Полный текст (838 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.
стр. 491
تفسير النبي ﷺ لأكبر الكبائر
إن أكبر الكبائر هو الشرك بالله، والشرك أولى التفسير به ما فسره النبي ﷺ حيث قال فيه: (أن تجعل لله نداً وهو خلقك)، أي: تجعل لله نداً في الأسماء والصفات، وتجعل له نداًُ في الربوبية، وتجعل له نداً في الإلهية كما سنبين.
стр. 492
أقسام الشرك
والشرك قسمان: شرك أكبر، وشرك أصغر.
стр. 493
حقيقة الشرك الأصغر ومعناه
الشرك الأصغر: هو شرك الإرادات والنيات، كأن يقوم المرء يريد أن يصلي فيرى نظر الناس إليه فيحسن من صلاته، فيطيل في القيام وفي الركوع وفي السجود؛ لنظر الناس أو لمقامهم منه، فهذا شرك النيات والإرادات.
وقد ورد عن بعض السلف: أن رجلاً دخل المسجد يصلي فأطال القيام وأحسن الركوع والسجود، فكان الناس ينظرون إليه ويتعجبون ويقولون: ما أحسن صلاة هذا الرجل، لكنه كان مرائياً في صلاته؛ ولذلك فإنه بعدما جاء إليهم قال: وأنا كذلك صائم، فهذا يبين أنه كان يرائي في عمله، ولا يفعل ذلك لله جل وعلا، فهذا يحبط عمله، وهذا من الشرك الأصغر.
قال ابن القيم: يسير الرياء شرك أصغر، ومفهوم المخالفة: أن كثير الرياء شرك أكبر، يعني: الرياء الذي يتمكن في القلب ويتولد عنه النفاق.
стр. 494
من صور الشرك الأصغر
من صور الشرك الأصغر: المراءاة، فيتصدق ليقال: متصدق، ويعلم ليقال: معلم، ويجاهد ليقال: مجاهد، وهذا جزاؤه في الدنيا من جنس عمله، وفي الآخرة له الثبور والنار، إلا أن يغفر الله له.
قال رسول الله ﷺ في الصحيح: (من راءى راءى الله به، ومن سمع سمع الله به)، نعوذ بالله من ذلك، وهذا الشرك خاف منه النبي ﷺ على أمته حيث قال: (أخوف ما أخاف عليكم الشرك الخفي، قالوا: يا رسول الله! وما الشرك الخفي؟ قال: الرياء)، فهو أخف من دبيب النمل.
стр. 495
حقيقة الشرك الأكبر وحكم مرتكبه في الدنيا والآخرة
الشرك الأكبر هو أظلم الظلم، وأعظم الذنوب، وأكبر الكبائر، وما ذلك إلا لأن عقوبته في الدنيا وخيمة، وفي الآخرة أشد وأنكى.
أما في الدنيا: فإن الذي يشرك بالله جل وعلا فهو حلال الدم، إن كان مسلماً فهو مرتد بذلك، فيستتاب ثلاثة أيام، وبعض العلماء يقولون: يقتل في وقتها دون استتابة؛ لظاهر حديث النبي ﷺ : (من بدل دينه فاقتلوه)، فهو حلال الدم في الدنيا.
وإن كان مشركاً فهو مخير بين ثلاث: إما أن يسلم، وإما أن تضرب عليه الجزية ذليلاً صاغراً، وإما أن يقتل فيكون حلال الدم، قال رسول الله ﷺ : (أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله) فهو مخذول في الدنيا.
أما المشرك في الآخرة فلا يغفر له، وإنما يخلد في نار جهنم، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨].
وأيضاً: فإنه حرام عليه الجنة، فلا يمكن أن يشم رائحتها، ولا يدخلها بحال من الأحوال، كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ﴾ [المائدة:٧٢]، إذاً: فله عقوبة في الدنيا وعقوبة في الآخرة، وكذا من وقع في الشرك الأكبر، الذي هو أعظم الذنوب وأكبر الكبائر.
стр. 496
أنواع الشرك
أنواع الشرك: شرك في الأسماء والصفات، وشرك في الربوبية، وشرك في الإلهية.
стр. 497
الشرك في الربوبية وذكر بعض صوره
الشرك في الربوبية: أن تجعل لله نداً وهو خلقك، ومعنى الرب: الخالق الرازق المدبر الآمر الناهي السيد المطاع، فهذه من لوازم الربوبية، فلا بد أن تعتقدها اعتقاداً جازماً، ولو خلا القلب من هذا الاعتقاد لوقع المرء في الشرك، فلا بد أن تعتقد بأن الله جل وعلا هو الذي يدبر الكون كله، قال تعالى: ﴿يُدَبِّرُ الأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ [السجدة:٥]، وتعتقد أن الله جل وعلا هو الخالق، قال تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الزمر:٦٢]، أن الله جل وعلا هو الرازق، قال تعالى: ﴿مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ * إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ [الذاريات:٥٧ - ٥٨]، وأن الله جل وعلا هو الآمر الناهي المشرع، قال الله تعالى: ﴿أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ﴾ [الأعراف:٥٤]، وهناك فرق بين الخلق فالأمر: هو التشريع من الله جل وعلا.
فمن صور الشرك التي دبت في هذه الأمة في الربوبية أن يصرف هذا الاعتقاد الذي هو لله جل وعلا لغيره سبحانه.
ومن صور الشرك في الربوبية: أن تعتقد بأن هناك خالقاً غير الله جل وعلا، كما اعتقدت الثنوية والمنوية أن للكون خالقين: خالقاً للظلمة، وخالقاً للنور، وهذا شرك في ربوبية الله جل وعلا، قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الرعد:١٦]، وقال : ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [لقمان:٢٥]، فهذه صورة من صور الشرك الربوبية.
ومن صور شرك الربوبية: ما يحدث من غلاة الصوفية، من اعتقادهم: أن في هذا الكون أقطاباً وأبدلاً يتحكمون فيه من دون الله جل وعلا، حيث يعتقدون أن هناك من يحرك الكون أو يجعل المطر ينزل من دون الله جل وعلا، وهذا شرك في الربوبية.
ومن صور شرك الربوبية أيضاً عند غلاة الصوفية: الاعتقاد في الأولياء، أي: بأنهم ينفعون أو يضرون، فتراهم يذهبون إلى البدوي أو عبد القادر الجيلاني أو الحسيني ويعتقدون فيه أنه ينفع ويضر، وأعظم من ذلك أنهم يعتقدون في رسول الله ﷺ بأنه ينفع ويضر، وأنه لم يمت حقيقة، مما جعلهم يقولون: إن في هذه الدنيا من يرى عياناً الرسول ﷺ ، وكأن لازم قولهم: أن الصحبة لا تنتهي إلى يوم القيامة، وهذا كلام بعيد جداً، لا يصدر إلا من لا علم له، بل فكره فكر المعتزلة المحضة، وسنبين ذلك مفصلاً.
الغرض المقصود: أنهم يعتقدون في غير الله ما لا يكون إلا لله وحده جل وعلا.
ومن صور الشرك في الربوبية أيضاً: الاعتقاد في النجوم السيارة أنها تتحكم في المطر أو في الأرزاق، وأن هذه النجوم تضر وتنفع أو تنزل المطر، فالاعتقاد المستلزم لهذا الطلب هو شرك في الربوبية.
ومن صور شرك الربوبية أيضاً: ما كان في المشركين الذين يتخذون الأحبار والرهبان أرباباً من دون الله، أي: من صور شرك الربوبية: أن يأمر أحداً وينهى خلاف أمر الله ونهيه، فيقدم هذا الأمر أو النهي على أمر الله أو نهيه فهذا شرك في الربوبية؛ لأن السيد المشرع والآمر والناهي هو الله جل وعلا.
جاء في الحديث: (دخل عدي بن حاتم على رسول الله ﷺ ، فقرأ رسول الله ﷺ : ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [التوبة:٣١]، فقام عدي منتفضاً فقال: يا رسول الله ما عبدناهم من دون الله -أي: ما سجدنا لهم ولا قربنا القرابين لهم- فقال الرسول ﷺ : أما حرموا عليكم الحلال فحرمتموه، وأحلوا لكم الحرام فأحللتموه؟ قال: نعم يا رسول الله، قال: تلك عبادتكم إياهم)، يعني: أن هؤلاء أحلوا الحرام وحرموا الحلال من دون الله، ونصبوا أنفسهم أرباباًًَ من دون الله، فتابعتموهم في ذلك، ومن اعتقد في غير الله أن له التشريع أو الأمر والنهي فقد وقع في شرك الربوبية.
стр. 498
الشرك في الأسماء والصفات وذكر بعض صوره
كلنا يعلم أن الأسماء الحسنى والصفات العلى والكمال المطلق والجلال المطلق هو لله جل وعلا.
فالشرك في الأسماء والصفات ضابطه: أن تشبه صفات الخالق بصفات المخلوق، هذا هو الضابط، وقال نعيم بن حماد من شبه الخالق بالمخلوق فقد كفر، فضابط ذلك: أن يشبه الاسم بالاسم أو الصفة بالصفة، كما قالت المشبهة: إن الله ينزل، إلى السماء الدنيا كما ينزل أحدنا من سريره إلى الأرض، أو ينزل أحدنا من الأعلى إلى الأسفل، تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً، فهذا شرك في أسماء الله جل وعلا، وشرك في صفاته جل وعلا.
كذلك يقولون: الله يضحك، وضحك الله كضحك البشر، فهذا شرك في صفات الله جل وعلا؛ لأنهم شبهوا صفات الله بصفات المخلوق.
كذلك يثبتون الله يداً لكن، يقولون: يد الله كيد المخلوق، لها أصابع، أنامل، وكذا، فيشبهون يد الخالق بيد المخلوق، وهذا شرك في صفات الله جل وعلا، وظاهره الكفر؛ لأنهم شبهوا الخالق بالمخلوق.
ومن الشرك في الأسماء أيضاً: أن يشتق للآلهة الباطلة أسماء من أسماء الله جل وعلا، كالذين اشتقوا اللات من اسم الله، أو الإله، واشتقوا العزى من اسم العزيز، واشتقوا مناة من المنان، فهذه من صور الشرك في أسماء الله جل وعلا.
ومن الشرك في أسماء الله وصفاته: التعطيل الكامل، أو التعطيل الجزئي، أما التعطيل الكامل: فهو نفي الاسم والصفة، وأما التعطيل الجزئي: فهو نفي الصفة دون الاسم، والتعطيل الكامل هو مذهب غلاة الجهمية الذين قالوا: لا سميع ولا سمع، ولا بصير ولا بصر، فهؤلاء شبهوا الله بالعدم، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: المعطل يبعد عدماً والمشبه يعبد صنماً.
وأما المعتزلة فقد نفوا الصفة لكن أثبتوا الاسم، وهذا نوع من الشرك في أسماء الله الحسنى وصفاته العلى.
стр. 499
الشرك في الإلهية وذكر بعض صوره
إن الشرك في الإلهية هو الذي أنزل الله من أجله الكتب، وأرسل من أجله الرسل، وهو الذي دب في الأمة، فكثير من المسلمين الآن مكتوب على بطاقته: مسلم، ولكنه مشرك بالله، ولا يدري أنه مشرك، وقد أشرك بالله في كثير من العبادات.
وضابط شرك الإلهية: أن كل عبادة ثبتت بالكتاب والسنة أنها لله، فصرفها لغير الله شرك.
من صور هذا الشرك المتفشي في الناس: السجود لغير الله جل وعلا، كسجود الأعاجم فارس والروم لملوكهم، وعظمائهم، ولذلك جاء في بعض الأحاديث: (أن معاذ بن جبل لما قدم من الشام ودخل على النبي ﷺ سجد له، فنهاه النبي ﷺ عن ذلك، فقال معاذ: رأيت فارس والروم يفعلون ذلك بملوكهم، وأنت أحق بالسجود منهم، فقال النبي ﷺ : لو كنت آمراً أحداً أن يسجد لأحد لأمرت الزوجة أن تسجد لزوجها) لعظم حق الزوج.
فالغرض المقصود أن السجود لغير الله، كالسجود للصنم أو السجود للمعظمين كما تفعل فارس والروم، من صور الشرك في العبادة، أو الشرك في الإلهية.
ومن صور الشرك في الإلهية: الطواف، بالقبور، فالطواف بقبر البدوي شرك أشهر من نار على علم، فهناك ممن ينتسب إلى الإسلام يطوفون بالقبور حقاً ليس خيالاً، ومنهم الذين يحجون إلى البدوي؛ لأنهم يعتقدون أن الحج إلى البدوي أولى بكثير من الحج إلى الكعبة، بستين حجة أو أكثر، فالطواف عبادة لله جل وعلا، والدليل على أنه عبادة قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج:٢٩]، والأمر، ظاهر الوجوب.
إذاً: فهذا الطواف عبادة، فصرفه لغير الله شرك.
وجاء أن الطواف من ذكر الله، وإذا كان الطواف من الذكر فهو عبادة، فإذا كان لغير الله كالطواف بقبر فهو من صور الشرك في الإلهية.
وهناك صورة من صور الشرك في الإلهية وهي منتشرة بين الناس: وهي المعالجة من مس الجن، فبسبب الجهل وقع المعالج والمعالج في الشرك، أما الذين يعالجون الناس فيقعون في الشرك وذلك بالاستعانة بالجن والاستعانة بغير الله شرك، وهذا يقع من المعالج.
أما المريض فيقع فيه الشرك؛ لأن كثيراً من المعالجين يقول له: الجني يأمرك أن تذبح فرخة حمراء في بيضاء في سوداء، طولها كذا، فهذا المريض يقوم بالذبح لغير الله تعالى، وهذا شرك؛ لأن الذبح لا يكون إلا لله جل وعلا، والذبح عبادة لله جل وعلا، والدليل قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ﴾ [الأنعام:١٦٢]، والنسك: هو الذبح، ويدل على ذلك قوله تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر:٢].
إذاً: فالذبح عبادة وصرفها لغير الله شرك.
هذا هو النوع الثالث من أنواع الشرك، أي: الشرك في الإلهية، وهو أكبر الكبائر، وهو لا يغفر في الآخرة، وحكم مرتكبه: الدخول في نار جهنم خالداً مخلداً فيها.
стр. 500
حكم عقوق الوالدين وذكر بعض صور العقوق
ٍلقد ثنى النبي ﷺ بأعظم الكبائر بعد الشرك، ألا وهو عقوق الوالدين، فقال النبي ﷺ : (الإشراك بالله، وعقوق الوالدين).
فالله جل وعلا لعظم حق الوالدين قرن برهما وطاعتهما بتوحيده سبحانه، فقال: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [الإسراء:٢٣]، وقال : ﴿وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا﴾ [الأحقاف:١٥]، وكذلك قال سبحانه: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ [لقمان:١٥]، وكما في الحديث الحسن الذي رواه الترمذي قال النبي ﷺ : (رضا الله في رضا الوالدين، وسخط الله في سخط الوالدين).
فالغرض المقصود: أن بر الوالدين واجب شرعاً، وقد بين النبي ﷺ أن أوسط أبواب الجنة هما الوالدان، وبين أن الجنة تحت أقدام الأمهات، فلن يصل عبد إلى ربه أبداً إلا ببر الوالدين.
ومن صور عقوق الوالدين وهو أخف العقوق: التأفف، كما قال الله تعالى: ﴿فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا﴾ [الإسراء:٢٣]، ومن باب أولى عدم السب والشتم والإيذاء لهما والاستكبار عليهما، وعدم الائتمار بأمرهما، فإذا كان الوالد مثلاً: يرى في زوجتك خصلة من الخصال التي تبعد عن الإيمان، أو رأى ملحظاً شرعياً في أهلك فأمرك أن تطلق أهلك، فإنك إن عصيته فأنت عاق؛ لأنه قد لحظ على امرأتك ملحظاً شرعياً، وهو ما فعل ذلك إلا خوفاً عليك، وإن استدل مستدل بأن إبراهيم عندما جاء إلى زيارة إسماعيل فلم يجده، وإنما وجد زوجته فسألها عن حالها مع إسماعيل، فاشتكت من ظنك العيش، فقال لها: إذا جاء إسماعيل فقولي له: جاء شخص صفته كذا؛ ويقرأ عليك السلام ويقول غير عتبة بابك، قال إسماعيل: ذاك أبي وقد أمرني أن أفارقك فالحقي بأهلك، وطلقها سمعاً وطاعة لأبيه، فإننا لا نقول في ذلك: إن كان أبوك مثل إبراهيم فافعل مثل ما فعل إسماعيل، ولا نقول: إن كان أبوك مثل عمر فافعل مثل ما فعل ابن عمر؛ لأن إبراهيم ﵇ رأى ملحظاً شرعياً على امرأة إسماعيل، أما ابن عمر فلم يكن يرى ملحظاً شرعياً، بل كان يحب امرأته وأبى أن يطلق لما أمره عمر، لكن عمر الملهم الذي قال فيه النبي ﷺ : (لو كان نبياً بعدي لكان عمر) وقال فيه النبي ﷺ أيضاً: (إن يكن في أمتي محدث فإنه عمر) ﵁ وأرضاه، والذي قال فيه النبي ﷺ أيضاً: (لو سلك عمر فجاً لسلك الشيطان فجاً غير هذا الفج)، وهذه المناقب فيها دلالة كبيرة جداً على أن عمر له فراسة فائقة، ولا نظن في عمر ﵁ وأرضاه أن يكون بهواه رأى أن يطلق ابنه امرأته، ولكن لعله لحظ فيها ملحظاً شرعياً فأمر ابن عمر ابنه بتطليق امرأته، مع أن ابنه لم ير ذلك؛ لأن الحب والعاطفة تجعل الرجل لا يبصر خطأ امرأته، فلم ير ما رآه عمر فقال النبي ﷺ لـ عبد الله بن عمر: (أطع أباك).
فنقول: إذا كان الأب يرى ملحظاًًَ شرعياً فلا تعقه وائتمر بأمره إن كان يريد لك الخير، ويلحظ الملحظ الشرعي؟! أما إن كان خلاف الملحظ الشرعي فلا سمع ولا طاعة للأب في ذلك؛ لأنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.
وهناك آباء كثيرون يتضايقون من شدة التزام زوجة الابن فتجد بعض الأمهات تقول: لماذا لا تسلم على ابني الآخر؟ ولماذا لا تجلس وتأكل معه؟ فتقول: لابنها: طلقها؛ فهذه تهجرنا وتجافينا، نقول: طاعة الأم هنا معصية؛ لأنها ما أرادت طلاقها إلا عن هوى ومضادة ومحادة لله ورسوله؛ لأنه ما أرادت ذلك إلا لأنها تتمسك بدين الله جل وعلا، فالغرض المقصود أن هذا يسمع لها ويطيع إن كان الأمر فيه ملحظاً شرعياً وإن لم يكن فلا يسمع ولا يطع.
أيضاً من صور العقوق للوالدين: الخروج إلى الجهاد في سبيل الله؛ جهاد لطلب لا جهاد الدفع بدون إذنهما، فهذا عقوق، ولذلك عقاب هذا الرجل أن يقف بين الجنة والنار، وقال النبي ﷺ لرجل خرج ليجاهد دون إذن والديه:: (ارجع فأضحكهما كما أبكيتهما).
إذاً: فعقوق الوالدين كبيرة بعد كبيرة الشرك.
стр. 501
عظم قتل النفس التي حرم الله وحكم توبة القاتل
يقول: النبي ﷺ في عدد الكبائر: (وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق).
قتل النفس من الكبائر؛ لأنه فساد عريض في الأرض، ودم المسلم عند الله أشرف من الكعبة، وأعظم وأشرف من السماوات والأرض، ولذلك فإن ابن عباس ﵁ وأرضاه طاف بالكعبة فقال: أنت الكعبة شرفك الله وعظمك، وحرمة دم المسلم عند الله جل وعلا أعظم منك وأشرف.
وجاء في الحديث الذي رواه الترمذي عن النبي ﷺ أنه قال: (لو اجتمع أهل السماوت والأرض على قتل مسلم لأكبهم الله في النار ولا يبالي) وذلك لأن دم المسلم شريف عزيز عظيم عند الله جل وعلا، ونحن نرى الآن أن دم المسلم صار رخيصاً بين أيدي الكفار؛ لأننا هجرنا دين الله، فنسأل الله جل وعلا ألا نسقط من عينه، وأن يردنا إليه رداً جميلاً؛ لكن لو تمسكنا بديننا وتمسكنا بكتاب ربنا وسنة نبينا لرفع الله عنا هذه الذلة المهانة.
إن من الأدلة التي تثبت أن قتل النفس من الكبائر: اختلاف العلماء في توبة القاتل، فـ ابن عباس ﵄ يقول: إن القاتل لا توبة له، واستدل على ذلك بقول الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا﴾ [النساء:٩٣].
وجاء في السنن عن النبي ﷺ أنه قال: (ما زال المرء في سعة حتى يصب دماً حراماً، فإذا أصاب دماً حراماً)، أي: انتهى أمره ورق دينه إن فعل ذلك؛ لأنه تعدى حدود الله جل وعلا، والجمهور على أن للقاتل توبة، وهذا هو الصحيح، والذي يفصل النزاع ويقطعه قول الله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الفرقان:٧٠]، فهذا من الأثر.
أما من النظر: فقياس الأولى، وذلك أنه قد اتفق العلماء على أن للمشرك الذي أشرك بالله توبة، وأنه إذا تاب من شركه ودخل الإسلام قبل الله توبته، والإسلام يجب ما قبله، فمن باب أولى القاتل أن يكون له توبة.
стр. 502
كبيرة أكل الربا وخطرها على الأمة
الكبيرة الرابعة التي ذكرها النبي ﷺ في تعداد الكبائر: أكل الربا، فالربا أعظم خطر على الأمة، وما والفقر والضيق الذي تعيشه الأمم إلا بسبب الربا؛ لأن الربا موعود صاحبه وآكله بالعذاب والنكال والويل والثبور في الآخرة، وفي الدنيا بالحرب، بل يقول ابن عباس: هي حرب في الدنيا وحرب في الآخرة، وفسر قول الله تعالى: ﴿فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [البقرة:٢٧٩]، قال: يقال لهم في عرصات يوم القيامة: على آكلي الربا أن يسلوا سيوفهم أو يرفعوا رماحهم؛ فهي الحرب مع الله جل وعلا، وهل أحد يحارب الله جل وعلا؟! وهل أحد يستطيع أن يواجه قوة الله جل وعلا؟! فالحرب في الدنيا وأيضاً في الآخرة.
قال النبي ﷺ -منفراً عن أكل الربا ومبيناًَ أنه من الكبائر-: (لعن الله آكل الربا -اللعن معناه: الطرد من رحمة الله- وموكله وكاتبه وشاهديه)، فملعون في الربا أربعة، وفي الخمر عشرة، لكن آكل الربا عذابه شديد، فقد رآه النبي ﷺ وهو يسبح في نهر من الدم ويلقم حجراً، كلما وصل إلى حافة النهر ألقمه الملك الحجر، ثم يرجع إلى آخر النهر فهو يسبح في نهر من الدم جزاءً وفاقاً، فآكل الربا أيضاً فاعل لكبيرة لا بد أن يتوب منها.
стр. 503
مآل آكل مال اليتيم
الكبيرة الخامسة: أكل مال اليتيم، الأصل فيه -أي: ما اليتيم- أن ولي اليتيم يرعى به اليتيم، فالولي أمين على مال اليتيم، بل يعمل فيه بما ينفع اليتيم، فإن كان الذي اؤتمن آكلاً له، فقد وقع في إثم كبير، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ [النساء:١٠]، فهذه دلالة على أن آكل مال اليتيم فاعل لكبيرة، لا بد له أن يتوب منها.
стр. 504
حكم التولي يوم الزحف
الكبيرة السادسة: التولي يوم الزحف، إذا اصطف الجيشان: جيش المسلمين، وجيش الكفار، فلا يجوز للمسلم أن يفر من العدو؛ فإنه سيفت في الصف المسلم، وسيخذل فيه، وهذا من أكبر الكبائر؛ ولذلك شدد الله جل وعلا على المؤمنين، وحذرهم من أن يتولوا أمام الكفار، فقال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلا تُوَلُّوهُمُ الأَدْبَارَ * وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [الأنفال:١٥ - ١٦]، فقوله: ﴿وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ﴾ [الأنفال:١٦]، دلالة على أن هذا من الكبائر.
أيضاً من علامات الساعة: (أنه ستحدث مقتلة عظيمة بين الروم وبين المسلمين، وقبل ذلك يشترك مع الروم، فسقة المسلمين، فيقاتلون عدواً للروم وعدواً لهؤلاء المسلمين الفسقة الذين اتحدوا معهم ووالوهم، فيقتلون ويغنمون، ثم يقوم رجل من الروم فيرفع الصليب، ويقول: انتصر الصليب، فقام رجل مسلم فقتله انتصاراً للدين)، فهذه دلالة واضحة على أن من فعل كبيرة مثل هذا الذي والى غير المسلمين وقاتل معهم، أنه لا يكفر، لأن الإيمان تحرك في قلبه وقتل هذا الكافر.
ثم قال: (ثم انحاز المسلمون عن الروم فذهبوا إلى الفئة المؤمنة الظاهرة على الحق، التي لم يضرها من خالفها ولا خذلها، فلما انحازوا لهم جاء الروم تحت ثمانين راية، تحت كل راية اثنا عشر ألفاً فيقولون: خلوا بيننا وبين الذين سبوا منا نقاتلهم، فيقول المسلمون: لا والله لا نأتيكم بإخواننا، فيشترطون شرطة تقاتل إما النصر وإما الشهادة، فينهزم ثلث: لا يتوب الله عليهم أبداً، ويقتل ثلث، هم أفضل الشهداء عند الله، ويفتتح الثلث، ولا يفتنون أبدا ً).
وذلك لأن هؤلاء تولوا يوم الزحف وهؤلاء من أسوأ الطائفة المسلمة؛ لأنها خذلت هذه الطائفة المؤمنة.
стр. 505
حكم قذف المحصنات وعظم ذلك عند الله
الكبيرة السابعة: قذف المحصنات، جاءت الشريعة بحفظ الضروريات الخمس وهي: الدين، والنفس، والعقل، والمال، والعرض.
فقد جعل الله جل وعلا لحفظ الأعراض، سياجاً قوياً؛ ولذلك قال عن الذين يقذفون المحصنات: ﴿فَأُوْلَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ [النور:١٣] أي: إن لم يأتوا بأربعة شهداء، وقال شيخ الإسلام: ما أقيم حد الرجم أو حد الجلد في الزنا بشهود أربعة من لدن رسول الله ﷺ إلى عصري، ونحن نقول: إلى عصرنا هذا لم يقم حد الزنا على أحد بأربعة شهود؛ لأنه لا بد لكل واحد من هؤلاء الشهود الأربعة أن يقول: رأيت رجلاً على امرأة ورأيت ذكره في فرجها، ولذلك عندما اتهم المغيرة بن شعبة بالزنا قال أبو بكرة: رأيت رجلاً على امرأة ورأيت الفرج في الفرج، فـ عمر نظر إلى أن صحابياً من الصحابة سيرجم، وينتشر أمره أمام التابعين، وكان عمر مخلصاً لله جل وعلا، فطيب الله قلبه بالستر على بعض الصحابة؛ ثم قال: وجاء رجل آخر مع أبا بكرة وقال: رأيت رجلاً على امرأة وفرجه في فرجها، ثم قال الثالث نفس القول، ثم جاء الرابع قال: رأيت رجلاً على امرأة وسمعت صوتاً، قيل له: هل رأيت الفرج في الفرج؟ قال: ما رأيت الفرج في الفرج، فقال عمر للثلاثة: قوموا لأجلدكم، فجلدهم الحد، ثم قال: الحمد لله الذي ستر على صحابي من صحابة رسول الله، فلما جلد أبا بكرة وصاحبيه، قال عمر لـ أبي بكرة: تب لأقبل شهادتك، قال: والله لا أرجع عن قولي، فلم تقبل شهادة أبي بكرة، لكن قبلت روايته؛ لأن هناك فارق بين الرواية وبين الشهادة.
فإذاً المقصود أن قذف المحصنات من الكبائر، ولذلك جعل الله للأعراض سياجاً عظيماً جداً، وكان أشد ما وقع في القذف على المحصنات ما وقع في حادثة الإفك، فبرأ الله عائشة ﵂ وأرضاها من فوق سبع سماوات.
هذه أمهات الكبائر التي تكلم عنها وساقها في روايته، وبيناها وشرحناها.
стр. 506
أقوال العلماء في كون الكبائر تكفر بالحسنات والطاعات
هناك سؤال يطرح نفسه ألا وهو: هل الكبائر كفارة؟ أقول: لقد اتفق العلماء على أن للصغائر كفارة لكن النزاع في الذي فعل الكبيرة ثم لم يتب، فهل فعل الحسنات يكفر الكبيرة، كما جاء في سنن الترمذي أن النبي ﷺ قال لـ معاذ: (اتق الله حيثما كنت، وأتبع السيئة الحسنة تمحها)، يعني: أن كل سيئة إذا أتبعتها بحسنة فإنها تمحها، لكن هل الكبائر تدخل في هذا الباب؟ وهل الحديث على إطلاقه أم هو مقيد بالصغائر؟ هذا هو محل النزاع.
أقول: هذه المسألة فيها قولان: القول الأول: أن الكبائر لها مكفرات، من صلاة، ووضوء، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، والحج، بعد الحج والعمرة بعد العمرة، ورمضان إلى رمضان؛ لقول النبي ﷺ (الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان مكفرات لما بينهن).
هذه الرواية جاءت مطلقة، لكن هناك رواية أخرى جاءت مقيدة، حيث قال فيها ﷺ : (ما اجتنبت الكبائر).
وعمدة أدلة أصحاب هذا القول -وهو من أقوى ما يكون-: ما جاء عن النبي ﷺ أنه كان مع أصحابه في مجلس التعليم، ويضرب لهم الأمثال حتى يقرب المعلومة إلى الأذهان، فقال لهم: (أرأيتم لو أن نهراً بباب أحدكم يغتسل فيه كل يوم خمس مرات، فهل يبقى من درنه شيء؟ قالوا: لا يبقى من درنه شيء) أي: لا يبقى من درنه شيء من صغائر وكبائر ثم قال: (كذلك الصلوات الخمس يمحو الله بها الخطايا)، أي: أن الصلوات الخمس مثل النهر تنزل على معاصي المرء فتبيدها، بحيث لا يبقى من الكبائر ولا من الصغائر شيء، لكن ليست تلك الصلوات التي نصليها هي التي قال فيها النبي ﷺ أنها تكفر الكبائر والصغائر؛ لأن هذه الصلاة التي نصليها فيها نقص، ونرجوا من الله أن يتقبل منها الربع فقط لأن النبي ﷺ كان إذا حزبه الأمر دخل في الصلاة، ويتدبر كلام الله تعالى، ويتدبر التسبيح في الركوع والسجود، ويتمهما.
وهذا عروة بن الزبير ﵀ لما دب السرطان في رجله، قالوا له: لا بد أن تشرب الخمر حتى نقطع رجلك؛ لأنك لا تحتمل، فقال: لا، إن شرب الخمر حرام، مع أنه ضرورة من الضرورات التي تبيح المحظورات، لكن كان الرجل قلبه منشغلاً بربه، فقال: لا، لكن إذا دخلت في الصلاة فاقطعوها، فلما كبر وبدأ في القراءة قطعوا رجله، قالوا: فما شعر بها إلا بعدما حسمت وأغمي عليه، رحمه الله تعالى.
فهذه هي الصلاة التي تكفر الكبيرة.
وهذا أخوه عبد الله بن الزبير بن العوام ﵁ وأرضاه كان إذا قام فصلى أمام الكعبة طرح كل شيء خلفه، ذكر ابن كثير -كما في البداية والنهاية-: أنه صلى أمام الكعبة حين حاصره الحجاج عليه من الله ما يستحق، وهو في صلاته، فقذفه بالمنجنيق وكان مشتعلاً ناراً، فتدحرج النار على رجله، ولم ينتفض ولم يتحرك، بل أعظم من ذلك أنه صلى مرة قيام الليل وكان له ولد صغير عنده، فجاءت حية فالتفت على الولد وصرخ أهله وصرخ الجيران والتف الجيران من كل مكان من أجل أن الحية التفت على ولده، وهو في صلاته لم يعلم شيئاًً مما يحدث، فتركت الحية الولد، مصداقاً لقول الله تعالى: ﴿وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا﴾ [الكهف:٨٢]، فصلاح الأب يحفظ الأولاد.
نسأل الله جل وعلا أن يجعلنا من الصالحين.
إذاً: فهذه الصلاة هي التي تكفر الذنوب، وهي التي لا تبقي شيئاً من درن العبد، واستدلوا أيضاً بحديث الحج، الذي قال فيه النبي ﷺ : (من حج ولم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه).
قالوا: فهذا فيه دلالة على أن الحسنات تكفر الكبائر والصغائر.
القول الثاني: قول الجمهور: وهو أن الكبائر لا تكفر إلا بالتوبة الخاصة، واستدلوا على ذلك بأن كل الروايات التي أتت مطلقة قيدت بقول النبي ﷺ : (الصلاة إلى الصلاة، ورمضان إلى رمضان، والجمعة إلى الجمعة مكفرات لما بينهن ما اجتنبت الكبائر)، فهذا التقييد من النبي ﷺ فيه دلالة على أن الكبائر لا تكفر بالحسنات.
وأما حديث الحج: فتلك مسألة خاصة، فليس كل من ذهب إلى الحج يرجع كيوم ولدته أمه، بل لا بد من صفات تتوافر في هذا الحاج، وهي أنه لم يرفث ولم يفسق، حتى يرجع كيوم ولدته أمه.
لكن نحسن الظن بالله جل وعلا ونميل إلى أصحاب القول الأول، أي: بأن الصلوات والجمعة إلى الجمعة والحج تكفر الكبائر والصغائر؛ فإنا لا نقدر على عذاب الله جل وعلا ولا نقوى على سخط الله.
رفعنا الله وإياكم إلى الفردوس الأعلى مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقاً.
стр. 507
شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة - الرد على المرجئة
المرجئة من الفرق الضالة في باب الإيمان، فقد خالفوا أهل السنة فيه، ولهم شبه بين باطلة، وهم أنواع: فمنهم الغلاة، ومنهم مرجئة الفقهاء الذين أخروا العمل عن مسمى الإيمان، ويعتقدون أن الإيمان لا يزيد ولا ينقص، وهذا مخالف لأدلة الكتاب والسنة ومخالف لما كان عليه سلف الأمة.
стр. 508
معنى الإرجاء، وأول من قال به
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، ثم أما بعد: بدأ المؤلف ﵀ بخصال الإيمان توطئة لأمر مهم ألا وهو الرد على المرجئة، وذكر أن من خصال الإيمان البذاذة، ويستدل لذلك بحديث النبي ﵌: (البذاذة من الإيمان)، وهذا الحديث وإن ضعفه بعض العلماء فقد حسنه آخرون، وآخرهم الشيخ الألباني حيث حسن هذا الحديث أو صححه، ويشهد له حديث النبي ﵌: (نهى عن الإرفاه، وكان يحتفي أحياناً) يعني: كان يمشي حافياً أحياناً، وهذه مآلها إلى الزهد، والزهد من علامات الإيمان، والتمسك بالدنيا ليس من علامات الإيمان، بل من علامات نقص الإيمان عند العبد، ولذلك ورد بسند صحيح عن عمر أنه كان ينصح إخوانه ويقول: اخشوشنوا فإن النعمة لا تدوم.
وليس الزهد في أن الإنسان لا يمتلك المال، بل الزهد أن يزهد قلبه من المال والدنيا، ولذلك سئل الإمام أحمد بن حنبل عن الزهد فقيل: هل الغني يكون زاهداً؟ قال: يكون زاهداً على شرط أنه إذا خرج منه درهم لا يتأثر به قلبه، وإذا دخل آخر لا يتأثر أيضاً به قلبه، فهذه دلالة على أن الدنيا لو كانت في اليد فليس فيها مسبة أو ملامة، لكن إذا تمكنت من القلب فهذا هو النكران وهذه هي محل الملامة.
ثم انتقل المؤلف فتكلم عن المرجئة، وهجم على أهل البدعة والضلالة، والمرجئة قال فيهم بعض السلف: هؤلاء هم يهود هذه الأمة، أو: يهود أهل القبلة المرجئة، وقال بعضهم: مجوس هذه الأمة المرجئة.
والمرجئة مشتقة من الإرجاء، والإرجاء معناه التأخير، كما قال الإمام الطبري.
والحسن بن محمد بن الحنفية الذي كان أول من قال بالإرجاء، إذ كان يقر بخلافة الشيخين أبي بكر وعمر ويقول: نرجئ إمامة عثمان وعلي إلى الله جل وعلا، فكان لا يقر بإمامة الإمامين الشيخين عثمان وعلي، فقال: نرجئ أمرهما إلى الله جل وعلا، ولذلك سمي من اتبعه بالمرجئة، ثم ندم ورجع عن ذلك.
وأهل السنة الجماعة لا يخالفون الحسن بن محمد بن الحنفية في قوله، وليس هذا محل نزاع بينه وبين أهل السنة والجماعة، لكن من جاء بعده كـ ذر الهمداني وحماد بن أبي سليمان شيخ أبي حنيفة هم الذين اختلف معهم أهل السنة والجماعة؛ لأن هؤلاء يقولون: الإيمان شيء واحد، لا يتبعض ولا يتجزأ، وهذا هو محل النزاع بيننا وبينهم، فهؤلاء لا يتصورون أن يجتمع في المؤمن إيمان وكفر، أو نفاق وإيمان، ويقولون: إما إيمان وإما كفر، إما إيمان وإما نفاق، ولا يجتمع هذا وهذا، وهذا أيضاً أصل من أصول الخوارج، فالمرجئة تتفق مع الخوارج والمعتزلة في هذا الأصل، إلا أن الخوارج غلوا وأفرطوا، فنظروا إلى أحاديث الوعد فقالوا: من فعل المعصية أو الكبيرة فقد خرج من الإيمان؛ لأن بعض الإيمان إذا انتفى انتفى الإيمان كله؛ لأنه شيء واحد، وأما المرجئة ففرطوا وجفوا وقالوا: لا يضر مع الإيمان معصية، ونحن الآن بصدد الكلام على المرجئة، وبينا أن دائرة المرجئة مع المعتزلة مع الخوارج دائرة واحدة ظهرت في أواخر القرن الأول.
فأصَّل المرجئة أن الإيمان شيء واحد لا يتجزأ ولا يتبعض، ولا يجتمع في المؤمن إيمان وكفر، ولا إيمان ونفاق، وترد عليهم أدلة الكتاب والسنة، قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ [الحجرات:٩]، مع قول النبي ﷺ : (لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض)، فأثبت لهم الإيمان وأثبت عليهم الكفر، ولكنه كفر دون كفر، وأصرح من ذلك حديث النبي ﵌: (آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان)، فقد أثبت النبي ﵌ أن هذه صفة من صفات النفاق مع أن أصل الإيمان معهم، وإنما ينتفي عنه الإيمان المطلق ويبقى مطلق الإيمان، بمعنى: ينتفي الإيمان الكامل ويبقى أصل الإيمان، مع أن فيهم شعبة من الكفر وشعبة من النفاق، لكن معهم أصل الإيمان، فهذا رد صريح على المرجئة.
والمقصود أن المرجئة ضلال وأهل بدعة، وهم الذين قالوا: إن الإيمان لا يتجزأ ولا يتبعض، وأيضاً قالوا: الأعمال ليست من الإيمان، بل هي ثمرة من ثمرات الإيمان.
стр. 509
ردود العلماء على المرجئة
لقد رد شيخ الإسلام ابن تيمية على المرجئة بالإجمال ثم فصل الرد، ورد عليهم أيضاً ابن حزم مستدلاً بقول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ [الحجرات:١٥]، أي: الصادقون في إيمانهم، فقال: ((إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا))، فجعل عدم الارتياب -وهو الشك- والإيمان سواء وهما من عمل القلب، ثم قال: ((وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ)) وهذا عمل الجوارح، فبمجمل هذه الأفعال الإيمان، ونفي الارتياب، والمجاهدة في سبيل الله بالمال والنفس، يصدق عليه أن يكون مؤمناً صادقاً، فهذا رد على المرجئة الذين لا يدخلون الأعمال في الإيمان.
وأيضاً قال الله تعالى: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء:٦٥]، فتحكيم شرع الله غير الإيمان، فالإيمان محله القلب، والتحكيم محله الجوارح وهو اعتقاد القلب بأن الرب هو السيد الآمر الناهي المطاع، وجعل التسليم أيضاً غير الإيمان، فالتسليم عمل من أعمال القلوب، وهذا فيه رد على غلاة المرجئة الذين ينفون أيضاً أعمال القلوب من مسمى الإيمان، وإن كان غالبهم من مرجئة الفقهاء يدخلون أعمال القلوب في مسمى الإيمان، فهذا رد شيخ الإسلام وابن حزم على هؤلاء المرجئة، ولقد رد ابن تيمية بنفس طويل في كتاب الإيمان على المرجئة في ذلك، وبين أن الأعمال متلازمة مع الإيمان، فإذا انتفى اللازم انتفى الملزوم، وأوضح ذلك بضرب الأمثلة على ذلك منها قوله: لا يتصور في رجل يقول: رضيت بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد ﷺ نبياً ورسولاً، ثم بعد ذلك لا يسجد لله سجدة، ولا يتصدق لله بدرهم، ولا يطوف حول البيت، بل هذا ليس في قلبه إيمان البتة، وكذلك قال: إن الإيمان الذي في القلب إن كان تاماً ظهر ذلك على الجوارح، ثم نقل تأكيداً لكلامه عن الحسن أنه قال: الإيمان ما وقر في القلب وصدقه العمل، ولقول النبي ﵌: (إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله)، وهذه المضغة هي مضغة القلب.
стр. 510
أدلة المرجئة على الإرجاء
استدل المرجئة على الإرجاء بأدلة كثيرة تبين أن الأعمال ليست من الإيمان، بل هي ثمرة من ثمرات الإيمان، وأدلتنا من الكتاب والسنة: قال الله تعالى: (وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ﴾ [يوسف:١٧]، فالإيمان هنا بمعنى التصديق، والأعمال ليست من التصديق.
الدليل الثاني: أن الإيمان شيء واحد لا يتبعض، فإذا قلنا بأن الأعمال من الإيمان للزم انتفاء الإيمان بالكلية عند انتفاء بعض الأعمال.
الدليل الثالث: قال الله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ﴾ [النحل:١٠٦]، فاستشهدوا بهذه الآية على أن محل الإيمان هو القلب فقط، فعمل الجوارح لا تدخل في القلب، ولذلك إذا كان الإيمان التصديق فمقابله الكفر وهو التكذيب، فدائرة الإيمان والكفر عندهم هي على القلب، فلو سجد رجل للصنم، أو سب الله، أو سب الرسول، لا يكفر حتى يستحل بقلبه؛ لأن مظان الكفر والإيمان عندهم يلازم هذا القلب، مستدلين بقول الله تعالى: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ﴾ [النحل:١٠٦]، فقالوا: محل الإيمان أو محل الكفر هو القلب.
الدليل الرابع من أدلتهم: العطف، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [البقرة:٢٧٧]، فعطف الأعمال الصالحة على الإيمان، والأصل في العطف المغايرة، فدل بذلك على أن الأعمال الصالحة غير الإيمان.
стр. 511
الرد على استدلال المرجئة
مما يرد عليهم عقلاً أن الذي يدعي حب الله ثم يسب الله فإننا نكذبه مع أن الذي في قلبه لم يظهر عليه في الخارج، ولقلنا له: لو كنت تحب الله حقاً لاتبعت شرعه، ولو كنت تحب النبي ﵌ حقاً لاتبعت سنته.
ومن الأدلة أيضاً أن الآية صرحت بأن الصلاة إيمان فقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [البقرة:١٤٣]، فإنه باتفاق المفسرين أن المعنى: وما كان الله ليضيع صلاتكم إلى بيت المقدس، ويدل عليه حديث: (فمن تركها فقد كفر)، فسلب الإيمان بترك عمل من أعمال الجوارح، وهو الصلاة، وسماها الله إيماناً، بل جعلها النبي ﵌ حداً فاصلاً بين أهل الإيمان وأهل الكفر.
ومن الأدلة أيضاً قول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (الحياء شعبة من شعب الإيمان) فالحياء هنا عمل قلبي، وسماه النبي ﵌ من الإيمان، وإماطة الأذى سماها النبي ﵌ شعبة من شعب الإيمان، فهذه دلالة على أن هذه الأعمال من الإيمان لا تخرج عنه، فإذا اعتقدنا هذا الاعتقاد الصحيح فلابد أن نرد على أهل البدع الذين يقولون: إن الأعمال ليست من الإيمان.
فنقول: فساد هذا القول تعرفه من لازمه، إذ لازم هذا القول أن كل تارك للصلاة، والصيام، والزكاة، والحج، والجهاد في سبيل الله، والذكر، وتلاوة القرآن، مؤمن كامل الإيمان، بل إيمانه مثل إيمان أبي بكر الذي كان يقوم الليل، ويصوم النهار، وينفق ماله للدعوة في سبيل الله، بل إيمانه إيمان جبريل!
стр. 512
الرد على الشبهة الأولى من شبه المرجئة
هذه البدعة المزرية قد انتشرت في أجوائنا، وكثير من الذين ينتسبون إلى أهل السنة والجماعة يتمذهبون بهذا المذهب مذهب المرجئة وإن كان خفياً، فيقولون بلازم هذا القول، فلا بد للتصدي لهذه البدعة والرد عليها، فنقول: أولاً: احتجاجهم بأن الأعمال ليست من الإيمان لقول الله تعالى: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ﴾ [يوسف:١٧]، فقالوا: الإيمان في اللغة معناه التصديق، وهذه الآية دالة على ذلك، فإن كان الإيمان هو التصديق فالتصديق عمل القلب، وليس له بالجوارح أي علاقة، فالرد عليهم في ذلك أن نقول: أولاً: لا نسلم لكم بأن الإيمان في اللغة معناه التصديق، فإن الإيمان في اللغة يتعدى بنفسه، ويتعدى بالباء، ويتعدى باللام، فله ثلاثة معان في اللغة: يتعدى بنفسه فيكون بمعنى التأمين ضد التخويف، قال الله تعالى: ﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ * الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ﴾ [قريش:٣ - ٤]، وتقول: أمنته، ضد خوفته، فهذا معنى من معاني الإيمان في اللغة، ويأتي أيضاً متعدياً بالباء فيكون معناه التصديق، قال الله تعالى: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى﴾ [البقرة:١٣٦]، إلى آخر الآيات، آمنا بالله أي: صدقنا بالله جل وعلا، صدقنا بوجود الله، صدقنا بربوبية الله، صدقنا بأسماء الله الحسنى وصفاته العلى، صدقنا بألوهية الله جل وعلا، وصدقنا برسول الله وبما جاء عن رسول الله، كما قال الشافعي: آمنت برسول الله، وبما جاء على لسان رسول الله، على مراد رسول الله، أي: صدقت بأن محمداً أرسل من قبل الرب جل وعلا، وأنه أوحي إليه بهذه الرسالة، وأن القرآن كلام الله جاءنا على لسان محمد ﷺ ، فيتعدى بالباء فيكون معناه: التصديق الذي فرغتم كل هذه المعاني إلى هذا المعنى فقط.
ويتعدى باللام فيكون معناه الاتباع والانقياد والاستسلام تقول: آمنت لله، أي: استسلمت لله، استسلمت لأمر لله، وتقول: آمنت لرسول الله، أي: استسلمت لأمر رسول الله واتبعت شرعه، ودليل ذلك قول الله تعالى: ﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ﴾ [العنكبوت:٢٦] يعني: اتبعه لوط على ما هو عليه من الخير، فاستسلم له لوط وانقاد له.
فيكون الإيمان في اللغة له أكثر من معنى، فلا تسلم مقدمتكم.
ثانياً: نقول: نتنزل معكم ونقول: نحصر معنى الإيمان بالتصديق في اللغة ثم ننظر هل له معنى آخر في الشرع؟ فنجد أن الإيمان في الشرع معناه التصديق المستلزم للانقياد والاتباع والاستسلام، وإذا خالف التعريف في الشرع التعريف في اللغة قدم تعريف الشرع.
ونظير ذلك الصلاة، فإن الصلاة في اللغة معناها: الدعاء، لكن معناها في الشرع: أفعال مخصوصة في أوقات مخصوصة، فيقدم التعريف الشرعي على اللغوي، فإذا قيل لك: قم فصل ركعتين، فليس المعنى: قم فادع الله، إلا أن تأتي قرينة أحالت من مفهوم الشرع إلى مفهوم اللغة.
إذاً: مفهوم الشرع عندنا يقدم على مفهوم اللغة، ومفهوم الشرع هو التصديق المستلزم للانقياد، والانقياد هنا يكون بعمل القلب وعمل جوارح، وعليه تكون أعمال القلوب وأعمال الجوارح دخلت أيضاً في مسمى الإيمان.
ويمكن أن نرد عليهم أيضاً في تعريف اللغة وقولهم: بأن الإيمان التصديق، والأعمال لا تدخل في التصديق، فنقول: نسلم لكم بأن الإيمان في اللغة معناه التصديق، لكن من قال لكم: إن الأعمال تخرج من مسمى التصديق، نحن نقول بقولكم: الإيمان هو التصديق، وندخل الأعمال في التصديق، وعندنا دليل من الشرع في ذلك، قال رسول الله ﷺ : (العين تزني وزناها النظر، واليد تزني وزناها البطش، والرجل تزني وزناها المشي) إلى آخر الحديث، ثم قال: (والفرج يصدق هذا أو يكذبه)، فالتصديق أيضاً على عمل الفرج وهو الوطء، وينسحب بعد ذلك على عمل اليد، وعمل العين.
стр. 513
الرد على الشبهة الثانية من شبه المرجئة
الشبهة الثانية أنهم قالوا: الإيمان واحد لا يتبعض، فلازم القول لذلك أن كمال الإيمان شيء واحد لو انتفى منه جزء انتفى باقيه، فنقول: هذا المقدمة مخالفة ومصادمة لصريح الكتاب، وصريح السنة، وصريح الآثار التي وردت عن السلف والتابعين، أما المصادمة لصريح الكتاب فإن الله جل وعلا بين وأثبت للمرء إيمان وكفر، وإيمان ونفاق في كتابه وأيضاً في سنة النبي ﷺ ، وهذه دلالتها أن الإيمان يتبعض، إذ هو شعب كما قال النبي ﵌: (الإيمان بضع وستون) وفي رواية: (بضع وسبعون شعبة، أعلاها لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق)، وذكر ابن القيم أن شعبة الإيمان القريبة من لا إله إلا الله تأخذ حكم لا إله إلا الله، فالذي يكفر بعدم قول لا إله إلا الله يكفر بالشعبة التي قربت من لا إله إلا الله مثل الصلاة، حيث يكفر لتركها، وإذا نزلت الشعبة إلى مرتبة الأذى أخذت حكمها، وتارك هذه الشعبة إيمانه ناقص غير كامل.
ونقول: الإيمان حقيقة مركبة من قول وعمل، قول القلب واللسان، وعمل القلب والجوارح، ونقل الشافعي الإجماع على ذلك، ونقل عنه شيخ الإسلام ابن تيمية إجماع من أدرك من التابعين ومن بعدهم من الصحابة على أن الإيمان قول وعمل ونية، فعمل القلب: هو تحركه إذا سمع أمراً من أوامر الله جل وعلا، ويعزم عزماً صادقاً على فعله، أما قول القلب: فهو التصديق والإقرار، فهو التصديق والجزم بأن الله هو خالق السماء، وخالق الأرض، وأنه الرازق الأوحد، وأنه المعطي المانع، الضار النافع، إلى غير ذلك.
والمرجئة تتفق مع أهل السنة والجماعة في ذلك، أما قول اللسان وعمل الجوارح فهو ما فسره النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بقوله: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة).
ومن أعمال القلوب: الانقياد والخوف والحياء والرجاء، وهي داخلة في مسمى الإيمان.
ومن أعمال الجوارح: الصلاة، والزكاة، والحج، فمنها عبادات بدنية كالصلاة، ومنها عبادات مالية كالزكاة، ومنها عبادات بدنية مالية كالحج، وهذه كلها تدخل في مسمى الإيمان بإجماع السلف.
وهناك آيات كثيرة تدل على ذلك منها قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [البقرة:٢٧٧]، وقول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الأنفال:٢]، فكل هذه من أعمال القلب، ثم قال: ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ﴾ [المائدة:٥٥]، وهذه أيضاً أعمال، ثم ختم الآية بقوله: ﴿أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ [الأنفال:٤]، فهنا صريح الكتاب يثبت أن المؤمن الحق هو من أتى بأعمال القلوب وأعمال الجوارح، ضاماً إلى ذلك تصديق القلب وقول اللسان بالشهادتين.
أما الأحاديث فمنها قول النبي ﷺ : (ألا وإن في الجسد مضغة، إذا صلحت) ـ يعني بالإيمان وعمرت ـ (صلح الجسد) فالجوارح تابعة للقلب.
فالقول بأن الإيمان حقيقة مركبة من قول وعمل مضاد لما قالته المرجئة: بأنه جزء واحد لا يتبعض.
стр. 514
الرد على الشبهة الثالثة من شبه المرجئة
الشبهة الثالثة: استشهادهم بهذه الآية: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ﴾ [النحل:١٠٦]، على أن الإيمان محله القلب، والكفر محله القلب أيضاً من أفسد ما يكون؛ لأن هذا دليل عليهم، ولازم هذا القول أن من سجد للصنم لا يكفر إلا باستحلال القلب، ويلزم أن من سب الله وسب الرسول لا يكفر إلا باستحلال القلب، وقد خرج علينا من صرح بهذا، فنحن نقول: هذا كلام باطل جداً؛ لأن من الأعمال ما هو كفر، ومن الأقوال ما هو كفر، فسب الدين كفر وهو قول، وسب الله كفر وهو قول، والاستهزاء بالدين كفر قال تعالى: ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة:٦٥ - ٦٦]، فإن كان هذا الاستهزاء كفراً فمن باب أولى سب الله أو سب الدين أو الرسول فهو كفر باتفاق أهل السنة والجماعة، وأيضاً الأعمال منها ما هو كفر مثل السجود لصنم، والطواف للقبر، وهذا باتفاق أهل السنة والجماعة، فما دام أن من الأعمال ما هو كفر ومن الأقوال ما هو كفر، فإذاً: محل الإيمان ليس القلب فقط، بل محل الإيمان القلب واللسان والجوارح.
ومما يستدل به عليهم في ذلك قول الله تعالى: ((إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ))، فالله جل وعلا نفى عنه الكفر بعد أن نطق بالكفر؛ لأنه كان مكرهاً، فمفهوم المخالفة في هذه الآية أنه إذا لم يكن مكرهاً وقد نطق بكلمة الكفر فحكمه أنه كافر بدليل الخطاب من الآية.
ومثل هذا ما قاله عمار بن ياسر من كلمة الكفر فاشتكى للنبي ﷺ فقال له: (كيف تجد قلبك؟ قال: مطمئن بالإيمان، فقال النبي ﷺ : فإن عادوا فعد)، مفهوم المخالفة: إن لم تكن مكرهاً ونطقت بهذه الكلمة التي هي كلمة الكفر فحكمك أن تكون كافراً أصلاً.
فالمرجئة يلزمون بهذه الآية؛ لأنهم يقولون: محل الكفر القلب، والآية تدل على أن هناك كفراً بالقول، ومع أن الآية نزلت في شأن عمار بن ياسر ﵁ وأرضاه، إلا أن السبب لا يخصص، لكن هو مؤثر في هذه الأحكام.
إذاً: فالآية دليل عليهم، وتدل على أن الإيمان محله القلب والجوارح واللسان.
стр. 515
الرد على الشبهة الرابعة من شبه المرجئة
الشبهة الرابعة: العطف في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [البقرة:٢٥]، وأصل العطف المغايرة.
فنقول: عطف شيء على شيء إما أن يكونا متباينين -يعني: مختلفين في الجنس- ولا علاقة بينهما فهؤلاء يشتركان في الحكم فقط، مثل قول الله تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ﴾ [الأنعام:١]، فجنس السماء غير جنس الأرض، ومع ذلك اشتركا في الحكم وهو الخلق، بمعنى: أن الله جل وعلا خلق السماء وخلق الأرض، وقوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ﴾ [الأنعام:١]، جنس الظلمات يغاير ويخالف جنس النور وأيضاً يشتركان في الحكم، فهل الإيمان والأعمال الصالحة من هذا الباب؟
الجواب
ليسا من هذا الباب؛ لأن النبي ﷺ قال للرجل الذي جلس في مؤخرة المسجد ولم يصل: (ألست بمسلم؟ أما صليت معنا)، فربط الإسلام بالصلاة، مما يدل على التلازم بين الإيمان والصلاة، ومر الرسول ﷺ على رجل -كما في الصحيح- ينصح أخاه في الحياء، فقال النبي ﷺ : (دعه، فإن الحياء من الإيمان)، معنى ذلك أن إيمانه سيظهر عليه بحيائه من الله، وحيائه من الملائكة، وحيائه من الرسول، أو حيائه من الصالحين، فالنبي ﷺ استدل على أنه لو وجد إيمان في القلب فلابد أن يظهر على أعمال الجوارح.
الثانية: عطف شيء على شيء يتلازم معه، حتى لو كانت الأجناس مختلفة، مثال ذلك قول الله تعالى: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء:٥٩] فطاعة الله وطاعة الرسول متلازمان، فإن من أطاع الرسول فقد أطاع الله، فهنا عطف طاعة مستقلة لله وعطف طاعة مستقلة للرسول، لكن هذه الطاعة المستقلة لله والطاعة المستقلة للرسول متلازمان؛ لقول الله تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء:٨٠]، والإيمان والأعمال الصالحة تدخل في هذا القسم؛ لأن من لوازم الإيمان القلبي عمل الجوارح.
ومن ذلك قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي﴾ [آل عمران:٣١]، فالمحبة عمل قلبي ومع ذلك استلزمت عمل الجوارح وهو الاتباع، يعني: اتباع الرسول في صلاته، ونومه، وفي إتيانه لنسائه، وفي سنن العبادات والعادات، فإنك إن عملتها اتباعاً أجرت عليها.
ومن ذلك أيضاً حديث في الصحيحين وهو قول النبي ﵌: (إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله ألا وهي القلب)، فالقلب إذا صلح بالإيمان ظهر هذا الصلاح على الجسد وهو الجوارح، فإذاً: الأعمال إذا عطفت على الإيمان يمكن أن تدخل من هذا الباب وهو باب التلازم، يعني: عطف اللازم على الملزوم، من أنه إذا وجد الإيمان في القلب لزم أن يظهر على الجوارح، ولذلك كان شيخ الإسلام ابن تيمية يقول: إن وجد في القلب إيمان تام فلابد أن يظهر على الجوارح، فإذا انتفت أعمال الجوارح انتفى إيمان القلب، فإن انتفاء اللازم يستلزم انتفاء الملزوم، فالعطف هنا يدخل من باب التلازم، وبهذا يرد على المرجئة الذين يقولون: الأعمال ليست من الإيمان، بل هي ثمرة من ثمرات الإيمان، فنقول: بل هي من الإيمان، فهي إما في دائرته وإما متلازمة معه، وإن كانت الدائرة غير الدائرة لكن هناك تلازم، بمعنى: أنه لو انتفى سقطت الدائرتان، فإذا انتفى اللازم انتفى الملزوم.
النوع الثالث في العطف: عطف خاص على عام، كقوله تعالى: ﴿تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ﴾ [القدر:٤]، فالروح هو جبريل، وهو من الملائكة، لكنه خص بالذكر للتأكيد.
ومن ذلك أيضاً قول الله تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى﴾ [البقرة:٢٣٨]، فالصلاة الوسطى هي صلاة من الصلوات، فعطف الخاص على العام؛ ليدل على التأكيد، يعني: أؤكد على هذه الصلاة، كما قال النبي ﵌: (من ترك صلاة العصر فقد وتر أهله) أي: قطع أهله، ولم تكن فيه بركة، أو حبط عمله كما في بعض الروايات.
ومن ذلك أيضاً قول الله تعالى: (اتقوا الدنيا واتقوا النساء) مع أن النساء من متاع الدنيا كما قال الله تعالى: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ﴾ [آل عمران:١٤]، إلى أن قال: ﴿ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [آل عمران:١٤]، فهو عطف خاص على عام للتأكيد.
ونقول: الإيمان أيضاً يمكن أن يدخل من هذا الباب، فقد جاء في الحديث: (الإيمان بضع وستون)، وفي رواية: (بضع وسبعون شعبة)، فهو يدل على أن هذه الجزئيات كلها جزء من كل، فكأن الإيمان شجرة كبيرة وكل غصن من هذه الأغصان جزء من هذه الشجرة، فإذا أفردت الحياء فقط وعطفته على الشجرة، فجزء من الشجرة عطفته على الشجرة، وهو الخاص على العام.
إذاً نقول: العطف الذي احتجوا به في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [البقرة:٢٧٧]، خاطئ ولا دلالة لهم فيه؛ فإن هذا العطف إما عطف تلازم وإما عطف خاص على عام، وهذا أيضاً لا يخرج الأعمال من دائرة الإيمان.
فهذا هو الرد على المرجئة، وهم مع ذلك أقرب الطوائف إلى أهل السنة خاصة مرجئة الأحناف.
стр. 516
الخلاف بين أهل السنة والمرجئة لفظي وحقيقي
مرجئة الأحناف خالفوا أهل السنة والجماعة في أشياء، ولذلك قال شيخ الإسلام في الفتاوى: الخلاف بين أهل السنة والجماعة وبين مرجئة الأحناف -أي: مرجئة الفقهاء- خلاف صوري لفظي فقط، وليس خلافاً حقيقياً، وقرر ذلك شارح الطحاوية.
وقد جاءت بعض الأحاديث فيها ضعف في ذم المرجئة، منها: (صنفان من أمتي ليس لهما في الإسلام نصيب، القدرية والمرجئة)، والراجح أن النزاع بين المرجئة وبين أهل السنة والجماعة نزاع لفظي في نقطتين، وهو نزاع حقيقي خلافاً لشيخ الإسلام ابن تيمية وشارح الطحاوية في نقطتين أيضاً، أما الخلاف اللفظي الصوري بين مرجئة الأحناف وبين أهل السنة والجماعة فهو قولهم: الأعمال ثمرة من ثمرات الإيمان، وقول أهل السنة والجماعة أن الأعمال تدخل في مسمى الإيمان، والنتيجة واحدة بين الطرفين من جهة أن ثمرة الأعمال للمؤمن تجعله يتفاوت في الدرجات، فمنهم من يكون في الفردوس الأعلى، ومنهم من ينزل عنها، ومنهم من يكون في آخر درجة من درجات الجنة، وهذه دلالة على أن الإيمان يزيد وينقص مع أنهم لا يقولون بهذا القول ولا يصرحون به، لكن النتيجة عندهم أن الإيمان يزيد وينقص، وأن الناس يتفاوتون في ذلك، ولذلك قال الطحاوي: وأهله في أصله سواء، يعني: متساوون، أما في الدرجات فبينهم تفاوت، فمنهم من يرتقي ومنهم من ينزل، وهنا ملحظ لأهل السنة والجماعة وهو أن الناس لا يستوون في أصل الإيمان على الراجح من ذلك، بل هم يتساوون في مطلق الإيمان، أما في أصله فلا، وهناك من أهل السنة والجماعة وهم المالكية يقولون: إن أصل الإيمان لا يزيد، والصحيح الراجح: أنهم أيضاً يتفاوتون في أصل الإيمان، فمنهم من هو أعلم الناس بأسماء الله الحسنى وصفاته العلى؛ يتدبر آيات الله المرئية، وآيات الله الكونية، فهذا يقوي أصل الإيمان، وأيضاً المخبر ليس كالمعاين، ولذلك نستدل على أنهم يتفاوتون في أصل الإيمان بقول إبراهيم لله جل وعلا: ﴿أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة:٢٦٠]، لأن عين اليقين تجعل الأصل عنده أدق، والنبي ﷺ جلس مع أصحابه فقال: (من أعجب الناس أيماناً؟)، أو قال: (من أعرف الخلق إيماناً) فقالوا: يا رسول الله! الملائكة، فقال: (الملائكة عند ربهم يشاهدون) أي: قدرة الله جلا وعلا، والأمر الذي ينزل إليهم، والنهي، والإعطاء والمنع، والإحياء والإماتة، فهذا يزيد في أصل الإيمان، فقالوا: أنت يا رسول الله! فقال: (أنا يأتيني الوحي)، فقالوا: نحن يا رسول الله! فقال: (أنا بينكم أخبركم، أعجب الناس إيماناً -أو- أعجب الخلق إيماناً أناس يأتون بعدي ما تأتيهم إلا صحف فيؤمنون بما فيها!) ومع ذلك لا يقول أحد: إن في آخر الزمان رجل إيمانه أقوى من إيمان أبي بكر، أو إيمانه أقوى من إيمان أدنى الصحابة، ولذلك جاء بعض التابعين فقال لـ ابن مسعود: لو كنا رأينا رسول الله ﷺ لحملناه فوق أكتافنا وما جعلناه يسير على الأرض، وجعل العلماء الصحابة عدولاً؛ لرؤيتهم النبي ﷺ ، إذ رؤيته لا يعادلها شيء، فرؤية النبي ﷺ تزيد الإيمان، وسماع النبي ﷺ والمعجزات التي تحدث أمامهم تجعل الإيمان عندهم أقوى بكثير، وهم في الأصل ليسوا سواء، ويتفاوتون في الجنة، فالإيمان يزيد وينقص.
والخلاف اللفظي الثاني هو في شأن أهل الكبائر، فهم يقولون: لا يضر مع الإيمان ذنب، لكن قالوا: إن الذي فعل الذنب مستحق للعذاب، فهو تحت مشيئة الله، إن شاء عذبه وإن شاء غفر له، وهذا قول أهل السنة والجماعة، فقد اتفقوا مع أهل السنة والجماعة في المآل واختلفوا في اللفظ، فهم يسمون أهل الكبائر مؤمنين، أما أهل السنة والجماعة فيسمون صاحب الكبيرة مؤمناً بإيمانه فاسقاً بكبيرته، ولا تقول: هو مؤمن فقط، ويمكن أن تنزله من درجة الإيمان إلى درجة الإسلام.
فهاتان نقطتان اتفق أهل السنة والجماعة مع المرجئة فيهما، والخلاف صوري ولفظي بينهم، أما النقطة الحقيقية في الخلاف فهي أنهم حصروا الإيمان والكفر في القلب، وأهل السنة والجماعة يختلفون معهم في ذلك؛ لأن محل الإيمان عندهم القلب والجوارح واللسان، والإيمان عندهم: قول وعمل واعتقاد، أما المرجئة فحصروا الإيمان في القلب.
النقطة الثانية: أنهم حصروا الكفر في التكذيب، وهذا خلاف كبير لأهل السنة والجماعة، إذ إن الكفر عندنا كفر إعراض، لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ﴾ [الأحقاف:٣]، وكفر إباء واستكبار، لقوله تعالى: ﴿إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة:٣٤]، وكفر استهزاء، لقوله تعالى: ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة:٦٥ - ٦٦]، فأنواع الكفر كثيرة، وقد عددناها ستة أو سبعة من أنواع الكفر، وهم حصروا الكفر في التكذيب، ونحن نخالفهم في ذلك ونقول: بل الكفر أكثر من التكذيب والاستحلال؛ لأن كل مرجئ يقول: إذا فعل المؤمن ما يكفر به فليس بكافر حتى يستحل بقلبه ما فعل، وأهل السنة يخالفونهم في ذلك فإن الرجل إذا ألقى المصحف في الحشوش قلنا: هذا الفعل فعل كفر، والفاعل ليس بكافر حتى تقام عليه الحجة وتزال عنه الشبه كما فصلنا، فالمقصود أنهم يقولون: إن الذي ألقى المصحف في الحشوش لا يكفر إلا أن يستحل بقلبه، أو يقولون: إن العمل هذا ليس كفراً بذاته، بل هو علامة على الكفر الذي في القلب، وعلامة على التكذيب والاستحلال الذي في القلب، وهذا خلاف ما يعتقده أهل السنة والجماعة؛ لأن من الأعمال ما هو كفر بذاته، وهناك من الأقوال ما هو كفر لذاته، يخرج به الشخص من الملة بعد إقامة الحجة عليه وإزالة الشبهة منه، فهذه هي النقاط التي اختلف فيها أهل السنة والجماعة اختلافاً حقيقياً مع المرجئة.
стр. 517
شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة - جواز الكذب في الإصلاح - الشفاعة
الكذب من كبائر الذنوب، ولكنه يجوز للإصلاح بين المسلمين، وقد ثبتت الرخصة في ذلك عن النبي ﵊، وذكر أهل العلم صوراً يجوز فيها الكذب وضوابطها.
стр. 518
خطر الكذب
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره, ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا, من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ , وشر الأمور محدثاتها, وكل محدثة بدعة, وكل بدعة ضلالة, وكل ضلالة في النار.
ثم أما بعد: إخوتي الكرام! فمازلنا مع هذا الكتاب المبارك للإمام العلامة اللالكائي شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة, وبعدما ساق هذا العلامة السياق البديع في الرد على المرجئة، وتكلم على حكم أهل الكبائر وعدد من الكبائر ما عدد، ساق بعد ذلك بالتناسق البديع ما روي عن النبي ﷺ في جواز الكذب للإصلاح، والكذب من الكبائر أيضاً، ولو لم يفرد الكذب بالكلام على أنه من الكبائر، لكنه يفهم من خلال السياق، ثم تكلم عما يمحو الكبائر، وهل تشترط في الكبائر التوبة أم أنها تمحى بالمكفرات؟ ذكر هنا سياق ما روي عن النبي ﷺ في جواز الكذب للإصلاح، وهذه استثناءات من القاعدة العريضة المستقاة من الكتاب والسنة، فالغرض المقصود: أنه ألمح إلى دخول الكذب في ضمن الكبائر ولم يصرح، وهل يكون مرتكب الكبيرة خالداً في النار إذا مات مصراً عليها، أم أن شفاعة النبي ﷺ تنفعه ويكون داخلاً تحت مشيئة الله جل في علاه؟ وقد أردف المؤلف هذا بذكر شفاعته ﷺ الخاصة بأصحاب الكبائر.
فنتكلم عن الكذب ونقول: الكذب لغة: ضد الصدق, واصطلاحاً: هو الإخبار بخلاف الواقع، كأن تقول مثلاً: انتصر الروم، والروم قد هزموا، وهذا ما قرره الحافظ ابن حجر في تعريف الكذب اصطلاحاً.
والكذب مذموم شرعاً, وهو من الكبائر، فقد ذمه الله جل وعلا في كتابه وذمه النبي ﷺ في سنته، فقال الله تعالى مبيناً لنا أن العذاب الشديد الأليم يكون لأهل الكذب والفجور: ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ ثُمَّ انظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ [الأنعام:١١]، وبين أن لعنته جل وعلا تنزل على الكاذبين المكذبين لله جل وعلا ولرسوله, وفي الصحيحين عن النبي ﷺ قال: (آية المنافق ثلاث) وفي رواية قال: (أربع من كن فيه كان منافقاً خالصاً - وذكر منها- إذا حدث كذب)، فعدها من الكبائر التي يتصف بها المنافقون، وبين النبي ﷺ أيضاً عظم خطر الكذب، فقد جاء في السنن أو في مسند أحمد عن ابن مسعود ﵁ وأرضاه عن النبي ﷺ أنه قال: (إن الصدق يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى الجنة، وإن العبد ليصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقاً، وإن الكذب -هنا عظم الخطر- وإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار، وإن العبد ليكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذباً) والعياذ بالله.
وعواقب الكذب وخيمة في الدنيا والآخرة: كمحق البركة من الرزق والبيت بأسره، فقد قال ﷺ -كما في الصحيحين-: (البيعان بالخيار ما لم يتفرقا، فإن صدقا وبينا بورك لهما في بيعهما, وإن كنتما وبدلا محقت بركة بيعهما)، فبالكذب تمحق البركة، بل الأشد من ذلك والأنكى يكون في الآخرة، كما قال ﷺ : (ثلاثة لا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم يوم القيامة ومنهم الكذاب).
وهنا مسألة مهمة وهي: هل الله لا يكلم أحداً يوم القيامة ولا ينظر إليه سواء كان مؤمناً أو كافراً؟
الجواب
هذا عام خصص بقوله ﷺ : (ما منكم من أحد إلا سيكلمه ربه ليس بينه وبينه ترجمان) وما منكم من أحد: نكرة في سياق النفي فهي تفيد العموم، فوجب تأويل النص السابق: بأنه لا ينظر إليهم نظر رحمة، ولا يكلمهم بعطف ورفق وما أشبه ذلك.
مسألة أخرى: هل يرون الله في المحشر على خلاف صورته أم لا؟
الجواب
لا، بل يرون الله على ما هو عليه، قال ﷺ : (يأتيهم الله جل وعلا في صورة غير التي يعرفونها, فيقول: ما تريدون؟ يقولون: ننتظر ربنا، قال: أتعرفونه؟ قالوا: نعرفه بعلامة بيننا وبينه)، فلم يأتهيم على نفس صورته، لكنه يكشف العلامة لعباده وهي الساق، فإذا كشف عن ساقه جل وعلا سجد الكل إلا المنافقون؛ فإن ظهورهم تصير كالرخام طبقة واحدة، والله أعلم.
والحق أن الكذب أصبح فساده مستشرياً عريضاً في المجتمعات، والكذاب قد يهدم بيوتاً بل مجتمعات بأسرها، وقد بين النبي ﷺ أنه من الكبائر، فإن كان من الكبائر فعلى العبد أن ينأى بنفسه عن أن يكون كذاباً؛ لأن النبي ﷺ لما سئل كما في السنن: (أيكون المؤمن بخيلاً؟ قال: نعم, أيكون المؤمن جباناً؟ قال: نعم، ثم قيل له: أيكون المؤمن كذاباًَ؟ قال: لا)، فلا يجتمع الكذب والإيمان في قلب مؤمن أبداً، فإذا رأيت العبد يكذب فاعلم أن هذه إشارة وعلامة على أنه ليس بمؤمن الإيمان الكامل؛ لأن النبي ﷺ لما سئل: (أيكذب المؤمن؟ قال: لا) فالكذب حرام، بل إنه كبيرة من الكبائر التي تدخل في مسألة الخلاف الذي تكلمنا عنه في مسألة المكفرات, وهل الأعمال تكفر الكبائر أم لا؟
стр. 519
الأحوال التي يجوز فيها الكذب
ذكر المؤلف ما روي عن النبي ﷺ في جواز الكذب، ونحن نعلم أن الكذب حرام؛ لعموم النهي عنه، فهل يستثنى من هذا العموم شيء؟ نقول: نعم، يستثنى من هذا العموم في حرمة الكذب ثلاثة أحوال سنبينها، وقبل ذكرها نقرر قاعدة مهمة تنفع طلاب العلم عند سيرهم في هذا الطريق: القاعدة الأولى: من مقاصد الشريعة: درء المفاسد وجلب المصالح, وتمخضت هذه القاعدة وهذا المقصد قواعد كثيرة منها: أولاً: إذا تعارضت مصلحتان لا يمكن الجمع بينهما قدمت الكبرى على الصغرى.
ثانياً: إذا تعارضت مفسدتان لا يمكن دفعهما معاً دفعت الكبرى واحتملت الصغرى، وكل ذلك مستند لآيات وأحاديث منها: قول الله تعالى: ﴿وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام:١٠٨]، فبالرغم من أن مسبة الآلهة التي تعبد من دون الله طاعة وقربة إلا أن الله جل في علاه نهانا عن ذلك مراعاة للمفاسد والمصالح؛ لأنك إذا سبيت آلهتهم فستدفعهم إلى سب الله جل في علاه.
ومن الأدلة أيضاً: ما جاء في الصحيح أن النبي ﷺ قال لـ عائشة ﵂ وأرضاها: (لولا أن قومك حديثو عهد بكفر لهدمت الكعبة ولبنيتها على قواعد إبراهيم)، فلم يفعل ذلك من أجل المصلحة والمفسدة.
أما بالنسبة لتعارض المفاسد مع المصالح، فإن درء المفاسد يقدم على جلب المصالح؛ ولذلك حرم الله تعالى الخمر مع أن فيه منافع، لكن المفسدة فيه كانت أعظم من المصلحة، قال الله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ﴾ [البقرة:٢١٩]، مفسدة كبيرة، ﴿قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾ [البقرة:٢١٩]، ففي هذه الحالة نرفع المفسدة الكبيرة الموجودة في الخمر: من زوال العقل وانتشار الفساد والصد عن سبيل الله وعن الصلاة، ويكون درء هذه المفسدة العظيمة أولى من جلب المصلحة الكامنة في الربح الزهيد المترتب على بيع الخمر ونحوه.
ومثال تعارض المصلحة مع مصلحة أخرى: إذا تعارضت مصلحة رفع إعلاء راية لا إله إلا الله ونصر المسلمين مع مصلحة حفظ نفسك التي تسجد لله وتنكأ في أعداء الله، فعند ذلك تقدم المصلحة الكبرى المتضمنة إعلاء كلمة التوحيد على حساب تفويت المصلحة الصغرى الكامنة في حفظ النفس الذي هو من مقاصد الشريعة.
أما إذا تعارضت مصلحة العامة مع مصلحة الخاصة فإنها تقدم المصلحة العامة على الخاصة، وهذا مثل تلقي الركبان وبيع الحاضر للبادي، فمن مقاصد الشريعة تقديم المصلحة العامة مصلحة المجتمع على مصلحة الخاصة أو الفرد.
إذاً: يجوز أن يكذب الإنسان مراعاة للمصالح والمفاسد، ومراعاة لمقاصد الشريعة، وهذا هو التأصيل العلمي لهذه المسألة، فنقول: يجوز الكذب في ثلاثة أحوال: الأولى: الإصلاح بين الناس, فللمرء أن يكذب من أجل الإصلاح بين الناس، إذ إن الإصلاح بين الناس هو من أسمى ما يكون في التعامل بين المسلمين؛ لأن الله جل وعلا يقول: ﴿وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ [النساء:١٢٨]، وقال: ﴿لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ﴾ [النساء:١١٤]، (وفساد ذات البين هي الحالقة)، فهي التي تضيع الأمم، وما التشرذم والتفرق وعدم الوحدة الذي نعيشه الآن إلا بسبب التفكك وعدم الترابط, فالله جل وعلا حذرنا من فساد ذات البين، كما قال النبي ﷺ : (فساد ذات البين هي الحالقة، ولا أقول تحلق الشعر، ولكن تحلق الدين) , ففساد ذات البين هو سبب التدابر والتباغض, وهو سبب التشرذم والتفرق الحاصل للأمة كما هو حال واقعنا المعاصر الذي نعيشه الآن، وقد قال النبي ﷺ : (لا تدابروا، ولا تباغضوا، ولا تحاسدوا، وكونوا عباد الله إخواناً)، فللمرء هنا أن يقع في هذه المفسدة الصغرى -وهي الكذب- لدرء المفسدة الكبرى: وهي فساد ذات البين، فله أن يكذب بين قبيلة وقبيلة، أو دولة ودولة، أو أشخاص وأشخاص؛ حتى يصلح بينهم, فللمرء أن يذهب إلى زيد وعمرو مثلاً، فيقول لزيد: سمعت عمراً يثني عليك ثناء عالياً، فهو يرى فيك رجلاً يقتدى ويتأسى به فتلين قلبه بالكلام الطيب حتى تصلح بينهما, فهذا يجوز من باب غمر المفسدة الصغرى في خضم المصلحة العظمى الكبيرة: ألا وهي التآلف والتواد والترابط، كما قال الله تعالى: ﴿وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ [الأنفال:٤٦]، فإن العزة والقوة تكون في التلاحم والترابط، ولذلك روى البخاري في صحيحه عن النبي ﷺ قال: (ليس بالكاذب الذي يصلح بين الناس أو الذي ينمي خيراً أو يقول خيراً) يعني: أنه يكذب، لكنه مأجور عند الله جل في علاه بسبب الكذبات؛ لأنه يأتي بالإصلاح, فهذه أول الحالات التي يمكن للإنسان أن يكذب فيها من أجل مصلحة أكبر.
الحالة الثانية: بين الرجل وزوجته: كأن يبغض الرجل زوجته بسبب صعوبة التعامل معها وعدم لينها معه، فمثل هذا يجوز أن يكذب عليها فيقول: كأني أرى قطعة من القمر أمامي، وأنا أحبك أكثر من نفسي، فالشرع أجاز له أن يكذب عليها، مع أنه يريد أن يلوي عنقها، وأباح له أن يكذب على زوجته حتى في الأموال التي معه؛ من أجل أن يؤلف قلبها؛ لأنه يعلم أن المقصود من الزواج: حصول السكن والمودة والرحمة، كما قال : ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء:١٩]، ومن المعروف: أن تكذب عليها حتى تطيب قلبها، قال النبي ﷺ : (اتقوا الله في النساء) ومن الغريب: أن هذا الكذب يعد من باب التقوى في النساء؛ لأنهن ناقصات عقل ودين, وهذا أيضاً من المفاسد التي يجوز الوقوع فيها مراعاة للمفسدة الكبرى التي قد تقع بسبب هذه العقول الخربة؛ لأن الإنسان لو وقف أمام زوجته موقف الرجل الصنديد الصلب فإنه إما أن يجن وإما أن يقتلها، فلابد أن يصلح من حاله معها ولو بالكذب عليها؛ حتى يحصل المقصود من الزواج، وقد جاء في مسند الإمام أحمد حديث فيه ضعف: وهو أن النبي ﷺ قال: بعدما حذر من الكذب: (إلا لرجل يكذب على أهله)، أي: يتلطف مع أهله بالمحبة والود.
الحالة الثالثة التي يجوز فيها الكذب: الحرب، كما قال النبي ﷺ : (الحرب خدعة)، فيجوز لك أن تكذب على الكافرين في الحرب، ولو اتهموا الإسلام بالكذب، فتقع في المفسدة الصغيرة وهي الكذب من أجل المصلحة العظمى المتمثلة في نصرة هذا الدين ورفع رايته، لكن هل للرجل المجاهد إذا أراد الدخول إلى دولة ما أن يكذب وأن يزور لأجل هذه المصلحة؟
الجواب
لا بد له من مراعاة أمور قبل ذلك، فإذا دخل بأمان هذه الدولة، فهل له أن يخون هذا الأمان أم لا؟ وهل هذه البلدة حربية ضد الإسلام أم لا؟ فهذه ضوابط لا بد أن يعرفها من يريد التزوير أو الكذب في الحرب، وسيأتي الكلام عنها بمشيئة الله تعالى.
والغرض المقصود: أنه يجوز للمرء في هذه الحالات الثلاث أن يرتكب المفسدة الصغيرة لاستجلاب مصلحة أكبر منها.
والخلاصة في هذا: أن المرء يجوز له أن يفعل المحرم مثل الكذب، لجلب منفعة لا يستغنى عنها، أو لدفع مضرة لا يمكن أن تدفع إلا بالكذب، ومثل هذا: أن يكذب التاجر على صاحب الضرائب مدعياً الخسارة في تجارته وعدم الربح ليتهرب من هذه المكوس المحرمة؛ لأنه يدفع هذه المفسدة العظمى بمفسدة صغرى، وهي الكذب.
رجل أيضاً من المؤمنين مطارد من قبل الظلمة، وهذا الرجل المؤمن دخل عند رجل آخر فجاء إليه هذا الظالم وسأله عن الرجل المؤمن، وهذا الرجل يعلم أن هذا الظالم يريد قتل المؤمن، ففي هذه الحالة يجوز لهذا الرجل أن يكذب ويدعي عدم وجوده عنده؛ لأن هذه المضرة المتمثلة في القتل لا تندفع إلا بالكذب فجاز.
كذلك: إذا احتاج إلى شيء ضروري لا غنى له عنه، ولا يمكن أن يحصله إلا بالكذب فله ذلك، كما أنه لو أراد أن يحصل على منفعة ضرورية لا غنى له عنها، ولا يحصلها إلا بأن يرشي هذا المرتشي الذي يأكل سحتاً، فيجوز أن تعطيه؛ لأنه لن يمشي لك هذه المعاملة التي هي حق صرف لك إلا بذلك.
إذاً: ضابط هذا الأمر أنك تقع في هذه المفسدة الصغيرة لدفع مضرة ستقع عليك لا تندفع إلا بالكذب، أو جلب مصلحة ضرورية لك -وهذا القيد مهم- لا يمكن أن تجتلبها إلا بهذا الكذب، وقد قال العلماء: لا بد أن تكون هذه الضرورة أخروية لا دنيوية, فلا يكذب من أجل أن يتحصل على مسألة دنيوية تنفعه في دنياه دون آخرته، هذا ضابط الكلام في جواز الكذب.
стр. 520
الشفاعة
ثم بعد أن بين الإمام الأحوال التي يجوز فيها الكذب وأن الإنسان قد يقع في المحرم دون أن يكتب عليه شيء، ذكر هل يخلد في النار من وقع في كبيرة الكذب أم أنه تحت مشيئة الرحمن؟ وهل تنفعه الشفاعة أم لا؟ فدخل في باب آخر: وهو سياق ما روي في شفاعة النبي ﷺ لأهل الكبائر.
أقول: الشفاعة في اللغة: هي جعل الوتر شفعاً، فتجعل الواحد اثنين، أما في الاصطلاح: فهي التوسط من أجل جلب مصلحة أو دفع مضرة، سواء بين بني البشر أو بين الله جل وعلا وبين خلقه كما سنبين, والشفاعة حق تام محض صرف لله جل وعلا: ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا﴾ [الزمر:٤٤]، فالشفاعة ليست لأحد، وقد ذكر الله جل وعلا في كتابه العظيم شفاعة مثبتة وشفاعة منفية: أما الشفاعة المنفية فهي شفاعة الكافرين, قال الله تعالى: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ [المدثر:٤٨]، وقال الله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ﴾ [البقرة:٤٨]، وقال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفَاعَةٌ﴾ [البقرة:٢٥٤] فهذا نفي عام، ينفي فيه الشفاعة للمشركين كما قال الله تعالى حاكياً لنا على لسانهم أنهم قالوا: ﴿فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ * وَلا صَدِيقٍ حَمِيمٍ﴾ [الشعراء:١٠٠ - ١٠١] , فهذه الشفاعة منفية عن الكافرين، واستثنت منها شفاعة واحدة كما سنبين لاحقاً.
стр. 521
شروط الشفاعة
الشفاعة المثبتة: هي الشفاعة للمؤمنين، ويدخل في المؤمنين أهل الكبائر الذين هم عصاة الموحدين، وقد أثبت الله جل وعلا هذه الشفاعة بشرطين لا بد من توافرهما في هذه الشفاعة: الشرط الأول: الإذن للشافع, قال الله تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة:٢٥٥]، أي: فلا أحد يمكنه أن يشفع عند الله جل وعلا في أحد أن يدخله الجنة، لا مجاهد ولا حافظ قرآن ولا مؤمن ولا ملائكة ولا حتى الرسول ﷺ إلا بعد إذن الله جل وعلا: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة:٢٥٥]، وهذا أسلوب حصر مفاده: أن الشفاعة لا تكون إلا بهذا الإذن.
الشرط الثاني: رضا الله عن الشافع والمشفوع، قال الله تعالى: ﴿وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء:٢٨]، وهذا عموم، فلا بد أن يرضى الله عن الشافع وعن المشفوع حتى تقبل الشفاعة، وقد جمعهم الله في آية واحدة فقال: ﴿إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾ [النجم:٢٦]، فجمع الشرطين: الإذن والرضا حتى تقبل الشفاعة.
стр. 522
أنواع الشفاعة
الشفاعة تنقسم إلى قسمين: شفاعة عامة، وشفاعة خاصة، فالشفاعة الخاصة: هي لنبينا ﷺ ، فلا يشترك معه أحد فيها، وتكون من الموقف الذي يشتد فيه الكرب، وتدنو فيه الشمس من الرءوس قدر ميل، ويغرق الناس في عرقهم، فمنهم من يصل العرق إلى كعبيه وإلى ساقيه وإلى ركبتيه وإلى حقويه وإلى صدره وإلى أذنه, ومنهم من يلجمه العرق إلجاماً، فلشدة وقع الكرب على الناس يذهبون إلى آدم فيقولون: أنت آدم الذي خلقك الله بيده، ونفخ فيك من روحه، ألا تشفع لنا؟ ألا ترى ما نحن فيه؟ فيقول آدم: نفسي نفسي، ثم يحيلهم إلى نوح فيقول: نفسي نفسي، ثم يحيلهم إلى إبراهيم خليل الرحمن، فيذهبون إلى إبراهيم، فيذكر كذباته الثلاث ويقول: نفسي نفسي، ثم يحيلهم إلى موسى، ومن ثم إلى عيسى ﵇، فيقول عيسى: نفسي نفسي، اذهبوا إلى محمد عبد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر؛ فيذهبون إلى محمد ﷺ الرءوف الرحيم بالمؤمنين فيقول: أنا لها أنا لها، وفي رواية: أمتي أمتي، قال: (فأذهب فأسجد تحت العرش، فأحمد الله بمحامد يعلمني إياها، فيقول الله: يا محمد ارفع رأسك، وقل يسمع لك، وسل تعط، واشفع تشفع)، وهذه كرامة كبرى للنبي ﷺ ، للمقام المحمود الذي اختصه الله تعالى به؛ ليبين بذلك أنه سيد الأولين والآخرين ﷺ ، وتكون هذه الشفاعة في أهل المحشر جميعاً حتى يقضي الله بين الخلائق، وهذه خاصة بالنبي ﷺ لا يشترك معه فيها أحد، وهو المقصود بقوله ﷺ فيما يقال بعد الأذان: (وابعثه مقاماً محموداً الذي وعدته)، فإن الله يبعثه المقام المحمود في عرصات يوم القيامة.
ومن أنواع الشفاعة الخاصة به: الشفاعة في دخول أهل الجنة الجنة، فلا يدخل بشر الجنة حتى الأنبياء إلا بشفاعته ﷺ ؛ لأنه يطرق الباب -كما جاء في الحديث- فيقال: من؟ فيقول: محمد فيقال: ما أمرنا أن نفتح إلا لك، فلا أحد يدخل الجنة أبداً وإن كان من مستحقيها إلا بعد شفاعة النبي ﷺ .
أما الشفاعة الثالثة الخاصة برسول الله ﷺ : فهي الشفاعة المستثناة لعمه، حتى إن إبراهيم ﵇ لا يشفع لأبيه، فقد تبرأ منه لما رآه عدواً لله جل وعلا، أما النبي ﷺ فإنه يشفع في عمه أبي طالب، فبعد أن كان في الدرك الأسفل من النار أصبح عليه نعل أو نعلان من نار يغلي منهما دماغه ومع ذلك يقول: ما رأيت أحداً أشد عذاباً مني في النار، وفي البخاري: (أن العباس جاء إلى النبي ﷺ فقال: ما فعلت لعمك وقد كان يحوطك وينصرك؟ فقال: لولاي لكان في الدرك الأسفل من النار).
أما الشفاعة الرابعة: فهي مشتركة بين المؤمنين والملائكة والأنبياء والمرسلين، حتى إن الله جل وعلا يقول: (شفعت الملائكة وشفع المؤمنون وشفع الأنبياء, وبقيت شفاعة رب العالمين، فيقبض قبضة فيخرج من النار كل من قال: لا إله إلا الله وفي قلبه مثقال ذرة من الإيمان)، فهذه الشفاعة عامة يشترك فيها النبي ﷺ والمؤمنون والملائكة.
ومن هذه الشفاعات أيضاً: الشفاعة في أهل الكبائر، وهذا هو الشاهد وهو السياق الذي أورد من أجله أحاديث الشفاعة, فإنه يشفع لأهل الكبائر الذين يستحقون النار ولم يتوبوا من هذه الكبائر، وهذا قيد مهم جداً؛ لأنهم لو تابوا لما استحقوا العذاب؛ لأن النبي ﷺ يقول: (التائب من الذنب كمن لا ذنب له).
ودليل هذه الشفاعة قوله ﷺ كما في البخاري: (لكل نبي دعوة مستجابة دعاها على قومه، وإني اختبأت دعوتي شفاعة لأمتي) وفي رواية أخرى: (شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي)، وفي بعض الروايات وإن كانت لا تصح إلا موقوفة يقول: (أتحسبونها للمتقين للمؤمنين؟) يعني: أن الشفاعة هذه لا تكون للمتقين والمؤمنين، قال: (لا، بل هي للمذنبين من أمتي) فالنبي ﷺ يشفع لأهل الكبائر الذين استحقوا النار ألا يدخلوها ويدخلوا الجنة.
ومن الشفاعات أيضاً: أنه يشفع في أناس دخلوا النار وماتوا، كما في مسند أحمد، قال بالتصريح: (فيموتون فيصيرون حمماً ثم يؤخذون إلى نهر الحياة)، فهؤلاء أهل الكبائر الذين أدخلهم الله النار، بعدما عذبوا بكبائرهم فيموتون ويصيرون حمماً، فالنبي ﷺ يشفع فيهم، وتشفع الملائكة، ويشفع المؤمنون، فيخرجون من هذه النار ويدخلون في نهر الحياة فيخرجون ويدخلون الجنة، كما جاء في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: (آخر أمتي دخولاً الجنة من الذين يفعلون الكبائر فيموتون، ثم يلقون في نهر الحياة، فبعدما يخرجه الله يقول: رب أبعدني عن النار -يعني: أن لهيبها قد أصابه- فيبعده الله عن النار، فينظر فيجد شجرة يريد أن يستظل بها، فيقول: رب اجعلني تحت هذه الشجرة لأستظل بظلها، فيقول الله: ويحك يا ابن آدم! لو أعطيتك هذه لسألتني غيرها، فيعطي المواثيق والأقسام أنه لا يسأله غيرها، فما أن أجلسه الله تحت هذه الشجرة حتى نظر إلى أهل الجنة فاشرأبت عنقه)، وهو لا يستطيع الصبر ولذلك النبي ﷺ يعقب على هذا ويقول: (وربك يعذره)؛ وهذه دلالة يستدل بها العلماء: أن الإنسان لو أقسم على غالب ظنه، ثم وجد الأمر مخالفاً لقسمه فإنه لا يحنث، وهنا يرى أهل الجنة يتمتعون وهو في الخلف فيقول: رب! قربني من هؤلاء، فيقول: (ويحك يا ابن آدم! أما أخذت عليك المواثيق ألا تسأل؟ فالنبي ﷺ يقول: وربك يعذره؛ لأنه يرى ما لا صبر له عليه)، فيقربه الله جل وعلا.
وهنا قاعدة مهمة: وهي أن الله جل وعلا إذا أراد شيئاً هيأ له سببه، فاستبشر خيراً، فإن أراد الله جل وعلا بك خيراً هيأ لك أسبابه، فجعلك تحضر دروس العلم، وجعلك تفعل ما يفعل المؤمنون المتقون، وجعل همك كله منصباً في كيفية إرضاء الله جل وعلا, وهنا أراد الله جل وعلا لهذا الرجل أن يدخل الجنة فطمعه فيها، فهو الكريم ولن يخيب من طمع في كرمه، وعند ذلك يريه الله الجنة فيقول: رب أدخلنيها فيدخله الله الجنة، ويعطيه مثل ملْك ملِك من ملوك الدنيا وفوقه عشر مرات بفضل الله ورحمته، فهؤلاء هم أهل الكبائر الذين يدخلون الجنة بشفاعة النبي ﷺ ، وبشفاعة المؤمنين والأنبياء والملائكة.
ثم بعد ذلك الشفاعة الخامسة والأخيرة: وهي شفاعته ﷺ في أناس كانوا في درجة أقل في الجنة ليرتقوا إلى الدرجات العلى، ولم يكن عمله قد أوصله إلى هذه الدرجة العليا فيرتقي بشفاعة النبي ﷺ ، كأن يكون دون الفردوس فيرتقي بشفاعة النبي إلى الفردوس.
وإذا كان الأب مثلاً في درجة عالية والابن في درجة أنزل منه فإنه يرتقي بشفاعة النبي إلى درجة الأب، أو العكس كما بين الله جل وعلا ذلك بقوله: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الطور:٢١] يعني: ما أنقصناهم من عملهم من شيء.
نسأل الله جل وعلا أن يجعل النبي ﷺ شفيعاً لنا، وأن يشفع فينا الملائكة، ونسأله جل وعلا أن يقبلنا في الصالحين الموفقين.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.
стр. 523
شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة - الحوض
من الإيمان باليوم الآخر الإيمان بالحوض، وقد بين النبي ﷺ صفاته، ولكل نبي حوض تشرب منه أمته، ويحرم من ورود الحوض أهل البدعة والضلالة؛ ولذا حرم الشرع كل البدع، وبالغ في الزجر عنها والتنفير منها، فينبغي معرفة ضابط البدع وأنواعها من أجل الحذر من الوقوع فيها.
стр. 524
الإيمان بالحوض
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]،.
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
إن الله جل وعلا يبين أن فلاح المؤمنين بإيمانهم بالغيب، وهذا الذي يدل على صدق الإيمان في القلب، فبدأ المصنف بالغيبيات، وأول ما بدأ به سياق ما روي عن النبي ﷺ في الحوض.
والحوض لغة: الجمع، ويطلق على المكان الذي يتجمع فيه الماء.
وشرعاً: هو الحوض الذي شرف به الله جل وعلا النبي ﷺ في عرصات يوم القيامة، ولم يخص النبي ﷺ بالحوض كما سنبين، بل يشترك إخوانه من الأنبياء والمرسلين في هذه الفضيلة الكبيرة ألا وهي الحوض.
стр. 525
أدلة ثبوت الحوض من الكتاب والسنة والإجماع
الحوض الذي شرف الله به نبيه ﷺ في عرصات يوم القيامة ثابت في الكتاب بالإشارة، وفي السنة بالتواتر، فهو ثابت كالجبال الرواسي، قال الله تعالى: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ [الكوثر:١]، والكوثر فسره النبي ﷺ بأنه نهر من أنهار الجنة، يصب في حوض النبي ﷺ في عرصات يوم القيامة.
قلنا: إنه ثابت بالكتاب والسنة، وأيضاً أجمع السلف الصالح على ثبوت الحوض للنبي ﷺ ، وهذه فضيلة تشرف بها النبي ﷺ ، إظهاراً لمكانته ومنزلته عند الله يوم القيامة، وأجمع السلف على ذلك، وهذا الإجماع ما انخرق، لكن خالف أهل السنة والجماعة الخوارج والمعتزلة فأنكروا الحوض، وهؤلاء -جزاءً وفاقاً، والجزاء من جنس العمل- إن شاء الله سيحرمون ويصدون عن هذا الحوض، وهم أشد ما يحتاجون إلى هذا الحوض في عرصات يوم القيامة.
وقد جاءت أحاديث كثيرة متواترة تبين الحوض، كما في الصحيحين عن النبي ﷺ قال: (أنا فرطكم على الحوض -أي: أنا الذي أتقدمكم على الحوض- ولأذودن عن حوضي) أي: يزيح الناس من الأمم الأخرى عن الحوض، وهذه مزية لهذه الأمة، والنبي ﷺ يفرق بين أمته وبين الأمم التي سبقت وآمنت بالرسل غير النبي ﷺ .
стр. 526
بيان صفة الحوض كما ورد في الأحاديث
وردت أحاديث كثيرة تبين الحوض وتصفه، وهذه الأحاديث وإن كان فيها اختلاف في ظاهرها، لكن الاختلاف تمثيلي وتقريبي، يعني: النبي ﷺ اختلفت الروايات عنه في طول هذا الحوض وعرضه، ففي بعض الروايات أنه بين أيلة وعدن، أو بين مقامي هذا ومسيرة ثلاثة أيام، فبين النبي ﷺ في أحاديث مختلفة مواضع أو مساحة هذا الحوض، وهذه الأحاديث لا تختلف أبداً؛ لأنها تمثيلية تقريبية، وفي رواية: طول هذا الحوض مسيرة شهر وعرضه مسيرة شهر، ومعنى ذلك: أنه دائري أو مربع وزواياه مستوية، وتستوي فيه الأطراف، أما عدد الأواني التي ستشرب منها هذه الأمة فبين النبي ﷺ أنها كعدد نجوم السماء، فيستنبط من هذا سعة وكثرة هذه الأواني حتى تسع هذه الأمة بأسرها.
ويستنبط من الرواية الأخرى: (كنجوم السماء): أنها تتلألئ، فيتمتع الشارب متعة معنوية ومتعة حسية، أما المتعة الحسية عندما يشرب من هذا الحوض، شربة هنيئة لا يظمأ بعدها أبداً، فماؤه عذب زلال، أحلى من العسل.
والمتعة المعنوية متعة الروح عند النظر إلى هذه الأواني وهي تتلألئ، كما تتلألئ النجوم في السماء فهي زينة للسماء، وأيضاً هذه الأواني زينة يتمتع الناظر إليها، فيتمتع الشارب حسياً بالشرب شربة هنيئة لا يظمأ بعدها أبداً، ويتمتع معنوياً بالنظر في هذه الأواني اللامعة.
وقال النبي ﷺ في وصف هذا الحوض العظيم: (له ميزابان) يعني: كل ميزاب يصب على الحوض، ميزاب من ذهب وميزاب من ورق، والورق: الفضة، وهذا الحديث يستدل به الفقهاء على أن الذهب والفضة إذا حرم على المؤمن والمسلم استعمال أوانيها في الدنيا، فهي له في الآخرة، مصداقاً لقول النبي ﷺ : (هي لهم في الدنيا)، يعني للكفار: (ولكم في الآخرة)، فالميزاب الأول من ذهب والميزاب الثاني من فضة، يصبان في هذا الحوض من نهر الكوثر.
وهذا الماء أبيض من اللبن، كما قال النبي ﷺ : (ماؤه أبيض من اللبن)، وفي رواية أخرى قال: (ماؤه أبيض من الورق) يعني: أبيض من الفضة، وهذا فيه زيادة في المعنى، فليس أبيض فقط، بل فيه بريق ولمعان، كأنه يخطف الأبصار، ليس الخطف الذي ورد في الآية، ولكنه يجعل الأبصار تتلألئ إذا نظرت إلى هذا الماء العذب، الذي هو أبيض من الورق، وأبيض من اللبن، أما طعمه فأحلى من العسل، كأنك تشرب العسل، وينزل في صدرك بحلاوته، فهذا الماء أحلى من العسل كما قال النبي ﷺ .
ورائحته أطيب من المسك، فلونه أبيض من اللبن، وطعمه أحلى من العسل، ورائحته أطيب من رائحة المسك، وأفضل ما فيه: أن المرء إذا شرب منه لا يحتاج إلا شربة واحدة بيد النبي ﷺ الشريفة فلا يظمأ بعد هذه الشربة أبداً، نسأل الله جل وعلا أن يجعلنا ممن يشرب من حوض النبي ﷺ .
стр. 527
حاجة الناس الشديدة يوم القيامة إلى الحوض
يوم القيامة تشتد الحاجة إلى الحوض، لأن الناس في كرب شديد، وفي ظمأ وجهد شديدين في عرصات يوم القيامة، فهم يحتاجون إلى شربة ماء؛ حتى يروي كل واحد منهم هذا الظمأ الذي فيه، وهذه الشدة وهذا الكرب في عرصات يوم القيامة، فحاجة الناس إلى الماء تشتد جداً في عرصات يوم القيامة، خاصة عندما يتلألئ بريق هذا الحوض، وقد ذكر النبي ﷺ ، أن الشمس تدنو من الرءوس قدر ميل، فيعرق كل امرئ على حسب طاعته، فمنهم من يعرق فيصل العرق إلى كعبيه، ومنهم من يصل إلى ساقيه، ومنهم من يصل العرق إلى ركبتيه، ومنهم من يصل إلى حقويه، ومنهم من يصل العرق إلى صدره، كل بحسب معصيته وطاعته، ومنهم من يصل العرق إلى أذنيه، ومنهم من يغطيه ويلجمه العرق إلجاماً، نعوذ بالله أن نكون كذلك.
فهؤلاء من شدة ما يعانون، ومن قرب الشمس منهم، يحتاجون أشد ما يحتاجون إلى الشرب من هذا الماء، والنبي ﷺ يقول لأمته: هلموا هلموا، حتى يسقيهم النبي ﷺ من هذا الحوض الشريف.
стр. 528
لكل نبي حوض
ليست ميزة الحوض خاصة بالنبي ﷺ ، بل يشترك في هذا الخاصية جميع الأنبياء والمرسلين، فلكل نبي حوض، كما ورد في الحديث عن النبي ﷺ أنه قال: (إن لكل نبي حوضاً)، وهو حديث يتسامح في إسناده؛ لأنه بمجموع طرقه حسن، قال: (إن لكل نبي حوضاً، وإنهم ليتباهون بأكثرهم وارداً، وإني أرجو أن أكون أكثرهم وارداً) ويرد على بعضهم الفئة من الناس، ويرد على بعض الأنبياء العصبة من الناس، ويرد على بعضهم الرجلان والرجل، وبعض الأنبياء لا يرد أحد على حوضه، فيقال له: قد بلغت قد بلغت، يعني: ما عليك إلا البلاغ، كما قال الله تعالى: ﴿فاعلموا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلاغُ الْمُبِينُ﴾ [المائدة:٩٢] أي: ما عليك إلا البلاغ، حتى وإن لم يستمع أحد، فقد بلغت وتشكر على هذا، والله سيشكر لك صنيعك، ويقول النبي ﷺ : (وإني أكثر الناس وارداً).
стр. 529
مزية هذه الأمة على غيرها من الأمم عند ورودها الحوض
خير الأمم وأكثرها هي هذه الأمة التي ترد على هذا الحوض، ومن الممكن أن تتداخل الأمم بعضها مع بعض، فيذهبون إلى حوض النبي؛ لأنه أشد حلاوة، وأشد بريقاً، وأكثر وارداً، فيتهافتون فيتداخلون مع هذه الأمة، فهل النبي ﷺ يميز هذه الأمة وهو لم يرها؟ سئل النبي ﷺ عن ذلك فقال النبي ﷺ : (إني لأذود عن حوضي لأمتي، كما يذود أحدكم البعير الغريبة) يعني: كل إبل غريبة ليست من إبله يذودها عن حوضه، حتى تأتي إبله وتشرب من هذا الحوض، (فقالوا: يارسول الله! أوتعرف أمتك) أي: أمتك التي جاءت بعدك أوتعرفها؟ فقال النبي ﷺ : (نعم، ترد أمتي على الحوض غراً محجلين)، وهذه ميزة خاصة لهذه الأمة الخيرية، ولا أمة تشترك معها في هذه الخاصية، قال: (ترد هذه الأمة على الحوض غراً محجلين من أثر الوضوء)، ولذلك كان أبو هريرة عندما يتوضأ يقول: أيها الناس: أطيلوا غرتكم، والغرة هي: البياض في الوجه، ولا تطال على الراجح، فالصحيح أن التحجيل هو: البياض الذي في الرجل، أرأيت الخيل السود البهم، خيول فيها بياض في الرأس وبياض في الرجل، تعرف من بين الخيول السود البهم، كذلك هذه الأمة يردون على الحوض غراً محجلين.
стр. 530
المحرومون من ورود الحوض والشرب منه
فإذا كانت هذه الأمة ترد والنبي ﷺ يميز هذه الأمة عن الأمم السابقة، وهو الذي يسقيهم بيده، فهل من محروم في هذا اليوم العصيب؟ عندما يشتد الكرب، عندما يريد كل واحد من الناس أن يروي ظمأه، هل من مصدود محروم لا يشرب من يد النبي ﷺ شربة هنيئة لا يظمأ بعدها أبداً؟ نقول: نعم والله، فإن الجزاء من جنس العمل، فإن الذين أنكروا هذا الحوض، وأنكروا سنة النبي ﷺ ، وأنكروا ما هو ثابت بالتواتر، جزاؤهم من جنس عملهم، فإن الله جل وعلا يصدهم عن الحوض ويحرمون منه، فلا يشربون من هذا الحوض، وهم أشد الناس حاجة إلى شربة ماء واحدة، يروون بها هذا الظمأ، كما ورد في الصحيح أن النبي ﷺ قال: (ليختلجن رجال من دوني، فأقول: يا رب! أمتي أمتي، فيقال: يا محمد، لا تدري ماذا أحدثوا بعدك).
وفي رواية أخرى: عندما يقال له: (لا تدري ما أحدثوا بعدك، فيقول النبي ﷺ : سحقاً سحقاً لمن بدل بعدي).
إذاً: أهل البدع وأهل الأهواء محرومون من الشرب من يد النبي ﷺ ، محرومون من أن يشربوا شربة هنيئة لا يظمئون بعدها أبداً من يد النبي ﷺ ، ومن حوض النبي ﷺ .
وهذه إشارة من حديث النبي ﷺ تبين عظم وخطر البدعة وأنها أشد من الكبائر، فأعظم الكبائر هي البدعة؛ لأن البدعة أحب إلى الشيطان من المعصية، أرأيتم! كل الناس سيشربون من حوض النبي ﷺ إلا المبتدع، حتى العاصي وفاعل الكبيرة سيشرب من حوض النبي ﷺ إن شاء الله، إلا المبتدع لعظم جرمه؛ لأن البدعة بريد للكفر، والبدعة هي أحب إلى الشيطان من المعصية، فالمعصية وإن كانت كبيرة يتوب منها الإنسان، أما البدعة لا توبة له، لا أقول: لا توبة له شرعاً، أقول: لا توبة له كوناً، فهو أصلاً في الشرع فتح الله له باب التوبة، وأمره بالتوبة، فقد قسم الله الناس إلى ظالم وتائب، فهو مأمور بالتوبة محثوث عليها، فلا بد من أن يتوب إلى الله، لكن كوناً يمنع منها، وقد ورد في ذلك كثير من الآثار أنه لا توبة لصاحب بدعة؛ لأنها تترسخ في قلبه ويدافع عنها وينافح عنها، ويأتي بالأكاذيب والأباطيل والموضوعات حتى ينافح ويدافع عن هذه البدعة، نعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ونعوذ بالله من البدعة ومن أهل البدع.
следующие страницы →