← Акыда

Акыда · id 37435

شرح أصول اعتقاد أهل السنة للالكائي - محمد حسن عبد الغفار

محمد حسن عبد الغفار

Полный текст (838 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

معنى الإسلام منفرداً عن الإيمان ومقترناً به وأما الإسلام شرعاً فله معانٍ كثيرة؛ لأن الإسلام يذكر في كتاب الله جل وعلا منفرداً ومقترناً. فإذا أطلق الإسلام في الكتاب منفرداً كان معناه الدين كله بمراتبه الثلاث: الإسلام والإيمان والإحسان، قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران:٨٥] فالإسلام هنا يقتضي الإسلام والإيمان والإحسان، وأيضاً قال الله تعالى: ﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا﴾ [المائدة:٣] فهاتان الآيتان أثبتتا أن الله تعالى إذا ذكر الإسلام في كتابه منفرداً فإنه يكون بمعنى الإيمان والإحسان جميعاً. ويذكر الإسلام مقترناً كذلك، وكثيراً ما يقترن بالإيمان، فإذا اقترن الإسلام بالإيمان كان للإسلام معنى وللإيمان معنى، فإذا ذكر الإسلام مقترناً بالإيمان قصد به الأعمال الظاهرة أي: أعمال الجوارح من ركوع وسجود وصدقة وزكاة وحج، فكل هذه من أعمال الجوارح، ودليل ذلك أوضح ما يكون في كتاب الله، قال الله تعالى: ﴿قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات:١٤]، فخص القلب بالإيمان، وقال: ((قُولُوا أَسْلَمْنَا)) فالإسلام هو قول اللسان، واللسان من الجوارح، فإذا اقترن الإسلام بالإيمان كان بمعنى الأعمال الظاهرة. وأشهر من ذلك في الدلالة حديث جبريل المشهور: أنه سأل النبي ﷺ بقوله: (أخبرني عن الإسلام، قال: أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة) إلى آخر الأعمال الظاهرة، ولما سأله عن الإيمان ذكر له الأعمال الباطنة.

стр. 422

تعريف الإيمان لغة وشرعاً أما الإيمان فيأتي في اللغة مطلقاً بمعنى التصديق، قال الله تعالى حاكياً عن إخوة يوسف: ﴿وَجَاءُوا أَبَاهُمْ عِشَاءً يَبْكُونَ * قَالُوا يَا أَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِنْدَ مَتَاعِنَا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ﴾ [يوسف:١٦ - ١٧] يعني: ما أنت بمصدق لنا ولو كنا صادقين. وله في اللغة معانٍ كثيرة، وأهل البدع يتمسكون بهذا التعريف فقط كما سنبين. والإيمان يتعدى بنفسه، ويتعدى باللام، ويتعدى بالباء، فإذا تعدى بنفسه فمعناه: التأمين، أي: من الأمان، تقول: أمنته، ضد خوفته، قال الله تعالى: ﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ * الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ﴾ [قريش:٣ - ٤]، وصح عن النبي ﷺ أنه قال: (النجوم أمنة للسماء، فإذا ذهبت النجوم أتى السماء ما توعد، وأنا أمنة لأصحابي، فإذا ذهبت أتى أصحابي ما يوعدون، وأصحابي أمنة لأمتي فإذا ذهب أصحابي أتى أمتي ما توعد). والإيمان أيضاً مشتق من اسم الله جل وعلا (المؤمن)، والمؤمن اسم من أسماء الله جل وعلا، يتضمن صفة كمال وهي صفة الأمن، بمعنى: أن الله جل وعلا اسمه (المؤمن)؛ لأنه يؤمن عباده من الخوف والفزع يوم القيامة، كما قال تعالى: ﴿وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ﴾ [النمل:٨٩]، فهذا هو مقتضى اسم الله المؤمن. ويتعدى الإيمان كذلك بالباء، فتقول: آمنت بالله أو آمنت برسول الله، قال الله تعالى: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ﴾ [البقرة:١٣٦] إلى آخر الآيات. ولما جاء الرجل يستنصح النبي ﷺ قال: (قل: آمنت بالله ثم استقم)، فتعدى الإيمان بالباء، وصار معناه: التصديق، قال تعالى: ((قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ)) أي: صدقنا بالله، بمعنى: صدقنا بوجود الله جل وعلا، وأنه مستو على عرشه، وآمنا بربوبية الله، وأنه خالق رازق مدبر آمر ناهٍ، وصدقنا بأن لله أسماء حسنى وصفات عُلى، وأنه لا إله إلا الله ولا معبود بحق إلا هو سبحانه، ومعنى آمنت برسول الله: أي: صدقت بأنه مرسل من قبل الله جل وعلا، وصدقت برسالته التي أوحيت إليه. ويتعدى باللام الإيمان -وهذا النوع مهم جداً- قال الله تعالى: ﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ﴾ [العنكبوت:٢٦]، فجاء بمعنى الاتباع، فلو تعدى الإيمان باللام كان معناه الاتباع والانقياد، قال الله تعالى: ﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ﴾ فلم يتبع أحد إبراهيم ﵇ في دعوته إلا لوط ﵇، ﴿وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي﴾ [العنكبوت:٢٦]، فتقول: آمنت لله أي: أذعنت وخضعت وانقدت لأحكام الله ولأوامره، ولا يمكن أن أعترض على أمر من أوامره سبحانه، وآمنت لرسول الله أي: اتبعت الرسول فلا أتعبد عبادة إلا وأنا متبع فيها الرسول ﷺ . وأجمل الشافعي معنى الإيمان بمعانيه الثلاثة في كلمة واحدة، فقال: آمنت بالله، وبما جاء عن الله، وعلى مراد الله، وآمنت برسول الله، وبما جاء عن رسول الله، وعلى مراد رسول الله. أما تعريف الإيمان شرعاً: فهو التصديق المقرون بالانقياد والإذعان، فالتصديق المقرون بالانقياد والإذعان، فيه دلالة على أن من وقر في قلبه إيمان فلا بد أن يتضح على ظاهره.

стр. 423

معنى الإيمان عند انفراده عن الإسلام واقترانه به ويأتي الإيمان أيضاً منفرداً ومقترناً، فإذا جاء الإيمان منفرداً كان معناه كلية الدين مثل الإسلام تماماً، ولو جاء مقترناً كان له معنى آخر غير المعنى الظاهر، وهو المعنى الباطن، ودليل ذلك قول الله جل وعلا: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الأنفال:٢] فهذه أعمال باطنة. ثم قال: ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ﴾ [الأنفال:٣] فهذه أعمال ظاهرة. إذاً: فهذه الآية أثبتت أن الإيمان إذا انفرد كان بمعنى الدين كله ظاهراً وباطناً. وثبت في الصحيحين أن النبي ﷺ قال: (آمركم أن تؤمنوا بالله وحده، أتدرون ما الإيمان بالله وحده؟ أن تشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وتقيموا الصلاة، وتؤتوا الزكاة، وتصوموا رمضان، ثم قال: وتؤدوا الخمس من المغنم). فهذه أعمال ظاهرة أيضاً، فإذا أطلق الإيمان دخل معه الإسلام والإحسان؛ لأنه مرتبة من مراتبه، أما إذا اقترن بالإسلام فيدل على الأعمال الباطنة فقط، قال تعالى: ﴿قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات:١٤]، وفي مسند أحمد عن النبي ﷺ قال: (الإسلام علانية، والإيمان في القلب)، وفي حديث جبريل المشهور: (سئل النبي ﷺ : ما الإيمان؟ قال: أن تؤمن -أي: بالقلب- بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره). وفي رواية أخرى (قال: أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله). إذاً: فالإيمان إذا اقترن بالإسلام كان معناه الباطن.

стр. 424

العلاقة بين الإسلام والإيمان إذا عرفنا تعريف الإسلام والإيمان لغة وشرعاً فإنه يستلزم منا أن نبين العلاقة بين الإسلام والإيمان، فالإيمان والإسلام بينهما عموم وخصوص من وجه، بمعنى أن الإيمان أعم من جهة ذاته، والإسلام أعم من جهة ناسه، فالإيمان في نفسه إسلام وزيادة، والإسلام أعم من الإيمان من جهة ناسه؛ لأن المسلمين كثيرون والمؤمنين قلة. والإيمان هو ما وقر في القلب ولكن لابد أن يصدقه العمل بالجوارح، فإذا صلح القلب صلح الجسد وصلحت الجوارح. أما الإسلام في ذاته فهو الأعمال الظاهرة فقط، كقوله ﷺ : (أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله)، وقال ﷺ : (يا عم! قل لا إله إلا الله كلمة واحدة أحاج لك بها عند الله جل وعلا) فالإسلام أعمال ظاهرة فقط، أما الإيمان فباطن، لكن الأعمال الظاهرة ترتبط به، فكل مؤمن مسلم ولا عكس؛ لأنه قد يكون مسلماً لكنه منافق في الباطن، والعياذ بالله. إذاً: فالإسلام والإيمان بينهما عموم وخصوص، فالإيمان أعم من جهة ذاته والإسلام أعم من جهة ناسه، ويرتبطان بارتباط وثيق جداً، فلا انفكاك بين الإسلام والإيمان، فإن المسلم لا يقبل إسلامه عند ربه جل وعلا إلا إذا كان معه أصل الإيمان وأصل التصديق وأصل الانقياد القلبي، وأيضاً المؤمن لا يقبل عند ربه إلا إذا كان معه أصل الإسلام وهو شهادة أن لا إله إلا الله، وشيء من أعمال الجوارح كما سنبين.

стр. 425

القائلون بأن الإسلام والإيمان شيء واحد وأدلتهم والرد عليها هذا الذي تقدم من العلاقة بين الإسلام والإيمان هو ما عليه جمهور أهل العلم، بخلاف البخاري وطائفة من أهل العلم فإنهم قالوا: بل الإيمان هو الإسلام، والإسلام هو الإيمان ولا فرق بينهما. واستدلوا على ذلك بأدلة كثيرة جداً، وأقوى هذه الأدلة هو قول الله تعالى: ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الذاريات:٣٥ - ٣٦] فذكر الإيمان أولاً ثم ذكر في نهاية الآية الإسلام مع أن البيت واحد وهو بيت لوط ﵇، فدل على أن الإيمان يساوي الإسلام، والإسلام يساوي الإيمان ولا فرق بينهما، والرد عليهم من ثلاثة وجوه: الوجه الأول: اختلف الأصوليون فيما إذا اختلف المقطوع به مع المظنون به، فما الذي يقدم؟ و الجواب يقدم المقطوع به طبعاً، وعندنا أدلة قاطعة بنص صريح أن الإيمان يختلف عن الإسلام كما في الحديث الصحيح: (جاء جبريل إلى النبي ﷺ فقال: أخبرني عن الإسلام فقال: أن تشهد أن لا إله إلا الله، وتقيم الصلاة) إلى آخر الأعمال الظاهرة، قال: (فأخبرني عن الإيمان) وما أحاله على الإسلام، وهذا فرق قاطع بينهما بنص قاطع فقال: (الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته) وهذه أعمال قلبية. وهذه الآية الكريمة التي استدل بها الإمام البخاري وغيره التأويل فيها محتمل، فيكون دليلهم مظنوناً لا مقطوعاً، وحديث جبريل نص قاطع فيقدم المقطوع على المظنون. الوجه الثاني: نقول: وإذا رددنا عليك بأن المقطوع يقدم على المظنون، وأن عندنا تفسيراً لهذه الآية: فأول تأويل فيه أننا نقول: إن كل مؤمن مسلم ولا عكس، فإن كان مؤمناً متصفاً بالإيمان صح وصفنا له بالإسلام، فيكون في الآية الأولى: ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الذاريات:٣٥] الذين هم بيت لوط ﵇، وقوله: ﴿فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الذاريات:٣٦] هم بيت لوط ﵇ أيضاً، فلما كان وصفهم في لفظ الآية بالإيمان فمن باب أولى أن يصفهم بالإسلام. والوجه الثالث: نقول: إن المؤمنين في الجزء الأول من الآية هم أناس معينون، والمسلمون في آخر الآية هم أناس آخرون، قال تعالى في الآية الأولى: ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الذاريات:٣٥] أي: لوط وبناته، فهم الذين آمنوا بالله جل وعلا واستسلموا له ظاهراً وباطناً، وهم المؤمنون الخلص، وقال في الثانية: ﴿فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الذاريات:٣٦] فخرجت زوجة لوط ﵇ من الآية الأولى؛ لأنها لم تكن من المؤمنين الخلص كلوط وبناته، وناسب دخولها في الآية الثانية من حيث الظاهر؛ لأن المقصود بالإسلام فيها الشعائر والأعمال الظاهرة فقط، وبهذا يتضح جلياً أن هناك فرقاً بين الإسلام والإيمان وليس كما قال الإمام البخاري وغيره من أهل العلم رحمهم الله تعالى. إذاً: فالصحيح الراجح أن هناك فرقاً بين الإيمان والإسلام، وأن الإيمان أعم من الإسلام.

стр. 426

أقوال السلف في الإيمان قال ابن عبد البر: أجمع أهل العلم من الصحابة والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين أن الإيمان قول وعمل واعتقاد. وقال الشافعي: كل من أدركتهم من التابعين وتابعي التابعين يقولون: الإيمان قول وعمل ونية. وقال الثوري: الإيمان قول وعمل وقصد واعتقاد. أما شيخ الإسلام ابن تيمية فقد أجمل وقال: كل هذه التعريفات تساوي تعريف أن الإيمان قول وعمل، أي: قول باللسان وقول بالقلب، وعمل بالجوارح، وعمل بالقلب. قوله: (قول باللسان) أي: كأن تقول: لا إله إلا الله، فلا يمكن أن تدخل في دائرة الإسلام حتى تشهد أن لا إله إلا الله، إلا الأخرس، فإن الإشارة تقبل منه، لكن إذا كان يستطيع النطق والكلام فإن الإسلام لا يقبل منه بحال من الأحوال إلا أن يقول: لا إله إلا الله، حتى وإن أقر في قلبه بالإيمان، قال الله تعالى: ((قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ)) يعني: قولوا باللسان. والنبي ﷺ يقول كما في الصحيحين من حديث أبي هريرة: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا -أي: باللسان-: لا إله إلا الله). ولما جاء النبي ﷺ إلى عمه وهو على فراش الموت (قال: يا عم! قل: لا إله إلا الله -أي: باللسان- كلمة أحاج لك بها عند الله جل وعلا) فلا إله إلا الله هي قول اللسان. أما القول الثاني فهو قول القلب: وهو التصديق التام والانقياد والإقرار والإذعان لله جل وعلا، قال تعالى: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ﴾ [الزمر:٣٣].

стр. 427

شبهة والرد عليها لو قيل: من كان مصدقاً بقلبه لكنه لم ينطق بشهادة الحق بلسانه، فإنه يعتبر في الآخرة مؤمناً، بدليل قوله تعالى: ﴿رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ إِنْ تَكُونُوا صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلأَوَّابِينَ غَفُورًا﴾ [الإسراء:٢٥] وقوله ﷺ عن مضغة القلب: (إذا صلحت صلح الجسد كله) فهل هذا الكلام صحيح؟ الجواب من كان كما ذكر يعتبر كافراً في الدنيا فيقتل مثل الحربي، وهو في الآخرة في جهنم خالد مخلد فيها أبداً، وأوضح مثال هو عم النبي ﷺ ، فقد كان يعتقد أن دين النبي ﷺ خير الأديان، فقال: لولا الملامة لأقررت بها عينك، فمنعه الكبر الذي في قلبه أن ينطق بكلمة التوحيد، وقال: والله لا يعلو استي بحال من الأحوال، فهو في ضحضاح من النار خالداً مخلداً فيها أبداً. وكان إبليس أيضاً من أشد الناس إيماناً بالوعد والوعيد، ومن أشد الناس إقراراً بربوبية الله جل وعلا، فقد قال: ﴿قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ [الحجر:٣٩ - ٤٠]، فقد كان مقراً في قلبه، ومع ذلك لم ينفعه هذا الإقرار فهو في جهنم خالداً فيها أبداً. وقال الله تعالى عن فرعون ومن معه: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ [النمل:١٤]. إذاً: فإقرار القلب وتصديقه إن لم يصاحبه تلفظ باللسان فلا ينفعه لا في الدنيا ولا في الآخرة. وأيضاً: لابد مع اعتقاد القلب من عمله وعمل الجوارح، فعمل الجوارح: كالذكر وقراءة القرآن والركوع والسجود والصدقات والزكاة، وعمل القلب: كالاتباع والتوكل والإخلاص والمحبة، قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ [البقرة:١٦٥]. وقال ﷺ : (لا يؤمن أحدكم حتى يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما)، أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.

стр. 428

شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة - أقوال أهل العلم والسلف في الإيمان الإيمان بالله تعالى ليس مجرد كلمة يقولها الشخص، أو اعتقاد يعتقده في قلبه دون أن تصدقه جوارحه، إنما الإيمان قول وعمل واعتقاد، فكل إناء بما فيه ينضح، فإن كان القلب مؤمناً حقاً فإن أثر ذلك سوف يظهر على جوارحه، ولنعلم أن الإيمان ليس بالتمني ولا بالتحلي، وإنما ما وقر في القلب وصدقه العمل.

стр. 429

المراد بالإيمان عند السلف إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. إخواني الكرام، ما زلنا مع الإسلام والإيمان والعلاقة بينهما، وندخل بإذن الله في مسائل مهمة جداً في الإيمان. وقد تكلمنا سابقاً عن معنى الإسلام والإيمان لغة وشرعاً، والعلاقة بينهما، وقلنا: إن الإسلام والإيمان إذا اجتمعا افترقا، وإذا افترقا اجتمعا!! أي: إذا اجتمعا في الذكر افترقا في المعنى، وإذا افترقا في الذكر اجتمعا في المعنى، بمعنى: أن الإسلام والإيمان إذا جاءا معاً كان للإسلام معنى وللإيمان معنى آخر، فمعنى الإسلام: الأعمال الظاهرة، والإيمان الأعمال الباطنة، أي: الأعمال القلبية، كما جاء في بعض الأحاديث، وإن كان في إسناد بعضها كلام، فالإسلام يكون علانية والإيمان في القلب، وقلنا: إن بينهما عموم وخصوص، فكل مؤمن مسلم ولا عكس، فالإيمان عام في ذاته وخاص في ناسه، وأما الإسلام فعام في ناسه خاص في ذاته. والآن -إن شاء الله- نتكلم بالتوسعة عن أقوال أهل العلم والسلف في الإيمان: قلنا: إن ابن عبد البر نقل إجماع أهل العلم من السلف الصالح أن الإيمان قول وعمل، ورووا عن الشافعي أنه قال: قول وعمل ونية، وعن الثوري: قول وعمل ونية واعتقاد، وقال ابن عيينة: قول وعمل واعتقاد وسنة، وقلنا: معنى قول أهل العلم: قول وعمل، أي: قول باللسان وقول بالقلب، وعمل بالقلب وعمل بالجوارح. فقول اللسان نحو: لا إله إلا الله، قال الله تعالى: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة:١٣٦]، وفي الحديث الصحيح، عن النبي ﷺ قال: (قل أمنت بالله ثم استقم)، وقال ﷺ : (أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله)، أي: حتى يقولوا بألسنتهم، ويشهدوا أن لا إله إلا الله، وأيضاً: قال النبي ﷺ لعمه: (يا عم! قل كلمة واحدة أحاج لك بها عند الله)، وهذه الكلمة هي: لا إله إلا الله، فهذا هو قول اللسان. أما قول القلب: فهو الإقرار والتصديق، أي: بأن تستيقن في قلبك أن الله هو الخالق الرازق المدبر الآمر الناهي السيد المطاع، أنه لا معبود بحق إلا الله، ولا مستحق للعبادة على الإطلاق أحد إلا الله وحده لا شريك له، قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ﴾ [الزمر:٣٣]، وقال جل وعلا: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا﴾ [الحجرات:١٥]. أي: لا شك دخل في قلوبهم، بل آمنوا بيقين تام وأقروا بربوبية الله وألوهيته، جل وعلا. وأما وعمل القلب: فهو الإخلاص، وهو أصل أعمال القلوب، قال الله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة:٥]، وقال النبي ﷺ : (إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى)، وقال ﷺ ، كما جاء كل ذلك في الصحيحين: (عن الله جل وعلا أنه قال: أنا أغنى الشركاء عن الشرك، فمن عمل عملاً أشرك فيه معي غيري تركته وشركه)، نعوذ بالله من الشرك ومن أدنى الرياء. ومن أعمال القلوب: التوكل، قال الله تعالى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة:٢٣]. ومنها: المحبة، قال الله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ [البقرة:١٦٥]. وفي الصحيحين عن النبي ﷺ قال: (لا يؤمن أحدكم حتى يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما)، وليس هذا موضع البسط في الأعمال القلبية. وأما عمل الجوارح، فكالصلاة والصيام، قال الله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة:٤٣]، قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حَجُّ الْبَيْتِ﴾ [آل عمران:٩٧]، أو (حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران:٩٧]، قراءتان صحيحتان.

стр. 430

أصناف الناس بالنسبة لتعريف الإيمان فهذا هو مجمل الكلام بالنسبة لتعريف السلف للإيمان، أي: أنه قول وعمل، والناس بالنسبة لهذا التعريف على أربعة أصناف: الصنف الأول: من توفر عنده قول القلب، فاستقر في قلبه يقيناً وجزماً أن الله هو الخالق الرازق المدبر الآمر السيد المطاع، الناهي المستحق للعبادة وحده، لكنه لم يتلفظ بلسانه، ولم ينقد بجوارحه ولا بقلبه، فهذا الصنف، هو كافر ظاهراً وباطناً، نحاربه حتى يقول: لا إله إلا الله أو يدفع الجزية، وفي الآخرة هو خالد مخلد في نار جهنم؛ لأنه استيقن في قلبه وجحد ولم ينقد بجوارحه. مثال ذلك: عم النبي ﷺ ، هو أول الأمثلة التي تقال في هذا الباب، فإنه استقر في قلبه يقيناً بأن دين النبي ﷺ هو خير الأديان، وأن النبي صلى الله عليه سلم صادق مصدوق، وأنه يوحى إليه، وأن الله هو المستحق للعبادة، وأن هذا الدين هو أفضل الأديان على الإطلاق، ومع ذلك لم ينقد لرسول الله ﷺ ، ولم لا لشرع الله، والنبي ﷺ أخبر بأنه في ضحضاح من نار جهنم. المثل الثاني الذي يبين لنا أن من استقر في قلبه يقيناً بالربوبية والإلهية وصدق بالرسول ولم ينقد له أنه من أهل النار: هو الوليد بن المغيرة، فقد جلس مع رسول الله ﷺ فقرأ عليه القرآن، فلما سمع القرآن قال لـ أبي جهل: والله لقد جلست مع الشعراء وليس هذا بشعر، وجلست مع الكهنة وليس هذا بتكهن، ومدح القرآن بالكلمات المشهورة المعلومة عنه، فكان أبو جهل يعلم أن هذا الرجل يحب المال، انظروا إلى الذي استحب الدنيا على الآخرة، وقدم الدراهم المعدودة الفانية على الآخرة الباقية، فقال أبو جهل: يا عم أو يا خال، قد رجعت من عند الناس، وقد جمعوا لك الأموال حتى تتكلم لنا في محمد، أو تقول فيه قولاً، فقال القول المشهور، كما جاء ذلك في سورة المدثر: ﴿إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ * فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ * ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ * ثُمَّ نَظَرَ * ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ * ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ * فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ * إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ﴾ [المدثر:١٨ - ٢٥]، فقال الله تعالى: ﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ﴾ [المدثر:٢٦]، عقاباً له؛ لأنه استيقن بقلبه أن هذا الكلام هو كلام الله، وليس من الشعر ولا من الكهانة في شيء، ومع ذلك طمس الله على قلبه، وطمس بصيرته، نعوذ بالله من ذلك، فإذا ختم الله على قلب أحد فقد انتهى أمره، وكانت نهايته إلى بوار، ولو اجتمع أهل الأرض على أن ينفعوه أو يهدوا قلبه فلن يفعلوا ذلك؛ لأن الأمر بيد الملك المقتدر. المثل الثالث: أبو جهل نفسه، وإن وردت القصة التي سأذكرها لكم بأسانيد ضعيفة، لكنها تبين ما لـ أبي جهل من حقد دفين، وحسد كبير على رسول الله ﷺ ، فقد قال: والله إني لأعلم أنه لصادق - أي: رسول الله ﷺ وأعلم أنه نبي، لكن كنا وبنو هاشم-يعني: نحن وبنو هاشم -كفرسي رهان، نتسابق في العلو والمنزلة والشرف، يقولون: منا كذا، ونقول: منا كذا، فقالوا: منا نبي، فأنى يكون لنا نبي، والله لا نصدقه أبداً. فهذا يدل على الحقد الدفين الذي في قلبه، فقد استيقن بصدق الرسول، ومع ذلك جابه الرسول وقاتله قتالاً عنيفاً، وصدق فيهم قول الله تعالى: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ [النمل:١٤]، نعوذ بالله من ذلك، فقد استقر في قلوبهم الحق ولكن لم ينقادوا له. ورئيسهم في ذلك -وهو آخر مثل نضربه-: هو إبليس عليه لعنة الله، فقد استقر في قلبه بأن الله أمره أمراً، وهذا الأمر فيه مصلحه له، لكن الكبر والعناد جعلاه لم ينقد لله جل وعلا، وهو يعلم أن الله جل وعلا أمره بذلك ليختبر انقياده لأوامره جل وعلا، فإن هذا الأمر كان لتشريف آدم، لكن الأصل هو أن الله جل وعلا أراد أن يكشف المعلوم في إبليس، كما قال ابن كثير في تفسير قول الله جل وعلا: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:٣٠]، قال: يعلم الله من إبليس أنه يجحد أمره وأنه يتكبر، فابتلاه بالسجود، فإبليس كان مستيقن بربوبية الله جل وعلا، وكان مستيقن بأن الرسول الذي بعث في الأمة حق، ومع ذلك يغوي الناس، وجحد بآيات الله جل وعلا. الصنف الثاني بالنسبة للإيمان: صنف أتى بقول اللسان، بل وانقاد بالجوارح، ولكن خلا قلبه من التصديق من الانقياد، نعوذ بالله أن نكون كذلك، وهؤلاء هم المنافقون، وقد وصفهم الله بقوله: ﴿فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ﴾ [التوبة:٤٥]، شك كبير، كما قال تعالى حاكياً قولهم: ﴿وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ﴾ [هود:٦٢]، وقال عنهم: ﴿مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لا إِلَى هَؤُلاءِ وَلا إِلَى هَؤُلاءِ﴾ [النساء:١٤٣]. فهؤلاء لهم ما لنا وعليهم ما علينا، في الدنيا، أي: أن لهم الأمان، وعصمة الدم، وعصمة المال، والغنائم والفيء تقسم عليهم، ولهم المناكحة منا والتوارث، ولنا المناكحة منهم والتوارث، ولكن في الآخرة هم في الدرك الأسفل من النار، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ [النساء:١٤٥]. فهؤلاء توفر فيهم قول اللسان، فقد قالوا: لا إله إلا الله، وكثير من الناس ممن تتعايشون معهم، قد طفح النفاق من قلوبهم، ونضح حتى في أعينهم، وعلى ألسنتهم بالكلام، فهؤلاء قد قالوا: لا إله إلا الله، بل وانقادوا، فهم يصلون معنا، ويستقبلون قبلتنا، ويذبحون كما نذبح، ويسبحون كما نسبح، وينفقون كما ننفق، وهم في الدرك الأسفل من النار؛ لأنهم لا يتحاكمون إلى الله جل وعلا، وإذا خلوا إلى بمحارم الله انتهكوها، وهم لا يقومون إلى الصلاة إلا كسالى، قال الله عنهم: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ * يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنفُسَهُمْ﴾ [البقرة:٨ - ٩]، وقال في آية أخرى: ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾ [النساء:١٤٢]. الصنف الثالث بالنسبة للإيمان -الذي هو قول وعمل-: أناس توفر فيهم قول القلب، وهو التصديق والإقرار، وتوفر فيهم قول اللسان، لكن لم تنقد الجوارح ولم ينقد القلب، فقالوا: لا إله إلا الله باللسان، أقروا وبالقلب بأنه لا معبود بحق إلا الله، فهؤلاء هم الذين حدث فيهم الاختلاف، وهؤلاء هم الذين ندخل مع أهل البدع المعترك الدامي في الخلاف فيهم: هل هم مسلمون أم منافقون أم كفار؟ وسوف نرجئ هذا الخلاف العريض حتى نتكلم عن مرجئة الفقهاء، وكيفية نرد عليهم. الصنف الرابع: هؤلاء الذين حباهم الله ومنحهم: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنِ اللَّهِ﴾ [النحل:٥٣]، منحهم الله قول اللسان، وقول القلب: التصديق والإقرار، وعمل الجوارح، وعمل القلب أيضاً، وهؤلاء ينقسمون إلى ثلاثة أقسام، وجاء تقسيمهم هذا في آية واحدة من كتاب الله، وهي قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ﴾ [فاطر:٣٢]، فأكثر المفسرين قالوا: الظالم لنفسه: هو الذي اقترف الذنوب والآثام، ومع ذلك هو مقر بخطيئته، ويعمل عملاً صالحاً. والمقتصد: هو الذي أدى الفرائض، وترك المحرمات ولم يرتق بالسنن. أما السابقون بالخيرات: فهم الذين أدوا الأوامر والفرائض، وارتقوا بالنوافل المطلقة والنوافل الراتبة، وانتهوا عن المحرمات. هذا تفسير أكثر المفسرين لهذه الآية، لكن عائشة ﵂ وأرضاها فسرت الآية بطريقة أخرى، بأن السابق للخيرات: هو الذي ينفق ويصلي ويصوم، وقلبه وجل أن لا يقبل عمله عند الله جل وعلا، أي: يخشى من مكر الله جلا وعلا. والمقتصد: هو الذي يسارع أيضاً في الخيرات لكن أقل من الأول، ثم قالت لـ عروة: أما الظالم لنفسه فمثلي ومثلك، هذا الكلام تقوله عائشة ﵂ وأرضاها لـ عروة، الذي يعتبر أحد الفقهاء السبعة، وهو أكثر من روى عن عائشة، وهو الذي وقف أمام الكعبة وقال: اللهم اجعل الناس تحمل عني الحديث، فحمل الناس عنه الحديث، وكان من الفقهاء المعدودين، ومع ذلك قالت له عائشة: أما الظالم لنفسه فمثلي ومثلك، نسأل الله العفو والعافية. نحن الآن في زمن الذي يصلي فيه الفرائض ويجتنب المحرمات دون المكروهات، ويترك النوافل، فهذا من أولياء الله الصالحين، فبحق: نحن أصلاً نحتقر أنفسنا أمام القوم الذين سبقونا، نسأل الله جل وعلا أن لا يفضحنا أمامهم. المقصود: أن الصنف الرابع من أهل الإيمان هم المؤمنون الذين توفر فيهم قول اللسان وقول القلب، وعمل الجوارح وعمل القلب، ولابد أن نعرف العلاقة بين عمل الجوارح وعمل القلب؛ لكي نقوى على فهم الخلاف فيما بعد، فإن هذه العلاقة إما علاقة تباين، أي: لا توجد علاقة بينهما، وإما علاقة تلازم وارتباط وثيق، بحيث لا يمكن أن ينفك أحدهما عن الآخر، فإذا زال عمل القلب زال عمل الجوارح، وكل إناء بما فيه ينضح، إن كان فيه خير نضح بالخير، وإلا فلا، والعلاقة بحق: هي علاقة تلازم وارتباط، وعلى ذلك أدلة من الكتاب والسنة وأقوال السلف.

стр. 431

أدلة التلازم الوثيق بين عمل القلب وعمل الجوارح الأدلة على أن التلازم وثيق بين عمل الجوارح، وعمل القلب من الكتاب والسنة، ثم من أقوال السلف:

стр. 432

الأدلة القرآنية على التلازم بين عمل القلب وعمل الجوارح فأما من الكتاب: فقول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [البقرة:٨٢]. فما ذكر الله الإيمان في موضع من كتابه إلا وذكر قرينه العمل الصالح، إشارة إلى أن الإيمان الذي وقر في القلب لا بد أن يصدقه شيء في الظاهر، وهو العمل؛ ولذلك قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [الأنفال:٢]، هذا في الداخل لا نعرفه ولا نراه، ثم قال الله: ﴿وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الأنفال:٢]، والتوكل هذا عمل باطني، ثم قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ﴾ [الأنفال:٣]، فذكر الصلاة والإنفاق، وهذا عمل ظاهري؛ وذلك لأن هناك ترابط وثيق بين عمل القلب وعمل الجوارح. ومن الأدلة من كتاب الله قوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾ [التوبة:١١] فلأن التوبة عمل قلبي لم يكتف الله بذلك، ولم يرض بها فقط حتى يدخل المرء الإسلام، بل ربط التوبة بما يظهرها وهو العمل الصالح: كإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، ولذلك قال العلماء: إن الفاسق لا تقبل شهادته إلا أن يتوب، وكيف تعرف توبته؟ يقول الجمهور من أهل العلم: إن التوبة تكون بالظاهر، فإذا استقام مع الناس في الصلوات، وكان يخرج الزكاة، وعلم باستقامة حاله وحسن خلقه، فهذه هي التوبة، أي: الأمر الظاهري، مع أن التوبة عمل قلبي، لكن لا بد من الأمر الظاهري؛ ليتبين ما في القلب. ومن الأدلة من كتاب الله قوله تعالى عن جزاء المحاربين وعن توبتهم: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنَ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ * إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة:٣٣ - ٣٤]. اختلف العلماء في توبة المحارب الذي تقطع يده ويصلب وينفى من الأرض، أي: كيف تعرف؟ فـ ابن القاسم المالكي قال: لابد أن يذهب إلى الأمير ويشهر توبته، وهذا قول المالكية. وقال جمهور الفقهاء -وهو الراجح- إنه يقطن بيته، ويذهب إلى الصلاة في أوقاتها، ويحسن خلقه مع جيرانه ومع الناس فتعرف بذلك توبته. فهذه التوبة التي هي عمل قلبي، ظهرت على الجوارح في الخارج، كما قال الله تعالى في الآية التي ذكرناها سابقاً ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ﴾ [التوبة:١١]. وأيضاً قال الله تعالى -مبيناً أن تشابه الظاهر مرتبط بتشابه الباطن- قال عن اليهود لعنة الله عليهم: ﴿كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [البقرة:١١٨]، فربط الظاهر بالباطن، فلما تشابه الظاهر بالظاهر، تشابه الباطن بالباطن، وهذه دلالة على أن الترابط وثيق بينهما، وسنة الله لا يمكن أن تتبدل. أيضاً قال الله تعالى عن النفاق والمنافقين؛ لأن النفاق عمل قلبي، فمن أجل أن نعرفه قال الله تعالى لنبيه: ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ﴾ [محمد:٣٠]. فأنت تعرفه أولاً من خلال وجهه؛ لأن ما في القلب يظهر على الوجه، تراه فتقول: وجهك وجه منافق، أذكر شيخاً من مشايخنا أفنى عمره في الدعوة، جلس مرة فقال: رأيت من الناس مفتي من المفتيين، ورأيت النفاق ينضح على وجهه نضحاً. وثانياً: تعرفهم من خلال كلامهم، فبعضهم تسمعه يقول: هل نأخذ علمنا من رجل يقول: من قال: إن الأرض كروية يكفر؟ نأخذ العلم من هذا!، والله هذا نفاق بين، أو آخر يقوم علناً أمام الناس فيقول: أتريدون تحكيم الشريعة؟ تريدون قطع يد السارق، ما هذا التخلف، مع أن هذا حكم الله من فوق سبع سماوات، وحكم الرسول ﷺ الذي قال: (والذي نفسي بيده لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها)، فهذا نفاق ينضح، وآخر يقول: أتريدون جلد الزاني مائة جلدة؟ والله هذه وحشية. فهؤلاء أصبح النفاق ظاهراً على وجوههم وفي كلامهم. أيضاً: قال الله تعالى -منكراً على بني إسرائيل، ومبيناً أن الإيمان، أو الكفر الذي في القلب، لا بد أن ينضح في الخارج- ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا قَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة:٩٣]، أي: إذا كنتم مؤمنين حقاً فلم عبدتم العجل؟ ولم أطعتم غير الله تعالى؟ بل هذا كفر في قلوبكم. أيضاً: من الأمور التي تبين ارتباط الظاهر بالباطن: أن الله سمى أعمال الظاهر إيماناً، قال الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [البقرة:١٤٣]، فبإجماع المفسرين أنها الصلاة، وكما في حديث البخاري عن البراء -الطويل- وفيه أنه قال: (هي الصلاة)، وذلك حين حولت القبلة إلى الكعبة، فقال القوم: ما بال إخواننا الذين ماتوا، وما بال صلاتنا التي صليناها من قبل فقال الله جل وعلا تطميناً لقلوبهم: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [البقرة:١٤٣]، فسمى الصلاة إيماناً. أيضاً: بين الله جل وعلا الارتباط الوثيق في كتابه بين الظاهر والباطن، وأنه إذا انتفى اللازم انتفى الملزوم، قال الله تعالى: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ﴾ [النساء:١٤٠] فبين الله جل وعلا أن هؤلاء الذين يجلسون في المجالس التي يكفر فيها بالله، أو يستهزأ فيها بآياته، أو بأوليائه الصالحين، دون إنكار، فإن هؤلاء من يجلسون معهم فيهم نفس الكفر؛ لأن القلب نضح وظهر ما فيه، فهو ساكت راض بهذا الكفر، فصاحبه كافر مثلهم. لذلك استنبط العلماء قاعدة مهمة جداً من قواعد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهي قولهم: إن لم تزل المنكر فزل. أي: اخرج فلو جلست فأنت مثلهم؛ لأنك راض بفعلهم، فإن جلست مع شراب الخمر، ولم تنههم وتنكر عليهم، فأنت مثلهم، إن جلست مع الزناة ولم تنكر عليهم، بل ولم يتحرك قلبك غضباً لله جل وعلا فأنت منهم. فهذه أدلة من كتاب الله جل وعلا على أن الظاهر يرتبط ارتباطاً وثيقاً بالباطن.

стр. 433

الأدلة الحديثية على التلازم بين عمل القلب وعمل الجوارح أما الأدلة من أحاديث النبي ﷺ ، فأشهر حديث هو ما في الصحيحين: وهو قول رسول الله ﷺ : (ألا وإن في الجسد مضغة، إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله). وحديث آخر: (كان النبي ﷺ إذا قام يصلي قال: استووا ولا تختلفوا فتختلف قلوبكم)، فاختلاف القدم بالقدم والمنكب بالمنكب يؤثر في اختلاف القلب؛ لأن الظاهر يؤثر في الباطن، ولذلك نهى النبي ﷺ عن التشبه بأهل الكفر؛ لأن التشبه بهم في الظاهر يقود إلى التشبه بالباطن، قال ﷺ : (لتتبعن سنن الذين من قبلكم، شبراً بشبر وذراعاً بذراع، حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه)، وفي رواية: (لو وجد منهم من ينكح أمه، لوجد في أمتي من يفعل ذلك)، وقد وجد من كان يطأ أمه، والعياذ بالله. فهذه أدلة من السنة أيضاً على أن الظاهر يرتبط بالباطن، وأن القلب إذا وجد فيه إيمان فلابد أن ينضح على الجوارح. ولذلك قال الحسن البصري: الإيمان ما وقر في القلب وصدقه العمل، وقال سعيد بن المسيب -وكثير من أهل العلم يرفعون هذا الأثر، والصحيح أنه من قول سعيد بن المسيب - وذلك حين دخل ﵀ المسجد فوجد رجلاً يصلي، وأثناء الصلاة كان يلعب برأسه ولحيته، وينظر في يده، فقال سعيد بن المسيب: لو خشع قلبه لخشعت جوارحه. والنبي ﷺ كان في سفرة من الأسفار، فصلى بالناس الفجر، فبعدما سلم وجد اثنين جالسين ولم يصليا، فقال لهما ﷺ : (ألستما بمسلمين؟!)، فهو رآهما ما صليا، فقال هذا ليس بفعل المسلم الصادق؛ لأن المسلم في الباطن لابد أن يظهر هذا الإسلام وهذا الإيمان في الظاهر، ومن ذلك أداء الصلاة: (فقالا: يا رسول الله صلينا في رحالنا، فقال الرسول ﷺ ، هذا يبين أن المرء إذا دخل ووجد الناس يصلون فليصل معهم، (فقال: إذا صليتم في رحالكم فدخلتم المسجد فصلوا مع الإمام فهي فرض له ونافلة لكم). أيضاً: قال النبي ﷺ لوفد عبد القيس: (آمركم بالإيمان بالله وحده) ثم فسر الإيمان بالله وحده بالأعمال الظاهرة فقال: (شهادة أن لا إله إلا الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وحج البيت، وأن تؤدوا الخمس من المغنم)، وكلها أعمال ظاهرة فسماها إيماناً. وأيضاً: قال النبي ﷺ ، كما في السنن: (لا يحافظ على الوضوء إلا مؤمن)، فجعل علامة إيمان الرجل أنه يحافظ على الوضوء، وقال ﷺ في حديث آخر: (الوضوء شطر الإيما). وأيضاً: جعل النبي ﷺ الأمانة من الأعمال الظاهرة، أي: أن تأمن الشخص على مالك، وعلى نفسك، وعلى عرضك، فقال ﷺ : (لا إيمان لمن لا أمانة له)، وأهم الأمانات هي الأمانة في الدين، الأمانة بينك وبين ربك جل وعلا، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ﴾ [الأنفال:٢٧]، وكم منا قد خان الله، فما منا من أحد إلا وقد خان الله ورسوله، فلو نظر أحدنا في نفسه لوجد أنه وجد بدعة لم ينكرها، فهذه خيانة لله ورسوله، أو وجد انتهاكاً لحرمة من حرمات الله جل وعلا فلم يتكلم ولم يغيره أو لم يدع لأخ له مسلم في ضيق من أمره، أو لم يتعاون معه على البر والتقوى، فهذه خيانة لله ولرسوله، نعوذ بالله من ذلك، فالأمانة أمانة مع الله أولاً، ثم أمانة مع الرسول، ومن الخيانة التي خنا بها الرسول ﷺ ما نرى من الموالد والرقص والطبل وهذه المهاترات التي يحسب أصحابها أنها احتفالات برسول الله ﷺ ، ونحن على سكوت، فلم نذهب لننكر ونغير، والله هذه خيانة لرسول الله، وكم منا من ترك سنة من سنن النبي ﷺ ويحسب أنه على شيء. ثم هناك أمانة مع نفسك، وذلك أنك إذا كنت وحدك فلا تخن نفسك وتظلمها فتنتهك محارم الله، فالأمانة مع النفس أن تجعلها قدر الإمكان تستقيم على دين الله جل وعلا. ثم هناك أمانة مع الغير، وهذه قد ضاعت عند كثير من الناس في زماننا هذا، ولا حول ولا قوة إلا بالله، فتجد الأخ يسرق أخاه، والأخت تسرق أختها، وإذا ذهبت إلى المحاكم وجدت الكثير من أصحاب هذه المشاكل، نسأل الله أن يغفر لنا ويرحمنا، آمين يا رب العالمين. وكان بعض السلف يقول: من لا أمانة له لا إيمان له، وأختم بحديث النبي ﷺ : (الإيمان بضع وستون أو بضع وسبعون شعبة، والحياء شعبة من شعب الإيما). فهذه كلها دلائل على أن الإيمان الظاهر يرتبط بالإيمان الباطن، أو أن الأعمال الظاهرة مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالباطن.

стр. 434

شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة - خصال الإيمان الإيمان هو من أهم مراتب الدين، ولا يتحقق الإيمان إلا إذا ظهرت صفات على صاحبه تدل على إيمانه، ومن تلك الصفات: تحقيق كلمة لا إله إلا الله قولاً وعملاً، وكذلك الصلاة التي من أقامها أقام الدين ومن هدمها هدم الدين، والحياء من الصفات البارزة لأهل الإيمان كذلك، فهو الداعي لجميع خصال الخير في الإنسان وغيرها من الصفات التي تميز الشخصية المؤمنة عن بقية الشخصيات الأخرى.

стр. 435

ذكر طرق من خصال الإيمان الأدلة على أن التلازم وثيق بين عمل الجوارح، وعمل القلب من الكتاب والسنة، ثم من أقوال السلف:

стр. 436

الخصلة الأولى: كلمة التوحيد إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسول. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. ثم أما بعد: فما زلنا مع هذا الكتاب المبارك كتاب شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة للإمام العلامة اللالكائي، واليوم بإذن الله ندخل معركة ضد أهل البدعة والضلالة ومن المرجئة الذين يقولون: لا يضر مع الإيمان أي ذنب، وإيمان أي امرئ كإيمان أبي بكر، وإيمان أبي بكر كإيمان جبريل ﵇. توطئة لهذا الرد: قدم العلامة المصنف للرد على أهل الضلالة والبدعة ومن المرجئة الذين يقولون: إن الأعمال ثمرة الإيمان، وليست لازمة من لوازمه خلافاً لأهل السنة، بذكر خصال الإيمان أو الصفات المعدودة فيه، التي أعلاها: لا إله إلا الله، وأدناها: إماطة الأذى عن الطريق، وكأنه يقول بلسان حاله: إن الأعمال الظاهرة من الإيمان، وتدخل تحت مسماه، ورأس الأمر عنده قول النبي ﷺ كما في الصحيح: (الإيمان بضع وستون). وفي رواية البخاري: (الإيمان بضع وسبعون شعبة أعلاها: لا إله إلا الله، وأدناها: إماطة الأذى عن الطريق) فأعلى هذه الخصال وأعلى شعبة من شعب الإيمان هي: لا إله إلا الله، ولا إله إلا الله هي قول باللسان، وتدخل في مسمى الإيمان بل هي أصل الإيمان، ولا يشهد لأحد بالإسلام حتى يتلفظ بها كما قال النبي ﷺ في الصحيحين: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله). ولا إله إلا الله هي مفتاح الجنة، لكن هذا المفتاح لا بد له من أسنان، فلا يمكن أن يفتح إلا بهذه الأسنان، فلا إله إلا الله إذا قالها المرء عصم دمه وماله وحسابه عند الله جل وعلا، هذا إذا عمل بمقتضاها واجتنب نواقضها.

стр. 437

شروط لا إله إلا الله تقيد هذه المقولة بقيود وشروط عدها بعض العلماء سبعة وهي أكثر من ذلك. وهذه القيود هي التي تنفع صاحبها في الآخرة لا في الدنيا، وفي الدنيا لو قالها -أي: كلمة التوحيد- دون أن يأتي بشروطها لدخل في الإسلام وكان له ما للمسلمين وعليه ما عليهم، أما في الآخرة فلا بد أن يأتي بهذه القيود والشروط ألا وهي كما يلي: الشرط الأول: العلم المنافي للجهل، ودليله قول الله تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [محمد:١٩]. فطلب العلم بها يجب أولاً قبل العبادة. الشرط الثاني: القبول، المنافي للرد عن استكبار، ودليقه قول الله تعالى: ﴿إِذَا قِيلَ لَهُمْ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ﴾ [الصافات:٣٥] فالذي يقول: لا إله إلا الله لا بد أن يكون مذعناً لله جل وعلا. الشرط الثالث: اليقين المنافي للشك، ودليله: قول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا﴾ [الحجرات:١٥]. الشرط الرابع: الانقياد، والإذعان والاستسلام لله جل وعلا، فقد مدح الله إبراهيم ﵇ لاستسلامه له إذ قال له: أسلم كما قال تعالى: ﴿إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ﴾ [البقرة:١٣١] يعني: استسلمت. دليل هذا الشرط: قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ [النساء:١٢٥]. الشرط الخامس: المحبة ودليلها: قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا﴾ [البقرة:١٦٥]. الشرط السادس: الصدق المنافي للكذب، ودليله: قوله تعالى: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ [الزمر:٣٣]. قوله ﵊: (تحروا الصدق فإن الصدق يهدي إلى البر، والبر يهدي إلى الجنة). الشرط السابع: الإخلاص، قال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة:٥].

стр. 438

الخصلة الثانية: الصلاة الصلاة خصلة من خصال الإيمان، نبني على ذلك قول الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [البقرة:١٤٣]. أي: وما كان الله ليضيع صلاتكم، وقد أجمع المفسرين على ذلك، وقد جاء في الصحيحين من حديث ابن عباس عن وفد عبد القيس لما قال لهم الرسول ﷺ : (آمركم بأربع: آمركم بالإيمان بالله وحده). ثم فسر ما الإيمان بالله فقال: (شهادة أن لا إله إلا الله). وهذه أعلى الخصال، ثم قال: (وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وأن تؤدوا خمس ما غنمتم). وهي من الأعمال الظاهرة التي تدخل في مسمى الإيمان، وهذا هو معتقد أهل السنة والجماعة خلافاً للمرجئة، والصلاة من أقامها فقد أقام الدين، ومن هدهما فقد هدم الدين.

стр. 439

حكم تارك الصلاة لا إله إلا الله أعلى شجرة الإيمان -كما مثلها ابن القيم - فكلما قربت الخصال منها أخذت حكمها، وحكمها: أن من تركها كفر، ومن قالها دخل الإسلام. (وأدناها إماطة الأذى). وكلما قربت الخصال من إماطة الأذى أخذت حكمها، يعني: لو ترك بعض الأعمال التي تقترب من إماطة الأذى لا يخرج عن الملة، لكن لا يكون مؤمناً كامل الإيمان. ولذلك اختلف أهل السنة والجماعة في حكم من ترك الصلاة على قولين: القول الأول: قول الجمهور أن تارك الصلاة ليس بكافر، إلا إذا جحدها، فيكفر بالجحود والإنكار. واستدلوا من الكتاب بقول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨] وترك الصلاة ليس بشرك، إذ هي داخلة تحت قوله: (دُونَ ذَلِكَ) فيغفر ما دون ذلك لمن يشاء سبحانه. أما الأحاديث فكثيرة جداً، منها: قول رسول الله ﵊: (من قال: لا إله إلا الله خالصاً من قلبه دخل الجنة) ولم يذكر الصلاة وقال (من قال: لا إله إلا الله مستيقناً بها قبله دخل الجنة) ولا ذكر للصلاة في هذه الأحاديث. وحديث بريدة لما قال: قال رسول الله ﷺ : (خمس صلوات في اليوم والليلة افترضهن الله على عباده، فمن أحسن وضوءهن وأتم ركوعهن وخشوعهن كان له عند الله عهد أن يدخله الجنة) وإن لم يحسن وضوءهن فليس له عند الله عهد أن يدخل الجنة، فإن شاء عذبه وإن شاء غفر له. فهو في المشيئة إذاً، فليس بكافر، وهذا حديث قوي. ومنها: حديث صلة الذي رواه عن حذيفة لما قال حذيفة: يدرس الإسلام -يعني: يندثر الإسلام- حتى لا يبقى منه شيء، فيبقى الرجل الكبير يقول: لا إله إلا الله، أدركت أبائي يقولون ذلك، لا يعرف من الإسلام إلا هذا القول -أي: لا إله إلا الله- فقال صلة مستغرباً: الرجل لا يصلي ولا يصوم ولا يعرف شيئاً عن قواعد الإسلام فكيف ينجيه قول: لا إله إلا الله؟ فقال حذيفة: مبيناً له: تنجيهم يا صلة! تنجيهم يا صلة! تنجيهم يا صلة! الشاهد من هذا الحديث: أن الذي ينجيهم: هو لا إله إلا الله؛ فإنه ما ذكر صلاة ولا صياماً ولا زكاة، وإنما قال فقط: لا إله إلا الله، فقال حذيفة: تنجيهم يا صلة! يعني: لا إله إلا الله تنجيهم. ومنها: حديث في الصحيحين وهو أرجح حديث لهم، وهو حديث القبضة، وفيه أن الله جل وعلا يجعل المؤمنين يشفعون في إخوانهم، فيقولون: ربنا! إخواننا كانوا يصلون ويزكون ويحجون معنا، فيأمرهم الله جل وعلى أن يخرجوا من النار من عرفوا، وكان في قلبه مثقال ذرة وشعيرة من إيمان إلى آخر الحديث، بعد ما ينتهي المؤمنون يشفع الملائكة، فيخرجون الذي أكلتهم النار وبقي منه أثر السجود، ثم بعد ذلك يقول الله جل وعلا: (شفع المؤمنون وشفعت الملائكة وبقي أرحم الراحمين، فيقبض الله قبضة فيخرج كل من قال: لا إله إلا الله وفي قلبه مثقال ذرة من خير فيدخله الجنة). فهذه جمل من أدلة أهل السنة والجماعة الذين قالوا: إن تارك الصلاة ليس بكافر ولكنه فاسق فاعل لكبيرة مستحق للعذاب. أما القول الثاني: فهو قول بعض الحنابلة، وبعض الشافعية، منهم الإمام ابن خزيمة، وحاصل هذا القول: أن حكم تارك الصلاة كافر، ولهم أدلة كثيرة في الكتاب والسنة. أما من الكتاب فقول الله تعالى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾ [التوبة:١١]. فمفهوم المخالفة: إن لم يتوبوا ولم يقيموا الصلاة ولم يؤتوا الزكاة فليسوا بإخوان لنا أي: مرتدين. وكذلك قول الله تعالى: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ * قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ * وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ * وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ﴾ [المدثر:٤٢ - ٤٥] والشاهد: أن أهل النار ذكروا أن سبب دخولهم فيها: هو أنهم ليسوا من المصلين، فلذلك سلكهم الله في سقر وأحرقهم بنار تلظى. وأما من السنة: فحديث النبي ﷺ : (العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر). وكذلك لما رأى النبي ﷺ رجلاً في آخر المسجد لا يصلي فقال له: (ألست بمسلم؟! أما صليت معنا؟!). الراجح من القولين في تارك الصلاة: أنه كافر يخرج من الملة، فهو خالد مخلد في نار جهنم.

стр. 440

الخصلة الثالثة: الأمانة ومن خصال الإيمان: الأمانة. والأصل فيها أنها من عمل القلب، وأعماله من الإيمان. فقد جاء عن النبي ﷺ أنه قال: (لا إيمان لمن لا أمانة له). ومعنى (لا إيمان) أي: لا إيمان كامل، للذي يخون الأمانة.

стр. 441

أنواع الأمانة والأمانة أمانتان: أمانة مع الله ورسوله، وأمانة مع الخلق. فأمانته مع الله كما قال تعالى: ﴿لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ﴾ [الأنفال:٢٧]، فخيانة الله جل وعلى كخيانة شرعه، وخيانة سنة رسوله ﷺ ، والأمانة لا تؤدى إلا بعبادة الله، فالذي يسرق من صلاته مثلاً غير مؤتمن أو غير أمين مع الله جل وعلى في عبادته له سبحانه. أما خيانة الرسول فمنها: عدم تسوية الصفوف، فاعوجاجها ليس أمانة مع النبي ﷺ . ومن خيانة الأمانة: الابتداع في دين الله جل وعلا، وعدم تبليغ الدعوة. ومن خيانة الأمانة أيضاً: أن تسكت عن بدعة ولا تنكرها. ومن خيانة الأمانة لله جل وعلا: أن ترى من يحرف دينه، وكتابه، ويزعم أموراً لا يرضاها الله ولا رسوله فتسكت عنها ولا تنكرها ولا تبينها. وأما الأمانة مع الخلق فهي من قول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ [النساء:٥٨] فعدم الغيبة، وعدم النميمة، يكون من الأمانة، وكذا إذا استودع عندك إنسان وديعة فمن الأمانة أن تؤديها كما هي، وإذا أدى إليك قولاً فمن الأمانة أن تبلغه كما هو بلا زيادة ولا تحريف. فالمؤمن الغير أمين ليس بمؤمن كامل الإيمان.

стр. 442

الخصلة الرابعة: الحياء الحياء خصلة من خصال الإيمان، وهو من الأعمال القلبية أيضاً. والحياء: هو خلق يمنع المرء من أن يقترف الآثام.

стр. 443

أنواع الحياء الحياء حياءان: حياء من الله جل وعلا ورسوله، وحياء من خلق الله. فأما الحياء من الله: فهو بأن لا نقترف الآثام والمعاصي وهو يرانا جل وعلا. وأما الحياء من الرسول ﷺ : فهو بأن لا نبلغ دعوته كما هي، والحياء من رسول الله ﷺ بأن لا نصدق خبره، فرسول الله يقول: (بين يدي الساعة سنين خداعة، يكذب فيها الصادق، ويؤتمن الخائن ويخون الأمين، وينطق الرويبضة، قالوا: وما الروبيضة يا رسول الله؟ قال: الفاسق أو الفويسق). ثم ذكر المؤلف خصالاً كثيرة عد منها أكثر من ستين خصلة، فينبغي مراجعتها، وأما هذه الأعمال الظاهرة فهي من الإيمان، لا كما يقول المرجئة، فهم يقولون: إن الأعمال ليست من الإيمان.

стр. 444

نبذة تعريفية عن فرقة المرجئة اسم المرجئة مشتق من الإرجاء، معناه: التأخير، قال الله تعالى: ﴿وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ﴾ [التوبة:١٠٦]. وقد ظهرت هذه الطائفة في آخر القرن الأول، ففي عصر الفتن ظهرت المرجئة بعد ما خرجت الخوارج على علي، وعثمان ﵄. وأول من تكلم بالإرجاء هو الحسن بن محمد بن الحنفية، وكان الإرجاء عنده غير الإرجاء الذي ينكره أهل السنة والجماعة. فقد كان الإرجاء عند الحسن بن محمد بن الحنفية أنه قال: نحن نقر بخلافة الشيخين: أبي بكر وعمر، ونرجئ أمر عثمان، وأمر علي لله جل وعلا. ومن رموز المرجئة حماد بن أبي سليمان، بل يقال: إنه أول من أنشأ مذهب الإرجاء في مسمى الإيمان، وهو من أهل الكوفة، وتلميذ إبراهيم النخعي، وهو شيخ لـ أبي حنيفة، وكان يقول حماد: الأعمال ليست من الإيمان، ولكنهم اختلفوا بعد حماد بن سليمان وبعد ما أخذ أبو حنيفة عنه هذا المذهب إلى فرق كثيرة. فمنهم من قال: الإيمان هو المعرفة، أي: إن عرفت أنه يوجد رب خالق للكون فقط فأنت مؤمن، وعندهم من هو أشر من إبليس يستوي إيمانه مع إيمان جبريل؛ ولذلك كفرهم كثير من أهل السنة والجماعة. وفرقة أخرى قالت: الإقرار هو الإيمان، وفرقة ثالثة قالت: التصديق هو الإيمان، وبعضهم قال: الإقرار والتصديق وقول اللسان هو الإيمان، وبعضهم ومنهم الكرامية قالوا: العمل فقط عمل الجوارح. أما مرجئة الفقهاء الذين بينهم وبين أهل السنة والجماعة بعض الخلاف وبعض الاتفاق فقد قالوا: الإيمان إقرار بالقلب، وأقروا بأعمال القلوب، لكن قالوا: أعمال الجوارح ليست من الإيمان، بل هي ثمرة بالإيمان، فهذا قول مرجئة الفقهاء في أمر الإيمان. أما قولهم في الكفر فهم يقولون: إن الأقوال أو الأفعال الكفرية ليست كفرية، أي: سب الرسول أو سب الشريعة ليس بكفر وإنما علامة على الكفر الداخلي. وهم يقولون هذا؛ لأن منهج المرجئة في الإيمان: أن الإيمان إقرار وتصديق، فيقرون بأعمال القلوب، أما أعمال الجوارح فليست عندهم من الإيمان، والكفر عندهم علامة على ما في داخل القلب، ولهم أدلة في ذلك. منها: قول الله جل وعلا: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ﴾ [يوسف:١٧] قالوا: فالإيمان في اللغة: التصديق، والتوحيد: هو التصديق، فالأعمال ليست تصديقاً فلا تدخل في مسمى الإيمان. ومنها: أنهم قالوا: إن الله جل وعلا عطف الأعمال على الإيمان، والأصل في العطف المغايرة، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [البقرة:٢٧٧]، فجعل العمل الصالح غير الإيمان. وقالوا كذلك: إذا قلنا: بأن الإيمان هو التصديق، فلا يكون الكفر إلا التكذيب، فحصروا الكفر بالتكذيب.

стр. 445

شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة - الإيمان يزيد وينقص من عقيدة أهل السنة والجماعة: أن الإيمان يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، وأن الناس يتفاوتون في التصديق والإيمان، والإيمان قول وعمل، قول القلب واللسان وعمل القلب والجوارح. أما مسألة الاستثناء في الإيمان فأهل السنة مختلفون فيها على أقوال عدة.

стр. 446

زيادة الإيمان ونقصانه إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. ما زلنا مع شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة للعلامة اللالكائي في باب: جماع الكلام في الإيمان، وقد سبق الكلام على الإسلام والإيمان والعلاقة بينهما، وبيّنا فصل الخطاب في تعريف الإيمان لغةً وشرعاً، وبينا أيضاً أن هناك ارتباطاً وثيقاً بين ظاهر الإيمان وباطنه. وسنتكلم هنا عن الاستثناء في الإيمان، وعن زيادة الإيمان ونقصانه فأقول: باب جماع ما قيل في الإيمان والكلام على أن الإيمان يزيد وينقص. إن الإيمان يزيد بالطاعات وينقص بالمعاصي، فيزيد بكل طاعة يطيع المرء بها ربه جل وعلا حتى يصير كالجبال، فيعيش المرء بجسده مع الناس وروحه في السماء مع الملائكة. وأيضاً ينزل الإيمان بسبب المعاصي حتى يتسفل المرء، فيعيش بجسده مع الناس وهو بروحه مع الجن والشياطين في سابع أرض. قال بعض السلف: يزيد الإيمان حتى يصير كالجبال، وينقص حتى يصير كالهباء. أجمع أهل السنة والجماعة خلافاً للمرجئة على أن الإيمان يزيد وينقص، ثم اختلفوا فيما بينهم في محل الإيمان هل هو القلب أم العقل. والصحيح: أن محل الإيمان هو القلب، والإيمان الذي في القلب قول وعمل، فقول القلب هو التصديق، وعمله هو الانقياد والاتباع واليقين إلى آخر هذه التسلسلات. ثم اختلفوا فيما بينهم: هل زيادة الإيمان تكون في التصديق أم في الأعمال فقط؟ وقد اتسعت دائرة الخلاف بين أهل السنة والجماعة، وهو خلاف لفظي، والراجح: أن الإيمان يزيد في التصديق وينقص، ويزيد في الأعمال الظاهرة وفي أعمال القلوب وينقص.

стр. 447

الأدلة على تفاوت التصديق إن تصديق الملائكة لا يساويه تصديق أحد من الخلق، فتصديق الصحابة الكرام لا يداني تصديق الملائكة الذين رأوا كمال الله جل وعلا، وجماله وعظمته وآثار قوته وجبروته. وأيضاً فتصديق الصحابة الكرام لا يداني تصديق الرسول ﷺ الذي أُوحي إليه، وكذلك تصديق التابعين لا يساوي تصديق الصحابة، بل إن الصحابة الكرام يتفاوتون فيما بينهم في التصديق، فهذا أبو بكر الصديق ﵁ وأرضاه سبق الجميع؛ لتصديق قلبه بالله جل وعلا، وبما أوحاه الله إلى رسوله ﷺ . وهذه أمثلة تبين لك زيادة التصديق وعلوه إلى السماء: فـ أبو بكر ﵁ وأرضاه وصفه النبي ﷺ بعلو التصديق، وذلك لما غاضب أبو بكر عمر رضوان الله عليهما، فجاء أبو بكر وحسر عن ركبته، فنظر النبي ﷺ إليه وقال: (أما صاحبكم فقد غامر)، وعلم أن هناك مشاحاة بينه وبين أحد الصحابة، فلما جاء عمر بعده نظر النبي ﷺ إليه مغضباً وتمعر وجهه، وعُرف الغضب في وجه النبي ﷺ ، ثم قال: (هلا تركتم لي صاحبي؟! صدقني وكذبتموني)، فشهد له النبي ﷺ بعلوه في التصديق. وأيضاً: ظهر علو تصديق أبي بكر ﵁ وأرضاه على الصحابة بما فيهم عمر وعثمان وعلي في مواقف كثيرة جداً. منها: لما مات النبي ﷺ قال عمر من قال: (إن نبي الله قد مات علوته بسيفي هذا، إن رسول الله ذهب إلى ربه وسيرجع كما ذهب موسى إلى ربه ورجع، ثم دخل الصديق بعلو صدقه في قلبه على النبي ﷺ فبكى، ثم قبل النبي ﷺ بين عينيه وقال: طبت يا رسول الله حياً وميتاً، ثم خرج على الناس فقال: أيها الناس! من كان يعبد محمداً فإن محمداً قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت، ثم قرأ قول الله تعالى: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِينْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ﴾ [آل عمران:١٤٤]. فخر عمر ﵁ وأرضاه مغشياً عليه؛ لأنه لم يحتمل الموقف، لكن تصديق أبي بكر ﵁ وأرضاه كان أقوى فثبت في هذا الموقف؛ لذلك فالعلماء حينما يفاضلون بين الملُهم وبين الصديق فإنهم يقولون: الصديق أعلى مقاماً من الملهم، فـ عمر كان ملهماً بنص حديث النبي ﷺ : (إن كان في هذه الأمة ملهم فهو عمر بن الخطاب)، لكن الصديق لم يحتج إلى إلهام؛ لأن قلبه ناصع، فيجري الحق على قلبه دون إلهام. ودليل ذلك أيضاً: أن أبا بكر ﵁ وأرضاه وافق كلامه كلام النبي ﷺ في صلح الحديبية، وأما عمر فلم يتحمل هذا الموقف فقال: (يا رسول الله! ألسنا على الحق؟ قال: نعم، قال: أليسوا على الباطل؟ قال: نعم، قال: فلم نعطي الدنية في ديننا؟! فقال النبي ﷺ : أنا رسول الله ولن يخذلني الله جل وعلا، ثم رجع عمر وقال: أذهبُ إلى أبي بكر لعله يؤثر في رسول الله، فذهب إلى أبي بكر ﵁ وأرضاه فقال: يا أبا بكر! ألسنا على الحق؟ قال: بلى، قال: أليسوا على الباطل؟ قال: بلى، قال: فلم نعطي الدنية في ديننا؟! فقال أبو بكر بتصديقه التام المجرد في قلبه الناصع، مثل ما قال النبي ﷺ ، فقال: هو رسول الله ولن يخذله الله، والزم غرز رسول الله ﷺ . فهذا يدل على التفاوت في التصديق القلبي بين الصحابة رضوان الله عليهم وأرضاهم. وأيضاً: مما يدل على التفاوت في الإخلاص والمحبة، قول عمر ﵁ وأرضاه لما استعلى يقينه بربه: والله إني لا أحمل هم الإجابة -أي: إجابة الدعاء- ولكني أحمل هم الدعاء، فإذا رفعت يدي لله جل وعلا فإن الله سيقبل دعائي يقيناً؛ عملاً بقول الله تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر:٦٠]. فاستيقن بقول الله تعالى، فقال: والله إني لا أحمل هم الإجابة؛ لأني على يقين منها؛ لأن القائل هو الله، ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا﴾ [النساء:٨٧]، ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا﴾ [النساء:١٢٢]. واستعلى يقين خالد بن الوليد ﵁ وأرضاه لما شرب السم أمام ملك الروم أو الفرس، واستحضر قول النبي ﷺ : (من قال: باسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء في الأرض ولا في السماء وهو السميع العليم لم يضره شيء). فاستيقن في هذا وعلم النتيجة يقيناً ثم وقف أمام الرجل وأخذ السم وقال: أشرب هذا أمامك ولا أموت، فأخذ السم وقال: (باسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء في الأرض ولا في السماء وهو السميع العليم) وشرب السم ولم يحدث له شيء. وكذلك همم الصحابة علت لما علا اليقين والتصديق في قلوبهم، فجاء رجل في غزوة أحد أو في غيرها للنبي ﷺ وقال: (يا رسول الله ما يضحك الرب؟ فقال له الرسول ﷺ : أن تتقدم مقبلاً غير مدبر، وتخلع درعك وتقدم نحرك أمام الأعداء، فتقاتل حتى تقتل في سبيل الله، قال: أيضحك الرب من ذلك؟ قال: يضحك الرب من ذلك، قال: يا رسول الله، إذاً: لن نعدم خيراً من رب يضحك، ثم أخذ الدرع فألقاه، وأخذ السيف ودخل حين حمى الوطيس يقاتل في سبيل الله، وقدم نحره حتى قتل في سبيل الله)، ونحن على يقين أن الله سيضحك له يوم القيامة، ثم ينال رحمات الله في الفردوس الأعلى إن شاء الله مع رسول الله ﷺ ، نحسبه كذلك بإذن ربنا الجليل، وقبح الله المبتدعة الذين ينفون صفة الضحك.

стр. 448

حال الصديقين وحال المنافقين في غزوة الخندق لقد فصل الله بين صف الصديقين وصف المنافقين في غزوة الخندق، لما تألب الناس من مشارق الأرض ومغاربها على رسول الله ﷺ وأصحابه، حتى إنه لم يستطع أحد من الصحابة أن يقضي حاجته، وعندما ظهرت كدية كبيرة وهم يحفرون الخندق ولم يستطيعوا أن يفعلوا لها شيئاً، جاء النبي ﷺ فضربها حتى فلقها نصفين، ثم قال: (الله أكبر، أعطيت الكنزين: الأحمر والأصفر)، يعني: بلاد فارس والروم. فلتصديق ويقين وإيمان الصحابة صدقوا النبي ﷺ وقالوا: ﴿قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ [الأحزاب:٢٢]. أما المنافقون الذين في قلوبهم ريب فقالوا: ﴿مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا﴾ [الأحزاب:١٢]؛ لأن الريب يملأ قلوبهم. فالإيمان يزيد وينقص، ومحله القلب، فيزيد بالتصديق، بأعمال القلب من إخلاص ومحبة ويقين وتوكل على الله جل وعلا، وهناك أمثلة كثيرة جداً في التوكل، فمنها: حديث النبي ﷺ : (لو توكلتم على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خماصاً وتروح بطاناً). وكما فعل كثير من الصحابة كان يكتفي بقوت يومه؛ لأنه يعلم أن الرزق بيد الله، وكان الحسن البصري تاجراً فكان يعرض بضاعته فإذا اكتفى بقوت يومه انتهى، وقال: الحمد لله، وأخذ تجارته، قالوا: يا رجل يأتي الناس إليك لتربح في التجارة، قال: علمت أن رزقي بيد ربي ولن يصل إلى غيري فاطمأن قلبي.

стр. 449

أدلة زيادة الإيمان ونقصانه من الكتاب والسنة وآثار الصحابة الإيمان إذا علت بشاشته في القلب أصبح أصحابه يعيشون بين الناس بأجسادهم وأرواحهم هناك مع الملائكة في عليين، والأدلة على زيادة الإيمان ونقصانه من الكتاب أدلة متوافر متضافرة، وأيضاً هناك أدلة من السنة متوافرة متضافرة على ذلك. أما أدلة الكتاب: فيقول الله تعالى: ﴿وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى﴾ [مريم:٧٦]. وقوله جل وعلا: ﴿لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ﴾ [الفتح:٤] وقوله جل وعلا: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ [التوبة:١٢٤] وقوله جل وعلا: ﴿الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ [الأنفال:٢] وكل هذا من كتاب الله جل وعلا. وأيضاً: قصة إبراهيم تبين لنا أن علو مقام الإيمان يصل بعد ذلك إلى الطمأنينة، قال إبراهيم ﵇ كما قال الله عنه: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة:٢٦٠] يعني: أعلى ما يكون من مقامات الإيمان أن تصل إلى الطمأنينة. والآيات بنفس النسق كثيرة جداً. أما السنة النبوية: فهناك أحاديث كثيرة تدل على ذلك، منها: قول النبي ﷺ : (ما رأيت من ناقصات عقل ودين أذهب للب الرجل الحازم منكن). الشاهد قوله: (ناقصات عقل ودين)، ووجه الدلالة أن ما كان قابلاً للنقصان فهو يقبل الزيادة. وفي حديث الشفاعة الطويل: (ويخرج من النار من كان في قلبه مثقال كذا ومثقال كذا)، حتى وصل بها في التناقص إلى مثقال ذرة، فهذه دلالة على أن الإيمان يقل ويقل إلى أن يصل إلى مثقال ذرة من الإيمان. ومنها أيضاً: في الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال: (من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان)، وفي رواية أخرى قال: (ما أبقى من مثقال حبة خردل من إيمان بعد هذا) يعني: الإنكار بالقلب. وأيضاً: حديث النبي ﷺ : (الإيمان بضع وسبعون شعبة أعلاها لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق)، فتتفاوت هذه الدرجات، فهي سبعون درجة من الأولى إلى الأخيرة التي هي أعلاها، فكلما قرب المرء منها علا إيمانه، وكلما قرب من الإماطة قل إيمانه أو قلّت درجات الإيمان عنده. ومنها أيضاً: حديث النبي ﷺ : (يتراءى أهل الجنة كما تتراءون النجوم) يعني: يتراءى أهل الدرجة الأقل مع الدرجة الأكبر كما تتراءون النجوم. فهذه من أحاديث النبي ﷺ الدالة على ذلك، وهناك أحاديث كثيرة على هذا النسق. أما الآثار: فمنها: قول ابن مسعود ﵁ وأرضاه في دعائه (اللهم زدني فقهاً ويقيناً وإيماناً) يعني: أنه كان يدعو الله جل وعلا أن يزيده إيماناً. وكان أبو موسى الأشعري ﵁ وأرضاه يقول: (الفقيه حق الفقيه هو الذي يتعاهد إيمانه نقص أم زاد) فالفطن الذي يجعل لنفسه ساعة ينظر في إيمانياته علت أم انتقصت، وما هي الأسباب التي يعلو بها الإيمان فيأخذ بها، وما هي الأسباب التي ينقص فيها الإيمان فيبعد عنها. ولذلك كان وهب بن منبه كما في مسند الإمام أحمد يقول: على المرء أربع ساعات، منها ساعة يخلو بنفسه يتدبر أمره ينظر علا إيمانه أم قل. وكما في شعب الإيمان عن ابن عمر ﵁ وأرضاه أنه قال: (تعلمنا الإيمان ثم تعلمنا القرآن، فزاد الإيمان على إيماننا) يعني: ازداد إيماناً على إيمان بالقرآن. وكان عمر بن الخطاب يجتمع في حلقات العلم والذكر ويقول للصحابة: (هلموا نذكر الله ساعة) أي: تعالوا وأقبلوا. وأيضاً في حديث حنظلة ﵁ وأرضاه لما قال: (نافق حنظلة فخرج أبو بكر وخرج عمر فقالا: ما بالك؟ فقال: أجلس عند رسول الله فكأني أرى الجنة والنار، فإذا رجعت إلى بيتي عافست النساء والأطفال نقص الإيمان، فقالا: والله نحن كذلك، فلما ذهبوا إلى النبي ﷺ إلى آخر الحديث. الشاهد أنه لما قال: (نافق حنظلة) يعني: الإيمان نزل من علوه إلى النفاق. وأيضاً قال ابن أبي مليكة من التابعين: (أدركت ثلاثين صحابياً من صحابة رسول الله ﷺ كل واحد منهم لا يقول: إن إيمانه كإيمان جبريل، ويخشى على نفسه النفاق) ووجه الدلالة: أن الواحد منهم لم يكن يقول: إن إيمانه وصل إلى إيمان جبريل؛ لأن التصديق متفاوت، فجبريل يكلم الله جل وعلا والله يكلمه، وينظر إلى جبروت الله جل وعلا، فالإيمان عنده أعلى ما يكون. إذاً: فالإيمان يزيد وينقص، يزيد بالطاعات وينقص بالمعاصي، فعلى كل امرئ منا إذا زل أو إذا عصى الله علم أن الإيمان قد قل فلا بد أن يتعاهد إيمانه قلبه، فيتوب إلى الله توبة نصوحاً؛ لأن الله يفرح بتوبة العبد أشد من فرح المرء الذي أشرف على الهلاك فوجد النجاة، فالله يفرح بتوبة العبد ويرتقي العبد بهذه التوبة إلى الله جل وعلا فيعلو إيمانه أيضاً. وأيضاً من الأحاديث التي تثبت الزيادة والنقصان في الإيمان قول النبي ﷺ : (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن)، فهذا فيه دلالة على أنه لما يزني المرء فإن إيمانه ينقص، ويكون كالظلة مرتفعاً عنه حال الزنا، فكلما ارتكب المرء المعصية أو اتبع هواه على شرع الله جل وعلا فإن إيمانه يقل، وكلما اتبع أوامر الله جل وعلا وآثر الله وأوامره على نفسه وشهوته وهواه فإن إيمانه يعلو ويرتقي إلى الله جل وعلا.

стр. 450

مراتب الإيمان عند الزيادة والنقصان للإيمان ثلاث مراتب عند الزيادة والنقصان: المرتبة الأولى: مطلق الإيمان، وهي أدنى مرتبة، وهي التي تمنع المرء من الخلود في النار، يعني: ينقص الإيمان شيئاً فشيئاً إلى حد يمنع المرء أن يخلد في نار جهنم. وهذه المرتبة هي التي يكون فيها مطلق الإيمان أو أصل الإيمان موجوداً، وينجو صاحبها من النار، وهذه تستنبط من حديث النبي ﷺ : (أن الله يأمر الملائكة بأن يخرجوا من النار ممن فيهم علامات الصلاة لم تحترق، فتخرجهم الملائكة، والمؤمنون يشفعون فيخرجون من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان) وفي هذا دلالة على أن معهم أصل الإيمان الذي هو أدنى مراتبه. المرتبة الثانية: الإيمان الواجب أو الإيمان الكامل أو الإيمان المطلق، وهذه المرتبة هي التي ينجو صاحبها من النار، ويدخل الجنة بعد الحساب، والإيمان المطلق الواجب هو الذي أدى صاحبه الواجبات وترك المحرمات، وترك النوافل واقترف المكروهات، وهو لا يأثم؛ لأن المكروه لا يأثم فاعله ويثاب تاركه، وعكسه المستحبات. وهذا يستدل له بحديث الأعرابي الذي دخل على النبي ﷺ فقال: (آلله بعثك؟ ثم قال له النبي ﷺ : إن الله افترض عليك خمس صلوات في اليوم والليلة، قال: أعلي غيرها يا رسول الله؟ قال: لا، قال: والله لا أزيد -ثم ذكر له النبي الزكاة ثم الصوم ثم الحج- فقال: أعلي غيرها؟ قال: لا، قال: والله لا أزيد عن ذلك ولا أنقص، فقال النبي ﷺ : أفلح وأبيه إن صدق)، وفي رواية: (دخل الجنة إن صدق). فالنبي ﷺ بين أن الرجل إذا قام بالواجبات وترك المحرمات فإنه يدخل الجنة بعد المحاسبة. المرتبة الثالثة: هي المرتبة التي يدخل أصحابها الجنة من أول وهلة، فلا حساب عليهم ولا عذاب، وهذه المرتبة مرتبة الإيمان المطلق: الواجب والمستحب، وهؤلاء هم الذين أتوا بالواجبات وتركوا المحرمات، ثم أتبعوا الواجبات بالنوافل وأتبعوا ترك المحرمات بترك المكروهات. وهؤلاء الذين أخبر النبي ﷺ بأنهم يدخلون الجنة بغير عذاب ولا حساب، ووصفهم بقوله: (هم الذين لا يكتوون ولا يتطيرون وعلى ربهم يتوكلون) وهم سبعون ألفاً. وفي رواية أخرى قال: (مع كل واحد منهم سبعون ألفاً) أيضاً يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب، هذه المرتبة الثالثة التي نختم بها مراتب الإيمان، وأصحابها يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب، نسأل الله أن نكون جميعاً منهم.

стр. 451

حكم الاستثناء في الإيمان الجزء الثاني الذي نتكلم عنه في باب الاستثناء في الإيمان، كأن تقول: أنا مؤمن إن شاء الله، وهذا الأمر زلت فيها الأقدام حتى بين أهل السنة والجماعة، فقد حدث خلاف عريض بينهم، وهي على أقوال كثيرة نحصرها في أربعة أقوال: القول الأول: قول الجهمية ومرجئة الأحناف الذين قالوا: إن الاستثناء في الإيمان لا يجوز، فعندهم لو قال المرء: أنا مؤمن إن شاء الله، فهو كافر، مع أن مرجئة الأحناف التكفير عندهم بعيد، لكنهم قالوا: لو قال: أنا مؤمن إن شاء الله فهذا يكفر بذلك؛ لأنه بالاستثناء كأنه شك في دين الله، والله جل وعلا يقول: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا﴾ [الحجرات:١٥] أي: لم يشكوا، فليس هناك ثمة ريب ولا شك، فهذا قول مرجئة الأحناف. والجهمية قالوا: لا يجوز أن يقول المؤمن: أنا مؤمن إن شاء الله، ولو قال بذلك فهو شاك في دين الله ويكفر. والشافعية قالوا: يجوز الاستثناء في الإيمان، ولذلك من الطرائف أن الأحناف قالوا: يجوز للحنفي أن ينكح الشافعية قياساً على أهل الكتاب؛ لأن الشافعية يقولون: يجوز للمرء أن يقول: أنا مؤمن إن شاء الله. القول الثاني: قول الشافعية وجمهرة من أهل السنة والجماعة: وهو أنه يجب على المرء إذا سئل: أنت مؤمن؟ أن يقول: أنا مؤمن إن شاء الله، ولا يقول: أنا مؤمن بالجزم، فالأحناف وأصحاب القول الأول لابد عندهم أن يقول: أنا مؤمن، جزماً، أما أصحاب القول الثاني فنظروا للمآل والمستقبل والآخرة، فقالوا: وجب عليه أن يقول: أنا مؤمن إن شاء الله، واستدلوا على ذلك بقول الله تعالى: ﴿وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا * إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الكهف:٢٣ - ٢٤]. وأيضاً قالوا: لنا في ذلك أدلة أخرى وهي أن الذي يقول: أنا مؤمن، جزماً، قد زكى نفسه ووقع في المحذور، وقد قال الله تعالى: ﴿فَلا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾ [النجم:٣٢]. وهناك قول آخر: وهو إذا قال: أنا مؤمن دون أن يقول: إن شاء الله، فأي مراتب الإيمان يكون فيها، العليا أم الوسطى أم الدنيا؟ وهذا مخالف لطبيعة الإنسان، فالإنسان ظلوم جهول، والإنسان ينسى ويخطئ، يقول النبي ﷺ يقول: (كل ابن آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون)، فهو إذا لم يلتزم بفعل الواجبات وترك المحرمات يكون كاذباً في دعواه. إذاً: فأصحاب هذا القول نظروا للمآل؛ لأن المؤمن جزماً يكون منتهاه إلى الجنة، لكن لا أحد يجزم أنه في الجنة، فـ أبو بكر نفسه ﵁ وأرضاه قال: (لو وضعت اليمنى في الجنة وبقيت اليسرى خارجها فإني لا آمن مكر الله) وعمر بن الخطاب الفاروق -وما أدراكم ما عمر - يقول: (لو نودي في عرصات القيامة: أن كل من في عرصات القيامة يدخل الجنة إلا رجل لقلت: أنا) فلا يأمن أحد مكر الله جل وعلا. وفي الحديث: (أن رجلاً من بني إسرائيل كان يمر على صاحب له يعصي الله جل وعلا فينصحه في الله، وكان لا يأخذ بالنصيحة، فلما تضايق منه قال له: والله لا يغفر الله لك، فقال الله: من ذا الذي يتألى عليَّ -أي: من ذا الذي يقسم؟ - قد غفرت له وعذبتك). فالمآل يعلمه الله جل وعلا، ويدل لذلك حديث النبي ﷺ : (بادروا بالأعمال فتناً كقطع الليل المظلم يصبح المرء مؤمناً ويمسي كافراً، ويمسي مؤمناً ويصبح كافراً)، وقال: (القلوب بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء)، ولذلك كان يقول: (يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك) فرسول الله ﷺ نفسه يدعو الله جل وعلا أن يثبت قلبه، فالمآل إلى الله جل وعلا لا يعلمه أحد.

стр. 452

شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة - هل للمعاصي صغائر وكبائر من رحمة الله أن جعل المعاصي صغائر وكبائر، ولو كانت المعاصي كلها صغائر فقط لتساهل الخلق في أمرها، ولو كانت كلها كبائر لأصاب الناس حرج ومشقة. وإذا وقع المسلم في كبيرة من الكبائر فلا يسلب منه أصل الإيمان، بل يبقى في دائرة الإسلام، وأمره في الآخرة إلى الله، إن شاء عذبه على قدر معاصيه، ثم أدخله الجنة، وإن شاء غفر له وأدخله الجنة برحمته، ومن الغلو أن يقال: إن صاحب الكبيرة كافر مخلد في النار، ومن التفريط أن يقال: إنه مؤمن لا تضره المعصية ولا تؤثر في إيمانه.

стр. 453

اختلاف أهل العلم في انقسام المعاصي إلى صغائر وكبائر إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. اختلف العلماء في مسألة الكبيرة: هل في المعاصي كبائر وصغائر؟ وهل الذي يفعل الكبيرة كالذي يفعل الصغيرة؟ فبعض العلماء قال: ليس ثمة خلاف بين المعاصي، وكلها شيء واحد، وبعضهم قال: كل المعاصي كبائر، وهؤلاء نظروا إلى عظمة من عُصي، أي: إلى عظمة الله جل وعلا. والذي عليه المحققون من أهل السنة والجماعة: أن المعاصي صنفان: كبائر وصغائر، وهذا يدل عليه الكتاب والسنة. أما في الكتاب فقد قال الله تعالى: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ [النساء:٣١]، فنص على الكبائر، فمفهوم المخالفة: أن غير الكبائر صغائر. وأيضاً قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ﴾ [النجم:٣٢]، فنص على الكبائر، ونص أيضاً على اللمم، وهي الصغائر. إذاً: فالصحيح الذي عليه المحققون من أهل السنة والجماعة: أن المعاصي منها: الكبائر، ومنها: الصغائر. وأما من السنة: فقول النبي ﷺ : (الحج إلى الحج والعمرة إلى العمرة، ورمضان إلى رمضان، والصلوات الخمس، مكفرات لما بينهن ما اجتنبت الكبائر)، فـ (ما) في قوله: (ما اجتنبت الكبائر) شرطية بمعنى: إذا اجتنبت الكبائر، والمقصود: أنه لما قال: (إذا اجتنبت الكبائر)، فالذنوب التي بين الصلوات، وبين الحج والحج، والعمرة والعمرة، تكفر إذا كانت صغائر، أما الكبائر فلا تفكر إلا بالتوبة. وأيضاً: قال النبي ﷺ : (ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، وقول الزور)، فأهل السنة والجماعة اتفقوا على أن هناك كبائر وصغائر.

стр. 454

اختلاف العلماء في مرتكب الكبيرة الذي يرتكب الكبيرة، كأن يزني، أو يشرب الخمر، أو يأكل الربا، أو يكذب أو يشهد زوراً، هل هو مخلد في نار جهنم؟ أو يعذب ثم يدخل الجنة؟ وما هي أحكامه في الدنيا والتي لا بد أن نتعامل معه بها؟ اختلفت أقوال العلماء في ذلك على ثلاثة أقوال: القول الأول: قول الخوارج والمعتزلة.

стр. 455

رأي الخوارج والمعتزلة في مرتكب الكبيرة فالخوارج قالوا: مرتكب الكبيرة، كشارب الخمر، والسارق، والزاني، كافر خارج من الملة، وبهذا قال مصطفى شكري. وحكمه في الدنيا: أنه يقتل، لقول الرسول ﷺ : (من بدل دينه فاقتلوه)، وإذا مات لا يغسل، ولا يصلى عليه، ولا توارث بينه وبين أهله من المسلمين، فإذا شرب الإنسان الخمر مرة فإنه يقتل، وإذا مات لا يغسل ولا يصلى عليه. أما المعتزلة فاستحيت من هذا القول وقالوا: إن من شرب الخمر أو زني أو ارتكب غير ذلك من الكبائر فإنه في الدنيا في منزلة بين منزلتين، لا كافر ولا مؤمن. وقولهم هذا كأنه استحياء من أن يقولوا: كفر، فقالوا: هو في منزلة بين منزلتين في الدنيا، حتى يفروا من مسألة قتله وعدم الصلاة عليه. أما في الآخرة: فقد اتفق المعتزلة والخوارج على أن من شرب الخمر أو زنى أو كذب أو سرق أو أكل الربا أنه خالد مخلد في نار جنهم، لا يخرج منها أبداً، واستدلوا على قولهم بأدلة من الكتاب ومن السنة.

стр. 456

أدلة الخوارج والمعتزلة على أن مرتكب الكبيرة ليس بمؤمن استدل الخوارج والمعتزلة على قولهم بأدلة أولها: أن الشارع -وهو الله أما الرسول فإنه ناقل للشرع- ترع من مرتكب الكبيرة اسم الإيمان، وإذا نزع منه اسم الإيمان فقد وضعه في دائرة الكفر، وذلك كما في الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال: (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن)، إذاً: فالزاني عند الخوارج والمعتزلة في الظاهر أنه كافر وليس بمؤمن بدليل قوله ﷺ : (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن، ولا ينتهب النهبة يرفع الناس إليه أبصارهم وهو مؤمن)، ففاعل الكبيرة ينزع منه اسم الإيمان، وهذا أول صنف من أصناف الأدلة. ثانيها: قالوا: إن الله جل وعلا جعل مآل الذي يرتكب الكبيرة إلى النار، لا إلى الجنة، قال رسول الله ﷺ : (لا يدخل الجنة ديوث)، وقال: (لا يدخل الجنة نمام)، والديوث: هو الذي يرضى الخبث في أهل بيته، كأن يجعل امرأته تمشي في الشارع متبرجة مثلاً، فهذا من الدياثة. والنمام: هو الذي ينقل الكلام ليفسد بين الآخرين. أيضاً: يستدلون بحديث: (لا يدخل الجنة منان) وهو الذي يمن بالخير الذي يفعله، فالنبي ﷺ بين أن هؤلاء لا يدخلون الجنة لكفرهم. ثالثها: البراءة من الذين يفعلون الكبيرة، كقول الرسول الله ﷺ : (من غشنا فليس منا)، كالذي يغش في الامتحانات مثلاً، وقد رأينا أناس يغشون في امتحان الشريعة، فإن قيل له: (من غشنا فليس منا) قال: هذا تعاون على البر والتقوى، وليس بغش! والذي أتذاكر معه في الامتحان إنما يذكرني وأذكره!! وقد يقول: إن الغش شيء لا أعرفه، ولكن هذا يذكرني بما نسيت فقط فليس بغش. وإذا كان الشيء بالشيء يذكر فقد قال بعض أهل العلم: من غش في امتحانات البكالوريوس أو النظام فلا يجوز له أن يعمل بهذا البكالوريوس، والمال الذي يأخذه يمكن أن يكون مشبوهاً أي: فيه شبه. فكل منا يفتش في نفسه، فالرسول ﷺ يقول: (من غشنا فليس منا). ويقول النبي ﷺ : (أنا بريء ممن جلس أو مكث بين أظهر المشركين)، فقد تبرأ النبي ﷺ منه، ولا يتبرأ إلا من الكافر. إذاً: من غش أو جلس بين أظهر المشركين، أو طلب الذمة ممن جلس بين أظهر المشركين فهو من هذا الصنف. رابعها: أن النبي ﷺ الذي نقل الشرع عن الله جل وعلا سمى الكبيرة والمعصية كفر، فقال رسول الله ﷺ : (لا ترجعوا بعدي كفاراً -بالتصريح- يضرب بعضكم رقاب بعض)، وقال ﷺ : (سباب المسلم فسوق وقتاله كفر)، وقال ﷺ : (من حلف بغير الله فقد أشرك أو كفر)، أي: الذي يحلف بالنبي، وحياة أمه، ورحمة أبيه، كل هذا كفر. فهذه أدلة جيشوها وأثبتوا فيها أن كل مرتكب كبيرة كافر؛ لأن النبي ﷺ سمى هذا الفعل كفراً، وتبرأ ممن فعل ذلك، وجزم بأنه: (لا يدخل الجنة نمام ولا قتات). وهؤلاء هم أهل الغلو والإفراط.

стр. 457

رأي المرجئة في مرتكب الكبيرة في المقابل جاء أصحاب التفريط، وهم المرجئة، فلم يفرقوا بين كبيرة ولا غيرها، وقالوا: لو زنى وشرب الخمر وأكل الربا، فإيمانه كإيمان جبريل، لا يقل عنه قيد أنملة -كما يقولون- واستدلوا على ذلك بقول ناقل الشرع ﷺ : (من قال لا إله إلا الله خالصاً من قلبه دخل الجنة)، فقالوا: هذا الرجل الذي فعل الكبائر هو عند الله مثله مثل جبريل، طالما قال: لا إله إلا الله، محمد رسول الله. وأجود الناس في تطبيق مذهب المرجئة هم المصريون، حيث يقولون: طالما القلب نقي أبيض، والإنسان يقول: لا إله إلا الله، فمكتوب أنه مسلم ولو فعل أي معصية، فإن (لا إله إلا الله) تشفع له، وطالما أن قلب الرجل أبيض نقي فإيمانه كإيمان جبريل، كما ذهبت إليه المرجئة. وهكذا فإن أهل البدع إما في غلو وإفراط وإما في جفو وتفريط.

стр. 458

رأي أهل السنة والجماعة في مرتكب الكبيرة إن أهل السنة والجماعة جاءوا بالحق البين، فهم وسط بين طرفين، حيث قالوا: مرتكب الكبيرة في الدنيا فاسق فاجر، له معاملات خاصة: فنحبه في الله على إيمانه وقوله: لا إله إلا الله، وعلى صلاته، ونبغضه بأكله للربا، كما نبغضه ونهجره لله جل وعلا للبدعة التي يبتدعها، وبالمعاصي التي يقترفها. وقالوا: ننظر إليه بعينين: عين الشرع، وعين القدر، فأما عين القدر: فلأن الذي قدر عليه أن يعصي، وكتب ذلك في اللوح المحفوظ قبل أن يخلقه بخمسين ألف عام هو الله، فنقول: كتب الله عليه ذلك، والحمد لله الذي عافانا مما ابتلى به غيرنا، ونبكي عليه، فربما كان أحدنا في مكانه. وأما النظر إليه بعين الشرع: فلأنه قد عصى الله فلا بد أن نعاديه ونبغضه، وعند النظر إليه بعين القدر فلابد أن نشفق عليه وننصحه، ونحمد الله أنا لسنا مثله، هذا كله في الدنيا. أما في الآخرة فمآله إلى الجنة، سواء عذب حتى نظف من هذه المعاصي والكبائر، أو غفر الله له من أول وهلة فأدخله الجنة دون عذاب، سواء زنى أو سرق أو أكل الربا.

стр. 459

الرد على الدليل الأول للخوارج الخوارج هم أهل الغلو والإفراط، ولذلك قالوا: إن مرتكب الكبيرة كافر، واستدلوا بقول النبي ﷺ : (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن). فدل هذا على نزع الإيمان من مرتكب الكبيرة. فإن رددت عليهم بقول الله: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ [الزمر:٥٣]، أو بقول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ﴾ [آل عمران:١٣٥]، فسوف يقولون لك: نحن نوافقك على ذلك، فصاحب الكبيرة إذا ذكر الله واستغفر وتاب قبلت توبته. ولذلك لما كانوا في السجون إذا اغتاب أحدهم يكفر بذلك، ثم يخرج ويغتسل ويرجع تائباً إلى الله بعد ذلك، فكأنه تجدد دينه مرة أخرى, إذاً: فهذا لا يكفي في الرد عليهم، ولكن الجواب عليهم أن يقال لهم: لا نوافقكم على ذلك؛ لأن مراتب الدين ثلاثة: إسلام، وإيمان، وإحسان، فإذا أسقطتم الزاني من درجة الإيمان، فلابد أن ينزل إلى درجة الإسلام، لكنكم أنزلتموه من مرتبة الإيمان إلى الكفر، وهذا غير صحيح، فلكي يكفر العبد لابد أن ينزل من مرتبة الإحسان إلى الإيمان، ثم من مرتبة الإيمان إلى الإسلام، ثم يخرج من الإسلام إلى الكفر، وأنتم أخرجتموه من الإيمان إلى الكفر مباشرة، ولم تتدرجوا في مراتب الدين. فالعاصي قد ينزل من دائرة الإيمان إلى دائرة الإسلام، فإن قالوا: ما دليلكم على ذلك؟ قلنا: دليلنا: أن المسلم هو الذي لا يخلد في النار، ومآله إلى الجنة، وقد بين النبي ﷺ ذلك بقوله: (من قال لا إله إلا الله دخل الجنة، وإن زنى وإن سرق)، فالنبي ﷺ أثبت له على الأقل أصل الإيمان الذي هو الإسلام، فالمسلم يدخل الجنة بأصل الإسلام وإن زنى وسرق، فالزنى والسرقة أسقطته من مرتبة الإيمان إلى الإسلام، لا إلى الكفر. ولذلك قال بعض السلف: إذا زنا المرء رفع إيمانه كالظلة عليه، ثم إذا رجع إلى ربه نزل إيمانه إلى قلبه كما كان. هذا هو الرد على النوع الأول من أدلتهم.

стр. 460

الرد على الدليل الثاني للخوارج النوع الثاني من أدلتهم: هو أن الله جعل مآل مرتكب الكبيرة إلى النار في قوله ﷺ : (لا يدخل الجنة ديوث) و (لا يدخل الجنة قتات) و (لا يدخل الجنة نمام) وفي قوله: (ثلاثة لا يدخلون الجنة: العاق لوالديه والمنان والديوث)، وقوله ﷺ في المتبرجات: (صنفان من أمتي لم أرهما، لا يدخلون الجنة ولا يجدون ريحها: صنف بأيديهم سياط، كأذناب البقر يعلون بها ظهور الناس، وكاسيات عاريات مائلات مميلات لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها، رءوسهن كأسنمة البخت)، فهؤلاء لا يدخلون الجنة. والرد عليهم: هو أن دخول الجنة دخولان: الدخول الأول: دخول أولي بغير حساب ولا عذاب؛ لقول رسول الله ﷺ : (سبعون ألفاً يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب قيل: من هم يا رسول الله! قال: الذين لا يتطيرون ولا يكتوون وعلى ربهم يتوكلون)، وفي رواية قال: (ومع كل واحد منهم سبعون ألفاً، فكبر عمر، ثم قال: ويحثوا الله بكفه، ثلاث حثيات)، فالرحمن يحثوا ممن يدخلون الجنة بلا حساب، ثلاث حثيات. وهذه زيادة صحيحة. فهؤلاء يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب، وهذا دخول أولي. وفي حديث أظنه صحيح الإسناد: (أن الإسلام يأتي يوم القيامة فيتمثل لـ عمر بن الخطاب، فيأخذ بيده، فيحتج أمام ربه، فيقول: هذا الذي أعزني، فيأخذ بيد عمر فيدخل الجنة بغير حساب ولا عذاب) وأرجو أن يكون صحيحاً، والغرض: هو بيان أن في الجنة دخولاً أولياً من غير حساب ولا عذاب!! الدخول الثاني: هو الدخول الثانوي، بعد التنظيف من الذنوب بالعذاب، حيث يدخل من غلبت سيئاتهم حسناتهم النار، حتى يحترقوا ويصيروا حمماً، فعندما يصيرون حمماً يخرجهم الله من النار، فيدخلهم في نهر اسمه نهر الحياة، فيحيون، ثم بعد ذلك يدخلهم الجنة، إذاً: فقوله ﷺ : (لا يدخل الجنة نمام)، وقوله: (لا يدخل الجنة ديوث)، وقوله: (لا يدخل الجنة قتات)، وقوله في الكاسيات العاريات: (لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها) المقصود به: نفي الدخول الأولي، حيث جاءت القرائن بجيوشاً مجيشة، فأخرجت الدخول الثانوي وأبقت الدخول الأولي. فمن هذه القرائن: قول النبي ﷺ : (من قال لا إله إلا الله مصدقاً بها قلبه دخل الجنة وإن زنا وإن سرق) وإن كان ديوثاً، بأن أراد الخبث لأهل بيته، أو شرب الخمر، لكن بشرط: أن يقولها -أي: كلمة التوحيد- صادقاً بها قلبه، أو مخلصاً لله جل وعلا. ومن القرائن كذلك: قول الله جل وعلا: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ﴾ [النساء:٤٨]، فقوله: (ما دون ذلك) أي: دون الشرك، فيدخل في ذلك النمام، والقتات، وشارب الخمر، والزاني، والسارق، والمغتاب، والديوث، وكل هؤلاء قد يدخلون في مغفرة الله جل وعلا. فقوله ﷺ : (لا يدخل الجنة ديوث) أي: لا يدخلها دخولاً أولياً، وقوله عن المتبرجات: (ولا يجدن ريحها) أي: أول الأمر، ثم بعد ذلك يجدن ريحها عندما يدخلن الجنة إن شاء الله. نسأل الله أن يجعلنا جميعاً من أهل الجنان، مع النبي ﷺ في الفردوس الأعلى، هذا هو الرد على النوع الثاني من أدلة الخوارج القائلين بتكفير مرتكب الكبيرة.
следующие страницы →