← Акыда

Акыда · id 37435

شرح أصول اعتقاد أهل السنة للالكائي - محمد حسن عبد الغفار

محمد حسن عبد الغفار

Полный текст (838 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

أدلة الخوارج والمعتزلة على أن مرتكب الكبيرة ليس بمؤمن استدل الخوارج والمعتزلة على قولهم بأدلة أولها: أن الشارع -وهو الله أما الرسول فإنه ناقل للشرع- ترع من مرتكب الكبيرة اسم الإيمان، وإذا نزع منه اسم الإيمان فقد وضعه في دائرة الكفر، وذلك كما في الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال: (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن)، إذاً: فالزاني عند الخوارج والمعتزلة في الظاهر أنه كافر وليس بمؤمن بدليل قوله ﷺ : (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن، ولا ينتهب النهبة يرفع الناس إليه أبصارهم وهو مؤمن)، ففاعل الكبيرة ينزع منه اسم الإيمان، وهذا أول صنف من أصناف الأدلة. ثانيها: قالوا: إن الله جل وعلا جعل مآل الذي يرتكب الكبيرة إلى النار، لا إلى الجنة، قال رسول الله ﷺ : (لا يدخل الجنة ديوث)، وقال: (لا يدخل الجنة نمام)، والديوث: هو الذي يرضى الخبث في أهل بيته، كأن يجعل امرأته تمشي في الشارع متبرجة مثلاً، فهذا من الدياثة. والنمام: هو الذي ينقل الكلام ليفسد بين الآخرين. أيضاً: يستدلون بحديث: (لا يدخل الجنة منان) وهو الذي يمن بالخير الذي يفعله، فالنبي ﷺ بين أن هؤلاء لا يدخلون الجنة لكفرهم. ثالثها: البراءة من الذين يفعلون الكبيرة، كقول الرسول الله ﷺ : (من غشنا فليس منا)، كالذي يغش في الامتحانات مثلاً، وقد رأينا أناس يغشون في امتحان الشريعة، فإن قيل له: (من غشنا فليس منا) قال: هذا تعاون على البر والتقوى، وليس بغش! والذي أتذاكر معه في الامتحان إنما يذكرني وأذكره!! وقد يقول: إن الغش شيء لا أعرفه، ولكن هذا يذكرني بما نسيت فقط فليس بغش. وإذا كان الشيء بالشيء يذكر فقد قال بعض أهل العلم: من غش في امتحانات البكالوريوس أو النظام فلا يجوز له أن يعمل بهذا البكالوريوس، والمال الذي يأخذه يمكن أن يكون مشبوهاً أي: فيه شبه. فكل منا يفتش في نفسه، فالرسول ﷺ يقول: (من غشنا فليس منا). ويقول النبي ﷺ : (أنا بريء ممن جلس أو مكث بين أظهر المشركين)، فقد تبرأ النبي ﷺ منه، ولا يتبرأ إلا من الكافر. إذاً: من غش أو جلس بين أظهر المشركين، أو طلب الذمة ممن جلس بين أظهر المشركين فهو من هذا الصنف. رابعها: أن النبي ﷺ الذي نقل الشرع عن الله جل وعلا سمى الكبيرة والمعصية كفر، فقال رسول الله ﷺ : (لا ترجعوا بعدي كفاراً -بالتصريح- يضرب بعضكم رقاب بعض)، وقال ﷺ : (سباب المسلم فسوق وقتاله كفر)، وقال ﷺ : (من حلف بغير الله فقد أشرك أو كفر)، أي: الذي يحلف بالنبي، وحياة أمه، ورحمة أبيه، كل هذا كفر. فهذه أدلة جيشوها وأثبتوا فيها أن كل مرتكب كبيرة كافر؛ لأن النبي ﷺ سمى هذا الفعل كفراً، وتبرأ ممن فعل ذلك، وجزم بأنه: (لا يدخل الجنة نمام ولا قتات). وهؤلاء هم أهل الغلو والإفراط.

стр. 457

رأي المرجئة في مرتكب الكبيرة في المقابل جاء أصحاب التفريط، وهم المرجئة، فلم يفرقوا بين كبيرة ولا غيرها، وقالوا: لو زنى وشرب الخمر وأكل الربا، فإيمانه كإيمان جبريل، لا يقل عنه قيد أنملة -كما يقولون- واستدلوا على ذلك بقول ناقل الشرع ﷺ : (من قال لا إله إلا الله خالصاً من قلبه دخل الجنة)، فقالوا: هذا الرجل الذي فعل الكبائر هو عند الله مثله مثل جبريل، طالما قال: لا إله إلا الله، محمد رسول الله. وأجود الناس في تطبيق مذهب المرجئة هم المصريون، حيث يقولون: طالما القلب نقي أبيض، والإنسان يقول: لا إله إلا الله، فمكتوب أنه مسلم ولو فعل أي معصية، فإن (لا إله إلا الله) تشفع له، وطالما أن قلب الرجل أبيض نقي فإيمانه كإيمان جبريل، كما ذهبت إليه المرجئة. وهكذا فإن أهل البدع إما في غلو وإفراط وإما في جفو وتفريط.

стр. 458

رأي أهل السنة والجماعة في مرتكب الكبيرة إن أهل السنة والجماعة جاءوا بالحق البين، فهم وسط بين طرفين، حيث قالوا: مرتكب الكبيرة في الدنيا فاسق فاجر، له معاملات خاصة: فنحبه في الله على إيمانه وقوله: لا إله إلا الله، وعلى صلاته، ونبغضه بأكله للربا، كما نبغضه ونهجره لله جل وعلا للبدعة التي يبتدعها، وبالمعاصي التي يقترفها. وقالوا: ننظر إليه بعينين: عين الشرع، وعين القدر، فأما عين القدر: فلأن الذي قدر عليه أن يعصي، وكتب ذلك في اللوح المحفوظ قبل أن يخلقه بخمسين ألف عام هو الله، فنقول: كتب الله عليه ذلك، والحمد لله الذي عافانا مما ابتلى به غيرنا، ونبكي عليه، فربما كان أحدنا في مكانه. وأما النظر إليه بعين الشرع: فلأنه قد عصى الله فلا بد أن نعاديه ونبغضه، وعند النظر إليه بعين القدر فلابد أن نشفق عليه وننصحه، ونحمد الله أنا لسنا مثله، هذا كله في الدنيا. أما في الآخرة فمآله إلى الجنة، سواء عذب حتى نظف من هذه المعاصي والكبائر، أو غفر الله له من أول وهلة فأدخله الجنة دون عذاب، سواء زنى أو سرق أو أكل الربا.

стр. 459

الرد على الدليل الأول للخوارج الخوارج هم أهل الغلو والإفراط، ولذلك قالوا: إن مرتكب الكبيرة كافر، واستدلوا بقول النبي ﷺ : (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن). فدل هذا على نزع الإيمان من مرتكب الكبيرة. فإن رددت عليهم بقول الله: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ [الزمر:٥٣]، أو بقول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ﴾ [آل عمران:١٣٥]، فسوف يقولون لك: نحن نوافقك على ذلك، فصاحب الكبيرة إذا ذكر الله واستغفر وتاب قبلت توبته. ولذلك لما كانوا في السجون إذا اغتاب أحدهم يكفر بذلك، ثم يخرج ويغتسل ويرجع تائباً إلى الله بعد ذلك، فكأنه تجدد دينه مرة أخرى, إذاً: فهذا لا يكفي في الرد عليهم، ولكن الجواب عليهم أن يقال لهم: لا نوافقكم على ذلك؛ لأن مراتب الدين ثلاثة: إسلام، وإيمان، وإحسان، فإذا أسقطتم الزاني من درجة الإيمان، فلابد أن ينزل إلى درجة الإسلام، لكنكم أنزلتموه من مرتبة الإيمان إلى الكفر، وهذا غير صحيح، فلكي يكفر العبد لابد أن ينزل من مرتبة الإحسان إلى الإيمان، ثم من مرتبة الإيمان إلى الإسلام، ثم يخرج من الإسلام إلى الكفر، وأنتم أخرجتموه من الإيمان إلى الكفر مباشرة، ولم تتدرجوا في مراتب الدين. فالعاصي قد ينزل من دائرة الإيمان إلى دائرة الإسلام، فإن قالوا: ما دليلكم على ذلك؟ قلنا: دليلنا: أن المسلم هو الذي لا يخلد في النار، ومآله إلى الجنة، وقد بين النبي ﷺ ذلك بقوله: (من قال لا إله إلا الله دخل الجنة، وإن زنى وإن سرق)، فالنبي ﷺ أثبت له على الأقل أصل الإيمان الذي هو الإسلام، فالمسلم يدخل الجنة بأصل الإسلام وإن زنى وسرق، فالزنى والسرقة أسقطته من مرتبة الإيمان إلى الإسلام، لا إلى الكفر. ولذلك قال بعض السلف: إذا زنا المرء رفع إيمانه كالظلة عليه، ثم إذا رجع إلى ربه نزل إيمانه إلى قلبه كما كان. هذا هو الرد على النوع الأول من أدلتهم.

стр. 460

الرد على الدليل الثاني للخوارج النوع الثاني من أدلتهم: هو أن الله جعل مآل مرتكب الكبيرة إلى النار في قوله ﷺ : (لا يدخل الجنة ديوث) و (لا يدخل الجنة قتات) و (لا يدخل الجنة نمام) وفي قوله: (ثلاثة لا يدخلون الجنة: العاق لوالديه والمنان والديوث)، وقوله ﷺ في المتبرجات: (صنفان من أمتي لم أرهما، لا يدخلون الجنة ولا يجدون ريحها: صنف بأيديهم سياط، كأذناب البقر يعلون بها ظهور الناس، وكاسيات عاريات مائلات مميلات لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها، رءوسهن كأسنمة البخت)، فهؤلاء لا يدخلون الجنة. والرد عليهم: هو أن دخول الجنة دخولان: الدخول الأول: دخول أولي بغير حساب ولا عذاب؛ لقول رسول الله ﷺ : (سبعون ألفاً يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب قيل: من هم يا رسول الله! قال: الذين لا يتطيرون ولا يكتوون وعلى ربهم يتوكلون)، وفي رواية قال: (ومع كل واحد منهم سبعون ألفاً، فكبر عمر، ثم قال: ويحثوا الله بكفه، ثلاث حثيات)، فالرحمن يحثوا ممن يدخلون الجنة بلا حساب، ثلاث حثيات. وهذه زيادة صحيحة. فهؤلاء يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب، وهذا دخول أولي. وفي حديث أظنه صحيح الإسناد: (أن الإسلام يأتي يوم القيامة فيتمثل لـ عمر بن الخطاب، فيأخذ بيده، فيحتج أمام ربه، فيقول: هذا الذي أعزني، فيأخذ بيد عمر فيدخل الجنة بغير حساب ولا عذاب) وأرجو أن يكون صحيحاً، والغرض: هو بيان أن في الجنة دخولاً أولياً من غير حساب ولا عذاب!! الدخول الثاني: هو الدخول الثانوي، بعد التنظيف من الذنوب بالعذاب، حيث يدخل من غلبت سيئاتهم حسناتهم النار، حتى يحترقوا ويصيروا حمماً، فعندما يصيرون حمماً يخرجهم الله من النار، فيدخلهم في نهر اسمه نهر الحياة، فيحيون، ثم بعد ذلك يدخلهم الجنة، إذاً: فقوله ﷺ : (لا يدخل الجنة نمام)، وقوله: (لا يدخل الجنة ديوث)، وقوله: (لا يدخل الجنة قتات)، وقوله في الكاسيات العاريات: (لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها) المقصود به: نفي الدخول الأولي، حيث جاءت القرائن بجيوشاً مجيشة، فأخرجت الدخول الثانوي وأبقت الدخول الأولي. فمن هذه القرائن: قول النبي ﷺ : (من قال لا إله إلا الله مصدقاً بها قلبه دخل الجنة وإن زنا وإن سرق) وإن كان ديوثاً، بأن أراد الخبث لأهل بيته، أو شرب الخمر، لكن بشرط: أن يقولها -أي: كلمة التوحيد- صادقاً بها قلبه، أو مخلصاً لله جل وعلا. ومن القرائن كذلك: قول الله جل وعلا: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ﴾ [النساء:٤٨]، فقوله: (ما دون ذلك) أي: دون الشرك، فيدخل في ذلك النمام، والقتات، وشارب الخمر، والزاني، والسارق، والمغتاب، والديوث، وكل هؤلاء قد يدخلون في مغفرة الله جل وعلا. فقوله ﷺ : (لا يدخل الجنة ديوث) أي: لا يدخلها دخولاً أولياً، وقوله عن المتبرجات: (ولا يجدن ريحها) أي: أول الأمر، ثم بعد ذلك يجدن ريحها عندما يدخلن الجنة إن شاء الله. نسأل الله أن يجعلنا جميعاً من أهل الجنان، مع النبي ﷺ في الفردوس الأعلى، هذا هو الرد على النوع الثاني من أدلة الخوارج القائلين بتكفير مرتكب الكبيرة.

стр. 461

الرد على الدليل الثالث للخوارج النوع الثالث من أدلتهم: هو البراءة ممن يفعل الكبائر، كما في قول النبي ﷺ : (أنا بريء ممن مكث أو جلس بين أظهر المشركين). فتبرأ من الناس التي تقعد في لندن، وفي إنجلترا وأمريكا، وأسبانيا، هؤلاء الذين يعيشون من أجل الدنيا والدرهم والدينار، تبرأ منهم النبي ﷺ منهم، فقال: (أنا بريء ممن جلس بين أظهر المشركين، قالوا: علامَ يا رسول الله! قال: لا تراءى نارهما)، أي: أن المؤمن لا ينبغي له الجلوس في مكان يرى فيه نار الكفار من ذلك المكان، للدلالة على بعد المسافة التي لابد أن يبتعد المؤمنون فيها عن الكفار؛ لأن الله جل وعلا يقول: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ [الأنفال:٢٥] أي: أن الفتنة ستعم الكل. فالذين يعيشون في بلاد الغرب من أجل الدرهم والدينار وقعوا في حديث النبي ﷺ : (تعس عبد الدرهم، تعس عبد الدينار، تعس عبد الخميصة، تعس عبد القميصة، تعس وانتكس وإذا شيك فلا انتقش)، وفي رواية: (تعس عبد الزوجة). كما استدلوا بقوله ﷺ : (من غشنا فليس منا). والمقصود: أن النبي ﷺ تبرأ ممن فعل ذلك، فهل معنى ذلك أن صاحبه خرج من الملة؟ أم تبرأ من هذا العمل؟ إذاً: فيجاب على استدلالهم بأن التبرؤ، إما تبرؤ فخرج به صاحبه من الملة، وإما تبرؤ من العمل؟ والنبي ﷺ إنما تبرأ من عمل المعصية، والذي يبين لنا أن النبي ﷺ إنما تبرأ من عمل من يعصيه قول الله تعالى: ﴿فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [الشعراء:٢١٦]، فدل على أن البراءة من العمل. إذاً: فقوله ﷺ : (أنا بريء ممن جلس بين أظهر المشركين)، أي: من عمله، وقوله: (أنا بريء ممن غش)، أي: من عمله، فلم يتبرأ منه، فلا يخرج من دائرة الإسلام، وإنما يستحق العقاب بعصيانه لرسول الله ﷺ وفي الحديث: (كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى، قالوا: ومن يأبى يا رسول الله؟ قال: من أطاعني دخل الجنة، ومن عصاني فقد أبى)، أي: استحق العذاب، وهو في مشيئة الله جل وعلا. كما يحاب عليهم أيضاً بما فعله خالد بن الوليد ﵁ عندما سمع أناساً يقولون: (صبأنا صبأنا)، يريدون أن يقولوا: أسلمنا، أسلمنا، لكن ما أحسنوا أن يقولوا ذلك، فقتل فيهم خالد ﵁، فلما بلغ ذلك النبي ﷺ قال: (اللهم إني أبرأ إليك مما فعل خالد، اللهم إني أبرأ إليك مما فعل خالد، اللهم إني أبرأ إليك مما فعل خالد). فتبرأ النبي ﷺ من عمل خالد، ولكنه لم يتبرأ منه، فهل يجرؤ أحد أن يقول: إن خالداً في نار جهنم خالداً مخلداً فيها؛ لأن الرسول تبرأ من عمله؟ حاشا لله أن يكون ذلك، بل هو بإذن الله مع النبي ﷺ في الجنة. نسأل الله أن نكون معهم.

стр. 462

الرد على الدليل الرابع للخوارج النوع الرابع من أدلتهم: هو أن المعصية سماها النبي ﷺ كفراً، فقال ﷺ : (لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض)، وقال: (سباب المسلم فسوق وقتاله كفر). فعلى قولهم هذا: فحرب الخليج بين الكويت والعراق كان العراقيون والكويتيون فيها كلهم كفرة؛ لأن الرسول ﷺ يقول: (لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض)! واستدلوا كذلك بقول النبي ﷺ : (ثنتان في أمتي هما بهم كفر -أي: فعلهما كفر- الطعن في الأنساب، والنياحة على الميت). ويجاب على هذه الأدلة بأن الكفر نوعان: كفر أكبر، وكفر أصغر. والذي يفرق بين الكفر الأكبر والكفر الأصغر هي القرائن المحتفة بالأدلة، فقوله ﷺ : (لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض)، أي: يقاتل بعضكم بعضاً، فظاهر الحديث أن الذين يفعلون ذلك كفرة، ولكن قد جاءت القرائن وأثبتت لنا أنهم ليسوا بكفرة، وأن فعلهم كفر أصغر، وكبيرة من الكبائر، لكنها ليست بكفر أكبر. فمن هذه القرائن: قول الله تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ [الحجرات:٩]. ولما كان يخطب النبي ﷺ بالناس دخل الحسن فافتن به النبي صلى الله ﷺ ، فنزل من على المنبر، وأخذه وضمه، وقال: (صدق الله: ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ [التغابن:١٥]، فأخذه وضمه ﷺ وقال: إن ابني هذا سيد، وسيصلح الله به بين فئتين عظيمتين من المسلمين)، وهما معاوية ومن معه، وطائفة علي ﵁ وأرضاه، فسماهم النبي ﷺ مسلمين. إذاً: قول النبي ﷺ : (لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض)، المقصود به: الكفر الأصغر لا الأكبر، فالذي حدث بين الكويت والعراق كان معصية، والمتقاتلون عصاة، ومن وافق على ذلك عاص، فالعراق باغية، والكويت لا بد أن تدفع الثأر عنه، فيدخلون تحت الآية: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ [الحجرات:٩]. وأما النائحة، فقد بين النبي ﷺ : (أنها تأتي يوم القيامة تطربل بطربال من زفت أو قار)، أي: أنها تعذب بمعصيتها حتى تزيد حسناتها على سيئاتها ثم تدخل الجنة، إذاً: ليست بكافرة؛ لأن الكافر يخلد في النار. لكن شيخ الإسلام ابن تيمية أتى بأمر يذهب العقول، ويجعل الإنسان يخشى على نفسه أن يقع في شرك، قال: قول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨]، قال: الشرك هنا عام، سواء كان أكبر أم أصغر، أي: أن الشرك الأكبر والأصغر لا يغفره الله جل وعلا. وإن كان في هذا الكلام بعض النظر، لكن ينبغي على المرء أن يخشى على نفسه أن يقع في الشرك الأصغر، فيحلف بغير الله ولو ناسياً، فإن فعل ذلك فلا بد أن يُكَفِّر، ويقول: لا إله إلا الله، حتى لا تكتب في صفحاته، فلا يغفر له على قول شيخ الإسلام ابن تيمية. سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، وأشهد ألا إله إلا أنت، وأستغفرك وأتوب إليك.

стр. 463

شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة - سياق ما روي عن النبي في الذنوب التي عدهن من الكبائر إن الخطأ والتقصير من طبيعة الإنسان إلا من عصمه الله، فلما كان الأمر كذلك فتح الرحمن سبحانه لعباده أبواب رحمته، وحذرهم من الإصرار على المنكرات، والإعراض عن البحث عن المكفرات، ودعاهم إلى التوبة، والتوبة لا يقبل منها إلا النصوح، وهي ما اجتمع فيها ثلاثة أشياء: الندم على ما كان، والعزم على عدم العودة، والإقلاع عن المعصية، وإن كانت المعصية متعلقة بآدمي فلابد من التحلل منه؛ ولذا اختلف العلماء في توبة القاتل.

стр. 464

الكبائر إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهد الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. تكلمنا فيما سبق عن الكبائر، وحد الكبيرة والصغيرة، والفرق بينهما، وذكرنا هل للكبائر مكفرات من الأعمال أم لا؟ وذكرنا الخلاف بين العلماء في ذلك. ثم ساق المؤلف ما روي عن النبي ﷺ في الذنوب التي عدهن في الكبائر مثل: الشرك بالله، والقتل والزنى، وعقوق الوالدين، واليمين الغموس، وأكل الربا، والسحر، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات، وشهادة الزور، والسرقة، واستحلال البيت الحرام، والطعن في الأعراض، وتكلمنا على كثير من هذه الكبائر، وبقي منها مسألة السحر؛ لأنها وردت في الصحيحين عن النبي ﷺ حيث قال: (اجتنبوا السبع الموبقات) فذكر منها (الإشراك بالله، وعقوق الوالدين والسحر) والسحر أيضاً من الكبائر.

стр. 465

السحر تعريفه وأقسامه السحر في اللغة: كل ما خفي سببه، وهو قسمان: سحر حقيقي، وسحر تخييلي. القسم الأول: السحر الحقيقي: وهو نوعان: النوع الأول: سحر يستخدم فيه الساحر الاستعانة بالشياطين، كما قال الله تعالى: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ﴾ [البقرة:١٠٢]، فهذا النوع فيه استخدام الشياطين والجن، حيث يستمتع به الإنس، ويلبي له رغباته في الإضرار بالآخرين، أو في جلب المنفعة له أو دفع المضرة عنه، في شيء لا يستطيعه البشر وهو في قوة الجان، وهذا ليس بدون مقابل؛ لأن الجني لا يمتع الإنسي بهذه الطلبات إلا وهو أيضاً يتمتع منه، فيجعل هذا الآدمي يشرك بالله، ويعمل المنكرات، ويقدم القرابين للجن، وهكذا يستمتع كلاً منهما بالآخر، وهذا مصداقاً لقول الله تعالى: ﴿وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُمْ مِنَ الإِنسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ﴾ [الأنعام:١٢٨]، فقوله جل وعلا: ﴿اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ﴾ [الأنعام:١٢٨]، فيه دلالة واضحة على أن الإنسي يستمتع بالجني وأيضا ً الجني يستمتع بالإنسي، حتى في أمر الجماع، فإن الجني يشارك الإنسي في ذلك، وليس هذا مقام التفصيل في هذا الموضوع. النوع الثاني من أنواع السحر الحقيقي: استخدام الساحر للعقاقير والأدوية، يعني: يضعها في مشروب ويقدمه للذي يريد أن يسحره، فتقع في معدة الرجل، فيتأثر به بدنه وعقله وذهنه، وحياته كلها تنقلب رأساً على عقب، وترى ذلك بالتجربة، فإذا قرأ المعالج على الذي شرب السحر، فإن معدته تغلي كالمرجل، فيرى تحركات غريبة في معدته، وهذا من أثر السحر. فالنوع الأول من القسم الأول هو من أكبر الكبائر؛ لأنه شرك أكبر، فالساحر يستعين بغير الله جل وعلا، ونحن شرطنا في الاستعانة بغير الله جل وعلا شروطاً: أن يكون المستعان به حياً حاضراً قادراً، وذلك حتى تكون هذه الاستعانة غير شركية، أما إن كان غائباً، مثل الشياطين والجن، فهذه الاستعانة كفرية شركية، ويتدرج به المرء من الشرك الأصغر إلى الشرك الأكبر، فهذه من الكبائر، ويدخل هذا النوع في الخلاف المشهور بين العلماء: هل الكبائر لها مكفرات من الأعمال أم لا؟ وقلنا: إن هذه المسألة فيها قولان لأهل العلم: أحدهما: أن الأعمال تكفر الكبائر، بدليل حديث النبي ﷺ : (هل يبقى من درنه شيء؟) فإن كان بسبب ثواب يوم وليلة لا يبقى من درنه شيء، فكذلك الأعمال تكفر الكبائر. أما النوع الثاني من القسم الأول فهو ظلم ليس بشرك. القسم الثاني: السحر التخييلي: وهو ليس سحراً حقيقياً، وإنما هو خفة يد، أو خفة حركة، فهو يسحر الأعين، لا يقلب الحقائق، وهذا كما قص الله علينا في سحرة فرعون، فإنهم كانوا لا يقلبون الحقائق، يعني: أن الحبال لم تقلب حيات حقيقة، بل كانت محشوة بزئبق، وكانت تتحرك أمام الناس، ولذلك قال الله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ﴾ [الأعراف:١١٦]، فهذا النوع أيضاً من المنهي عنه؛ لأن فيه تزييف وتزوير وغش، والنبي ﷺ يقول: (من غشنا فليس منا)، فهو أيضاً من الكبائر.

стр. 466

إيذاء الجار ثم ذكر بعد ذلك مسألة الجار، وأن إيذاءه من الكبائر، واستدل على ذلك بقول النبي ﷺ : (والله لا يؤمن! والله لا يؤمن! والله لا يؤمن! قالوا: من يا رسول الله؟! قال: من لا يأمن جاره بوائقه). وهناك حديث آخر يدل على لعن الذي يؤذي جاره، فإن النبي ﷺ -كما في مسند أحمد - جاءه رجل فقال: يا رسول الله! جاري يؤذيني، فقال النبي ﷺ : (خذ أمتعتك وضعها في وسط الطريق، ففعل، فكان كلما مر عليه أحد يقول: يا فلان، من فعل بك هذا؟! فيقول: جاري، فيقول: لعنة الله على جارك، فكل من يمر عليه يلعن جاره)، فهذا فيه دلالة على أن إيذاء الجار من الكبائر، ويدخل أيضا الخلاف: هل تكفرها الأعمال أم لا؟ ويبدو لي أن الإمام العلامة -أي: المؤلف- يرى أن هذه الكبائر لابد لها من توبة، وأن هذه الأعمال يمكن أن لا تكفرها، وهو بذلك كأنه ينحو نحو الجمهور، أي: أن الكبائر لابد لها من توبة، ولذلك عقب بعدها بذكر أحاديث وآثار عن النبي ﷺ في وجوب التوبة، وتقديم التوبة عن المعاصي، ووجوب استحلال المسلمين بعضهم من بعض قبل نزول الموت، فبدأ يتكلم عن التوبة بعد أن تكلم عن الكبائر، وكأنه يشعر بأن هذه الكبيرة لا تمحى ولا تكفر إلا بأن يأتي المرء ربه جل وعلا بتوبة نصوح.

стр. 467

التوبة التوبة لغة: مأخوذة من تاب يتوب، أي: رجع يرجع، فهي من الرجوع. والتوبة شرعاً: هي الرجوع إلى الله جلا وعلا بصدق وعزم وحزم، وهي الإقلاع عن الذنب خوفاً من الله -أي: ليس استحياء من البشر مثلاً، أو خوفاً على مكانة أو وجاهة- والعزم على عدم فعل هذا الذنب.

стр. 468

التوبة التوبة لغة: مأخوذة من تاب يتوب، أي: رجع يرجع، فهي من الرجوع. والتوبة شرعاً: هي الرجوع إلى الله جلا وعلا بصدق وعزم وحزم، وهي الإقلاع عن الذنب خوفاً من الله -أي: ليس استحياء من البشر مثلاً، أو خوفاً على مكانة أو وجاهة- والعزم على عدم فعل هذا الذنب.

стр. 469

حكم التوبة التوبة واجبة، فقد أوجبها الله على كل المؤمنين قاطبة، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا﴾ [التحريم:٨]، فهذا أمر، والظاهر في الأمر الوجوب، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ يَوْمَ لا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾ [التحريم:٨]، إلى آخر الآيات، وأيضاً قال الله تعالى آمراً عباده المؤمنين: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [النور:٣١]، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [الحجرات:١١]، فقسم الناس إلى قسمين: تائب وظالم، فيدل ذلك على أن الذي لا يحدث لذنبه توبة، فهو ظالم، بعيد عن الله جل وعلا. أيضاً في السنة قد أمر النبي ﷺ المؤمنين بالتوبة، فالصحابة الذين هم أجل الناس وأعظمهم قدراً عند الله جل وعلا، قد أمرهم الرسول أن يكثروا من التوبة، فقد ورد عنه ﷺ -كما في صحيح مسلم عن الأغر بن عبد الله المزني - أنه قال في مجلس الصحابة: (يا أيها الناس! توبوا إلى الله، فإني أتوب إلى الله في اليوم سبعين مرة). وفي الصحيح أيضاً عن ابن عمر: أنهم كانوا يعدون للنبي ﷺ أكثر من سبعين مرة، أي: يستغفر الله ويتوب إليه، فقد كان يأتمر بأمر الله عند أن قال له: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ [النصر:٣]. فالتوبة مأمور بها كل مؤمن، حتى وإن لم يستحدث ذباً، فإنه يستغفر لتقصيره في طاعة الله؛ لأن التقصير في طاعة الله ذنب، ولذلك كان النبي ﷺ إذا دخل الخلاء وخرج منه يستغفر الله، فقال: (إنه ليران على قلبي). والعلماء استنبطوا من ذلك أنه إذا دخل الخلا لم يذكر الله جل وعلا بلسانه، فكان يستغفر الله عندما يخرج، مع أن قلبه ذاكر لله جل وعلا، ولكنه يستغفر بعد الخروج لأن لسانه كف عن ذكر الله جل وعلا، وقد كانت وصيته ﷺ : (اجعل لسانك رطباً بذكر الله جل وعلا). جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: (يا رسول الله! عبد يذنب الذنب، فقال الرسول ﷺ : يكتب عليه، يعني: يكتب أنه أذنب الذنب، فقال: يا رسول الله! أرأيت لو استغفر، قال: يغفر له، قال: ثم أذنب، قال: يكتب عليه، قال: ثم استغفر، قال: يغفر له، ثم قال رسول الله ﷺ : والله إن الله لا يمل حتى تملوا)، يعني: كلما فعلتم الذنوب ثم استغفرتم فإن الله سيغفر لكم. وأيضاً في مسند أحمد ورد (أنه جاء رجل مستغفراً ربه فقال: إني قد أذنبت ذنباً، فقال الله تعالى: عبدي علم أن له رباً يأخذ بالذنب ويغفره، اشهدوا أني قد غفرت له، ثم عاد فاقترف نفس الذنب مرة ثانية بعد أن عزم على الإقلاع، ثم جاء فقال: رب إني قد أذنبت ذنباً فاغفر لي، فقال الله جل وعلا: عبدي علم أن له رباً يأخذ بالذنب ويغفر، اشهدوا أني قد غفرت له، ثم جاء الثالثة، فقال الله تعالى: عبدي افعل ما شئت ثم استغفرني فسأغفر لك). ولا عجب في ذلك، فإن الله جل وعلا يفرح أشد الفرح بتوبة العبد المذنب، قال رسول الله ﷺ : (لو لم تذنبوا لذهب الله بكم، ولأتى بقوم يذنبون ثم يستغفرون فيغفر الله لهم). وفي الصحيح أيضاً أن رسول الله ﷺ قال: (الله أشد فرحاً بتوبة العبد من أحدكم كانت معه راحلة في وهدة من أرض قاحلة، ما فيها شيء، وكانت الراحلة عليها زاده ومتاعه فرحلت عنه، فعلم أن الموت سيأتيه، ثم ذهب إلى ظل شجرة يستظل بها وهو ينتظر الموت، فنام ثم استيقظ فوجد الراحلة أمامه، فمن شدة الفرح قال: اللهم أنت عبدي وأنا ربك)، والله جل وعلا يعذره؛ لأنه من شدة الفرح قد يحدث الذهول للمرء، فلا يؤآخذ على ما يقول. فالله جل وعلا أشد فرحاً بتوبة العبد من هذا الذي فرح بقدوم راحلته إليه، والمراد التوبة الحقيقية، فيجب أن نحث أنفسنا وغيرنا على التوبة. والتوبة ليست بجهد منا، بل إنما التوبة من الله جل وعلا، فالتوبة محفوفة بتوبتين: توبة قبلية، وتوبة بعدية، وكلاهما من الله جل وعلا، لكن التوبة البعدية هي قبول توبة العبد، قال الله تعالى عن الثلاثة الذين خلفوا: ﴿وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا﴾ [التوبة:١١٨]، أولاً: تاب عليهم، أي: أودع في قلوبهم التوبة، وبعد ذلك: مكنهم أن يرفعوا الأيدي، وأن يتذللوا ويتضرعوا ويخضعوا لله جل وعلا توبة إليه، فيقبل هذه التوبة، فالتوبة محفوفة بتوبتين توبة قبلية من الله جل وعلا، وتوبة بعدية هي منه سبحانه أيضاً، أي: قبول توبة العبد التي هي في الوسط.

стр. 470

شروط قبول التوبة ولكي تقبل التوبة يجب أن تتوفر فيها شروطها، وهي ثلاثة إذا كان الذنب بين العبد وبين الله، وأربعة إذا كان الذنب يتعلق بحق آدمي على التفصيل الآتي: الشرط الأول: الندم على ارتكاب المعصية، فلا يتصور في عبدٍ مصر على معصية، يتغنى بها، ويباهي بها الناس، ويحارب الله جل وعلا بها، وينشرها بين الناس، أنه يتوب، أو أنه يريد أن يتوب. فالذي يتوب بحق هو الذي لابد أن يكون في قلبه الحسرة والألم على أنه تجرأ على محارم الله جل وعلا، فالندم أول شروط التوبة، كما في مسند أحمد عن ابن مسعود ﵁ وأرضاه قال: قال رسول الله ﷺ : (الندم توبة)، فحتى تكون التوبة مقبولة عند الله لابد أن يتوفر فيها الندم. وعندما أقول: للتوبة شروط حتى يقبلها الله، فهذا يعني: أنه إذا اختل شرط منها فإنها غير مقبولة عند الله جل وعلا، فإن كانت الشروط خمسة، وأتى بأربعة، فإنها لا تقبل عند الله جل وعلا. الشرط الثاني: الإقلاع عن الذنب، فإن العبد إذا قال: أريد أن أتوب، أو أنا نادم على ما فعلت، وهو مصر على ذنبه، فهذا مستهزئ والعياذ بالله، وقد يصل إلى الكفر؛ لأنه يقول: أنا أريد أن أتوب، وهو يزيف هذا في قلبه بحبه لهذه المعصية، كما ورد عن بعضهم أنه يدخل ليزني ويقول: التوبة يا رب، فهذا استهزاء، وقد يصل به إلى الكفر، فلابد من الإقلاع عن الذنب، وهذا هو الشرط الثاني للتوبة، حتى تكون مقبولة عند الله جل وعلا. الشرط الثالث: العزم على عدم فعل هذه المعصية، أي: العزم على عدم الرجوع للمعصية، وإلا فلا يكون صادقاً عند الله جل وعلا. وهذه الشروط إذا كان الذنب بينه وبين الله جل وعلا، أما إذا كان الذنب في حق للآدمي، فلا بد من شرط رابع ينضم إلى هذه الشروط الثلاثة، والقول فيه كالتالي: الشرط الرابع: إرجاع الحق إلى صاحبه، فلا تكتمل التوبة في عبد غصب أو سرق أو اغتاب أو سب أو شتم، حتى يتحلل من ذلك، وحتى يرد الحقوق إلى أهلها، فيتحلل مما بدر منه بلسانه من سب أو شتم أو غيبة، وذلك بطلب السماح من الشخص الذي ظلمه، هذا هو الشرط الرابع، له صور: الصورة الأولى: أن يكون قد اغتاب امرأ مسلماً في مجلس، فتوبته لابد أن تتوفر فيها الشروط الثلاثة أولاً، أما الشرط الرابع، فعند الجمهور أنه لا تكتمل التوبة حتى يذهب إلى الذي اغتابه، فيقول له: قد اغتبتك، وأنا أتحلل منك، أي: اقتص مني، أو سامحني، فإن أبا بكر ﵁ وأرضاه لما سب عمر بعد غضبه منه، ذهب إليه ليستسمحه، فـ عمر لم يرض، أي: أن أبا بكر أراد أن يقتص عمر منه، أو أن يتحلل مما فعل مع عمر وأيضاً ورد أنه سب بعض الأنصار فقال الأنصاري: يغفر الله لك، فقال أبو بكر: لابد أن تقتص مني، الآن تسبني؛ لأنه يعلم أن التوبة لا تكون إلا بذلك، قال: يا أبا بكر لا أقتص منك، يغفر الله لك. فالغرض المقصود: أنه لابد أن يتحلل، والجمهور استدلوا على ذلك بقول رسول الله ﷺ : (من كان له عند أخيه مظلمة فليتحلل، فإنه ليس ثمة درهم ولا دينار يوم القيامة، ولكن الحسنات والسيئات)، فعلى عرصات يوم القيامة ليس هناك دراهم ولا دنانير، بل هي حسنات تؤخذ من المغتاب أو من الغاصب أو من السارق أو من القاتل، تؤخذ من صحيفته إلى صحيفة هذا الذي وقع في حقه أو عرضه. لكن شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ له قول آخر، غير قول الشافعية والمالكية والحنابلة والأحناف، وقوله هذا ترجيح للرواية الأخرى عن الحنابلة، حيث قال: إن المغتاب لا يذهب ويتحلل ممن اغتابه، بل له أن يتوب إلى الله جل وعلا، بأن تتوفر فيه الشروط الثلاثة، ثم بعد ذلك يذهب إلى المجلس الذي اغتاب فيه نفس الرجل، فينشر محاسن هذا الرجل، وحجته في ذلك حجة عظيمة؛ لأنه يغوص في المعاني، وينظر إلى مقاصد الشريعة، فقد قال: لو ذهب الرجل إلى الذي اغتابه وقال له: اغتبتك، أو سببتك، أو انتقصت من قدرك، لحدثت المشاحنة والمشاجرة بينهما، ويمكن أن تصل إلى القتال، فإن العرب قديماً كانوا يقتتلون على جمل أو فرس أو أي شيء، فما بالك بالمسبة، فنظر ﵀ إلى ذلك وقال: حتى تتآلف القلوب، ويكون الوئام منتشراً بين الناس، فلا يذهب ولا يتحلل منه لكن يستغفر الله، ويدعو له، ثم ينشر محاسنه بنفس المجلس الذي سبه فيه. ونحن نقول الراجح من ذلك هو التفصيل، وهذا التفصيل يكون على أمرين: الأمر الأول: هو أن تنظر في حال الذي وقعت في حقه الغيبة، فتنظر فيه وفي شخصيته وأخلاقياته ودينه، فإن كان تقياً ورعاً سليماً مسامحاً، فهذا وجب عليك أن تذهب إليه، وتتحلل منه، وتصرح له أنك وقعت فيه؛ لأنه بدينه وورعه وتقواه، سيسامحك، أو يقول لك: أقتص منك الآن، ولن تحدث المشاحنة بعد ذلك؛ لأنه يعلم من دين الله جل وعلا أن الله ينظر إلى القلوب: ﴿رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ إِنْ تَكُونُوا صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلأَوَّابِينَ غَفُورًا﴾ [الإسراء:٢٥]. ورد في الحديث أن النبي ﷺ قال: (يخرج عليكم رجل من أهل الجنة، فخرج رجل، في المرة الأولى والثانية والثالثة، والنبي ﷺ يقول: يخرج عليكم رجل من أهل الجنة، فيخرج نفس الرجل)، فـ عبد الله بن عمرو بن العاص، ذهب إليه لينظر اجتهاده في العبادة، فوجده في الليل نائماً، فقال: لعله إذا أرخى الليل سدوله قام الرجل يصلي لله جل وعلا، فقد شهد له النبي بالجنة، فوجده نائماً طوال الليل، ثم في النهار قال ابن عمر: يصوم النهار، فلعله بالصوم بلغ ما بلغ، فما وجده صائماً، فلما استشكل عليه هذا الأمر، كيف لا تقوم الليل، ولا تصوم النهار؟ والنبي ﷺ قد شهد لك بالجنة، فقال: والله يا هذا ليس عندي كثير صيام ولا صلاة، ولكني أبيت وليس على أحد في قلبي شيء، وهذا مصداقاً لقول النبي ﷺ في الحديث الآخر: (يدخل الجنة أناس أفئدتهم كأفئدة الطير)، فهذا يجب على المرء أن يتحلل منه، فيذهب ويقول له: سببتك في مجلس كذا، وأنا أريد أن أتحلل منك؛ لصريح قول النبي ﷺ : (من كان له عند أخيه مظلمة فليتحلل منه؛ لأنه ليست ثمة درهم ولا دينار يوم القيامة، بل هي الحسنات والسيئات). الأمر الثاني: أن يكون الرجل ليس بهذه الصفات، أي: ليس دينا ولا ورعاً ولا تقياً، بل رجل قلبه غليظ، وهو سريع الغضب، كما وصفه النبي ﷺ : (سريع الغضب بطيء الرضا)، فهذا -عملاً بمقاصد الشريعة- لا يجوز لك أن تتحلل منه، أي: لا يجوز لك أن تذهب إليه وتقول: أنا سببتك، أو اغتبتك أو وقعت فيك؛ لأنه سيأتي بمفسدة أعظم من المصلحة المرجوة، والقاعدة الفقهية تقول: إن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح، فإن كانت المصلحة أن يتحلل منه حتى لا تكون هذه الغيبة في صحيفته، فإن المفسدة أعظم، وهي التقاتل والتدابر، والنبي ﷺ نهى عن ذلك، ولعل الله يرضي هذا الشخص يوم القيامة فيعطيه من حسنات غير حسنات هذا الرجل، ويقول خذ بيد أخيك وادخل الجنة. الصورة الثانية: رجل أكل على رجل آخر مالاً، أو أكل أموال الناس بالباطل، سواء في معاملة تجارية، أو في قضية نصب، أو قضية غصب، فحتى تكتمل التوبة، فلا بد من أن توفر الشروط الثلاثة، والشرط الرابع أن يتحلل من صاحب المال، وقد اتفق العلماء على أنه يجب عليه أن يرد هذا المال لصاحبه، فإذا ذهب إلى الرجل فلم يجده، فإنه يرده إلى الورثة، فإن لم يجد هذا الوريث، فيعطي الذي بعده، فإن لم يجد له ورثة، ولا يستطيع أن يصل إلى هذا الرجل -الذي يريد أن يرد عليه الحق- فله في ذلك طريقان: الطريق الأول: أن يتصدق بهذا المال لهذا الرجل، يعني: ينوي أن هذه الصدقة لهذا الرجل الذي أخذت منه المال ولم أجده، وهذا بشرط أنه لم يجده، فإن وجده وفعل ذلك، فإنه يضمن، يعني: لو أخذ مالاً من عمرو، ثم أراد أن يتوب، ولم يبحث عن عمرو حتى يرد له المال، بل تصدق به بنية أنه عن عمرو، ثم خرج عمرو وظهر، فإنه في هذه الحالة يضمن له هذا المال، ويجب عليه أن يرده لعمرو؛ لأن شرط التصدق عنه أن لا يجده أولا يجد له وريثاً، فإذا توفر هذا الشرط وتصدق عنه فلعل الله جل وعلا أن يرضيه يوم القيامة بهذه الصدقة، كما ورد عن ابن مسعود ﵁ وأرضاه أنه اشترى جارية، ثم قام ليعطي المال أو حق الجارية للرجل فلم يجده، فبحث عنه وجد في البحث فلم يجده، فقال: اللهم هذه الصدقة عن رب الجارية -أو حاكم أو مالك هذه الجارية- فتصدق بها، وقال: فإن رضي في الآخرة بهذا الصدقة، فهي له، فإن لم يرض فهي لي، ويأخذ من حسناتي ما يكفيه لهذا الثمن أو لحق الجارية.

стр. 471

الخلاف في توبة القاتل الصورة الثالثة: القتل، وهذه الصورة مشكلة، وفيها خلاف كثير بين العلماء، يعني: رجل قتل نفساً مسلمة، فأراد أن يتوب، فهل له توبة؟ وما شروطها؟ نقول: مسألة قاتل النفس المؤمنة عمداً، وهل له توبة أم لا؟ اختلف العلماء فيها على قولين: القول الأول: لـ زيد بن ثابت ﵁ وأرضاه -معلم ابن عباس - وهو لـ ابن عباس ﵁ وأرضاه، أنه ليس له توبة، ولأصحاب هذا القول في ذلك أدلة من الأثر ومن النظر: أما من الأثر فقالوا: قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ [النساء:٩٣]. فهذه الآية صريحة، وهي من أقوى الأدلة على خلود القاتل في النار، وإن كان مسلماً، كما أن فيها قوله تعالى: ((وَلَعَنَهُ))، واللعن: أصله الطرد من رحمة الله جل وعلا. وقالوا أيضاً: قال رسول الله ﷺ -كما في الصحيح-: (لا يزال المؤمن في سعة من دينه ما لم يصب دماً حراما)؛ لأنه من الإفساد في الأرض. ويستدل لهم أيضا بالقياس: وذلك أن رسول الله ﷺ -كما في حديث أبي هريرة في الصحيحين- أنه قال: (من قتل نفسه بحديدة فهو بحديدته يتوجؤها في نار جهنم، خالداً مخلداً فيها، ومن تحسى سماً فهو في نار جهنم يتحساه، خالداً مخلداً فيها)، فهذا قاتل نفسه، ونفس الغير تساوي نفسه، فالعلة مشتركة، إذاً: فالقياس صحيح، ولذلك قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ [النساء:٢٩]. والعلماء لما تلكموا في قاعدة الإكراه قالوا: إن الله جل وعلا رفع عن المكره الإثم إلا في القتل والزنا، فلو أكره على شرب الخمر يشرب، ولو أكره على أن ينطق كلمة الكفر ينطق، ولو أكره على الزنا لا يفعل؛ لأن عرض أخيه مثل عرضه، ولو أكره على القتل فإنه لا يفعل بالاتفاق؛ لأنهم قالوا: إن نفسه ليست بأولى من نفس أخيه، فبالقياس على هذا الحديث أن يقال: إذا كان قاتل نفسه في نار جهنم، خالداً مخلداً فيها، فقاتل غيره يأخذ نفس الحكم، وهذه أدلة قوية جداً لهذا الفريق. أما دليلهم النظري فقالوا: إن التوبة للقاتل لا بد أن تتوفر فيها أربعة شروط: الشروط الثلاثة المعروفة، والشرط الرابع أن يتحلل، وكيف يتحلل وهو قد أزهق روح أخيه ولا يستطيع ردها؟ فيتعذر عليه -نظراً- أن يتحلل، ونحن قلنا: إن التوبة في حق الغير لا يمكن أن تقبل عند الله جل وعلا حتى تكتمل الشروط الأربعة، وهذا يتعذر عليه أن يتحلل، ويتعذر عليه أن يرد الروح في هذا الجسد، فقالوا: فإن كان باب التحلل والأداء مغلق، فقد تعذر عليه التوبة، فلا توبة لقاتل. القول الثاني: قول الجمهور من الفقهاء والمحدثين، وهو أنهم قالوا: للقاتل توبة، وعندنا أدلة من الأثر ومن النظر: أما من الأثر: فقد قال الله تعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ [الزمر:٥٣]. فالذنوب: جمع معرف بالألف واللام فيفيد العموم، أي: كل الذنوب، فيدخل فيها القتل، ويدخل فيها الشرك كذلك، لكن بشرط أن يكون تائباً، والذي جعلنا نقيد هذا القيد أو نشترط هذا الشرط -مع أن ظاهر الآية العموم: ((يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا)) - هو قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨]، فيغفر ما دون ذلك لمن يشاء، أي: دون الشرك كالقتل، فهو دون الشرك. إذاً: القتل يدخل في نص الآية بأنه في مشيئة الله جل وعلا، فإذا كان في مشيئة الله فالنتيجة عدم الخلود في نار جهنم؛ لأن الكافر الذي يخلد في نار جهنم لا يدخل في مشيئة الله جل وعلا، أي: إن شاء عذبه وإن شاء غفر له، بل هو معذب حتماً بنص قوله تعالى: ((إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ))، فإذا كان القاتل تحت المشيئة، فهو لا يخلد في النار، إذاً: فله توبة. واستدلوا أيضاً بقول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا * يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا * إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الفرقان:٦٨ - ٧٠]، إذاً: فليس له التوبة فقط، بل يبدل الله سيئاته حسنات فوق ذلك. لكن الفريق الأول ردوا عن الاستدلال بهذه الآية، فقد قال زيد بن ثابت ﵁: كنا نرى اللين في هذه الآية: ((إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ))، قلنا: حتى قاتل النفس، حتى المشرك، حتى الزاني، إذا تاب يبدل الله سيئاته حسنات، هذا لين عظيم جداً، ثم نزلت الشدة في هذه الآية: ((وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا)). فهو ﵁ يلمح بأن هذه ناسخة للآية الأخرى، وهذا الذي صرح به ابن عباس -أي: لمح زيد وصرح ابن عباس ﵁ وأرضاه- حين قال: لا توبة للقاتل، فقالوا له: كيف تفعل بهذه الآية، فقال: هذه الآية منسوخة، هذه كانت في أقوام من أهل الكفر يزنون ويشربون الخمر، ويقتلون ويسرقون، فجاءوا يسلمون في مكة، فاشترطوا على رسول الله ﷺ أن يغفر لهم ما قد سلف، فنزلت هذه الآية في مكة: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا﴾ [الفرقان:٧٠]، ثم نزلت آية النساء في المدينة، والمتأخر ينسخ المتقدم، أي: ما نزل في المدينة ينسخ ما نزل في مكة، هكذا قالوا، وسنبين كيف ردوا عليهم. واستدلوا أيضاً بقول الله تعالى: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى﴾ [طه:٨٢]. وجه الشاهد قوله: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ﴾ [طه:٨٢]. ووجه الدلالة: أن (من) تعتبر من الأسماء المبهمة، أي: أنها اسم موصول بمعنى الذي، وهي من ألفاظ العموم، فمعنى الآية: أي أحد تاب، سواء أكان مشركاً، أم كان قاتلاً، فإن الله يغفر له ما دام قد تاب من ذنبه: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى﴾ [طه:٨٢]. قالوا: وعندنا من الأحاديث ما يثبت ذلك، أولها ما ورد: (أن رجلاً من بني إسرائيل قتل تسعة وتسعين نفساً، ثم ذهب إلى راهب -عابد- فسأله: هل لي من توبة؟ قال: قتلت تسعة وتسعين نفساً، ليس لك توبة، فقتله، فأكمل به المائة -وهذا فيه دليل على أن الفرق كبير بين العابد والعالم، فشتان شتان بين القمر وسائر النجوم، فإن العالم وريث النبي ﷺ ، فهو كالقمر والعابد كالنجوم، والفرق بينهما كبير- ثم ذهب إلى عالم، فقال: قتلت مائة نفس، هل لي من توبة؟ قال: ومن يمنعك من التوبة، اذهب إلى أرض كذا فإن فيها أناساً صالحون فاعبد الله جل وعلا معهم، فذهب الرجل ليتوب إلى الله، فقبض في الطريق)، إلى آخر القصة، فالمقصود: أنه قد قتل مائة نفس ومع ذلك فإن العالم دله على التوبة، وقد أقر النبي ﷺ ذلك. لكن يشكل علينا أننا من أمة محمد ﷺ ، وهذه القصة حدثت في بني إسرائيل، فكيف نستدل بها على ما نحن فيه؟ نقول: الخلاف الأصولي كبير في مسألة: هل شرع من قبلنا شرع لنا أم لا؟ فـ الشنقيطي وغيره يرجح: أنه ليس بشرع لنا على الاتفاق، لكن الصحيح الراجح ما قاله الجمهور، وهو أن شرع من قبلنا شرع لنا ما لم يأت من شرعنا ما ينسخه. ومثال النسخ ما جاء في الطهارة، فقد كان في زمن بني إسرائيل إذا وقعت النجاسة على الثوب، فإنهم يقرضونها ويقطعون مكانها، لكن الله جل وعلا خفف علينا، وجعل في الماء طهوراً لنا. واستدلوا من الحديث أيضاً بحديث عبادة ابن الصامت ﵁ وأرضاه قال: بايعنا رسول الله ﷺ على أن لا نزني، ولا نشرك بالله، ولا نقتل أولادنا، إلى آخر ما قال، فقال النبي ﷺ : (فمن أصاب من ذلك شيئاً فعوقب به فهو كفارة له). فإذا كان كفارة له فهذه توبة، فهو لا يخلد في النار، فوجه الشاهد: قوله: فهو كفارة له، ووجه الدلالة أنه لا يخلد في النار. واستدلوا أيضاً بحديث رواه الترمذي عن النبي ﷺ أنه قال: (قال الله تعالى: عبدي! إن أتيتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئاً -هذا قيد وشرط مهم جداً- ثم لقيتني لا تشرك بي شيئاً لقيتك بقرابها مغفرة)، وجه الشاهد: قوله: بقراب الأرض خطايا. ووجه الدلالة: أن خطايا نكرة في سياق الإثبات تفيد الإطلاق، أي: يدخل في ذلك كل الخطايا ما عدا الشرك؛ لأنه اشترط بعد ذلك عدم دخوله. إذاً: فهذا الحديث أيضاً حجة لمن يقول بأن القاتل له توبة؛ لأنه مهما أتى الله جل وعلا بأي ذنب غير الشرك فإن الله يتوب عليه، فإنه سبحانه سوف يأتيه بقرابها مغفرة. وهناك أحاديث كثيرة استدلوا بها على أن القاتل له توبة، ولكن نكتفي هنا بما ذكرنا. أما استدلالهم من النظر، فقد استدلوا بقياس الأولى، حيث قالوا: المشرك أو الكافر له توبة، ومعروف أن الشرك أعظم الذنوب، وهو أكبر الكبائر، فما بالكم بالأقل منه، يعني: الكافر الذي أشرك بالله جل وعلا له توبة، وفتح الله له الباب على مصراعيه أن يتوب، فمن باب أولى ما هو دون الشرك

стр. 472

ثمرات التوبة أول ثمرات هذه التوبة وأفضلها وأعلاها وأقواها: حب الله للتائبين، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة:٢٢٢]، فالذي يتوب إلى الله جل وعلا محبوب عند الله، فإنك إذا تبت إلى ربك جل وعلا رفعك إلى عليين، وذكر اسمك عند أشرف الخلق، ألا وهم الملائكة، كما في الصحيح، عن النبي ﷺ أنه قال: (إن الله جل وعلا إذا أحب عبداً نادى في السماء: يا جبريل! إني أحب فلاناً فاحبه، فيحبه جبريل، ثم ينادي جبريل في أهل السماء: يا أهل السماء! إن الله يحب فلاناً فأحبوه، فيحبونه، ثم يكتب له القبول في الأرض)، فإذا أحبك الله جل وعلا أدخلك الجنة، وإذا أحبك الله جل وعلا سدد خطاك، ومنعك من كل خطيئة ورذيلة، وإذا وقعت في السفه أو المعصية، رفعك الله جل وعلا بعدها إلى توبة، بل إلى درجة أكبر، وكان سمعك الذي تسمع به وبصرك الذي تبصر به ويدك التي تبطش بها، جمع ذلك كله حديث النبي ﷺ عن أبي هريرة ﵁ وأرضاه، قال: قال رسول الله ﷺ : (قال الله تعالى: من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إلي عبدي بأحب إلي مما افترضته عليه -فأحب شيء الفرض- وما زال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه)، فأي درجة فوق هذه الدرجة، فبعد تتابع النوافل، يصل العبد إلى درجة المحبوبية، هذه الدرجة -أوصلنا الله وإياكم إليها- لا ينزل العبد منها أبداً، يعني: إذا ارتقى إلى درجة المحبوبية، فإنه لا ينزل منها، ولا يشكل علينا أنه يعصي؛ لأننا نقول: إن الله سيلهمه التوبة، ويكون بحالة أحسن من الأول، ألم يأتكم نبأ المهدي المنتظر؟ كيف سيقود الأمة، وقد كان متخلفاً عنهم؛ لأن النبي ﷺ قال: (يصلحه الله في ليلة)، يعني: قبل ذلك لم يكن بنفس الجهد الذي صار إليه؛ لأنه بعد هذه الليلة سارع في الخيرات، ولسان حاله يقول: ﴿وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى﴾ [طه:٨٤]. ثم قال النبي ﷺ : قال الله تعالى: (كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به).

стр. 473

شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة - أهل الكبائر من فضل الله على العباد ورحمته بهم أن جعل الإيمان يتفاضل زيادة ونقصاناً، وذلك لأن العباد ليسوا معصومين من الخطأ إلا من عصمه الله، فلو كان كل من وقع في كبيرة كفر -كما زعمت الخوارج- ثم في الآخرة يخلد في النار كما زعموا هم والمعتزلة؛ لكان هذا تكليفاً بما لا يطاق، وحاشا الشارع الحكيم عنه، وليس الأمر كما زعمت المرجئة أن الإنسان له أن يفعل ما يحلو له من الفجور ثم يكون مؤمناً كامل الإيمان، كجبريل والصديق، ما دام أن أصل الإيمان في قلبه، وهذا تنافيه الحكمة الإلهية والعدل الرباني بين العباد، وإنما من فعل معصية دون المكفرات فهو فاسق بمعصيته مؤمن بأصل إيمانه، وهذا قول الفرقة الناجية والطائفة المنصورة إلى قيام الساعة أهل السنة والجماعة.

стр. 474

حكم أهل الكبائر عند أهل الغلو، وأهل التفريط إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. ثم أما بعد: فنتكلم في هذا الدرس على فساق أهل القبلة، أهل المعاصي والكبائر، وفي هذا الباب مسائل، منها: هل أهل الكبائر مخلدون في نار جهنم؟ وهل أهل الكبائر كفار خرجوا من الملة كما قال أهل الغلو والإسراف، كالخوارج الحرورية أم لا؟ فإن الخوارج الحرورية قالوا: إن أهل الكبائر كفار مرتدون خارجون من الملة، وإذا ماتوا فلا يدفنون في مقابر المسلمين ولا يصلى عليهم، بل إن كانوا أحياء فإنه يفسخ عقد زواج أحدهم من امرأته وتطلق منه، ويعامل معاملة المرتد، فيستتاب فإن تاب وإلا قتل. أما المعتزلة فقالوا: لا نقول: إنه كافر، وإنما نقول: هو بمنزلة بين المنزلتين، فلا هو كافر ولا مسلم، وإنما هو في منزلة بينهما. والصحيح: أن هذا الكلام تغطية لهم حتى لا يتهموا بأنهم خوارج، لكن قولهم يئول إلى قول الخوارج: إنهم -أي: أصحاب الكبائر- مخلدون في نار جهنم. فهذا الكلام هو كلام أهل الغلو، وهناك من يضاد هذا القول، وهو قول أهل التفريط، وهم أهل الأرجاء، فإن المرجئة قالوا: كل مسلم شهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً هو رسول الله، وصلى إلى هذه القبلة، وذبح ذبيحتنا، أو أكل من ذبيحتنا فهو مؤمن كامل الإيمان، يرتقي إلى إيمان أبي بكر وعمر، بل يرتقي فوق ذلك إلى إيمان جبريل، وهو من أول وهلة يدخل الجنة، وهذه هي بدعة المرجئة. فأما أدلة الخوارج على ما ذهبوا إليه: فقد صنفوا أدلتهم من الكتاب ومن السنة. فأما من الكتاب: فاستدلوا بقول الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ [النساء:١٠]. فقالوا: وجه الدلالة أن قوله: (إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلماً)، فقال: (ظلماً) والظلم ليس بكفر، وإنما هو معصية وكبيرة. وقد قال الله عنهم: (وسيصلون سعيراً)، وليس لنا دليل يدل على خروجهم من هذا السعير. فقالوا: إن أهل المعاصي خالدون في نار جهنم، استدلالاً بهذه الآية. وأما أدلتهم من السنة فاستدلوا بما يلي: أولاً: أن النبي ﷺ نفى الإيمان عن أهل المعاصي، وهذا دليل على أنهم كفار. ففي الصحيحين عن أبي ذر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربهما وهو مؤمن، ولا ينتهب النهبة حين ينتهبها وهو مؤمن). فنفى عنه الإيمان، وإذا نفى عنه الإيمان فهو فاسق. وأيضاً قال رسول الله ﷺ : (لا إيمان لمن لا أمانة له). فنفى النبي ﷺ الإيمان عن الخائن، فأصبح كافراً؛ لأن المقابل للإيمان هو الكفر. فإذاً: الخائن كافر، والعاصي كافر، والزاني كافر، والسارق كافر كل هذا على قولهم. ثانياً: أنه أثبت الكفر لأهل المعاصي، وهذه أصرح في الدلالة، فقد قال رسول الله ﷺ -كما في الصحيحين-: (لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض)، فأثبت الكفر لهم بقتال بعضهم لبعض. والأحاديث مثل ذلك كثيرة منها: قول رسول الله ﷺ : -كما في الصحيحين-: (سباب المسلم فسوق وقتاله كفر). قوله ﷺ : (خصلتان في أمتي هما بهم كفر: النياحة على الميت، والفخر بالأحساب) وفي الرواية الأخرى: (الفخر بالأنساب، والاستسقاء بالنجوم). وفي الصحيح عن ابن عمر ﵁ وأرضاه قال: قال رسول الله ﷺ : (من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك) والحلف بغير الله هو: القسم بغيره، فالذي يحلف بحياته، أو بالنبي، أو بشرفه فكل هذا معصية، وقد سماها النبي ﷺ كفراً، ونزع عنه الإيمان. ثالثاً: البراءة من الشخص، والنبي ﷺ لا يتبرأ من أحد إلا إذا كان عمله كفراً، ولو كان مؤمناً لانضم إلى النبي ﷺ ، وإلى حظيرة المسلمين، كما قال رسول الله ﷺ : (برئت الذمة ممن جلس بين أظهر المشركين) وفي رواية أخرى: (أنا بريء ممن جلس بين أظهر المشركين). فهذه البراءة من الشخص دلالة على كفره. وأيضاً: قال النبي ﷺ : (من غشنا فليس منا). فهذه هي أدلة الخوارج الذين يقولون: إن فاعل الكبيرة كافر خالد مخلد في نار جهنم. أما في الجهة المقابلة لهم فهم المرجئة، الذين يقولون: لا يضر مع الإيمان معصية، فالرجل عندهم وإن زنى وإن سرق طالما أنه شهد أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله فهو مؤمن. وقد أخذوا بأحاديث الوعد، فالخوارج أخذوا بآيات وأحاديث الوعيد، المرجئة أخذوا بأحاديث الوعد. ومن أدلتهم: أولاً: قول الله تعالى: ﴿فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى * لا يَصْلاهَا إِلَّا الأَشْقَى﴾ [الليل:١٤ - ١٥]، فهنا أسلوب حصر، أي: أن النار لا يصلاها إلا الشقي، ثم وصفه بقوله: ﴿الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾ [الليل:١٦] إذاً فيكون الأتقى هو الذي سيجنبها، وهو: الذي ليس بشقي، فلم يكذب، ولم يتول، ولم يجحد. فإذاً: المسلم الذي لا يكذب بآيات الله، ولا يكذب بأحاديث النبي ﷺ ، ولا يتولى جاحداً، وإن ترك العمل، فهذا سيدخل الجنة ولا يخرج منها. ولا يمكن أن تمسه النار ولو وهلة. واستدلوا من السنة بأدلة كثيرة، وهي أحاديث الوعد، ومنها: قول النبي ﷺ كما في الصحيحين: (من قال: لا إله إلا الله، خالصاً من قلبه دخل الجنة). وقول النبي ﷺ : (من قال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وأشهد أن عيسى عبد الله وابن أمته وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، وأن الجنة حق، وأن النار حق دخل الجنة على ما كان من عمل)، أي: أي عمل عمله فسيدخل به الجنة. واستدلوا أيضاً بقول النبي ﷺ : (إن جبريل جاءني فبشرني: أن من قال من أمتك: لا إله إلا الله، أو مات لا يشرك بالله من أمتك فسيدخل الجنة. فقال أبو ذر ﵁: يا رسول الله! وإن زنى وإن سرق؟ قال: وإن زنى وإن سرق، فقال: وإن زنى وإن سرق؟ قال: وإن زنى وإن سرق، ثم قال الثالثة: وإن زنى وإن سرق يا رسول الله؟! قال: وإن زنى وإن سرق، وإن رغم أنف أبي ذر). فهذه دلالة واضحة على أن أهل الكبائر والمعاصي يدخلون الجنة، ولا يسمعون حسيس النار من أول وهلة. إذاً: فالخوارج والمرجئة طرفان متضادان: الطرف الأول: الخوارج والمعتزلة الذين يقولون: إن أهل المعاصي مخلدون في نار جهنم. والطرف الثاني: المرجئة الذين يقولون: إن أهل الكبائر وإن زنوا، وإن سرقوا، وإن فعلوا كل الكبائر فهم في الجنة من أول وهلة.

стр. 475

حكم أهل الكبائر عند أهل السنة، وأدلتهم ودائماً القول الوسط هو الذي يزن الأمور، وهو قول أهل السنة والجماعة الذين معهم الحق فإنهم قالوا: لا نقول: إن صاحب الكبيرة يكون كافراً خارجاً من الملة، ولا نقول: إنه يكون مؤمناً كامل الإيمان، ولكن نقول: هو فاسق بكبيرته، مؤمن بأصل إيمانه. فننزع عنه الإيمان المطلق، أي: الإيمان الكامل، ونبقي له مطلق الإيمان، أي: أصل الإيمان.

стр. 476

أقسام الإيمان المطلق والإيمان المطلق ثلاثة أقسام: القسم الأول: الإيمان الواجب، وهو الإيمان الذي ينجي صاحبه من النار من أول وهلة، وصاحبه هو الذي أتى بالفرائض وانتهى عن المحرمات، كما في الحديث: (والله! لا أزيد على هذا ولا أنقص منه. فقال النبي ﷺ : أفلح إن صدق). القسم الثاني: الكمال المستحب. القسم الثالث: الإحسان.

стр. 477

حكم العاصي عند أهل السنة والجماعة أهل السنة والجماعة لا ينزعون عن العاصي مطلق الإيمان فيقولون: إنه كافر، ولا يطلقون عليه الإيمان المطلق، أي: الإيمان الكامل، بل يقولون: هو فاسق بكبيرته مؤمن بإيمانه. وأدلتهم على ذلك ما يلي: أولاً: حكمه في الدنيا: ننظر إليه بعينين: عين الشرع وعين القدر. فننظر إليه بعين القدر فنقول: الحمد لله الذي عافانا مما ابتلى به غيرنا، فعلنا لو كنا في موقفه لكنا فساقاً مثله، ولكن الله عصمنا من ذلك. ثم ننظر إليه بعين الشرع، فنبغضه ونبغض فعله ونهجره لعله يرجع، وننصحه في الله، ونأمره بالمعروف وننهاه عن المنكر. فهذا هو حكمه في الدنيا. أما حكمه في الآخرة عند أهل السنة والجماعة فإنهم يقولون: هو تحت المشيئة، إن شاء الله عذبه على سيئاته، ثم بعد ذلك يدخله الجنة، كما في حديث الشفاعة عنه ﷺ ، أنهم يصيرون حمماً بعدما يعذبون من الكبائر التي اقترفوها، أو يدخله الله الجنة من أول وهلة ويغفر له، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨]. قالوا: والأدلة على ذلك كثيرة، منها: أولاً: أن الله جل وعلا بين أن الذي لا يشرك به مآله إلى الجنة، فقال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨]، وفي الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال: (من قال: لا إله إلا الله خالصاً من قلبه دخل الجنة)، وفي رواية: (من قال: لا إله إلا الله، مستيقناً بها قلبه دخل الجنة). وفي الصحيحين عن معاذ ﵁ قال: (كنت رديف النبي ﷺ ، فقال: يا معاذ! أتدري ما حق الله على العباد، وما حق العباد على الله؟ حق الله على العباد: أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً. وحق العباد على الله: أن لا يعذب من لا يشرك به شيئاً). فالشاهد فيه: أن الذي لا يشرك بالله شيئاً لا يعذبه الله، أي: يدخله الجنة. ويستدلون أيضاً بالأحاديث التي يستدل بها المرجئة. إذاً: فالدليل الأول عند أهل السنة الجماعة: أن الله بين أن الذي لا يشرك به شيئاً مآله إلى الجنة، وإذا كان مآله إلى الجنة فهو ليس بكافر؛ لأن الكافر مخلد في النار. ثانياً: إن الله أطلق اسم الإيمان على الذي اقترف المعاصي، فسماه مؤمناً، كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ [الحجرات:٩]، والقتال من أشد الكبائر، ومع ذلك سماهم مؤمنين. ولذلك صح عن النبي ﷺ أنه قال: (إن ابني هذا سيد -أي: الحسن - وسيصلح الله به بين فئتين عظيمتين من المسلمين). فسماهما: مسلمين. والطائفة الأولى: هي طائفة علي بن أبي طالب ﵁ وأرضاه ومن معه، والطائفة الثانية هي طائفة معاوية ﵁ وأرضاه ومن معه. فلم ينف عنهم اسم الإيمان، وأيضاً أهل الكبائر سماهم مؤمنين، وإذا سماهم مؤمنين فقد نفى عنهم اسم الكفر. ثالثاً: أن كل من اقترف كبيرة فأقيم عليه الحد فإن الحد كفارة له، وذلك كما في قصة الغامدية، فإنه لما ضربها خالد بالحجر فانتثر الدم عليه فقال: لعنة الله عليك، قال له رسول الله ﷺ : (لا تسبها، -أي: لا تلعنها- إنها تابت توبة لو تابها صاحب مكس لقبلت منه)، وفي الرواية الأخرى: (لو وزعت على أهل المدينة لوسعتهم)، فسمى هذا الحد توبة. وفي الطبراني والنسائي حديث صريح في ذلك: وهو قول رسول الله ﷺ : (الرجم كفارة لما صنعت). وفي حديث عبادة في الصحيحين أن النبي ﷺ قال: (بايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئاً)، وقال في نهاية الحديث: (فمن اقترف ذلك فأقيم عليه الحد فمن عوقب به فهو كفارة له). إذاً: فالحد كفارة، وإذا كان لهم كفارة فليس بكفر. وكذلك قوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّه﴾ [المائدة:٣٨]، ثم بعد ذلك بين أن الله غفور رحيم. ومن الأدلة أيضاً: إجماع السلف، فقد أجمعوا على أن من أقيم عليه الحد فإنه لا يسأل عنه يوم القيامة. رابعاً: أن بعض الأدلة جاءت وأثبتت أن أهل الكبائر يدخلون النار ثم بعد ذلك يخرجون منها، يعني: لا يخلدون في نار جهنم. وأصرح ما يكون من هذه الأدلة حديث الشفاعة، فعندما يشفع الله المؤمنين في إخوانهم فيقولون: ربنا إخواننا يصلون معنا، ويزكون معنا، ويحجون معنا. فالله جل وعلا يشفعهم فيهم، فيذهبون فيخرجون من النار من يعرفونهم، ثم يشفع الله الملائكة، فيعرفون أهل الإسلام بعلامة الصلاة، أي: بمواضع السجود؛ لأن الله جل وعلا حرم على النار أن تأكل مواضع السجود. ثم بعد ذلك يقبض الرحمن قبضة فيخرج من كان في قلبه مثقال ذرة أو وزن شعيرة من خردل من إيمان. ففي هذا دلالة أيضاً على أن أهل الكبائر لا يخلدون في نار جهنم. خامساً: أن النبي ﷺ يشفع لأهل الكبائر، والشفاعة ممنوعة للكافرين، ولا تقبل عند الله بحال من الأحوال، فالكافر لا يُشفع فيه، إلا لـ أبي طالب استثناءً واحداً؛ كرامةً للنبي ﷺ ، وتسديداً لهذا الرجل الذي ذب عن النبي ﷺ . فالنبي ﷺ يشفع في أهل الكبائر حتى يدخلوا الجنة، ويخرجوا من النار. فهذه أدلة واضحة جلية تثبت أن أهل الكبائر في مشيئة الرحمن، إن شاء عذبهم ومآلهم إلى الجنة، وإن شاء غفر لهم، فدخلوا الجنة من أول وهلة. فأهل السنة والجماعة يقولون: إن أهل الكبائر ليسوا مخلدين في نار جهنم، بل هم تحت المشيئة.

стр. 478

رد أهل السنة والجماعة على المرجئة والمرجئة يستدلون بحديث: (من قال: لا إله إلا الله، دخل الجنة) فعندهم كل من قال: لا إله إلا الله فسيدخل الجنة من أول وهلة، ولا يعذب في حال من الأحوال. والرد عليهم أن نقول: إن هناك من المسلمين من سيدخلون النار لمعاصيهم حتى يصيروا حمماً، ثم بعد ذلك يلقون في نهر الحياة، ثم يدخلون الجنة. وهؤلاء هم الجهنميون الذين يدخلون الجنة بعد عذاب. وأيضاً قال النبي ﷺ عندما رأى الرجل يقاتل شجاعة وحمية وهم يقولون: هذا رجل يقاتل وينافح عن الدين والإسلام، وعن النبي ﷺ ، فقال: (هو في النار). وقال النبي ﷺ : (من قتل نفسه بحديدة عذب بها في نار جهنم، ومن تحسا سماً فهو يتحساه في قعر جهنم). وقال رسول الله ﷺ -كما في الصحيحين-: (من قتل نفسه بشيء عذب به يوم القيامة). ففي هذا النص الصريح أنه قتل نفسه، وهذه كبيرة، فالنبي ﷺ قال: (عذب به)، فإذاً: هو سوف يعذب به، ثم يدخل الجنة بقوله: لا إله إلا الله، إذا أتى بشروطها. إذاً: فحديث: (من قال: لا إله إلا الله، دخل الجنة)، له أدلة خصصته. وأما استدلالهم بقوله تعالى: ﴿فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى * لا يَصْلاهَا إِلَّا الأَشْقَى * الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾ [الليل:١٤ - ١٦] فنقول: النار في هذه الآية إما أن تكون ناراً خاصة، وهي نار الكفار التي هي دركات، والدرك الأسفل فيها للمنافقين، فيكون الأشقى هو الذي يصلى النار الكبرى، والنار في قوله تعالى: ﴿فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى * لا يَصْلاهَا إِلَّا الأَشْقَى﴾ [الليل:١٤ - ١٥] هي نار الكفار؛ لأن النار ناران: نار الموحدين، ونار الكفار، والمقصود في هذه الآية: نار الكفار، فتخرج بذلك نار الموحدين التي يعذبون فيها ثم يلقون في نهر الحياة. ووجه ثانٍ من الرد عليهم أن يقال: قوله تعالى: ((فأنذرتكم ناراً تلظى * لا يصلاها إلا الأشقى)) الصلي صليان: صلي بخلود، وصلي حتى الموت. فالصلي بخلود يكون للكافر، والصلي حتى الموت يكون للمسلم؛ بقرينة قول النبي ﷺ : (حتى يصيروا حمماً، ثم يلقون في نهر الحياة) أما نار الكافر فلا يموت فيها ولا يحيا، كما قال الله تعالى: ﴿لا يَمُوتُ فِيهَا وَلا يَحْيَا﴾ [الأعلى:١٣]. أما أهل التوحيد فيموتون في النار؛ لأن النبي ﷺ قال: (حتى يصيروا حمماً)، إلا شيئاً واحداً لا تأكله النار، وهو أثر السجود. وهؤلاء الجهنميون يموتون، ثم يلقون في نهر الحياة بعد ذلك، ثم يدخلون الجنة.

стр. 479

رد أهل السنة والجماعة على الخوارج أما الخوارج فيستدلون بقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ [النساء:١٠]. وبقول النبي ﷺ : (دخلت النار امرأة في هرة حبستها، لا هي أطعمتها ولا تركتها تأكل من خشاش الأرض). وأيضاً: قال النبي ﷺ للرجل الذي قتل نفسه: (هو في النار). ونقول لهم: إن قوله تعالى: ((إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا)) على بابها، وهي محمولة على أنهم يستحلون أكل مال اليتامى، وقد حرمه الله، فيكون الاستحلال قد أخرجهم من الملة، وكفروا بهذا الاستحلال، فيمكثون في النار، وهذا له قرائن كثيرة وردت عن النبي ﷺ . وأيضاً نقول: إن النار ناران: نار الموحدين ونار الكفار، فهؤلاء سيصلون سعيراً، وهي نار الموحدين، فيبقون فيها قدر الكبيرة التي اقترفوها، ثم بعد ذلك ينتقلون إلى الجنة. نسأل الله ربنا أن يجمعنا جميعاً مع النبي ﷺ في الفردوس الأعلى من أول وهلة. وأما الرد عليهم في استدلالهم بالأحاديث: فنقول: إن الكفر كفران، كفر أكبر يخرج من الملة، ويخلد صاحبه في النار، وكفر أصغر لا يخلد صاحبه في النار. وهذا التقسيم من استقراء الأدلة الواردة عن النبي ﷺ ، فقد قال ﷺ : (لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض). وهذه الأدلة ونحوها الأصل أنها على بابها، فتكون كفراً أكبر، إلا أن تأتي قرينة تبين أنه ليس المقصود بها الكفر الأكبر. ففي قوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ [الحجرات:٩] سماهما مؤمنين. فإذاً هذه طائفة مؤمنة، وهذه طائفة مؤمنة، مع أنهم يتقاتلون. فيكون الكفر الذي عناه النبي ﷺ بقوله: (لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض)، ليس المقصود به الكفر الأكبر، وإنما المقصود به كفر آخر، وهو الكفر الأصغر. وكذلك نقول في قول النبي ﷺ : (سباب المسلم فسوق وقتاله كفر). أما الدليل الآخر الذي استدلوا به: وهو قوله ﷺ : (خصلتان هما بهم كفر: النياحة على الميت والفخر بالأحساب)، فإن النياحة على الميت كفر من هذا الباب، أي: كفر أصغر؛ لأنه قد جاء عن النبي ﷺ ، أن المرأة التي تنوح تأتي يوم القيامة وعليها سربال من قطران تعذب به في عرصات يوم القيامة، ثم ترى سبيلها إما إلى النار وإما إلى الجنة. والكافر مآله إلى الخلود في النار، وهذه المرأة إذا كانت ترى سبيلها إما إلى الجنة وإما إلى النار فهي ليست بكافرة. إذاً: ليس المراد في هذا الدليل بالكفر الكفر الأكبر. وأما الصنف الثالث من أدلتهم: وهو البراءة من الفاعل، مستدلين بقوله ﷺ : (من غشنا فليس منا) بقوله ﷺ : (برئت الذمة ممن جلس بين أظهر المشركين). فنقول: إن البراءة براءتان: البراءة الأولى: براءة من الشخص كليةً، وبراءة من العمل. فإذا كانت البراءة من الشخص كليةً فمعنى ذلك أن هذا الرجل كافر خارج من الملة، ولا بد أن نتبرأ منه، فلا نجالسه، ولا نواليه، والدليل على ذلك قول الله تعالى: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِم﴾ [الممتحنة:٤]، أي: الكفار ﴿إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ﴾ [الممتحنة:٤]. فهذه براءة من الشخص كلية، ومن كل أفعاله؛ لأن كل أفعاله كفر فخرج بها من الإسلام، وأحاط الكفر به من كل جانب. والبراءة الثانية: براءة من العمل، يعني: أن هذا العمل يشابه عمل الكفار، ففيه شبه من الكفار، ولكن الشخص كله ليس بكافر. والدليل على ذلك أولاً: قوله تعالى: ﴿فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [الشعراء:٢١٦]. فتبرأ من عملهم، فالبراءة من العمل لا تخرج صاحبها من الملة، لكن البراءة من الشخص كلية تخرجه من الملة. ثانياً: لما جاء خالد بن الوليد ﵁ قوماً فقالوا: صبأنا صبأنا ولم يستطيعوا أن يقولوا: أسلمنا أسلمنا، فقتلهم، فلما بلغ ذلك النبي ﷺ قال: (اللهم إني أبرأ إليك مما فعل خالد). ولم يقل: من خالداً، ولم يكفر خالد ﵁ وأرضاه، بل هو سيف الله المسلول، وأسد من أسد الله. إذاً: تبرأ النبي ﷺ من فعل خالد فتبين بهذا أن البراءة براءتان، وأن المقصود بها في حديث: (أنا بريء ممن جلس بين أظهر المشركين) البراءة من العمل والفعل، لا البراءة من الدين. أو أن المقصود: البراءة مما هو عليه من كفر. قال الإمام الشافعي ﵀: الإيمان قول وعمل ونية، ولا يجزي واحد من الثلاثة إلا بالآخر، بمعنى: أنه لو قال دون أن يعمل فليس بمؤمن، ولو عمل دون أن يقول فليس بمؤمن، ولو لم يكن هناك نية -وهي: الاعتقاد الصحيح في القلب- فليس بمؤمن. يقول الإمام البخاري: الإيمان قول وعمل، ولم أكتب عمن قال: الإيمان قول فقط.

стр. 480

بيان أن الإيمان يزيد وينقص قال تعالى حاكياً عن إبراهيم: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة:٢٦٠]. فهو عنده علم اليقين، ولكنه يريد أن يرى الطير المذبوح يطير أمامه، فهو يريد أن يصل إلى عين اليقين. فهذه دلالة على أن الإيمان يزيد. فأول المراتب: علم اليقين، ثم حق اليقين، ثم عين اليقين. فأنت الآن تعلم الجنة، وهذا علم يقين، وفي عرصات يوم القيامة ستعرف أنها حق اليقين، وبعد أن تدخلها -إن شاء الله- ستعرف أنها عين اليقين. فهذه هي الزيادة. وما كان دليلاً على الزيادة فهو دليل على النقصان. ومما يستدل به على أن الإيمان يزيد وينقص حديث أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ قال: (يدخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار. فيقول الله : أخرجوا من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان، فيخرجون منها قد اسودوا، فيلقون في نهر الحياة، فينبتون كما تنبت الحبة في حميل السيل، ألم تر أنها تخرج صفراء ملتوية؟). فهذا دليل على أنه ينقص الإيمان حتى يصل إلى مثقال حبة أو ذرة أو خردلة من إيمان. وأيضاً روي عن أنس ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: (يخرج من النار من كان في قلبه من الخير ما يزن شعيرة). وهذا دليل عن أن الإيمان ينقص، ويدل بالإشارة على الكمال. وأيضاً: روي عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: (أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خلقاً، وخياركم خياركم لنسائهم). وهذا دليل على زيادة الإيمان. وروى المؤلف أيضاً عن النبي ﷺ أنه قال: (من أحب لله، وأبغض لله، ومنع لله فقد استكمل الإيمان). وهذا دليل على زيادة الإيمان. وأيضاً روى المؤلف بإسناده عن أبي سعيد ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: (بينما أنا نائم رأيت الناس يعرضون وعليهم قمص، منها ما يبلغ الثدي، ومنها ما يبلغ دون ذلك، إذ عرض علي عمر ﵁ وأرضاه- وعليه قميص يجره، قالوا: فما أولته يا رسول الله؟! قال: الدين). وهذا دليل على الزيادة والنقصان. ووجه الدلالة من الحديث: أن الدين قد يبلغ إلى الثدي، وقد ينزل إلى الحقو، وقد ينزل إلى الركبة. نسأل الله أن يجعلنا ممن يجر ثيابه إيماناً، كحال عمر ﵁ وأرضاه. وأيضاً: قال النبي ﷺ : (ما رأيت من ناقصات عقل ودين أغلب لذي لب منكن) وهذا دليل على أن الإيمان ينقص.

стр. 481

شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة - أصول اعتقاد المرجئة من الفرق المخالفة لمنهج السلف في الاعتقاد المرجئة، فقد خالفوا أهل السنة في مسمى الإيمان، وقالوا بعدم زيادة الإيمان، وقد رد علماء السنة عليهم، وبينوا ضلالهم، وهم أصناف، فمنهم الغلاة، ومنهم مرجئة الفقهاء.

стр. 482

حقيقة الإيمان عند القدرية والمرجئة إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. ما زلنا في الكلام على المرجئة، وقد ذيل الإمام العلامة اللالكائي الكلام على منهج المرجئة وأصول اعتقادهم، وبما روي في تضليل المرجئة، ثم بعد ذلك نوه بنسقه العجيب على معتقد الخوارج والمعتزلة في الكلام على الكبائر وتقسيمها. كما سنبين أن الذنوب تنقسم إلى كبائر وصغائر، واختلاف العلماء في ذلك، وبيان أكبر الكبائر والتقسيم التأصيلي في ذلك بما يمس العقيدة. لقد روى اللالكائي بسنده -وإن كان هذا السند الذي رواه فيه ضعف- عن رسول الله ﷺ أنه قال: (صنفان من أمتي ليس لهما في الإسلام نصيب: القدرية والمرجئة)، والقدرية هم عكس الجبرية. فالقدرية ينفون القدر ويقولون: إن الأمر أنف، يعني: أنه لم يسبق به القلم، بل إن الله جل وعلا لا يعلم الأمر مما يعمله العباد إلا بعد عملهم له. وأيضاً روى في هذا الكتاب العظيم حديث: (صنفان من أمتي كلاهما في النار: قوم يقولون: إنما الإيمان كلام وإن زنى وإن سرق، وآخرون يقولون: إن أولينا كانوا ضلالاً، يقولون: خمس صلوات في اليوم والليلة وإنما هما صلاتان). الإيمان عند المرجئة هو الكلام، فإذا قال المرء: لا إله إلا الله أصبح مؤمناً كامل الإيمان. وفي رواية عن سفيان الثوري عن ابن عباس قال: اتقوا الإرجاء فإنه شعبة من النصرانية.

стр. 483

حقيقة الخلاف في الإيمان بين مرجئة الفقهاء وبين أهل السنة لقد بينا بالتفصيل الإرجاء، وبينا أن أخف طوائف المرجئة هم مرجئة الفقهاء، الذين هم الأحناف، وقلنا: إن بين مرجئة الفقهاء وبين أهل السنة والجماعة خلافاً لفظياً وخلافاً حقيقياً.

стр. 484

صور من الخلاف الحقيقي بين مرجئة الفقهاء وبين أهل السنة في الإيمان لقد صرح شيخ الإسلام ابن تيمية بأن الخلاف بين أهل السنة والجماعة وبين مرجئة الفقهاء خلاف لفظي، يعني: صوري، بحيث إذا نظرت إلى المعنى والحقيقة وجدت الاتفاق بين أهل السنة والجماعة وبينهم. لكن هناك خلاف حقيقي، فمثلاً: أهل السنة والجماعة يقولون: الإيمان يزيد وينقص، والمرجئة يقولون: الإيمان شيء واحد لا يتجزأ ولا يتبعض فلا يزيد ولا ينقص، لكن في الحقيقة هم يقرون بالتفاوت بين أهل الإسلام، فمنهم من يكون في الفردوس الأعلى، ومنهم من يكون في أنزل درجة، ولا شك أن الذين في الفردوس الأعلى هم أعلى إيماناً من الذين هم في أنزل درجة، فتكون النتيجة واحدة، وهي أن الإيمان يتفاوت بين الناس. كذلك المرجئة يقولون: مرتكب الكبيرة، مستحق للوعيد، وأهل السنة والجماعة يقولون: هو فاسق بكبيرته، وهو داخل تحت مشيئة الله جل وعلا إن شاء عذبه وإن شاء غفر له، فالخلاف هنا حقيقي؛ لأن المرجئة يجعلون أصل الإيمان واحد، وليس هذا بصحيح، بل هناك تفاوت في أصل الإيمان، فأصل الإيمان عند إبراهيم ﵇ غير آحاد آمته. أيضاً: المرجئة حصروا الكفر في التكذيب والاستحلال، فعندهم إذا أتى إنسان بمكفر، فإنه لا يكفر إلا إذا استحل بقلبه؛ لأن التكذيب والاعتقاد محله القلب، فقالوا: لو سجد لصنم، أو سب الله، أو سب الرسول ﷺ ، فليس بكافر حتى يستحل بقلبه. وقد قلنا: إن هذه الأعمال كفر مستقل، لكن المرجئة لا يقولون بأن الأعمال فيها كفر مستقل، وإنما يقولون: إن الأعمال علامة على الكفر القلبي، فأداروا مسألة الإيمان والكفر وقالوا: محلها القلب، ويقول: أهل السنة والجماعة محل الإيمان والكفر القلب واللسان والجوارح، فالإيمان في القلب الإقرار والتصديق، وهو قول القلب، وعمل القلب من توكل وخوف ورجاء، أيضاً الكفر فيه محله القلب، كالاستكبار، والإيذاء، والإعراض، وعدم الانقياد، والخوف من غير الله جل وعلا كالخوف منه سبحانه إلى آخر هذه. والإيمان محله الجوارح، كالصلاة والصيام والحج والصدقة، كذلك الكفر محله الجوارح، فمن صلى لغير الله جل وعلا فقد كفر، وكذا من سجد لصنم. أيضاً اللسان، فمحل الإيمان فيه بالنطق بكلمه بالتوحيد: لا إله إلا الله، والكفر بالنطق بكلمة الكفر، إلا المكره، كما قال تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ﴾ [النحل:١٠٦].

стр. 485

أقوال بعض العلماء في المرجئة قال إبراهيم النخعي: تركت المرجئة الدين أرق من ثوب سابري، يعني: الدين عندهم رقيق لدرجة أنه عري. أما سعيد بن جبير فقد أغلظ فيهم القول وقال: المرجئة يهود القبلة.

стр. 486

رأي علماء الإسلام في أبي حنيفة وما نسب إليه ثم بعد ذلك أتى بباب كامل في الكلام على أبي حنيفة، وأبو حنيفة هو الإمام العلم الذي اتبع الناس مذهبه، وكان علماً من أعلام الأمة، حتى قال فيه الشافعي: الفقهاء عيال على أبي حنيفة. وكان من الزهاد العباد، ومن العلماء الذين ظهر فيهم الرأي أكثر من الأثر، وهذا له أسبابه؛ وذلك لأن أبا حنيفة كان في العراق، والتشيع كان موجوداً في العراق وفي بلاد فارس، فكان الشيعة الرافضة يختلقون الأحاديث في فضائل علي، ويختلقون الأحاديث في ذم معاوية، فكان أبو حنيفة ﵀ ورضي الله عنه ينأى بنفسه أن يأخذ حديثاً من عراقي، حتى قال: لا تأخذ حديثاً من عراقي، وأيضاً كانت بلاد فارس تدخل على العراق؛ لأن الحدود والتخوم كلها متقاربة، فكانت المسائل تستجد على أبي حنيفة فلا يجد أثراً، والعلماء الجهابذة النقاد الذين يخوضون في الأدلة، عندما تستجد عليهم مستجدات، فإنهم ينظرون في الدليل، ثم يقيسون عليه. ويقول الإمام مالك في أبي حنيفة في مجلس التحديث في المدينة: لو ناظرني أبو حنيفة على أن هذا الجدار، ذهب لأقنعني به، وهذا من رجاحة عقل أبي حنيفة وقوته، فكانت الأئمة تثني الثناء الحسن على أبي حنيفة، لكن أخذ عليه كثيراً في مذهبه أنه لم يكن يتبع الأثر ويقدم الرأي عليه، وقلنا: إن العلة في ذلك: أنه لم يكن يأخذ أحاديث العراقيين، وأيضاً أبو حنيفة لم يكن محدثاً ولا راوياً، فضعفه بعض العلماء في مسألة النقل والرواية، أما الكلام الذي نقل عنه في هذا الكتاب فضربت عنه صفحاً؛ لأن فيه أن أبا حنيفة استتيب، وفيه أن أبا حنيفة كان مرجئاً؛ وكان يقول للزاني: أنت مؤمن، فإن قال له الزاني: أنت الذي تقول أني مؤمن، قال أبو حنيفة؛ أنا أخطأت حين قلت لك: إنك مؤمن، إلى آخر هذه الحكايات التي رويت في كتاب تاريخ بغداد للخطيب وغيره. لكن نقول: هذه الحكايات كلها لم تثبت عنه ولم نر سنداًً صحيحاً بذلك، بل لو ثبتت لقام هؤلاء الأعلام المشاهير كـ الشافعي ومالك وأحمد بذم أبي حنيفة ولبينوا عواره. وهناك دلالة بينة واضحة على براءة أبي حنيفة من مثل هذه الحكايات وذلك أن الله جل وعلا كتب لمذهبه القبول، فكل الأعاجم يأخذون بمذهب أبي حنيفة، وسمعت أن أهل أفغانستان يكادون يقتتلون لو أن واحداً خالف مذهب أبي حنيفة، ومعلوم أن الله إذا أحب عبداً نادى في السماء: (أن يا جبريل إني أحب فلاناًَ فأحبه فيحبه جبريل، ثم ينادي جبريل في أهل السماء: إن الله يحب فلاناً فأحبوه فيحبونه، ثم يكتب له القبول في الأرض)، وقد كتب الله القبول لهذا العلم العالم الجهبذ في الأرض، فنضرب صفحاً عن هذا الكلام الذي نقل عنه. أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.

стр. 487

شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة - كبائر الذنوب الذنوب تنقسم إلى: صغائر وكبائر، ومن رحمة الله بعباده أن جعل الحسنات يذهبن السيئات، وبما أن الإنسان معرض للذنوب فحري به أن يكثر من فعل الطاعات؛ حتى تكفر عنه المعاصي والسيئات، وقد حذر الشرع من الوقوع في الذنوب وخاصة الكبائر منها، وأعظم الذنوب وأكبرها الشرك بالله، فعلى المرء أن يجتنب الذنوب صغيرها وكبيرها.

стр. 488

حقيقة الذنوب وتفاوتها وأقسامها إن الحمد لله؛ نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. ثم أما بعد: من بديع نسق المصنف ﵀ أنه تكلم عن الذنوب ليلمح بذلك إلى مذهب المعتزلة والخوارج وحكم مرتكب الكبيرة الذي فصلنا فيه القول سابقاً. أقول مستعيناً بالله اختلف العلماء في الذنوب على قولين. القول الأول: أن الذنوب صنف واحد كلها كبائر، وهؤلاء يلحظون عظمة الله جل وعلا، كما قال بعض السلف، لا تنظر إلى صغر المعصية، ولكن انظر إلى عظمة من عصيت. القول الثاني: قول الجمهور وهو الحق، ويقولون: إن الذنوب تنقسم إلى قسمين: كبائر، وصغائر، وقول الجمهور صحيح؛ لأن الأثر والنظر يدلان على ذلك. أما الأثر: فقد صرح الله جل وعلا في كتابه فقال: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ [النساء:٣١]، وهذا تنصيص يفهم منه: أن هناك ذنوباً دون الكبائر وهي الصغائر. وأيضاً قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ﴾ [النجم:٣٢]، وقال أبو هريرة: (اللمم) القبلة وهي فوق النظرة، فإذا الكبائر فوق والقبلة؛ لأن أبا هريرة ﵁ وأرضاه أعد القبلة من الصغائر. وأيضاً حديث النبي ﷺ : (ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ وفي رواية: ألا أنبئكم بالكبائر؟ الإشراك بالله، وعقوق الوالدين)، فهذا تنصيص من النبي ﷺ على الكبائر، فدل ذلك على أن هناك ما هو دون الكبائر. أما النظر: فمعروف أن هناك تخصيصاً بين الكبائر وبين الصغائر؛ لأن الشريعة السمحاء، لم تفرق بين المتماثلين ولكنها فرقت بين المختلفين. قال الله تعالى: ﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ﴾ [ص:٢٨]، فالله جل وعلا يفرق بين المفترقين، وهنا لم تسور الشريعة بين الذي قبل أو فاخذ وبين الذي وطأ وزني، فالزنا فيه الحد وليس في التقبيل والمفاخذة الحد؛ لأنه جاء في الحديث: (أن رجلاً قبل امرأة، فجاء إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله! أقم علي الحد فسكت النبي ﷺ ساعة حتى أقيمت الصلاة وصلى معه، ثم قال: أين السائل؟ فقال: أنا يا رسول الله! قال: أصليت معنا؟ قال: نعم، قال: قد غفر الله لك، ثم قرأ قول الله تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفِيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود:١١٤]) فالرسول ﷺ لم يقم الحد على هذا الرجل الذي قبل؛ لأن القبلة لا تساوي الوطء، بل السب لا يساوي الغيبة والنميمة، كذلك إن رضي في أهله بعض الخبث دون الزنا لا يكون كالديوث؛ لأن الديوث لا يدخل الجنة. فهذه دلالة بالنظر على أن الفريقين المختلفين لا يستويان، فهذا من النظر الذي يدل على تفصيل الذنوب وتقسيمها إلى كبائر وصغائر.

стр. 489

بعض الأحاديث التي ذكر فيها أمهات الكبائر لقد جمع النبي ﷺ وأمهات الكبائر في خمسة أو ستة أحاديث منها: ما جاء في الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ وأرضاه قال: قال رسول الله ﷺ : (اجتنبوا السبع الموبقات، قالوا: يا رسول الله! وما هن؟ فقال: الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات)، فهذه سبع من الموبقات المهلكات كما سنبينها إن شاء الله بالتفصيل. ومنها: ما في الصحيحين أيضاً عن ابن مسعود ﵁ وأرضاه، قال: (سألت رسول الله ﷺ : أي الذنب أعظم؟ فقال رسول الله ﷺ : أن تجعل لله نداً وهو خلقك، قلت: ثم أي؟ فقال رسول الله ﷺ : أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك، قلت: ثم أي؟ فقال الرسول ﷺ : أن تزاني بحليلة جارك). ومنها أيضاً: ما في الصحيح عن ابن عمر أن النبي ﷺ قال: (ألا أنبئكم بالكبائر: الإشراك بالله، وعقوق الوالدين) ومنها أيضاً: ما في الصحيحين: (أن النبي ﷺ سئل أو ذكر عنده الكبائر، فقال: الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، وكان متكئاً فجلس ثم قال: ألا وقول الزور ألا وشهادة الزور، فقال الصحابي: ما زال يكررها حتى قلنا: ليته سكت). فهذه مجموعة من الأحاديث جمعت أمهات الكبائر.

стр. 490

أقوال العلماء في حد الكبائر وضبطها وعددها لقد اختلف العلماء في حد الكبائر وضبطها وكم هي، فقال ابن مسعود هي أربع، وسنده الحديث الذي رواه عن النبي ﷺ أنه قال: (قلت: أي الذنب أعظم؟ قال: أن تجعل لله نداً وهو خلقك). وسئل ابن عمر عن الكبائر فقال: هي سبع، وسنده في ذلك الحديث الذي رواه أبو هريرة: (اجتنبوا السبع الموبقات) فلما روي إلى حبر الأمة ابن عباس: أن ابن عمر قال: هي سبع قال: هي إلى السبعين أقرب منها إلى السبع، فبين أنها كثيرة. ونقول: الحد الذي حده ابن عباس كان حداً واضحاً فقال: كل ما أوجب الله على عمل من نار فهو كبير، وهذا حد قاطع، يعني: كل شيء أوجب الله النار على من فعله فهو من الكبائر. وقال سعيد بن جبير: من حد على عمل فهو من الكبائر. ثم إن شيخ الإسلام جمع هذه الأقوال وقال: كل لعن في عمل فهو من الكبيرة، وكل ما أوجب حداً فهو كبيرة، وكل ما جاء النص بالويل والثبور والعذاب في الآخرة فهو من الكبائر. يعني: إذا قال النبي ﷺ : لعن الله كذا، فهذا الفعل من الكبائر، ويدخل في ذلك أمر يستخف به الناس، وهو الاستنزاه من البول، فعدم الاستنزاه أو عدم الاستتار من البول من الكبائر، فقد جاء في الحديث عن ابن عباس (أن النبي ﷺ مر بقبرين يعذبان، فقال: إنهما يعذبان وما يعذبان في كبير ثم قال: بلى بل هو كبير، أما الأول فكان لا يستنزه من بوله)، فويل لمن لا يحسن الاستنجاء ويل له؛ لأنه قد فعل كبيرة، وفي رواية أخرى قال: (لا يستتر من بوله)، فويل ثم ويل لمن يتكشف ولا يستر عورته؛ فإن كشف العورات فيها العذاب في القبر، بل عامة عذاب القبر من عدم الاستنزاه من البول. وأيضاً: الغيبة والنميمة هما من الكبائر. وأيضاً: التخلي في الطرق في الأماكن، أو المثمرة -أي: التي فيها شجر أو هي ظل للناس- ببول أو غائط من الكبائر؛ لأن النبي ﷺ قال: (اتقوا اللعانين، قالوا: يا رسول الله! ما اللاعنان؟ فقال النبي ﷺ : الذي يتخلى في طريق الناس، أو ظلهم). الغرض المقصود: أن ما فيه لعن أو أوجب حداً أو كان فيه عذاب في الآخرة، فهو كبيرة من الكبائر. س

стр. 491

تفسير النبي ﷺ لأكبر الكبائر إن أكبر الكبائر هو الشرك بالله، والشرك أولى التفسير به ما فسره النبي ﷺ حيث قال فيه: (أن تجعل لله نداً وهو خلقك)، أي: تجعل لله نداً في الأسماء والصفات، وتجعل له نداًُ في الربوبية، وتجعل له نداً في الإلهية كما سنبين.

стр. 492

أقسام الشرك والشرك قسمان: شرك أكبر، وشرك أصغر.

стр. 493

حقيقة الشرك الأصغر ومعناه الشرك الأصغر: هو شرك الإرادات والنيات، كأن يقوم المرء يريد أن يصلي فيرى نظر الناس إليه فيحسن من صلاته، فيطيل في القيام وفي الركوع وفي السجود؛ لنظر الناس أو لمقامهم منه، فهذا شرك النيات والإرادات. وقد ورد عن بعض السلف: أن رجلاً دخل المسجد يصلي فأطال القيام وأحسن الركوع والسجود، فكان الناس ينظرون إليه ويتعجبون ويقولون: ما أحسن صلاة هذا الرجل، لكنه كان مرائياً في صلاته؛ ولذلك فإنه بعدما جاء إليهم قال: وأنا كذلك صائم، فهذا يبين أنه كان يرائي في عمله، ولا يفعل ذلك لله جل وعلا، فهذا يحبط عمله، وهذا من الشرك الأصغر. قال ابن القيم: يسير الرياء شرك أصغر، ومفهوم المخالفة: أن كثير الرياء شرك أكبر، يعني: الرياء الذي يتمكن في القلب ويتولد عنه النفاق.

стр. 494

من صور الشرك الأصغر من صور الشرك الأصغر: المراءاة، فيتصدق ليقال: متصدق، ويعلم ليقال: معلم، ويجاهد ليقال: مجاهد، وهذا جزاؤه في الدنيا من جنس عمله، وفي الآخرة له الثبور والنار، إلا أن يغفر الله له. قال رسول الله ﷺ في الصحيح: (من راءى راءى الله به، ومن سمع سمع الله به)، نعوذ بالله من ذلك، وهذا الشرك خاف منه النبي ﷺ على أمته حيث قال: (أخوف ما أخاف عليكم الشرك الخفي، قالوا: يا رسول الله! وما الشرك الخفي؟ قال: الرياء)، فهو أخف من دبيب النمل.

стр. 495

حقيقة الشرك الأكبر وحكم مرتكبه في الدنيا والآخرة الشرك الأكبر هو أظلم الظلم، وأعظم الذنوب، وأكبر الكبائر، وما ذلك إلا لأن عقوبته في الدنيا وخيمة، وفي الآخرة أشد وأنكى. أما في الدنيا: فإن الذي يشرك بالله جل وعلا فهو حلال الدم، إن كان مسلماً فهو مرتد بذلك، فيستتاب ثلاثة أيام، وبعض العلماء يقولون: يقتل في وقتها دون استتابة؛ لظاهر حديث النبي ﷺ : (من بدل دينه فاقتلوه)، فهو حلال الدم في الدنيا. وإن كان مشركاً فهو مخير بين ثلاث: إما أن يسلم، وإما أن تضرب عليه الجزية ذليلاً صاغراً، وإما أن يقتل فيكون حلال الدم، قال رسول الله ﷺ : (أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله) فهو مخذول في الدنيا. أما المشرك في الآخرة فلا يغفر له، وإنما يخلد في نار جهنم، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨]. وأيضاً: فإنه حرام عليه الجنة، فلا يمكن أن يشم رائحتها، ولا يدخلها بحال من الأحوال، كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ﴾ [المائدة:٧٢]، إذاً: فله عقوبة في الدنيا وعقوبة في الآخرة، وكذا من وقع في الشرك الأكبر، الذي هو أعظم الذنوب وأكبر الكبائر.
следующие страницы →