← Акыда

Акыда · id 37435

شرح أصول اعتقاد أهل السنة للالكائي - محمد حسن عبد الغفار

محمد حسن عبد الغفار

Полный текст (838 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

ميزات الرسل على سائر الناس هناك مميزات ميز الله بها الرسول أو النبي على البشر، منها: أن الله جل وعلا وصف الأنبياء والرسل بصفات تفوق صفات البشر، فهم أشرف نسباً، وأعظم الناس خَلقاً وخُلقاً، فقد هيأهم الله جل وعلا لأمر عظيم وهو أمر الرسالة والدعوة.

стр. 387

نسب النبي ﷺ نحن بصدد الكلام على رسولنا محمد ﷺ ، وبما حباه الله جل وعلا حتى صار سيد ولد آدم، وهو أعظم الخلق على الإطلاق، وأشرف الناس نسباً على الإطلاق، وهو أجملهم وجهاً وأحسنهم خُلقاً على الإطلاق، انظروا إلى نسب النبي ﷺ ، ففي البخاري عن النبي ﷺ أنه قال: (اصطفى الله من ولد إسماعيل كنانة، ثم اصطفى قريشاً منهم، واصطفى بني هاشم من قريش، واصطفاني من بني هاشم)، هذه السلسلة هي أفضل سلسلة على الإطلاق، فالعرب هم أفضل الناس، وأفضل الناس من ولد إسماعيل كنانة، وأفضل ولد هؤلاء قريش، وأفضل قريش هم بنو هاشم، وأفضل إنسان في بني هاشم هو رسول الله ﷺ . وكان النبي ﷺ يقول: (اختارنا الله جل وعلا من خير القرون، من لدن آدم إلى القرن الذي كنت فيه)، فكان النبي ﷺ في خير القرون. وأيضاً في الترمذي قال: (أنا خير الناس بيتاً، وأشرف الناس نسباً).

стр. 388

صفات النبي ﷺ الخلقية أما خَلقاً فحدث وابتهج، وليبتهج قلبك بأن الله جل وعلا حبا رسوله ﷺ بالقبول، فقد كان إذا رآه أحد أحبه، فكان النبي ﷺ أجمل من القمر، وأجمل من الشمس، قال جابر بن سمرة ﵁ وأرضاه كما في الترمذي: (نظرت إلى وجه رسول الله ﷺ ، ونظرت إلى القمر ليلة البدر، فو الله لوجه رسول الله ﷺ أجمل من القمر ليلة البدر). وفي مسلم: (كان النبي ﷺ إذا سر -يعني: ابتهج- استنار وجهه كأنه قطعة من القمر). وكانوا يعرفون فرح النبي ﷺ باستنارة وجهه، وفي رواية أخرى قال: (كان وجه رسول الله ﷺ كالشمس أو كالقمر مستديراً). وفي البخاري أو في غيره: (كان النبي ﷺ كثّ اللحية تعلوه الحمرة -يعني: بياض مشروب بحمرة- وكان وجهه مستديراً، وكان له جمة إلى شحمة أذنه) يعني: كان شعره ينزل إلى الأذن ﷺ . ووصفه بعض الواصفين، فقال: كان رسول الله ﷺ عريض المنكبين، ضخم الرأس والأطراف والرجل، أوتي قوة أربعين رجلاً ﷺ ، ما رآه أحد إلا وأحبه، ما مس يده أحد إلا ولان قلبه قبل أن تلين يده، كما في الصحيحين عن أنس ﵁ وأرضاه: (والله ما مست يدي ديباجاً ولا حريراً ألين من يد رسول الله ﷺ ، وكان التابعون يشتاقون إلى رؤية رسول الله ﷺ الذي وجهه أجمل وأحلى من القمر، بل هو أجمل من يوسف ﵇؛ لأننا كما سنبين في المعجزات التي كانت للنبي ﷺ ، فقد جمعت له كل خصال الخير. كان الواحد من التابعين يقف أمام ابن مسعود ويقول: (كنتم تجلسون مع رسول الله، والله لو كان رسول الله بيننا ما جعلناه يمشي على الأرض، ولحملناه على أكتافنا! فقال له ابن مسعود: رويدك يا بني، لعلك لم تكن مؤمناً لو رأيته، فقد رأت قريشُ رسولَ الله ﷺ ورأوا الأعاجيب، انشقاق القمر، ورأوه عياناً ولم يؤمنوا به ﷺ . إذاً: فكان التابعون يتمنون رؤية رسول الله ﷺ ولو باعوا أنفسهم وأموالهم، ولذلك علماء الجرح والتعديل فضلوا الصحابة على غيرهم، وقالوا: ساعة واحدة فيها رؤية النبي ﷺ خير من التابعين كلهم، بل بالأمة بعده، ولما قارنوا بين معاوية بن أبي سفيان وبين عمر بن عبد العزيز الذين سطروا له في التاريخ أنه خامس الخلفاء، قالوا: والله! لساعة من معاوية جلس فيها بين يدي رسول الله ﷺ يتأمل وجهه الكريم، خير من عمر بن عبد العزيز وأهل بيته. فرؤية الرسول ﷺ كانت عبادة، وبركة.

стр. 389

أخلاقه ﷺ أما عن الخلُق، فهو الأسوة والقدوة، وقد ضيعنا هذه الأسوة! فنستغفره الله على ذلك. كان النبي ﷺ : أعظم الناس وأرفعهم خُلقاً؛ لما وصفه الله جل وعلا ومدحه، مدحه بأعظم الصفات والسمات، فقال : ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم:٤]. وفي الحديث: (سئلت عائشة ﵂ وأرضاها: عن خلقه ﷺ ، فقالت: كان خلقه القرآن). وأيضاً في الصحيحين عن أنس قال: (ما مست يدي ديباجاً ولا حريراً ألين من يد رسول الله ﷺ وقال: (لا والله ما قال لي لشيء أنا فعلته: لم فعلته؟ ولا لشيء لم أفعله: لِمَ لمْ تفعله)، وهذا من أدب وخلق النبي ﷺ ، فقد كان يطرح المعاتبة؛ لأن المعاتبة تجعل في القلوب شيئاً، وكان النبي ﷺ يعقب ويقول: (لو قدر له لفعل) وهذا من حسن خلق النبي ﷺ فقد كان يحيل الأمر على قدر الله جل وعلا. وكان يحث على حسن الأخلاق فيقول: (أقربكم مني منزلة يوم القيامة وأحبكم إليّ أحاسنكم أخلاقاً، وأبعدكم مني منزلة يوم القيامة وأبغضكم إليَّ أسوؤكم أخلاقاً). وكان يقول: (خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي). وكان النبي ﷺ أعظم الناس وأحسنهم خُلُقاً، كان رفيقاً شفيقاً رحيماً بعباد الله جل وعلا، كانوا يقولون: (يا رسول الله! ألا تدعو على المشركين؟ فيقول: إنما بعثت رحمة ولم أبعث لعاناً). وكانت صفته في التوراة: (أنه ليس بصخاب في الأسواق، وليس بفاحش ولا بذيء ولا لعان) حتى إنه أنكر على عائشة عندما دخل بعض اليهود فقالوا لرسول الله ﷺ : (السام عليك!) والسام بمعنى الموت، فقالت عائشة ﵂ وأرضاها: (وعليكم الموت يا أحفاد القردة والخنازير، فقال النبي ﷺ : لا يا عائشة يكفيك أن تقولي: وعليكم، إن الله تعالى لا يحب الفاحش البذيء)، فهو يعلم عائشة التأدب ويقول: (كان يكفيك أن تقولي: وعليكم، إن الله لا يحب الفاحش البذيء). وكان النبي ﷺ رحيماً بعباد الله، قال الله تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ﴾ [آل عمران:١٥٩]. وفي الصحيح: (جاء أعرابي إلى النبي ﷺ ، فجبذه جبذة شديدة، حتى أثرت في صفحة عنق النبي ﷺ ، فقال: أعطني من مال الله، ليس مالك ولا مال أبيك، فقال النبي ﷺ : أعطوه من المال، أو أمر له بعطاء) وجاء يهودي كان قد أقرض النبي ﷺ قرضاً، فأغلظ على النبي ﷺ في الطلب، فقام عمر يريد أن يضرب عنق هذا الكافر، فقال له النبي ﷺ معلماً له: (أو غير ذلك، إن لصاحب الحق مقالاً، كان عليك أن تأمره بحسن الطلب، وتأمرني بحسن الأداء). وفي الصحيح عن عائشة ﵂ وأرضاها أنها قالت: قال رسول الله ﷺ : (إن الله رفيق يحب كل رفيق، ويجازي على الرفق ما لا يجازي على غيره)، وأيضاً في المسند عن الإمام أحمد عن عائشة ﵂ وأرضاها: أن النبي ﷺ قال: (ما كان الرفق في شيء إلا زانه وما نزع من شيء إلا شانه). وكان النبي ﷺ أجود الناس، وكان أجود من الريح المرسلة، وهذا أيضاً من حسن الخلق، وكان النبي ﷺ يعطي عطاء من لا يخشى الفقر، فقد جاءه رجل فتألفه رسول الله ﷺ ، وذلك بأن رأى الرجل ينظر إلى وادي من الغنم، فقال له ﷺ : (هذا لك! قال: هذا لي! أتستهزئ بي؟ قال: هذا لك! فلما علم صدق النبي ﷺ رجع إلى قومه، فقال: يا قوم! أسلموا فإن محمداً يعطي عطاء من لا يخشى الفقر). وفي الصحيحين: (مر الرسول ﷺ مع أبي موسى الأشعري عند جبل أحد فقال ﷺ : تمنيت أن يكون لي مثل هذا ذهباً فأنفقه حتى لا يبقى منه إلا ثلاثة دنانير) وكان النبي ﷺ -مع جوده وكرمه- أزهد الناس في الدنيا، وكان يزهد أصحابه في الدنيا، فكان يقول: (الدنيا ملعونة، ملعون ما فيها إلا ذكر الله وما ولاه، وعالماً أو متعلماً)، وكان النبي ﷺ يقول: (ما لي ولدنيا، ما أنا إلا كراكب قال تحت شجرة -من القيلولة- ثم تركها وراح). ولما آلى من نسائه كما في الحديث الطويل الذي في البخاري دخل عليه عمر فوجد الحصير، قد أثر في جنبه ﷺ فحزن لهذا، وقال: (يا رسول الله! أنت رسول الله والحصير قد أثر في جنبك، وكسرى وقيصر على الكفر يتنعمون في الحرير، وينامون على الفراش الوفير، فقال النبي ﷺ : أما ترضى يا عمر أن يكون لهم الدنيا ولنا الآخرة). وكانت عائشة ﵂ تصفه وتقول: (ما انتقم رسول الله ﷺ لنفسه قط). فمن منا يفعل ذلك؟ لو أن الواحد منا جاهد نفسه وعمل بمقتضى الآيات التي تحض على العفو والصفح لما عاداه أحد، ومن هذه الآيات قوله تعالى: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [الشورى:٤٠]، والثانية قول الله تعالى: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ [فصلت:٣٤]، أي: من كان بينك وبينه عداوة شديدة، فتحسن إليه كأن تأتيه بهدية أو تكلمه بلين الكلام فإنه يصبح أحب الناس إليك، وقبل ذلك كله تنال الأجر من الله . وكان ﷺ محبوباً بين كل أصحابه، لدرجة أنه كان إذا تنخم فوقعت النخامة في يد أحدهم يدلك بها وجهه، وكانوا يعظمونه تعظيماً شديداً، ولذلك لما رأى عروة بن مسعود الثقفي هذا الذي يفعل بالنبي ﷺ من أصحابه، رجع إلى قريش وقال: (والله لقد دخلت على كسرى وقيصر، ودخلت على ملوك الدنيا فما رأيت أحداً يعظم ملكه مثل ما يعظم أصحاب محمد ﷺ محمداً ﷺ لِم؟ لهذه الأخلاقيات. وأيضاً كان ﷺ كامل الالتزام ملتزماً بالشرع، قالت عائشة ﵂: (وما مست يده الشريفة امرأة قط).

стр. 390

إرهاصات ومعجزات النبي قبل ولادته وقبل بعثته لقد اختار الله محمداً ﷺ ليكون نبياً وهيأه لذلك، فهو أشرف الناس نسباً وأعظمهم خَلقاً وخُلُقاً ﷺ . قبل البعثة وقبل ظهور الأمر العظيم الذي سيشرق على هذه الدنيا، هيأ الله الدنيا لمخرج هذا الرجل العظيم، فهو أعظم رجل في العالم، وهو سيد الأولين والآخرين، وهو صاحب أعظم رسالة، وهو خاتم الأنبياء، فقبل ولادته ظهرت إرهاصات ومقدمات؛ حتى تتهيأ البشرية لمقدم الرسول الكريم ﷺ . وفي سنة ولادة النبي ﷺ حدثت معجزة من أكبر المعجزات، وكانت توطئة ليعلم الناس أنهم سيستقبلون أمراً عظيماً، ألا وهي أن أبرهة جاء ومعه الفيل ومعه جنوده لهدم الكعبة، وهذه المعجزة قصها الله علينا في القرآن، فقال الله : ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ * أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ﴾ [الفيل:١ - ٢]، ثم جاءت المعجزة الكبيرة: ﴿وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ * تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ﴾ [الفيل:٣ - ٤]، حتى إن عبد المطلب لما ذهب إلى أبرهة يطلب منه أن يرد عليه إبله، قال أبرهة: كنت عظيماً في عيني قبل اليوم، يعني: بما أنك عظيم قريش، وقريش الكعبة، فالأصل أن تتكلم عن الكعبة لا عن الإبل، فرد عليه عبد المطلب بقوله: أنا رب إبلي وللبيت رب يحميه، فتناثر الناس يميناً ويساراً وتركوا الكعبة لأبرهة، فلما دخل أبرهة مكة أنزل الله هذه المعجزة العظيمة: ((وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ))، ((تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ))، ((فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ))، فكانت إرهاصة وكالمقدمة والتوطئة لمبعث رجل عظيم. أيضاً من المعجزات: أن أمه حين ولدت به رأت نوراً خرج من فرجها قد أضاء له قصور الشام. فهذه كانت إرهاصات وتوطئة لمقدم النبي ﷺ ، ولما بلغ ﷺ الرابعة من عمره، جاء ملكان فشقا بطن الرسول ﷺ فاستخرجا قلبه وشقاه، فأخرجا منه علقة سوداء فقالا: هذا حظ الشيطان من الرسول ﷺ ، وأهل الاعتزال والبدع يردون هذا الحديث، ويقولون: كيف يشق الملك بطن النبي ﷺ ، ويخرج قلبه، ويخرج حظ الشيطان منه؟! نقول: أنتم في العصور المادية الآن، فلو قام طبيب من الأطباء وعمل في البطن عمليات، فهل تصدقون ذلك؟ ستصدقون، وهذا ملك نزل من السماء إلى الأرض، وعلمه الحكيم العليم ، فشق بطن النبي ﷺ ، فلماذا لا تصدقون؟! ويقال: إنه حدث هذا الأمر لرسول الله ﷺ ثلاث مرات: المرة الأولى: وهو ابن أربع سنوات، والمرة الثانية: وهو ابن عشر سنين، والمرة الثالثة: ليلة المعراج، حين نزل جبريل ففتح صدر النبي ﷺ وملأه حكمة وعلماً؛ توطئة لأمر المعراج، وهذه كانت من المقدمات لمبعث النبي ﷺ . أيضاً لما كان صغيراً وكان يحمل الحجر لبناء الكعبة، قال له العباس آمراً إياه: (يا بني! خذ إزارك وضعه على كتفك، فظهرت عورته فغشي عليه، فلم يرَ النبي ﷺ بعد ذلك عرياناً قط). أيضاً: حفظ الله رسوله ﷺ ، وصانه من اعتقادات أهل الجهل ومن أخلاقياتهم، فكان يبغض الأوثان، ويبغض أخلاقيات أهل الجاهلية من شرب الخمر أو النظر إلى النساء، وكان يخلو بربه في غار حراء يتحنث فيه الليالي ذوات العدد، ثم يأتيه الملك.

стр. 391

الوحي تعريفه ومراتبه الوحي لغةً: هو الإلهام بخفاء، أو الإعلام بسرعة وصدق، والوحي يمكن أن يشترك فيه بعض الأولياء مع الأنبياء والرسل، ويمكن أن يوحى إلى بعض الأولياء وذلك بالإلهام. وسنبين أن الإلهام وحي، وذلك كما في قول الله تعالى: ﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ﴾ [المائدة:١١١]، فقال: (أوحيت) باللفظ الصريح، وقوله تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلا تَخَافِي وَلا تَحْزَنِي﴾ [القصص:٧]، وهذا الوحي يسمى: إلهاماً، ويمكن أن يأتي الوحي بمعنى الإشارة قال تعالى: ﴿فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ [مريم:١١]. وأيضاً يشترك الأنبياء في هذا الوصف، ولكن بالنسبة للأنبياء هو نفث في الروح، كما قال رسول الله ﷺ : (نفث في روعي الروح الأمين: أنه لن تموت نفس حتى تستوفي أجلها ورزقها). فالوحي مراتب: أولها: الرؤيا الصالحة، فالرؤيا من مقامات ومراتب الوحي، ورؤيا الأنبياء حق لا بد أن تبلغ فهي شرع، قال الله تعالى -مبيناً ذلك عن إبراهيم ﵇ أنه قال-: ﴿يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ﴾ [الصافات:١٠٢] فهذه رؤيا وهي وحي وشرع؛ لأنه أخذ ابنه وتله للجبين يريد أن يذبحه، إذاً: فهذا وحي وهو أمر لا بد أن يعمل به. وجاء في الصحيحين عن عائشة ﵂ قالت: (كان بدء الوحي مع رسول الله ﷺ أنه يرى الرؤيا فتكون كفلق الصبح) يعني: تتحقق كفلق الصبح، وكانت هذه بداية الوحي لرسول الله ﷺ . ثانيها: أن يكلمه الله بصوت مسموع، وهل الله جل وعلا يتكلم بصوت؟ نعم يتكلم الله بصوت مسموع، ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى﴾ [الشعراء:١٠]. ووجه الدلالة: أن النداء لا بد أن يكون بحرف وصوت، فالله جل وعلا يتكلم مع الرسول البشري من وراء حجاب، والرسول البشري يسمع صوت الله جل وعلا، ولذلك قال الله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾ [الأعراف:١٤٣]. وأيضاً: رسول الله ﷺ كلمه الله وحياً من وراء حجاب، وذلك لما عرج به، عندما كان النبي ﷺ يترد بين الله وبين موسى ﵇، فيقول: (فرض الله عليّ خمسين صلاة، فقال موسى ﵇: أمتك لن تستطيع، فارجع إلى ربك فليخفف عنك، فيرجع إلى ربه، فيكلمه، فيسمع من الله جل وعلا، حتى وصل إلى أن الله جل وعلا قال: هي خمس في العمل وخمسون في الأجر، لا يبدل القول لدي). ثالثها: أن يرسل الله الرسول الملكي جبريل ﵇ إلى الرسول البشري فيوحي إليه، وكانت هذه مع النبي ﷺ أيضاً على مراتب: الأولى: أن يأتيه وهو في غار حراء فكان النبي ﷺ يسمع صوتاً ويرى ضوءاً، وذلك توطئة للرسول ﷺ لكي يتهيأ للوحي. الثانية: لأت يأتيه على صورة بشر، وهذه أسهل المراتب في الوحي على رسول الله ﷺ ، وكان يأتي على صورة دحية الكلبي؛ لأنه كان من أجمل الناس وجهاً، وعندنا حديث ظاهر جداً أن الملك يأتي على صورة البشر ألا وهو حديث الإيمان، وهو عن عمر بن الخطاب أنه قال: (دخل رجل شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر، لا يرى عليه أثر السفر، ولا يعرفه منا أحد، ثم أسند ركبتيه إلى ركبتيه) ثم قال النبي ﷺ في آخر الحديث: (فهذا جبريل جاء يعلمكم أمر دينكم)، إذاً: فأتاه على صورة بشر. الثالثة: أن يسمع النبي ﷺ صوتاً كصلصلة الجرس، وهذه شديدة عليه، فقد كان يتصبب عرقاً في اليوم الشاتي، وهو يسمع حتى يعي ما يقال له، ثم يبلغ. الرابعة: أن يرى الملك على صورته، والنبي صلى الله عله وسلم لم ير الملك على صورته إلا مرتين: المرة الأولى: مرة عندما كان في الغار، فرأى ملكاً بين السماء والأرض رجله إلى الأرض، وهو جالس على كرسي في السماء، فلما نظر إليه وقد سد الأفق خاف النبي ﷺ وذعر، وذهب إلى أهله فقال: (زملوني زملوني)، لأنه رأى منظراً لا يمكن أن يتحمله أحد، فالنبي ﷺ الذي هو سيد البشر، وهو المرتفع المرتقي عند ربه وهو الشفيع، لما رأى هذا الملك خاف وذعر، وقال: (زملوني زملوني) فكيف يفعل المرء عندما يرى الملكين في القبر حين يأتيان يسألانه، والنبي ﷺ عندما وصفهما: أنهما أسودان أزرقان اشتد ذلك على الصحابة، فالنبي ﷺ فزع من الملك مع أنه أتاه بالخير وبالرحمة، فما بالك من ملك لا بد أن يفتنك في قبرك، وأنت عندما تراه تذهل، وهو يقول لك: (من ربك؟ ما دينك؟ ماذا تقول في هذا الرسول الذي بعث فيكم؟) نسأل الله أن يثبتنا في القبر وفي الآخرة، وأن يرفعنا مع النبي ﷺ في الفردوس الأعلى. والمرة الثانية: رآه جبريل على صورته عند سدرة المنتهى. المعجزات التي حبا الله جل وعلا النبي ﷺ بها، توطئة لرسالته ﷺ هي معجزات حسية ومعنوية، وهي أكثر من أن تحصر، وهذه المعجزات فاقت معجزات موسى وعيسى ونوح، بل وإبراهيم ﵇، فمعجزة إبراهيم ﵇ الكبرى التي حدثت له حدثت لأحد أمة محمد ﷺ من التابعين وليس من الصحابة، فمعجزة إبراهيم ﵇ الكبرى هي أنه ألقي في النار ونجاه الله، فكانت الحبال تحترق وهو لم يمسه شيء، فلما قال: حسبي الله ونعم الوكيل: قال الله تعالى: ﴿يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلامًا﴾ [الأنبياء:٦٩]، وهذا أبو مسلم الخولاني ﵀ رحمة واسعة، أسره الأسود العنسي فقال المقربون لهذا الكذاب: إن بقي هذا الرجل سيفتن من عندك، لكن ألقه في النار، وكانت الفتنة أعظم وأعظم فألقاه في النار، فقال الله للنار: كوني برداً وسلاماً على هذا الرجل، فلما علم عمر بن الخطاب بهذه الحادثة بكى وقال: ليتني أرى من فعل الله به ما فعل بأبي الأنبياء إبراهيم ﵇. فهذه المعجزة الكبرى كانت مع آحاد أمة محمد ﷺ ، فكيف بمحمد ﷺ الذي قد جمع الله له كل المعجزات التي أوتيها الرسل، كل ذلك سنبينه في الدرس القادم إن شاء الله تعالى. سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.

стр. 392

شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة - معجزات النبي ﷺ محمد ﷺ خاتم الأنبياء والمرسلين، وسيد البشر أجمعين، ومما يدل على فضله وكرمه وعلو منزلته عند الله أن الله أيده بالمعجزات الخارقة التي شملت كل ما أعطى الأنبياء قبله، فما من نبي سلف أعطاه الله معجزة إلا وأعطى نبينا ما يشابهها ويماثلها، ثم إنه خص بمعجزات معنوية وحسية فيها بيان زيادة فضله وشرفه عند الله جل وعلا.

стр. 393

معجزات الرسل إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. ثم أما بعد: فقد تكلمنا على سياق ما روي في نبوة النبي ﷺ وصدرنا الباب على أن الله جل وعلا يختار من عباده أنبياء لهم مميزات وصفات تفضل مميزات وصفات البشر، وبينا الفرق بين النبي والرسول، والعلاقة بينهما، وبينا مقامات ومراتب الوحي.

стр. 394

الحكمة من تأييد الرسل بالمعجزات أقول: ما من نبي ولا رسول أرسله الله جل وعلا إلى قومه إلا أرسله لحكمة عظيمة، ومهمة جسيمة، وهي: إخراج الناس من عبادة الشيطان أو عبادة الأهواء أو عبادة الناس إلى عبادة رب الناس، سحب الناس بالسلاسل إلى الجنان، وإنقاذ الناس من النيران، فعندما يأتي الرسول إلى قومه فإن الناس من الأرض، والأرض مختلفة، فمنها ما يقبل الماء فيتشربه فينبت الكلأ، فهذا أنفع وأفضل الناس على الإطلاق. ومن الأرض: ما لا يشرب الماء ولا ينبت الكلأ، وإنما هو قيعان يأخذ الماء فيحفظه، فيأتي الناس وينتفعون من هذا الماء. ومن الأرض الثالثة: الأرض الملساء، التي لا تشرب الماء فتنبت الكلأ فينتفع الناس به، ولا هي تأخذ الماء فتحوطه حتى ينتفع الناس بالماء؛ فلذلك الرسول إذا أتى الناس فلتفاوت عقولهم وتفاوت نقاوة قلوبهم، منهم من يصدق قبل أن يرى أي آية، ومنهم من يجادل حتى يرى برهاناً، ومنهم من يجحد جحوداً بيناً، وعلى مر الدهور والعصور ظهر ذلك الأمر. فمن أجل ذلك أيد الله جل وعلا رسله بآيات بينات باهرات، حتى يتبين لهؤلاء القوم فيقبلون من النبي أو الرسول الذي جاءهم واسطة بين الله وبينهم، فالله جل وعلا حبا الأنبياء بمعجزات وآيات حتى يصدقوا عند قومهم. فخاتم الرسل وأفضل البشر على الإطلاق -كما قلنا: سيد ولد آدم على الإطلاق- هو رسول الله ﷺ جمع الله له كل هذه الخصال ، فما من آية ولا معجزة حبا الله بها رسولاً إلى قومه إلا وترى شبه هذه المعجزة والآية موجودة مع رسول الله ﷺ كما سنبين.

стр. 395

تعريف المعجزة المعجزة: هي كل خارقة للعادة يقصد بها التحدي أو مقرون بها التحدي. فالمعجزة: كل خارقة من خوارق العادات، لكنها مقرونة بالتحدي، وهذا القيد مهم جداً؛ حتى نفرق بين المعجزة وبين الكرامة. فالكرامة: خارقة من خوارق العادات لكنها ليست مقرونة بالتحدي، ولا صاحب الكرامة يقوى أن يتنبأ فيقول: أنا نبي، فهو كذاب بهذا، أما النبي فيقول: أنا نبي، ويأتي بالمعجزات ويتحدى بها عباد الله جل وعلا، يتحدى أن يؤتى بمثلها كما سنبين، فهذا هو معنى المعجزة والفرق بينها وبين الكرامة.

стр. 396

معجزات الرسول المشابهة لمعجزات الأنبياء

стр. 397

معجزة غزوة الخندق ومشابهتها لمعجزات الأنبياء ما من نبي إلا وآتاه الله معجزة، فهذا نوح ﵇ حباه الله جل وعلا أمام قومه معجزة بليغة جداً في عصره وهي السفينة، فكان يصنع السفينة على الرمال، فكان كلما مر عليه ملأ من قومه سخروا منه، أي: كأنهم يقولون: ماذا يصنع؟! أيظن أن هذه السفينة تسير على الرمال؟! ترجو النجاة ولم تسلك مسالكها إن السفينة لا تجري على اليبس! فكانوا يستغربون ويقولون: جُن الرجل! وهي معجزة مخفية، والله جل وعلا بين هذه المعجزة عندما أمر السماء أن تهطل مطراً، وأمر الأرض أن تتفجر عيوناً قال تعالى: ﴿فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ﴾ [القمر:١٢]. ثم بعد ذلك لما قدر الأمر، وغرقت الدنيا وما فيها ظهرت هذه المعجزة، فنجى الله جل وعلا نوحاً ومن معه على هذه السفينة. فهل هناك شبه في معجزات النبي ﷺ بمعجزة نوح؟ نعم، غزوة الأحزاب، فالله جل وعلا ابتلى الكفار فيها بريح عاتية تقلع الجذور من مكانها وتطاير الناس، وما بين المسلمين والمشركين إلا هذا الخندق، والريح لا تأتي بجانب النبي ﷺ .

стр. 398

كرامة أبي مسلم الخولاني ومشابهتها لمعجزة إبراهيم ﵇ كذلك إبراهيم ﵇ حباه الله آية عظيمة أمام النمرود وأمام أهل الكفر؛ لأنهم قالوا: الذي سفه آلهتنا لابد أن نكيد له كيداً ويحرق، فأضرموا النار وألقوه فيها، فلما ألقوه كانت المعجزة، فقال: حسبنا الله ونعم الوكيل؛ فأتاه الغيث من الله جل وعلا، قال تعالى: ﴿قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ [الأنبياء:٦٩]. حتى أن الوثاق والحبل الذي وثقوا به إبراهيم عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة وأزكى السلام يحترق ولا تمس النار جسد إبراهيم! آية من آيات الله ومعجزة من المعجزات حتى يؤمنوا، ولكنهم قد طبع على قلوبهم. كذلك محمد ﷺ حباه الله هذه الآية؛ ليبين عظم وشرف وعلو مكانة نبيه ﷺ عنده وحباها الله لتابعي من أتباع رسول الله، وليس لرسول الله، وإذا كان الشرف يمس التابع فمن باب أولى أن ينسب إلى المتبوع. كان الشرف لـ أبي مسلم الخولاني عند أن أخذه الأسود العنسي وأراد تعذيبه؛ فقال بعض القوم: لو تركت هذا الرجل فسيفتنهم ولكن اقتله، فأضرم النار وألقى أبا مسلم الخولاني فيها فلم يحترق! وكانت هذه آية عظيمة جداً وتكرمة الله لهذه الأمة. فهذه الأمة مشرفة بشرف ليس بعده ولا قبله شرف مثله كما سنبين ذلك، فأنبياء يصلون خلف آحاد هذه الأمة دلالة على شرف هذه الأمة، وهذه الأمة شرفها وعزها في تمسكها بكتاب ربها وبسنة نبيها ﷺ ، فإن تخلت عن سبب الشرف ذلت، وسنة الله لا تتبدل أبداً، فالله جل وعلا شرف هذه الأمة بـ أبي مسلم حتى قال عمر بعد أن رآه: الحمد لله الذي أراني من أمة محمد رجلاً حدث له ما حدث لإبراهيم ﵇.

стр. 399

مشابهة معجزات رسول الله لمعجزات موسى ﵇ كذلك موسى ﵇ حباه الله تسع آيات عظام، وأعظم هذه الآيات انقلاب المادة المحسوسة إلى شيء آخر، فالعصا يلقيها فتصبح ثعباناً حياً، قال تعالى: ﴿فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ * وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ﴾ [الأعراف:١٠٧ - ١٠٨]. وقد حبا الله جل وعلا محمداً ﷺ بما حبا به موسى وأكثر، فإن محمداً ﷺ جلس بين أصحابه في غزوة من الغزوات فأخذ عصاً مثل عصى موسى فهزها فانقلبت سيفاً صلتاًَ، وهذه نفس المعجزة! فقال: من يأخذ هذا السيف بحقه؟ فقال الزبير بن العوام حواري رسول الله ﷺ : أنا يا رسول الله! فأحجم عنه، ثم قال: من يأخذ هذا السيف بحقه؟ فقام الزبير: وقال: أنا، فأحجم عنه، فقال الثالثة، فقام سماك بن خرشة ﵁ وأرضاه أبو دجانة فقال: أنا يا رسول الله! فأعطاه الرسول ﷺ هذا السيف، الذي كان عصا وانقلب بيد النبي ﷺ سيفاً، فأخذه أبو دجانة. انظروا إلى هذه الهمة العالية! ﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾ [المطففين:٢٦] فـ الزبير كأنه قال: لم أعطى الرسول ﷺ هذا السيف لهذا الرجل وقدمه علي؟! لابد أن لهذا الرجل مزية على أصحابه، فقال: والله لأتتبعن هذا الرجل، فتتبع الزبير أبا دجانة فأول ما بدأت الغزوة تعصب أبو دجانة بعصابة حمراء، إذا رآها الأنصار قالوا: تعصب أبو دجانة بعصابة الموت. فأخذ سيف رسول الله ﷺ وعمل بحقه، حتى إنه كان يقتل مقتلة عظيمة من أهل الكفر، ورأى رجلاً ملثماً، -هي امرأة- يتتبع الجرحى يجهز عليهم، فقام سراعاً إليه فلما علاه بالسيف ولول فإذا هي امرأة فقال: أستحي أن أجعل سيف رسول الله ﷺ على رأس امرأة وتركها، فعلم الزبير أن هذا الرجل أخذ السيف بحقه. والمقصود: أن هذه الآية التي أوتيها موسى بانقلاب العصا إلى أفعى انقلبت العصا بيد رسول الله ﷺ سيفاً صلتاً. كذلك من الآيات التي أوتيها موسى ﵊ القمّل والضفادع والطوفان، حيث دعا على قوم فرعون فأنزل الله عليهم هذه الأوبئة والأدوية. وكذلك دعا الرسول ﷺ على قومه فقال: اللهم عليك بهم، اللهم اجعلها عليهم سنين كسني يوسف، فابتلوا بنفس هذه الأمراض استجابة لدعوة النبي ﷺ .

стр. 400

مشابهة معجزات النبي ﷺ لمعجزات عيسى ﵇ كذلك عيسى ﵇ حباه الله أيضاً بعض الآيات العظام، ألا وهي الطب، فكان يبرئ الأكمه والأبرص بإذن الله، وكان يعالج مرضى الصرع والجنون فكانت آية عظيمة. كذلك: أكرم الله هذا النبي العظيم بنفس المعجزات؛ ليبين جلالة قدره وعلو مكانته عنده، فإن رسول الله ﷺ عالج المرضى بمعجزة من المعجزات التي حباه الله إياها، وذلك أن النبي ﷺ كان في الغار مع أبي بكر وكان في الغار ثغرات سدها أبو بكر بجميع ما عنده، حتى إنه ما وجد شيئاً إلا رجله في ثغرة من الثغرات فسدها برجله، فلدغته عقرب، وكان رسول الله ﷺ نائماً على فخذ أبي بكر ﵁ وأرضاه، فلم يخرج صوتاً خوفاً من أن يوقظ رسول الله ﷺ . أي رجل هذا الذي يفدي رسول الله ﷺ بنفسه؟! لو كان رسول الله ﷺ بيننا من منا من يقدم نفسه من أجله ﷺ ؟! والله ما أرى ذلك، وعندي الدليل في ذلك، وهو: أن موت النبي ﷺ لا يعني موت سنته، ونحن نقدم الأهواء والعقول على سنة رسول الله ﷺ ، ونقدم آراء أسافل الناس على سنته ﷺ ، فما رأيكم لو كان الرسول ﷺ حياً؟ والله أعلم هل كنا سنؤمن به أم لا؟ ولكن فضل الله علينا عظيم، الغرض المقصود: بكى أبو بكر ونزلت دموعه على وجه النبي ﷺ ؛ فقام النبي ﷺ وعلم الخبر فمس بيده الشريفة رجل أبي بكر فكان أبو بكر كأنما نشط من عقال، أي: كأنه لم يصب بشيء! كذلك رسول الله ﷺ في خيبر -اللهم أعد علينا خيبر يا رب العالمين! نسأل الله ربنا أن ينصر أهل الإسلام على أهل الكفر، ولكن لا تتوقعوا في هذه الأزمنة النصر إلا أن تعودوا إلى ربكم، والله لن ننتصر بقومية ولا حزبية، ولا بأغاني ولا بتمثيليات ومسرحيات، لن ننتصر بهذا قط، بل سننتصر بقوة الله وقوة الله لا تتنزل إلا على الذين اصطفاهم الله جل علا- أعاده الله علينا. قال رسول الله ﷺ : (لأعطين الراية غداً رجلاً يحبه الله ورسوله ويحب الله ورسوله، فباتوا يدوكون ليلتهم أيهم يعطى هذه الراية)، وكان ممن تشرئب عنقه لهذه الراية عمر الفاروق، فكان يتنافس على الخير، قال: وددت هذه الراية أن تكون لي؛ لأن النبي ﷺ قيدها بقيدين مهمين: (يحب الله ورسوله) فهذا فيه دلالة على الصدق والإخلاص في قلبه، وقوله: (ويحبه الله ورسوله) فيه دلالة على مكانته عند الله وعند رسوله ﷺ ، المهم: (إنه لما جاء الصباح سأل النبي ﷺ عن علي فقالوا: يشتكي عينه، فجاء علي فتفل النبي ﷺ في عينه، قال: فرأيت بها أشد ما أرى بالعين السليمة). وأيضا لما ذهب عبد الله بن عتيق ﵁ وأرضاه فقتل أبا رافع الذي كان يهجي النبي ﷺ ، فعندما خرج من الباب سقط فكسرت ساقه؛ فوضع النبي ﷺ يده عليها، فقام الرجل كأن ليس به بأس.

стр. 401

المعجزات الخاصة بالنبي ﷺ فرسول ﷺ أوتي هذه المعجزات التي حبا الله بها الأنبياء، ثم خصه الله جل وعلا بمعجزات عظيمة مقسمة على ثلاثة أقسام: علم، ومعناه: الإنباء بالغيوب، وقدرة، ومعناها: ما يحدث حسياً ومادياً أمام الناس، واستغناء، ومعناه: أن يحدث له استغناء عما يفتقر له الناس كما سنبين، وهذا تقسيم شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀.

стр. 402

من المعجزات الخاصة برسول الله اطلاعه على عالم الغيب الأولى: مما خصه الله جل وعلا به: أن ينبئ بعلم الغيب، فكان النبي ﷺ ينبئ بما يحدث في زمنه أو بعده بقليل حتى تكون معجزة، فأنبأ رسول الله ﷺ بهزيمة كسرى وعلو الروم، فقال تعالى: ﴿الم * غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ﴾ [الروم:١ - ٣]، ولذلك راهن أبو بكر على أن الروم ستغلب، وكتب الرهان مع قريش، والعلماء استنبطوا فقهياً أنه في هذه الحالات يجوز الرهان، أي: يجوز أن تراهن على أمر أنت متأكد تأكداً تاماً أنك ستفوز فيه، فـ أبو بكر راهن على غلبة الروم؛ فحدث وغلبت الروم، ورسول الله ﷺ لما تعقبه سراقة، قال: (أين أنت يا سراقة عندما ترتدي سواري كسرى؟)، ففتح الله المدائن، وخربت فارس، وسواري كسرى أخذهما سراقة، وبينها عمر ﵁ وأرضاه فقال: مصداقاً لنبوءة النبي ﷺ . ثم أنبأ بما يحدث بعد ذلك كما هو ماثل أمامنا في هذه العصور، فقال النبي ﷺ : (بين يدي الساعة سنوات خداعة يصدق فيها الكاذب، ويكذب فيها الصادق، ويؤتمن الخائن، ويخون الأمين، وينطق الرويبضة، قالوا: يا رسول الله! وما الرويبضة؟ قال الفاسق أو قال: الفويسق يتكلم في أمر العامة) وهذا واقع مشاهد، فكثير ممن تصور بصورة العلم وتكلم عنه وليس أهلاً له، وكذا كثير ممن تكلم في أمور العامة ليس أهلاً لها، فالرويبضة والفواسق كثروا في عصرنا، والمستمعون لهم أكثر، كهمج الرعاع، كما قسمهم علي بن أبي طالب ﵁ حيث قال: الناس على ثلاث: عالم رباني، ومتعلم على سبيل النجاة، وهمج رعاع أتباع كل ناعق. والناعق: الرويبضة، والذين يتبعونه هم العامة، والعوام هوام وهم الذين لا يميزون بين الحق وبين الباطل. كذلك قال النبي ﷺ : (لا تقوم الساعة حتى يقبض العلم، ويفشو الجهل، وينتشر الزنا). والآن نحن في هذه العصور قد قبض العلم؛ لأن الله جل وعلا لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من صدور العلماء، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء. وجبال أهل العلم ماتوا ورحلوا عنا، حتى أن شمس العلم كأنها غابت عنا، والساحة الآن أصبحت خالية خاوية من أهل العلم، فكل من ترون أو كل من تستمعون له أو كل من تصدر ما هو إلا داع، والدعاة الفارق بينهم وبين العلماء كما هو الفارق بين السماء والأرض، فالعالم يسيّر أمة، والداعي يؤثر في العامة، فالفارق بعيد، فالعالم هو الذي يرسم لأهل الدين والإسلام كيف يسيرون على نسق يرضي الله جل وعلا؛ فينتصرون بذلك، والداعي ما هو إلا جامع للناس حتى يستمعوا إلى العالم. كذلك: أخبرنا رسول الله ﷺ : (لا تقوم الساعة حتى يقاتل المسلمون اليهود، فيختبئ كل يهودي خلف الشجر والحجر، فينطق الشجر والحجر يقول: يا مسلم! يا عبد الله! هذا يهودي خلفي تعال فاقتله). والراجح في ذلك والله أعلم: أن هذه المقتلة لن تكون إلا مع الدجال، ولن تكون قبله، فهذا الراجح والله أعلم وذلك عندما يفر الدجال من عيسى وينزل عيسى ﵇ فيقتله، ثم يقتل المسلمون بني إسرائيل هؤلاء، وهذه تكون على مشارف علامات الساعة الكبرى. كذلك أخبرنا رسول الله ﷺ بأشراط الساعة الكبرى بالمغيبات.

стр. 403

المعجزات المعنوية الثاني من المعجزات: المعجزات المعنوية، ومن المعجزات المعنوية أكبر معجزة أوتيها النبي ﷺ وأعظم معجزة له وهي القرآن، حيث نزل بلسان قومه، وكانت قريش والعرب أفصح الناس بلاغة ترتقي إلى السماء، كان الواحد منهم إذا جلس فقال شعراً حفظ الحاضرون كل هذا الشعر، فإذا سكت قاموا فرددوا عليه شعره الذي قاله، ويذكر أن بعضهم قام خطيباً في الناس وكان ألثغ لا ينطق، حرف الراء إلا بصعوبة، فكان لا يستطيع أن ينطق حرف الراء من مخرجه، فقام فنثر شعراً أمام الناس حوالي ألف بيت لا يوجد به حرف راء، من الفصاحة والبلاغة، فأنزل الله هذه المعجزة الكبرى بلسانهم وتحداهم بها، وهي القرآن بفصاحته وبلاغته؛ لأنه كلام الله جل وعلا تكلم به وسمعه جبريل، فأسمعه النبي ﷺ ، وأعجزهم الله بذلك قال تعالى: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء:٨٨] وقال تعالى متحدياً لهم: ﴿فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ﴾ [هود:١٣]، ثم تنزل وقال: (فأتوا بسورة من مثله)، ثم تنزل وأمرهم أن يأتوا بآية، ثم بين عجزهم فقال: ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ [البقرة:٢٤].

стр. 404

المعجزات الحسية أما المعجزات الحسية التي حبا الله النبي ﷺ بها فهي كثر منها: أولاً: الإسراء والمعراج: فهذه من المعجزات الحسية التي وهبها الله لهذا النبي حتى يصدق بين قومه، قال تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ﴾ [الإسراء:١]، فهذه المعجزة شوش علينا أهل البدع والضلالة حتى لا نعتقد فيها أن تكون معجزة كبيرة من الله لرسوله ﷺ ، فقال المعتزلة ومن وافقهم من أهل البدع: حادثة الإسراء ليس بالجسد والروح، بل بالروح، فلازم قولهم: أن الإسراء ما كان بالجسد وإنما كان بالروح فقط أي: كانت رؤيا منامية فقط. ونحن نرد عليهم بعدة أدلة، أولها: لو قلتم مناماً لضيعتم هذه المعجزة ولأبدتموها، ولكنها بالجسد والروح بالأثر والنظر، أما بالأثر فقد قال الله تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [الإسراء:١] فالباء هنا باء خطاب لا باء تبعيض يعني: جزء منه، وهي الروح؛ لأنه قال: (بعبده) وعبد مفرد مضاف فيعم العبد كلية، بجسده وبروحه، فأسرى الله بنبيه ﷺ بجسده وبروحه من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى. ثانيها: قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى * عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى﴾ [النجم:١٣ - ١٤] أي: رأى النبي جبريل ﵇ على صورته مرة أخرى، فإذا رآه على صورته يكون بالروح أو بالجسد والروح وبأم عينه؟ بعينه، إذاً: كان المعراج بالجسد والروح، وكان يصعد إلى الله جل وعلا وينزل إلى موسى، فيكلمه موسى ويراجع ربه على الخمسين صلاة. فقوم قريش اعترضوا اعتراضاً شديداً جداً، وأرادوا أن يكذبوه أمام أبي بكر فقالوا: انظر إلى صاحبك يزعم أنه أسري به من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، ونحن نضرب أكباد الإبل شهراً ذهاباً وشهراًَ إياباً حتى نصل إلى بيت المقدس ونرجع إلى مكة، وهو يقطعها في ليلة واحدة؟! فاعترضوا على الجسد والروح لا المنام، فهذه معجزة أيضاً حباها الله هذا النبي ﷺ ، وهي معجزة الإسراء. كذلك من المعجزات الحسية: نبع الماء من بين أصابع رسول الله ﷺ ، حيث كانوا في صلح الحديبية قد قل الماء عندهم، سواء أكان للشراب أم للوضوء، فجاء جابر بن عبد الله ﵁ وأرضاه بركوة فيها ماء لرسول الله ﷺ ، والقوم عطشى ويريدون الصلاة، فالنبي ﷺ أمر جابراً أن ينادي على صحابته فجاءوا تباعاً لرسول الله ﷺ ، ثم وضع يده الشريفة على الماء فنبع من بين أصابع رسول الله ﷺ ، فتوضأ القوم وشربوا، فسئل جابر: كم عددكم؟ فقال: لو كنا عشرة آلاف لشربنا وتوضأنا، من كثرة الماء الذي نبع من بين أصابع رسول الله ﷺ . كذلك من المعجزات الحسية التي حبا الله بها هذا النبي وميزه عن باقي الأنبياء: بركة الطعام في يد رسول الله ﷺ ، ففي يوم الحديبية كان الرسول ﷺ يربط حجرين على بطنه وكل صحابي من الصحابة يربط حجراً واحداً على بطنه، وكان رسول الله ﷺ من شدة الجوع يربط حجرين على بطنه، وأبو طلحة سمع صوت النبي ﷺ خافتاً فعلم أن هذا من شدة الجوع؛ فذهب فزعاً إلى أم سليم فأعد طعاماً، وقال لرسول الله ﷺ : تعال أنت والنفر الذين معك، وكانوا خمسة أو ثلاثة، فهو قال: خمسة يكفي بما عندنا من طعام، فصاح رسول الله ﷺ في القوم: أن هلموا كل من كان موجوداً تعالوا، فكاد قلب أبي طلحة أن يطير، يقول: ما عندنا طعام من أين سيأكلون؟ فالنبي ﷺ بعدما أخذ صحابته إلى أم سليم قال: ائتني بالطعام، فأخذ الطعام ثم تفل فيه، وفي رواية أخرى: قرأ عليه ما شاء الله أن يقرأ، ثم بعد ذلك أمر أصحابه أن يدخلوا عشرة عشرة تباعاً، فيدخل العشرة فيأكلون حتى يشبعوا وتمتلئ بطونهم، ثم يخرجون ويدخل عشرة غيرهم، فيأكلون حتى تمتلئ بطونهم وهكذا، وهذا من بركة تفل رسول الله ﷺ في الطعام، أو دعاء رسول الله ﷺ فيه. كذلك من المعجزات الحسية التي خص بها الرسول ﷺ وكانت تنبئ وتعلم الناس بصدقه: أنه كان ما رفع يده إلا استجيب له. مثلاً: فـ أبو هريرة كانت أمه كافرة، وكانت تسب رسول الله ﷺ ، فجاء مرة أبو هريرة مغضباً إلى رسول الله ﷺ ؛ فعلم رسول الله ﷺ أن به شيء فسأله، فقال: ادع لأم أبي هريرة، فدعا النبي ﷺ لها، فذهب أبو هريرة يقرع عليها الباب فتلكأت، ثم بعد ذلك أدخلته، فوجد أنها كانت تغتسل، ثم تشهدت لله جل وعلا، وأسلمت بفضل دعاء الرسول ﷺ . كذلك الدعاء في الاستسقاء، فلما كان النبي ﷺ في الخطبة جاء رجل فقال: يا رسول الله! هلك المال أو الأولاد والعيال ادع الله أن يسقينا، نزل القحط على المدينة فأشار الرسول ﷺ ودعا الله جل وعلا؛ فجاءت سحابة فوق رسول الله ﷺ ، ثم هطل المطر، وما نزل رسول الله ﷺ من على المنبر إلا وقد أغرقت المدينة بالأمطار. فهذه أيضاً من المعجزات التي حبا الله رسوله ﷺ . من آخر المعجزات التي نتكلم عنها: هي انشقاق القمر، فقد كانت معجزة من المعجزات الباهرة لأهل قريش الذين تعنتوا حتى يؤمنوا برسول الله ﷺ ، فقالوا: ائتنا بآية، وألحوا على رسول الله ﷺ فاستجاب الله لرسوله بهذه الآية، فانشق القمر قال تعالى: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ * وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ﴾ [القمر:١ - ٢]، فانشق القمر؛ فنظر القوم إليه فإذا هو نصفين، شق عن يمين، وشق عن يسار! والأصل أنهم مع ذلك لابد أن يؤمنوا، فإن القمر قد انشق أمامهم فهي معجزة وآية من الآيات، فقالوا: لا، سحرنا محمد! ثم قال العاقل فيهم: إن محمداً لن يسحر جميع الناس، انتظروا الوفود التي تأتي من خارج مكة لعلهم رأوا القمر مكتملاً، فانتظروا الوفود فسألوهم، فكل منهم يقول: رأينا القمر انشق نصفين. وهذه آية أيضاً من الآيات التي حباها الله لنبيه ﷺ تدل على صدقه، ولكن إذا أراد الله أن يغوي قوماً فلن تجد لهم هادياً، من قال تعالى: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [القصص:٥٦]. وقد جاء العلم الحديث يصدق بذلك فقيل: إنهم صعدوا سطح القمر فوجدوا آثار هذا الانشقاق لكن ما آمنوا: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الروم:٧]، فهم أغبي من الحيوانات؛ لأن الله أراهم آيات عظام حتى في الجسد، فهم يحللون الأوعية الدموية، ويرون عظم خلق الله جل وعلا في الإنسان، ومع ذلك لا يؤمنون. أختم من الآيات والمعجزات الباهرات التي أوتيها النبي ﷺ : أنه ما كان ﷺ يسير في مكان الشمس فيه حارقة إلا وترى النخل يأتي بعده أو الأشجار تأتي بعده لتظلله، وهذه هي المعجزة التي تكلم عنها الراهب بحيرا لما نظر إلى الرسول ﷺ وهو صغير مع عمه أبي طالب قال: هذا سيد العالمين! هذا رسول رب العالمين! هذا رحمة للعالمين! فقيل له: كيف عرفت ذلك؟ قال: عرفته من آيات، ثم ذكر الآيات، قال: ما مر على العقبة إلا وكل شجر وحجر ساجد، وهذا لا يكون إلا لنبي، ثم ما جاء على شجر إلا وهو يظلله، يعني: كان القوم يجلسون والشجر يظللهم، فلما جاء النبي ﷺ ، تركهم الشجر وظلل رسول الله ﷺ ، قال: وعرفته بخاتم النبوة الذي هو كبيض الحمامة في ظهره. وأيضاً: كان النبي ﷺ إذا أراد أن يختلي ليقضي حاجته بحث عن مكان يبعد فيه، فبحث مرة عن مكان حتى يقضي حاجته دون أن يراه أحد فلم يجد، فأخذ شجرة بغصنها يجرها وراءه، ثم أخذ الأخرى فمشيا مع رسول الله ﷺ حتى ضمهما ليكونا ساترين له ﷺ ، ثم قضى ﷺ حاجته. فهذه بعض المعجزات التي حبا الله بها رسوله، فهي دلائل واضحات حتى يظهر صدق رسول الله ﷺ لهذه الأمة، ولعلهم يستيقنون في ربهم فيعملون بسنته ﷺ . يبقى لنا الكلام على الكرامات، وهل حدث لهذه الأمة كرامات أم لا؟ من أيام القرون الأولى إلى يومنا هذا توجد كرامات كثيرة جداً، حدثت حتى لـ سفينة مع الأسد، والعصا التي أضاءت لـ أبي ﵁ وأرضاه، والملائكة التي كانت تسلم على عمران بن الحصين، كل هذه سنتكلم عنها. أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.

стр. 405

شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة - خصائص النبي والفرق بين المعجزة والكرامة لقد منَّ الله على عباده بأن شرع لهم الإسلام وهداهم إليه، واصطفى من خير خلقه من يبين للناس هذا الهدى والنور، وأيده بالمعجزات الدالة على صدق نبوته، لكي يؤمن به العباد، وينقادوا لدين رب الأرباب، وجعل أمته خير أمة أخرجت للناس، وخصها بخصائص وسمات لم تكن في الأمم السابقة؛ لكرامة هذا النبي عنده، ورحمة منه وفضلاً، فإن آمنت وصدقت علت وارتفعت وسادت، وإن كذبت وعاندت ذلت وهانت، وضربت عليها الذلة والمسكنة كما حصل للأمم من قبلها.

стр. 406

طرف من خصائص المصطفى ﵊ إن الحمد لله نحمده، ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١] أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. أما بعد: تكلمنا عن معجزات الرسول ﷺ وأن الله وهب لرسولنا ما وهب للأنبياء والرسل من معجزات، وقد خص الله النبي الكريم بخصائص غير التي أعطاها للأنبياء غيره ﷺ ، واليوم إن شاء الله نختم هذا الباب في الخصائص التي خصه الله بها. فمن الخصائص التي اختص الله بها رسوله ﷺ : أنه فضله عليهم، وجعله إمامهم، وذلك عندما أحيا الله جل وعلا له الأنبياء ليلة أسري به إلى المسجد الأقصى، نسأل الله جل وعلا أن يحرره من أيدي الغاصبين. الخاصية الثانية: عموم الرسالة، فما من نبي أرسله الله إلى قوم إلا وكانت دعوته خاصة بهم أي: لم تكن عامة، قال النبي ﷺ في الصحيح: (وكان كل نبي يبعث إلى أمته خاصة وبعثت إلى الناس عامة -أو كافة-). وقد قال الله تعالى آمراً رسوله أن يقول للناس: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ [الأعراف:١٥٨]، وقال: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ [سبأ:٢٨]، فهذه خصيصة خص الله بها نبيه ﷺ على الأنبياء والمرسلين. أما الخصيصة التي اختصت بها هذه الأمة: فهي أن الله شرف هذه الأمة بأن تكون خير أمة أخرجت للناس، قال الله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ﴾ [آل عمران:١١٠] فهي خير أمة مع أنها الآن في ذلة ومهانة، وذلك لأن قول الله تعالى: ((كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ)) ليس على إطلاقه، وإنما هذه خصيصة لرسول الله وتشريفاً له، ولأمته، والله جل وعلا لم يجعل هذه الخيرية مطلقة، ولكن قيدها بقيود وسمات وصفات إذا وجدت وجدت الخيرية، كالحكم مع العلة، فالحكم يدور مع علته حيث دارت، فإذا وجدت وجد الحكم وإذا انتفت انتفى الحكم. إذاً: هناك سمات لهذه الأمة وصفات إذا وجدت وجدت لها الخيرية وعزت وانتشرت تشريعاتها في ربوع الأرض، وإذا انتفت هذه السمات والصفات انتفت الخيرية كما نعيش في هذا الواقع المر، فالغرض المقصود: هو أن نعرف السمات والصفات التي إذا اتسمت بها هذه الأمة كانت خير أمة أخرجت للناس.

стр. 407

الصفات المعقود عليها خيرية الأمة

стр. 408

الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وأول سمة من هذه السمات: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، قال الله تعالى: ((كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ)) وتطبيقاً لقول النبي ﷺ : (من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وليس وراء ذلك حبة خردل من إيمان). فخيرية الأمة مرتبطة بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وكان هذا دأب الصالحين من هذه الأمة. وكان دأب رسول الله وصحابته أنهم لا يرون منكراً فيسكتون عليه، ولا يرون معروفاً إلا ويأمرون به، حتى في المكروهات والمستحبات، فعن ابن عمر ﵁ وأرضاه: أنه كان في السوق فشرى زيتاً وقبل أن ينقله من مكانه جاءه تاجر يشتري منه هذا الزيت بربح أكبر، فضرب ﵁ وأرضاه على كتفيه منكراً عليه، وقال: (أمرنا رسول الله ﷺ بقوله: إذا ابتاع أحدكم فلا يبعه حتى يستوفيه) أي: حتى يحوزه. حتى في الاجتهاد، أي: لو اجتهد عالم من علماء الصحابة فأخطأ ما كانوا يصبرون عليه، فهذا ابن عباس ﵁ وأرضاه كان يقول بحل نكاح المتعة، وما الفرق بين نكاح المتعة والنكاح المؤقت؟ ونكاح المتعة: هو أن يتمتع الرجل بالمرأة مدة محدودة، مشروطة بينهما، ويفسخ العقد بعد انتهاء المدة، وهذا هو القيد، فإذا كانت مدة المتعة أسبوع فاليوم السابع يفسخ العقد، ويكون لها مهر يعطيها من استحل فرجها. هذا هو نكاح المتعة، وقد كان حلالاً ثم حُرِم. وقد حلل في خيبر وحرم فيها أيضاً، وذلك عندما بعث النبي ﷺ علياً وقال: (حرم النبي ﷺ لحوم الحمر الأهلية، وحرم نكاح المتعة، ثم أحل نكاح المتعة مرة ثانية، ثم حرم في الفتح) أي: أن النبي ﷺ حرمه إلى يوم القيامة بالنص، فحرم ثم حلل ثم حرم بعد ذلك إلى يوم القيامة، وإنما هذا لأن الصحابة رضوان الله عليهم كانت فيهم فتوة، فما كان يستطيع الواحد منهم أن يسافر شهراً، للقتال مثلاً وليس عنده نساء، فحلل لهم نكاح المتعة، ثم بعد ذلك حرم عليهم نهائياً. أما النكاح المؤقت فهو نوعان: النوع الأول: هو أن يؤقت في العقد مشترطاً فيه، كأن يقول: سأتزوجك شهراً، فهذا النكاح المؤقت بالشهر هو نكاح متعة. النوع الثاني: وهو أن لا يشترط في العقد أي وقت، لكن يضمر في نفسه الطلاق بعد شهر مثلاً فهذا اختلف فيه العلماء على قولين: القول الأول: قول الجمهور: إن العقد صحيح لا يشوبه شيء؛ لأن المهر مسمى والإيجاب والقبول والولي موجود، وإنما أضمر في نفسه الطلاق، فقال جمهور الفقهاء وهو ترجيح شيخ الإسلام ابن تيمية: أن هذا العقد عقد صحيح. القول الثاني: وهو لبعض العلماء، قالوا: إن العقد لا يصح؛ لحديث: (إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى) وهذا من حيث الأثر. وهذا هو الراجح الصحيح، فالذي يسافر إلى أوروبا من أجل أن يتزوج بامرأة لمدة شهر ثم يطلقها، فهو آثم ولا يصح له هذا العقد على الراجح؛ لقول النبي ﷺ : (إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى). أما من حيث النظر: فهل كل واحد منا يرضى أن أخته أو بنته تتزوج برجل على أن يتمتع بفرجها شهراً ثم يتركها ويذهب، فإن أضمر في نفسه شيء يقدح في العقد فإن العقد بذلك لا يصح، وهو بذلك يقع في الزنا لا محالة، بل إن بعضهم قال: لو يقع في الزنا وليس عنده مال ولا نكاح ولا يستطيع فله أن يبدل أخرى. إذاً فالمقصود: أن ابن عباس ﵁ وأرضاه كان يبيح نكاح المتعة، فقال علي بن أبي طالب: ألا يتق الله ابن عباس! أما علم أن رسول الله ﷺ قد حرمها يوم كذا ويوم كذا. وأيضاً: زيد بن ثابت ﵁ كان يقول: إن الجد يشترك مع الإخوة في الميراث أي: أن الجد لا يحجب الإخوة، فهل الحجب هنا حجب حرمان أم حجب نقصان؟ لو قلنا على المذهب الراجح: فهو حجب حرمان، ولو قلنا على التشريك: فهو حجب نقصان. والمهم في ذلك: أن زيد بن ثابت كان يقول: إن الجد مع الإخوة يشتركون في الميراث، وهذا قول الشافعي وقول جمهور العلماء، أما ابن عباس فكان يقول: ألا يتق الله زيد بن ثابت! أما يعلم أن الله جل وعلا سمى الجد أباً في كتاب الله، قال تعالى: ﴿مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ﴾ [الحج:٧٨]، ﴿وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ﴾ [يوسف:٣٨] وإبراهيم كان جداً ليوسف ﵇. فكان ينكر المنكر ﵁. فالأمة خيريتها مرتبطة بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالاستطاعة، فمن استطاع بيده ولم يأت بمضرة فلينكر بيده، ومن استطاع بلسانه فلينكر بلسانه، ومن لم يستطع فلينكر بقلبه. كان بعض أهل الفتوى وهو من أهل العلم يقول: إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مقتصر باليد على الحاكم، وباللسان على أهل العلم والعلماء، وبالقلب على الناس العامة. مسألة: حدثت عندنا في مصر مشاحنة بين شاب وبنت فأخذها واغتصبها أمام الناس، فهل لو قلنا بقول هذا الرجل المقلد الذي لا يعلم شيئاً، أن العامي ينكر بالقلب ويمشي، والعالم إذا جاءه لا يضربه ويبعده، وإنما يقول له: هذا حرام اتق الله في نفسك، هذا كلام باطل، فالأمة خيريتها كلها ارتبطت بقول النبي ﷺ : (من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه). ومن سمات الخيرية: تحكيم شرع الله، ولا بد أن نقارن بين الرعيل الأول الذين كانوا ينكرون المنكر ويأمرون بالمعروف، وبين هذه الأمة التي ضاعت منها الخيرية وذلت، وأهينت؛ لأن المعروف انقلب منكراً، والمنكر انقلب معروفاً، ترى المجون من الممثلين والممثلات، وأهل الكرة، وهؤلاء هم الذين يتكلمون في الدين، أما أهل الدين فهم خلف الظهر ويوصفون بأنهم متشددون، وإرهابيون، ويأتي الرجل الجاهل يتكلم في الدين هذا يجوز وهذا لا يجوز. ووجدت ممثلة ساقطة سفيهة كانت تقول: ما هو الفرق بين ابن لادن وشارون؟ هذه جاهلة سفيهة سوت بين رجل رفع راية لا إله إلا الله ولم يعط الدنية في دينه، برجل كافر خنزير من أحفاد القردة والخنازير، وتقول: ما الفرق بينهما؟ هذا إرهابي وهذا إرهابي. وأشد منها سفاهة أخرى تتصل وتقول: هل نأخذ ديننا من الرجل الذي يقول: إن من يقول: إن الكرة الأرضية تدور فهو كافر؟ تقصد بذلك ابن باز الذي عقمت النساء أن تلد مثله، أعلم أهل الأرض على الإطلاق؛ لأنه جمع بين علم الحديث وعلم الفقه رحمة الله عليه، وجعله مع النبيين والصديقين والشهداء. فهذه السفيهة الجاهلة التي تؤثر على الجاهلات مثلها قالت: هل نأخذ ديننا من رجل يقول: من قال: إن الأرض تدور يكفر؟ والشيخ ما قال هكذا، ولو نظرت إلى ما يقوله الشيخ لوجدت أن الرجل عنده من العلم ما يبين لك قوته العلمية، فالحاصل أن الشيخ يقول: الشمس تدور، وأهل الجغرافيا دائماً في المدارس يقولون: الشمس ثابتة، والأرض تدور، وهذا ظاهره تكذيب الله جل وعلا حيث يقول: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ [يس:٣٨] فالشيخ ابن باز كان يقول: الشمس هي التي تتحرك والأرض ثابتة لا تتحرك، وإذا نظرت إلى قول الشيخ لوجدت أن الرجل بصير العلم، فعنده من الكتاب ما يساعده على قوله، قال الله تعالى: ﴿وَأَلْقَى فِي الأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾ [النحل:١٥] فعلماء الجيولوجيا وعلماء الصخور والجبال قالوا: الجبل الأشم الشامخ الشاهق الذي طوله خمسة عشر متراً فوق الأرض، تحته ثلاثون متراً. فالله جل وعلا جعل هذه الجبال الشواهق رواسي حتى تثبت الأرض فلا تضطرب بالناس، فلا يستطيعون العيش عليها، وهذا من رحمة الله بالعباد، ﴿وَأَلْقَى فِي الأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾ [النحل:١٥] أي: لئلا تميد بكم، فالأرض ثابتة لا تتحرك، هذا من ناحية الأثر. أما من ناحية النظر: فلو قلنا: إن جبل أحد الذي في المدينة خلف المسجد النبوي -إذا كانت الأرض تدور- انتقل من المدينة إلى مكة أي: تغير من مكانه حين ينتقل من المكان الذي كان فيه بسبب الدوران، مع أننا ما زلنا نرى جبل أحد مكانه. أيضاً: لو أن الكرة الأرضية تدور لانقلب البعيد قريباً والقريب بعيداً. فمثلاً: الإمارات والسعودية بينهما مسافة خمسة وثلاثين كيلو، فلو كان الطيران يصل خلال أربع ساعات فإنه بعد انتهاء الدورة سيصل في ساعتين، وما زلنا طول حياة الطائرات نأخذها في أربع ساعات، لا يتأخر الثانية الواحدة، لكن وإن كنا نخالف هذا الكلام؛ لأن العلم الحديث أثبت أن الأرض تدور ولا مخالفة لقول الله تعالى: ﴿وَأَلْقَى فِي الأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾ [النحل:١٥] نقول: هو جعل الجبال الرواسي حتى لا تضطرب الأرض بمن عليها، فلا يستطيعون العيش عليها، وإنما تدور دون أن تتمايل وتضطرب بالناس. فالغرض المقصود: أن الرجل عنده من العلم وعنده من الأثر والنظر ما يقوي اجتهاده، فإن أصاب فله أجران، وإن أخطأ فله أجر، فتأتي السفيهة تقلب المعروف منكراً، وتقول: نأخذ الدين من هذا الرجل. أنا جلست مع رجل أتكلم معه على معاملة شرعية فقلت له: هذه المعاملة لا تجوز شرعاً؛ لأنك تبيع ما لا تملك، والألباني قال في المسألة بكذا. فرد علي بأن الشيخ الألباني يعلم في الحديث وليس له سعة بالفقه، فجلست قدر إمكاني أذب عن الرجل؛ لأن الشيخ الألباني جبل، كما قال الذهبي في البخاري لما قال ابن حزم: إن البخاري مدلس. فقال الذهبي: أما ا

стр. 409

تحكيم شرع الله تعالى أيضاً: من الصفات التي تتعلق بالخيرية: تحكيم شرع الله، قال تعالى: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ﴾ [المائدة:٤٩]. وقال سبحانه: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة:٤٤]. فتنحية الشرع شغب وخراب، والمؤمنون لما مكن الله لهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وحكموا شرع الله جل وعلا، وأقاموا الحدود، وكانوا مثلاً رائعاً في قول النبي ﷺ : (إنما أهلك من كان قبلكم أنهم كان إذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، وإذا سرق فيهم الشريف تركوه، والذي نفسي بيده! لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها) فالنبي ﷺ يقسم ويقول: والذي نفسي بيده لو أن فاطمة سرقت لقطعت يدها، تحكيماً لشرع الله جل وعلا، ولما سرقت المرأة المخزومية وأراد بعض الناس أن لا يُقام عليها الحد، وقام أسامة شفيعاً لها اشتد النبي على أسامة، ورد عليه بهذا الكلام: (لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها)، وكان عمر بن الخطاب ﵁ وأرضاه يشتد على الناس تحكيماً لشرع الله جل وعلا، وكان يدخل على التجار؛ لأن هذا من الشرع، أي: المعاملة من الشرع ومن الدين، فيدخل عليهم عمر ويقول للتاجر: تعلمت البيوع؟ فيقول: لا، فيضربه بالدرة، ويقول: والله! ستقع في الربا لا محالة، وكان يذهب إلى أهله ويقول: إني آمر الناس بشيء فأنتم أول من تفعلوه، فإن تقاعستم جلدتكم. وكان أبو بكر ﵁ وأرضاه مطواعاً لرسول الله ﷺ ، محكماً لشرع الله، يرى أن أمر الرسول لا بد له من النفاذ. فالغرض المقصود: أن تنحية الشرع سبب ذلت الأمة، أخذت دستورها من الناس بدلاً من شرع الله جل وعلا، فحكمت القوانين الوضعية، فكانت النتيجة أنهم ذلوا وأهينوا وخسروا، والذي نفسي بيده! أن هذه الأمة لن تقوم لها قائمة إلا إذا رجعت إلى كتاب الله، وإلى سنة النبي ﷺ فحكمت شريعة الله، والله لا بالغناء ولا بالتمثيليات ولا بالمسرحيات، ولا بالعاطفة، ولا بالتبرعات، ولا حتى بالعمليات الاستشهادية إن كانت لغير الله جل وعلا، والله الذي لا إله إلا هو! لن تستمطر هذه الأمة رحمة الله ونصره حتى ترجع إلى ما كان عليه رسول الله ﷺ وصحابته الكرام. ومن سمات هذه الأمة التي علقت الخيرية بها، أنهم كانوا أزهد الناس في الدنيا؛ عملاً بقول النبي ﷺ : (ازهد في الدنيا يحبك الله)، وقول النبي ﷺ : (كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل). وقوله: (الدنيا ملعونة معلون ما فيها، إلا ذكر الله وما والاه). وكان عود الحصير يؤثر على جنب رسول الله ﷺ .

стр. 410

إباحة الغنائم لرسول الله ولم تبح لأحد قبله من الخصائص التي اختص بها الرسول ﷺ : أنه أحلت له الغنائم، ولم تحل لأحد قبله، فكان الأنبياء قبل رسول الله ﷺ لا تحل لهم الغنائم، فإذا دخلوا معركة وغنموا فيها شيئاً فإن هذه الغنيمة كان لها موضع يضعونها فيه، وتنزل نار من السماء فتأكلها، وما كانت حلالاً لأحد قبل النبي ﷺ ، فشرف الله النبي ﷺ بأن أحل له هذه الغنائم، فقال ﷺ : (وأحلت لي الغنائم، ولم تحل لنبي قبلي) وهذا فضل الله على هذا الرسول.

стр. 411

جعل الأرض مسجداً وطهوراً للنبي وأمته ومن الخصائص التي اختص بها الرسول ﷺ : أن جعل له الأرض مسجداً وطهوراً، أي: أن النبي ﷺ يبين أن الأمم قبله ما كانوا يصلون إلا في البيع والصوامع، وليس عندهم مكان آخر يصلون فيه. أما هذه الأمة فقد خصها الله جل وعلا بأن أي امرئ أدركته الصلاة في أي بقعة من بقاع الأرض -إلا المقبرة والحمام- وكان معه ماء يتوضأ ويصلي، وإن لم يكن معه ماء فالصعيد الطيب طهور له كما قال النبي ﷺ : (ولو لم يجد الماء عشر سنين) فيتيمم ثم يصلي ولو عشر سنين، وهذه خصيصة ورحمة لهذه الأمة.

стр. 412

نصر النبي على عدوه بالرعب ومن الخصائص التي اختص بها النبي ﷺ أنه نصر بالرعب، فكان ما يسمع أعداء الرسول ﷺ ، وأعداء الله، بأن النبي ﷺ يجيش الجيوش حتى يغزوهم إلا وأسلموا له قبل أن يغزوهم. قال ﵊: (نصرت بالرعب مسيرة شهر). وقال تعالى: ﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ﴾ [الأنفال:١٢] فهذه خصيصة كانت للنبي ﷺ ، وقد زالت الآن من المسلمين وانقلب الحال، فنصر الكفار علينا بالرعب، ما أن تسمع في أي بلدة من البلاد الإسلامية بأن أمريكا أو روسيا تجيش الجيوش أو حتى فقط تتحرك في البحار إلا سلموا لهم المفاتيح والرجال والنساء، وسلموا لهم الأموال، فنصروا علينا بالرعب، فأذلنا الله جل وعلا؛ لأننا لم نفعل ما فعله الرسول ﷺ ، فما منا أحد إلا ويلهث وراء الكراسي أو وراء الدرهم والدينار، عبد الناس الآن الدرهم والدينار، يقول ﵊: (تعس عبد الدرهم تعس عبد الدينار، تعس عبد الخميصة، تعس عبد القطيفة، تعس وانتكس وإذا شيك فلا انتقش). وقال الله تعالى: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ﴾ [الكهف:٤٥] فأهل زماننا تمسكوا بهذا الهشيم، وبهذه الدنيا، فوضع في قلوبهم الرعب، والوهن، نعوذ بالله من ذلك، ونسأل الله أن يردنا إلى دينه رداً جميلاً.

стр. 413

تسوية الصفوف من خصائص الأمة وتركه من أسباب الفشل من الخصائص التي خص الله بها نبيه، وخص بها هذه الأمة: أن هذه الأمة تصطف كما تصطف الملائكة، وهذا أضعف شيء نتكلم فيه، فالأمة مهزومة الآن، أقسم بالله أن سبب هزيمة الأمة: هو عدم تسوية الصفوف؛ لأن النبي ﷺ قال: (استووا لا تختلفوا فتختلف قلوبكم). وقال: (لتسوون صفوفكم أو ليخالفن الله بين وجوهكم، أو قلوبكم). فالأمة لا تستوي الآن كما كان يستوي الصحابة رضوان الله عليهم، والنبي ﷺ يبين أن هذه الخصيصة له، فيقول: (فضلت على الأنبياء أنا وأمتي بأننا نصطف في الصلاة عند مقابلة الله، كما تسوى الملائكة، وقد كانت الملائكة تسد الفرج، وكانت تكمل الصف الأول فالأول، تسوى المنكب بالمنكب والكعب بالكعب). فالأمة الآن لا تمتثل بهذا، حتى الإمام يقول: استووا رحمنا وإياكم، الله أكبر، فيكبر وليس له من الأمر شيء، وكأن الأمر لا يعنيه، أنا كنت أصلي بالناس في هذا المسجد، وأنا لا أستطيع أن أصلي حتى أرى أن الصف كله قد استوى: المنكب بالمنكب والكعب بالكعب، وأنا أسوي الصفوف إذ طلع علي رجل وقال: ما هذا؟ أترانا غنم، أنت تسوي غنم يا غنم، فقلت له: لستم غنماً لكني أفعل بسنة النبي ﷺ ، ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب:٣٦] فعدم استواء الصفوف هو سبب هزيمة الأمة، فالأمة الآن لا تهتم حتى بالسواك، ولا بأي شيء من أمور الشرع، فهذه الخصيصة التي أضعناها ضعنا معها وذلت الأمة معها.

стр. 414

الشفاعة العظمى آخر الخصائص التي خص الله بها نبيه ﷺ : الشفاعة، ما من نبي إلا ويقول يوم القيامة: نفسي نفسي، يشتد الكرب، ويعظم الخطب، وتقرب الشمس قدر ميل من رءوس الخلق، والناس يلجمهم العرق كل بعمله، فمنهم: من يكون العرق إلى كعبيه، ومنهم: من يكون إلى ركبتيه، ومنهم: من يكون إلى حقويه، ومنهم: من يصعد إلى صدره، ومنهم من يلجمه العرق إلجاماً، وكل الناس يذهبون إلى آدم في هرولة وفزع، فيقولون: أنت أبو البشر، اشفع لنا أن يقضي الله بيننا، فيقول: نفسي نفسي، اذهبوا إلى نوح، ونوح يقول نفس الكلام، اذهبوا إلى إبراهيم، وإبراهيم يحيل إلى موسى، وموسى يحيل إلى عيسى عليهم الصلاة والسلام، فيأتي الناس إلى عيسى ﵇ فيقول: اذهبوا إلى رسول الله ﷺ ، عبد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فيقول النبي ﷺ : (أنا لها، أنا لها). وفي رواية يقول: (أمتي أمتي) لا يقول: نفسي نفسي، فيذهب فيسجد لله جلا وعلا، عند العرش فيحمد الله ويثني عليه بما هو أهل له، فيقال: يا محمد! ارفع رأسك وسل تعطه، واشفع تشفع، وهذه خاصة برسول الله ﷺ ، فيشفع لكل الأمم أن يقضي بينهم حتى يرفع عنهم الكرب، هذه آخر الخصائص التي نذكرها مما خص الله بها نبيه ﷺ .

стр. 415

واجب الأمة نحو نبيها إذا علمنا أن هذا النبي هو سيد الأولين والآخرين، وأنه أكرم على الله من أي أحد من الأنبياء، فيجب علينا نحوه عدة واجبات: أولها وأهمها بل لا يتم الإيمان إلا بها: هو محبة النبي ﷺ أكثر من النفس، كما في الصحيحين عنه ﷺ أنه قال: (لا يؤمن أحدكم حتى يكون الله ورسوله أحب إليه من نفسه وهواه). وفي رواية: (لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين. فقال عمر يا رسول الله، أنت أحب إلي من الناس أجمعين، لكن من نفسي. فقال رسول الله ﷺ : لا يا عمر، فقال: الآن يا رسول الله، قال: الآن يا عمر) أي أن عمر قال: أنت أحب إلي من نفسي، فلا يستقيم إيمان المسلم حتى يحب الرسول ﷺ أكثر من نفسه، ولما أيقين الصحابة بذلك ضربوا أروع الأمثلة في الفداء والتضحية دون نبيهم، لقول الله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلا يَرْغَبُوا بِأَنفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ﴾ [التوبة:١٢٠] فـ أبو بكر ﵁ وأرضاه لما هاجر مع رسول الله ﷺ دخل الغار أولاً خشية على رسول الله ﷺ ، فسد كل فتحة في الغار، وما بقيت إلا فتحة واحدة فسدها برجله ﵁ وأرضاه؛ خوفاً على حياة الرسول ﷺ ، ونام النبي ﷺ على فخذه، حتى جاءت حية فلدغت أبا بكر ﵁ وأرضاه، فخاف أن يوقظ رسول الله، فما خشي على حياته ولكن خشي على قلق رسول ﷺ فما تحرك، حتى ذرفت عينه، فاستيقظ رسول الله ﷺ فمسح على رجله فبرئ ﵁ وأرضاه. وكان يمشي عن يمين النبي ﷺ ثم يخشى من العدو أن يأتي من الخلف فيذهب خلفه، ثم يذهب إلى اليسار وهكذا؛ لأنه يعلم أن شمس الإسلام ستشرق مع هذا الرسول الكريم. وكذلك طلحة ﵁ وأرضاه كان الرسول أحب إليه من نفسه فكان يقدم نفس النبي ﷺ على نفسه، وكان يقول: يا رسول الله! لا ترفع رأسك يأتيك سهم من سهام القوم، نحري دون نحرك يا رسول الله! أي: نفسي مقدمة على نفسك، ولما اشتد الخوف وتعالت السيوف على رأس رسول الله ﷺ ألقى بسيفه، وصد السيوف بيده عن رسول الله ﷺ حتى شلت يده، فقال رسول الله ﷺ لما جاء أبو بكر وعمر: (دونكم صاحبكم فقد أوجب) أي: أوجب الجنة بما فعله فداءً لرسول الله ﷺ ، وما من صحابي إلا ويقول: فداك نفسي، فداك أبي وأمي يا رسول الله! حتى المرأة قيل لها: مات ابنك فتقول: ماذا فعل رسول الله؟ فرسول الله مقدم على أنفسهم. وفي عصرنا هذا مات الرسول ﷺ ، فنقدمه على نفسك بتقديم السنة عليها، والله! لو هددت أن تفصل رقبتك عن جسدك حتى تبتدع في دين الله فلا تفعل، بل فضل سنة النبي ﷺ على هواك وعلى البدعة. ثانيها: طاعة رسول الله ﷺ ، قال الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب:٣٦]. وقال النبي ﷺ : (كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى. قالوا: ومن يأبى يا رسول الله؟ قال: من أطاعني دخل الجنة ومن عصاني فقد أبى). وقال الله تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء:٨٠]. وقال الله تعالى: ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ﴾ [آل عمران:٣٢] وكل آية فيها طاعة لله جل وعلا يقترن فيها طاعة الرسول ﷺ ، وواجبنا نحو النبي ﷺ يحتاج إلى محاضرات.

стр. 416

أوجه الاتفاق والافتراق بين المعجزة والكرامة المعجزة والكرامة اتفقا وافترقا فما هي مواضع الاتفاق وما هي مواضع الافتراق؟ اتفقنا: في خرق العادة، وافترقا: في أن المعجزة يتحدى بها النبي أمته؛ تبييناً لصدق رسالته، وأما الكرامة: فلا يستطيع الولي أن يتحدى بها الناس ويقول: أوحي إلي، وإلا أصبح كذاباً. لكن المعجزة لم يطلبها النبي، وإنما أيده الله بها حتى يبين صدقه عند قومه. فالمقصود: اتفقا في خرق العادة، وافترقا في أن المعجزة يتحدى بها، والكرامة لا يتحدى بها.

стр. 417

بعض الكرامات التي حدثت للأولياء هناك كرامات حدثت لأولياء الله الصالحين في عصر النبي، لما كانوا أولياء لله جل وعلا بحق. منها: أن أسيد بن حضير ﵁ وأرضاه كان عند النبي ﷺ بعد العشاء، وهذا يبين أن السمر بعد العشاء لا يجوز باللهو، إلا إذا كان الرجل مع امرأته، أو كان يتكلم في مصالح المسلمين وإلا فالسمر مكروه. فـ أسيد بن حضير كان عند النبي ﷺ واشتدت الظلمة، فخرج في ظلام دامس، فكان معه عصا، وهذه سنة النبي ﷺ -أي: أنه كان يتكئ على عصا- وكان كل صحابي يتمسك بهذه السنة، وكان النبي ﷺ إذا دخل المسجد ومعه عصا ينكت بها، فأنارت العصا أمامه -أي: أمام أسيد - حتى وصل إلى بيته، وقيل: في رواية: كان معه صحابي آخر، وكان معه عصا فأنارت عصا هذا وعصا هذا بنور مشرق، حتى افترقا، فلما افترقا انقسم النور نصفين، نور مع أسيد بن حضير ونور مع الآخر. ومن الكرامات أيضاً: كرامة لـ عمران بن حصين ﵁ وأرضاه، فقد كانت الملائكة تذهب إليه فتسلم عليه، قال: فلما اكتويت انقطعت عني الملائكة؛ لأن الاكتواء ينزل المرء من درجة التوكل العليا إلى درجة أقل، فلا يكون من السبعين الألف الذين يدخلون الجنة من غير حساب ولا عذاب. قال: فلما انقطعت عن الاكتواء رجعت الملائكة فسلمت علي. ومن الكرامات أيضاً: كان عند أبي بكر ﵁ وأرضاه أضياف، فكان يضع لهم الطعام فلا يأكلون لقمة إلا وتنبت تحتها غيرها، فكلما أكلوا ازداد الطعام. ومن الكرامات: ما حدث لـ سفينة مولى رسول الله ﷺ ، وذلك أنه لما كان في الجيش وكاد أن يظل رأى أسداً فقال له: يا أبا الحارث -كنية الأسد- إني سفينة مولى رسول الله، دلني على الجيش. فتحرك ذنب الأسد فأخذه حتى وصل به إلى الجيش، فلما وصل سفينة نظر الأسد إليه، وكأنه يسلم على سفينة، ثم رحل. من الكرامات أيضاً: ما حدث لـ عمر بن الخطاب وهو يخطب في المدينة، فكشف الله له الحجاب فوجد سارية والجيش معه، وقد أحاط الروم بهم فقال: الجبل الجبل يا سارية! فبلغ الصوت إلى سارية، فأخذ سارية الجيش، أي: يتراجع إليه، فجعلوا الجبل خلف ظهورهم، فهزموا الروم. فلما رجعوا بعد شهر قالوا: والله! لقد كدنا أن نهزم شر هزيمة فسمعنا صوتاً يقول: الجبل الجبل يا سارية! فلما احتمينا بالجبل هزمناهم، وكان الانتصار لنا كرامة؛ لأنهم صدقوا الله فصدقهم، ولأنهم اعتزوا بدين الله فعزهم الله، وائتمروا بأمر الله، وتمسكوا بسنة رسوله ﷺ فرفعهم الله جل وعلا. أعجب من هذا في الكرامات: ما حدث لـ سعد بن أبي وقاص عندما هجم على فارس، وكان المخطط: أن عمر بن الخطاب هو الذي يخرج بالجيش إلى فارس من أجل أن يقضي على عرش كسرى، فاستشار الصحابة فأشاروا عليه: أن تخرج واحداً من الصحابة ولا تخرج أنت، من أجل أن يكونوا حماية لك؛ لأنك أمير المؤمنين، فأخذ بهذه المشورة وقال: نؤمر عليهم سعد بن أبي وقاص ﵁ وأرضاه، فأتمر سعد بن أبي وقاص وخرج بالجيش إلى أهل فارس، وكان بينهم وبين الصحابة نهراً، فجلس سعد بن أبي وقاص كثيراً فقال: يا سلمان! أرشدنا -لأن النبي ﷺ كان يستعين بـ سلمان في مثل هذه الأحداث- قال سلمان: دعني ثلاثة أيام، فمر سلمان على الجيش ينظر فإذا به يجدهم يقيمون الليل ذكراً لله جل وعلا، ويقرءون القرآن كدوي النحل، وبالنهار يتدربون، أو صيام -أي: منهم الصائم ومنهم الذي يتدرب- ومنهم الذي: يذكر الله جل وعلا، ومنهم الذي يجهز خيله، فلما نظر في القوم قال: هؤلاء القوم النصر حليفهم، نظرت إلى قوم موسى فرأيتهم لا يدانون هؤلاء القوم، ورأيت الله جل وعلا قد شق لهم البحر نصفين كالطود العظيم، ومشوا في البحر، وإن هذه الأمة أفضل من أمة موسى، وإني أقول: اعبر البحر بخيولك وتوكل على الله يا سعد! وإن الله سيجعل النصر حليفك. فقام سعد خطيباً في الناس، فقال: أيها الناس! انظروا إلي فإذا نزلت إلى الماء فكبروا وانزلوا ورائي، فأخذ فرسه وقال: باسم الله، الله أكبر، فمشى بخيله على الماء، فكبر الجيش فمشوا بالخيول على الماء، كأنهم يمشون على الأرض، فكان الخيل كلما تعب أنشأ الله له ربوة فاستراح عليها، ثم بعد ذلك يكمل المسير، حتى عبروا النهر، ودخلوا وأخذوا سواري كسرى، وحملوه على جملين من بلاد ما وراء النهر، وذهبوا به إلى الحجاز إلى عمر بن الخطاب ﵁ وأرضاه. فكانت لهم مثل هذه الكرامات لأنهم امتثلوا لكتاب الله وسنة النبي ﷺ فسادوا الأرض. أما الآن فهل يمشي أحد على الماء، أو يذهب إلى شارون دون أن يراه أحد؟ لن تجد. بل هل تجد حتى دون الكرامات، فهل يرفع المرء يده فيستجاب له؟ لا يستجاب له، أقول والله! إن من أسباب هذا: ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ لأن النبي ﷺ قال: (لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر) فإن سكتنا يرفع خيارنا أكف الضراعة إلى الله جل وعلا فلا يستجاب لهم، قال الله: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ [الأنفال:٢٥]، ولكنها تصيب الكل. فأمة لا تعرف قدر نجاتها، لن تأتِ الكرامات لها، هؤلاء عرفوا قدر الرجال امتثالاً لقول الله تعالى: ﴿وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ﴾ [هود:٣] فالله جل وعلا يعطي كل ذي قدر قدره، وكل ذي فضل فضله، ولذلك جعل الجنة درجات ومنازل؛ من أجل أن يفرق بين الناس، فقال تعالى: ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ﴾ [القلم:٣٥]، وقال سبحانه: ﴿أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ﴾ [ص:٢٨]، والصحابة رضوان الله عليهم وأرضاهم كانوا ينزلون الناس منازلهم، والنبي ﷺ كان ينزل الناس منازلهم بالقول وبالفعل، فقدَّم أبا بكر ﵁ وأرضاه في مرض موته وقال: (مروا أبا بكر) فلما قالت له عائشة: إنه رجل بكاء، قال: (مروا أبا بكر فليصل بالناس، إنكن صويحبات يوسف) أي: تقلن شيئاً، وتضمرن غير الذي تقلن، فقال: مروا أبا بكر؛ لأنه يعلم أن أبا بكر هو الذي يستحق هذه. وأبو بكر نفسه كان يعلم أصحاب الفضل فيؤت كل ذي فضل فضله، وينزل الناس منازلهم، وهو حتى على مرض الموت. فكتب يستخلف عمر فقام الناس فقالوا: يا أبا بكر، تجعل علينا هذا الشديد! ماذا تقول لربك إذا سألك؟ قال: لو سألني ربي أقول: جعلت عليهم خيرهم، وأتقاهم. فكان يعرف لكل ذي فضل فضله، فلما أنزل الناس منازلهم، أنزله الله جل وعلا منزلته وجعله فوق البشر. ووقف أبو سفيان وسهيل بن عمرو -سادة قريش على الإطلاق- على الباب ينتظرون الإذن من عمر وبلال نائم في بيته، ثم جاء بلال بعدما وقفوا ساعة، فلما علم عمر أن بلالاً على الباب قال: ائذنوا لـ بلال، فدخل بلال، فقال أبو سفيان: العبد الأسود يدخل، ونحن سادة قريش نقف على باب عمر، فقال سهيل بن عمرو وكان حكيماً: سبقك إلى الإسلام فسبق إلى المكان، فقام عمر يبين مكانة بلال فقال: بلال سيدنا، بلال العبد الأسود يقول عنه عمر الفاروق خير الأمة بعد النبي ﷺ وبعد أبي بكر: سيدنا، عرفوا منازل الناس فعرف الله جل وعلا لهم منزلتهم، وآتاهم من فضله فرفعهم على البشر. نسأل الله جل وعلا أن يردنا إليه رداً جميلاً، وأن يجعلنا ممن يتمثل بكتاب الله، وبسنة نبيه، وأن ننزل الناس منازلهم عملاً بحديث النبي ﷺ : (لا يعرف لأهل الفضل فضلهم إلا أهل الفضل).

стр. 418

شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة - سياق ما روي عن النبي في دعائم الإيمان وقواعده كل من أتى بكلمة التوحيد، واعتقد معناها، وعمل بمقتضاها، واجتنب نواقضها فهو المسلم، له ما لنا وعليه ما علينا، ثم إن زاد في أعمال البر والإحسان ارتفعت درجته وزاد إيمانه، وإن عصى بأي نوع من أنواع المعاصي مما لا يخرجه من الإسلام كتلك النواقض العظام، فقد نقص إيمانه عند ذوي العرفان، ثم يعذب في النار على قدر معاصيه ومآله إلى الجنان، لا كما تقول المعتزلة والخوارج من كونه بعصيانه مخلداً في النيران، فهذا ادعاء ترده السنة والقرآن.

стр. 419

جماع الكلام في الإيمان إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١] أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. إخوتي الكرام، مع باب جديد في كتاب شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة، وهناك معترك دامٍ بين أهل السنة والجماعة وبين أهل الفرقة والضلالة.

стр. 420

تعريف الإسلام لغة وشرعاً قال المؤلف رحمه الله تعالى: [جماع الكلام في الإيمان. سياق ما روي عن النبي ﷺ في أن دعائم الإيمان وقواعده: شهادة أن لا إله إلا الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وحج البيت، وصوم رمضان]. الإسلام لغة: الاستسلام المحض، والإذعان والخضوع التام لله جل وعلا، قال الله مادحاً إبراهيم ﵇: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [البقرة:١٣٠] وذلك لأنه استسلم وانقاد لأوامر ربه سبحانه، ثم قال: ﴿إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [البقرة:١٣١] أي: استسلمت الاستسلام المحض لله جل وعلا، ولذلك لما أوحى إليه ربه أن يذبح ابنه قال: سمعت وأطعت، فقال تعالى مخبراً عنه: ﴿قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى﴾ [الصافات:١٠٢]، فكان الخضوع التام من إبراهيم وابنه إسماعيل عليهما أفضل الصلاة وأزكى السلام. وقد جمع الله تعالى بين الاستسلام والإحسان فقال تعالى: ﴿بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ [البقرة:١١٢] فالاستسلام والخضوع التام أصل من أصول الإحسان في عبادة الله جل وعلا. ويبين تعالى أن كل ما في السماوات والأرض قد خضع واستسلم استسلاماً تاماً له جل وعلا، فقال: ﴿وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا﴾ [آل عمران:٨٣] وهذا هو الخضوع التام لربوبية الله جل وعلا.

стр. 421

معنى الإسلام منفرداً عن الإيمان ومقترناً به وأما الإسلام شرعاً فله معانٍ كثيرة؛ لأن الإسلام يذكر في كتاب الله جل وعلا منفرداً ومقترناً. فإذا أطلق الإسلام في الكتاب منفرداً كان معناه الدين كله بمراتبه الثلاث: الإسلام والإيمان والإحسان، قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران:٨٥] فالإسلام هنا يقتضي الإسلام والإيمان والإحسان، وأيضاً قال الله تعالى: ﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا﴾ [المائدة:٣] فهاتان الآيتان أثبتتا أن الله تعالى إذا ذكر الإسلام في كتابه منفرداً فإنه يكون بمعنى الإيمان والإحسان جميعاً. ويذكر الإسلام مقترناً كذلك، وكثيراً ما يقترن بالإيمان، فإذا اقترن الإسلام بالإيمان كان للإسلام معنى وللإيمان معنى، فإذا ذكر الإسلام مقترناً بالإيمان قصد به الأعمال الظاهرة أي: أعمال الجوارح من ركوع وسجود وصدقة وزكاة وحج، فكل هذه من أعمال الجوارح، ودليل ذلك أوضح ما يكون في كتاب الله، قال الله تعالى: ﴿قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات:١٤]، فخص القلب بالإيمان، وقال: ((قُولُوا أَسْلَمْنَا)) فالإسلام هو قول اللسان، واللسان من الجوارح، فإذا اقترن الإسلام بالإيمان كان بمعنى الأعمال الظاهرة. وأشهر من ذلك في الدلالة حديث جبريل المشهور: أنه سأل النبي ﷺ بقوله: (أخبرني عن الإسلام، قال: أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة) إلى آخر الأعمال الظاهرة، ولما سأله عن الإيمان ذكر له الأعمال الباطنة.

стр. 422

تعريف الإيمان لغة وشرعاً أما الإيمان فيأتي في اللغة مطلقاً بمعنى التصديق، قال الله تعالى حاكياً عن إخوة يوسف: ﴿وَجَاءُوا أَبَاهُمْ عِشَاءً يَبْكُونَ * قَالُوا يَا أَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِنْدَ مَتَاعِنَا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ﴾ [يوسف:١٦ - ١٧] يعني: ما أنت بمصدق لنا ولو كنا صادقين. وله في اللغة معانٍ كثيرة، وأهل البدع يتمسكون بهذا التعريف فقط كما سنبين. والإيمان يتعدى بنفسه، ويتعدى باللام، ويتعدى بالباء، فإذا تعدى بنفسه فمعناه: التأمين، أي: من الأمان، تقول: أمنته، ضد خوفته، قال الله تعالى: ﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ * الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ﴾ [قريش:٣ - ٤]، وصح عن النبي ﷺ أنه قال: (النجوم أمنة للسماء، فإذا ذهبت النجوم أتى السماء ما توعد، وأنا أمنة لأصحابي، فإذا ذهبت أتى أصحابي ما يوعدون، وأصحابي أمنة لأمتي فإذا ذهب أصحابي أتى أمتي ما توعد). والإيمان أيضاً مشتق من اسم الله جل وعلا (المؤمن)، والمؤمن اسم من أسماء الله جل وعلا، يتضمن صفة كمال وهي صفة الأمن، بمعنى: أن الله جل وعلا اسمه (المؤمن)؛ لأنه يؤمن عباده من الخوف والفزع يوم القيامة، كما قال تعالى: ﴿وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ﴾ [النمل:٨٩]، فهذا هو مقتضى اسم الله المؤمن. ويتعدى الإيمان كذلك بالباء، فتقول: آمنت بالله أو آمنت برسول الله، قال الله تعالى: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ﴾ [البقرة:١٣٦] إلى آخر الآيات. ولما جاء الرجل يستنصح النبي ﷺ قال: (قل: آمنت بالله ثم استقم)، فتعدى الإيمان بالباء، وصار معناه: التصديق، قال تعالى: ((قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ)) أي: صدقنا بالله، بمعنى: صدقنا بوجود الله جل وعلا، وأنه مستو على عرشه، وآمنا بربوبية الله، وأنه خالق رازق مدبر آمر ناهٍ، وصدقنا بأن لله أسماء حسنى وصفات عُلى، وأنه لا إله إلا الله ولا معبود بحق إلا هو سبحانه، ومعنى آمنت برسول الله: أي: صدقت بأنه مرسل من قبل الله جل وعلا، وصدقت برسالته التي أوحيت إليه. ويتعدى باللام الإيمان -وهذا النوع مهم جداً- قال الله تعالى: ﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ﴾ [العنكبوت:٢٦]، فجاء بمعنى الاتباع، فلو تعدى الإيمان باللام كان معناه الاتباع والانقياد، قال الله تعالى: ﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ﴾ فلم يتبع أحد إبراهيم ﵇ في دعوته إلا لوط ﵇، ﴿وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي﴾ [العنكبوت:٢٦]، فتقول: آمنت لله أي: أذعنت وخضعت وانقدت لأحكام الله ولأوامره، ولا يمكن أن أعترض على أمر من أوامره سبحانه، وآمنت لرسول الله أي: اتبعت الرسول فلا أتعبد عبادة إلا وأنا متبع فيها الرسول ﷺ . وأجمل الشافعي معنى الإيمان بمعانيه الثلاثة في كلمة واحدة، فقال: آمنت بالله، وبما جاء عن الله، وعلى مراد الله، وآمنت برسول الله، وبما جاء عن رسول الله، وعلى مراد رسول الله. أما تعريف الإيمان شرعاً: فهو التصديق المقرون بالانقياد والإذعان، فالتصديق المقرون بالانقياد والإذعان، فيه دلالة على أن من وقر في قلبه إيمان فلا بد أن يتضح على ظاهره.

стр. 423

معنى الإيمان عند انفراده عن الإسلام واقترانه به ويأتي الإيمان أيضاً منفرداً ومقترناً، فإذا جاء الإيمان منفرداً كان معناه كلية الدين مثل الإسلام تماماً، ولو جاء مقترناً كان له معنى آخر غير المعنى الظاهر، وهو المعنى الباطن، ودليل ذلك قول الله جل وعلا: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الأنفال:٢] فهذه أعمال باطنة. ثم قال: ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ﴾ [الأنفال:٣] فهذه أعمال ظاهرة. إذاً: فهذه الآية أثبتت أن الإيمان إذا انفرد كان بمعنى الدين كله ظاهراً وباطناً. وثبت في الصحيحين أن النبي ﷺ قال: (آمركم أن تؤمنوا بالله وحده، أتدرون ما الإيمان بالله وحده؟ أن تشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وتقيموا الصلاة، وتؤتوا الزكاة، وتصوموا رمضان، ثم قال: وتؤدوا الخمس من المغنم). فهذه أعمال ظاهرة أيضاً، فإذا أطلق الإيمان دخل معه الإسلام والإحسان؛ لأنه مرتبة من مراتبه، أما إذا اقترن بالإسلام فيدل على الأعمال الباطنة فقط، قال تعالى: ﴿قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات:١٤]، وفي مسند أحمد عن النبي ﷺ قال: (الإسلام علانية، والإيمان في القلب)، وفي حديث جبريل المشهور: (سئل النبي ﷺ : ما الإيمان؟ قال: أن تؤمن -أي: بالقلب- بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره). وفي رواية أخرى (قال: أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله). إذاً: فالإيمان إذا اقترن بالإسلام كان معناه الباطن.

стр. 424

العلاقة بين الإسلام والإيمان إذا عرفنا تعريف الإسلام والإيمان لغة وشرعاً فإنه يستلزم منا أن نبين العلاقة بين الإسلام والإيمان، فالإيمان والإسلام بينهما عموم وخصوص من وجه، بمعنى أن الإيمان أعم من جهة ذاته، والإسلام أعم من جهة ناسه، فالإيمان في نفسه إسلام وزيادة، والإسلام أعم من الإيمان من جهة ناسه؛ لأن المسلمين كثيرون والمؤمنين قلة. والإيمان هو ما وقر في القلب ولكن لابد أن يصدقه العمل بالجوارح، فإذا صلح القلب صلح الجسد وصلحت الجوارح. أما الإسلام في ذاته فهو الأعمال الظاهرة فقط، كقوله ﷺ : (أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله)، وقال ﷺ : (يا عم! قل لا إله إلا الله كلمة واحدة أحاج لك بها عند الله جل وعلا) فالإسلام أعمال ظاهرة فقط، أما الإيمان فباطن، لكن الأعمال الظاهرة ترتبط به، فكل مؤمن مسلم ولا عكس؛ لأنه قد يكون مسلماً لكنه منافق في الباطن، والعياذ بالله. إذاً: فالإسلام والإيمان بينهما عموم وخصوص، فالإيمان أعم من جهة ذاته والإسلام أعم من جهة ناسه، ويرتبطان بارتباط وثيق جداً، فلا انفكاك بين الإسلام والإيمان، فإن المسلم لا يقبل إسلامه عند ربه جل وعلا إلا إذا كان معه أصل الإيمان وأصل التصديق وأصل الانقياد القلبي، وأيضاً المؤمن لا يقبل عند ربه إلا إذا كان معه أصل الإسلام وهو شهادة أن لا إله إلا الله، وشيء من أعمال الجوارح كما سنبين.

стр. 425

القائلون بأن الإسلام والإيمان شيء واحد وأدلتهم والرد عليها هذا الذي تقدم من العلاقة بين الإسلام والإيمان هو ما عليه جمهور أهل العلم، بخلاف البخاري وطائفة من أهل العلم فإنهم قالوا: بل الإيمان هو الإسلام، والإسلام هو الإيمان ولا فرق بينهما. واستدلوا على ذلك بأدلة كثيرة جداً، وأقوى هذه الأدلة هو قول الله تعالى: ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الذاريات:٣٥ - ٣٦] فذكر الإيمان أولاً ثم ذكر في نهاية الآية الإسلام مع أن البيت واحد وهو بيت لوط ﵇، فدل على أن الإيمان يساوي الإسلام، والإسلام يساوي الإيمان ولا فرق بينهما، والرد عليهم من ثلاثة وجوه: الوجه الأول: اختلف الأصوليون فيما إذا اختلف المقطوع به مع المظنون به، فما الذي يقدم؟ و الجواب يقدم المقطوع به طبعاً، وعندنا أدلة قاطعة بنص صريح أن الإيمان يختلف عن الإسلام كما في الحديث الصحيح: (جاء جبريل إلى النبي ﷺ فقال: أخبرني عن الإسلام فقال: أن تشهد أن لا إله إلا الله، وتقيم الصلاة) إلى آخر الأعمال الظاهرة، قال: (فأخبرني عن الإيمان) وما أحاله على الإسلام، وهذا فرق قاطع بينهما بنص قاطع فقال: (الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته) وهذه أعمال قلبية. وهذه الآية الكريمة التي استدل بها الإمام البخاري وغيره التأويل فيها محتمل، فيكون دليلهم مظنوناً لا مقطوعاً، وحديث جبريل نص قاطع فيقدم المقطوع على المظنون. الوجه الثاني: نقول: وإذا رددنا عليك بأن المقطوع يقدم على المظنون، وأن عندنا تفسيراً لهذه الآية: فأول تأويل فيه أننا نقول: إن كل مؤمن مسلم ولا عكس، فإن كان مؤمناً متصفاً بالإيمان صح وصفنا له بالإسلام، فيكون في الآية الأولى: ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الذاريات:٣٥] الذين هم بيت لوط ﵇، وقوله: ﴿فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الذاريات:٣٦] هم بيت لوط ﵇ أيضاً، فلما كان وصفهم في لفظ الآية بالإيمان فمن باب أولى أن يصفهم بالإسلام. والوجه الثالث: نقول: إن المؤمنين في الجزء الأول من الآية هم أناس معينون، والمسلمون في آخر الآية هم أناس آخرون، قال تعالى في الآية الأولى: ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الذاريات:٣٥] أي: لوط وبناته، فهم الذين آمنوا بالله جل وعلا واستسلموا له ظاهراً وباطناً، وهم المؤمنون الخلص، وقال في الثانية: ﴿فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الذاريات:٣٦] فخرجت زوجة لوط ﵇ من الآية الأولى؛ لأنها لم تكن من المؤمنين الخلص كلوط وبناته، وناسب دخولها في الآية الثانية من حيث الظاهر؛ لأن المقصود بالإسلام فيها الشعائر والأعمال الظاهرة فقط، وبهذا يتضح جلياً أن هناك فرقاً بين الإسلام والإيمان وليس كما قال الإمام البخاري وغيره من أهل العلم رحمهم الله تعالى. إذاً: فالصحيح الراجح أن هناك فرقاً بين الإيمان والإسلام، وأن الإيمان أعم من الإسلام.
следующие страницы →