Полный текст (838 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.
стр. 596
شرح حديث (أنا أحق بذلك منك)
السؤال
ما الحكمة من قول الله تعالى للمتخاصمين إذا عفا أحدهما عن الآخر: (أنا أحق بذلك منك) الحديث؟
الجواب
الحكمة في ذلك هو إظهار سبيل رحمة الله جل وعلا بعباده، لكن هذا ليس لأي أحد، بل لمن علم الله في قلبه مخافته، وإلا فإبليس كان يدعى بطاووس الملائكة؛ لشدة عبادته، لكن علم الله من قلبه الكبر والتكبر فابتلاه بالأمر بالسجود فلم يسجد لكبره؛ فلعنه، وجعله من الخارجين والملعونين إلى يوم القيامة.
стр. 597
الحكمة من رؤية المؤمنين لأهل النار في النار
السؤال
ما الحكمة من رؤية المؤمنين لأهل النار في النار وهم يعذبون؟
الجواب
من متعة أهل الجنة أن ينظروا إلى الفسقة الفجرة الكفرة في النار يعذبون، بل وأهل النار يقولون: ﴿أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ﴾ [الأعراف:٥٠]، فهذا من تمام متعة أهل الجنة، بأن تشفى صدورهم وهم يرون أهل الكفر يعذبون أمامهم، وأيضاً هذه من زيادة النكاية والعذاب والتوبيخ والتنكيل بأهل الكفر وهم في النار، حيث يرون أهل الجنة يمتعون وينعمون بما ينعمون به في الجنة.
стр. 598
استقلالية حياة البرزخ بالعذاب والنعيم عن حياة الآخرة
السؤال
هل عذاب القبر يرفع قسطاً من عذاب الآخرة؟
الجواب
لا، عذاب القبر لا يرفع قسطاً من عذاب الآخرة، ونعيم القبر لا يقلل من نعيم الآخرة، بل حياة البرزخ لها أحكامها الخاصة بها، والآخرة لها حياة أخرى غير الحياة البرزخية ولها أحكامها الخاصة بها، كما أن الدنيا لها أحكام خاصة بها.
стр. 599
حكم تارك الصلاة
السؤال
ما حكم تارك الصلاة؟
الجواب
تارك الصلاة تركاً كلياً بحيث لم يسجد لله سجدة يكفر ولا يدخل في دائرة الإسلام إلا إذا صلى، والذي يصلي ويقطع ليس بكافر، بل هو فاسق فقط، والخلاف في حكم تارك الصلاة خلاف فقهي وليس خلافاً عقدياً.
стр. 600
قدر المسافة بين الدرجات في الجنة
السؤال
ما قدر المسافة بين الدرجات في الجنة؟
الجواب
ينظر صاحب الدرجة الأدنى إلى درجة الأعلى منه بدرجة واحدة كما ينظر الذي في الأرض للكوكب في السماء كما ذكر النبي ﷺ ، يعني: الفارق بين الدرجة والدرجة كما بين السماء والأرض، فحري بنا أن نسعى جاهدين لأن نلتقي بالنبي في الفردوس الأعلى، ومن أروع ما يقال في هذا المقام: ما رأيت مثل الجنة نام طالبها، وما رأيت مثل النار نام هاربها، نعوذ بالله ممن يتقاعس عن طاعة الله جل وعلا.
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.
стр. 601
شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة - الجنة والنار
من أصول اعتقاد أهل السنة أن الجنار والنار مخلوقتان وأنهما لا تفنيان، وأن الله جعل الجنة رحمته، وجعل النار غضبه، وصفة الرحمة ثابتة في الكتاب والسنة، وقد أولها أهل البدع على عادتهم في تأويل الصفات.
стр. 602
عدم فناء الجنة والنار
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة:١٣٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
ثم أما بعد: إخوتي الكرام! ما زلنا مع شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة، ونحن على مشارف الانتهاء من المجلد السادس.
تكلمنا في الأسبوع الماضي عن الجنة والنار، وذكرنا أنهما موجودتان الآن، وبينا أن الأحاديث النبوية والآيات أثبتت وجود الجنة ووجود النار، وأن الله تعالى قد خلقهما، فأعد الجنة رحمة للمؤمنين، وأعد النار عقاباً للكافرين.
وتعرضنا لمسألة مهمة، وهي: هل تفنى النار أم لا تفنى النار؟ وذكرنا أقوال العلماء والراجح في ذلك، وأزيد هنا في ذكر الأدلة على أن النار والجنة موجودتان مخلوقتان: حديث النبي ﷺ (اختصمت الجنة والنار: فقالت النار: رب جعلتني للمتجبرين أو المتكبرين، وقالت الجنة: رب جعلتني للضعفاء، فقال الله للنار: أنت عقابي أعاقب بك من أشاء، وقال للجنة: أنت رحمتي أرحم بك من أشاء).
وأيضاً قال النبي ﷺ كما في الصحيحين في البخاري ومسلم: (إذا اشتد الحر فأبردوا بالظهر؛ فإن شدة الحر من فيح جهنم).
ومعنى: (فأبردوا بالظهر) أي: تؤخر صلاة الظهر، والإبراد في الظهر فيه خلاف بين العلماء، فبعضهم يقول: تصلي بعد الزوال بساعة، والصحيح أن الإبراد بالظهر لا يكون إلا قبيل العصر، أي: قبيل أن يصير الشيء ظل الشيء مثله، والشاهد أن شدة الحر من فيح جهنم.
وأيضاً يقول النبي ﷺ : (الحمى من فيح جهنم فأبردوها بالماء)، فهذه الأدلة تدل على وجود الجنة والنار.
وأما مسألة: هل تفنى الجنة والنار أم لا تفنيان؟ فالجنة لا تفنى بالاتفاق، قال الله تعالى: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [النساء:٥٧]، وأما النار فقال بعضهم: إنها تفنى، واستدلوا بقوله تعالى: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ [الأنعام:١٢٨] ويوضح هذا الاستثناء حديث أبي هريرة وابن مسعود: (ليأتين زمان على النار ليس فيها أحد)، فدل بذلك على أن النار تخلو من المعذبين فتفنى بذلك، والراجح أن النار تبقى دائماً ولا تفنى.
ويرد على قول شيخ الإسلام ابن تيمية بفنائها من وجهين: الوجه الأول: قول الله تعالى: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [النساء:٥٧].
الوجه الثاني: أن النبي ﷺ قال: (يؤتى بالموت فيقال: يا أهل الجنة! خلود بلا موت، ويا أهل النار! خلود بلا موت).
والتي تفنى هي نار الموحدين، فقد جاء في الأحاديث: أنه يخرج من النار من قال: لا إله إلا الله وفي قلبه وزن ذرة أو شعيرة من إيمان، فتخلو نار الموحدين من الموحدين ثم بعد ذلك تفنى.
стр. 603
صفة الرحمة
ختم المؤلف الكتاب بما روي عن النبي ﷺ في الرحمة، والرحمة صفة من صفات الله جل وعلا، وهي صفة ذاتية وفعلية، وهي مشتقة من اسمي الله جل وعلا: الرحمن الرحيم، والصفة الفعلية هي التي تتعلق بمشيئته، فهو إن شاء رحم وإن شاء لم يرحم، فالله جل وعلا سيرحم المؤمنين ولكنه يعاقب الكافرين.
والصفة الذاتية هي الصفة التي لا تنفك عن الله جل وعلا بحال من الأحوال، فإن قلت: فعلية بالإطلاق فهي قديمة النوع حادثة الأفراد، ونظيرها في الصفات الكلام، فهي صفة فعلية قديمة النوع حادثة الأفراد.
قال الله تعالى: ﴿إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ﴾ [الطور:٢٨] .
стр. 604
مظاهر رحمة الله جل وعلا
مظاهر رحمة الله جل وعلا عظيمة جسيمة كثيرة، فمن مظاهر رحمة الله جل وعلا بديع وحسن تنسيق الكون، فهذه النجوم المتلألئة في السماء الصافية، وهذه الشمس المشرقة الدافئة تدل على رحمة الله لخلقه، فهذه من مظاهر رحمة الله جل وعلا، وهي تدل على ربوبية الله تعالى وعظمته، وتدل على أنه الخالق المبدع المكون لهذا الكون رحمة للعباد؛ حتى يصلوا سريعاً إلى ربهم فلا يعبدوا غيره، فهذه من مظاهر رحمة الله جل وعلا.
وأيضاً من مظاهر رحمة الله جل وعلا بعباده أنه أرسل الرسل، فالله رحيم لا يعذب أحداً بجهل، ولا يعذب أحداً حتى يقيم عليه الحجة، والله جل وعلا لم يكن ليضل قوماً حتى يبين لهم ما يتقون، ولم يكن ليعذب قوماً حتى يرسل إليهم رسولاً يبين لهم طريق الهدى، كما قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء:١٠٧]، فهذه من آثار رحمة الله جل وعلا.
وأيضاً من آثار رحمة الله جل وعلا: الغيث الذي ينزل من السماء رحمة من الله جل وعلا، فإذا قنط العباد فإن الله الرب الكريم الرحيم يضحك من عباده حين يقنطون والفرج قريب كما في حديث النبي ﷺ ، وقد قال الله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾ [الأعراف:٥٧]، فهذه من آثار رحمة الله جل وعلا، ولا يقنط من رحمة الله إلا الكافر، ولا ييئس من روح الله -أي من رحمة الله جل وعلا- إلا الضال المبتدع، قال الله تعالى: ﴿قَالَ وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ﴾ [الحجر:٥٦] يعني: الكافرين، وقد قال الله تعالى على لسان يعقوب: ﴿يَا بَنِيَ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلا تَيْئَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لا يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ﴾ [يوسف:٨٧]، فروح الله هنا معناها الرحمة، فمن مظاهر رحمة الله أنه يرسل الرياح بشرى بين يدي رحمته.
وأيضاً من رحمة الله أنه خلق مائة رحمة، فاحتجز عنده تسعة وتسعين جزءاً وأنزل جزءاً من هذه الرحمات في الدنيا، فبها يرحم الخلق بعضهم بعضاً، فيتراحم بها الفرس مع وليده كما ذكر النبي ﷺ ، وهذه الرحمة في الدنيا من الجزء اليسير، واختزن الله للبشر تسعة وتسعين جزءاً في الآخرة يرحمهم بها ويدخلهم الجنات جل وعلا.
стр. 605
سبب ذكر المصنف الريح بعد ذكر صفة الرحمة
ذكر المصنف ختاماً لهذا الكتاب باب الريح، فقال: باب ما روي عن النبي ﷺ في أن الريح مخلوقة، وتعجب محقق الكتاب من هذا التصنيف، فقال: لم أتى بهذا الباب بعد صفة الرحمة؟ وكذلك لم ينكر أحد أن الريح مخلوقة لله جل وعلا!
و
الجواب
أن الريح من آثار رحمة الله حتى وإن قلنا بالتفريق الذي ذكره بعض العلماء بين الريح والرياح، فقد قالوا: إن الريح تأتي بالمساوئ أو بالشدة على الناس، وأما الرياح فإنها تأتي بالخيرات والمبشرات، فإن قلنا بأن الريح فيها شدة فهذه من آثار رحمة الله جل وعلا، لأن الريح التي فيها شدة ينصر الله بها المؤمنين، ويهلك بها الكافرين، فالله جل وعلا يقول: ﴿قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [الأحقاف:٢٤]، فالله جل وعلا يعذب الكافرين بالريح، ويشفي صدور قوم مؤمنين، فهي من آثار رحمته للمؤمنين وإن كانت شديدة على الكافرين.
وأيضاً مناسبتها لهذا الباب أن الرياح فيها الرحمة، وهو الغيث، وهذه الرحمة من آثار رحمة الله جل وعلا.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.
стр. 606
شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة - سياق في أن السحر له حقيقة
لقد كرم الله الإنسان ورفعه، ودفع عنه كل ما يضره ويمس دينه أو عرضه أو عقله وغير ذلك؛ ولذلك حرم الله السحر.
وللسحر حقيقة وتأثير، وهو ناتج عن استعانة الساحر بالشياطين، ولا يتم له ذلك حتى يتقرب لهم بشتى القرب والعبادات، وحتى يكفر بالله رب العالمين، وحكم الساحر القتل ردة؛ لأنه كافر برب العالمين، ويقوم بذلك ولي الأمر أو نائبه.
стр. 607
معنى السحر لغةً وشرعاً
إن الحمد لله؛ نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
ثم أما بعد: افتتح المصنف الكتاب الثامن فقال: سياق ما روي في أن السحر له حقيقة.
وهذا تصنيف بديع؛ فبعدما تكلم عن علم الغيب تكلم على ما يشتبه بين الغيب وغيره، وتكلم عن السحر، ثم ثنى بالكلام عن إبليس وجنود إبليس والصرع واللبس؛ لأن كثيراً من الذين يتنطعون الآن ويتملقون يقولون: ليس هناك شيء اسمه تلبس ولا صرع، فلا يدخل الجان في الإنسان.
السحر، لغة: كل ما لطف سببه وخفي ودق، فمادة السحر مشتقة من كل ما دق وخفي سببه؛ ولذلك سمي السحر سحراً؛ لأن فيه خفاء، فلا يأتي السحر إلا في آخر الليل.
وأما شرعاً: فهو الرقى والتمائم والعزائم والعقد التي يتأثر بها المسحور، ويؤثر بها الساحر بالاستعانة بالشياطين، قال الله تعالى: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ﴾ [البقرة:١٠٢].
стр. 608
حكم السحر في الشرع
السحر محرم شرعاً، وهو كبيرة من الكبائر، بل هو من أكبر الكبائر، وقد يصل إلى الشرك الأكبر، وقد يكون شركاً أصغر، قال الله تعالى: ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ﴾ [البقرة:١٠٢]، سواء كفر أكبر أو كفر أصغر، وأيضاً في الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ وأرضاه قال: قال رسول الله ﷺ : (اجتنبوا السبع الموبقات) أي المهلكات، وذكر من هذه السبع: السحر، فالسحر من المهلكات، وهو محرم شرعاً ونظراً، والنظر أن السحر فيه ضرر على الآخرين، فإذا أضر الرجل غيره من البشر فقد وقع في المحظور؛ إذ لا ضرر ولا ضرار.
стр. 609
أقسام السحر
السحر سحران كما قسمه العلماء، سحر حقيقي، وقد اختلف العلماء فيه اختلافاً كثيراً، وأنكره المعتزلة كما سنبين في مسألة سحر النبي ﷺ ، وسحر تخييلي، والسحر الحقيقي لا يقلب الأشياء على الصحيح، فقد اختلف العلماء هل هذا السحر يقلب الأعيان أولا، يعني: هل يقلب الإنسان إلى قرد، أو القرد إلى إنسان، فهذا اختلف فيه أهل السنة والجماعة، والغالب المقصود هو هذا النوع وهو السحر الحقيقي، وهذا السحر لا يمكن للإنسان أن يصل إليه وأن يتمرس فيه حتى يؤدي القرابين إلى من يعلمه ذلك وهم الشياطين، فلا يمكن للإنسان أن يقرع باب السحر المؤثر حقيقة بإذن الله الكوني إلا أن يقدم القرابين للشياطين كما سنبين كيفية تعليم السحر.
والنوع الثاني من السحر: السحر التخييلي، والسحر التخييلي ليس له تأثير أبداً، وإنما تأثير يكون على الرؤية فقط، فهو خداع وتلبيس وتضليل، فيسحر أعين الناس، كما هو حال سحرة فرعون، قال الله عنهم لما قال لهم موسى: ﴿قَالَ أَلْقُوا فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ﴾ [الأعراف:١١٦]، فعظم الله هذا الفعل من التدليس والتلبيس على الناس وقلب الحقائق في أعينهم، فقد رموا بالحبال المطلية بالزئبق والمواد الكيماوية التي يستعملونها والعقاقير، فتحركت فتخيل الناس أنها حيات وثعابين، والحق أنها حبال لا روح فيها؛ ولذلك لما ألقى موسى عصاه فتلقفت كل هذه الحيات آمن السحرة؛ لأنهم علموا أن هذا حق وأن هذه الروح من عند الذي خلقها .
ومثل هذا ما يفعله الآن بعض السحرة الذي بخفة يده يضحك على الناس، فيخرج الدرهم من يد أحدهم أو يلعب بالبيضة يخرجها من أذن الرجل أو من جيب الرجل، فكل هذه من أنواع السحر التخييلي، وهذا لا يصل إلى الكفر كما سنبين.
стр. 610
تعلم السحر من الشياطين
وأما كيفية تعلم السحر، فأما خفة اليد فتسألون عنها هؤلاء الذين يسرقون أعين الناس ويسترهبونهم.
وأما بالنسبة لكيفية تعلم السحر الحقيقي الذي يؤثر فإن ذلك يكون عن طريق الشياطين، فالشيطان يعلم المرء كيف يطير في الهواء أمام الناس، أو يمشي على الماء، أو يأتي بخوارق العادات كما يفعله كثير من الكهنة والمشعوذين والدجاجلة، وآخر هؤلاء الدجاجلة وأكبرهم هو المسيح الدجال كما سنبينه، فالغرض المقصود أن الشيطان هو الذي يعلم المرء كيف يأتي بهذا المؤثر حقيقة بإذن الله الكوني، وقد ورد في بعض الروايات كما أوردها المصنف عن عائشة ﵂ وأرضاها: (أنها جاءت امرأة إلى عائشة بعد موت النبي ﷺ فقالت: أتتني امرأة عجوز ومعها كلبان أسودان، فقالت لي: اركبي هذا الكلب -وهو من الجن- قالت: فركبت هذا الكلب وركبت العجوز الكلب الآخر، قالت: فسار بي فأسرع فوجدت نفسي عند بابل، وهناك رجلان معلقان فقالا لي: اذهبي إلى التنور، فبولي فيه، قالت: فارتبت فتراجعت، فقالا لي: ارجعي ولا تكفري، ثم رجعت لهم مرة ثانية، فقالا لي: اذهبي إلى التنور فبولي، قالت: فارتبت فرجعت، فقالا لي: ارجعي ولا تكفري)؛ لأن الله جل وعلا قال: ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ﴾ [البقرة:١٠٢]، (قالت: فارتبت فرجعت، ثم رجعت مرة ثانية فقالا لي: اذهبي فبولي عند التنور، قالت: فذهبت فبلت عند التنور فخرج مني فارس صنديد فصعد إلى السماء، فرجعت إليهما فقالا لي: ماذا رأيتي؟ قالت: رأيت فارساً خرج مني صعد إلى السماء، قالا: صدقت، هذا إيمانك قد خرج منك).
ورواه أيضاً ابن جرير الطبري في تفسيره بسند صحيح إلى عائشة ﵂ وأرضاها، فهذه دلالة واضحة على أن الذي يتعلم من الشيطان السحر يكفر، وهي ذهبت تستفتي الصحابة فكل الصحابة يتورع عن الإجابة ويقول لها: لا أفتي في شيء لا أعلمه! وهذا تعليم لنا أن نقف عند حد ما تعلمناه.
فالمقصود أنها تعلمت السحر من هنا، فكل ساحر عاتٍ مشعوذ دجال لا يمكن أن يأتي بالسحر الذي تراه أنت إلا وقد قدم القرابين للشياطين، وهذه القرابين إما أن يسجد للشيطان، أو أن يمتهن المصحف ويدخل به الحمام، أو يتوضأ بالبول، ويفعل أشياء تأمره بها الشياطين، فيأتي بها حتى يمتعه الشيطان، وهذا تصديق لقول الله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الإِنسِ وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُمْ مِنَ الإِنسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا﴾ [الأنعام:١٢٨]، فاستمتاع الجني بالإنسي أن الجني يقدم له العبادة التي لا تصح إلا لله جل وعلا، فيمتعه بهذا الكفر، وهو سيكون قريناً معه في النار؛ لأنه أخذ عزماً على نفسه إلى يوم الدين: أنه لابد أن يكفر بني آدم، فهذا يسجد له، أو يكفر بالله جل وعلا، أو يمتهن المصحف، أو يفعل ذلك أمام الناس، فهذه متعة الجن والعياذ بالله.
أما متعة الإنسي فإنه يأتي الناس فيحدثهم بالمغيبات، والجن يسترقون السمع كما بين النبي ﷺ أنه يركب بعضهم بعضاً حتى يصل المارد إلى السماء فيسترق السمع، فمنهم من يسمع صريف الأقلام فيسمع كلمة، فقبل أن يأتيه الشهاب -وهو ميت لا محالة- يقرقرها في أذن من تحته من الجن حتى تصل إلى أذن الكاهن، فيكذب عليها مائة كذبة، كما وصف النبي ﷺ .
فهذه متعة للبشر: أن يقول للناس ويخبرهم بأمور مغيبات حقاً، أو يخبرهم على مغيب نسبي وليس مطلقاً، كالمسروقات، فالجني هذا يحدث الجني الآخر فيقول: هي في المكان الفلاني، أو يقول: هذه سرقها فلان بن فلان، فيحدث به ويخبر به، أو يمتعه أكثر بأنه يفعل له خوارق العادات أمام الناس، كأن يكون في الإمارات يوم عرفة، فيراه الناس الذين في الحج في عرفة، فيسلم على الناس وهو في الإمارات وفي نفس اليوم يأخذه الجني ويطير به إلى عرفة، فالجني يقوى على هذا، فالله جل وعلا أعطاهم هذه الخفة، فيطير به إلى أن يقف في عرفة يوم عرفة فيحج مع الناس، والناس تنظر في ذلك وتنبهر به، وقد يألهونه من غير الله جل وعلا، فالجهال الأغمار يفعلون ذلك، فهذه متعة أيضاً يمتع بها الجن الإنس.
فهذه هي المتعة التي يقدمها الجن للإنس، وأما المتعة التي يقدمها الإنس للجن فهي أن يسجد له أو يكفر بالله العظيم.
стр. 611
أقوال العلماء في حكم السحر
وأما حكم السحر فقد قلنا: إن السحر نوعان: نوع حقيقي ونوع تخييلي، فاتفق الجمهور من المالكية والحنابلة والأحناف على أن السحر كله كفر بنوعيه، واحتجوا على ذلك بعمومات الأدلة كقول الله تعالى: ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ﴾ [البقرة:١٠٢]، ولحديث النبي ﷺ : (من اقتبس شعبة من النجوم فقد اقتبس شعبة من السحر).
وأما الشافعية ففصلوا القول في السحر، وهذا هو الراجح الصحيح الذي تدل عليه الآثار، والواقع أن السحر سحران: سحر هو كفر، وسحر هو معصية وكبيرة، والسحر الذي هو كفر هو السحر الذي يستخدم فيه الساحر الشياطين، فيقدم لهم القرابين، فيكفر بذلك.
والسحر التخييلي معصية وكبيرة وموبقة من الموبقات والمهلكات، وهو ذريعة إلى الكفر الأكبر، وهو التخييل والتلبيس والتدليس الذي يستخدم فيه العقاقير أو يستخدم فيه المواد الكيماوية؛ لأن فيه كذباً وضرراً يقع على الآخرين، وهذا هو الراجح الصحيح.
стр. 612
الفرق بين السحر والكرامة والمعجزة
هذه الثلاث: السحر والكرامة والمعجزة تتفق في خرق العادات، فالسحر فيه خرق للعادات، فصاحبه يمشي على الماء، ويطير في الهواء، ويفعل الأعاجيب بخرق العادات، والكرامة هي ما يظهره الله على يد ولي من أوليائه؛ إظهاراً لشرفه وكرامته وعلو مكانته عنده، فهذه كرامة من الله جل وعلا بدون مقدمات، فلا يقدم الولي شيئاً حتى تظهر على يديه الكرامة، بل الله يمنحه هذا بدون مقدمات، ولا شك أن المقدمات الأولى هي الطاعات، وأما الساحر فلابد أن يقدم للشيطان حتى يصنع له خوارق العادات.
وأما المعجزة فهي خارقة للعادة والفارق بينها وبين السحر والكرامة أن المعجزة هي خرق للعادة مع التحدي؛ ولذلك سميت معجزة، فالله جل وعلا يعطي النبي المعجزة يتحدى بها البشر أن يأتوا بمثلها، كما أعطى نبيه معجزة القرآن وقال: ﴿وَإِنْ كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ﴾ [البقرة:٢٣] إلى آخر الآيات: ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا﴾ [البقرة:٢٤] وهذا إعجاز، وهل هناك أشد أعجازاً من هذه الآية الكريمة: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ [المسد:١]، فلم يقم أبو لهب وسط الناس ويقول: هو قال: ((تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ)) وأنا سأؤمن بمحمد الآن، لم يفعل ذلك وهذا أكبر إعجاز، فهذا هو الإعجاز المعنوي.
وأما الإعجاز المادي فكقوله: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ [القمر:١]، فقد رأوا القمر شقين: شقاً على اليمين والشق الآخر على اليسار والجبل يفصل بين الشقين، فهذه معجزة تحدى الله عباده أن يأتوا بمثلها، وأما الكرامة فلا يمكن للولي أن يتحدى بها أحداً وإلا فقد كذب على الله، والله يخذله كما يحدث من الساحر، فـ المسيح الدجال ساحر يستعمل الشياطين حتى إن الرجل يأتي إليه ويقول له: إن أردتني أن أؤمن بك فأخرج لي أبي وأمي، فيقول: أين قبراهما؟ فيأتيهما فيقول لأمه: اخرجي، ويقول لأبيه: اخرج، فيخرج أبوه ويخرج أمه، والذي خرج من القبرين حقيقة هما شيطانان يستعملهما، فهو يستعمل الجان؛ ولذلك إذا تحدى وأظهر الإعجاز فإن الله يخذله، فإنه يقول للخربة: أخرجي كنوزك، فتخرج كنوزها، ويقول للسماء: أمطري فتمطر، ويشق الرجل نصفين ثم ينادي به فيأتيه متهللاً فرحاً، فيقول له: أنت الدجال، فإنه يدعي النبوة، ثم بعد ذلك يرتقي فيدعي الربوبية؛ فإذا ادعى الربوبية والإلهية بعد النبوة فإن الله يخذله، فلا يستطيع أن يفعل ما منحه الله من الإعجازات مرة ثانية؛ لأن التحدي لا يكون إلا لنبي من أنبياء الله تعالى.
فهذا هو الفارق بين السحر والكرامة والمعجزة.
стр. 613
التفصيل في حكم الساحر
стр. 614
حكم الساحر إذا كان مسلماً ثم تعلم السحر
اتفق العلماء على أن الساحر الذي يستخدم في سحره الشياطين، ويستخدم الكفر فإنه يكفر بالسحر، فإذا كان يسجد للشيطان، ويستعمل الشيطان في العقد والنفث، فهذا حكمه بالاتفاق القتل، فتضرب عنقه.
واختلفوا في الذي يأتي بسحر التلبيس والتدليس، أو يأتي بأشياء يسرق بها أعين الناس، فالجمهور على أنه أيضاً يقتل، وستأتي أدلتهم، وقال الشافعية: لا يقتل بل يعزر، واستدلوا على ذلك بحديث عائشة ﵂ وأرضاها أنها كانت لها جارية سحرتها فلم تقتلها، وباعتها، فـ عائشة ﵂ وأرضاها الفقيهة أم المؤمنين لم تقتل الساحرة، وهذا دليل على أن الساحر الذي يأتي بسحر التخييل -وإن كان فيه بعض الإيذاء للناس- لا يقتل.
والصحيح الراجح في ذلك قول الجمهور: أنه يقتل، لكن ضابط المسألة: أن الذي يأتي بالسحر الذي هو كفري فإنه يقتل ردة لا حداً؛ لأنه كافر خارج من الملة، فيخلد في نار جهنم، وأما الساحر الذي يأتي بالسحر الآخر فهذا حده أيضاً الضرب بالسيف؛ للعمومات التي سأذكرها، فيضرب بالسيف حداً لا ردة.
والفرق بين الحد والردة أن الذي يقتل حداً ما زال مسلماً، فهذا الحد يطهره، ولا يسأل عن فعله ذلك يوم القيامة، وأما الردة فصاحبها خالد مخلد في نار جهنم، والأدلة على ذلك كثيرة منها: أولاً: حديث جندب ﵁ وأرضاه أنه قال: حد الساحر ضربة بالسيف، وقد رواها جندب قولاً ثم فعلها فعلاً، فقد جلس أحد الأمراء وهو الوليد وبين يديه رجل ساحر يستخدم الجن، والناس ينظرون، فيقطع الساحر رقبته فتتدحرج على الأرض، فيأخذها ثم يردها مكانها مرة ثانية، ويضحك الوليد ويضحك الناس أمامه، فجاء جندب ﵁ وأرضاه الفقيه الصحابي الجليل من بعيد فرأى الرأس تتدحرج ثم ترجع مكانها، فعلم أن هذا من فعل الشياطين ومن سحر الجان، فاستل سيفه فذهب إلى الساحر فأطاح برأسه وقال له: أعد رأسك الآن، فغضب الوليد من فعله فحبسه، فلما ذكر هذا أمام سلمان ﵁ وأرضاه قال سلمان ﵁ وأرضاه: أخطأ الوليد؛ لأنه لا يصح له أن يحبس الصحابي، فكل التابعين في ميزان هذا الصحابي، وما وصل الدين إلا عن طريق هؤلاء الصحابة، ثم الوليد أخطأ عندما جعل الساحر يلبس على الناس بسحره.
قال: وأخطأ جندب لأنه افتأت على ولي الأمر، إذ إن إقامة الحدود لا تكون إلا لولي الأمر والوكيل عنه، فلما فعل ذلك جندب من غير استئذان ولي الأمر كان هذا خطأ منه، ولكن لا يمكن أن يحبس هذا الصحابي ولا أن يعزر، بل ينصح في ذلك.
فهذا دليل قوي جداً على ضرب الساحر دون استفتاء، وأقر سلمان ذلك.
ثانياً: جاء في مسلم عن عمر بن الخطاب ﵁ وأرضاه قال: اقتلوا كل ساحر وساحرة، وسنده صحيح، فقاموا وقتلوا ثلاث سواحر.
ثالثاً: عن حفصة ﵂ وأرضاها أنها كانت لها جارية سحرتها، فأمرت بقتلها فقتلت، وهذا دليل ثالث يدل على أن الساحر يقتل، وهذا بعمومه يدخل فيه النوع الأول والنوع الثاني.
الدليل الرابع: استنباطاً ونظراً، قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [المائدة:٣٣] إلى آخر الآية، والذي يستخدم السحر ويستخدم الشياطين، أو الذي يؤذي الناس بسحره، فهذا من المفسدين في الأرض، فيدخل تحت عموم الآية: ﴿يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا﴾ [المائدة:٣٣] إلى آخر الآية؛ لأنه سعى في الأرض فساداً.
وهذه الأدلة الأربعة تدل دلالة واضحة على أن حد الساحر القتل.
واستدل الشافعي على قوله بأن عائشة ﵂ سحرتها امرأة فلم تقتلها بل باعتها.
فنقول: إن الحجة في قول النبي ﷺ وفعله لا في قول الصحابي وفعله؛ فقول الصحابي وفعله حجة إذا لم يخالفه أحد من الصحابة فكيف إذا خالفت عائشة النبي ﷺ ؟ فالحجة في قول النبي ﷺ وفعله، وإن لم يأت حديث النبي ﷺ فإن عائشة قد خالفها بعض الصحابة كـ حفصة وعمر وجندب ﵃ وأرضاهم، وإذا اختلف الصحابة فلا حجة في قول أحدهم على الآخر، فالصحيح أن حد الساحر ضربة بالسيف، فيقتل إن كان السحر من النوع الثاني حداً، وإن كان من النوع الأول فإنه يقتل ردة.
стр. 615
حكم الساحرة
هل تقتل المرأة الساحرة أو لا؟ اختلف العلماء فيها على قولين: فالجمهور على أنها تقتل، والأحناف على أنها لا تقتل، فأما الأحناف فاستدلوا بالأحاديث التي فيها نهي النبي ﷺ عن قتل النساء، إذ إن النبي ﷺ في بعض الحروب مر على امرأة قتلت فقال: (ما كانت هذه لتقاتل!)، فنهى عن قتل النساء ونهى عن قتل الأطفال، وهذا عام في الساحرة وفي غيرها، فإذا كان هذا وهي كافرة خارجة عن الملة، فما بالكم إن كان عندها أصل الإسلام، فلا تقتل من باب أولى، والجمهور على أنها تقتل وهذا الراجح الصحيح؛ لعمومات الأدلة.
وأما نهي النبي ﷺ عن قتلها فهو لعلة، وهي المبينة في قول النبي ﷺ : (ما كانت هذه لتقاتل).
والثاني: هذه مسألة خاصة بالسحر؛ لأن السحر أضر بكثير من النساء، ويعضد ذلك قوله: (ما كانت هذه لتقاتل) يعني: لو قاتلت ستضر بالمسلمين فتقتل، فمن باب أولى إذا أضرتهم بالسحر فتقتل.
стр. 616
حكم الساحر الذمي
المسألة الأخيرة: هل يقام الحد على الساحر الذمي؟ صورتها أن يأتي رجل من أمريكا أو من بلاد الأدغال إلى بلادنا مثلاً بتأشيرة أعطاه إياها ولي الأمر، فهذا دخل بأمان، فإن كان ساحراً فسحر الناس هل هذا يقام عليه الحد أو لا؟ الجمهور على أن الذمي لا يقام عليه الحد، واستدلوا على ذلك بحديث طويل في الصحيحين وفيه: (أن لبيد بن الأعصم سحر النبي ﷺ فلم يقتله رسول الله ﷺ ، وهو من اليهود من أهل الذمة، وهذا فيه دلالة واضحة على أنه لا يقتل.
وقالت الأحناف: بل يقتل، والراجح في الأثر والنظر مع الأحناف أنه يقتل؛ إذ إننا لو نظرنا إلى الكافر على الإطلاق لوجدناه على نوعين: الأول: كافر حربي وهذا يقتل ويهدر دمه أصالة من غير أن يسحر أحداً.
الثاني: كافر ذمي لنا معه عهد وأمان وذمة، فعليه دفع الجزية، فنأخذ منه الجزية، وإذا أضر بالمسلمين فقد نقض العهد؛ لأن شرط أخذ الجزية عليهم أنهم لا يضرون بالمسلمين، فإذا آذوا المسلمين فقد خالفوا عقد الذمة بيننا وبينهم، وينتقض عهد الذمة، فيقتل ساحرهم، ويرجع إلى أصله من كونه حربياً، فيقتل لأنه حربي أو لأنه ساحر، وهذا الراجح الصحيح.
وأما الرد على حديث لبيد فنقول: لدينا قاعدة قعدها النبي ﷺ وطبقها ليعلمها الناس قولاً وفعلاً، فأما قولاً: فقد قال النبي ﷺ لـ عائشة -كما في الصحيحين-: (لولا أن قومك حديثو عهد بالكفر -أو بالجاهلية- لهدمت الكعبة)؛ لأنها لم تقم على قواعد إبراهيم، (ولبنيتها على قواعد إبراهيم، ولجعلت لها باباً يدخل منه الناس وباباً يخرج منه الناس)، فقريش جعلت الباب عالياً من أجل أن يدخل الشرفاء فقط، ولو دخل غيرهم دفعوه فلا يدخل، وحتى الآن لا يدخلها أي أحد، فكان النبي ﷺ يتمنى أن يجعلها على قواعد إبراهيم، ويجعل لها بابين: باباً يدخل منه كل الناس، وباباً يخرج منه الناس، والذي منع النبي ﷺ من ذلك أنه قال: (لولا أن قومك حديثو عهد بكفر)، فقعد قاعدة مهمة جداً وهي: أن درء المفاسد أولى من جلب المصالح، فالمصلحة أن يبني الكعبة كما بناها إبراهيم ﵇، لكن المفسدة أعظم وهي أن قريشاً لم يسلموا إلا حديثاً فقد يقولون: لماذا يهدم الكعبة التي عظمناها وشرفناها وعظمها الله، فقد يؤدي بهم ذلك على الكفر والردة، فالنبي ﷺ درء هذه المفسدة لجلب المصلحة الكبرى وهي: أن يبقوا على الإسلام.
وأيضاً النبي ﷺ سبه عبد الله بن أبي بن سلول، وسبه كثير من المنافقين فلم يقتلهم النبي ﷺ ، وقد استأذن عمر بن الخطاب وخالد بن الوليد النبي ﷺ في ضرب أعناق هؤلاء، ففي الصحيحين عن أبي سعيد الخدري ﵁ وأرضاه قال: (بينما نحن عند رسول الله ﷺ إذ قسم قسماً، فأتاه ذو الخويصرة -رجل من بني تميم- فقال: يا رسول الله! اعدل!)، وفي رواية أخرى قال: (هذه القسمة ما أريد بها وجه الله)، (فقال النبي ﷺ : ويلك! ومن يعدل إذ لم أعدل أنا؟! فقام عمر فقال: يا رسول الله! ائذن لي أن أضرب عنقه، فقال الرسول ﷺ : دعه فإن له أصحاباً يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم وصيامه مع صيامهم، يقرءون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الدين -يعني: يخرجون- كما يمرق السهم من الرمية)، فانظروا الفارق بين العلم والجهل، والعالم والجاهل، فالرجل يتعبد ليلاً ونهاراً: صياماً وقياماً ولا يزن عند الله بعوضة، فالشاهد من الحديث أن عمر قال: (ائذن لي أضرب عنقه)، فأبى النبي ﷺ ذلك، وفي رواية قال: (لا يتحدث الناس أن محمداً يقتل أصحابه)، فدرأ هذه المفسدة لجلب مصلحة أكبر؛ حتى يثبت الناس على الإسلام ولا يتحدث أحد أن محمداً ﷺ يقتل أصحابه.
فالإجابة عن هذا الحديث أن النبي ﷺ لم يقتل لبيد بن الأعصم حتى لا يؤلب عليه اليهود؛ إذ إن العرب قد رمته عن قوس واحدة، فكل العرب قاطبة اتفقوا عليه، ولما قالت عائشة: (ألا تنتصر؟ قال: لا أنتصر؛ قد شفاني الله جل وعلا)، فهذا هو الجواب عن هذا الحديث.
فالقاعدة إذاً: درء المفسدة مقدم على جلب المصلحة، وأما الآن: لو وجدنا ساحراً يسحر الناس ويؤذيهم ويستعمل الشياطين، فلا بد من رفع أمره إلى ولي الأمر حتى يقيم عليه الحد، أو يحبسه كما يرى إن كان المسألة فيها تعزير دون الحد.
وهذا ختام لباب السحر، ويبقى لنا جزء واحد في باب السحر وهو: سحر النبي ﷺ ، وقول المعتزلة الذين ردوا الحديث الذي في الصحيحين، فهل سحر النبي ﷺ أم لم يسحر؟ وهل أثر ذلك على نبوته ورسالته أم لم يؤثر؟ فسنرد على المتنطعين الذين ردوا الحديث الذي في البخاري ومسلم، ثم نثني بالكلام عن الجن واللبس والصرع، وكيفية علاج ذلك، ثم بعدها ندخل في الكلام عن الصحابة.
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.
стр. 617
أسئلة
стр. 618
حكم استتابة من أتى بالسحر على سبيل التدليس
السؤال
هل يستتاب الذي يأتي بالسحر على سبيل التدليس والتلبيس أم لا يستتاب؟
الجواب
يستتاب في النوعين على الراجح، والجمهور على أنه لا يستتاب بل تضرب عنقه، ويستدلون على ذلك بقصة المرأة التي ارتدت، أو الرجل الذي ارتد، وبحديث النبي ﷺ : (من بدل دينه فاقتلوه)، الفاء للتعقيب، والصحيح الراجح أنه يستتاب؛ إذ الشرع متشوف لإسلام الكافر فما بالكم بالذي أسلم وتذوق حلاوة الإيمان أولاً؟ فالصحيح الراجح أنه يستتاب، فإن لم يتب تضرب عنقه.
стр. 619
حال قصة المرأة التي ذهبت إلى بابل لتعلم السحر
السؤال
ما حال إسناد قصة المرأة التي ذهبت إلى بابل لتعلم السحر؟
الجواب
القصة رواها اللالكائي بسند صحيح، وفي ابن جرير الطبري أيضاً بسند صحيح إلى عائشة لكن هشام بن عروة لم يصرح بالتحديث عن عائشة، وهشام بن عروة اتهمه بعض العلماء بالتدليس لكن الكلام هنا هل تدليسه يحتمل في هذه الرواية أو لا يحتمل؟ عندنا بعض الروايات التي عضدت هذا الأمر، وهي مذكورة عند تفسير قول الله تعالى: ﴿وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ﴾ [البقرة:١٠٢].
ففي قصة المرأة أنها كفرت، وابن عباس قال ذلك في تفسير هذه الآية: ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ﴾ [البقرة:١٠٢]، قال ابن عباس: بتعليم السحر، فالمرأة التي ذهبت إلى بابل كفرت بتعلمها السحر.
стр. 620
حكم التبرك بالأولياء
السؤال
ما حكم التبرك بالأولياء؟
الجواب
التبرك بالولي فيه تفصيل، وهو: أنه يجوز التبرك بدعائه لا بذاته، فلا يجوز أن أجلس يجانب الولي كي أحتك بجسده وأتبرك به، أو آتي به إلى بيتي فأطعمه ظناً مني أن البيت سيمتلئ بركة، لكن التبرك بالولي إنما يكون بدعائه فقط، ولذلك بينا أن التوسل على ثلاثة أنواع ومنها هذا، وأما ذات الولي فلا يتبرك بها حياً ولا ميتاً.
ويمكن للناس أن يعرفوا الولي بصلاحه، فقد جاء في البخاري ومسلم: (مرت جنازة بالنبي ﷺ فأثنوا عليها خيراً -أي: أنه من الصالحين- فقال النبي ﷺ : وجبت، ثم مرت جنازة أخرى فأثنوا عليها شراً، فقال النبي ﷺ : وجبت، فقال عمر: يا رسول الله! مرت جنازة فقلت: وجبت، ومرت الثانية فقلت: وجبت! قال: أما الأولى فقد أثنيتم عليها خيراً فوجبت لها الجنة، وأما الثانية فأثنيتم عليها شراً فوجبت لها النار، أنتم شهداء الله في الأرض).
وطلب الدعاء لا يكون من كل أحد، وإنما يكون من الصالحين، فأنت إذا حسبت رجلاً من الصالحين ورأيته يتقي الله ويتورع ولا يتكلم إلا بقول الله وقول الرسول، ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، فهذا يمكن أن تقول له: ادع الله لي.
فيمكن أن تتوسم الصلاح في أحد وتحكم على ظاهره فقط، أما الباطن فأمره إلى الله تعالى.
стр. 621
حكم الهجرة من البلدة التي لا تحكم بشرع الله تعالى
السؤال
ما حكم الهجرة من البلاد التي لا تحكم بالشريعة الإسلامية؟
الجواب
هذا فيه تفصيل، فإذا كانت هذه البلد يعلوها الكفر لا الإسلام فهي دار كفر، ولا يجوز للمسلم أن يجلس فيها، بل عليه أن يهاجر وجوباً؛ لأن النبي ﷺ قال: (أنا بريء ممن جلس بين أظهر المشركين)، وقال النبي ﷺ : (برئت الذمة ممن أقام بين أظهر المشركين)، فلا يجوز له الجلوس هناك إلا إذا كان يدعو إلى الله جل وعلا وينتشل الكافرين إلى الإسلام، فإن كان يفعل ذلك ويمكن له أن يعلو بدينه فله ذلك، فإن لم يفعل وجبت عليه الهجرة، فإن كان ببلده وقد طغى وهجم عليها الكفار، فهذا يجب عليه الجهاد ليطرد هؤلاء من بلده، وإذا استطاع أن يقيم الحد على الذين تعدوا حدود الله جل وعلا فليقم؛ لأنه هو الحاكم الصحيح لهذه البلدة.
стр. 622
النظريات العلمية تقبل إذا أيدت ما أثبته الشرع وترده إذا ناقضته
السؤال
ما دام أن النظريات العلمية ليست دليلاً على ما أثبته الشرع فهل نردها مطلقاً؟
الجواب
أقول الإعجاز العلمي موجود، لكن الخطأ في الذين يفسرون القرآن بالإعجاز العلمي ويأتون لبعض النصوص فيلوون عنقها من أجل أن توافق نظرية علمية معينة، وهذا خطأ منهم، قال شيخ الإسلام تفسير القرآن له قواعد، وهي: تفسير القرآن بالقرآن، وهو أولى التفاسير وأصدقها وأصحها، ثم تفسير القرآن بالسنة، ثم تفسير القرآن بأقوال الصحابة، ثم تفسير القرآن باللغة.
وما بعد ذلك فخذ منه ودع، وطبعاً التفسير باللغة مع أنه يأتي في المرتبة الأخيرة إلا أنه يشترط فيه ألا يكون إلا من عالم لغة فصيح قوي العارضة، لكن أن نأتي إلى النصوص فنلوي أعناقها من أجل أن نقول: هذا إعجاز علمي، فهذا لا يصح.
فمثلاً أثبت العلماء بنظرياتهم العلمية أن الأرض كروية وبعد ذلك جاءت نظرية تثبت أنها بيضاوية فقالوا: عندنا في القرآن دليل على أنها بيضاوية، وهو قوله تعالى: ﴿وَالأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا﴾ [النازعات:٣٠].
وممن طوع القرآن على حسب الاكتشافات العلمية محمد عبده ﵀ وغفر زلاته، فجاء إلى قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ * أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ * وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ﴾ [الفيل:١ - ٣] قال: ليس هناك طير أبابيل، إنما المقصود به: الجدري! ويفسر القرآن بهذه الطريقة من أجل أن تستوعبه عقول الناس، فلا يجوز أن نراعي عقول الناس ونطوع الآيات من أجل هذا الإعجاز، لكن الصواب أن ننظر في هذه النظريات فإن وافقت الشرع قبلناها، وإلا رددناها غير مأسوف عليها.
سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، أستغفرك اللهم وأتوب إليك.
стр. 623
شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة - الرد على أهل البدع في مسائل السحر
ثبت بالأدلة الصحيحة الصريحة وقوع السحر للكثير من الناس، بل إن النبي ﷺ سحر، وتعاطى الأسباب لإبطال أثر هذا السحر مشرعاً لأمته من بعده، ومبيناً الوسائل المطلوبة والأسباب الشرعية التي يلزم اتباعها من أجل التداوي من السحر وآثاره.
стр. 624
إثبات أن النبي ﷺ سُحِر
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
ثم أما بعد: فما زلنا مع هذا الكتاب العظيم شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة، وتوقفنا فيه عند الكلام على السحر، وفرقنا بين السحر وبين المعجزة وبين الكرامة، وأثبتنا أن السحر نوعان، وبينا هذين النوعين.
ونتكلم اليوم عن مسألة مهمة قد أنكرها كثير من أهل البدع، وردوا الأحاديث الصحيحة فيها، وهي مسألة أن النبي ﷺ ، سُحِر، فهل معهم حجة في ذلك أم لا؟ أقول: قد سُحر النبي ﷺ ، وهذه دلالة على بشرية النبي ﷺ ، وقد أثبت الله أن للسحر تأثيراً، وأن هذا التأثير لا يكون إلا بإذن الله جل وعلا، قال الله تعالى: ﴿وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [البقرة:١٠٢]، فأفاد هذا النص الكريم أن السحر يضر، وأن السحر يؤثر، وقد بينا أن السحر يؤثر في الظاهر وفي الجوارح، فيمكن أن يؤثر على القلوب بالهم والغم ويؤثر على العقول، لكن مع ذلك فإنه لا يقلب الحقائق.
وقد ثبت خبر سحر رسول الله ﷺ في البخاري ومسلم عن عائشة ﵂ وأرضاها قالت: (سحر النبي ﷺ حتى كان يخيل إليه أنه يأتي أهله وما يأتي أهله.
وفي رواية: أن الرسول ﷺ قال: (استفتيت ربي فأفتاني، وجاءه ملكان ملك عند رأسه وملك عند رجله فقال أحدهما: ما بال الرجل؟ قال الآخر: مطبوب، قال: من طبه؟ -يعني: من سحره؟ - قال: لبيد بن الأعصم) ثم استخرج السحر من المكان الذي وضع فيه وشفي النبي ﷺ .
ولم ينتصر النبي ﷺ لنفسه من لبيد لحكمة بيناها فيما مضى.
والمقصود: أنه قد ثبت أن النبي ﷺ سحر، وثبت أنه كان يخيل إليه أنه يأتي أهله وما يأتيهم، وقد ثبت هذا بالنص الصريح، والشرع من الله جل وعلا والوحي قال تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم:٣ - ٤].
стр. 625
الحكمة من وقوع السحر في النبي ﵊
والله لا يصنع شيئاً إلا وله حكم بليغة في هذا الصنيع، والله حكيم عليم، ومن دقق النظر في خبر سحر النبي ﷺ ظهرت له وحكم بليغة جداً منها:
стр. 626
ما وقع من سحر النبي ﷺ دليل على بشريته
أولاً: الرد القاطع على أهل التصوف الغالين في رسول الله ﷺ ، حيث يثبت الله جل وعلا للناس أن النبي ﷺ ما هو إلا بشر مثلكم، ومن جلدتكم، ومن بني آدم، يتأثر بما تتأثرون به، ويأكل ويشرب ويمشي في الأسواق، ويأتي أهله، ويمرض، بل إنه يسحر كما تسحرون، وهذا رد قاطع على المتصوفة الذين يقولون: إن النبي ﷺ فوق طبقة البشر، وإنما خلق من نور ولم يخلق من ماء وطين! فمن رحمة الله للعالمين أنه أرسل إليهم رسولاً منهم يدعوهم إلى الله جل وعلا.
فأول هذه الحكم تقطع الغلو في الرسول ﷺ ، وقد قال الرسول ﷺ -ليحسم مادة الشرك وليحافظ على التوحيد-: (لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، إنما أنا عبد فقولوا: عبد الله ورسوله)، إذ إن الذين غلوا في عيسى ما قالوا: إنه خلق من ماء وطين، بل قالوا: هو مشتق من الأقانيم الثلاثة، التي هي نور من الله جل وعلا، ونسبوا عيسى لله جل وعلا.
وأهل التصوف شابهوا فعلهم هذا فقالوا: محمد لم يخلق من ماء وطين بل خلق من نور، ثم ارتقوا بعد ذلك إلى أن وسموه بالربوبية والإلهية، كما قال البوصيري في البردة: وإن من جودك الدنيا وضرتها ومن علومك علم اللوح والقلم فما ترك لله شيئاً، فالدنيا والآخرة من وجود النبي ﷺ ، وعلم اللوح والقلم من علم النبي ﷺ ، فأين الله؟! ولذلك تعقب ابن رجب صاحب البردة فقال: هذا الرجل جن في عقله، فما ترك لله جل وعلا شيئاً، وإنما جعل كل شيء للنبي ﷺ .
فمن الحكم البليغة فيه إظهار بشرية النبي ﷺ ، وأن رسول الله ﷺ يتأثر كما يتأثر البشر، ويمرض كما يمرض البشر، وفي الصحيحين عن ابن مسعود ﵁ قال: (دخلت على النبي ﷺ وكان مريضاً يتألم ويتوجع، فقلت: يا رسول الله! إني أراك توعك وعكاً شديداً، فقال: نعم.
إني أوعك مثلما يوعك الرجلان منكم، قلت: ذلك أن لك أجرين؟ قال: نعم).
والشاهد في هذا الحديث: أن النبي ﷺ يوعك كما يوعك البشر، بل إنه ﷺ كسرت رباعيته في أحد وكاد يقتل صلوات ربي وسلامه عليه لولا أن الله جل وعلا أنزل في كتابه أمراً مقضياً: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة:٦٧].
فالله جل وعلا مكّن ليهودي كافر حاقد حاسد من إيذاء النبي ﷺ لبشريته ﷺ .
стр. 627
ما وقع من سحر النبي ﷺ فيه تشريع للبشر من بعده
ثانياً: في خبر سحر النبي ﷺ تشريع للبشر، فالنبي ﷺ بعدما شفي من السحر قال: (استفتيت ربي فأفتاني فجاء الملكان) أي: بعدما أخرج السحر الذي عمل لرسول الله ﷺ من البئر شفاه الله، لكنه لم يقتل لبيداً مع أن حد الساحر أن يضرب بالسيف، ويقتل إما ردة وإما حداً على التفصيل السابق، فلم يفعل رسول الله ذلك تشريعاً للأمة، وليبين أن المسألة وإن كان فيها أمر وإن كان فيها شرع، فالمرء يمكن أن يمتنع عن تطبيقه لعلة ولحكمة أبلغ.
فالنبي ﷺ لم يقتل لبيداً حتى لا تتألب عليه الأمم، وحتى لا يقول اليهود: إن محمداً يقتل الناس بغير حق ولا إثبات، فالنبي ﷺ لم يقتل لبيداً لهذا المقصد العظيم.
وقد ثبت أن عمر بن الخطاب ﵁ عطل بعض الحدود لعلل وحكم مقاصد، ففي عام الرمادة كان الناس يقتتلون على الطعام ولا طعام لهم ويمكن أن يسرق بعضهم من بيت مال المسلمين نفسه؛ ومع هذا لم تقم الحدود؛ لأن هذه شبه تدرأ بها الحدود.
стр. 628
ما وقع من سحر النبي ﷺ فيه بلاء واختبار لصدق أهل الإيمان
ثالثاً: في سحر النبي ﷺ بلاء واختبار وتمحيص لإظهار أهل الدين، هل يصدقون ربهم أم لا؟ وقلوبهم هل استقر فيها الإيمان بحق أم لا؟ إذ إن الله جل وعلا يختبر القلوب، وقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ [التوبة:١١٩]، والله جل وعلا ليختبر صدق المرء ينزل عليه البلايا والفتن تترى: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا﴾ [النساء:١٢٢].
إن مما يتلى على الناس ليل نهار، قول الله تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم:٣ - ٤]، فعندما يسحر النبي ﷺ تفتتن القلوب كما حدث للأغرار الأغمار من المعتزلة وأهل البدعة والذين ينفخون في أبواق المعتزلة في هذه العصور، يفتتنون بذلك ويقول قائلهم: رسول معصوم كيف يسحر؟ فنجيبهم: هو عبد لله جل وعلا ويسحر، فيفتن الله جل وعلا الناس ليغربلهم.
ولذلك قال الله تعالى: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾ [الأنبياء:٣٥] فهو فتنة، ﴿لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ [الأنفال:٣٧]، فيرتقي الطيب عنده وينزل الخبيث في صفوف المنافقين في الدرك الأسفل من النار.
فالثابت عن النبي ﷺ أنه سحر، وهذه بعض الحكم التي أدركناها.
وما خفي كان أعظم وأعظم وأعظم، إذ إن حكم الله لا يكون لها عد، ولكل شيء فعله الله حكمة بليغة، لكن يوصل الله لها من يشاء من عباده.
стр. 629
إنكار أهل الأهواء والبدع لحادثة سحر النبي ﷺ والرد عليهم
فهذا الحدث الثابت ثبوت الجبال الرواسي في البخاري ومسلم أصح الكتب بعد كتاب الله أنكره بعض المبتدعة، شرذمة من أهل الأهواء يأتون إلى شرع الله فيختبرونه بعقولهم العطبة، ويأتون إلى أحاديث النبي ﷺ فيمررونها على العقول، فإن قبلتها عقولهم أخذوا بها، وإلا نحوها جانباً، فهم يقدمون العقل على النقل، فالمعتزلة وأذيال المعتزلة في وقتنا الحاضر من أهل الإسلام المستنير يأتون في الفضائيات وغير الفضائيات ويقولون: كيف يسحر النبي ﷺ وهو معصوم؟ وإثبات هذه الحادثة إنما هو قدح في نبوته وفي رسالته وفي تبليغه، وهذه العلة التي يتمسكون بها أوهى من بيت العنكبوت، قالوا: إذا أثبتنا هذا الحدث العظيم، وهو أن النبي ﷺ سحر فإنه يكون غير معصوم، وإن كان ليس بمعصوم إذاً لم يبلغ تمام البلاغ، وهذا قدح في النبوة، نعوذ بالله من ذلك.
وكثير من المتكلمين في هذه العصور يردون على البخاري ومسلم روايتهما في إثبات حادثة سحر النبي ﷺ بزعم أن هذا قدح في النبوة، وقدح في التبليغ والعصمة.
стр. 630
إنكار وقوع السحر للنبي نفي لما أثبته الله جل وعلا
ونرد على المنكرين لحادثة سحر النبي ﵊ من جوه: الوجه الأول: نقول لهم: لم تنفون ما أثبته الله؟ ونحن متعبدون ومربوبون لله، فما أثبته الله فهو ثابت، وما أثبته رسوله فهو ثابت، لا يغيره شيء بحال من الأحوال.
وقد ثبت بالدليل الصريح الصحيح وبالشرع الذي يقبله العقل، وهو من النقل الصحيح: أن النبي ﷺ سحر، فإذا ثبت ذلك فليس لكم أن تنفوا ما أثبته الله جل وعلا، وإلا كان لازم هذا الفعل أن تقعوا تحت طائلة الآية: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا﴾ [النساء:١٢٢] ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا﴾ [النساء:٨٧].
فأنتم تخالفون مفهوم هذه الآية وقوة هذه الآية، إذ إن الله جل وعلا قد أثبت شيئاً فيلزمكم أن تصدقوه، فتثبتون ما أثبته الله جل وعلا، فأول واجب على المسلم أن يتمسك بالشرع، فالشرع قاصم لظهر أي مبتدع، ولذلك أنا أنصح أي طالب علم إذا جاء مبتدع ليجادله فلا ينبس ببنت شفة إلا بقال الله وقال الرسول فيحار في أمره، ولا يستطيع أن يواجه هذه الأدلة، فضوء الشرع ساطع يحرق كل مبتدع.
فالله جل وعلا أثبت أن للسحر تأثيراً، حيث قال جل وعلا: ﴿وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [البقرة:١٠٢]، ومفهوم هذه الآية ومعناها: أن السحر له تأثير بإذن الله جل وعلا، وقد أذن الله أن يتأثر رسوله ﷺ لحكم بليغة سبق الكلام في بعض منها.
كما أن هذا النص الصريح الصحيح لا مدخل للطعن في إسناده فأسانيده كالشمس وقد اتفق عليها البخاري ومسلم، فأثبتت الأحاديث الصحيحة أن النبي ﷺ قد سحر وقد تأثر بالسحر ﷺ ، وهذا شيء أثبته الله وأثبته رسوله ﷺ فوجب عليكم إذا أقررتم أنكم من عباد الله أن تسلموا لأمر الله بأن تثبتوا ما أثبته الله ورسوله، وليس لكم سبيل للخروج من هذا.
стр. 631
وقوع السحر للنبي لا ينفي عصمته في الأمور الدينية
الوجه الثاني: أن نقول: العصمة عصمتان: عصمة في التبليغ، وعصمة في الأمور الدنيوية -يعني: عصمة أخروية وعصمة دنيوية- والعصمة الأخروية أو العصمة الدينية هي المقصودة بقول الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة:٦٧]، وليست العصمة الدنيوية، فالنبي ﷺ ضرب وكسرت رباعيته، وكاد يقتل في أحد، والنبي ﷺ وقع عن بعيره ودحست وركه، والنبي ﷺ مرض، فإذا قلت بأن ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة:٦٧] المقصود بها العصمة الدنيوية فإنك تكون قد كذبت بالآية، والصحيح أنك تقر بهذه الآية: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة:٦٧]، وأن الله جل وعلا يعصمه في التبليغ، وقد ثبت في الحديث: (أن أعرابياً قام على رأس النبي ﷺ والسيف في يده صلتاً وهو يقول: من يعصمك مني؟ قال: الله، فوقع السيف من يد الرجل، فأخذ النبي ﷺ السيف وقال: من يعصمك مني؟ قال: كن خير آخذ) ﷺ ، فالله قال لنبيه: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة:٦٧]، فهذا الرجل لن يقتلك؛ لأن لك وقتاً ستبلغ فيه البلاغ التام حتى يتم هذا الدين.
فقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة:٦٧] مفاده العصمة في مسألة التبليغ، أما الأمور الدنيوية فإن الله يبتلي بها نبيه ﷺ ، ولا غرو أن نقول: إن النبي ﷺ اشتد عليه المرض، حتى إن بعض العلماء قال: إن النبي ﷺ مات بتأثير السم الذي كان في كتف الشاة التي أهدته المرأة اليهودية، فلما نهش منها نهشة أخبرته أنها مسمومة، وكان أنس يقول: (ما زلت أرى ذلك في لهاة النبي ﷺ ، ومات متأثراً بالسم، (وكان ﷺ عند موته يضع يده في الماء، ويضعه على رأسه ويقول: لا إله إلا الله إن للموت لسكرات).
فيكون المقصود بقوله: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة:٦٧]، العصمة الأخروية وإن كانت عصمة دنيوية فإنما هي من أجل التبليغ، وأدلة ذلك متوافرة متضافرة كثيرة جداً لا تحصر في كتاب الله، قال الله تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم:٣ - ٤]، وقال جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ [المائدة:٦٧]، وقال جل وعلا: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة:٦٧].
وفي الصحيحين عن عائشة ﵂ وأرضاها قالت: ثلاثة من حدث بهن فقد كذب، وفي رواية: فقد أعظم على الله الفرية، من قال: إن محمداً قد رأى ربه فقد أعظم على الله الفرية، أو فقد كذب، ثم استدلت الأدلة التي تكلمنا عنها قبل ذلك، وقالت في الثانية وهو محل الشاهد: ومن قال لكم: إنه لم يبلغ، فقد أعظم على الله الفرية أو فقد كذب؛ لأن رسول الله ﷺ أمر بالبلاغ، وقد بلغ ﷺ تمام البلاغ، وقال في حجة الوداع: (ألا هل بلغت؟ فقالوا: نعم.
قال: اللهم فاشهد، اللهم فاشهد).
فالعصمة عصمتان: عصمة من أجل التبليغ، وعصمة دنيوية، وهذه غير مطلوبة، والنبي ﷺ يقع عليه ما يقع على البشر، والعصمة الأخروية للتبليغ لا بد أن تكون للنبي ﷺ ؛ لأن الله قضاها: ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا﴾ [الأحزاب:٣٨] ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا﴾ [النساء:٤٧].
وثبت عن النبي ﷺ أنه قال: (إنما أنا بشر أنسى كما تنسون)، فيقع عليه أمر النسيان، لكن فيما سوى التبليغ، إذاً: هو بشر يعتريه ما يعتري البشر من النسيان إلا في التبليغ، والدليل على ذلكم قوله تعالى: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنسَى﴾ [الأعلى:٦].
فالعصمة هي للبلاغ والتبليغ.
стр. 632
تأثير السحر في العلاقة الزوجية للنبي ﷺ
الوجه الثالث: استدلوا بقول عائشة: (وكان يأتي أهله وما يأتي أهله)، فقالوا: في هذا الدليل أن الرسول ﷺ يأتي أهله وما يأتي أهله.
فنقول لهم: الرد على هذه الشبهة من وجهين: الوجه الأول: تفسير: (كان يأتي أهله وما يأتي أهله)، فيه إثبات وفيه نفي، ومعناه: أن الرسول ﷺ كان يهم ويعزم ويشتهي أهله فيذهب ليجامع أهله فيربط عن ذلك وتخور العزائم وتفتر الهمم عن الجماع.
وهذا واقع مشاهد عند كثير من الناس فإنهم إذا أرادوا الجماع يربطون عن أهليهم.
الوجه الثاني: أن هذا من باب التخيل، وهو ما نسميه في الوقت الحاضر بأحلام اليقظة، حيث يجلس المرء يفكر في شيء فيسرح مع هذا الشيء وهو لم يكن قد وقع، والنبي ﷺ يحصل له مثل هذا فهو لم يجامع أهله واقعاً، لكن يتخيل ذلك من أثر السحر، وهذا رد عليهم على هذه الشبهة.
والصحيح الراجح كما بينا: أن النبي ﷺ قد سحر، وهذا السحر وقع عليه، والله جل وعلا له في ذلك حكم.
أما بالنسبة لحديث عائشة: (كان يأتي أهله وما يأتي أهله)، معناه: إذا أراد أن يأتي فلا يأتي، ودليل ذلك من اللغة قال الله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [النحل:٩٨]، ومعناه: إذا أردت أن تقرأ القرآن.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.
стр. 633
شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة -حقيقة الجن وعلاقتهم بالإنس
ورد ذكر الجن في الآيات والأحاديث، فيجب الإيمان بوجودهم، وبما ذكر من صفاتهم، وهم مكلفون كالإنس، وسيجازون بأعمالهم يوم القيامة.
стр. 634
حقيقة الجن وعلاقتهم بالإنس
إن الحمد لله؛ نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
ثم أما بعد:
стр. 635
أصل خلقة الجن وأصنافهم
قال المصنف ﵀: [سياق ما روي عن النبي ﷺ في أن إبليس خلق من خلق الله].
انتقل المصنف إلى ما روي عن النبي ﷺ في إثبات أن إبليس خلق من خلق الله جل وعلا.
وقد سمي الجن بهذا الاسم لاجتنانهم -يعني: اختفائهم- ولأنهم أخفى ما يكون على الإنسان، قال الله تعالى: ﴿إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ﴾ [الأعراف:٢٧].
والجن خلق من خلق الله جل وعلا، خلقوا قبل بني البشر، وهذه المدة حددها بعض العلماء بعشرين سنة أو أكثر، وهذا لا دليل عليه، والصحيح الراجح: أنهم خلقوا قبل البشر مع جهلنا للمدة، ويستدل لذلك بقول الله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾ [البقرة:٣٠]، فهذا قياس من الملائكة، وهذه دلالة على أن للملائكة عقولاً؛ لأن هناك من الناس من ينكر أن يكون للملائكة عقول، فهم قاسوا على ما سبق، كما فسر ذلك ابن كثير، حيث قاسوا البشر على من سبقهم من الجن، فالجن هم الذين أفسدوا في الأرض من قبل فقاسوا عليهم، وأيضاً في بعض الروايات التي يذكرها ابن كثير: أن إبليس طاف بآدم ﵇ قبل أن ينفخ فيه الروح، فدخل من فيه وخرج من دبره، وقال: والله إنك لضعيف، لئن سلطت عليك لأهلكنك، ولئن سلطت أنت علي لأفتننك، فهذه دلالة على أنه مخلوق قبل أن يخلق آدم.
ومادة خلق الجن غير مادة خلق البشر، فقد خلقوا من مارج من نار، أي: من لهب مختلط بالسواد، قال الله تعالى: ﴿وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نَارِ السَّمُومِ﴾ [الحجر:٢٧]، وقال جل وعلا في سورة الرحمن: ﴿وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ﴾ [الرحمن:١٥]، قال بعض العلماء: هو اللهب المختلط بالسواد، وإبليس هذا هو سيد القائسين قياساً فاسداً عندما اعترض على ربه في السجود وقال: ﴿أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا﴾ [الإسراء:٦١]، ثم بين العلة وقال: ﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ [الأعراف:١٢].
فمادة خلق الجن من نار، وفي الصحيحين عن عائشة ﵂ وأرضاها قالت: قال رسول الله ﷺ : (خلقت الملائكة من النور، وخلق الجان من مارج من نار، وخلق آدم مما ذكر لكم)، فهذا تصريح من النبي ﷺ تصديقاً لكتاب الله: أن مادة خلق الجن من النار، ففيهم خفة، ولهم هيئات مختلفة، يعني: ليسوا كلهم سواء كبني البشر، ودل على ذلك حديث النبي ﷺ حيث قال: (الجن ثلاثة أصناف: فصنف يطيرون)، إذاً: لهم أجنحة يطيرون بها، فهذا صنف مختلف في الخلقة عن غيره، أو نقول: أصل الخلقة واحدة لكنهم يتهيئون أو يتكيفون بكيفيات مختلفة، قال: (وصنف حيات وكلاب)، وألحق شيخ الإسلام ابن تيمية بهذا القطط السوداء، قال النبي ﷺ : (الكلب الأسود شيطان)، وقال بعض الفضلاء: إن الجن يمكن أن يتمثل في صورة الكلب، وقال: معنى قول النبي ﷺ : (الكلب الأسود شيطان) يعني: شيطان الكلاب، فالكلاب لهم شياطين كما أن للإنس والجن شياطين، وهذا مرجوح كما سنبينه.
قال: (وصنف يرتحلون ويظعنون) يعني: الصنف الثالث من الجن، يرتحلون ويظعنون، يعني: هم رحالة دائماً، فهذه أصناف الجن.
إذاً: مادة خلقهم النار، وأصنافهم مختلفة.
следующие страницы →