Полный текст (838 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.
стр. 561
أدلة البعث والنشور
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمد عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، ثم أما بعد: ما زلنا مع الجزء السادس من هذا الكتاب المبارك العظيم: شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة للعلامة اللالكائي.
انتهينا من الكلام على البعث وأدلته التي بينها لنا الله جل وعلا، ثم تكلمنا على العرض والحساب، وكيفية عرض الناس يوم القيامة ليحاسبوا أمام ربهم، ثم ختمنا بالحديث عن اليهود والنصارى وأنهم إذا ماتوا على غير ملة الإسلام فهم من أهل النار خالدين فيها.
ومن باب التذكير بما مضى نقول: كل منا يؤمن ويستيقن ويعلم أنه سيقف أمام ربه، ويحاسب على ما قدم، وأن الله جل وعلا سوف يجازيه بالحسنات إحساناً وبالسيئات عقاباً إن شاء ذلك وإن شاء غفر له ذلك، وقد بين الله لنا الأدلة على البعث والنشور، فإذا قال لك كافر: ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا فبم ستجيبه؟ هل ستقنعه بالضرب؟ كلا، ولكن لابد أن تبين له قولك بالدليل والحجة والبرهان على أدلة البعث التي تعتقد أنت بها، وأنك ستبعث وستحاسب على ما قدمت.
نذكر أولاً تصنيف الأدلة إجمالاً ثم نفصل: ضروب الأدلة هي: قياس جلي هذا الضرب الأول وهو قياس الأولى، والضرب الثاني من الأدلة: قياس المثلية وهو قياس الغائب على الشاهد، ثم نبين أن البعث نفسه قد ظهر لنا جلياً في الحياة الدنيا.
ومعنى قياس الأولى: أنه إذا كان الحكم متوفر في الأدنى فهو في الأعلى من باب أولى، ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿لَخَلْقُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [غافر:٥٧]، فالله جل وعلا أمر العباد أن ينظروا في خلق السموات والأرض الذي هو أكبر من خلق الإنسان؛ فمن باب أولى أن يخلق الإنسان مرة ثانية.
والصنف الثاني من الأدلة هو العقيدة، فهي فرض عين على كل إنسان أن يتقنها، قال الله: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ﴾ [الأنبياء:١٠٤]، فقاس الإعادة على البداءة، وهذا ظاهر جداً، فإن كان قد ابتدأ شيئاً فأيسر عليه أن يعيده، مثال ذلك: الرجل لو صنع صنعة وسهلت عليه هذه الصنعة، فإذا أراد أن يعيدها كانت أسهل وأسهل.
الصنف الثالث من الأدلة: هو الحكم على اليهود والنصارى، فحكمهم أهل كتاب، فإن أسلموا فحكمهم مؤمنون، فإن ماتوا على ما هم عليه فحكمهم في الآخرة أنهم في النار، وتعاملنا معهم في الدنيا كأهل كتاب، هذا هو التفصيل.
فأما حكمهم في الدنيا فهم كفار بدليل قول الله: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ﴾ [المائدة:٧٣] والنصارى يقولون بذلك، وكذا قول الله في آية أصرح من ذلك تدل على أن الدين عند الله الإسلام، وأن الله لا يقبل من أحد غيره يقول تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران:٨٥].
والدليل على أنهم لو ماتوا على ذلك فهم أصحاب النار قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً﴾ [البقرة:٨٠] فإذا مات اليهودي أو مات النصراني على ملته فمآله إلى النار، ثم لا يخرج منها أبداً، والدليل على هذا قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ) [النساء:٤٨]، وجه الاستدلال من هذا الشاهد: أن اليهود قد أشركوا وقالوا: عزيرٌ ابن الله، ونسبوه لله، هذا هو وجه الشاهد ووجه الاستدلال بالترتيب العلمي الذي قد تستدل به.
إذاً: الكفار من المشركين، والله لا يغفر لمشرك، وأيضًا نص حديث رسول الله ﷺ ، فقد صرح بأنهم خالدون فيها ولن تنفعهم أموالهم ولا أولادهم ولا أرحامهم، قال: (والذي نفسي بيده! لا يسمع بي يهودي ولا نصراني ثم لم يؤمن بالذي جئت به إلا كان من أصحاب النار) يعني: خالداً مخلداً فيها.
стр. 562
ميزان الأعمال في الآخرة
نبدأ أولاً بما روي بأن الحسنات والسيئات توزن يوم القيامة بالميزان، وسوف نتكلم عن الميزان، ثم ننتقل إلى نقطة أخرى وهي: أن الكفار لا يحاسبون يوم القيامة، وسنبين الخلاف فيه ثم الإيمان بالصراط.
أولاً الميزان من علم الغيب، وعلوم الغيب أمرنا جميعاً أن نؤمن بها، والله جل وعلا قد علق الفلاح على من آمن بالغيب، فقال عمن يؤمن بالغيب ويقيم الصلاة: (أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [البقرة:٥]، فالإيمان بالغيب هو معقد الفلاح، ومن الغيبيات الميزان، وهو لغة: ما توزن به الأشياء، وشرعاً: الميزان الحقيقي الذي له كفتان توزن فيه أعمال الناس يوم القيامة.
стр. 563
أدلة ثبوت الميزان
الميزان ثابت في الكتاب والسنة، ويوافق عليه جل أهل السنة والجماعة، وما خالف في ذلك إلا المعتزلة أصحاب البدع، وبعض أهل السنة والجماعة أولوه على غير حقيقته.
أما ثبوته بالكتاب فقد قال الله تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [الأنبياء:٤٧]، وقال جل وعلا: ﴿فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ * فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ * وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ * فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ﴾ [القارعة:٦ - ٩].
وفي الحديث عن عبد الله بن عمرو بن العاص -كما في مسند أحمد - قال: قال رسول الله ﷺ في حديث البطاقة: (فتوضع السجلات في كفة والبطاقة المكتوب فيها (لا إله إلا الله) في كفة أخرى) فدلل بالنص الصريح أنه ميزان حقيقي له كفتان: يمنى ويسرى.
стр. 564
رد خلاف المعتزلة لأهل السنة في حقيقة الميزان
السلف بينهم شبه اتفاق على أن ميزان يوم القيامة حقيقي، إلا ما أتى عن مجاهد والأعمش من أهل السنة والجماعة فقد قالا: المقصود بالميزان العدل، واستدلوا بما استدل به المعتزلة، وهم أهل تأويل لا يقبلون شيئاً على حقيقته في الغيبيات بل يأولونه بما يوافق العقول؛ لأنهم يقدمون العقل على النقل، فلما سمعوا أن الميزان له كفتان قالوا: ليس هناك ثمة ميزان، ووزن الأعمال إنما هو شيء معنوي، معناه العدل، وكل إنسان سيحاسب بعدِّ حسناته إن كثرت يدخل الجنة، وسيئاته إن كثرت إن شاء الله أن يعذبه فيعذبه، وأيضًا بالعدل في الخصومات، هذا معنى الميزان عند المعتزلة، واستدلوا على ذلك بقول الله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ * أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ * وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ﴾ [الرحمن:٧ - ٩]، وهذا معناه: أنك في التعامل بينك وبين الناس تعدل في كل شيء تعدل في الإحسان تعدل في القدح أو الجرح والتعديل تعدل في العطاء والمنع تعدل في البيع والشراء.
ونحن نوافقهم على ذلك إن قصد بهذا الميزان العدل في التعامل البشري في الدنيا، لكن الله ذكر الميزان، والميزان لفظ صريح، فلا بد علينا لزاماً أن نثبت ما أثبته الله، فهو ميزان حقيقي الله أعلم بكيفيته، فنثبت أولاً حقيقة ما أثبته الله وهو الميزان، ثم نثبت تبعاً لهذا لازم الميزان وهو العدل، فيكون في ذلك رد على المعتزلة.
ونحن نثبته حقيقية ونقول: الله أعلم بكيفيته، ونثبت أن له كفة يمنى وكفة يسرى توزن فيهما الأعمال، وبذلك يظهر العدل.
إذًا: من أهل السنة والجماعة من قال بقول المعتزلة، ويغفر الله لهم ذلك؛ لأنه اجتهاد أخطئوا فيه، فلهم -بإذن الله- أجر، ونحن مع ما دل عليه الكتاب من أن الميزان له حقيقة يوم القيامة، وله كفتان كفة يمنى وكفة يسرى.
стр. 565
اختلاف العلماء فيما يوزن في الميزان
ما الحكمة من الميزان يوم القيامة؟ الإجابة: لتوزن الأعمال أو الصحائف أو البشر، أقوال اختلف فيها العلماء.
وسيكون يوم القيامة ميزان على مرأى من الناس، لتوزن أعمال العباد فيه، لكن هل العمل شيء حسي أم معنوي؟ معلوم أن الأعمال كلها معنوية، فكيف ستوزن؟ أقول: إن الله صادق، فإن الله جل وعلا سيظهر لنا قدرته يوم القيامة، والأعمال ستجسم وتصور وتوضع في الميزان، يدل على ذلك ما في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: (اقرءوا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعاً لأصحابه، اقرءوا الزهراوين البقرة وآل عمران فإنهما يأتيان يوم القيامة كأنهما غمامتان أو غيايتان، أو فرقان من طير صواف يحاجان عن صاحبهما يوم القيامة)، فالله جل وعلا يجعل البقرة وآل عمران وكأنهما غمامة تظلل صاحبها، وتحاج عنه، بل تتكلم، فهي ليست فقط ظلة فوق المؤمن، وهذه كرامة للقارئ بين يدي الله.
فالأعمال إذاً ستجسم وستوزن كمال قال النبي ﷺ كما في الصحيح: (كلمتان خفيفتان على اللسان، حبيبتان للرحمن، ثقيلتان في الميزان: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم) فهذه الكلمتان ستوضعان يوم القيامة في الكفة لتزن وترجح بها، فهي ثقيلة جداً في الميزان.
وفي الترمذي عن أبي هريرة ﵃ أجمعين قال: قال رسول الله ﷺ : (أثقل شيء في ميزان العبد: حسن الخلق)، فحسن الخلق شيء معنوي، ومع ذلك فإن الله سيجسمه يوم القيامة، ثم يوضع على الميزان فيكون أثقل شيء فيه.
فهذه دلالة واضحة على أن الأعمال ستجسم وتصور وتوزن يوم القيامة لتفرق بين العاملين.
هذا هو القول الأول لأهل العلم، وهم من أهل السنة والجماعة.
القول الثاني: أن الذي سيوزن هو العامل، وهذا القول يلزمه الدليل؛ إذ لا يقبل قول أحد إلا بدليل، وإلا يرد على صاحبه حتى يأتينا بالحجة والبرهان.
العلم قال الله قال رسوله قال الصحابة ليس بالتمويه ما العلم نصبك للخلاف سفاهة بين الرسول وبين قول فقيه ودليل أصحاب هذا القول حديث رسول الله ﷺ : (إن المرء البدين الجسيم يأتي يوم القيامة فلا يزن عند الله جناح بعوضة)، إهانة واحتقاراً وسخرية وتبكيتاً وتوبيخاً لهذا المرء الجسيم البدين أمام أعين الخلق من لدن آدم إلى آخر الخليقة نعوذ بالله من الخسران، ونعوذ بالله من الفضيحة يوم القيامة.
هذا الرجل الذي ملأ الأرض، وكان يمشي كأنه يخرق الأرض أو يبلغ الجبال طولاً، وكان ممتلئاً بالكبر، يأتي يوم القيامة لا يزن عند الله جناح بعوضة، ثم قال الراوي: فاقرءوا إن شئتم: ﴿فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا﴾ [الكهف:١٠٥]، وأيضاً حديث في الصحيح عن النبي ﷺ : أنه ﷺ جاء إلى صحابته فرآهم يضحكون، فسألهم عن ذلك، فقالوا: نضحك من دقة ساق ابن مسعود، فقال النبي ﷺ مقولة تبين لك أنك إذا أردت أن تقدر الناس حتى ولو بشيء فيه ضحك أو ابتسامة فلا تبتسم حتى تنزل الناس منازلهم وتعطيهم قدرهم، فرسول الله ما ابتسم كما ابتسموا وما أنكر عليهم، ولكنه بين لهم عظم قدر الرجل فقال لهم: (والذي نفسي بيده! إنها لأثقل في الميزان من جبل أحد)، ومعنى هذا: أن ابن مسعود ﵁ وأرضاه سيوزن كله، وعليه فالبشر أيضًا سيوزنون في هذا الميزان يوم القيامة، والكيفية يعلمها الله جل وعلا، وهذا القول الثاني لأهل السنة والجماعة.
القول الثالث: إن الذي سيوزن هي الصحائف، فلله جل وعلا ملائكة يتعاقبون فينا كما قال النبي ﷺ : (يتعاقبون فيكم ملائكة في الليل والنهار يلتقون في الفجر والعصر، ثم يصعدون إلى الله) إلى آخر الحديث، والملائكة وصفهم الله بقوله: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق:١٨]، كل شيء مكتوب ومسطر، وكل شيء قد كتب في الزبر من قبل، ولكن الملائكة تكتب وتصعد لتقارن بين ما في الصحيفة وبين ما في اللوح المحفوظ فلا يخطئه في شيء، فالله جل وعلا يجعل الملائكة يكتبون السيئات والحسنات في الصحائف، ثم هذه الصحائف هي التي ستوزن يوم القيامة، واستدلوا على ذلك بحديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ أنه قال: (توضع السجلات في كفة) السجلات هي التي تكتب فيها الحسنات اليومية والسيئات، ثم توضع في الميزان، فهذه دلالة على أن الصحائف توزن، وهذا أيضاً قول صحيح لأنه مستند لدليل.
إذا دققت النظر ستقول: لا منافاة بين الأقوال الثلاثة بل ستجتمع بينها بقول واحد وهو: يصح أن نصرح بأن الأعمال توزن يوم القيامة، ولدينا الدليل على ذلك من السنة، وأيضاً العامل سيوزن يوم القيامة، وعندنا دليل ذلك من السنة، كما أن الصحائف ستوزن للدليل الوارد في السنة، وإذا نظرت ودققت النظر بالتدبر في آثار أسماء الله الحسنى وصفاته العلا تجد أن لكل شيء حكمة من الله جل وعلا، فالمرء يوزن والحكمة في ذلك: أن يظهر الله جل وعلا لنا مقدار كرامة هذا المؤمن الذي سارع بالخيرات عند ربه، ويبين للناس ثقل ميزانه، وإن كنتم تحتقرونه في الدنيا ولا تسمعون له، (ورب أشعث أغبر مدفوع بالأبواب) وإن كنتم تنظرون إليه نظرة لا تساوي حقه فهو عندي ثقيل، وأنا سأكرمه على رءوس الأشهاد، فيوزن وتظهر مكانته وكرامته على الله جل وعلا يوم القيامة، وما أجلها من حكمة! وما أروعها من كرامة يكرم الله بها عباده المؤمنين! كما أكرم الله جل وعلا نبيه بأن جعل حاجة كل البشر إليه في الشفاعة، فهذه حكمة من الحكم التي ستظهر.
أيضاً هناك حكمة أخرى تظهر في الأعمال إذا وزنت، حيث يبين الله لنا يوم القيامة أنها تأتي مجسمة مصورة، وفي هذا أيضاً دلالة على قدرة الله جل وعلا، وعلى عظمة الله جل وعلا بأن جعل المعنوي حسياً مادياً أمامنا؛ تقريراً لقول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس:٨٢].
ومن الحكم أيضاً: أن هذه الصحائف ستميز بين الحسنات إذا كثرت على السيئات ويكون مآله إلى الجنة -نسأل الله أن نكون منهم- وإذا السيئات كثرت فهو تحت مشيئة الله إن شاء عذبه وإن شاء غفر له وأدخله الجنة.
стр. 566
حسن الخلق وتثقيله للموازين
هذه هي أهم النقاط في مسألة الميزان، وسواء كنا سنوزن أو كانت الأعمال ستوزن، فعلى المرء أن يسارع في تثقيل نفسه حتى يكون عند الله ثقيلاً له الكرامة العظمى يوم القيامة، ويشرف ويكرم على رءوس الخلائق من لدن آدم إلى آخر الخليقة، والفقيه تاجر مع الله جل وعلا، ينظر أعظم شيء يثقل ميزانه فيكثر منه، وقد دلنا النبي ﷺ إلى ذلك، فإنه ما ترك لنا شيئاً إلا وأظهره لنا ودلنا عليه، وأثقل شيء يكون في الميزان كما في الحديث: (أثقل شيء في الميزان حسن الخلق) ولا غرابة في ذلك فإن الله لما شرف النبي امتدحه أمام الخلق أجمعين بصفة أرقى ما تكون ألا وهي حسن الخلق فقال: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم:٤]، وفي الحديث عن أنس ﵁ وأرضاه قال: (ما رأيت ديباجاً ولا حريراً ألين من يد رسول الله ﷺ ، لا والله ما قال لي لشيء أنا فعلته: لم فعلته؟ ولا لشيء لم أفعله: لم لم تفعله؟ كان النبي ﷺ يقول: لو قدر له لفعل) وكانت عائشة ﵂ وأرضاها تقول: (كان خلقه القرآن)، وبينت أنه من أفضل ما كان فيه من خلق: أنه ما مست يده الشريفة يد امرأة قط، هكذا الخلق يرقى بالإنسان، كما في مسند أحمد أيضاً عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : (إن المرء ليدرك بحسن خلقه درجة الصائم القائم) وهو نائم على سريره بحسن خلقه يرتقي إلى درجة الصائم القائم! وحسن الخلق هو إفشاء السلام، وبذل الطعام، وأن تلقى أخاك بوجه طلق، وأن تحسن للناس حتى وإن أساءوا إليك، ومن تمام حسن الخلق الذي يثقل الموازين ذكر الله أكثر من ذكر نفسك وولدك، وروى البيهقي في الشعب -ويظهر على الحديث الوضع-: (اذكروا الله حتى يقولوا: مجنون) إذا رآك الناس وأنت تذكر ربك وأنت نائم وقائم وجالس وما عندك إلا ذكر قالوا عنك: مخبول.
فذكر الله جل وعلا هو أثقل شيء في الميزان بعد حسن الخلق؛ لأن النبي ﷺ نصح الرجل الذي قال: إنه كثرت عليه الشرائع، فقال له: (لا يزال لسانك رطباً من ذكر الله جل وعلا)، وقال ﷺ : (كلمتان حبيبتان إلى الرحمن خفيفتان على اللسان ثقيلتان في الميزان: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم) نسأل الله جل وعلا أن يثقل موازيننا.
آخر ما يستنبط في تثقيل الميزان: الصدقة الجارية، وهي تثقل الميزان، والنبي ﷺ بين أن المرء إذا مات انقطع عمله إلا من ثلاث منها الصدقة الجارية، الصدقة الجارية تثقل الميزان؛ لأن صاحبها بعد مماته تكتب له حسناتها، وعمله ممتد إلى يوم القيامة، فالصدقة الجارية والوقف هو الذي يثقل ميزانك، كما قال النبي ﷺ في الصحيح: (من حبس فرساً له في سبيل الله -يعني أوقفه- فإن بوله وروثه وشبعه وريه في ميزانه)، يعني: في ميزان العبد، حتى البول والروث والطعام والشراب في ميزانه إلى يوم القيامة، فما بالك بمن أوقف مالاً معيناً للمجاهدين، أو لأهل العلم، أو للفقراء أو المساكين، هذه كلها تثقل الميزان يوم القيامة.
стр. 567
حساب الكفار يوم القيامة وأقوال العلماء فيه
هل الكفار لهم حساب أم ليس لهم حساب؟ هذه المسألة اختلف فيها أهل العلم من أهل السنة والجماعة على قولين فهما طرفان، وقول ثالث هو وسط، والوسط هو التفصيل وهو الراجح.
стр. 568
القول بأن الكفار لا يحاسبون وأدلته
القول الأول: أن الكفار لا يحاسبون، واستدلوا على ذلك بأدلة: الدليل الأول: حديث ابن عمر ﵁ وأرضاه لما سألوه عن النجوى فقال: (يدني الله المؤمن منه حتى يضع عليه كنفه، ثم يقرره بأعماله يقول: عبدي تذكر يوم كذا وكذا، وتذكر يوم كذا وكذا، فالعبد يقول: أعرف ربي، أذكر ربي، ثم يقول الله جل وعلا: عبدي قد سترتها عليك في الدنيا وأنا اليوم أغفرها لك، -محل الشاهد- أما الكفار والمنافقون فينادى بهم على رءوس الأشهاد: هؤلاء الذين كذبوا على ربهم، ويتساقطون في نار جهنم- وفي آخر الحديث قال- ثم ينادى: هؤلاء الذين كذبوا على ربهم، ويقول الأشهاد: هؤلاء الذين كذبوا على ربهم، ألا لعنة الله على الظالمين) ففي الحديث دلالة على أن الله جل وعلا لا يدني الكافر ولا يضع عليه سترة كما فعل مع المؤمن، بل ينادى بهم فقط: هؤلاء الذين كذبوا على ربهم ألا لعنة على الظالمين.
الدليل الثاني: ما ورد في الصحيحين أن الرسول ﷺ بعدما بين لهم أنهم يرون ربهم ولا يضامون في رؤيته قال: (فينادي المنادي: ليلحق كل واحد ما كان يعبد، فأهل الأصنام يلحقون بأهل الأصنام، وأهل الطواغيت يلحقون بالطواغيت، ومن كان يعبد الشمس يلحق بالشمس، ومن كان يعبد القمر يلحق بالقمر، وكل ذلك يكور ويتساقط في نار جهنم، ثم قال: ويبقى من كان يعبد الله من مؤمن بار أو فاجر ومنافق كان يعبد الله رياءً حتى يحاسبوا، وغبرات من أهل الكتاب) فظاهر الحديث أن الذي سيحاسب هم المؤمن البر والفاجر وغبرات من أهل الكتاب والباقي يتساقطون ولا حساب عليهم، فالكفار بهذه الأدلة لا يحاسبون.
стр. 569
القول بأن الكفار يحاسبون وأدلته
القول الثاني: أن الكفار يحاسبون، لعمومات تثبت ذلك: الدليل الأول: قول الله تعالى: (فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ﴾ [الرعد:٤٠]، وهذا وجه الشاهد، فعموم اللفظ يدل على أن عليك البلاغ مثل كل رسول وعلينا الحساب لكل هذه الأمم التي أرسلت إليهم الرسل.
الدليل الثاني: حديث عدي بن حاتم في الصحيح قال: قال رسول ﷺ (ما منكم من أحد إلا وسيكلمه الله ليس بينه وبينه ترجمان)، فكل هذه عمومات تبين الحساب لأهل الكفر.
стр. 570
الجمع بين القولين
القول الوسط: أن الحساب يذكر ويراد به عرض الأعمال على العبد، وهذا بلا ريب المراد من الحساب، فسيحاسبون قطعاً لأن الله جل وعلا سيوبخهم ويبكتهم، ويجعلهم في حسرة وندامة بعرض أعمالهم عليهم، دليل ذلك قول الله تعالى: ﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ﴾ [يس:٦٥]، وقول الله تعالى: ﴿اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ [الإسراء:١٤] فهذا عرض للأعمال، ويبين الله جل وعلا للكافر هذه الأعمال ويبكته ويجعله في حسرة وندامة على ما فعل وضيع في هذه الدنيا وخاب وخسر في الآخرة.
هذا المراد بالحساب: أنه يراد به عرض الأعمال، فكل شخص يكشف له عن عمله، ويقرر ذلك بشهود من نفسه أو بأعضائه، ثم يلقى في نار جهنم.
كما يذكر الحساب ويراد به زنة الأعمال والفرق بين الحسنات والسيئات، وهذا له نظران: النظر الأول: إن أريد به كفة حسنات وكفة سيئات حتى يرى سبيله إلى النار أو إلى الجنة فقطعاً هم غير محاسبين، لم؟ لأنه لا يمكن أن يرى له سبيل إلا سبيل النار، وليس لهم سبيل إلا الخلود في نار جهنم، فإن أريد بذلك أنه سيرى وزن الحسنات والسيئات فهم غير محاسبين؛ لأنه لا سبيل لهم إلا النار.
النظر الثاني: إن أريد به أنه ينظر في السيئات وتجعل حسنات أهل الكفر هباء منثوراً فنعم، فهم لهم حسنات قد عملوها في الدنيا، من صلة الأرحام، والعطف على المسكين والبهائم، وإن كانوا أضل منهم، ويقولون: حياة الغوريلا! ويدققون النظر في حياة الغوريلا، وكيفية العطف عليها، وقربها من البشر، ثم هم يقتلون المسلمين في العراق! ويالها من قلوب طيبة تقتل الأطفال والشباب والمسلمين وتعتني بالبهائم! أي تعمية هذه على البشر بهذه الطريقة؟! فهذه الحسنات التي يقدمونها يعجل الله جل وعلا لهم بها هذه الطيبات في الدنيا، كما قال الله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا﴾ [الأحقاف:٢٠]، وأيضًا النبي ﷺ قال ذلك، فلا حسنات لهم، فإنما تكون زنة الحسنات والسيئات لتفاوت الدرجات، وهم لا حسنات لهم، وإنما يتفاوتون في الدركات لا في الدرجات، فهم محاسبون، وبقدر ما صنع يوضع في الدرك الأولى أو الثاني ثم المنافقين في الدرك الأسفل من النار.
أما قول الله تعالى: ﴿وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ﴾ [الحاقة:٢٦]، فهو ليس نصاً قطعياً على أنه سيحاسب.
стр. 571
الصراط والإيمان به
الصراط والسراط لغتان قال الله: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة:٦]، والصراط لغة: الطريق، وشرعاً: الطريق المضروب على متن جهنم للعبور عليه إلى جنات العلا، نسأل الله أن نكون ممن يمر على هذا الصراط حتى نصل إلى جنة الخلود، وهو من الغيبيات التي يجب على المرء أن يؤمن بها، وقد أناط الله الفلاح بالإيمان بالغيب، ومن الإيمان بالغيب الإيمان بالصراط، والصراط جاء في الكتاب بالإلماح، وهو بالنص الصريح في السنة النبوية، أما في الكتاب فقال الله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا﴾ [مريم:٧١] قال ابن مسعود وزيد بن أسلم: وإن منكم إلا واردها عابراً عليها على الصراط.
ووجه الشاهد من هذا: أن الغيبيات لا يستطيع الصحابي أن يتجرأ ويتكلم عنها إلا بوحي أو بعلم من النبي ﷺ أو إلماح، فنقول: إن ذلك هو مستند ابن مسعود حين بين أن الصراط يمرون عليه.
أما بالنص الصريح فهو في سنة النبي ﷺ كما في الصحيحين قال: (ويضرب الجسر -والجسر هو الصراط- بين ظهراني جهنم)، وأيضًا: النبي ﷺ لما قال له رجل: (أين أجدك؟ قال: تجدني على الصراط، قال: فإن لم أجدك على الصراط؟ قال: تجدني عند الميزان، قال: وإن لم أجدك عند الميزان؟ قال: تجدني عند الحوض، ولا تخطئني في هذه الثلاث)، يعني: إن لم تجدني على الصراط فستجدني عند الميزان، وإن لم تجدني عند الميزان فستجدني عند الحوض عندما تشرب منه، فهذا فيه تصريح بالصراط من قول النبي ﷺ .
стр. 572
صفة الصراط
الصراط له صفة عظيمة بينها لنا النبي ﷺ ، وطالما كان طريقاً فالطريق إما أن يكون معبداً وإما أن يكون متعرجاً، وإما أن يستطيع الإنسان أن يسير عليه وإما لا، فلذلك احتاج البشر لمعرفة صفة هذا الطريق ونوعه وشكله، وأدق ما وصف به الصراط هو ما وصفه به النبي ﷺ قال: (فيه كلاليب مثل شوك السعدان)، ففيه كلاليب وحسك وهو مفلطح وله شوك، وهو (أحد من السيف، وأدق من الشعرة)، فله شوك مثني يخطف البشر قال: (لها شوكة عكيفاء، مثل شوك السعدان تكون بنجد يقال لها: السعدان)، وفي رواية قال: (خطاطيف أو كلاليب مثل شوك السعدان، أرأيتم شوك السعدان؟ فقالوا: بلى يا رسول الله! قال: إنها مثل شوك السعدان تخطف الناس) فهذه التفصيلات التي فصلها النبي من الكلاليب والشوك والعقيفاء والشوكة كلها عملها واحد وهو أن تخطف المرء وتنزل به إلى نار جهنم، ما من أحد يسمع هذا إلا ويرتجف قلبه، فإن الخطب عظيم، والأمر شديد، والهول أعظم مما يتصوره الناس، ﴿وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ [الحج:٢]، ما من نبي مقرب ولا رسول معظم عند ربه إلا ويرتجف قلبه عندما يرى الصراط، والنبي ﷺ يوضح لنا ذلك فيقول: (كلامهم يومئذ -أي: الرسل-: اللهم سلم سلم) الخليل يقول ذلك، والكريم ابن الكريم ابن الكريم يقول ذلك، وموسى الكليم يقول ذلك، حتى أعظم الخلق سيد الأولين والآخرين يقف فينظر إلى الصراط فيقول: رب سلم سلم، وقلبه يرتجف على أمته، وأول من يعبر عليه هم هذه الأمة كرامة لنبينا محمد ﷺ .
стр. 573
أحوال المارين على الصراط
بين النبي ﷺ أصناف الذين سيمرون على الصراط، فمنهم من يمر كطرف العين وكالبرق وكالريح وكأجاويد الخيل والركاب وكالطير والماشي والزاحف ومن يحبو حبواً لأن أعماله قصرت به، والكلاليب تصعد لتخطفه وتخدشه، وقلبه يرتجف، ثم يرى أن الله قد نجاه من المرور على هذا الصراط ووصل إلى الجنة.
المؤمنون في ذلك الموقف يخافون على إخوانهم ويذهب منهم الغل والحقد ﴿إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾ [الحجر:٤٧] فينظرون إلى إخوانهم يريدون من الله أن ينقذ هذا الرجل، قال الرسول ﷺ كما في الصحيحين: (والمؤمنون منهم كالطرف وكالبرق وكالريح وكأجاويد الخيل والركاب، ثم قال: حتى يكون آخرهم يسحب سحباً -إلى أن يصل سالماً إلى الجنة- ومنهم من تخطفه الكلاليب فيكردس في نار جهنم).
أول من يمر على الصراط هم هذه الأمة الخيرية الكريمة المكرمة بكرامة نبيها ﷺ ، كما قال ﷺ : (فأكون أنا وأمتي أول من يجوز على الصراط) فالنبي ﷺ يقف على الصراط ويقول: يا رب سلم سلم، ويرتجف قلبه على أمته كما قال (خبأت دعوتي شفاعة لأمتي) فتمر هذه الأمة، ثم تأتي بعد ذلك أمم، كما بين النبي ﷺ أن أمته أول الأمم محاسبة، قال النبي ﷺ : (نحن الآخرون الأولون) يعني: نحن الأولون في القضاء وأول من نحاسب، وكرامة لهذه الأمة فإن أول من يعبر على متن الجسر على جهنم هذه الأمة، جعلنا الله ممن يمر عليه كالطرف أو كالبرق إلى الجنة مع النبي ﷺ في الفردوس الأعلى.
هذا آخر ما تكلم عنه المصنف في باب الغيبيات، ثم يدخل بعد ذلك في باب جديد، ونحن بإذن الله على مشارف الانتهاء من الجزء السادس من شرح أصول الاعتقاد لأهل السنة والجماعة، وبعده الكلام على الفتن التي كانت بين الصحابة، وكيف نتكلم عنها ونتأدب مع صحابة رسول الله ﷺ .
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.
стр. 574
شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة - القصاص
من عدل الله جل وعلا أن جعل القصاص يوم القيامة للعالمين، فلا ينجو أحد بظلمه حتى يقتص منه، وذلك يوم عصيب وشديد، يوم تشيب منه الولدان، وتضع كل ذات حمل حملها، فما من أحد إلا وسيقتص له أو منه في ذلك اليوم الرهيب.
стр. 575
قدر أمة محمد بين الأمم
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
أما بعد: بعد أن يشتد الكرب على الناس، ويعظم الخطب، وكل يذهب يلهث إلى من يشفع له عند ربه جل وعلا، يصور لنا النبي ﷺ هذه المشاهد العظيمة الخطيرة، التي تنخلع لها القلوب، وترتجف وتذهل منها العقول، يوم ينادى آدم ﵇ كما في الحديث الصحيح الذي أخرجه البخاري ومسلم عن النبي ﷺ أنه قال: (ينادى آدم: يا آدم! فيقول: لبيك ربي وسعديك والخير في يديك -أو قال: لبيك وسعديك- قال: ابعث بعث النار، فقال: وما بعث النار؟ قال: من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين)، وفي هذا الوقت يشيب الولدان ﴿وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ [الحج:٢]، قال: (فشق ذلك على الصحابة فقالوا: يا رسول الله! أينا ذلك الواحد؟ فقال النبي ﷺ : أبشروا فإن منكم رجلاً ومن يأجوج ومأجوج ألف رجل) أي: من يأجوج ومأجوج ألف ومن المسلمين رجل واحد، ثم قال: (أبشروا، والله! إني لأرجوا أن تكونوا ربع أهل الجنة، فحمدوا الله وكبروا، ثم قال: والله إني لأرجوا أن تكونوا ثلث أهل الجنة) وفي رواية أخرى أنه قال: (أترضون أن تكونوا ربع أهل الجنة؟)، ثم قال: (والله إني لأرجوا أن تكونوا شطر أهل الجنة -ثم مثل لهم مثل بينهم وبين الناس فقال:- أما إنكم في الناس كمثل الشعرة السوداء في الثور الأبيض).
وفي رواية أخرى أيضاً متفق عليها بين البخاري ومسلم قال: (مثلكم ومثل الناس كمثل الشعرة البيضاء في الثور الأسود) فالمثل الأول: كالشعرة السوداء في الثور الأبيض، والمثل الثاني: كالشعرة السوداء في الثور الأبيض، وفي رواية الأحمر أو كما قال ﷺ .
وهنا ترتجف القلوب، بل تنخلع؛ لأن بعث النار تسعمائة وتسعة وتسعون، وبعد ذلك تدنو الشمس من الرءوس، وصورها لنا النبي ﷺ أيضاً ليبين لنا هول هذا الموقف وعظمه؛ ليستعد المرء لهذا الموقف، وكل بحسب عمله.
قال النبي ﷺ : (تدنو الشمس من الرءوس قدر ميل أو قدر شبر)، وفي رواية: (قدر ميل وقدر شبر)، (فيعرق الإنسان ويبلغ العرق من الإنسان بقدر عمله) يعني: لهول الموقف، وطول الموقف، وعظم وخطر الموقف، فكل بحسبه وحسب عمله وحسب تقربه إلى الله جل وعلا، فمن سارع إلى الله وكان لسان حاله يقول: ﴿وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى﴾ [طه:٨٤] فهذا الذي سيرضيه الله جل وعلا ويأمنه الرجفة، والخوف، والخطب العظيم، أما الذي يتقاعس في طاعة الله جل وعلا فسيشعر بهذا الخطب العظيم.
الشمس تدنو من الرءوس فيعرق الناس، فمنهم من يصل العرق إلى أنصاف ساقيه، ومنهم من يصل إلى ركبتيه، ومنهم من يصل إلى حقويه، ومنهم من يصل إلى صدره، ومنهم من يلجمه العرق إلجاماً، نعوذ بالله أن نكون من هؤلاء، ونربأ بأنفسنا أن نذل وأن نخزى يوم القيامة، بل نسارع إلى ربنا جل وعلا فلا نعرق، ولا نشعر بدنو الشمس منا، كرامةً من الله لأهل الإيمان.
стр. 576
بيان صور من المقاصة يوم القيامة
انتقل المصنف بعد أن صور لنا هذا الخطب العظيم إلى مسألة القصاص؛ لأن أهل الجنة لا يدخلونها وفيهم دنس من أكل أموال الناس بالباطل، أو الحقوق التي عليهم، بل لا بد أن ينظفوا من هذه الحقوق، ويقتص من كل واحد لأخيه حتى يدخل الجنة.
فإن الله جل وعلا لا يترك العباد يدخلون الجنة وعليهم حقوق للآخرين؛ لأن هذه منافاة ومضادة لحكمة الله البالغة ، فهو حكيم عليم، وعدل ، فلا يدخل الجنة أحداً عليه حق لأحد، فإن الله يطهر عباده من هذه الحقوق بالمقاصة، أو القصاص، ولذلك حث النبي ﷺ وحث أصحابه أن يتحللوا، ولا يحتفظ أحد بمظلمة لأحد في الدنيا، فإن الدراهم والدنانير تفوت مع الدنيا، أما الحسنات والسيئات فهي أحوج ما يكون يوم القيامة، كما في الصحيح عن ابن عمر ﵁ وأرضاه أن النبي ﷺ قال: (من كانت لأخيه مظلمة فليتحلل فإنه ليس ثمة درهم ولا دينار).
أي: ليس في يوم القيامة درهم ولا دينار، قال: (إنما هي الحسنات والسيئات) فتؤخذ الحسنات من الذي عليه الحق إلى الذي له الحق، فإن لم يكن ثمة حسنات فالسيئات التي على من له الحق توضع على الذي عليه الحق).
وورد أيضاً عن النبي ﷺ أن رجلاً قال: (لي عبيد -يعني: عمال- يسرقونني ويخونونني، قال: وإني أسبهم، أو أضربهم، أو أشتمهم فما لي أو علي؟ فبين له النبي ﷺ : أنك ستأتي يوم القيامة فيعرض جرم هؤلاء العبيد -من الخيانة والسرقة التي تحدث معك- ثم يقاس فعلك معهم، فإن كان هذا أشد من هذا أخذوا منك حسناتك، وإن كان فعلهم أكبر من فعلك أخذت أنت منهم الحسنات مقاصة عند الله جل وعلا ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا﴾ [يونس:٤٤]).
وأقوى في الدلالة وأعظم في البيان أن الله جل وعلا سيقتص من البهائم، حتى النملة من النملة يقتص منها (فإن النبي ﷺ نظر إلى شاتين ينتطحان فقال لـ أبي ذر: هل تعرف لم ينتطحان؟ فقال: لا يا رسول الله، قال: الله يدري فيقضي بينهما) فإن الله جل وعلا سيقتص من الشاة القرناء للشاة الجلحاء، فالمقاصة لا بد منها يوم القيامة، فلا يظلم الناس شيئاً.
стр. 577
حرمة دم المسلم عند الله
أول ما يقتص به بين العباد: الدماء كما في الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال: (أول ما يقضي الله فيه بين العباد الدماء) وكيف لا؟! والله جل وعلا بين عظم وخطر الدماء، وبين عظم وشرف وقدر المسلم عنده جل وعلا، وهذه الدماء التي تسال ليلاً ونهاراً، مشرقاً ومغرباً، وليس هنا من يتحرك لهذه الدماء، ولا يعرف عظم هذه الدماء إلا الله جل وعلا؛ لأنها عند الله شريفة عظيمة، ولئن تزول السماوات والأرض أهون عند الله من أن تسال هذه الدماء؛ لأن هذه الدماء المسلمة عند الله عزيزة شريفة، كيف لا وقد صح عن النبي ﷺ أنه قال: (لو اجتمع أهل السماوات والأرض على قتل امرئ مسلم لأكبهم الله في النار ولا يبالي) فدم المسلم عند الله جل وعلا غالٍ.
وذات مرة دخل ابن عمر على الكعبة فطاف بها فقال: أنت الكعبة عظمك الله وشرفك، وإن حرمة دم المسلم عند الله أعظم منك، وأشرف منك، وكيف لا يكون دم المسلم عند الله جل وعلا أعظم من الدنيا وما فيها وزوال الدنيا وما فيها أهون عند الله من أن يسال دم المرء المسلم؟ وقد نصب الله الحرب على من عادى المسلم، فكيف بمن أسال دمه؟! وفي الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال: (قال الله تعالى: من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب) يعني: أعلمته بالحرب، ولم أر أدلة تبين أن الله نصب الحرب إلا على صنفين اثنين: الصنف الأول: الذي يعادي أولياء الله جل وعلا، لا ليقتلهم بل يعاديهم فقط، لا ليحبسهم لا لينكل بهم لا لينتقم منهم بل ليعاديهم بقلبه فقط، فإن الله نصب الحرب عليه.
والصنف الثاني الذي نصب الله الحرب بينه وبينه: آكل الربا نعوذ بالله من ذلك، فالذين يأكلون الربا نصب الله الحرب بينه وبينهم، قال الله تعالى لآكلي الربا إن لم يتوبوا: ﴿فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [البقرة:٢٧٩].
فنصب الله الحرب لمن يعادي الدم المسلم فكيف بمن يسيل دمه؟! فمن ساعد على قتل مسلم، أو أرشد إلى قتله، أو أباح، أو سهل، أو يسر، أو رضي بقتل امرئ مسلم فعند الله الموعد، وعند الله تجتمع الخصوم، وأقسم برب السماوات والأرض أن الكفار لا يزنون أي زنة لدم العبد المسلم الذي يسبح الله ويذكره.
أولم يأتكم نبأ زكريا عليه والسلام لما اختبأ من اليهود حين قتلوا يحيى، وفر منهم إلى أقرب شجرة ففتحت الشجرة نفسها لزكريا، فقالت: اختبئ في، فاختبأ فيها كما روى ذلك ابن كثير في قصص الأنبياء، فاختبأ فيها فأغلقت الشجرة على زكريا ولم يبق منه إلا قطعة من الثوب، فجاء بنو إسرائيل -عليهم من الله ما يستحقون- يتتبعون زكريا ليقتلوه، فنشروا الشجرة وقسموه نصفين، لكن الله جعله لا يشعر بالألم إلا كوخزة الدبوس.
وامرأة بغي من بني إسرائيل قدم لها رأس نبي من أجل إرضائها، فما قتل يحيى إلا لأنه أفتى للملك اليهودي أنه لا يصح أن ترد امرأتك؛ لأنك طلقتها ثلاثاً فلا تنكحها حتى تنكح زوجاً غيرك، فاشتدت غيضاً على يحيى، فما زالت توعز له حتى قتل يحيى وقدم لها رأسه على طبق وهو نبي من الأنبياء، فهم يتتبعون الأنبياء فكيف نستغرب أن يتتبعون الأبرياء؟! وهذه الآثار عن بني إسرائيل رأس أمرنا فيها أن نقول: نحدث عن بني إسرائيل ولا حرج، لا نكذب ولا نصدق حتى تأتينا الأدلة، وفي بعضها: قال الله تعالى: لو شعر زكريا بالمنشار وهو يقسمه نصفين لأكبهم الله كلهم في النار انتصاراً لزكريا ﵇، فالمؤمن عند الله جل وعلا غالٍ وثمين، ودمه عند الله شريف، لا يهدر بحال من الأحوال.
ولذا فإن الله جل وعلا نصب القصاص يوم القيامة أول ما يكون في الدماء، ففي الصحيح عن ابن عمر ﵁ وأرضاه قال: (يأتي المقتول يوم القيامة يحمل رأسه وأوداجه تشخب دماً فيقول: يا رب! سله فيم قتلني؟) فإن كان قتله بالحق فسيذكر ذلك، والله جل وعلا يصدق ذلك أو يكذب، وإن كان بالباطل فعند الله الموعد ولا بد أن يقتص منه.
قال النبي ﷺ لأصحابه وهو يجلس معهم يبين لهم عظم القصاص: (أتدرون من المفلس؟ قالوا: يا رسول الله! المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع) فقال النبي ﷺ مصوباً لهم معنى المفلس وأن النظر للآخرة لا للدنيا، فالدنيا لا تساوي عند الله شيئاً، فقال: (المفلس من أمتي الذي جاء بصلاة وصيام وذكر -عبادات حج وزكاة وجهاد- ثم قال: جاء وقد سب هذا، وشتم هذا، أو اغتاب هذا، وسفك دم هذا، وأخذ مال هذا، فأخذ هذا من حسناته، وهذا من حسناته، وهذا من حسناته، حتى إذا فنيت حسناته أخذ من سيئاتهم فطرحت عليه فأكب في النار) فهذا هو المفلس بحق، جاء بحسنات كالجبال ففنيت؛ لأنه قدح في الناس، ولم يراقب الله جل وعلا في الناس، فاقتص منه في الآخرة.
نعوذ بالله من مسألة القصاص، ونستحل من أي أحد اغتبناه، ونسأل الله جل وعلا أن يغفر لنا، وأن يجعلنا نذكر محاسن من اغتبناه في أي مجلس من المجالس، أو أخذنا من أحد درهماً أو ديناراً لا يحل لنا، ونسأل الله أن يخلصنا من الدنيا لا لنا ولا علينا، فلا يكون علينا لأحد شيئًا، وإن كان لنا على أحد شيء فنحن نسامحه.
تأتي الأم لابنها، الأم التي قال النبي ﷺ عنها: (أمك، ثم أمك، ثم أمك)، الأم التي جعل النبي ﷺ الجنة تحت قدمها، التي جعلها هي والأب وسط الجنة، فلا تدخل الجنة إلا بهما، وقد قال الله جل وعلا: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [الإسراء:٢٣] فالأم أرفع منزلة من الأب، تأتي يوم القيامة فتقول: (أي بني! ألم تكن لك بطني وعاء؟ أي بني! ألم يكن لك ثديي سقاء؟ أي بني! ألم يكن لك حجري غطاء؟ أي بني! أحتاج إلى حسنة اليوم، فيقول الابن لأمه: أي أم! إني أحوج لها منك اليوم) ويبخل بهذه الحسنة على أمه التي تحتاجها.
فنحن أحوج ما نكون إلى هذه الحسنات، وكل منا سيقتص منه في الآخرة، ونعوذ بالله أن نتجرأ على أحد، أو أن نغتاب أحداً، أو أن نهضم حق أحد، نعوذ بالله من ذلك، وإذا فعلنا ذلك فنسأل الله أن يغفر لنا ويقتص منا في الدنيا لا في الآخرة، فليس هناك درهم ولا دينار، بل هي الحسنات والسيئات.
стр. 578
المقاصة يوم القيامة بين الحيوانات
يوم القيامة سيقتص من العجماوات غير المكلفة، فالنبي ﷺ نظر إلى شاتين تنتطحان فقال لـ أبي ذر: (يا أبا ذر! أتدري لماذا تنتطحان؟ قال: لا أدري، فقال النبي ﷺ : الله يدري وسيقضي بينهما).
وعن أبي هريرة ﵁ وأرضاه أنه قال: قال النبي ﷺ : (إن الله سيقتص للشاة الجلحاء -يعني: التي ليس لها قرون- من الشاة القرناء، ثم يقول للبهائم: كوني تراباً، هنالك: ﴿يَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنتُ تُرَابًا﴾ [النبأ:٤٠])، وهذا الحديث روي مرفوعاً وروي موقوفاً، فالقصاص سيكون بين الوحوش.
وقد تكلم في هذه الأحاديث الصحيحة بعض المتكلمة وأهل العقل من المعتزلة وغيرهم مثل الغزالي، والألوسي وغيرهما، أما نعيم الألوسي فسلفي معروف، وكتابه (روح المعاني) في التفسير من أنفع وأمتع الكتب، لكن له هنات وزلات في هذا الكتاب، ففيه بعض التصوف والاعتزال، وقال الغزالي عن الوحوش: لا قصاص بينها، وهذه الأحاديث إنما جاءت كناية عن العدل، فتبين عدل الله جل وعلا، واستدل على ذلك بالعقل فقال: ما من شيء إلا وله حكمة عقلية، والله جل وعلا عللها بالحكم والعقل يأبى ذلك؛ إذ إن القصاص معناه: الثواب والعقاب، ولا ثواب ولا عقاب على العجماوات، وأيضاً القصاص من التكليف ولا تكليف على العجماوات.
وهذا دليل عقلي صحيح، لكن نقول: عندنا قاعدة وهي: أنه إذا أتانا حديث عن النبي ﷺ فلا قول لأحد مع حديث النبي ﷺ .
والقاعدة الثانية: العقل الصحيح لا يخالف بحال من الأحوال النقل الصريح الذي صح عن النبي ﷺ .
اما قوله: لا حكمة في ذلك، إذ لا ثواب ولا عقاب فنقول: بل هناك حكمة عالية جداً وهي بيان أثر اسم الله الحكيم، وأن الله من صفاته العدل، فمن كمال عدل الله جل وعلا أن يقتص من العجماوات غير المكلفة مقابلة، فما بالكم بالذين كلفوا، أيتركهم سداً وهملاً دون قصاص؟! لا والله! وهذا يفتح لأهل العقول القياس الجلي، وقياس الأولى، وهو إن كان الله جل وعلا سيقتص من القرناء للجلحاء، فمن باب الأولى أنه سيقتص من الذين أوتوا الكتاب، وأوتوا الفهوم والعقول منهم، فهذه الحكمة البليغة العالية التي ترد على أهل العقل.
وهناك إجابة ثالثة وهي: أن هذه المقاصة أو القصاص من باب المقابلة، لا من باب الثواب والعقاب.
стр. 579
وجود الجنة والنار مخلوقتان الآن
بعد ذلك انتقل المصنف إلى ما روي عن النبي ﷺ في أن الجنة والنار مخلوقتان.
والجنة لغة: هي البستان كثير الأشجار والثمار، قال الله تعالى: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا﴾ [الكهف:٣٢].
وشرعاً: هي دار المقامة، ودار الخلود التي كلمنا الله عنها بأنها منازلنا الأولى.
والنار لغة: مادة الإحراق.
وشرعاً: هي أيضاً دار المقامة للكافرين.
وقد بين الله جل وعلا أن النار والجنة مخلوقتان الآن خلافاً للمعتزلة وغيرهم من أهل البدع، قال الله تعالى عن الجنة: ﴿أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران:١٣٣] وأعدت: فعل ماضٍ، بمعنى: أنه قد فرغ منها، وقال عن جهنم: ﴿أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [البقرة:٢٤] فجهنم أيضاً محل للكافرين وقد أعدت، وأعدت يعني: فرغ منها.
وأيضاً في الصحيحين أن النبي ﷺ صلى بالناس حين كسفت الشمس يوماً، وبعد أن صلى بالناس صلاة الكسوف قال: (أريت كل شيء في مقامي هذا، حتى إني رأيت الجنة عندما رأيتموني تقدمت فأخذت عنقوداً -يعني: رأى الجنة ورأى ما فيها من ثمار- ولو أصبته لأكلتم منه ما بقيت الدنيا -أو ما بقيتم- وأريت النار فلم أر منظراً كاليوم أفظع من هذه النار).
وقال: (ورأيت فيها عمرو بن لحي وهو الذي سيب السوائب)، وفي رواية أخرى في الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال: (ورأيت النار، ورأيت هرة تخدش امرأة -أي: تأخذها في النار، فالهرة في النار والمرأة في النار- فقلت: ما هذه؟ -يعني: ما شأنها- فقيل: هذه المرأة حبستها حتى ماتت جوعاً، لا هي أطعمتها ولا تركتها تأكل من خشاش الأرض) فهذه المرأة حبست هرة، وما حبست رجلاً يقول: لا إله إلا الله ما حبست رجلاً يقيم الليل بدموعه لله ما حبست رجلاً يجوب الأرض شرقاً وغرباً يدعو إلى الله جل وعلا ما حبست رجلاً باع نفسه لله وقال قسطاً وعدلاً: أنا وقف لله ما حبست رجلاً ينشر دين الله جل وعلا، حبست هرة فقط فكان عقابها أن الهرة تخدشها في نار جهنم.
فما بال الذين يجحفون على أهل الله، وعلى أولياء الله، ويحبسون الذين ينشرون دعوة الله جل وعلا، لا يبغون من ذلك إلا إعلاء كلمة الله، فيجحفون عليهم، ويشددون وطأتهم عليهم؟! ألا يعتبرون بالمرأة التي عذبت بالهرة؟! الجزاء من جنس العمل، فقد جعل الله لها هرة تخدشها في النار.
وورد عن النبي ﷺ أنه: (لما صلى العيد شق الصفوف ونزل على النساء فوعظهن، ثم أمرهن فقال: تصدقن، فإني رأيتكن أكثر أهل النار) وقوله: (رأيتكن أكثر أهل النار) رؤيا الأنبياء حق، أو أنه رآهن عند الإسراء والمعراج (قلن: لم يا رسول الله؟ قال: تكفرن، قيل: يكفرن بالله؟ قال: تكفرن العشير والإحسان) فيحسن لها الرجل طيلة حياته أو مدة من الزمن (فإذا رأت منه شيئاً قالت: ما رأيت خيراً منك قط).
وأيضاً النبي ﷺ لما تكلم عن الجنة قال: (رأيت قصراً فيها، ورأيت امرأة وضيئة -يعني: امرأة شديدة الجمال- تتوضأ فقلت: لمن هذا القصر؟ -فالنبي ﷺ من تواضعه- يقول: فحسبت أنه لي، فقيل: هو لعبد من أمتك يدعى عمر قال: فعلمت غيرة عمر فلم أدخل هذا القصر) ورؤيا الأنبياء حق.
والنبي ﷺ قال في منزلة سعد: (لمنديل من مناديل سعد بن معاذ ﵁ وأرضاه- خير من الدنيا وما فيها).
فالجنة موجودة، والنار أيضاً موجودة، وقد بين ذلك الله جل وعلا في كتابه إجمالاً، وفصل لنا النبي ﷺ تفصيلاً في سنته ﷺ .
стр. 580
مكان الجنة والنار
إذا كانت الجنة والنار موجودتان فأين مكانهما؟
الجواب
ليس عندنا تفصيل عن ذلك، ولكن الإجمال جاءنا في الكتاب، فقال الله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ﴾ [المطففين:١٨] فالجنة في عليين، والتفصيل لا نعرفه، ونعرف أن الفردوس الأعلى أوسط الجنة وأعلى الجنة، وأن عرش الرحمن هو سقفها.
والنار أسفل سافلين، قال الله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ﴾ [المطففين:٧]، وفي حديث البراء الطويل في عذاب القبر أنه قال: (أن صدق عبدي، اكتبوا كتاب عبدي في عليين ثم أعيدوه إلى الأرض) يعني: أعيدوا روحه إلى الأرض، ثم قال في الفجار: (كذب عبدي، اكتبوا كتاب عبدي في سجين) يعني: أسفل سافلين.
стр. 581
وصف الجنة
لسنا بصدد وصف الجنة والنار، لكن نمر عليها مرور الكرام، أما الجنة فقد بينها الله لنا إجمالاً تشويقاً للقلوب كما في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: قال الله تعالى: (أعددت لعبادي ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر).
وهناك أنهار في الجنة كما ورد في بعض الآثار: أن المرء يأخذ النهر ويمشي به حيث ما أراد من كرامة الله لأهل الجنة، فأنهار الجنة أصناف مختلفة متنوعة: الصنف الأول: ﴿أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِن﴾ [محمد:١٥] أي: غير مشوب، وغير مكدور أبداً، فالماء صافٍ أصفى من الماء الذي تراه الآن.
الصنف الثاني: ﴿وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى﴾ [محمد:١٥] أي: أحلى ما يكون، وأطعم ما يكون مذاقاً للعبد المؤمن في الجنة.
الصنف الثالث: ﴿وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ﴾ [محمد:١٥] ففي الجنة خمر لا يذهب بالعقول، بل يتمتع بها من امتنع عنها في هذه الدنيا، وقد وصفه الله جل وعلا وصفاً بديعاً بقوله: ﴿لا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلا يُنزِفُونَ﴾ [الواقعة:١٩] أي: لا يأتيهم الصداع، ولا تذهب بعقولهم، ولا يتمايلون ويتبخترون كما يفعل أهل الدنيا، يرزقهم الله هذه الخمر، وهي خمور نقية أعدت للمؤمنين.
الصنف الرابع: ﴿وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ﴾ [محمد:١٥] وهذا اللبن أطعم ما يكون مذاقاً في الجنة.
وأهل الجنة إذا اشتهى المرء منهم شيئاً جاءه سريعاً إلى مكانه، يعني: لو نظر إلى الطير فاشتهاه لجاءه سريعاً مشوياً جاهزاً محضراً له، فقط عندما يشتهيه! أما ما في الجنة من خير ومتعة الشهوة لأهل الجنة فقد بينه الله جل وعلا بأكبر وصف، وأمتع وصف، وأوجز وصف حيث قال: ﴿قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ﴾ [الرحمن:٥٦] ولو لم يكن لها ميزة إلا هذه الميزة لكفت، إذ إن المرأة إذا قصرت طرفها على زوجها كانت من أفضل نساء العالمين، والله جل وعلا بهذه الميزة خلق كل حور العين للمقربين.
وهذا يبين لك الفرق بين المقرب وبين صاحب اليمين، حيث قال الله تعالى عن حور صاحب اليمين: ﴿حُورٌ مَقْصُورَاتٌ﴾ [الرحمن:٧٢] أي: قصرهن الله جل وعلا، بخلاف أولئك فقد خلقن أصالة قاصرات الطرف، حتى أن النبي ﷺ يقول عن الحور: (تنظر إليه فتقول: والله! ما خلقت إلا لك، وما رأيت أجمل منك، وما زلت تزداد لي بهاءً، ثم تغني له: نحن الجميلات التي لا نبأسن، نحن الخالدات التي لا نمتن، ويرى مخ ساقها من وراء لحمها من شدة بياضها وجمالها).
والمرأة في الدنيا عندما ترفض أن تلتقي بزوجها إن أرادها فإن الملائكة تلعنها، وتأتي حور العين وتقول: لا تفعلي معه هذا -انظر: ضرائر في الدنيا وفي الآخرة- إنه ليس لك، إنه لي وسيأتيني قريباً، يعني: سيموت ويدخل الجنة إن كان من الصالحين.
وللمرء اثنتان من حور العين، أما الشهيد فله سبعون حورية من حور العين، رزقنا الله وإياكم الشهادة وطلبها بصدق من الله جل وعلا.
وأما أشجار الجنة فقال الله تعالى عنها: ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ [الواقعة:٣٠] فسرها النبي ﷺ ، وفسرها صحابة النبي ﷺ ، فعن النبي ﷺ أنه قال: (إن في الجنة شجرة يسير فيها الراكب أربعين سنة)، وهذا تفسير لقول الله تعالى (في ظل ممدود).
والثمار بينها الله جل وعلا بقوله: ﴿وَفَاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ * وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ﴾ [الواقعة:٢٠ - ٢١] نسأل الله جل وعلا أن نكون من أهل الجنة.
стр. 582
وصف النار
النار أصعب ما تكون، وأنكى ما يكون من عذاب من هذه النيران، بين النبي ﷺ أن صخرة وقعت فيها فما نزلت إلى القعر إلا بعد سبعين خريفاً، وأيضاً في الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال: (يجاء بالنار لها سبعون ألف زمام، يجر كل زمام سبعون ألف ملك) ولا يعلم عظم هذه النار إلا الله جل وعلا، وفي الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: (ناركم هذه جزء من سبعين جزءاً من نار الآخرة) نعوذ بالله من ذلك.
طعامهم فيها الحميم ومن غسلين نعوذ بالله أن نكون من هؤلاء، وهم في سلاسل يسحبون على وجوههم، فيمثل بهم في نار جهنم، وإذا أرادوا الماء شربوا من حميم شرب الهيم، قال تعالى: ﴿هَذَا نُزُلُهُمْ يَوْمَ الدِّينِ﴾ [الواقعة:٥٦] نعوذ بالله أن نكون منهم.
стр. 583
مسألة فناء الجنة والنار
هل الجنة والنار تفنيان؟ أقول: الجنة لا تفنى بالاتفاق، فلا خلاف بين أهل العلم في أن الجنة لا تفنى؛ لأن الله جل وعلا لما تكلم عن أهل النعيم قال: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [النساء:٥٧] فبين أنهم في خلود دائم لا موت فيه، وأيضاً عندما يؤتى بالموت ويراه أهل النار وأهل الجنة على الصراط فيذبح يقال: يا أهل الجنة خلود بلا موت، فلا خلاف بين أهل العلم في أن أهل الجنة يخلدون فيها وأنها لا تفنى.
أما مسألة فناء النار فقد ورد عن الأولين والآخرين أنها لا تفنى إلا ما ورد عن شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم من أن النار تفنى، واستدلوا على ذلك بكثير من الآثار والأدلة التي لا معول عليها، وقد ورد كلام آخر عن شيخ الإسلام وابن القيم أنها لا تفنى، وهذا الأليق بشيخي الإسلام ابن تيمية وابن القيم.
أما دليلهم الذي استدلوا به على فناء النار فقالوا: قال الله تعالى: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾ [هود:١٠٧] فاستدلوا بهذا الاستثناء، وقالوا: قد ورد بسند صحيح عن ابن مسعود وأبي هريرة أنهما قالا: (ليأتين زمان على النار ليس فيها أحد) وهذا هو الشاهد، ووجه الاستدلال: أنها تخلوا فإذا خلت فنيت لأنه لا عمل لها.
والصحيح الراجح: أن هذا الكلام من أخطأ الخطأ، وإن كانت من شيخ الإسلام تغفر في بحر الحسنات، ومن مثل شيخ الإسلام؟ والمعصوم من عصمه الله وهو رسول الله ﷺ فقط، وإن كانت من هذا العالم فقد اجتهد فأخطأ فله أجر، وإن كان قد أصاب فله أجران، لكن الصحيح خلاف قول شيخ الإسلام وابن القيم.
стр. 584
وجوب لزوم الكتاب والسنة
في هذا المقام تقعيد وتأصيل مهم لأهل العلم وهو أن نقول: شيخ الإسلام حبيب إلينا، والحق أحب إلينا منه، فلو أفتى أحد من المشاهير اللوامع، الذين تضرب لهم الطبول، ويعرفهم القاصي والداني، والذين بلغوا في العلم مداه، بفتوى خالفت الكتاب والسنة، لرد هذا القول على من قال به كائناً من كان، وقد قال ذلك أجل الناس، وأشرف الناس، وأعلى الناس، وأعلم الأمة الشافعي حيث قال: إن خالف قولي قول رسول الله فاضربوا بقولي عرض الحائط وخذوا بقول رسول الله، ودخل عليه امرؤ يسأله: يا شافعي ! ما تقول في مسألة كذا؟ وكان بجانبه المزني والبويطي وتلاميذ الشافعي، فأجابه رجل فقال: هذه المسألة قال فيها رسول الله، وأنهى المسألة.
والواجب علينا إذا قيل في مسألة: قال رسول الله أن نقول: سمعنا وأطعنا.
وبعض السائلين يكون جاهلاً لا يفقه شيئاً، فعندما تقول له: قال رسول الله، يقول لك: الشيخ الفلاني أفتى بحلها، وتقول: قال رسول الله، وقال الله، وهو يقول: الشيخ الفلاني وجدته يفعلها، أو السلف كانوا يفعلونها، ولقد قال بعض الصحابة: أوشكت السماء أن تمطر عليكم حجارة، أقول: قال رسول الله وتقولون: قال فلان، وقال فلان! فلذلك لما قيل للشافعي: أتقول بهذه المسألة؟ أو أتقول بهذا القول؟ قال: أرأيتني خرجت من كنيسة؟! وهذه دلالة على كفر أهل الكنائس على كفر أهل الصليب وعباد الصليب، فلا يجوز لامرئ مسلم قط أن يهنئهم بهذا العيد، قال بعض علمائنا: من أهداهم بيضة في عيدهم فقد كفر، تقعيداً وتخريجاً لحديث النبي ﷺ حيث قال: (فإذا وجدتموهم في طريق فاضطروهم إلى أضيقه) وقال: (لا تبدءوا أهل الكتاب بالسلام)، فكيف بتهنئة العيد والرضا بكفرهم، والقاعدة المشهورة: الرضا بالكفر كفر.
والضابط في هذه القاعدة أن نقول: إذا كان الكفر الذي كفر به المرء كفراً متفقاً عليه، لا خلاف فيه ولا نزاع، وهو كفر لنا فيه من الله برهان، فمن رضي به فقد كفر.
والدليل على هذه القاعدة قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ﴾ [محمد:٢٨] وفي الآية الأخرى يقول تعالى: ﴿إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ * وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ * ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ﴾ [محمد:٧ - ٩]، وقوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ﴾ [النساء:١٤٠].
وهنا أقول: العالم الذي يعلم عقيدتهم، ويعلم كفرهم البين، ثم يجلس في مجلسهم الكفري، ويرضى بكفرهم، بل يذهب ويهنئهم ويقبلهم ويحتضنهم، فهذا رجل لا نقول فيه إلا: حسبنا الله ونعم الوكيل.
ونقول له: قد بين الله لك بالاتفاق أن هؤلاء كفار فبين لهم كفرهم، أما الذين لا يعرفون إذا استفتوا أقول لهم: اتقوا الله في أنفسكم ولا تهنئونهم بالعيد؛ لأنكم بتهنئتكم لهم في هذا العيد تقرونهم على كفرهم، وأنتم مأمورون شرعاً أن تبينوا لهم كفرهم، حتى يعلموا يقيناً أنهم على باطل، وأنهم إن لم يرجعوا إلى دين الله فهم على كفر وضلال.
ولقد اتصل بي أخ وقال لي بالتصريح: السلام عليكم، أنا كل مدرائي نصارى، وكل عيد يهنئونني ويأتوني بالهدايا، ويجاملونني، فماذا أفعل؟ قلت له: لا تهنئهم، بل ادعهم إلى الإسلام، فهذا هو الفعل الصحيح، قال: أريد أن أسلم عليهم فقط، وأجاملهم بعيدهم كما يفعلون، قلت له: لا تفعل، قال: إن أخذت بقولك فسأفقد وظيفتي، قلت له: أيهما أفضل، أن تفقد وظيفتك أم تفقد دينك؟ فهذا الرجل لا يعتمد على ربه في الرزق، بل يحسب أنه إن لم يسلم عليهم في عيدهم، ويهنئهم بكفرهم، فسيضيع عمله؛ لظنه أن الرزق بأيديهم، وهذه عقيدة فاسدة، فالعطب في عقيدته الأولى جره إلى عطب في عقيدته الثانية.
فمن سلم عليهم في يوم عيدهم فقد رضي بكفرهم، فهو ينزل هذه المنزلة إن كان من العالمين المتقنين الفاهمين لعقيدتهم الخربة.
والمقصود أنه لما قال الشافعي: أخرجت من كنيسة؟ يبين له أن هؤلاء أهل كفر، فإني إن رددت قول النبي لكنت مثلهم، فانظر: على حديث واحد يرده بعد أن اقتنع به يرى الشافعي أنه يمكن أن يكون مثلهم، قال: أرأيتني قد خرجت من كنيسة؟ أرأيت في وسطي زناراً؟ يعني: يهودياً، يقول: قال رسول الله فماذا أقول أنا؟ أقول: قال رسول الله، وأقول به، ولذلك نقول: المرء إذا جاءه حديث عن النبي ﷺ قال: سمعت وأطعت، ويقدم قول النبي على قول أي أحد كائناً من كان.
فنقول: أولاً: جاءتنا الأدلة التي قعدت لنا وأصلت الخلود للجنة والخلود للنار، منها قوله تعالى: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [المائدة:١١٩] أي: على التأبيد، فهذه الآية تثبت عدم فنائها.
ونرد على أدلة شيخ الإسلام من وجهين: الوجه الأول: أن هذه الآثار لم تثبت، وأهل الحديث عللوا هذه الآثار بالانقطاع وبغيره.
فإن تنزلنا مع الخصم وقلنا: ثبت عن ابن مسعود وأبي هريرة أنهما قالا: (ليأتين زمان على النار ليس فيها أحد) فنئوله على أن المقصود ليس فيها أحد من الموحدين.
ونحن نقول: إن نار الموحدين تفنى، لما ثبت في الصحيحين من حديث الشفاعة أن الله تعالى قال لنبيه محمد صلى الله علية وآله وسلم: (اذهب فمن كان في قلبه مثقال ذرة من الإيمان فأخرجه) وبعد ذلك دينار، ثم نصف دينار، ثم مثقال ذرة، ثم حبة من خردل، ثم قال: (أذن لي ربي أن أشفع فيمن قال: لا إله إلا الله، فقال الله تعالى: وعزتي وجلالي لأخرجن من النار من قال: لا إله إلا الله) وهذا بيان بأن من قال: لا إله إلا الله وكان يصلي فهو يخرج من النار ولا يخلد فيها، وتفنى هذه النار، ويكون تأويل شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم على أن التي تفنى هي نار الموحدين، ويلتئم الشمل وتجتمع الأدلة، ولا نزاع بإذن الله.
أسأل الله جل وعلا أن يجعلنا وإياكم من أهل الجنات، وأن يبعدنا جمعياً عن النيران.
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.
стр. 585
الأسئلة
стр. 586
بيان مغفرة الكبائر
السؤال
هل تغفر الكبائر؟
الجواب
هذا على خلاف بين أهل العلم، ففي حديث أنه يغفر للشهيد كل ذنب إلا الدين، لأنه مرتبط بحقوق الآخرين، ويقاس عليه كل حقوق الآخرين فإنها لا تغفر، بل لا بد من المقاصة، أو يرضي الله جل وعلا الذين لهم الحق على هذا الرجل.
وهل تغفر الكبائر التي بين الصلاة والصلاة، وبين العمرة والعمرة، والحج والحج؟ فيه خلاف بين أهل العلم، وأنا متوقف عن الترجيح؛ لأن أدلة الفريق الأول قوية، وأدلة الفريق الثاني قوية، ولم أستطع الترجيح بينهما.
стр. 587
بيان أول ما يحاسب عليه المرء
السؤال
ورد حديث بأن أول ما يقضى بين الناس في الدماء، وورد حديث آخر يقول فيه النبي ﷺ : (أول ما يحاسب المرء عليه الصلاة) فما توجيهكم لهذين الحديثين؟
الجواب
نقول: إن أول ما يحاسب عليه العبد فيما بينه وبين الله الصلاة، وأول ما يحاسب عليه العبد فيما بينه وبين الناس الدماء.
стр. 588
منزلة نساء الدنيا بين حور الجنة
السؤال
ما منزلة المؤمنات بين الحور العين في الجنة؟
الجواب
منزلتها بين الحور العين أنها الرئيسة والحور وصيفات لها.
стр. 589
بيان أكثر أهل الجنة
السؤال
هل يعمل بمفهوم المخالفة لحديث: (وإني رأيتكن أكثر أهل النار)؟
الجواب
ورد عن النبي ﷺ أنه قال: (كمل من الرجال كثير، ولم يكمل من النساء إلا أربع) مما يدل أن أهل الجنة أكثرهم من الرجال.
стр. 590
تعريف الحديث الموقوف
السؤال
ماهو الحديث الموقوف؟
الجواب
الحديث الموقوف: هو الذي أوقفه رواته على الصحابي، كأن يقولوا: قال أبو هريرة: (يقتص من الشاة القرناء للشاة الجلحاء) فهنا القول نسب لـ أبي هريرة فهذا الموقوف، أما المرفوع: فهو ما رفع للنبي ﷺ .
стр. 591
رد توجيه الغزالي لحديث المقاصة بين الوحوش
السؤال
لماذا لا يؤخذ بقول الغزالي في توجيه حديث المقاصة بين الوحوش؟
الجواب
لأن القاعدة الأصولية تقول: إن اللفظ يبقى على ظاهره إلا أن تأتي قرينة تصرفه من الظاهر إلى المؤول، فعندما يقول النبي ﷺ : (يقتص الله من الشاة القرناء للشاة الجلحاء) ظاهر اللفظ أن الله جل وعلا يأمر الشاة التي ليس لها قرون أن تنطح التي نطحتها بقرونها في الدنيا.
стр. 592
بقاء بعض الذنوب بعد مجاوزة الصراط
السؤال
هل يجاوز الصراط احد وعليه ذنب؟
الجواب
نعم، فبعد أن يمر على الصراط يقف حتى ينظف من كل ما عليه من حقوق، ويعطيها للناس ثم بعد ذلك يدخل الجنة نظيفاً.
стр. 593
حقيقة نعيم البرزخ
السؤال
هل يدخل أحد الجنة حقيقة وهو في البرزخ؟
الجواب
لا، ليس دخولاً في الجنة، بل يعرض عليه مقعده من الجنة، ويعرض عليه مقعده من النار، ويأتيه من طيبها وريحها، لكن لا يدخل الجنة أحد حقيقة إلا يوم القيامة، فحياة البرزخ حياة لا هي حياة أخروية ولا هي حياة دنيوية، بل حياة غيبية يعلمها الله جل وعلا.
أما ما قيل لـ حبيب كما قال تعالى: ﴿قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ﴾ [يس:٢٦] فإن المعنى: مآلك إلى الجنة، فهذا هو المعنى الصحيح بالقرائن المحققة والمؤصلة من العمومات التي أثبتت أنه لا دخول للجنة إلا في الآخرة، وكل ما رآه النبي ﷺ في الجنة أو النار كل هذا يكون في البرزخ والدليل على ما قلناه هو قوله تعالى: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾ [غافر:٤٦]، فإنهم لم يدخلوا بل قال: (يعرضون)، ثم قال بعد ذلك: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر:٤٦]، أما الأرواح فهي في حواصل طير تطوف بالجنة وتتنعم، أما الأجساد فلا تدخل الجنة إلا في الآخرة، والجمع بين الجسد والروح لا يكون إلا في الآخرة.
стр. 594
حقيقة الجنة التي فيها آدم
السؤال
ما هي الجنة التي كان فيها آدم، أهي جنة الآخرة أم جنة أخرى؟
الجواب
هذه المسألة فيها نزاع بين العلماء، فمنهم من قال: جنة أخرى، وأول قوله: ﴿اهْبِطَا﴾ [طه:١٢٣] على أنها جنة في الأرض، أو بين الأرض والسماء، وليست جنة الآخرة، والصحيح أنه كان في جنة الآخرة، ومن أبين الأدلة وأفصحها على أن الجنة التي كان فيها آدم هي جنة الآخرة أن النبي صلى الله علية وسلم قال: (فحج آدم وقال: أنت آدم خلقك الله بيده) إلى آخر الحديث حيث قال: (أخرجتنا ونفسك من الجنة) فإن قيل: هو قال: الجنة مطلقة، ولم يقيد بهذه وتلك، نقول: إذا أطلقت فهي جنة الآخرة.
стр. 595
الاستسماح من الغيبة
السؤال
ما هو المخرج إن اغتبت أحداً في مجلس ثم لم أجده لأستسمحه؟
الجواب
يكفي من ذلك أن تنشر محاسنة في المجلس الذي أسأت إليه فيه، والعبد إذا صدق الله في توبته؛ فإن الله يقلب قلب عدوه فيكون حبيباً له.
стр. 596
شرح حديث (أنا أحق بذلك منك)
السؤال
ما الحكمة من قول الله تعالى للمتخاصمين إذا عفا أحدهما عن الآخر: (أنا أحق بذلك منك) الحديث؟
الجواب
الحكمة في ذلك هو إظهار سبيل رحمة الله جل وعلا بعباده، لكن هذا ليس لأي أحد، بل لمن علم الله في قلبه مخافته، وإلا فإبليس كان يدعى بطاووس الملائكة؛ لشدة عبادته، لكن علم الله من قلبه الكبر والتكبر فابتلاه بالأمر بالسجود فلم يسجد لكبره؛ فلعنه، وجعله من الخارجين والملعونين إلى يوم القيامة.
стр. 597
الحكمة من رؤية المؤمنين لأهل النار في النار
السؤال
ما الحكمة من رؤية المؤمنين لأهل النار في النار وهم يعذبون؟
الجواب
من متعة أهل الجنة أن ينظروا إلى الفسقة الفجرة الكفرة في النار يعذبون، بل وأهل النار يقولون: ﴿أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ﴾ [الأعراف:٥٠]، فهذا من تمام متعة أهل الجنة، بأن تشفى صدورهم وهم يرون أهل الكفر يعذبون أمامهم، وأيضاً هذه من زيادة النكاية والعذاب والتوبيخ والتنكيل بأهل الكفر وهم في النار، حيث يرون أهل الجنة يمتعون وينعمون بما ينعمون به في الجنة.
стр. 598
استقلالية حياة البرزخ بالعذاب والنعيم عن حياة الآخرة
السؤال
هل عذاب القبر يرفع قسطاً من عذاب الآخرة؟
الجواب
لا، عذاب القبر لا يرفع قسطاً من عذاب الآخرة، ونعيم القبر لا يقلل من نعيم الآخرة، بل حياة البرزخ لها أحكامها الخاصة بها، والآخرة لها حياة أخرى غير الحياة البرزخية ولها أحكامها الخاصة بها، كما أن الدنيا لها أحكام خاصة بها.
стр. 599
حكم تارك الصلاة
السؤال
ما حكم تارك الصلاة؟
الجواب
تارك الصلاة تركاً كلياً بحيث لم يسجد لله سجدة يكفر ولا يدخل في دائرة الإسلام إلا إذا صلى، والذي يصلي ويقطع ليس بكافر، بل هو فاسق فقط، والخلاف في حكم تارك الصلاة خلاف فقهي وليس خلافاً عقدياً.
стр. 600
قدر المسافة بين الدرجات في الجنة
السؤال
ما قدر المسافة بين الدرجات في الجنة؟
الجواب
ينظر صاحب الدرجة الأدنى إلى درجة الأعلى منه بدرجة واحدة كما ينظر الذي في الأرض للكوكب في السماء كما ذكر النبي ﷺ ، يعني: الفارق بين الدرجة والدرجة كما بين السماء والأرض، فحري بنا أن نسعى جاهدين لأن نلتقي بالنبي في الفردوس الأعلى، ومن أروع ما يقال في هذا المقام: ما رأيت مثل الجنة نام طالبها، وما رأيت مثل النار نام هاربها، نعوذ بالله ممن يتقاعس عن طاعة الله جل وعلا.
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.
следующие страницы →