Полный текст (838 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.
стр. 526
بيان صفة الحوض كما ورد في الأحاديث
وردت أحاديث كثيرة تبين الحوض وتصفه، وهذه الأحاديث وإن كان فيها اختلاف في ظاهرها، لكن الاختلاف تمثيلي وتقريبي، يعني: النبي ﷺ اختلفت الروايات عنه في طول هذا الحوض وعرضه، ففي بعض الروايات أنه بين أيلة وعدن، أو بين مقامي هذا ومسيرة ثلاثة أيام، فبين النبي ﷺ في أحاديث مختلفة مواضع أو مساحة هذا الحوض، وهذه الأحاديث لا تختلف أبداً؛ لأنها تمثيلية تقريبية، وفي رواية: طول هذا الحوض مسيرة شهر وعرضه مسيرة شهر، ومعنى ذلك: أنه دائري أو مربع وزواياه مستوية، وتستوي فيه الأطراف، أما عدد الأواني التي ستشرب منها هذه الأمة فبين النبي ﷺ أنها كعدد نجوم السماء، فيستنبط من هذا سعة وكثرة هذه الأواني حتى تسع هذه الأمة بأسرها.
ويستنبط من الرواية الأخرى: (كنجوم السماء): أنها تتلألئ، فيتمتع الشارب متعة معنوية ومتعة حسية، أما المتعة الحسية عندما يشرب من هذا الحوض، شربة هنيئة لا يظمأ بعدها أبداً، فماؤه عذب زلال، أحلى من العسل.
والمتعة المعنوية متعة الروح عند النظر إلى هذه الأواني وهي تتلألئ، كما تتلألئ النجوم في السماء فهي زينة للسماء، وأيضاً هذه الأواني زينة يتمتع الناظر إليها، فيتمتع الشارب حسياً بالشرب شربة هنيئة لا يظمأ بعدها أبداً، ويتمتع معنوياً بالنظر في هذه الأواني اللامعة.
وقال النبي ﷺ في وصف هذا الحوض العظيم: (له ميزابان) يعني: كل ميزاب يصب على الحوض، ميزاب من ذهب وميزاب من ورق، والورق: الفضة، وهذا الحديث يستدل به الفقهاء على أن الذهب والفضة إذا حرم على المؤمن والمسلم استعمال أوانيها في الدنيا، فهي له في الآخرة، مصداقاً لقول النبي ﷺ : (هي لهم في الدنيا)، يعني للكفار: (ولكم في الآخرة)، فالميزاب الأول من ذهب والميزاب الثاني من فضة، يصبان في هذا الحوض من نهر الكوثر.
وهذا الماء أبيض من اللبن، كما قال النبي ﷺ : (ماؤه أبيض من اللبن)، وفي رواية أخرى قال: (ماؤه أبيض من الورق) يعني: أبيض من الفضة، وهذا فيه زيادة في المعنى، فليس أبيض فقط، بل فيه بريق ولمعان، كأنه يخطف الأبصار، ليس الخطف الذي ورد في الآية، ولكنه يجعل الأبصار تتلألئ إذا نظرت إلى هذا الماء العذب، الذي هو أبيض من الورق، وأبيض من اللبن، أما طعمه فأحلى من العسل، كأنك تشرب العسل، وينزل في صدرك بحلاوته، فهذا الماء أحلى من العسل كما قال النبي ﷺ .
ورائحته أطيب من المسك، فلونه أبيض من اللبن، وطعمه أحلى من العسل، ورائحته أطيب من رائحة المسك، وأفضل ما فيه: أن المرء إذا شرب منه لا يحتاج إلا شربة واحدة بيد النبي ﷺ الشريفة فلا يظمأ بعد هذه الشربة أبداً، نسأل الله جل وعلا أن يجعلنا ممن يشرب من حوض النبي ﷺ .
стр. 527
حاجة الناس الشديدة يوم القيامة إلى الحوض
يوم القيامة تشتد الحاجة إلى الحوض، لأن الناس في كرب شديد، وفي ظمأ وجهد شديدين في عرصات يوم القيامة، فهم يحتاجون إلى شربة ماء؛ حتى يروي كل واحد منهم هذا الظمأ الذي فيه، وهذه الشدة وهذا الكرب في عرصات يوم القيامة، فحاجة الناس إلى الماء تشتد جداً في عرصات يوم القيامة، خاصة عندما يتلألئ بريق هذا الحوض، وقد ذكر النبي ﷺ ، أن الشمس تدنو من الرءوس قدر ميل، فيعرق كل امرئ على حسب طاعته، فمنهم من يعرق فيصل العرق إلى كعبيه، ومنهم من يصل إلى ساقيه، ومنهم من يصل العرق إلى ركبتيه، ومنهم من يصل إلى حقويه، ومنهم من يصل العرق إلى صدره، كل بحسب معصيته وطاعته، ومنهم من يصل العرق إلى أذنيه، ومنهم من يغطيه ويلجمه العرق إلجاماً، نعوذ بالله أن نكون كذلك.
فهؤلاء من شدة ما يعانون، ومن قرب الشمس منهم، يحتاجون أشد ما يحتاجون إلى الشرب من هذا الماء، والنبي ﷺ يقول لأمته: هلموا هلموا، حتى يسقيهم النبي ﷺ من هذا الحوض الشريف.
стр. 528
لكل نبي حوض
ليست ميزة الحوض خاصة بالنبي ﷺ ، بل يشترك في هذا الخاصية جميع الأنبياء والمرسلين، فلكل نبي حوض، كما ورد في الحديث عن النبي ﷺ أنه قال: (إن لكل نبي حوضاً)، وهو حديث يتسامح في إسناده؛ لأنه بمجموع طرقه حسن، قال: (إن لكل نبي حوضاً، وإنهم ليتباهون بأكثرهم وارداً، وإني أرجو أن أكون أكثرهم وارداً) ويرد على بعضهم الفئة من الناس، ويرد على بعض الأنبياء العصبة من الناس، ويرد على بعضهم الرجلان والرجل، وبعض الأنبياء لا يرد أحد على حوضه، فيقال له: قد بلغت قد بلغت، يعني: ما عليك إلا البلاغ، كما قال الله تعالى: ﴿فاعلموا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلاغُ الْمُبِينُ﴾ [المائدة:٩٢] أي: ما عليك إلا البلاغ، حتى وإن لم يستمع أحد، فقد بلغت وتشكر على هذا، والله سيشكر لك صنيعك، ويقول النبي ﷺ : (وإني أكثر الناس وارداً).
стр. 529
مزية هذه الأمة على غيرها من الأمم عند ورودها الحوض
خير الأمم وأكثرها هي هذه الأمة التي ترد على هذا الحوض، ومن الممكن أن تتداخل الأمم بعضها مع بعض، فيذهبون إلى حوض النبي؛ لأنه أشد حلاوة، وأشد بريقاً، وأكثر وارداً، فيتهافتون فيتداخلون مع هذه الأمة، فهل النبي ﷺ يميز هذه الأمة وهو لم يرها؟ سئل النبي ﷺ عن ذلك فقال النبي ﷺ : (إني لأذود عن حوضي لأمتي، كما يذود أحدكم البعير الغريبة) يعني: كل إبل غريبة ليست من إبله يذودها عن حوضه، حتى تأتي إبله وتشرب من هذا الحوض، (فقالوا: يارسول الله! أوتعرف أمتك) أي: أمتك التي جاءت بعدك أوتعرفها؟ فقال النبي ﷺ : (نعم، ترد أمتي على الحوض غراً محجلين)، وهذه ميزة خاصة لهذه الأمة الخيرية، ولا أمة تشترك معها في هذه الخاصية، قال: (ترد هذه الأمة على الحوض غراً محجلين من أثر الوضوء)، ولذلك كان أبو هريرة عندما يتوضأ يقول: أيها الناس: أطيلوا غرتكم، والغرة هي: البياض في الوجه، ولا تطال على الراجح، فالصحيح أن التحجيل هو: البياض الذي في الرجل، أرأيت الخيل السود البهم، خيول فيها بياض في الرأس وبياض في الرجل، تعرف من بين الخيول السود البهم، كذلك هذه الأمة يردون على الحوض غراً محجلين.
стр. 530
المحرومون من ورود الحوض والشرب منه
فإذا كانت هذه الأمة ترد والنبي ﷺ يميز هذه الأمة عن الأمم السابقة، وهو الذي يسقيهم بيده، فهل من محروم في هذا اليوم العصيب؟ عندما يشتد الكرب، عندما يريد كل واحد من الناس أن يروي ظمأه، هل من مصدود محروم لا يشرب من يد النبي ﷺ شربة هنيئة لا يظمأ بعدها أبداً؟ نقول: نعم والله، فإن الجزاء من جنس العمل، فإن الذين أنكروا هذا الحوض، وأنكروا سنة النبي ﷺ ، وأنكروا ما هو ثابت بالتواتر، جزاؤهم من جنس عملهم، فإن الله جل وعلا يصدهم عن الحوض ويحرمون منه، فلا يشربون من هذا الحوض، وهم أشد الناس حاجة إلى شربة ماء واحدة، يروون بها هذا الظمأ، كما ورد في الصحيح أن النبي ﷺ قال: (ليختلجن رجال من دوني، فأقول: يا رب! أمتي أمتي، فيقال: يا محمد، لا تدري ماذا أحدثوا بعدك).
وفي رواية أخرى: عندما يقال له: (لا تدري ما أحدثوا بعدك، فيقول النبي ﷺ : سحقاً سحقاً لمن بدل بعدي).
إذاً: أهل البدع وأهل الأهواء محرومون من الشرب من يد النبي ﷺ ، محرومون من أن يشربوا شربة هنيئة لا يظمئون بعدها أبداً من يد النبي ﷺ ، ومن حوض النبي ﷺ .
وهذه إشارة من حديث النبي ﷺ تبين عظم وخطر البدعة وأنها أشد من الكبائر، فأعظم الكبائر هي البدعة؛ لأن البدعة أحب إلى الشيطان من المعصية، أرأيتم! كل الناس سيشربون من حوض النبي ﷺ إلا المبتدع، حتى العاصي وفاعل الكبيرة سيشرب من حوض النبي ﷺ إن شاء الله، إلا المبتدع لعظم جرمه؛ لأن البدعة بريد للكفر، والبدعة هي أحب إلى الشيطان من المعصية، فالمعصية وإن كانت كبيرة يتوب منها الإنسان، أما البدعة لا توبة له، لا أقول: لا توبة له شرعاً، أقول: لا توبة له كوناً، فهو أصلاً في الشرع فتح الله له باب التوبة، وأمره بالتوبة، فقد قسم الله الناس إلى ظالم وتائب، فهو مأمور بالتوبة محثوث عليها، فلا بد من أن يتوب إلى الله، لكن كوناً يمنع منها، وقد ورد في ذلك كثير من الآثار أنه لا توبة لصاحب بدعة؛ لأنها تترسخ في قلبه ويدافع عنها وينافح عنها، ويأتي بالأكاذيب والأباطيل والموضوعات حتى ينافح ويدافع عن هذه البدعة، نعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ونعوذ بالله من البدعة ومن أهل البدع.
стр. 531
وقت الحوض ومكانه
الصحيح الراجح: أن حوض النبي ﷺ يكون في عرصات يوم القيامة قبل المرور على الصراط، فالذي يشرب شربة لا يظمأ بعدها أبداً، نقول: بإذن الله أنه يمر كالريح أو يمر كأجاويد الخيل على الصراط حتى ينجو ويدخل الجنة بسلام.
стр. 532
البدعة لغة وشرعاً
البدعة لغة: مشتقة من الابتداع، والابتداع معناه: الاختراع، فالبدعة هي: الطريقة المخترعة على غير مثال سابق، وأما شرعاً فأجمل ما يقال في البدعة ما قاله الشاطبي: هي: طريقة في الدين مخترعة، تضاهي الشريعة، يعني: توازيها وتشاكلها وتشابهها، أو يقصد السلوك عليها: التقرب إلى الله جل وعلا، ويقصد بالعمل بها: التقرب إلى الله جل وعلا، كما قال الله تعال: ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ﴾ [الحديد:٢٧]، ومعنى طريقة في الدين مخترعة: لم يأت دليل من الكتاب ولا من السنة أن هذه عبادة، وهم يتعبدون بها لله جل وعلا، فهي مخترعة؛ لأنها لم ترد على لسان النبي ﷺ في القرآن، أو على لسان النبي ﷺ في الأحاديث النبوية.
فهي طريقة في الدين مخترعة تضاهي الشرعية وتشاكلها، كصلاة الألفية مثلاً، أو صلاة الرغائب، أو صوم يوم في زمان لم يشرعه الله جل وعلا ولم يشرعه النبي ﷺ ، فهو يضاهي الشرعية، يعني: يشاكل ويشابه ما أصل شرعاً، وورد به الكتاب ووردت به السنة.
والمقصود بها: أن يتقرب إلى الله جل وعلا، كما قال الله تعالى: ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إلا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا﴾ [الحديد:٢٧]، فيقصدون بذلك التقرب إلى الله جل وعلا.
стр. 533
الدلائل من الكتاب والسنة والعقل على ذم البدعة وأهلها
والبدعة مذمومة شرعاً وعقلاً، أما شرعاً فقد قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى﴾ [القصص:٥٠]، وقال جل وعلا: ﴿وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [ص:٢٦]، وقال جل وعلا في سياق ذم النصارى: ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا﴾ [الحديد:٢٧]، وفي الصحيحين عن عائشة ﵂ وأرضاها قالت: قال رسول الله ﷺ : (من أحدث في ديننا هذا ماليس منه فهو رد) من أحدث أي: ابتدع واخترع فهو باطل مردود على وجهه، وفي رواية أخرى قال: (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد)، وأيضاً في الصحيح عن النبي ﷺ قال: (من رغب عن سنتي -يعني: ابتدع غير سننتي - فليس مني)، فقد تبرأ منه النبي ﷺ ، وفي السنن أيضاً عن علي قال: (لعن الله من غير منار الأرض، لعن الله من لعن والديه، لعن الله من آوى محدثاً)، فإن كان الذي يؤوي المحدث المبتدع ملعوناً، فما بالكم بالذي يبتدع في دين الله جل وعلا؟ والآثار في ذلك كثيرة، وأيضاً عن العرباض بن سارية كما في مسند أحمد وفي السنن أنه قال: (وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة)، وأيضاً في خطبة الحاجة ما كان يتقدم النبي ﷺ في كلامه شيئاً إلا ويقول: (إن الحمد لله -إلى آخر ما يقول- وإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة -وفي رواية عند النسائي قال:- وكل ضلالة في النار) يعني: البدعة ليس منها حسنة ومنها سيئة، بل كل البدع ضلالة، كما ورد بسند صحيح رواه الدارمي وغيره عن ابن عمر أنه قال: كل بدعة ضلالة، وإن رآها الناس حسنة.
وعن ابن مسعود ﵁ وأرضاه أنه قال: اتبعوا ولا تبتدعوا، فقد كفيتم، وقد دخل على أناس يسبحون بالحصى يقول الرجل: كبروا مائة سبحوا مائة هللوا مائة فدخل ابن مسعود وهم يذكرون الله جل وعلا على هيئة حلق، ولا يقولون شيئاً فيه تخاريف، ولا فيه شرك، بل أقوال فيها تسبيح وتحميد وتهليل وتكبير، فقال ابن مسعود مندهشاً مما يفعلون: أما أنكم على ملة أهدى من ملة محمد ﷺ ، أو أنكم مفتتحو باب ضلالة.
لأنكم أتيتم بعبادة لم يأت بها النبي ﷺ ، وأتيتم بعبادة لم يأت بها الصحابة الكرام، ولو كان خيراً لسبقونا إليه.
جاء رجل إلى ابن عباس ﵁ وأرضاه فقال: أوصني.
قال: أوصيك بتقوى الله، والسمع والطاعة، واتبع ولا تبتدع.
ولذلك قال ابن المسيب: من أحيا بدعة فقد أمات سنة، فالذي يحيي البدع، هو الذي يميت السنن، فالدين كله يهدم بالبدع.
وقال بعضهم: إني أرجو أن أدخل المسجد فأجده يشتعل ناراً خير لي من أن أجد فيه بدعة، فانظروا إلى حرص السلف على سنة النبي ﷺ ، وحرصهم على سنة النبي ﷺ .
قال الثوري: البدعة أحب إلى الشيطان من المعصية، فإن المعصية يتوب المرء منها، وإن البدعة لا يتوب المرء منها، والآثار في ذلك كثيرة.
стр. 534
أقسام البدعة
البدعة تنقسم إلى قسمين: بدعة مكفرة، وبدعة مفسقة، البدعة المكفرة: هي البدعة في أصول الاعتقاد، فالبدعة المكفرة هي البدعة في الأصول، يعني: البدعة في العقيدة، وأمثالها كثيرة جداً، كبدعة الجهمية المعطلة الذين ينفون أسماء الله وصفاته، والذين يقولون: لا سميع ولا سمع، ولا بصير ولا بصر، فهذه بدعة كفرية، يكفر بها صاحبها، لكن يكفر نوعاً لا عيناً، فالقول قول كفر، والفعل فعل كفر، والقائل والفاعل ليس بكافر حتى تقام عليه الحجة وتزال عنه الشبهة كما قعدنا في مسائل الإيمان.
ومن البدع الكفرية بدعة غلاة الرافضة من العلويين والنصيريين الذين يعتقدون في علي أنه إله، أو الذين يعتقدون أن الرسالة كانت ستنزل على علي فأخطأ جبريل، فأنزلها على رسول الله ﷺ ، أو بدعة الدروز الذين يعتقدون أنهم لا يكلفون إلا بعد الأربعين، وهم يبيحون مع ذلك الزنا واللواط، بل يستبيحون وطء المحارم، فهذه من البدع المكفرة، ومن البدع الكفرية ما ورد عن غلاة الصوفية الذين يعتقدون في النبي ﷺ ما لا يعتقد إلا في الله جل وعلا، فقائلهم يقول: فإن من جودك الدنيا وضرتها ومن علومك علم اللوح والقلم وعقب ابن رجب في هذا البيت قال: ما ترك هذا الرجل لله شيئاً، كل شيء أصبح للنبي ﷺ ، فقوله: الدنيا وضرتها، أي الدنيا والآخرة.
وقوله: ومن علومك علم اللوح والقلم، اعتقد فيه ما لا يعتقد إلا في الله جل وعلا.
وكذلك اعتقادهم في مسألة الأقطاب والأبدال، هذه أيضاً بدع مكفرة يخرج صاحبها من الملة.
أما القسم الثاني من البدعة: فهي البدع المفسقة، وهذه البدعة تكون في الفروع وليس في الأصول، يعني: تكون في العبادات، وإذا قلت: في العبادات تخرج العادات.
والبدعة في العبادات هي البدعة المفسقة، وقد قسمها العلماء إلى بدعة أصلية، وهي: تأصيل عبادة ليس لها موضوع في الشرع، وبدعة زمانية، وبدعة مكانية، وبدعة في الهيئة وفي الصورة، وليس هذا مجال التفصيل فيها.
стр. 535
البدعة في شهر رجب
من البدعة في شهر رجب أن يخصه المرء بصيام، كثير من الناس لا يصومون، حتى إذا أتى رجب يكثر من الصيام فيه وهذه بدعة مميتة مردودة على صاحبها، وكان أهل الجاهلية يعظمون شهر رجب ويصومون فيه، فنهى النبي ﷺ عن ذلك، بل نهى أصحابه عن ذلك، ولم يرد حديث يخص رجب بالصيام إلا حديثاً واحداً قال فيه النبي ﷺ : (صم من الحرم واترك) وهذ الحديث ضعيف يستأنس به فقط، وما ورد في الأشهر الحرم من حديث صحيح إلا في الشهر الحرام، وبين النبي ﷺ أن أفضل الصيام بعد رمضان هو الشهر المحرم، فهذا الشهر هو الذي حث فيه النبي ﷺ على الصوم، أما رجب فلا.
أيضاًَ من البدع التي كان أبو بكر وعمر ينهيان عنها أن عمر كان يسير بالدرة، فإذا وجد أحدهم صائماً في رجب يضربه ويقول: تفعل ما يفعل أهل الجاهلية؟ وقال ابن عمر: هذا شهر عظمه أهل الجاهلية فهو كغيره من الشهور، صم فيه ولا تصم فيه، زد عليه من الخير ولا تزد، يعني: لا تفعل الخير خاصة لهذا الشهر.
أيضاً من البدع في هذا الشهر ما يعرفه كثير من المصريين وهو عمرة رجب، وخميس رجب، ولكن خميس رجب أشهر، وهو أن الإنسان يذهب إلى المقابر في خميس رجب، يجمعون النساء ويأتون بالحلوى وبالطعام ويذهبون إلى المقابر، زيارة في خميس رجب، وهذه من البدع المميتة أيضاً، وكأن المقابر لا تزار إلا في رجب فقط، وكأن الموتى لا يدعى لهم إلا في رجب! أيضاً من البدعة تخصيص رجب بعمرة؛ لأنهم يعتقدون أن هذه العمرة عمرة ميمونة مباركة في شهر رجب، هذه أيضاً من البدع.
стр. 536
اختلاف العلماء في حكم العتيرة والفرع
هناك مسألة اختلف فيها العلماء، وهل هي من البدع أم من السنة؟ ألا وهي مسألة العتيرة، جاء في حديث أن النبي ﷺ قال: (العتيرة حق)، والعتيرة: هي الذبيحة، فقدكان أهل الجاهلية يذبحون في رجب، وأيضاً الفرع، كما قال النبي ﷺ : (لا فرع ولا عتيرة)، وقد اختلف العلماء في العتيرة، وهي ذبيحة في رجب؛ ولذلك تكثر الأسئلة فيها هل يسن أن يذبح المرء في رجب، كما هو مشهور في الولائم وفي العقيقة وفي الأضحية؟ وهل من ضمن إراقة الدماء المشروعة العتيرة أم لا؟ اختلف العلماء لاختلاف الأحاديث، وورد حديث في السنن عن النبي ﷺ أنه قال: (العتيرة حق)، وورد في البخاري عن النبي ﷺ أنه قال: (لا فرع ولا عتيرة)، والفرع: هو أول مولود للناقة، كان أهل الجاهلية أيضاً يعظمونه، فيذبحون الفرع قربة لآلهتهم الباطلة، ولا يأخذون منه شيئاً، فالنبي ﷺ نهى عن ذلك وبين أن هذه من أفعال الجاهلية، فلا تشاكلوا ولا تشابهوا أهل الجاهلية.
وأما العتيرة، فقال عنها النبي ﷺ : (العتيرة حق)، فلذلك قال النووي: يستحب للمرء أن يذبح في رجب، أي: يذبح ذبيحة، فيفرق لحم هذه الذبيحة على الفقراء والمساكين، وهذه قربة لله جل وعلا بإراقة الدماء في رجب، والمعتمد في المذهب أنها ليست مستحبة، ولكنها مكروهة جمعاً بين الحديثين، الحديث الأول الذي رواه البخاري: (لا فرع ولا عتيرة)، والحديث الثاني حديث النبي ﷺ : (العتيرة حق).
ونقول: الجمع هذا جمع حسن، وجمع النووي أيضاً جمع حسن على أساس أنه قال: (لا فرع ولا عتيرة) أي: في أيام الجاهلية، كما كانوا يتقربون بها إلى الآلهة الباطلة، أما إذا تقربوا بها لله جل وعلا فذبحوا في رجب وأراقوا الدماء ووزعوها من أجل الفقراء والمساكين، فهذا لله جل وعلا، ويستحب ويستحسن له أن يذبح في رجب، فالراجح فيها: أنها لا تنزل عن درجة الإباحة.
стр. 537
حكم صوم شعبان
قال العلماء: يستحب صوم الكثير من هذا الشهر، كما كان يفعل النبي ﷺ ، أما البدعة فهي التي أصَّلها المبتدعة الذين يتبعون أهواءهم في ليلة النصف من شعبان، ففي ليلة النصف من شعبان ترى كثيراً من الناس يقيمون الليل، أو يصلون صلاة يسمونها صلاة الألفية، فيها أذكار مخصوصة وركوع وسجود وإطالة، يعني: كلام كثيرٌ جداً، وصلاة مبتدعة مخترعة يصلونها في هذه الليلة.
قال زياد القاضي عند ابن أبي مليكة: إن أجر ليلة النصف من شعبان -يعني: قيام ليلة النصف من شعبان- كأجر قيام ليلة القدر أنها خير من ألف شهر، فقال ابن أبي مليكة: لو معي عصا أو درة عمر لأوجعته ضرباً، فإن النبي ﷺ لم يؤكد ذلك والصحابة لم يفعلوا ذلك، فهذه بدعة مميتة؛ لأن ليلة النصف من شعبان لا تقام بصلاة ولا بعبادة ولا باستغفار من أول الليل إلى آخر الليل، ولا يصام نهار النصف من شعبان، وهذه البدع كثير من الناس يعملها، وكثير من الناس ممن نعرفهم يصوم يوم النصف من شعبان، ويقيم هذه الليلة، وله بذلك أثر عن النبي ﷺ حيث قال: (إن الله جل وعلا ينزل إلى السماء الدنيا ليلة النصف من شعبان، فيغفر لكل أحد إلا المشرك أو المشاحن)، فهذا فيه إشكال أنه قد ورد بالأسانيد وإن كان فيها ضعف، لكن يعضد بعضها بعضاً في فضل هذه الليلة، فلها فضل، فإن كان لها فضل فلا بد علينا أن نجتهد في هذه الليلة التي لها الفضل، وكفى بفضلها أن الله جل وعلا ينزل نزولاً خاصاً، غير نزول كل ليلة في ثلث الليل الآخر، ينزل نزولاً خاصاً فيغفر لكل الناس الذين هم على الإيمان والإسلام، يغفر للمؤمنين والمسلمين، جميعاً إلا الكافر أو المشاحن الذي في صدره شيء من أخيه، أي: الذي هجر أخاه فوق ثلاث، وهذه الفضيلة تستلزم الاجتهاد في العبادة حتى يشملنا الله بعفوه وبمغفرته.
وهذا الإشكال ضعيف، لكن هذا الإشكال لا بد أن نرده بعلم؛ لأنهم أتوا بدليل يدل على فضل هذه الليلة، وهذا اليوم، فكيف نمنعهم من عبادة في يوم فيه فضل وليلة فيها فضل؟ هذا الحديث أسانيده ضعيفة، لكن يعضد بشواهده، وهو حسن لغيره، ويحتج به شيخ الإسلام ابن تيمية، وفيه: إن الله جل وعلا ينزل إلى السماء الدنيا ليلة النصف من شعبان يغفر لكل واحد، إلا المشاحن والكافر، لكن هذا حديث يشكل علينا نحن؛ لأنه قد ثبت فضل اليوم وثبتت فضل الليلة، فلا بد أن نجتهد حتى يشملنا الله جل وعلا بكرمه وعفوه وعطائه في هذا اليوم الذي فيه الفضل العميم.
أما رأيتم فضل السحر، وأن الله ينزل في السحر، فينبغي لك أن تقوم وتستغفر كما قال النبي ﷺ : (قال الله تعالى: هل من مستغفر فأغفر له؟ هل من تائب فأعطيه؟ هل من داع فأستجيب له؟)، وفي رواية وفي رواية عند الطبراني قال: (هل من مستشف فأشفيه؟).
والرد على ذلك: أن فضل الليلة أو فضل اليوم لا يستلزم إنشاء عبادة، وهناك نظائر من الشرع في ذلك؛ لأنه لو كان خيراً لسبقونا إليه، وقد ثبت فضل ليلة الجمعة، وثبت فضل يوم الجمعة، والنبي ﷺ قال: (خير أيامكم يوم الجمعة فيه خلق آدم وفيه مات وفيه تقوم الساعة)، وخير الأيام: هو يوم عيد المسلمين، وخير أيام السنة على مدار الأسبوع كله هو يوم الجمعة، بل ليلة الجمعة هي من أفضل الليالي، ومع ذلك نهى النبي ﷺ عن إفراد يوم الجمعة بصيام، بل ونهى عن إفراد ليلة الجمعة بقيام، فهذا ثبت فضله وثبت النهي عن الاجتهاد في العبادة فيه، فلا يستلزم أصولياً لثبوت الفضل ثبوت العبادة، إذ إن الأصل في العبادات التوقيف، قال تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر:٧]، فهذه الشبهة ترد على أصحابها فنقول: ثبت الفضل ونحن مع الفضل ندور، لكن لا ننشئ عبادة؛ لأنه لو كان خيراً لسبقونا إليه، ولو كان خيراً لفعله النبي ﷺ ، ولو كان خيراً لفعله أبو بكر، ولفعله عمر.
فهذه بدعة مميتة أيضاً من بدع شعبان، نربأ بأنفسنا أن نفعلها حتى لا نذادَ عن الحوض، وأي امرئ قد وقع في بدعة ضلالة، وقد بين له أهل السنة وأقام الحجة عليه من يعلم بهذه السنة ولم يتبع، فهذا مصدود مردود عن حوض النبي ﷺ .
وصلِّ اللهم وسلم على محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 538
شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة - عذاب القبر ونعيمه
القبر هو أول منازل الآخرة، وهو البداية الحقيقية لرحلة الدار الآخرة، فإن كانت سهلة وهيّنة هان وسهل ما بعدها، وفيه يسأل العبد عن ربه ودينه ونبيه، فإن أحسن الإجابة أنعم الله عليه في قبره، وإن أخفق أتاه العذاب الشديد والعياذ بالله.
والنعيم والعذاب في القبر يكون على الروح وأيضاً على البدن أحياناً، والله على كل شيء قادر.
стр. 539
الموت أول منازل الآخرة
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
الحمد لله الذي هز بالموت عروش القياصرة، وقصم ظهور الجبابرة، وأرغم أنوف المتجبرة، فالموت أول منازل الآخرة.
سياق ما روي عن النبي ﷺ في أن المسلمين إذا نزلوا في حفرتهم يسألهم منكر ونكير، وأن عذاب القبر حق، والإيمان به واجب.
روى اللالكائي في هذا الكتاب العظيم شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة بسنده عن النبي ﷺ أنه قال: (إن المسلم إذا سئل في القبر شهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله فذلك قوله: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ﴾ [إبراهيم:٢٧]).
وروى أيضاً عن النبي ﷺ أنه كان إذا فرغ من دفن الرجل وقف على قبره وقال: (استغفروا لأخيكم وسلوا الله له التثبيت فإنه الآن يسأل).
وروى بسنده عن ابن عمر عن النبي ﷺ أنه قال: (إن أحدكم يعرض عليه مقعده بالغداة والعشي، إن كان من أهل الجنة أو من أهل النار، يقال له: هذا مكانك إلى يوم القيامة)، وفي رواية: (ما من عبد يموت إلا وعرضت روحه إن كان من أهل الجنة على الجنة، وإن كان من أهل النار على النار) إلى آخر الروايات التي ساقها في مساق الكلام على الإيمان بالغيب.
الموت هو أول منازل الآخرة، فالذي يطلب الرضا من ربه جل وعلا والتقرب إليه فلا بد أن يستعد للرحيل.
стр. 540
مباحث الكلام عن الموت
الكلام على الموت سيكون في أكثر من مبحث.
أولها: الكلام على الموت والاستعداد للرحيل.
المبحث الثاني: نزول القبر، وما يتعلق به من ضمة القبر، وهل هي عامة أم خاصة؟ وسؤال القبر، وهل سؤال القبر خاص بهذه الأمة أم لغيرها من الأمم؟ وهل يختص أحد بعدم سؤاله في قبره؟ المبحث الثالث: عذاب القبر ونعيمه وإثبات ذلك بالدليل، والرد على المخالفين الذين قالوا: لا عذاب ولا نعيم في القبر، ثم الحديث عن أنواع عذاب القبر.
ثم نتكلم: هل العذاب على الروح فقط أم على الاثنين معاً؟ والخلاف في ذلك.
ثم نبحث عن مسألة تزاور الأموات بعد الموت.
ثم بعد ذلك نختم بأمرين: الأمر الأول: سماع الموتى: فهل يسمعون كل أحد أم سماعهم خاص أم أنهم لا يسمعون أبداً؟ الأمر الثاني: ما الذي يبلى في القبر؟ هل كل إنسان يبلى في القبر؟ فهل يبقى منه شيء؟ وهل بعض الناس لا تبلى أجسادهم في القبر؟
стр. 541
لكل إنسان أجل محدد معلوم عند الله
الموت هو أول منازل الآخرة: فما من أحد إلا وسيموت وسيقبض وسيأتيه أجله، قال الله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [آل عمران:١٨٥]، وقال جل وعلا: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٢٦ - ٢٧] فهذا تنصيص على أن الموت لا يفوت أحداً، وأن هذا الكأس كل منا سيشربه، وإذا كان كل واحد منا سيموت وسيقبض فله أجل مضروب ومعلوم، ومقدر ومكتوب في اللوح المحفوظ.
صح عن النبي ﷺ : (أنه سمع أم حبيبة بنت أبي سفيان ﵂ تقول: اللهم! متعني بزوجي: رسول الله ﷺ ، ومتعني بأبي: أبي سفيان، ومتعني بأخي: معاوية بن أبي سفيان، فقال لها النبي ﷺ : قد سألت الله جل وعلا آجالاً مضروبة وأرزاقاً مقسومة، وآثاراً موطوءة لا يتقدم منها شيء ولا يتأخر، ولو أنك سألت الله جل وعلا أن يعافيك من عذاب الآخرة وعذاب القبر لكان خيراً لك).
وقد قال النبي ﷺ ذلك ليبين أن لكل أجل كتاب، وأن كل إنسان لا بد أن يموت في وقته، قال الله تعالى: ﴿لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ﴾ [الرعد:٣٨]، وقال: ﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ إِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَلا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [يونس:٤٩]، فالأجل مضروب ومكتوب ومعلوم، والمرء لا يتقدم ولا يتأخر عما كتب من أجله كما في الحديث أن الملك يقول: (أي رب! ذكر أم أنثى؟ أي رب! كم عمره؟) فيكتب العمر، وصحائف الملائكة يمكن أن تتغير فيها هذه الثوابت، لكنها في اللوح المحفوظ قد كتبت، وعلم عمر المرء ومدة حياته، لكن الله جل وعلا بحكمته لم يبين للناس متى سيموتون، فما اطلع أحدنا على الغيب، ولا علم متى سيموت، والحكمة في ذلك: أن يجتهد المرء؛ ليصل إلى ربه وإلى طاعة ربه وإلى رضا ربه باجتهاد عالٍ، قال الله تعالى: ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ﴾ [لقمان:٣٤]؛ لأنه إذا جهل أجله فإن الله جل وعلا مد له حتى يجتهد في عبادته.
قال ابن عيينة مترجماً لبعض رواة الحديث: هذا الراوي لو قيل له: ستموت غداً ما زاد في عبادته شيئاً؛ لأنه كان يجتهد اجتهاداً عالياً، حتى يصل إلى ربه جل وعلا وهو مجتهد في عبادته، طائع لربه متذلل متمسكن لله جل وعلا.
وكان عمر بن الخطاب ينصح الأمة، ينصح الصحابة الكرام، وينصح التابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين بأن يجتهدوا في العبادة، فإنهم حتماً راجعون إلى الله جل وعلا، فقال: قد ارتحلت الدنيا مدبرة، وقد ارتحلت الآخرة مقبلة، ولكل منهما بنون، فكونوا من أبناء الآخرة، ولا تكونوا من أبناء الدنيا، فاليوم عمل ولا حساب، وغداً حساب ولا عمل.
وكان يقول ﵁ وأرضاه: إن الدنيا تطلعت مدبرة، وتطلعت الآخرة مقبلة، فعليكم بالجد والسعي.
وكان علي بن أبي طالب ﵁ يقبض على لحيته ويقول: يا دنيا! غري غيري طلقتك ثلاثاً.
وكان بعضهم ينشد ويقول: إن لله عباداً فطنا طلقوا الدنيا وخافوا الفتنا نظروا فيها فلما علموا أنها ليست لحي وطنا جعلوها لجة واتخذوا صالح الأعمال فيها سفنا والموت هو من أقوى دواعي استكمال إيمان العبد، إذ إن الله جل وعلا قد علق الفلاح والهدى بالإيمان بالغيب، فقال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاة وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ * أُوْلَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [البقرة:٤ - ٥]، فربط الفلاح والهدى بالإيمان بالغيب.
أول المباحث: بعدما يموت المرء، ويأتي الملكان فيسحبان روحه، فإن كان من المؤمنين جاء الملك بكفن وحنوط من الجنة، وطيب من الجنة، فأخرج روحه بسهولة، فتخرج فيرتقي بها الملك إلى السماء فتقول الملائكة: روح من هذه الطيبة؟ أو يمدحون هذه الروح ويسألون عنها، فيقال: فلان بن فلان بأحلى وأجمل أسمائه التي كان يحبها في الدنيا، ثم يصعد إلى السماء السابعة فيقال: (صدق عبدي فاكتبوا كتاب عبدي في عليين).
أما إن كانت الأخرى والعياذ بالله فيكون حنوط من النار وكفن من النار، فيأخذها الملك ويصعد بها إلى السماء بأنتن ريح فتقول الملائكة: ما هذه الريح النتنة؟ فيقال: فلان بن فلان بأبغض أسمائه، ثم يصعد إلى السماء السابعة فيقال: (قد كذب عبدي فاكتبوا كتاب عبدي في سجين) فبعد أن يموت المرء ويكفن ثم ينقل إلى القبر، وتبقى روحه فيبشر فإن كان من أهل الإيمان كأنه ينادي ويقول: قدموني قدموني، وإن كان من أهل الكفر والعصيان والعياذ بالله فيقال: (يا ويليها إلى أين تذهبون بها؟) فالأحاديث أثبتت أن كل الخلائق تسمع هذا، كل الخلائق من شجر وحجر وثمر وطير إلا الثقلين: الجن والإنس، وإلا لما كان للغيب فائدة، ولذلك نصح النبي ﷺ أمته فقال: (أسرعوا بالجنازة) وبين العلة في ذلك: (إن كان خيراً قدمتموها إليه، وإن كان غير ذلك فشر تضعونه عن أكتافكم).
стр. 542
ضمة القبر
نأتي إلى المبحث المهم وهو: أول شيء القبر الميت هو القبضة التي تختلف منها الأضلاع ولا يستثنى من ذلك أحد، بل إن النبي ﷺ بين وأشفق على عبد صالح اهتز عرش الرحمن لموته وهو سعد بن معاذ كما ورد في بعض الأحاديث وصححه بعض العلماء: (إن العرش اهتز فرحاً بقدوم سعد بن معاذ) فعن عائشة ﵂ وأرضاها قالت: قال رسول الله ﷺ : (إن للقبر ضمة إذا نجا منها أحد نجا سعد بن معاذ) رواه أحمد في مسنده، وصححه بعض العلماء، يعني: هذه الضمة لا ينجو منها أحد، ولو نجا منها أحد لنجا منها سعد بن معاذ، وفي حديث آخر فيه ضعف (أن النبي ﷺ شاهد طفلاً يقبر فأشفق عليه من ضمة القبر).
قال بعض العلماء الأفاضل: إن هذه الضمة بالنسبة للمؤمن كضمة الأم الحنون لابنها عطفاً عليه، وهذا بعيد، إذ إن النبي ﷺ أشفق على سعد وقال: (لو نجا منها أحد -أي الضمة التي تختلف منها الأضلاع- لنجا سعد بن معاذ) ﵁ وأرضاه، وما الذي يجعل النبي ﷺ يشفق على طفل كما روي ما دامت ضمة الأرض له كضمة الأم الحنون؟! بل هي ضمة فيها آلام لكنها تتفاوت في القوة بين المؤمن الخالص وبين الفاسق وبين المسلم وبين الكافر، فالكافر تتمزق وتختلف أضلاعه، فأول ما يحدث له عند نزول القبر هو هذه الضمة.
стр. 543
أحاديث في ذكر فتنة القبر
بعد الضمة يأتي إليه ملكان يسألانه: من ربك؟ وما دينك؟ وماذا تقول في الرجل الذي بعث فيكم؟ وورد في ذكر فتنة القبر أحاديث كثيرة بلغت حد التواتر، وأنكرها كثير من المعتزلة وأهل الكلام كما سنبين.
من هذه الأحاديث: حديث البراء الطويل: أن النبي ﷺ قال: (إذا دخل المرء إلى قبره جاءه ملكان فيقعدانه فيسألانه: من ربك؟ وما دينك؟ وماذا تقول في الرجل الذي بعث فيك؟ فإن كان من المؤمنين قال: ربي الله، وديني الإسلام، وعن الرجل يقول: هو محمد رسول الله ﷺ ، فيقال: صدقت، أما إن كان من الآخرين فيقول: ها، ها، لا أدري، فيضرب ضربة يصعق منها كل الخلائق إلا الثقلين، فيقال له: لا دريت ولا تليت) وهذا الحديث يثبت سؤال الملكين.
ووصف النبي ﷺ الملكين بأنهما أسودان أزرقان، تتصدع القلوب وترتجف من هول الموقف، لا يستطيع أن يثبت في هذه الفتنة إلا من ثبته الله؛ ولذلك ارتجفت قلوب الصحابة لما علمت بمنكر ونكير وعندما علمت بسؤال الملكين، فالله جل وعلا طمأن قلوبهم بهذه الآية العظيمة: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ﴾ [إبراهيم:٢٧] فأول منازل الآخرة القبر، فإن الله يثبت ويلهم الحجة المؤمن الخالص الذي تعبد لله في الدنيا، وتعرف إلى الله في الرخاء فعرفه الله في الشدة.
ومن الأحاديث التي تثبت سؤال الملكين حديث النبي ﷺ : أنه ما أُدخل أحد القبر إلا وقال: (سلوا لأخيكم التثبيت فإنه الآن يسأل) فهذا نص يبين سؤال الميت في قبره.
وورد حديث عام في الصحيحن عن عائشة ﵂ وأرضاها لما دخلت عليها اليهودية تبين لها فتنة القبر فاستنكرت ذلك فقال النبي ﷺ بعدما دخل عليها وعرضت عليه كلام اليهودية (إنكم تفتنون في قبوركم) والفتنة عامة من سؤال ومن عذاب، وهذا يدل على أن الملائكة تسأل العبد في قبره.
وقد أنكر بعض المبتدعة سؤال الملكين في القبر، وأنكروا عذاب القبر، وسنبين الشبه التي احتجوا بها، لكن الخلاف بين أهل السنة والجماعة: هل سؤال الملكين على الروح أم على البدن أم على الروح والبدن؟ القول الأول لجمهور أهل السنة والجماعة: أن سؤال الملكين للميت يكون على الروح وعلى البدن؛ لأن الأحاديث صرحت أن روح المرء ترجع إلى جسده عندما يقبض، فيأتي الملك فيجلسه بروحه وجسده ويسأله فيجيب بروحه وجسده، والأحاديث في ذلك كثيرة.
أما ابن حزم فقال: السؤال لا يكون إلا على الروح، وفي قول للإمام أحمد بن حنبل، أن السؤال لا يكون على الروح بل يكون على البدن.
قال ابن حزم: الأحاديث التي أثبتت نعيم أو عذاب تثبت أن ذلك على الروح، وأن أرواح الشهداء كحواصل طير خضر تعلق من أشجار الجنة، وقال النبي ﷺ في روح المؤمن: (نسمة كطائر تسرح في رياض الجنة)، فكل الأحاديث جاءت على الروح ولم تأت على البدن، وخالف ذلك أحمد بن حنبل وقال: السؤال لا يكون إلا على الجسد، واستدل على ذلك أن الضرب والعذاب يكون على الجسد، والله قادر أن يجعل الجسد ينطق كما قال الله تعالى: ﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ﴾ [يس:٦٥] وبين الله جل وعلا في أكثر من آية أن الأيدي تتكلم وأن الأرجل تتكلم وأن الله يختم على الأفواه، فالله قادر على أن يجعل السؤال للجسد والجسد هو الذي يجيب.
والصحيح الراجح في ذلك: أن السؤال على البدن وعلى الروح، وأن الروح ترجع إلى الجسد كما أخبر النبي ﷺ أن الروح ترجع إلى الجسد، ثم يجلس فيسأله الملك فيجيب.
стр. 544
الأصناف المستثنون من فتنة القبر
هل سؤال الملكين عام أم خاص؟ يعني هل يشمل كل الناس أم يستثنى منه أناس؟ نقول: هذا السؤال عام في كل الأمم، في أمة محمد ﷺ ، وفي اليهود من باب أولى أما في اليهود فبالنص؛ لأن يهودية قالت لـ عائشة: ((تفتنون في قبوركم)) فهذه اعتقدت أنهم سيفتنون في القبور، والأمم السابقة أيضاً تفتن بقياس الأولى، إذ إن الله جل وعلا رفع الأغلال ورفع الآصار عن هذه الأمة، وهذه الأمة مرحومة تعمل عملاً قليلاً وتأخذ أجراً كبيراً، فإن كانت ستفتن في قبرها فمن باب أولى الأمم الأخرى.
والمستثنى من السؤال أو من فتنة القبر أصناف من الناس: الصنف الأول: الشهداء -جعلنا الله وإياكم منهم- فالشهداء يقيهم الله جل وعلا فتنة القبر العظيمة الشديدة، فالملكان الأسودان الأزرقان، اللذان ترتجف وتتصدع القلوب والأفئدة من هول ذلك الموقف، ينجي الله جل وعلا الشهيد من هذه الفتنة ولا يسأل في القبر كما قال النبي ﷺ عندما سألوه: (يا رسول الله! ما بال الناس يفتنون في قبورهم ما عدا الشهداء؟ فقال النبي ﷺ : كفى ببوارق السيوف فتنة) والعلة في ذلك: أن سؤال الملكين في القبر هو اختبار لصدق المرء، هل آمن بصدق أم كان من المرتابين أم كان من المنافقين؟ والشهيد قد بين وأظهر صدقه بأنه بذل روحه فداء لهذا الدين، وإرضاءً لله جل وعلا، ولذلك ألحق بعض العلماء الصديقين مع الشهداء، وقالوا: إن هذا من باب أولى، وفيه نظر؛ لأن القياس في الغيبيات لا يصح، فالغيبيات لا يصح فيها إلا النقل لا العقل، لكن بدقة النظر للعلة نجد أن السؤال هو اختبار للصدق، والصديق قد ظهر صدقه من أول إيمانه فهذا لا يسأل في القبر وإن كان في الأمر نظر.
الصنف الثاني: المرابطون على ثغور الإسلام.
فهؤلاء نجاهم الله من فتنة القبر كما في حديث النبي ﷺ أنه قال: (رباط يوم وليلة خير من صيام شهر ومن قيامه، فإن مات أجري عليه عمله ورزقه وأمن الفتان) أي: أمن فتنة سؤال القبر، فهنيئاً لمن يرابط على ثغور المسلمين فهو يؤمَّن من فتنة القبر أيضاً.
الصنف الثالث: الأطفال؛ لأن السؤال في القبر من أجل التكليف والاختبار والصبي ليس بمكلف فلا سؤال للصبي.
الصنف الرابع: المبطون، فإن المبطون شهيد، وهو يلحق بالشهيد، وقد وردت الآثار بأن الذي مات بداء البطن يؤمَّن من فتنة القبر.
الصنف الخامس: الذين يقرءون سورة تبارك كل ليلة، وهذا يكون على حسب الديمومة.
وكذلك الذي يستديم قراءة سورة البقرة كل يوم وليلة يؤمَّن من فتنة القبر أيضاً؛ لقول النبي ﷺ عن سورة الملك: (هي المنجية هي المانعة) أو قال: (سورة ثلاثون آية شفعت لصاحبها من عذاب القبر) أو كما قال ﷺ .
الصنف السادس: من مات ليلة الجمعة أو يوم الجمعة، فهذا من الذين يؤمنهم الله جل وعلا من فتنة القبر.
стр. 545
عذاب القبر ونعيمه
ثبت عذاب القبر بالكتاب والسنة، ويصح أن نقول: وبالنظر أيضاً.
أما الكتاب فقد الله تعالى: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر:٤٦]، والشاهد هو ((وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ)) إذاً النار التي يعرضون عليها غدواً وعشياً هي قبل يوم القيامة.
الدليل الثاني: قول الله تعالى: ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [السجدة:٢١]، فسر ابن مسعود وغيره من الصحابة العذاب الأدنى: أنه عذاب القبر.
وقول الله تعالى: ﴿مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَارًا﴾ [نوح:٢٥] الفاء هنا للتعقيب والسرعة، والتعقيب والسرعة لا يناسبها يوم القيامة بل يناسبها بعد الموت، فقد أغرقوا فماتوا فأدخلوا النار، وهذا يدل على أنه في البرزخ.
ومن الأدلة على عذاب القبر ونعيمه من السنة عموم حديث النبي ﷺ أنه قال: (تفتنون في قبوركم) كما في الصحيحين.
والحديث الثاني: أن النبي ﷺ قال: (ما من رجل منكم إلا ويعرض له مقعده: إن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة، يعرض له مقعد من أهل الجنة يأتيه من طيبها وريحها وإن كان من أهل النار يأتيه من أهل النار حتى يبعث يوم القيامة).
وحديث النبي ﷺ كما في الصحيحين عن ابن عباس: (أنه مر بقبرين، فقال: إنهما يعذبان وما يعذبان بكبير، بل هو كبير، أما الأول: فكان لا يستتر -أو لا يستنزه- من بوله، وأما الثاني: فكان يمشي بين الناس بالنميمة) فسمع النبي ﷺ عذابهما في القبر.
وفي الحديث أن الملك يأتي بمطرقة يضرب بها بين عيني المرء فيهوي به إلى سبع أرضين، فيه دلالة على عذاب القبر.
وأما نعيم القبر، فقد قال النبي ﷺ : (إن كان من أهل الجنة فيفتح له باب من الجنة) فيشم رائحة طيب أهل الجنة ويرى فيها نعيم أهل الجنة.
وبهذا يكون قد ثبت عذاب القبر ونعيمه من الكتاب ومن السنة.
стр. 546
الرد على من ينكر نعيم القبر وعذابه
خالف في عذاب القبر ونعيمه المعتزلة وكثير من الناس في هذه العصور الذين يقولون: إنك ترى النبي ﷺ في وقتك الحاضر يقظة، ومن أهل الاعتزال الذين يقدمون العقل على النقل الذين قالوا: لا عذاب في القبر ولا نعيم، وعندنا من الأدلة من الأثر ومن النظر.
أما من الأثر: فيستدلون بقول الله تعالى: ﴿لا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الأُولَى﴾ [الدخان:٥٦] ويقولون: إن المقبور لا يعذب ولا ينعم؛ لأن الله جل وعلا قال: ﴿لا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الأُولَى﴾ [الدخان:٥٦].
ووجه الدلالة: أنهم يقولون: إن الآية فيها نص صريح: أنه لا يموت إلا موتة واحدة فإذا نزل قبراً فعادت روحه إلى جسده فسئل فبعدما سئل عذب أو نعم ثم مات مرة ثانية، فهذه موتتان، وهذا يعارض هذه الآية.
الأثر الثاني الذي استدلوا به على أنه لا عذاب ولا نعيم في القبر قول الله تعالى: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ [فاطر:٢٢]، وقال الله تعالى: ﴿فَإِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ [الروم:٥٢] فقد ثبت بالدليل الصحيح أن الميت لا يسمع، فكيف نقول: إنه لا يسمع، ثم يجيب، فهو لا يسمع السؤال أصالة فلا يصح أن يجيب الإجابة.
هذا ما استدلوا به من الأثر، أما من النظر فقالوا: نحن نرى المصلوب أمامنا شهوراً ولا نرى عذاباً ولا نرى نعيماً ولا نرى عليه أثر من سؤال الملكين، ولا شيء مما تقولون، فهذه أدلة من الأثر ومن النظر ترد على من قال بأن في القبر عذاباً وأن في القبر نعيماً.
وقد أثبتنا بأن في القبر عذاباً وفي القبر نعيم، وإذا وافقتم على هذا واعتقدتم هذا وجب عليكم الرد على المخالف، والمخالفون اليوم كثر، والمعتزلة صورها كثيرة في هذه العصور، ويظهرون على شاشات التلفاز، فكثير من الناس ينكرون عذاب القبر وسؤال الملكين علناً أمام الناس، فكيف يكون الرد على هذه البدعة المميتة؟ فهم ينكرون حتى الدجال لكن الكلام هنا على أمر ثابت وراسخ في العقيدة وهم ينكرونه، فما من صاحب بدعة إلا وله دليل من الكتاب أو من السنة كما بينا ذلك كيف نرد عليهم؟ نحن الآن أثبتنا أنه ثمة عذاب وثمة نعيم في القبر؛ لأنه أول منازل الآخرة، وهم ردوا علينا وقالوا: لا عذاب ولا نعيم، والدليل على ذلك قول الله تعالى: ﴿لا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الأُولَى﴾ [الدخان:٥٦] فإن قلتم بعذاب أو نعيم في القبر ففيها حياة ثم موت ثم بعد ذلك حياة ثم موت، وبذلك تكون موتتان والله نصَّ على موتة واحدة، ﴿لا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ﴾ [الدخان:٥٦].
والجواب على هذه الشبهة من وجهين: الوجه الأول: نقول لهم: نحن نوافقكم على هذه الآية وأن ما يحدث في القبر ليس بموت، بل هو نوم، والنوم يسمى موتاً مجازاً كما قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا﴾ [الزمر:٤٢] والحديث صريح: أن النبي ﷺ قال عن المستبشر بالخير: (فيقول: رب! أقم الساعة، رب! أقم الساعة فيقال له: نم -لم يقل له مت- كنوم العروس) فهذه نومة وليست موتة وتسمى موتة مجازاً، فتبقى الآية على صريحها أنها ليست إلا موتة واحدة التي هي موتة الدنيا ونحن نوافق على ذلك.
ويبين لنا ذلك أيضاً حديث أن النبي ﷺ كان عندما يستقيظ من نومه يقول: (الحمد لله الذي أحيانا بعد ما أماتنا) فسماها موتة مع أنها نومة، فأصبح النوم هنا بمعنى الموت مجازاً، فالذي يحدث في القبر ليس بموت، ونحن نوافق على هذه الآية، ﴿لا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الأُولَى﴾ [الدخان:٥٦] التي هي موتة الدنيا، وهذه ليست بموتة ولكنها نوم.
الوجه الثاني: أن الاستثناء في هذه الآية استثناء منقطع ﴿لا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الأُولَى﴾ [الدخان:٥٦] وهذا كلام عن أهل الجنة، فإذا دخلوا الجنة لا يموتون، ولا يكون لهم موت، وإلا فقد وردت الأدلة على أن أهل الكبائر إذا دخلوا النار صاروا حمماً فماتوا، فتكون الآية خاصة بمن دخل الجنة وأنه يتنعم ويتلذذ فلا يموت بعد ذلك، فإذا دخل الجنة فلا موت له، بل يعيش في نعيم وخلود أبدي، فإنه يذبح الموت على عرصات يوم القيامة، ثم يقال: (يا أهل النار! خلود بلا موت، يا أهل الجنة! خلود بلا موت) هذا الوجه الثاني في الرد عليهم.
أما الدليل الثاني الذي استدلوا به علينا وقالوا لا عذاب ولا نعيم في القبر فهو قول الله تعالى: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ [فاطر:٢٢]، وقول الله تعالى: ﴿فَإِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ [الروم:٥٢] فكيف يجيب وهو لا يسمع؟ وقالوا: أنتم زعمتم أنه يأتيه ملكان فيقعدانه ويسألانه وهو لا يسمع فكيف سيجيب؟ فنرد عليهم ونقول: قال الله تعالى: ﴿فَإِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ [الروم:٥٢] فإذا كان الرسول لا يُسمِعُ الموتى، فإن المَلَك سيُسمعه، فنفي السماع عن النبي ﷺ بقوله: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ [فاطر:٢٢] نفى الله جل وعلا قدرة النبي ﷺ على إسماع الميت، ولكن الله قادر على أن يجعل الملك يسمع هذا المقبور.
الأمر الثاني: السماع سماعان: سماع إجابة وسماع على الإطلاق بالآلة، فسماع الإجابة: أن يسمع فيجيب، وهذه منفية عن النبي ﷺ ؛ لأنهم يسمعون ولا يجيبون، كما قال النبي ﷺ في أهل قليب بدر: (هل وجدتم ما وعد ربكم حقاً؟ فقال عمر: يا رسول الله! تكلم الأموات؟) يعني: كيف يسمعونك؟ فقال: (ما أنتم بأسمع منهم الآن) يعني: إنهم يسمعونني أشد مما تسمعون أنتم، لكنهم لا يجيبون وليس لهم القدرة على الإجابة، فإذاً: النفي هنا نفي سماع الإجابة ولا إشكال فيه.
السماع الثاني: إذا قلنا: نفي السماع الكلي المطلق فهو نفي عن قدرة النبي أن يسمعهم ولا تستلزم نفي أن الملائكة يعطيهم الله قدرة فيُسمعوا الميت المقبور فيسألانه حتى يجيب، وهذا الرد على الدليل الثاني من الأثر.
أما دليلهم الثالث والذي هو من النظر: فقالوا: وجدنا المصلوب أمامنا ميتاً وهو لا يسأل ولا يضرب ولا يعذب ولا ينعم، تأتي إلى من يصلب أمامك فهل ترى فيه تغييراً؟ وهل ترى فيه عذاباً؟ وهل ينزل إلى سابع أرض؟ وهل تأتيه الحيات فتعذبه؟ لا ترى ذلك، والذين قتلتهم الكلاب والسباع والحيتان أين عذابهم؟ وكيف سؤالهم؟ حتى قال بعضهم من المتأخرين: وضعنا السماعات في القبر فما سمعنا أسئلة، وما سمعنا أجوبة، وما سمعنا عذاباً، فكيف تقنعوننا بهذا العذاب؟! فهذا هو نظرهم فكيف نرد عليهم؟ سأؤصل لكم أصلاً مهماً جداً لطالب العلم وهو أن الدور ثلاثة كل دار لها حكم يختص بها وهي: دار الدنيا، ودار البرزخ، ودار الآخرة، فدار الدنيا لها أحكام، وأحكامها تقع على البدن والروح تكون تابعة، كالسارق الذي تقطع يده، فهذه على البدن وهو يتألم معنوياً، فالروح تابعة.
ودار البرزخ تقع أحكامها على الروح والجسد يكون تابعاً، ودليل ذلك قول النبي ﷺ : (أرواح الشهداء في حواصل طير خضر تعلق من شجر الجنة).
الدار الثالثة التي لها حكم خاص هي: دار الآخرة، ودار الآخرة تجمع الشمل، فدار الآخرة تقع أحكامها على البدن وعلى الروح خلافاً للنصارى الذين يعتقدون أن المتعة في الآخرة لا تكون إلا معنوية، وأن العذاب لا يكون إلا معنوياً، وهذه عقيدة الشيخ أحمد ديدات غفر الله له ذلك، فهو يعتقد هذه العقيدة، ولذلك ننصح من يناظر النصارى أو يحاول أن يدعو الكفار أن يكون متقناً لشريعته أولاً ثم يتطلع بعد ذلك لأصحاب الأديان الأخرى، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: من تعمق في دينه فليناظر أهل الأديان الأخر، فهو يعتقد هذه العقيدة: أن النعيم الأخروي نعيم معنوي، وأن العذاب الأخروي عذاب معنوي، والصحيح الراجح: أن النعيم والعذاب يقع على البدن ويقع على الروح.
هذا التأصيل مهم جداً يصاحبنا في الرد عليهم، فنقول: إن هناك اختلافاً في الحياتين، فلا يقاس أمر الدنيا على أمر البرزخ؛ لأن هذه حياة لها أحكام خاصة بها، وهذه حياة لها أحكام خاصة ومثال ذلك: إذا دخلت على رجلين نائمين: الأول: يرى رؤيا أنه في جهنم يأخذ من صديدها، ويشرب من حميمها - والعياذ بالله- ويعذب في نار جهنم وتراه يتحرك كأنه يتعذب في نار جهنم، والآخر: يرى أنه في رياض الجنة يسرح، ويعانق حور العين، ويتمتع بالثمار والأنهار، ويشرب من اللبن ومن الخمر، وأنت واقف بينهما لا تعرف ماذا يحدث لهذا وماذا يحدث لهذا؟ وكذلك عندما تقف أمام المصلوب فهو يعذب وينعم وأنت لا تدري.
وكذلك في الدنيا -من باب قياس الأولى- فعند خروج الروح يأتي الملك فيضربه، يقول الله تعالى: ﴿يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ﴾ [الأنفال:٥٠] وأنت لا ترى ذلك، وقوله تعالى: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لا تُبْصِرُونَ * فَلَوْلا إِنْ كُنتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ * تَرْجِعُونَهَا إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الواقعة:٨٥ - ٨٧] هذا في الدنيا وليس في البرزخ فقبل أن يموت تأتي الملائكة إلى الميت لتسحب روحه وأنت لا ترى ذلك، أما الفاسق أو الكافر فيضرب على وجهه وعلى ظهره قال تعالى: ﴿يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾ [الأنفال:٥٠]، وأنت لا ترى ولا تسمع ذلك، فهذا من ناحية النظر والقياس، وهذا قياس مع الفارق، ولا بد في القياس أن يكونا متماثلين، والأصل والفرع هنا غير متماثلين.
стр. 547
أنواع العذاب في القبر
أنواع العذاب متنوع، وعلى الراجح أن العذاب يكون على الروح تارة، وتارة على البدن.
النوع الأول: العذاب بالمطرقة فقد دلت الأحاديث على ذلك: أن ملكاً يأتي بمطرقة لو اجتمع الثقلان على حملها لا يستطيعون ذلك، فيضرب ضربة بالمطرقة يصرخ صرخة يسمعها كل الخلائق إلا الجن والإنس.
النوع الثاني من أنواع العذاب: الحيات، فيسلط الله عليه حيتين كما في حديث أحمد عن عائشة ﵂ وأرضاها: (إن الرجل إذا أُدخل في قبره وكان من أهل الفسق أتته حيتان: حية عند رأسه وحية عند رجله فيقرصانه وينهشانه حتى يجتمعا عند وسطه).
النوع الثالث من العذاب: أن يسبح في نهر من الدم، وهذا يختص بآكل الربا -والعياذ بالله- كما بين النبي ﷺ أنه رأى رجلاً يسبح في نهر من الدم ويلقم حجراً إذا وصل إلى أول النهر حتى يصل إلى آخره ويرجع ويسبح في نهر من الدم.
ومن أنواع العذاب التي تقع في القبر التنور، وهو تنور الزناة والعياذ بالله، كما رأى النبي ﷺ ذلك.
стр. 548
خلاف العلماء في عذاب الروح أو البدن في البرزخ
هل عذاب البرزخ يكون على الجسد أو البدن؟ فيه أقول: القول الأول: قال به طائفة من أهل العلم ومنهم ابن حزم أن النعيم أو العذاب لا يكون إلا على الروح، ويستدل بأحاديث النبي ﷺ : (روح المؤمن طائر يطير في رياض الجنة) وحديث النبي ﷺ : (أرواح الشهداء كحواصل طير خضر تعلق من شجر الجنة).
وأيضاً ورد في تفسير قول الله تعالى: ﴿وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ﴾ [الانفطار:١٤] قال ابن مسعود: (الفجار) أي الكفار أرواحهم في حواصل طير سود تطير بهم في الجحيم في سابع أرض في سجين، في الأرض السابعة.
القول الثاني: أنه على البدن لا على الروح، وهذا لازم قول الإمام أحمد بن حنبل؛ لأنه قال: لا يسأل إلا البدن، فلازم قوله أنه لا يقع النعيم أو العذاب إلا على البدن، ويستدل لهم أيضاً بحديث المطرقة وحديث الحيات؛ لأن هذا العذاب لا يكون إلا على الجسد فقط.
ورجح شيخ الإسلام ابن تيمية القول الثالث وهو الصحيح، وقد جمع شمل الأدلة، قال: يقع العذاب والنعيم تارة على البدن، وتارة على الروح، وتارة على البدن والروح؛ لأن المفارقة لا تكون كلية حتى ولو أن الجسد بلي، فالأجساد إن بليت يشعر بالألم عجب الذنب فقط، وأما الأحاديث التي استدل بها من قال بالروح، والأحاديث التي استدل بها من قال بالبدن فالذي يجمع بينها حديث الإسراء والمعراج، والنبي ﷺ رأى رجلاً يسبح في البرزخ، فهذا فيه عذاب البدن والروح، بل ورأى عمرو بن لحي وهو في النار قال: تندلق اأقتابه وهو يدور حول أمعائه؛ لأنه سيب السوائب، فالنبي ﷺ رآه جسداً وروحاً، ورأى كذلك الزناة والمرأة التي تعلقت من ثديها وتحتها نار، فهذا إشعار بأن النعيم والعذاب يقعان على البدن والروح.
стр. 549
تزاور الأموات
وردت بعض الآثار أنه عندما يقبر الميت وينزل إلى قبره يجتمع عليه أهله ومقربوه وأحبابه وأصحابه يسألون عن أهل الدنيا، ماذا فعلوا؟ فإن كان من أهل النار والعياذ بالله وكانوا من الصالحين يقول لهم: أما أتاكم؟ فيقولون: ويل أمه، إنه قد ذهب به إلى أمه الهاوية، وهذه الآثار كثيرة جداً ولكنها آثار ضعيفة.
أما التزاور فقد ورد بسند صحيح أن النبي ﷺ قال: (إذا ولي أحدكم أخاه فليحسن كفنه فإنهم يتزاورون على أكفانهم) فالأب يتزاور مع ابنه ومع أخيه ومع عمه ومع خالته، فيحدث التزاور بينهم، لكن إذا أثبتنا التزاور فهل يقع التزاور من الروح والبدن كما قال: (في أكفانهم) أم الأرواح فقط؟ الراجح: أن التزاور لا يكون إلا بالأرواح في رياض الجنة فيذهبون ويروحون ويجيئون ويتزاورون في رياض الجنة بالأرواح، وإذا كانت الزيارة بالأرواح فأين يتزاورون؟ فنقول: الأرواح متفاوتة كما أن الأبدان متفاوتة والأعمال متفاوتة، فأرواح الأنبياء في عليين كما قال النبي ﷺ : (اللهم! الرفيق الأعلى، اللهم! الرفيق الأعلى) وأرواح الصديقين والشهداء في حواصل طير يسبحون في رياض الجنة، وأرواح المؤمنين الذين ليسوا بشهداء كالطير ليسوا في حواصل طير، بل كما ذكر النبي ﷺ : نسمة كالطير أو هي طير تسرح أيضاً في رياض الجنة، فهؤلاء يتزاورون في أماكنهم، وأرواح الأطفال في حواصل عصافير يكفلهم إبراهيم ﵇ وهم في الجنة، أما أرواح الكافرين فإنهم في حواصل طير سود يأكلون من النار والعياذ بالله، فأهل الصلاح الذين هم في علو أهل الشهادة يتزاورون في رياض الجنة، والمؤمنون الخلص أيضاً يتزاورون هناك، وبعض المؤمنين يُحبسون وتقف أرواحهم على أبواب الجنة؛ يحبسهم عن الجنة الدَين أو غيره، وردت أدلة أثبتت أن المرء يحبس في قبره بدينه، وغيره من الأفعال التي فعلها تحبسه عن الجنة، فهؤلاء لا يتزاورون في الجنة، لكن إن كانوا على أبواب الجنة فهم يتزاورون على أبواب الجنة.
стр. 550
سماع الأموات
اختلف العلماء في سماع الأموات على قولين: القول الأول: قول جمهور أهل السنة والجماعة وهو: أن الأموات لا يسمعون، واستدلوا على ذلك بالنفي العام المطلق في قول الله تعالى: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ [فاطر:٢٢]، وقول الله جل وعلا: ﴿إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ [النمل:٨٠].
القول الثاني لطائفة من أهل السنة والجماعة: أثبتوا لهم السماع، واستدلوا على ذلك بأحاديث، فالحديث الأول حديث قليب بدر لما قال النبي ﷺ : (هل وجدتم ما وعد ربكم حقاً)؟ فبين لـ عمر أنهم يسمعون، وقال: (ما أنتم بأسمع منهم) في هذه اللحظات.
وأيضاً قول النبي ﷺ : (إنه ليسمع قرع نعالهم)، يسمع قرع النعال فهو يسمع.
ووردت أحاديث أيضاً كلها ضعيفة، لكن يعضد بعضها بعضاً أن المرء إذا مر على قريبه في القبر فسلم عليه وقال: السلام عليكم رد الله عليه روحه فرد ﵇، فهذه دلالة على أنه يسمع السلام ويرد أيضاً السلام.
والراجح من هذه الأقوال: هو قول جمهور أهل السنة والجماعة أن الأموات لا يسمعون، والجمع بين النفي العام المطلق هذا وبين الأحاديث التي أثبتت النفي بأن نقول: هذا خصوص من عموم، فإنهم لا يسمعون مطلقاً إلا في حالات: الحالة الأولى: عندما يقبر ويولي عنه فإنه يسمع قرع النعال.
الحالة الثانية: عندما يسلم عليه فيرد الله عليه روحه، وأنا أشك في هذا؛ لأن معنى أن الله يرد عليه روحه أنه لا فرق بينه وبين النبي ﷺ ، فأنا أشك في هذه المسألة، والأسانيد التي وردت في رد السلام كلها ضعيفة، وإن كان لها أصل.
الحالة الثالثة: أنه لا يسمع إلا الملك الذي يسأله، وقصة قليب بدر خاصة بقليب بدر، تسلية من الله جل وعلا لنبيه ﷺ وتبكيتاً وتوبيخاً وتقريعاً للذين عاندوا الرسول ﷺ في مطلع دعوته.
стр. 551
الذين لا تبلى أجسادهم في القبر
الأجساد التي لا تبلى في القبر أجساد الأنبياء؛ لأن النبي ﷺ قال: (إن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء)، وكذلك أجساد الشهداء، فقد وردت آثار كثيرة جداً أن أجساد الشهداء لا تبلى، فإن عبد الله بن حرام أبو جابر ﵁ وأرضاه لما قتل في أحد، بعد ستة أشهر كشف عنه جابر فوجده كما هو إلا تغير يسير في أذنه، وفي خلافة معاوية أيضاً عندما أراد أن يجري عيناً من أحد، فمر بها على قبور شهداء أحد، فنبشوا ووجدوهم كما هم، وأصيبت رجل حمزة ﵁ وأرضاه فأدمت، وهذا فيه دلالة على أنه كما كان، وكان الدم حاراً.
وعمر ﵁ وأرضاه وجد جسد دانيال النبي الكريم عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة وأزكى السلام فعمى قبره على الناس، والمقصود: أنه وجد جسده كاملاً، فقد حرم الله جل وعلا على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء.
وشيء واحد فقط لا يبلى من جميع الناس وهو عجب الذنب كما ذكر النبي ﷺ ، وعند قيام الساعة الله جل وعلا يأمر السماء فتمطر مطراً يشبه المني، فينبت المرء منه من عجب الذنب، فعجب الذنب أيضاً لا يبلى ولا يفنى.
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.
стр. 552
شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة - البعث والنشور
أخبر الله تعالى بالبعث من بعد الموت، ودلل على ذلك بأدلة هي في الأصل أقيسة عقلية كقياس الأولى وقياس المثل ودليل المشاهدة وغيرها لتقوم على الناس الحجة في ذلك، وبين سبحانه أحوال الناس بعد البعث وعند العرصات، وأصناف الناس عند العرض عليه ، فعلى المرء أن يؤمن بذلك، وأن يستعد له بالأعمال الصالحة.
стр. 553
الخلاف في عدد النفخات في الصور
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
أما بعد: ففي كتاب شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة للعلامة اللالكائي تكلمنا عن مسألة الاحتضار ثم النزول إلى القبر وسؤال الملكين والاختلاف في ذلك وترجيح أن في القبر أسئلة من الملائكة، وأنه يكون فيه العذاب والنعيم، وبينا اختلاف العلماء في مسألة: هل العذاب والنعيم على الروح أم على البدن أم على الروح والبدن؟ ثم تكلمنا عن المنزلة الثانية من منازل الآخرة ألا وهي منزلة النفخ في الصور التي هي بداية الآخرة، وتكلمنا عن اختلاف العلماء في مسألة: هل النفخ نفختان أو ثلاث أو أربع؟ وذكرنا أن فيها ثلاثة أقوال: القول الأول: قول من قال بنفختين.
القول الثاني: قول شيخ الإسلام أنها ثلاث نفخات.
القول الثالث: قول ابن حزم، فإنه قال بأربع نفخات، والصحيح: أن النفخ في الصور نفختان.
стр. 554
أدلة إثبات البعث
البعث والنشور هو قيام الناس من القبور.
ولعظم هذه المسألة وخطرها نوع الله وصنف الأدلة في كتابه الكريم، وبين النبي ﷺ أنه ما من أحد إلا وسيقف أمام ربه، ليس بينه وبينه ترجمان، كل أعماله في صحائفه مسطرة، لا يغيب عن الله شيء منها ألبتة، وسيقف كل امرئ منا أمام ربه جل وعلا المحسن يجازى بإحسانه والمسيء يجازى بما عمل، ونسأل الله جل وعلا أن يجعلنا جميعاً من المحسنين.
والأدلة على البعث متنوعة، منها: الكتاب والسنة وإجماع المسلمين، فكل هذه الأدلة تدل على أن الله جل وعلا يبعث من في القبور، قال الله تعالى: ﴿قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ﴾ [التغابن:٧]، ثم بين الله جل وعلا ونوع الأدلة للناس حتى يستيقنوا أن البعث لا بد أن يكون للناس أجمعين، وهذه الأدلة كلها ضروب وأقيسة عقلية؛ ليطمئن القلب أن المرء لا بد أنه سيقف أمام ربه.
النوع الأول من الأدلة التي هي ضروب وأقيسة عقلية: قياس الأولى أو القياس الجلي، فإن الله جل وعلا أمر العباد أن يسيروا في الأرض فينظروا كيف خلق هذا الخلق الذي أبهر به العقول، فالسماء رفعها بغير عمد، والأنهار أجراها في هذه الأراضي، وأرسى الجبال الشم الشوامخ، كل هذه تدل على قدرة الله جل وعلا، وأمرنا الله أن نتدبر أخلق الإنسان أكبر أم خلق السماوات والأرض؟ أي عاقل لا يحتاج إلى أن يفكر ويتدبر؟ فخلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس، ولذلك قال الله تعالى: ﴿لَخَلْقُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ أَكْبَرُ﴾ [غافر:٥٧]، ثم بين الله جل وعلا هذا الخلق العظيم الذي خلقه الله، فإذا خلق الأعظم فمن باب أولى أن يخلق الأقل منه، ولذلك قال الله جل وعلا: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى بَلَى﴾ [الأحقاف:٣٣]؛ لأنه خلق الأعظم، فالأدنى أسهل أن يخلقه، وأيضاً قال الله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلًا لا رَيْبَ فِيهِ﴾ [الإسراء:٩٩]، فهذا يثبت أن البعث قائم، وأن الناس سيقومون حتماً من القبور إلى الله جل وعلا، وخلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس، فالله جل وعلا إذا خلق الأكبر فمن باب أولى أنه يستطيع أن يخلق الأقل والأصغر.
النوع الثاني من الأدلة على البعث: قياس المثل، فإن الله جل وعلا ضرب لنا مثلاً عقلياً أيضاً، فالإنسان الصانع لو صنع سيارة بعقل مدبر ورسم الرسم التصويري لها ثم أخذ الآلات وركب هذه السيارة فجاءت بصورة معينة، وهو الذي ابتدأها وتعب حتى ابتدأها، فإذا هدمت هذه السيارة هل يسهل عليه أن يعيد مثلها أم لا؟ في الواقع المشاهد أن الذي ابتدأ شيئاً يسهل عليه أن يعيده، فالله جل وعلا قرب لأذهاننا هذا المثل العظيم، فقال الله تعالى: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ﴾ [الأنبياء:١٠٤]، وقال الله تعالى أيضاً مبيناً لنا ذلك: ﴿فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنَا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الإسراء:٥١]، وقال جل وعلا: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ * قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [يس:٧٨ - ٧٩]، فضرب لنا قياساً بديعاً هو: أن الإعادة مثل الابتداء، بل هو أسهل؛ لأن الذي ابتدأ شيئاً يسهل عليه أن يعيده.
النوع الثالث من أنواع الأدلة التي تدل على البعث، وأننا سنقوم أمام الله جل وعلا: واقع مشاهد، بين لنا الله جل وعلا أمراً مشاهداً وقال: أنتم ستقومون مثل هذا الأمر المشاهد، كما قال : ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا﴾ [النساء:١٢٢]، وقال (وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا﴾ [النساء:٨٧]؛ فبين الله لنا أن الأرض القحلة الميتة إذا نزل عليها المطر اهتزت وربت وأنبتت، فهذه دلالة على أننا سنقوم بعد الموت، قال الله تعالى: ﴿وَتَرَى الأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾ [الحج:٥]، وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِ الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [فصلت:٣٩].
إذاً: الله سيحيي الموتى كما أحيا الأرض، ولكن كيف سيحيي الموتى؟ يبين الله لنا هذا على لسان رسوله ﷺ كما في حديث أبي هريرة في الصحيح أن النبي ﷺ قال: (ثم تمطر السماء مطراً كالطل، أو كالظل أو كالظِل) وفي رواية: (كمني الرجل)، فالسماء هنا بدل أن تمطر ماءً ستمطر يوم القيامة ما هو أشبه بمني الرجل، فتمطر كمني الرجل مطراً، فينزل على عجب الذنب، وهو العظم الذي لا يبلى أبداً في الإنسان، فكل شيء في الإنسان يبلى بعد موته إلا عجب الذنب، فهذا العظم ينبت منه الإنسان عندما ينزل المطر، فكما ينزل المطر في الأرض، فتحيا الأرض والنبات فكذلك الإنسان ينزل عليه المطر كالمني فينبت من عجب الذنب، فيقوم الإنسان كما قامت هذه النبتة من الأرض.
النوع الرابع: أن الله جل وعلا قال: أميت واحداً أمامكم وأحييه، حتى تستيقنوا أن هذه الإماتة والإحياء هي التي ستحدث يوم القيامة، فالله جل وعلا ضرب هذه الأمثلة الواقعة أمام بني إسرائيل، قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [البقرة:٥٦]، وأيضاً في حادثة البقرة لما قتل الرجل عمه وألقاه على قرية وذهب إلى أهل القرية وقال: قتله اليهود، فقتل عمه ليستعجل الميراث، ثم أخذ جثته وألقاها في قرية، وقال: أريد دم عمي، أو الفدية، أو دية عمي، فأنتم الذين قتلتموه، فحاروا فيه، فأوحى الله إلى موسى أن يأمرهم بأن يذبحوا بقرة، إلى أن قال الله تعالى: ﴿فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتَى﴾ [البقرة:٧٣]، فقام الرجل وقال: قتلني ابن أخي.
فأحياه الله أمامهم عياناً، فهذه دلالة أيضاً على البعث.
فهذه أدلة متنوعة تثبت لنا أن الله جل وعلا سيبعث من في القبور، وكل منا سيقف أمام ربه، قال الله تعالى: ﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ﴾ [البقرة:٢٥٩]، وأهل الكهف أيضاً جعلهم الله مثلاً مضروباً ليتبين لنا أن الله جل وعلا سيبعث من في القبور، إذاً: فالبعث قائم، والدليل عليه من الكتاب والسنة قائم جلي كالشمس الساطعة في رابعة النهار، فيستلزم منا ذلك أن نؤمن بهذا البعث، ونخلص أعمالنا لله جل وعلا حتى نقف أمامه بنظافة من كل دنس ومن كل رجس ومن كل سيئة.
стр. 555
هل البعث خلق جديد أم إعادة للخلق القديم ؟
يتعلق بالبعث أمر مهم جداً، ألا وهو: هل البعث هو نفس الخلق أم يتغاير؟ أقول: البعث خلق جديد، يتفق في الجنس ويختلف في السمة والنوع والصفة، فيتفق معه في الجنس فهو نفس الخلق، فأنت محمد مثلاً، مت وسيبعثك الله محمداً، لكن صفاتك وطبيعتك تختلف عن صفاتك وطبيعتك في الدنيا، والدليل على ذلك ما جاء عن ابن عباس أنه قال: (ليس بين ما في الجنة وبين ما في الدنيا إلا الاسم) موز موز، عنب عنب، اسم فقط، لكن يختلف في الطعم والرائحة، وإنما الاسم مشترك والجنس واحد.
وأيضاً أنت محمد في الدنيا وأنت محمد في الآخرة متفق في الجنس وفي الهيئة، لكن الصفة والسمة مختلفة تماماً، والذي يدلنا على ذلك هو أنك إذا أخذت رجلاً فألقيته في النار فسيحرق ويموت، وتخرج روحه، فهذه ليست الآخرة، أما في الآخرة فإنه إذا ألقي في النار فإنه لا يموت -أقصد الكافر- فإنه كما قال معاذ: الأرواح تسكن أجساداً لا تموت، فهذا أول تغاير بين الدنيا الآخرة، فالإنسان الكافر يحترق ويبقى في النار ولا يموت، وصور الله لنا هذه الصورة الهائلة فقال: ﴿وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ﴾ [إبراهيم:١٧]، يعني: أسباب الموت كلها موجودة: جوع عطش حر برد إهانة تنكيل كل ذلك من أسباب الموت، وهي موجودة ولكنه لا يموت، قال: ((وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ)) أي: يحيط به الموت ﴿مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ﴾ [إبراهيم:١٧]؛ لأن الله جل وعلا أبقاهم، والطبيعة قد تغيرت.
وأيضاً في الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ وأرضاه قال: قال رسول الله ﷺ : (ضرس الكافر يوم القيامة كجبل أحد)، فضرس الكافر في الآخرة يكون كجبل أحد، حتى ينكل به أشد النكال، فهذه دلالة أيضاً على أن خلقك يوم القيامة يكون مغايراً في طبيعته لخلقك وأنت في الدنيا، فأنت في الآخرة أوضح وأجلى وأرقى من ذلك، أسأل الله أن نكون كلنا من هؤلاء عندما ننظر إلى ربنا.
وموسى لما طلب رؤية الله جل وعلا في الدنيا ما استطاع؛ لأن طبيعته البشرية لا تستطيع ولا تحتمل أن تنظر إلى الله جل وعلا، ولذلك قال الله جل وعلا: ﴿وَلَكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي﴾ [الأعراف:١٤٣]، فلا الجبل يحتمل ولا طبيعة موسى ﵇ تحتمل، لكن أنت في الآخرة قال الله عنك: ﴿فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾ [ق:٢٢]، فستنظر إلى أنوار سبحات وجه الله جل وعلا يوم القيامة، ولكن لن تنظر إلى الله جل وعلا بطبيعتك هذه، بل الطبيعة ستتغير، كما قال : ﴿فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾ [ق:٢٢]، ولذلك في عرصات يوم القيامة ترى الملائكة وترى الجن وأنت في الدنيا لا تراهم، كما قال عن الدنيا: ﴿إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ﴾ [الأعراف:٢٧]، فأنت لا ترى الجن، لكن يوم القيامة على عرصاتها تقف أنت وبجانبك الجن، وتنظر إلى الملائكة فالله جل وعلا ينادي: فلان بن فلان فيأتيه ملكان، ويأخذانه إلى العرض على الله جل وعلا وهو ينظر إليهما، وينظر أيضاً إلى الجن والشياطين، وينظر إلى الكل، فهذه دلالة على أن الطبيعة تتغاير، والعبد يرى ربه يوم القيامة في الجنة ويتمتع أكبر المتعة وأحسن المتعة برؤية ربه جل وعلا، كما في الصحيحين عن أبي موسى الأشعري ﵁ وأرضاه قال: قال رسول الله ﷺ : (جنتان من فضة آنيتهما وما فيهما، وجنتان من ذهب آنيتهما وما فيهما، وما بين القوم وبين أن يروا ربهم إلا رداء الكبر على وجهه في جنات عدن)، فإذا نزع رداء الكبر فكل منا سيرى ربه جل وعلا.
فهذه الأدلة تدل دلالة واضحة على أن الطبيعة متغايرة، فأنت في الخلق الأول في الدنيا غير ما تكون عليه في الخلق الثاني في الآخرة، نسأل الله جل وعلا أن يجعل خلقنا في الآخرة على أحسن صورة، وأن تكون على أتم ما يكون في يوم البعث، وأن يجعلنا ممن ينظرون إلى المليك المقتدر.
стр. 556
كيفية الحشر وبيان مكانه
يقوم الشخص من القبر إلى أرض المحشر التي قال عنها الله جل وعلا: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ وَالسَّمَوَاتُ﴾ [إبراهيم:٤٨]، وهي كالقرص النقي أي كالعجينة البيضاء التي ليس فيها ثمة شيء، أرض لم يعص فيها الله جل وعلا قط، ولم يرق فيها دم قط، كلها بيضاء عفراء نقية، يقف عليها الأشخاص، ويحشرون جميعاً لا يتخلف أحد عن الله جل وعلا، قال الله تعالى: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا * لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا * وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا﴾ [مريم:٩٣ - ٩٥]، وقال جل وعلا: ﴿لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنسَى﴾ [طه:٥٢].
فكل إنسان سيقف أمام ربه جل وعلا، ولا يتخلف أحد عن الحشر إلى أرض المحشر، وستحشر على هيئة بينها النبي ﷺ ، فقد بين أنك ستحشر كما ولدت عارياً غير مكسي ولا مختون، كما في الصحيحين عن ابن عباس ﵁ وأرضاه قال: قال رسول الله ﷺ : (إنكم محشورون حفاة عراة غرلاً)، فالكل سيحشرون حفاة عراة غرلاً، يعني: غير مختونين، وأي شيء نقص منك سيأتيك يوم القيامة.
فهذا الحديث لما سمعته عائشة اندهشت، فقالت: يا رسول الله! الرجال والنساء عراة ينظر بعضهم إلى بعض؟! فقال الرسول ﷺ : (يا عائشة! الأمر أشد من أن ينظر بعضهم إلى بعض) هذا اليوم يشيب له الولدان، كما قال : ﴿وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ [الحج:٢]، وكما وصف النبي ﷺ في بعض الأحاديث الثابتة في الصحيحين أن الشمس تدنو من الرءوس، فيبلغ الكرب والغم من الناس مبلغاً، لا يطيقونه ولا يحتملونه.
ثم يحشرون إلى المليك المقتدر، يقف المرء على عرصات يوم القيامة فينادى: فلان بن فلان، فيأتي ملكان فيأخذانه، وكأنه ذاهب إلى محكمة، بل هي محكمة، لكن الله جل وعلا هو الحاكم وهو القاضي إن صح أن نطلق على الله هذه الألفاظ، فإن هذا من باب الأخبار لا من باب الصفات ولا الأسماء، فالله جل وعلا هو الذي سيقضي في أمرك أو سيحكم في أمرك، ولا يغيب عنه شيء.
قال النبي ﷺ : (يحشر الله الناس أجمعين الأولين والآخرين في صعيد واحد، يسمعهم الداعي وينفذهم البصر وتدنو منهم الشمس) الحديث، قال : ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ﴾ [الحاقة:١٨].
стр. 557
العرض على الله وأصناف الناس فيه
قال الله تعالى: ﴿وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفًّا لَقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِدًا * وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف:٤٨ - ٤٩]، الناس في ذلك اليوم على ثلاثة أصناف: الصنف الأول: صنف يرخي الله عليه ستره وكنفه، ثم يعرفه ذنوبه، فيقول: عبدي أما عملت ذنب كذا يوم كذا؟ أما انتهكت حرمة كذا يوم كذا؟ والعبد يقول: أي رب، أعرف ذلك وأقره، فيرخي عليه ستره، ويقول: عبدي قد سترتها عليك في الدنيا، وأنا أغفرها لك اليوم.
وذلك من رحمة الله ومن كرم الله.
الصنف الثاني: صنف يناقش الحساب، وهذا الصنف هو الذي يعذبه الله على ذنوبه، ويقول: فعلت كذا وكذا وكذا، ولا يغفر ذنباً من هذه الذنوب بحال من الأحوال، وهذا الذي لا يغفر له الذنب، قال عنه النبي ﷺ : (قد هلك) وسيأتي بيان ذلك.
الصنف الثالث: صنف مفضوح -نسأل الله أن يرخي علينا ستره في الدنيا والآخرة- والفضيحة الكبرى إنما تكون على عرصات يوم القيامة وليست في الدنيا؛ لأن في الدنيا قد تكون على مجموعة خمسين شخصاًً أو عشرين شخصاً أو بلدة بأكملها أو على الإنترنت، لكن الفضيحة هذه لا تساوي شيئاً بالنسبة للفضيحة الكبرى يوم القيامة، فليس هناك فضيحة من لدن آدم ﵇ إلى آخر الخليقة إلى آخر مخلوق سيخلق عندما لا يقال: الله الله إلى قيام الساعة تعادل الفضيحة الكبرى.
والفضيحة أنواع أيضاً: فضيحة لأهل الإيمان الذين هم من الفسق بمكان، وهم لا يخلدون في النار، وفضيحة لأهل الكفر، أما فضيحة أهل الإيمان فكل غادر ينشر له لواء، فيقال: هذه غدرة فلان، يقرؤها القارئ وغير القارئ، واللواء: علم، فكما أن الناس يسيرون بأعلام يعرفون بلادهم بهذه الأعلام، هذا الرجل أيضاً الغادر له لواء منشور أمام الخلائق أجمعين، يراه رسول الله ويراه آدم ويراه نوح، وينظرون إليه، وأفاضل الخلق سيرون هذه الفضيحة، هذا لأهل الإيمان، ثم يرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار.
وأما الكافر فهذا بالقول وبالفعل، فيقال عنه على رءوس الأشهاد: ﴿هَؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [هود:١٨]، لعنة من الملائكة ومن الله ومن أهل الإيمان، يقال: ألا لعنة الله على الظالمين.
وفي الصحيحين عن عدي بن حاتم ﵁ وأرضاه قال: قال رسول الله ﷺ : (ما منكم من أحد إلا وسيكلمه الله جل وعلا ليس بينه وبينه ترجمان، فينظر أيمن منه فلا يجد إلا ما قدم، وينظر أشأم منه فلا يرى إلا ما قدم، وينظر تلقاء وجهه فلا يجد إلا النار، فاتقوا النار ولو بشق تمرة) أي: أن صدقة واحدة يمكن أن تنجيك من عذاب الله يوم القيامة.
وأيضاً في الصحيحين عن ابن عمر ﵁ وأرضاه قال: يدنو المؤمن من ربه فيرخي عليه ستره وكنفه ثم يعرفه يقول: عبدي! هل تعرف كذا؟ يذكر له الذنب الذي أذنبه، وانتهاك الحرمة التي انتهكها، فيقول: أي رب أعرف، فيقر ولا يعترض، فيقول: عبدي! هل تعرف ذنب كذا؟ يقول: نعم رب أعرف، فيقول: عبدي تعرف ذنب كذا؟ فيقول: نعم رب أعرف، فيقر ولا يعترض على ربه، وهذا هو العبد الذي غلبته شهوته، وغلبه هواه، ولكنه خاضع مسكين، يعلم أن أمره بيد ربه، فيقول: رب نعم أعرف، فيقول: (عبدي! سترتها عليك في الدنيا، وأنا أسترها عليك اليوم) وفي رواية: (أغفرها لك اليوم) فيغفرها الله، فهذا المؤمن المذنب.
وأما المنافق -نعوذ بالله من النفاق- والكافر فيقال على رءوس الأشهاد: ﴿هَؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [هود:١٨].
الصنف الثالث: صنف يناقشون الحساب وتعدد سيئاتهم -والعياذ بالله-، وهؤلاء لا بد أن يدخلوا نار جهنم، فعن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : (من نوقش الحساب عذب)، وفي رواية أخرى: (من نوقش الحساب هلك)، فـ عائشة -وهي فقيهة- اعترضت بدليل، فرد عليها النبي ﷺ وبين لها الحجة، ولذلك ما أنكر عليها أنها اعترضت؛ لأن عندها دليل، فإنها قالت: يا رسول الله! أوليس الله قد قال: ﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾ [الانشقاق:٨]، فقال النبي ﷺ : (ذلك العرض) أي: يعرض على الله، فيعرفه ذنوبه ويقول: عبدي! تعرف ذنب كذا؟ فيقول: نعم رب، فيقر، فيقول الله: (أغفرها لك اليوم).
وقوله: (ذاك العرض، من نوقش الحساب فقد هلك) لا بد لهذا من تفسير، وقد فسره علماؤنا فقالوا: مناقشة الحساب أن يعدد عليه ذنوبه كلها، ذنباً ذنباً، ولا يغفر له منها ذنباً واحداً، كما روى اللالكائي في هذا الكتاب العظيم عن الحسن البصري أنه سئل: ما هو سوء الحساب؟ فقال: أن تعد السيئات أو الذنوب ولا يغفر ذنباً واحداً منها أبداً.
فهذا الذي إذا نوقش الحساب عذب يدخل الجنة وقت ما يشاء الله جل وعلا.
فإذا حشروا وسئلوا ووفاهم الله أعمالهم، أدخل الله أهل الجنة الجنة، وأدخل أهل النار النار.
ثم ذكر المصنف ﵀ الميزان، وما الذي يوزن: الأعمال أم الأشخاص؟ وذلك بعد أن بين لنا أصناف أهل الجنة وأصناف أهل النار.
стр. 558
مصير اليهود والنصارى إذا ماتوا على غير ملة الإسلام
بوب المصنف باباً من أهم الأبواب؛ لأن كثيراً ممن ينتسبون إلى الإسلام ضيعوا عقائد الناس وميعوها، هذا الباب هو باب ما روي عن النبي ﷺ في أن اليهود والنصارى إذا ماتوا على غير ملة الإسلام يدخلون النار.
فهذا واضح وهل يحتاج النهار إلى دليل؟ وليس يصح في الأذهان شيء إذا احتاج النهار إلى دليل فعندنا من قال بوحدة الأديان، وعندنا من قال: أخي بطرس، وعندنا من يقول: بيني وبينهم خلة، والله يقول: ﴿الأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف:٦٧]، فهو مع ذلك يقول: الأديان السماوية والتسامح في النصرانية والتسامح في اليهودية فسنبين لهم لعلهم يتركونها، أو نبين لنا حتى نثبت على عقيدتنا ونعلم أن هذا الكلام هراء، وأن هذا الكلام يصل بالمرء إلى الكفر، فإن قائل هذا الكلام إن لم يتق الله في نفسه يكفر هو أيضاً، فيحشر معه، والمرء مع من أحب.
قال الله تعالى مبيناً أنه لا يقبل أبداً من أحد إلا الإسلام: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ﴾ [آل عمران:١٩]، فالدين معرف بالألف واللام فيفيد العموم، فالأديان كلها التي نزلت تساوي الإسلام، فحصر كل الأديان وقال: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ﴾ [آل عمران:١٩]، وتفسيها بلآية الأخرى، من باب تفسير القرآن بالقرآن، قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران:٨٥] أي: لا يقبل منه بحال من الأحوال، وقد قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ﴾ [هود:١٧].
قال سعيد بن جبير: هم اليهود والنصارى.
وأوضح من ذلك ما جاء في الصحيحين عن رسول الله ﷺ أنه قال: (والذي نفسي بيده لا يسمع بي من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم لم يؤمن بالذي جئت به، إلا كان من أصحاب النار)، فالنصراني الذي لا يؤمن بمحمد ﷺ وما جاء به محمد يكون من أصحاب النار، واليهودي الذي لم يؤمن بمحمد وبما جاء به محمد ﷺ يكون من أصحاب النار، بنص الحديث، وأيضاً في الصحيحين عن النبي ﷺ أنه رأى عمر يقرأ في التوراة، فقال: (أمتهوك فيها يا ابن الخطاب؟! والذي نفسي بيده! لو كان موسى حياً ما وسعه إلا أن يتبعني) أي: يكون خلفي، ولذلك قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ [آل عمران:٨١].
فكل إنسان وكل نبي وكل أحد رأى رسول الله لا يسعه غير أن يتبع رسول الله ﷺ ، كرامة من الله لهذه الأمة، حتى عيسى ﵇ إذا نزل آخر الزمان لا يحكم إلا بشريعة محمد، بل لا يؤم أمة محمد؛ كرامة لهذه الأمة، فإنه ينزل عيسى على جناح الملك، فيجد الصلاة قد أقيمت والمهدي سيكبر، فيراه المهدي أو يشم رائحته، فإن عيسى ﵇ ينزل وكأن حب اللؤلؤ يتقاطر منه ﵇، فيرجع المهدي؛ لأنه يعرف مقامه، ويريد أن يقدم النبي، فيقول عيسى: لا، تقدم؛ إمامكم منكم؛ تكرمة الله لهذه الأمة.
ولذلك أول أمة تحاسب هي هذه الأمة، لكرامة نبيها؛ لأن النبي ﷺ يأتي تحت العرش ويقول: (يا رب أمتي أمتي، أمتي أمتي).
وفي حديث أبي هريرة في الصحيحين قال: (لكل نبي دعوة مستجابة، وإني قد خبأت دعوتي شفاعة لأمتي)، فكرامة هذه الأمة واسعة جداً، فهذه الأمة لا بد لكل الأمم أن تنزل تحت لوائها، ولا بد أن تتبعها، كما قال النبي ﷺ : (والذي نفسي بيده لو كان موسى حياً ما وسعه إلا أن يتبعني).
стр. 559
حكم من لم يكفر اليهود والنصارى
اليهود والنصارى الذين لم يؤمنوا بالرسول ﷺ هم أهل كفر، وهم أهل ضلال، ومن لم يكفرهم ويعتقد خلودهم في نار جهنم إذا ماتوا على الكفر بعد إقامة الحجة عليهم، وبعد بيان حالهم من الكتاب والسنة فهو كافر خارج من الملة، خالد مخلد في النار.
إذا رأيت الرجل يقول: النصراني دينه دين سماحة، أو هذا أخونا في الدين، فهذا على خطر عظيم، فمن كان هذا حاله فقل له: النصارى ألا يقولون: باسم الله باسم الأب باسم كذا باسم كذا؟! فسيقول: نعم، فقل له: ألا يقولون في عيسى: إنه إله وإنه ابن الله وإنه ثالث ثلاثة؟ فالنصارى يقولون بألوهية عيسى، فمنهم من يقول بالأقانيم الثلاثة، ويقولون: فيه شيء من الناموس وشيء من اللاهوت، وعقيدة النصارى كلها كذلك، فهم يقولون عن عيسى: ابن الله، فأنت ائت بالمصحف وقل له: قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ﴾ [المائدة:٧٣]، فهل تكفرهم أم لا تكفرهم؟ إذا قال: لا، هم إخواننا في العقيدة، فقل له: أنت كافر؛ لأنه كذَّب الله جل وعلا؛ لأن الله -ومن أصدق من الله حديثاً، ومن أصدق من الله قيلاً- قال: إنهم كفار، فكيف يقول: هم مسلمون؟! فهذه دلالة على أن من لم يكفرهم يكفر بعد إقامة الحجة عليه، وأيضاً الله جل وعلا قال: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ﴾ [الأعراف:١٥٧]، فهذا مسطر عندهم: محمد ﷺ ، مسطر في التوراة والإنجيل، وهم ينكرون، فالذي لا يكفرهم بعد إقامة الحجة عليه فهو كافر خالد مخلد في نار جهنم إن لم يتب ويموت على التوبة.
إذاً: هذا الباب من أهم الأبواب، ومنه يتبين لنا أن الذين يميعون العقائد عند الناس هم أضل الناس، ولذلك قال سفيان بن عيينة: كنا نقول عن علمائنا الذين يضلون: إنهم أشبه ما يكون باليهود؛ لأنهم يضلون على علم، فالذين يميعون العقيدة عند الناس هم في ضلال مبين إن لم يكونوا على كفر.
فإذا قيل: إنهم لا يقولون ذلك، بل يعتقدون كفرهم، لكن يقولون ذلك حفاظاً على الكراسي، فنقول: مآلهم إلى الله، لكن الظاهر عندنا أنه إذا كفر اليهود أمامهم، ثم لم يكفرونهم كفروا، وأيضاً النصارى، وعندنا حديث جلي في الصحيحين عن النبي ﷺ قال: (يحشر الله الناس الأولين والآخرين في صعيد واحد، فينادى اليهود فيقول الله تعالى: ما كنتم تعبدون؟ فيقولون: كنا نعبد عزيراً ابن الله - حاشا لله- فيقال: كذبتم، لم يكن لله صاحبة ولا ولد، ما تريدون؟ فيقولون: نريد أن تسقينا، فيقول الله تعالى مبكتاً إياهم: اشربوا، فيتساقطون في نار جهنم، ثم يؤتى بالنصارى فينادى على النصارى: ما كنتم تعبدون، فيقولون: كنا نعبد المسيح وينسبونه إلى الله جل وعلا - حاشا لله - فيقول الله تعالى: كذبتم، لم يتخذ الله صاحبة ولا ولداً، فيقول الله جل وعلا: ما تريدون؟ فيقولون: نريد أن تسقينا، فيقول الله تعالى مبكتاً لهم: اشربوا، فيتساقطون في نار جهنم) والعياذ بالله.
فهؤلاء هم أكثر أهل الأرض وأضل أهل الأرض، نعوذ بالله أن نقول بقولهم، ونعوذ بالله أن نعمي على الناس، وأن نميع عقائدهم فلا يعرفون الكافر من المسلم.
وأشد ما يكون على الناس ألا يفرقوا بين الكافر وبين المسلم؛ لأن للكافر أحكاماً وللمسلم أحكاماً.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.
стр. 560
شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة - الميزان
يؤمن أهل السنة والجماعة بميزان حقيقي توزن فيه أعمال العباد وصحائفهم والعباد أنفسهم، فمن ثقلت موازينه بأعماله الصالحة نجا، ومن خفت موازينه هوى، وبعد الميزان يجوز الناس على الصراط المضروب على متن جهنم، فمنهم من يجوز عليه كالبرق وكالريح وكأجاويد الخيل، ومنهم من تخطفه كلاليب كشوك السعدان فيكردس في نار جهنم.
стр. 561
أدلة البعث والنشور
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمد عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، ثم أما بعد: ما زلنا مع الجزء السادس من هذا الكتاب المبارك العظيم: شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة للعلامة اللالكائي.
انتهينا من الكلام على البعث وأدلته التي بينها لنا الله جل وعلا، ثم تكلمنا على العرض والحساب، وكيفية عرض الناس يوم القيامة ليحاسبوا أمام ربهم، ثم ختمنا بالحديث عن اليهود والنصارى وأنهم إذا ماتوا على غير ملة الإسلام فهم من أهل النار خالدين فيها.
ومن باب التذكير بما مضى نقول: كل منا يؤمن ويستيقن ويعلم أنه سيقف أمام ربه، ويحاسب على ما قدم، وأن الله جل وعلا سوف يجازيه بالحسنات إحساناً وبالسيئات عقاباً إن شاء ذلك وإن شاء غفر له ذلك، وقد بين الله لنا الأدلة على البعث والنشور، فإذا قال لك كافر: ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا فبم ستجيبه؟ هل ستقنعه بالضرب؟ كلا، ولكن لابد أن تبين له قولك بالدليل والحجة والبرهان على أدلة البعث التي تعتقد أنت بها، وأنك ستبعث وستحاسب على ما قدمت.
نذكر أولاً تصنيف الأدلة إجمالاً ثم نفصل: ضروب الأدلة هي: قياس جلي هذا الضرب الأول وهو قياس الأولى، والضرب الثاني من الأدلة: قياس المثلية وهو قياس الغائب على الشاهد، ثم نبين أن البعث نفسه قد ظهر لنا جلياً في الحياة الدنيا.
ومعنى قياس الأولى: أنه إذا كان الحكم متوفر في الأدنى فهو في الأعلى من باب أولى، ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿لَخَلْقُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [غافر:٥٧]، فالله جل وعلا أمر العباد أن ينظروا في خلق السموات والأرض الذي هو أكبر من خلق الإنسان؛ فمن باب أولى أن يخلق الإنسان مرة ثانية.
والصنف الثاني من الأدلة هو العقيدة، فهي فرض عين على كل إنسان أن يتقنها، قال الله: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ﴾ [الأنبياء:١٠٤]، فقاس الإعادة على البداءة، وهذا ظاهر جداً، فإن كان قد ابتدأ شيئاً فأيسر عليه أن يعيده، مثال ذلك: الرجل لو صنع صنعة وسهلت عليه هذه الصنعة، فإذا أراد أن يعيدها كانت أسهل وأسهل.
الصنف الثالث من الأدلة: هو الحكم على اليهود والنصارى، فحكمهم أهل كتاب، فإن أسلموا فحكمهم مؤمنون، فإن ماتوا على ما هم عليه فحكمهم في الآخرة أنهم في النار، وتعاملنا معهم في الدنيا كأهل كتاب، هذا هو التفصيل.
فأما حكمهم في الدنيا فهم كفار بدليل قول الله: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ﴾ [المائدة:٧٣] والنصارى يقولون بذلك، وكذا قول الله في آية أصرح من ذلك تدل على أن الدين عند الله الإسلام، وأن الله لا يقبل من أحد غيره يقول تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران:٨٥].
والدليل على أنهم لو ماتوا على ذلك فهم أصحاب النار قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً﴾ [البقرة:٨٠] فإذا مات اليهودي أو مات النصراني على ملته فمآله إلى النار، ثم لا يخرج منها أبداً، والدليل على هذا قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ) [النساء:٤٨]، وجه الاستدلال من هذا الشاهد: أن اليهود قد أشركوا وقالوا: عزيرٌ ابن الله، ونسبوه لله، هذا هو وجه الشاهد ووجه الاستدلال بالترتيب العلمي الذي قد تستدل به.
إذاً: الكفار من المشركين، والله لا يغفر لمشرك، وأيضًا نص حديث رسول الله ﷺ ، فقد صرح بأنهم خالدون فيها ولن تنفعهم أموالهم ولا أولادهم ولا أرحامهم، قال: (والذي نفسي بيده! لا يسمع بي يهودي ولا نصراني ثم لم يؤمن بالذي جئت به إلا كان من أصحاب النار) يعني: خالداً مخلداً فيها.
стр. 562
ميزان الأعمال في الآخرة
نبدأ أولاً بما روي بأن الحسنات والسيئات توزن يوم القيامة بالميزان، وسوف نتكلم عن الميزان، ثم ننتقل إلى نقطة أخرى وهي: أن الكفار لا يحاسبون يوم القيامة، وسنبين الخلاف فيه ثم الإيمان بالصراط.
أولاً الميزان من علم الغيب، وعلوم الغيب أمرنا جميعاً أن نؤمن بها، والله جل وعلا قد علق الفلاح على من آمن بالغيب، فقال عمن يؤمن بالغيب ويقيم الصلاة: (أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [البقرة:٥]، فالإيمان بالغيب هو معقد الفلاح، ومن الغيبيات الميزان، وهو لغة: ما توزن به الأشياء، وشرعاً: الميزان الحقيقي الذي له كفتان توزن فيه أعمال الناس يوم القيامة.
стр. 563
أدلة ثبوت الميزان
الميزان ثابت في الكتاب والسنة، ويوافق عليه جل أهل السنة والجماعة، وما خالف في ذلك إلا المعتزلة أصحاب البدع، وبعض أهل السنة والجماعة أولوه على غير حقيقته.
أما ثبوته بالكتاب فقد قال الله تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [الأنبياء:٤٧]، وقال جل وعلا: ﴿فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ * فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ * وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ * فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ﴾ [القارعة:٦ - ٩].
وفي الحديث عن عبد الله بن عمرو بن العاص -كما في مسند أحمد - قال: قال رسول الله ﷺ في حديث البطاقة: (فتوضع السجلات في كفة والبطاقة المكتوب فيها (لا إله إلا الله) في كفة أخرى) فدلل بالنص الصريح أنه ميزان حقيقي له كفتان: يمنى ويسرى.
стр. 564
رد خلاف المعتزلة لأهل السنة في حقيقة الميزان
السلف بينهم شبه اتفاق على أن ميزان يوم القيامة حقيقي، إلا ما أتى عن مجاهد والأعمش من أهل السنة والجماعة فقد قالا: المقصود بالميزان العدل، واستدلوا بما استدل به المعتزلة، وهم أهل تأويل لا يقبلون شيئاً على حقيقته في الغيبيات بل يأولونه بما يوافق العقول؛ لأنهم يقدمون العقل على النقل، فلما سمعوا أن الميزان له كفتان قالوا: ليس هناك ثمة ميزان، ووزن الأعمال إنما هو شيء معنوي، معناه العدل، وكل إنسان سيحاسب بعدِّ حسناته إن كثرت يدخل الجنة، وسيئاته إن كثرت إن شاء الله أن يعذبه فيعذبه، وأيضًا بالعدل في الخصومات، هذا معنى الميزان عند المعتزلة، واستدلوا على ذلك بقول الله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ * أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ * وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ﴾ [الرحمن:٧ - ٩]، وهذا معناه: أنك في التعامل بينك وبين الناس تعدل في كل شيء تعدل في الإحسان تعدل في القدح أو الجرح والتعديل تعدل في العطاء والمنع تعدل في البيع والشراء.
ونحن نوافقهم على ذلك إن قصد بهذا الميزان العدل في التعامل البشري في الدنيا، لكن الله ذكر الميزان، والميزان لفظ صريح، فلا بد علينا لزاماً أن نثبت ما أثبته الله، فهو ميزان حقيقي الله أعلم بكيفيته، فنثبت أولاً حقيقة ما أثبته الله وهو الميزان، ثم نثبت تبعاً لهذا لازم الميزان وهو العدل، فيكون في ذلك رد على المعتزلة.
ونحن نثبته حقيقية ونقول: الله أعلم بكيفيته، ونثبت أن له كفة يمنى وكفة يسرى توزن فيهما الأعمال، وبذلك يظهر العدل.
إذًا: من أهل السنة والجماعة من قال بقول المعتزلة، ويغفر الله لهم ذلك؛ لأنه اجتهاد أخطئوا فيه، فلهم -بإذن الله- أجر، ونحن مع ما دل عليه الكتاب من أن الميزان له حقيقة يوم القيامة، وله كفتان كفة يمنى وكفة يسرى.
стр. 565
اختلاف العلماء فيما يوزن في الميزان
ما الحكمة من الميزان يوم القيامة؟ الإجابة: لتوزن الأعمال أو الصحائف أو البشر، أقوال اختلف فيها العلماء.
وسيكون يوم القيامة ميزان على مرأى من الناس، لتوزن أعمال العباد فيه، لكن هل العمل شيء حسي أم معنوي؟ معلوم أن الأعمال كلها معنوية، فكيف ستوزن؟ أقول: إن الله صادق، فإن الله جل وعلا سيظهر لنا قدرته يوم القيامة، والأعمال ستجسم وتصور وتوضع في الميزان، يدل على ذلك ما في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: (اقرءوا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعاً لأصحابه، اقرءوا الزهراوين البقرة وآل عمران فإنهما يأتيان يوم القيامة كأنهما غمامتان أو غيايتان، أو فرقان من طير صواف يحاجان عن صاحبهما يوم القيامة)، فالله جل وعلا يجعل البقرة وآل عمران وكأنهما غمامة تظلل صاحبها، وتحاج عنه، بل تتكلم، فهي ليست فقط ظلة فوق المؤمن، وهذه كرامة للقارئ بين يدي الله.
فالأعمال إذاً ستجسم وستوزن كمال قال النبي ﷺ كما في الصحيح: (كلمتان خفيفتان على اللسان، حبيبتان للرحمن، ثقيلتان في الميزان: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم) فهذه الكلمتان ستوضعان يوم القيامة في الكفة لتزن وترجح بها، فهي ثقيلة جداً في الميزان.
وفي الترمذي عن أبي هريرة ﵃ أجمعين قال: قال رسول الله ﷺ : (أثقل شيء في ميزان العبد: حسن الخلق)، فحسن الخلق شيء معنوي، ومع ذلك فإن الله سيجسمه يوم القيامة، ثم يوضع على الميزان فيكون أثقل شيء فيه.
فهذه دلالة واضحة على أن الأعمال ستجسم وتصور وتوزن يوم القيامة لتفرق بين العاملين.
هذا هو القول الأول لأهل العلم، وهم من أهل السنة والجماعة.
القول الثاني: أن الذي سيوزن هو العامل، وهذا القول يلزمه الدليل؛ إذ لا يقبل قول أحد إلا بدليل، وإلا يرد على صاحبه حتى يأتينا بالحجة والبرهان.
العلم قال الله قال رسوله قال الصحابة ليس بالتمويه ما العلم نصبك للخلاف سفاهة بين الرسول وبين قول فقيه ودليل أصحاب هذا القول حديث رسول الله ﷺ : (إن المرء البدين الجسيم يأتي يوم القيامة فلا يزن عند الله جناح بعوضة)، إهانة واحتقاراً وسخرية وتبكيتاً وتوبيخاً لهذا المرء الجسيم البدين أمام أعين الخلق من لدن آدم إلى آخر الخليقة نعوذ بالله من الخسران، ونعوذ بالله من الفضيحة يوم القيامة.
هذا الرجل الذي ملأ الأرض، وكان يمشي كأنه يخرق الأرض أو يبلغ الجبال طولاً، وكان ممتلئاً بالكبر، يأتي يوم القيامة لا يزن عند الله جناح بعوضة، ثم قال الراوي: فاقرءوا إن شئتم: ﴿فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا﴾ [الكهف:١٠٥]، وأيضاً حديث في الصحيح عن النبي ﷺ : أنه ﷺ جاء إلى صحابته فرآهم يضحكون، فسألهم عن ذلك، فقالوا: نضحك من دقة ساق ابن مسعود، فقال النبي ﷺ مقولة تبين لك أنك إذا أردت أن تقدر الناس حتى ولو بشيء فيه ضحك أو ابتسامة فلا تبتسم حتى تنزل الناس منازلهم وتعطيهم قدرهم، فرسول الله ما ابتسم كما ابتسموا وما أنكر عليهم، ولكنه بين لهم عظم قدر الرجل فقال لهم: (والذي نفسي بيده! إنها لأثقل في الميزان من جبل أحد)، ومعنى هذا: أن ابن مسعود ﵁ وأرضاه سيوزن كله، وعليه فالبشر أيضًا سيوزنون في هذا الميزان يوم القيامة، والكيفية يعلمها الله جل وعلا، وهذا القول الثاني لأهل السنة والجماعة.
القول الثالث: إن الذي سيوزن هي الصحائف، فلله جل وعلا ملائكة يتعاقبون فينا كما قال النبي ﷺ : (يتعاقبون فيكم ملائكة في الليل والنهار يلتقون في الفجر والعصر، ثم يصعدون إلى الله) إلى آخر الحديث، والملائكة وصفهم الله بقوله: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق:١٨]، كل شيء مكتوب ومسطر، وكل شيء قد كتب في الزبر من قبل، ولكن الملائكة تكتب وتصعد لتقارن بين ما في الصحيفة وبين ما في اللوح المحفوظ فلا يخطئه في شيء، فالله جل وعلا يجعل الملائكة يكتبون السيئات والحسنات في الصحائف، ثم هذه الصحائف هي التي ستوزن يوم القيامة، واستدلوا على ذلك بحديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ أنه قال: (توضع السجلات في كفة) السجلات هي التي تكتب فيها الحسنات اليومية والسيئات، ثم توضع في الميزان، فهذه دلالة على أن الصحائف توزن، وهذا أيضاً قول صحيح لأنه مستند لدليل.
إذا دققت النظر ستقول: لا منافاة بين الأقوال الثلاثة بل ستجتمع بينها بقول واحد وهو: يصح أن نصرح بأن الأعمال توزن يوم القيامة، ولدينا الدليل على ذلك من السنة، وأيضاً العامل سيوزن يوم القيامة، وعندنا دليل ذلك من السنة، كما أن الصحائف ستوزن للدليل الوارد في السنة، وإذا نظرت ودققت النظر بالتدبر في آثار أسماء الله الحسنى وصفاته العلا تجد أن لكل شيء حكمة من الله جل وعلا، فالمرء يوزن والحكمة في ذلك: أن يظهر الله جل وعلا لنا مقدار كرامة هذا المؤمن الذي سارع بالخيرات عند ربه، ويبين للناس ثقل ميزانه، وإن كنتم تحتقرونه في الدنيا ولا تسمعون له، (ورب أشعث أغبر مدفوع بالأبواب) وإن كنتم تنظرون إليه نظرة لا تساوي حقه فهو عندي ثقيل، وأنا سأكرمه على رءوس الأشهاد، فيوزن وتظهر مكانته وكرامته على الله جل وعلا يوم القيامة، وما أجلها من حكمة! وما أروعها من كرامة يكرم الله بها عباده المؤمنين! كما أكرم الله جل وعلا نبيه بأن جعل حاجة كل البشر إليه في الشفاعة، فهذه حكمة من الحكم التي ستظهر.
أيضاً هناك حكمة أخرى تظهر في الأعمال إذا وزنت، حيث يبين الله لنا يوم القيامة أنها تأتي مجسمة مصورة، وفي هذا أيضاً دلالة على قدرة الله جل وعلا، وعلى عظمة الله جل وعلا بأن جعل المعنوي حسياً مادياً أمامنا؛ تقريراً لقول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس:٨٢].
ومن الحكم أيضاً: أن هذه الصحائف ستميز بين الحسنات إذا كثرت على السيئات ويكون مآله إلى الجنة -نسأل الله أن نكون منهم- وإذا السيئات كثرت فهو تحت مشيئة الله إن شاء عذبه وإن شاء غفر له وأدخله الجنة.
следующие страницы →