعية.
نسأل الله جل وعلا أن يجعلنا ممن يؤمن بالقدر، ويعمل به حق العمل، ويعتقده في قلبه.
стр. 363
شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة - تنزيه الله عن نسبة الشر إليه - أهل الفترة وحكمهم
العقول تعجز عن الإحاطة بكمال الله وجلاله، كما تقف حائرة عن معرفة كل الحكم الإلهية وراء خلق المصائب والشرور، فما يتراءى للعقل من شر في بعض خلق الله، فإنه يكمن خلفه خير أراده الله تعالى، فلا ينسب إلى الله خلق الشر المحض؛ لأن كل أسمائه وصفاته وأفعاله حسنى، ومن ذلك حكمه تعالى في أهل الفترة، فقد أرسل الله الرسل وأقام الحجة على الناس، وكل من لم تبلغه دعوة الله بأي وجه فإنه يمتحن يوم القيامة على الراجح عند أهل العلم.
стр. 364
مقدمة بين يدي الدرس
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره, ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا, من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له, وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ , وشر الأمور محدثاتها, وكل محدثة بدعة, وكل بدعة ضلالة, وكل ضلالة في النار.
ثم أما بعد: ما زلنا مع أبواب القدر، وهنا نتكلم عن مبحثين هامين وهما: تنزيه الإله جل وعلا عن أن ينسب له الشر، مع أنه خلق كل شيء في الكون.
والمبحث الثاني: أهل الفترة هل هم من أهل النيران، أم من أهل الجنان، أم أنهم يمتحنون يوم القيامة؟
стр. 365
تنزيه الله تعالى عن نسبة الشر إليه
المسألة الأولى: تنزيه الله جل وعلا عن نسبة الشر، وهذه المسألة من أهم المسائل التي تضبط للمرء مسائل القدر, وحتى ندخل في غمار هذه المسألة الوعرة لابد من تأصيل ثلاث قضايا، وهذه القضايا توضح للمرء مسألة القدر.
التأصيل الأول: أن الله جل وعلا له الكمال المطلق, وله الجلال المطلق, كما له الأسماء الحسنى والصفات العلى, فأسماؤه كلها حسنى وكاملة، وصفاته كلها عليا وكاملة، وأفعاله كلها حسنى وكاملة.
إذًا: فكل اسم أو صفة أو فعل لله تعالى، ففيه الكمال المطلق، ولا يمكن أن ينسب إلى الله جل وعلا النقص، أو ننفي عنه الكمال المطلق.
التأصيل الثاني: أنه إذا كان الله جل وعلا له الكمال المطلق، فما من فعل يفعله إلا وله حكمة نابعة من اسم الله جل وعلا الحكيم، فهذا الاسم من أسماء الله الحسنى يتضمن صفة كمال وهي صفة الحكمة، فهو سبحانه لم يفعل فعلاً، ولم يخلق خلقاً إلا وله في ذلك حكمة عظيمة.
стр. 366
أنواع الشر
التأصيل الثالث: أن الشر الذي نراه، ويستقبحه العقل، ويستنكره الشرع، ويأباه القلب، عندما خلقه الله جل وعلا، فليس شراً محضاً عارِ عن الحكمة، إنما هو شر نسبي إضافي؛ لأن الشر نوعان: شر محض لا خير فيه من أي وجه من الوجوه.
وشر نسبي إضافي جزئي, فهو شر ومن وجه، ولكنه خير من وجه آخر.
بل قد يكون شراً من وجه واحد، ولكنه خير من وجوه، ومثال ذلك: خلق الله جل وعلا المصائب والبلايا، فإنها في حد ذاتها شر بالنسبة إلى من نزلت عليه وحلت به، لكنها خير من وجوه أخر، منها: أن هذه المصيبة التي نزلت على المرء مكفرة لذنوبه وسيئاته، ومنها: أن الله جل وعلا أصاب المرء بهذه المصبية؛ ليعتبر غيره ويحمد الله على العافية، فيقول: الحمد لله الذي عافاني مما ابتلى به غيري، ثم يدعو له فيؤجر على ذلك، والملك يقول: آمين ولك مثل ذلك، ومنها: أن المصيبة تنزل على المرء؛ ليرتفع درجة عند الله جل وعلا، وتكون تلك المصيبة إشارة على أن الله يحب هذا العبد؛ لأن الله إذا أحب قوماً ابتلاهم، فمن رضي فله الرضا، ومن سخط فعليه السخط.
стр. 367
الكمال والجلال المطلقان لله تعالى في تقدير الابتلاء
إن الله جل وعلا له الكمال والجلال المطلق, لم يخلق شراً محضاً، ولكنه شر نسبي إضافي، وما خلق الله جل وعلا شيئاً إلا وله حكمة، كما قال الله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:٢١٦].
وقال الله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:٣٠]، فالله جل وعلا لما فعل ما فعل كان ذلك الفعل نابعاً عن علم وعن حكمة بالغة كما سنبين.
قال الله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا﴾ [الذاريات:٥٦] لعلة بليغة وهي: ﴿إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦].
فالشرور التي خلقها الله جل وعلا إذا نسبناها لله تعالى فهل ننسبها له إطلاقاً أم نقيدها؟
و
الجواب
أن الشر إما أن يكون شراً محضاً أو شراً نسبياً إضافياً، فينظر في ذلك.
ومن الأمثلة على ذلك: فلسطين وما يحدث فيها من قتل وتشريد وهجوم ضار من هؤلاء الخنازير الذين يقتلون الطفل والشيخ والمرأة، ويهدمون كل شيء أمامهم، فإن الله هو الذي خلقهم وخلق فعلهم، وهو الذي قضى كوناً أن يحدث هذا لأهل فلسطين, فهل هذا شر محض أو شر إضافي؟ تفصيل
الجواب
أن يقال: إن قلنا بأنه شر محض، فقد نسبنا النقص لله جل وعلا، ونحن قد اعتقدنا في قلوبنا أن الله له الكمال المطلق، إذًا: فالشر الذي يقع على هؤلاء الفلسطينيين شر نسبي وفيه وجوه من الخير، وإذا دققنا النظر واعتقدنا اعتقاداً كاملاً أن الله له الكمال المطلق، فيجب أن نعلم أن الله جل وعلا ابتلى هذه الأمة بما يحدث فيها من شر؛ وذلك لتحقيق خير عظيم بعد هذا الشر، أو لخير تابع لهذا الشر, ونحن نذكر هنا الحكم التي ظهرت لنا فقط، وهناك حكم أبلغ من هذه قد أخفاها الله جل وعلا عنا، فمن هذه الحكم: أن الله تعالى يتخذ من هؤلاء من يرفعهم عنده شهداء، قال تعالى: ﴿وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ﴾ [آل عمران:١٤٠]، فالله جل وعلا ابتلى هؤلاء بالقتل، ليتخذ منهم شهداء، وليصطفي منهم من يكون ولياً عنده جل وعلا.
ومنها: أن الله جل وعلا ابتلى هذه الأمة بما يحدث فيها؛ ليميز الخبيث من الطيب، وليفصل بين الصفين، فإن الله حكم عدل يفرق بين المفترقين، ويساوي بين المتماثلين، قال تعالى: ﴿لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ [الأنفال:٣٧]، وقال: ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ * مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ [الصافات:١٥٣ - ١٥٤].
فهو بهذا يظهر المنافق الذي باع نفسه وقومه وشعبه؛ ليرضي أهل الكفر دون أهل الإسلام، ويظهر الله المؤمن الصادق الذي باع نفسه بدنه ومهجته لله جل وعلا، وكل ذلك منه حكمة عظيمة باهرة.
فكثيراً من العملاء ظهروا في هذه البلية، وظهر أنهم باعوا آخرتهم بدنيا غيرهم، وباعوا أنفسهم ودينهم بثمن بخس دراهم معدودة، وباعوا أنفسهم لا لله جل وعلا بل لأهل الكفر، وقد فضحهم الله بهذا البلايا.
ومن الحكم العظيمة مما يحدث في فلسطين: أن الله جل وعلا ابتلى هذه الأمة بهؤلاء الأنجاس؛ ليتحد الصف الإسلامي، فإن وحدة الصف لا تأتي إلا بعد التفرق، وبعد أن يأتي الهجوم الضاري من الأعداء.
وانظروا إلى الشعوب الإسلامية وإن اختلفت أجناسهم وألسنتهم، فقلوبهم كلها قد توحدت على شيء واحد، وهو بغض بني إسرائيل، ونصرة هؤلاء المستضعفين من المسلمين, فإن الله جل وعلا هو الذي يؤلف بين القلوب، وله ما يشاء فيما يفعل.
وأيضاً من الحكم البليغة في هذا البلاء، أن الله جل وعلا يبتلي الأمم التي عصت، وظهرت رعونتها وخرجت عن إطار شريعة الله جل وعلا، فيبتليها لترجع ولتتذلل ولتستغفر ولتتوب إلى الله جل وعلا: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ إِلاَّ أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ﴾ [الأعراف:٩٤] والله جل وعلا لا ينزل بلاء إلا بذنب، ولا يرفعه إلا بتوبة.
وأيضاً لقد ابتلى الله بهذه الأمة؛ ليبين لهم أن هؤلاء الأعداء لا عهد لهم ولا ميثاق فإنهم قد عاهدوا الله وخانوا عهده جل وعلا، وعاهدوا الرسل وخانوه، فالذين يتمسكون بهم تمسك الحية بفريستها ويقولون: لابد من سلام شامل عادل، أو نحن دعاة سلام، فإن الله جل وعلا يظهر لهم خطأ فهمهم، وخطأ منهجهم، ويبين أن هؤلاء لا يريدون سلاماً ولا أماناً، بل كلما تهيأت لهم الظروف انقضوا على فريستهم، كما نراهم اليوم مع الفلسطينيين, فيبين الله جل وعلا أن هؤلاء الأنجاس مغضوب عليهم، وأنهم ينقضون العهود، ولا يرقبون في مؤمن إلاً ولا ذمة؛ ليضع الأمر عياناً أمام الناس جميعاً حتى لا يلبس أحد على أحد، وهاهم اليوم يقولون: نحن نريد سلام ولا نريد خراباً، ولا إزهاقاً للأرواح، فبين الله أن الذين يمدون أيديهم إليهم من أجل السلام، أنهم يرفضونها، بل يبترونها ويقطعونها، فهذه من الحكم البليغة من هذا الابتلاء.
إذاً: فالله جل وعلا لم يخلق شراً محضاً، بل خلق شراً نسبياً إضافياً.
стр. 368
الحكمة من خلق إبليس
إن من الشرور التي تنسب إلى الله جل وعلا خلق إبليس, وإبليس هو من هو في الغواية والوسوسة وإضلال البشر، فإنه شر كله، ولكن إذا نظرت في الحكمة من خلقه، فإنك ستوقن بأن الله جل وعلا ما خلق إبليس إلا لحكمة عالية بليغة تابعة لهذا الشر، فالله حكم عدل لا يساوي بين المفترقين، ولا يجعل صف الكفار مع صف المسلمين، قال تعالى: ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ * مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ [الصافات:١٥٣ - ١٥٤].
ويوضح ذلك أن الله جل وعلا جعل إبليس يوسوس لهذا ويغوي هذا، حتى يميز بين المؤمن المخلص الذي باع نفسه لله جل وعلا، والذي لا يستجيب لهذه الغواية، وبين الذي يتبع نفسه شهواتها، ويتبع إبليس فيما يوسوس له.
стр. 369
الحكمة من خلق الكفر
إن الله لا يحب الكفر ولا يريده، ولكنه شاءه كوناً لحكمة عالية بليغة، وهي: أن يتحقق علم الله جل وعلا في أن الخلق منهم المؤمن ومنهم الكافر, وهذا الشر الذي خلقه الله جل وعلا لم يكن شراً محضاً، ولكنه شر نسبي إضافي، أي: بالنسبة للشخص الذي نزل عليه هذا البلاء، أو نزل عليه هذا الشر, فهو شر بالنسبة له، أما لغيره فهو خير.
стр. 370
الحكمة من تشريع الحدود
إن لله تعالى في تشريع الحدود حكم عظيمة، فالقصاص مثلاً هو: أن يقتل القاتل بالمقتول، وهذا القصاص شر بالنسبة للقاتل الذي سيقتل، وهو شر لأهله.
كذلك إذ أنهم سيحزنون على ميتهم، ولكن هذا القصاص بالنسبة لولي الدم، الذي يريد أن يقتص من قاتل أخيه، أو قاتل ابنه هو خير له، كما هو خير لباقي الناس، فإنك إذا قتلت القاتل ارتعد الناس واتعظوا بغيرهم، فيمتنعون عن القتل، ولذلك قال الله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ﴾ [البقرة:١٧٩]، مع أننا نعلم أن القصاص قتل، فكيف يكون فيه حياة كما في الآية؟
الجواب
لأنه يمنع الاقتتال.
وكذلك حد السرقة، أو حد الرجم للزاني المحصن، أو حد الجلد للزاني البكر، فهذه الحدود هي شر بالنسبة للمقطوع، أو المرجوم، لكنها خير لباقي البشر, فإذا رأى الرجل أن هذا تقطع يده في دراهم معدودة، خاف على يده وامتنع عن السرقة, وإذا رأى غيره يجلد ويفضح أمام البشر على الزنا، فإنه سيمتنع عن أن يهتك أعراض المسلمين, فظهر من هذا أن الله جل وعلا لم يخلق شراً محضاً، ولكنه خلق شراً نسبياً إضافياً.
стр. 371
نسبة الشر إلى الله تعالى
إن هذه الشرور هي خلق الله جل وعلا، ولكن هل ننسب هذه الشرور إلى لله جل وعلا؟
الجواب
لابد لنا من التفصيل فيه، فقد قلنا بوجود شر لا شك فيه، ولكن هذا الشر ليس موجوداً في فعل الله، وإنما هو أثر عن فعل الله؛ لأن أفعال الله كلها كمال، فلا ينسب إليه نقص في حال من الأحوال، ولذلك: (كان النبي ﷺ إذا سجد كثيراً ما يقول: سبوح قدوس) يعني: أنزه الله جل وعلا عن كل نقص, فالله جل وعلا هو السلام الذي سلم من كل عيب ونقص، والقدوس: هو الذي تقدس عن كل نقص، وكان النبي ﷺ إذا تعجب من شيء قال: (سبحان الله).
فأفعال الله كلها منزهة عن النقص، والشر نقص، فلا ينسب إلى فعل الله جل وعلا، إن كان أثراً عن فعل الله، أي: أن الشرور تنسب إلى مفعولات الله، ففعل الله تعالى كله خير وكمال، ومفعول الله جل وعلا قد يكون فيه شر، فإذا قلنا: إن الشر ينسب لمفعولات الله، ولا ينسب لفعل الله جل وعلا، نكون بذلك قد سلكنا طريق الأدب مع الله جل وعلا.
стр. 372
الأدب مع الله في عدم نسبة الشر إليه
وطريق الأدب هذه قد استنبطت من فعل الأنبياء، فخليل الرحمن عندما تكلم عن الشر نسبه لنفسه وهذا من الأدب في نسبه الشر للمخلوق لا للخالق، قال تعالى حاكياً قول إبراهيم: ﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ * وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ * وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾ [الشعراء:٧٨ - ٨٠] فنسب المرض لنفسه، مع أن الله جل وعلا هو الخالق للمرض، وكان النبي ﷺ يقول: (والخير كله بيديك، والشر ليس إليك) يعني: لا ينسب إليك الشر.
وهذا الأدب نجده كذلك عند مؤمني الجني إذ قالوا: ﴿وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا * وَأَنَّا لا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا﴾ [الجن:٩ - ١٠]، فنسبوا الرشد لله جل وعلا، والشر بنو الفاعل فيه للمجهول؛ تأدباً مع الله جل وعلا.
وكذلك قصة الخضر يظهر فيها التأدب مع الله كما في قوله تعالى حاكياً عن الخضر جوابه على أسئلة موسى ﵇: ﴿وَأَمَّا الْغُلامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا * فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْراً مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْماً﴾ [الكهف:٨٠ - ٨١]، وقال عن الغلامين: ﴿فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنزَهُمَا﴾ [الكهف:٨٢].
فنسب إرادة بلوغ الغلامين أشدهما إلى الله تعالى؛ لأنه خير، ولكنه في خرق السفينة قال: ﴿فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا﴾ [الكهف:٧٩] فنسب إرادة العيب لنفسه؛ تأدباً مع الله تعالى.
وقد علمنا الله جل وعلا الأدب معه في مسألة الشرور، وأنه لا ينبغي أن ننسبها له، بل ننسبها للمخلوق نفسه، فإن النقص صفة لازمة للمخلوق، فقال تعالى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ * مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ﴾ [الفلق:١ - ٢] يعني: من شر هذه المخلوقات، فالشر يكون في المفعولات، لا في فعل الله تعالى: وكذلك قال الله تعالى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ * مَلِكِ النَّاسِ * إِلَهِ النَّاسِ * مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ﴾ [الناس:١ - ٤]، فالشر صفة لازمة للشيطان اللعين.
ولقد علمنا النبي ﷺ أن نتأدب أيضاً بهذه الآداب، فقال: (اللهم إني أعوذ بك من شر نفسي، ومن شر الشيطان وشِرْكه وشَرَكِه)، فنسب للشيطان الشر والشرك، مع أن الله جل وعلا هو الخالق لكل شيء.
ومن الأدب مع الله في نسبة الشر أن ندخله في مطلقات وعمومات الخلق، ولا نفرده، كما قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الرعد:١٦] والشر شيء، فهو داخل في هذا العموم.
فالآداب التي لابد أن يتأدب بها المرء في نسبة الشر إلى الله جل وعلا هي ما يلي: إما أن يبني الفاعل للمجهول: كقوله تعالى: ﴿أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الأَرْضِ﴾ [الجن:١٠]، أو ينسب الشر لنفسه كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾ [الشعراء:٨٠]، أو ينسب الشر لخلقه، كقوله تعالى: ﴿مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ﴾ [الفلق:٢]، وقوله: ﴿مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ﴾ [الناس:٤]، وقول الرسول ﷺ : (أعوذ بالله من شر الشيطان وشِركه وشَركه).
وإما أن يدخله في العموم كقوله تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الرعد:١٦].
فإذا سأل سائل وقال: هل خلق الله الشر؟ فإنك إذا أنكرت أثبت خالقاً غير الله جل وعلا، وإذا أثبت أسأت الأدب مع الله، فالجواب السديد أن تثبت، ولكن بقيد، وهو أن الله خلق الشر في مفعولاته، وأما فعل الله فكله كمال وخير.
стр. 373
أهل الفترة وحكمهم
المسألة الثانية: مسألة أهل الفترة: هل هم من أهل الجنة، أم من أهل النار؟ وهذه المسألة مستفادة من حديث رواه اللالكائي في (شرح أصول أهل السنة)، وهو قوله ﵊: (أربعة يحتجون على الله يوم القيامة: المجنون، وفي رواية: الأحمق، والثاني: الرجل الهرم، والثالث: الأصم, الرابع: أهل الفترة).
стр. 374
ضابط أهل الفترة
أهل الفترة هم الذين انقطع عنهم الوحي، وهذا ضابط أول لمعرفة أهل الفترة، الضابط الثاني -وهو مهم جداً-: أنهم الذين لم تبلغهم دعوة نبي, فهؤلاء هم أهل الفترة.
стр. 375
القول بنجاة أهل الفترة
وقد اختلف العلماء في مصير أهل الفترة يوم القيامة على أقوال نجملها فيما يلي: القول الأول: إنهم معذورون في الدنيا وفي الآخرة، واستدلوا على ذلك بأدلة من الكتاب ومن السنة: أما من الكتاب، فقول الله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء:١٥]، وقوله جل وعلا: ﴿كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ * قَالُوا بَلَى﴾ [الملك:٨ - ٩] ووجه الدلالة: العموم في الآية، وهو أن كل من يدخلون النار يقولون: نعم جاءنا نذير، وما من فوج إلا وجاءهم نذير، وأهل الفترة لم يأتهم نذير، إذاً: فهم ليسوا من أهل النار.
كما استدل القائلون بهذا القول بعدة آيات تشبه هذا المعنى.
واستدلوا كذلك بما ورد عن النبي ﷺ أنه قال: (والذي نفسي بيده ما سمع بي من هذه الأمة -أي أمة الدعوة- يهودي ولا نصراني، ثم لم يؤمن بالذي جئت به إلا كان من أصحاب النار)، ووجه الدلالة: مفهوم المخالفة أي: أنه إذا سمع به وآمن دخل الجنة، وإذا سمع ولم يؤمن دخل النار، وإذا لم يسمع فليس له نفس الحكم، بل حكمه يخالف ذلك، فيدخل الجنة.
стр. 376
القول بأن أهل الفترة في النار
القول الثاني وعليه جماعة من أهل العلم، وهو ترجيح النووي: أن أهل الفترة من أهل النار ومخلدون فيها، واستدل أصحاب هذا القول على ذلك بأدلة من الكتاب والسنة: أما من الكتاب، فقول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨]، ووجه الدلالة العموم، أي: أن كل من لم يؤمن فإنه يدخل في هذا العموم، فلا يغفر له، بل يكون مشركاً، وكذلك قول الله تعالى: ﴿وَلا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُوْلَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [النساء:١٨] فالآية هذه عامة، وما خصت كافراً دون كافر، والآيات الدالة على ذلك كثيرة.
وقد يستدل لهم أيضاً بحديث في صحيح مسلم (أنه جاء رجل للنبي ﷺ ، فقال: يا رسول الله! أين أبي؟ قال: أبوك في النار، فولى الرجل حزيناً، فناداه النبي ﷺ وقال: إن أبي وأباك في النار)، فلما كان أبو النبي وأبو الرجل في النار، وهما ممن لم يأتي لهما نبي، فهما من أهل الفترة، فيكون حكمهما هو حكم أهل الفترة.
وقد حاول السيوطي رد هذا القول بحديث موضوع وهو: (إن الله جل وعلا أحيا أم النبي، وأحيا أبا النبي ﷺ فدعاهما إلى الإسلام فأسلما)، فهما في الجنة، بل من الناس من قال: إن أبا طالب من أهل الجنة، ويرد هذا حديث: (إن أبي وأباك في النار) وأيضاً ما ومرد في صحيح مسلم عن النبي ﷺ أنه قال: (استأذنت ربي أن أستغفر لأمي فلم يأذن لي، ثم استأذنته أن أزور قبرها فأذن لي) فلما لم يأذن الله جل وعلا للنبي ﷺ أن يستغفر لأمه، دل ذلك على أنها كافرة في النار؛ لأن جل وعلا قال: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة:١١٣].
وهذا القول رجحه النووي وجماعة من أهل العلم، وادعى بعضهم الإجماع على ذلك، وأن أهل الفترة معذبون مخلدون في نار جهم.
ولا يوجد الآن أحد من أهل فترة أبداً؛ لأن الإنترنت قد غزى كل مكان، فوصلت أخبار الإسلام والدعوة إلى كل إنسان، وخاصة أنه بعد أحداث سبتمبر لا يوجد أحد لم يسمع بالإسلام، حتى من أدغال أفريقيا الذين لا يعرفون أحداً غير الأسود أو القرود قد وصلهم خبر الإسلام.
стр. 377
القول بالتفصيل ورجحانه
القول الثالث: التفصيل في ذلك -وهو الحق الذي لابد أن يظهر- وهو أن أهل الفترة معذورون في الدنيا ممتحنون أو مكلفون في الآخرة، والدليل على ذلك حديث النبي ﷺ في مسند أحمد وغيره: (أربع يحتجون على الله جل وعلا يوم القيامة: أصم يقول: رب: أتاني رسولك ولم أسمع شيئاً, وأحمق -يعني مجنون- يقول: رب! أتاني رسولك وكنت لا أعقل شيئاً، والأطفال يحذفونني بالعبر, وهرم يأتي يوم القيامة فيقول: رب! أتاني رسولك وما كنت أعقل شيئاً, والرابع: أهل الفترة -وهم فتر عنهم الوحي- وهؤلاء يحتجون أمام الله جل وعلا فيقولون: لم يأتنا رسول، ولم تأتنا دعوة، فيمتحنهم الله جل وعلا فيأمرهم بدخول النار) ومحل الشاهد: فيمتحنهم الله جل وعلا بدخولهم النار، وهنا يأتي القدر، فالذين قد كتب الله في سابق علمه أنهم يسمعون ويطيعون يأمرهم الله جل وعلا أن ينزلوا إلى النار, فإذا نزلوا إلى النار كانت برداً وسلاماً, والذين علم الله أنهم لا يطيعون بل يعصون الله لا ينزلون النار، فيعاقبهم الله بإدخالهم جهنم، ولذلك قال النبي ﷺ : (الله أعلم بما كانوا عاملين) , فالله يعلم بهم سابقاً هل سيطيعون أم سيعصون؟ والذين في علم الله السابق أنهم يعصون يقولون: نحن نفر من النار أفندخلها؟ فيلقون فيها؛ لأنهم عصوا أمر الله جل وعلا.
فهذا الحديث قاطع للنزاع في أن هؤلاء يمتحنون يوم القيامة.
стр. 378
الاعتراضات على القول بالتفصيل
اعترض أصحاب القول الأول والثاني على هذا القول بثلاثة اعتراضات: الأول: الأحاديث الدالة على أن أهل الفترة يكلفون يوم القيامة ضعيفة.
الثاني: كيف تقولون بالتكليف في دار الجزاء، ودار الجزاء لا عمل فيها ولا تكليف؟ الثالث: أن الله جل وعلا يقول: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة:٢٨٦] وليس في وسع الإنسان أن يدخل نار جهنم، فيكون الله قد كلفهم ما لا يطيقون، وهذا مخالف لأصل التشريع، وهو أن الله جل وعلا لا يكلف عبداً إلا ما يطيق.
стр. 379
الرد على هذه الاعتراضات
والرد على هذه الاعتراضات أن يقال: أولاً: قولهم: إن هذه أحاديث ضعيفة، قول ضعيف؛ لأن هذه الأحاديث جاءت من طرق صحيحة لذاتها، وطرق حسنة، وجاءت أيضاً من طرق أخرى تقويها حتى ترتقي إلى الصحيح لغيره، كما جاءت من طرق ضعيفة تتقوى بطرق أخرى، فالقول بأن هذه الأحاديث ضعيفة قول مطروح.
ثانياً: وأما الاعتراض الثاني وهو كيف يكلفون في الآخرة، والآخرة دار جزاء لا دار تكليف؟ فيرد عليه بأننا معكم، فالآخرة دار الجزاء، وهي دار الاستقرار إما في الجنة وإما في النار، ولكن لا يمنع ذلك أن يكون على العرصات تكليف، فقد ورد الشرع بذلك، قال الله تعالى: ﴿وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ﴾ [القلم:٤٢]، وفي الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: (إن المؤمنين والمنافقين معاً يقفون ينتظرون الله، فيأتي الله جل وعلا ويقول: أنا ربكم، بعد أن يأمر الله جل وعلا كل من عبد شيئاً أن يذهب خلفه، فيكورون كلهم في النار، ثم قال -وهذا والشاهد من الحديث-: ويأتيهم الله جل وعلا بالعلامة التي يعرفونها، فيكشف عن ساقه، فينزل كل مؤمن كان يسجد سجوداً مخلصاً فيه لله جل وعلا فيسجد لله, والمنافق يرجع ظهره طبقة ولا يستطيع السجود) فهذا يكون في عرصات القيامة، وهو تكليف.
ثالثاً: وأما الاعتراض الثالث وهو: أنهم كلفوا ما لا يطيقون، فالجواب عليه أن تكليف الله لهم بالنزول إلى النار تكليف من حكيم عليم، وقد قال سبحانه: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا﴾ [الطلاق:٧] فهذا دليل على أن ما في الحديث ليس تكليفاً بما لا يطاق، ولذلك نظائر في الشرع، منها: فتنة الدجال , فالنبي ﷺ لما وصفه قال: (معه نار وجنة) وقال النبي ﷺ : (على المؤمن أن يدخل النار)، فهو هنا يأمره بدخول النار التي مع الدجال، وهذا الأمر والإنسان في الدنيا، فلو قلنا بقولكم لكان هذا أيضاً تكليف بما لا يطاق, إذ قال ﵊: (لا تدخلوا جنته، فإن جنته نار)، فيغمض المؤمن عينه ويدخل ناره، فيجدها برداً وسلاماً.
وكذلك: فإن الله جل وعلا يأمر الناس يوم القيامة في العرصات أن يمروا على متن الصراط، والصراط قد وصفه النبي ﷺ بقوله: (أحد من السيف، وأدق من الشعرة)، والمرور عليه مما لا يطاق، وهم يمرون عليه كالبرق وهو على متن جهنم.
إذاً: فلا حجة للقول بأن امتحان أهل الفترة تكليف بما لا يطاق المرء، فإن له نظائر من الشرع في الدنيا، كأمر النبي ﷺ المؤمن أن يدخل نار الدجال؛ لأنها ستكون عليه برداً وسلاماً, وفي الآخرة كأمر الله العباد أن يمروا على الصراط، وهو أحد من السيف وأدق من الشعرة، وهو أيضاً على متن جهنم.
ولهذا فإن الصحيح الراجح أن أهل الفترة غير معذبين في الآخرة، بل هم ممتحنون فيها، معذورون في الدنيا.
стр. 380
استشكال وجوابه
وقد يرد إشكال في قول النبي ﷺ كما في صحيح مسلم: (إن أبي وأباك في النار)، وقوله: (واستأذنت ربي أن أستغفر لأمي فلم يأذن لي) وهو أن عبد الله أبا النبي ﷺ من أهل الفترة -لم يأته نبي- وكذلك أمه ﷺ ، ومع ذلك فالنبي ﷺ أخبر أنهما في النار.
الجواب
أن الضابط في معرفة أهل الفترة أنهم من لم يأتهم رسول، وكذلك: من لم تبلغهم الدعوة، فلو أن رجلاً قال: لن أفعل شيئاً، لأنه لم يأتني رسول، والله يقول: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء:١٥]، ويقول: ﴿وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ﴾ [النور:٥٤]، فيقال له: سنقيم عليك الحجة بأنه قد جاءك رسول، فالله جل وعلا يقول: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء:١٦٥] والحجة التي تقام عليك هي رسالات الله جل وعلا, والتي بلغها لك الرسل أو ورثتهم، وهم العلماء، ففي الحديث: (العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا درهماً ولا ديناراً، وإنما ورثوا العلم).
فأبوا النبي ﷺ قد بلغتهما دعوة إبراهيم، وإن لم نقل بأن دعوة إبراهيم قد بلغتهما، فدعوة عيسى ﵇، بدلالة أن في ذلك الزمان من تنصر، وهو ورقة بن نوفل، وأيضاً فإن النبي ﷺ سألته عائشة كما في الصحيح قالت: (يا رسول الله! علي بن زيد بن جدعان كان يصل الرحم، ويكرم الضيف أله في هذا الفعل من أجر؟ فقال النبي ﷺ : لا، إنه ما قال يوماً: رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين) وقد عرف رسول الله أن ابن جدعان سيعذب؛ لأنه قد بلغته دعوة موسى أو عيسى أو إبراهيم ﵈.
إذاً: فهؤلاء ليسوا بأهل فترة، وإن تخلف عنهم الرسل فقد وصلتهم دعوة الرسل، فهذا رد على استدلال النووي بحديث النبي ﷺ : (إن أبي وأباك في النار)، وحديث: (إن النبي ﷺ استأذن ربه أن يستغفر لأمه فأبى عليه) على أن أهل الفترة في النار.
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.
стр. 381
شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة - ذكر الوحي - الرسالة - النبوة - الفرق بين الرسول والنبي
إن الرسالة أو النبوة شرف لا يدانيه شرف، وما هي إلا اصطفاء واجتباء من الله لمن شاء من خلقه، لا كما تدعيه المبتدعة من أنه يمكن للإنسان أن يصل إليها بزهده وخلواته بربه، وقد ميز الله رسله وأنبياءه بميزات على سائر الخلق، وأيدهم بمعجزات ظاهرة باهرة؛ لتزداد ثقة الناس بهم، وليصدقهم أعداؤهم أو تقام الحجة عليهم، وقد حبا الله نبينا محمداً ﷺ بمعجزات لم يعطها نبياً قبله، لكونه خاتمهم، وشريعته إلى الخلق كلهم، عربهم وعجمهم، أسودهم وأبيضهم، وكثير منها نراه اليوم بين أظهرنا واضحة للعيان.
стр. 382
بيان ما يتضمنه باب بدء الوحي
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
إخوتي الكرام! ندخل في باب جديد في كتاب (شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة) هذا الباب هو: بدء الوحي، وتوطئة لهذا الباب، نبدأ بالكلام على الرسالة والنبوة، والفرق بين الرسول والنبي، وأقوال أهل العلم في ذلك، ثم بعد ذلك نبين أن الله جل وعلا إذا اختار نبياً اختاره عن حكمة وعلم، واختاره بفضيلة كانت فيه وهبه الله إياها، ونبين عطب كلام الفلاسفة الذين قالوا: إن النبوة مكتسبة، ثم نختم بكيفية الوحي، ومجيء الوحي، أو إرهاصات ومقدمات في تهيئة الناس لمبعث النبي ﷺ .
стр. 383
معنى النبي والرسول
النبي: مشتق من النبأ وهو الخبر، والنبي مُخبَر ومخبِر، مخبَر من قبل الله، أخبره الله بشيء سيخبره، قال الله تعالى حاكياً عن بعض أزواج النبي ﷺ : ﴿قَالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هَذَا﴾ [التحريم:٣] أي: من أخبرك؟ وهو مخبِر، أي: مخبِر عن الله جل وعلا بما أخبره به، قال الله تعالى: ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الحجر:٤٩] فمعنى: (نبئ) أي: أخبر.
إذاً: فالنبي مخبِر عن الله جل وعلا، ومخبَر من قبل الله جل وعلا.
وقيل: هو مشتق من النبوة، وهو الشيء المرتفع (العلامة)، وهو حق في حق الأنبياء؛ لأنهم أرفع الناس مقاماً، وهم العلامة على الهدى.
أما الرسول: فهو الموجه بأمر ليبلغه، وهو مشتق من قول الله تعالى حاكياً عن ملكة سبأ: ﴿وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ﴾ [النمل:٣٥]، وأيضاً كان رسول الله ﷺ يوجه رسله إلى ملوك فارس والروم، ونحوهم، فمنها: قوله: (باسم الله، من محمد رسول الله! السلام على من اتبع الهدى، أسلم تسلم وإلا فعليك إثم الأريسيين) يعني: الفلاحين.
стр. 384
أقوال أهل العلم في الفرق بين الرسول والنبي
اختلف أهل العلم في مسألة الفرق بين الرسول وبين النبي على ثلاثة أقوال: القول الأول: لا فرق بين الرسول والنبي، وهذا القول أضعف الأقوال الثلاثة؛ لأن الله جل وعلا قد غاير بين الرسول والنبي، والرسول ﷺ قد غاير بين النبي والرسول، فقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾ [الحج:٥٢]، فوجه الشاهد قوله: ((مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ)) والأصل في العطف المغايرة، فيكون الرسول غير النبي.
أيضاً: سئل النبي ﷺ عن عدد الأنبياء فجعل لهم عدداً خاصاً بهم، وسئل عن عدد الرسل فجعل لهم عدداً خاصاً بهم، كما في الحديث: (سئل عن عدة الأنبياء، فقال: أربعة وعشرون ومائة ألف، وسئل عن عدة الرسل، فقال: ثلاثمائة وبضعة عشر رسولاً)، فهذا فيه دلالة على المغايرة بين الرسول والنبي، وهذا رد قاطع على هذا القول فيكون ضعيفاً.
القول الثاني: قول جمهرة من أهل العلم، وهو أن الرسول أعم من النبي، وبينهما أمر مخصوص، فكل رسول نبي ولا عكس، وقالوا: الرسول: هو من أوحي إليه بشيء وأمر بتبليغه، والنبي: هو من أوحي إليه بشيء ولم يؤمر بالتبليغ.
يعني: الرسول والنبي يتفقان في الوحي، ويختلفان في التبليغ، فالرسول أُمر بالتبليغ، والنبي لم يؤمر بالتبليغ، واستدلوا على قولهم بأن كل آيات القرآن: إذا ذكرت الرسول قرنت معه البلاغ، وأما الأنبياء إذا ذكروا فلم يقرن معهم البلاغ، من ذلك قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ [المائدة:٦٧].
القول الثالث: -وهو من القوة بمكان وقاله قال بعض أهل العلم-: وهو أن هناك فرق بين الرسول والنبي، لكن الرسول هو الذي أوحي إليه بشرع جديد ناسخ للشرع الذي قبله، أو ناسخ لبعض الشرع الذي قبله، وأمر بتبليغ هذا الشرع.
أما النبي فهو الذي يأتي بعد رسول ولم يأتِ بشرع جديد، وإنما جاء بنفس الشرع الذي سبقه به الرسول الذي قبله؛ ليجدده للأمة، وأصحاب هذا القول استدلوا على ذلك بعدة أدلة قوية جداً: منها: أن بني إسرائيل كانت تسوسهم الأنبياء، يأتي النبي ليحكم بشريعة الرسول الذي سبقه.
وأيضاً استدلوا بقول الله تعالى: ((وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ))، قالوا: والإرسال لازمه البلاغ.
ونستدل لهم بآية أقوى من هذه في الدلالة، وهي قول الله تعالى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ﴾ [البقرة:٢١٣]، ولم يقل: الرسل، والبشارة والنذارة للرسول، وجعلها أيضاً صفة النبي، لكن ليس هذا القول براجح.
والذي يتبين لي أن الراجح هو القول الثاني، أي: أن كل رسول نبي ولا عكس؛ لأن التعريف في القول الثالث يعترض عليه بآدم ﵇، ففي صحيح ابن حبان سئل النبي ﷺ : (أآدم نبي؟ قال: نعم)، فخبرونا من الرسول الذي جاء قبل آدم بشرع وجاء آدم ليجدد هذا الشرع؟! إذاً: فهذا التعريف غير مطرد ولا يسلم من معارض.
وأما الرد على استدلالهم بالآية الأقوى دلالة وهي قول الله تعالى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ﴾ [البقرة:٢١٣]، فنقول في الرد عليهم: ما من نبي ذكر في القرآن مبلغاً إلا وكان رسولاً، والدليل على ذلك قوله تعالى: ﴿وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ﴾ [النساء:١٦٤]، يعني: كل من قصصنا عليك في القرآن هم رسل مبلغون، ولا ينكر علينا إن قلنا: إنه نبي ورسول؛ لأن كل رسول نبي ولا عكس، فإذا ذكرتم أن الرسول نبي يصح من باب أولى.
إذاً: كل من قصصنا عليك في القرآن فهو رسول حتى ولو ذكرناه بلقب أنه نبي، وبهذا يكون الرسول أعم من النبي، إذاً: فكل رسول نبي ولا عكس، والرسول: هو من أوحي إليه بشرع وأمر بالتبليغ، والنبي: هو من أوحي إليه ولم يؤمر بالتبليغ، ولو بلغ لا ينكر عليه، لكنه لم يؤمر لزاماً بالتبليغ.
стр. 385
الأقوال في مسألة النبوة والرسالة
النبوة غير مكتسبة، لكن الفلاسفة زعمت بأن النبوة مكتسبة، أي: يمكن للإنسان أن يتزهد وأن يصوم النهار ويقوم الليل، ثم يخلو بربه الساعات الطوال ويترك الدنيا وما فيها وما عليها، وبذلك يأتيه جبريل فيوحي إليه بوحي على زعم الفلاسفة في كون النبوة مكتسبة.
وهذا كلام باطل، بل هو أقرب إلى الكفر منه إلى الإيمان، بل النبوة منة ومحض فضل ورحمة من الله جل وعلا، قال : ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ﴾ [الحج:٧٥] وقال الله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ﴾ [يوسف:٦] ولما قالوا: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ﴾ [الأنعام:١٢٤]، ردّ الله عليهم: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام:١٢٤]، وقال الله تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ﴾ [مريم:٥٨].
يعني: النبوة هي محض رحمة ونعمة من الله جل وعلا، قال : ﴿وَمَا كُنتَ تَرْجُوا أَنْ يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابُ إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾ [القصص:٨٦] أي: هي رحمة من الله جل وعلا، لا مكتسبة.
وإذا كانت النبوة محض فضل، فهل يمكن أن يضعها الله في أي أحد؟ حاشا لله، بل هي نابعة عن علم وحكمة، فقد اختار الله إبراهيم ليكون أبا الأنبياء على حكمة وعلم، واختار الله جل وعلا النبي محمداً ﷺ أيضاً بحكمة وبعلم.
стр. 386
ميزات الرسل على سائر الناس
هناك مميزات ميز الله بها الرسول أو النبي على البشر، منها: أن الله جل وعلا وصف الأنبياء والرسل بصفات تفوق صفات البشر، فهم أشرف نسباً، وأعظم الناس خَلقاً وخُلقاً، فقد هيأهم الله جل وعلا لأمر عظيم وهو أمر الرسالة والدعوة.
стр. 387
نسب النبي ﷺ
نحن بصدد الكلام على رسولنا محمد ﷺ ، وبما حباه الله جل وعلا حتى صار سيد ولد آدم، وهو أعظم الخلق على الإطلاق، وأشرف الناس نسباً على الإطلاق، وهو أجملهم وجهاً وأحسنهم خُلقاً على الإطلاق، انظروا إلى نسب النبي ﷺ ، ففي البخاري عن النبي ﷺ أنه قال: (اصطفى الله من ولد إسماعيل كنانة، ثم اصطفى قريشاً منهم، واصطفى بني هاشم من قريش، واصطفاني من بني هاشم)، هذه السلسلة هي أفضل سلسلة على الإطلاق، فالعرب هم أفضل الناس، وأفضل الناس من ولد إسماعيل كنانة، وأفضل ولد هؤلاء قريش، وأفضل قريش هم بنو هاشم، وأفضل إنسان في بني هاشم هو رسول الله ﷺ .
وكان النبي ﷺ يقول: (اختارنا الله جل وعلا من خير القرون، من لدن آدم إلى القرن الذي كنت فيه)، فكان النبي ﷺ في خير القرون.
وأيضاً في الترمذي قال: (أنا خير الناس بيتاً، وأشرف الناس نسباً).
стр. 388
صفات النبي ﷺ الخلقية
أما خَلقاً فحدث وابتهج، وليبتهج قلبك بأن الله جل وعلا حبا رسوله ﷺ بالقبول، فقد كان إذا رآه أحد أحبه، فكان النبي ﷺ أجمل من القمر، وأجمل من الشمس، قال جابر بن سمرة ﵁ وأرضاه كما في الترمذي: (نظرت إلى وجه رسول الله ﷺ ، ونظرت إلى القمر ليلة البدر، فو الله لوجه رسول الله ﷺ أجمل من القمر ليلة البدر).
وفي مسلم: (كان النبي ﷺ إذا سر -يعني: ابتهج- استنار وجهه كأنه قطعة من القمر).
وكانوا يعرفون فرح النبي ﷺ باستنارة وجهه، وفي رواية أخرى قال: (كان وجه رسول الله ﷺ كالشمس أو كالقمر مستديراً).
وفي البخاري أو في غيره: (كان النبي ﷺ كثّ اللحية تعلوه الحمرة -يعني: بياض مشروب بحمرة- وكان وجهه مستديراً، وكان له جمة إلى شحمة أذنه) يعني: كان شعره ينزل إلى الأذن ﷺ .
ووصفه بعض الواصفين، فقال: كان رسول الله ﷺ عريض المنكبين، ضخم الرأس والأطراف والرجل، أوتي قوة أربعين رجلاً ﷺ ، ما رآه أحد إلا وأحبه، ما مس يده أحد إلا ولان قلبه قبل أن تلين يده، كما في الصحيحين عن أنس ﵁ وأرضاه: (والله ما مست يدي ديباجاً ولا حريراً ألين من يد رسول الله ﷺ ، وكان التابعون يشتاقون إلى رؤية رسول الله ﷺ الذي وجهه أجمل وأحلى من القمر، بل هو أجمل من يوسف ﵇؛ لأننا كما سنبين في المعجزات التي كانت للنبي ﷺ ، فقد جمعت له كل خصال الخير.
كان الواحد من التابعين يقف أمام ابن مسعود ويقول: (كنتم تجلسون مع رسول الله، والله لو كان رسول الله بيننا ما جعلناه يمشي على الأرض، ولحملناه على أكتافنا! فقال له ابن مسعود: رويدك يا بني، لعلك لم تكن مؤمناً لو رأيته، فقد رأت قريشُ رسولَ الله ﷺ ورأوا الأعاجيب، انشقاق القمر، ورأوه عياناً ولم يؤمنوا به ﷺ .
إذاً: فكان التابعون يتمنون رؤية رسول الله ﷺ ولو باعوا أنفسهم وأموالهم، ولذلك علماء الجرح والتعديل فضلوا الصحابة على غيرهم، وقالوا: ساعة واحدة فيها رؤية النبي ﷺ خير من التابعين كلهم، بل بالأمة بعده، ولما قارنوا بين معاوية بن أبي سفيان وبين عمر بن عبد العزيز الذين سطروا له في التاريخ أنه خامس الخلفاء، قالوا: والله! لساعة من معاوية جلس فيها بين يدي رسول الله ﷺ يتأمل وجهه الكريم، خير من عمر بن عبد العزيز وأهل بيته.
فرؤية الرسول ﷺ كانت عبادة، وبركة.
стр. 389
أخلاقه ﷺ
أما عن الخلُق، فهو الأسوة والقدوة، وقد ضيعنا هذه الأسوة! فنستغفره الله على ذلك.
كان النبي ﷺ : أعظم الناس وأرفعهم خُلقاً؛ لما وصفه الله جل وعلا ومدحه، مدحه بأعظم الصفات والسمات، فقال : ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم:٤].
وفي الحديث: (سئلت عائشة ﵂ وأرضاها: عن خلقه ﷺ ، فقالت: كان خلقه القرآن).
وأيضاً في الصحيحين عن أنس قال: (ما مست يدي ديباجاً ولا حريراً ألين من يد رسول الله ﷺ وقال: (لا والله ما قال لي لشيء أنا فعلته: لم فعلته؟ ولا لشيء لم أفعله: لِمَ لمْ تفعله)، وهذا من أدب وخلق النبي ﷺ ، فقد كان يطرح المعاتبة؛ لأن المعاتبة تجعل في القلوب شيئاً، وكان النبي ﷺ يعقب ويقول: (لو قدر له لفعل) وهذا من حسن خلق النبي ﷺ فقد كان يحيل الأمر على قدر الله جل وعلا.
وكان يحث على حسن الأخلاق فيقول: (أقربكم مني منزلة يوم القيامة وأحبكم إليّ أحاسنكم أخلاقاً، وأبعدكم مني منزلة يوم القيامة وأبغضكم إليَّ أسوؤكم أخلاقاً).
وكان يقول: (خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي).
وكان النبي ﷺ أعظم الناس وأحسنهم خُلُقاً، كان رفيقاً شفيقاً رحيماً بعباد الله جل وعلا، كانوا يقولون: (يا رسول الله! ألا تدعو على المشركين؟ فيقول: إنما بعثت رحمة ولم أبعث لعاناً).
وكانت صفته في التوراة: (أنه ليس بصخاب في الأسواق، وليس بفاحش ولا بذيء ولا لعان) حتى إنه أنكر على عائشة عندما دخل بعض اليهود فقالوا لرسول الله ﷺ : (السام عليك!) والسام بمعنى الموت، فقالت عائشة ﵂ وأرضاها: (وعليكم الموت يا أحفاد القردة والخنازير، فقال النبي ﷺ : لا يا عائشة يكفيك أن تقولي: وعليكم، إن الله تعالى لا يحب الفاحش البذيء)، فهو يعلم عائشة التأدب ويقول: (كان يكفيك أن تقولي: وعليكم، إن الله لا يحب الفاحش البذيء).
وكان النبي ﷺ رحيماً بعباد الله، قال الله تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ﴾ [آل عمران:١٥٩].
وفي الصحيح: (جاء أعرابي إلى النبي ﷺ ، فجبذه جبذة شديدة، حتى أثرت في صفحة عنق النبي ﷺ ، فقال: أعطني من مال الله، ليس مالك ولا مال أبيك، فقال النبي ﷺ : أعطوه من المال، أو أمر له بعطاء) وجاء يهودي كان قد أقرض النبي ﷺ قرضاً، فأغلظ على النبي ﷺ في الطلب، فقام عمر يريد أن يضرب عنق هذا الكافر، فقال له النبي ﷺ معلماً له: (أو غير ذلك، إن لصاحب الحق مقالاً، كان عليك أن تأمره بحسن الطلب، وتأمرني بحسن الأداء).
وفي الصحيح عن عائشة ﵂ وأرضاها أنها قالت: قال رسول الله ﷺ : (إن الله رفيق يحب كل رفيق، ويجازي على الرفق ما لا يجازي على غيره)، وأيضاً في المسند عن الإمام أحمد عن عائشة ﵂ وأرضاها: أن النبي ﷺ قال: (ما كان الرفق في شيء إلا زانه وما نزع من شيء إلا شانه).
وكان النبي ﷺ أجود الناس، وكان أجود من الريح المرسلة، وهذا أيضاً من حسن الخلق، وكان النبي ﷺ يعطي عطاء من لا يخشى الفقر، فقد جاءه رجل فتألفه رسول الله ﷺ ، وذلك بأن رأى الرجل ينظر إلى وادي من الغنم، فقال له ﷺ : (هذا لك! قال: هذا لي! أتستهزئ بي؟ قال: هذا لك! فلما علم صدق النبي ﷺ رجع إلى قومه، فقال: يا قوم! أسلموا فإن محمداً يعطي عطاء من لا يخشى الفقر).
وفي الصحيحين: (مر الرسول ﷺ مع أبي موسى الأشعري عند جبل أحد فقال ﷺ : تمنيت أن يكون لي مثل هذا ذهباً فأنفقه حتى لا يبقى منه إلا ثلاثة دنانير) وكان النبي ﷺ -مع جوده وكرمه- أزهد الناس في الدنيا، وكان يزهد أصحابه في الدنيا، فكان يقول: (الدنيا ملعونة، ملعون ما فيها إلا ذكر الله وما ولاه، وعالماً أو متعلماً)، وكان النبي ﷺ يقول: (ما لي ولدنيا، ما أنا إلا كراكب قال تحت شجرة -من القيلولة- ثم تركها وراح).
ولما آلى من نسائه كما في الحديث الطويل الذي في البخاري دخل عليه عمر فوجد الحصير، قد أثر في جنبه ﷺ فحزن لهذا، وقال: (يا رسول الله! أنت رسول الله والحصير قد أثر في جنبك، وكسرى وقيصر على الكفر يتنعمون في الحرير، وينامون على الفراش الوفير، فقال النبي ﷺ : أما ترضى يا عمر أن يكون لهم الدنيا ولنا الآخرة).
وكانت عائشة ﵂ تصفه وتقول: (ما انتقم رسول الله ﷺ لنفسه قط).
فمن منا يفعل ذلك؟ لو أن الواحد منا جاهد نفسه وعمل بمقتضى الآيات التي تحض على العفو والصفح لما عاداه أحد، ومن هذه الآيات قوله تعالى: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [الشورى:٤٠]، والثانية قول الله تعالى: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ [فصلت:٣٤]، أي: من كان بينك وبينه عداوة شديدة، فتحسن إليه كأن تأتيه بهدية أو تكلمه بلين الكلام فإنه يصبح أحب الناس إليك، وقبل ذلك كله تنال الأجر من الله .
وكان ﷺ محبوباً بين كل أصحابه، لدرجة أنه كان إذا تنخم فوقعت النخامة في يد أحدهم يدلك بها وجهه، وكانوا يعظمونه تعظيماً شديداً، ولذلك لما رأى عروة بن مسعود الثقفي هذا الذي يفعل بالنبي ﷺ من أصحابه، رجع إلى قريش وقال: (والله لقد دخلت على كسرى وقيصر، ودخلت على ملوك الدنيا فما رأيت أحداً يعظم ملكه مثل ما يعظم أصحاب محمد ﷺ محمداً ﷺ لِم؟ لهذه الأخلاقيات.
وأيضاً كان ﷺ كامل الالتزام ملتزماً بالشرع، قالت عائشة ﵂: (وما مست يده الشريفة امرأة قط).
стр. 390
إرهاصات ومعجزات النبي قبل ولادته وقبل بعثته
لقد اختار الله محمداً ﷺ ليكون نبياً وهيأه لذلك، فهو أشرف الناس نسباً وأعظمهم خَلقاً وخُلُقاً ﷺ .
قبل البعثة وقبل ظهور الأمر العظيم الذي سيشرق على هذه الدنيا، هيأ الله الدنيا لمخرج هذا الرجل العظيم، فهو أعظم رجل في العالم، وهو سيد الأولين والآخرين، وهو صاحب أعظم رسالة، وهو خاتم الأنبياء، فقبل ولادته ظهرت إرهاصات ومقدمات؛ حتى تتهيأ البشرية لمقدم الرسول الكريم ﷺ .
وفي سنة ولادة النبي ﷺ حدثت معجزة من أكبر المعجزات، وكانت توطئة ليعلم الناس أنهم سيستقبلون أمراً عظيماً، ألا وهي أن أبرهة جاء ومعه الفيل ومعه جنوده لهدم الكعبة، وهذه المعجزة قصها الله علينا في القرآن، فقال الله : ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ * أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ﴾ [الفيل:١ - ٢]، ثم جاءت المعجزة الكبيرة: ﴿وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ * تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ﴾ [الفيل:٣ - ٤]، حتى إن عبد المطلب لما ذهب إلى أبرهة يطلب منه أن يرد عليه إبله، قال أبرهة: كنت عظيماً في عيني قبل اليوم، يعني: بما أنك عظيم قريش، وقريش الكعبة، فالأصل أن تتكلم عن الكعبة لا عن الإبل، فرد عليه عبد المطلب بقوله: أنا رب إبلي وللبيت رب يحميه، فتناثر الناس يميناً ويساراً وتركوا الكعبة لأبرهة، فلما دخل أبرهة مكة أنزل الله هذه المعجزة العظيمة: ((وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ))، ((تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ))، ((فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ))، فكانت إرهاصة وكالمقدمة والتوطئة لمبعث رجل عظيم.
أيضاً من المعجزات: أن أمه حين ولدت به رأت نوراً خرج من فرجها قد أضاء له قصور الشام.
فهذه كانت إرهاصات وتوطئة لمقدم النبي ﷺ ، ولما بلغ ﷺ الرابعة من عمره، جاء ملكان فشقا بطن الرسول ﷺ فاستخرجا قلبه وشقاه، فأخرجا منه علقة سوداء فقالا: هذا حظ الشيطان من الرسول ﷺ ، وأهل الاعتزال والبدع يردون هذا الحديث، ويقولون: كيف يشق الملك بطن النبي ﷺ ، ويخرج قلبه، ويخرج حظ الشيطان منه؟! نقول: أنتم في العصور المادية الآن، فلو قام طبيب من الأطباء وعمل في البطن عمليات، فهل تصدقون ذلك؟ ستصدقون، وهذا ملك نزل من السماء إلى الأرض، وعلمه الحكيم العليم ، فشق بطن النبي ﷺ ، فلماذا لا تصدقون؟! ويقال: إنه حدث هذا الأمر لرسول الله ﷺ ثلاث مرات: المرة الأولى: وهو ابن أربع سنوات، والمرة الثانية: وهو ابن عشر سنين، والمرة الثالثة: ليلة المعراج، حين نزل جبريل ففتح صدر النبي ﷺ وملأه حكمة وعلماً؛ توطئة لأمر المعراج، وهذه كانت من المقدمات لمبعث النبي ﷺ .
أيضاً لما كان صغيراً وكان يحمل الحجر لبناء الكعبة، قال له العباس آمراً إياه: (يا بني! خذ إزارك وضعه على كتفك، فظهرت عورته فغشي عليه، فلم يرَ النبي ﷺ بعد ذلك عرياناً قط).
أيضاً: حفظ الله رسوله ﷺ ، وصانه من اعتقادات أهل الجهل ومن أخلاقياتهم، فكان يبغض الأوثان، ويبغض أخلاقيات أهل الجاهلية من شرب الخمر أو النظر إلى النساء، وكان يخلو بربه في غار حراء يتحنث فيه الليالي ذوات العدد، ثم يأتيه الملك.
следующие страницы →