Полный текст (838 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.
стр. 631
وقوع السحر للنبي لا ينفي عصمته في الأمور الدينية
الوجه الثاني: أن نقول: العصمة عصمتان: عصمة في التبليغ، وعصمة في الأمور الدنيوية -يعني: عصمة أخروية وعصمة دنيوية- والعصمة الأخروية أو العصمة الدينية هي المقصودة بقول الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة:٦٧]، وليست العصمة الدنيوية، فالنبي ﷺ ضرب وكسرت رباعيته، وكاد يقتل في أحد، والنبي ﷺ وقع عن بعيره ودحست وركه، والنبي ﷺ مرض، فإذا قلت بأن ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة:٦٧] المقصود بها العصمة الدنيوية فإنك تكون قد كذبت بالآية، والصحيح أنك تقر بهذه الآية: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة:٦٧]، وأن الله جل وعلا يعصمه في التبليغ، وقد ثبت في الحديث: (أن أعرابياً قام على رأس النبي ﷺ والسيف في يده صلتاً وهو يقول: من يعصمك مني؟ قال: الله، فوقع السيف من يد الرجل، فأخذ النبي ﷺ السيف وقال: من يعصمك مني؟ قال: كن خير آخذ) ﷺ ، فالله قال لنبيه: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة:٦٧]، فهذا الرجل لن يقتلك؛ لأن لك وقتاً ستبلغ فيه البلاغ التام حتى يتم هذا الدين.
فقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة:٦٧] مفاده العصمة في مسألة التبليغ، أما الأمور الدنيوية فإن الله يبتلي بها نبيه ﷺ ، ولا غرو أن نقول: إن النبي ﷺ اشتد عليه المرض، حتى إن بعض العلماء قال: إن النبي ﷺ مات بتأثير السم الذي كان في كتف الشاة التي أهدته المرأة اليهودية، فلما نهش منها نهشة أخبرته أنها مسمومة، وكان أنس يقول: (ما زلت أرى ذلك في لهاة النبي ﷺ ، ومات متأثراً بالسم، (وكان ﷺ عند موته يضع يده في الماء، ويضعه على رأسه ويقول: لا إله إلا الله إن للموت لسكرات).
فيكون المقصود بقوله: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة:٦٧]، العصمة الأخروية وإن كانت عصمة دنيوية فإنما هي من أجل التبليغ، وأدلة ذلك متوافرة متضافرة كثيرة جداً لا تحصر في كتاب الله، قال الله تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم:٣ - ٤]، وقال جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ [المائدة:٦٧]، وقال جل وعلا: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة:٦٧].
وفي الصحيحين عن عائشة ﵂ وأرضاها قالت: ثلاثة من حدث بهن فقد كذب، وفي رواية: فقد أعظم على الله الفرية، من قال: إن محمداً قد رأى ربه فقد أعظم على الله الفرية، أو فقد كذب، ثم استدلت الأدلة التي تكلمنا عنها قبل ذلك، وقالت في الثانية وهو محل الشاهد: ومن قال لكم: إنه لم يبلغ، فقد أعظم على الله الفرية أو فقد كذب؛ لأن رسول الله ﷺ أمر بالبلاغ، وقد بلغ ﷺ تمام البلاغ، وقال في حجة الوداع: (ألا هل بلغت؟ فقالوا: نعم.
قال: اللهم فاشهد، اللهم فاشهد).
فالعصمة عصمتان: عصمة من أجل التبليغ، وعصمة دنيوية، وهذه غير مطلوبة، والنبي ﷺ يقع عليه ما يقع على البشر، والعصمة الأخروية للتبليغ لا بد أن تكون للنبي ﷺ ؛ لأن الله قضاها: ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا﴾ [الأحزاب:٣٨] ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا﴾ [النساء:٤٧].
وثبت عن النبي ﷺ أنه قال: (إنما أنا بشر أنسى كما تنسون)، فيقع عليه أمر النسيان، لكن فيما سوى التبليغ، إذاً: هو بشر يعتريه ما يعتري البشر من النسيان إلا في التبليغ، والدليل على ذلكم قوله تعالى: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنسَى﴾ [الأعلى:٦].
فالعصمة هي للبلاغ والتبليغ.
стр. 632
تأثير السحر في العلاقة الزوجية للنبي ﷺ
الوجه الثالث: استدلوا بقول عائشة: (وكان يأتي أهله وما يأتي أهله)، فقالوا: في هذا الدليل أن الرسول ﷺ يأتي أهله وما يأتي أهله.
فنقول لهم: الرد على هذه الشبهة من وجهين: الوجه الأول: تفسير: (كان يأتي أهله وما يأتي أهله)، فيه إثبات وفيه نفي، ومعناه: أن الرسول ﷺ كان يهم ويعزم ويشتهي أهله فيذهب ليجامع أهله فيربط عن ذلك وتخور العزائم وتفتر الهمم عن الجماع.
وهذا واقع مشاهد عند كثير من الناس فإنهم إذا أرادوا الجماع يربطون عن أهليهم.
الوجه الثاني: أن هذا من باب التخيل، وهو ما نسميه في الوقت الحاضر بأحلام اليقظة، حيث يجلس المرء يفكر في شيء فيسرح مع هذا الشيء وهو لم يكن قد وقع، والنبي ﷺ يحصل له مثل هذا فهو لم يجامع أهله واقعاً، لكن يتخيل ذلك من أثر السحر، وهذا رد عليهم على هذه الشبهة.
والصحيح الراجح كما بينا: أن النبي ﷺ قد سحر، وهذا السحر وقع عليه، والله جل وعلا له في ذلك حكم.
أما بالنسبة لحديث عائشة: (كان يأتي أهله وما يأتي أهله)، معناه: إذا أراد أن يأتي فلا يأتي، ودليل ذلك من اللغة قال الله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [النحل:٩٨]، ومعناه: إذا أردت أن تقرأ القرآن.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.
стр. 633
شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة -حقيقة الجن وعلاقتهم بالإنس
ورد ذكر الجن في الآيات والأحاديث، فيجب الإيمان بوجودهم، وبما ذكر من صفاتهم، وهم مكلفون كالإنس، وسيجازون بأعمالهم يوم القيامة.
стр. 634
حقيقة الجن وعلاقتهم بالإنس
إن الحمد لله؛ نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
ثم أما بعد:
стр. 635
أصل خلقة الجن وأصنافهم
قال المصنف ﵀: [سياق ما روي عن النبي ﷺ في أن إبليس خلق من خلق الله].
انتقل المصنف إلى ما روي عن النبي ﷺ في إثبات أن إبليس خلق من خلق الله جل وعلا.
وقد سمي الجن بهذا الاسم لاجتنانهم -يعني: اختفائهم- ولأنهم أخفى ما يكون على الإنسان، قال الله تعالى: ﴿إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ﴾ [الأعراف:٢٧].
والجن خلق من خلق الله جل وعلا، خلقوا قبل بني البشر، وهذه المدة حددها بعض العلماء بعشرين سنة أو أكثر، وهذا لا دليل عليه، والصحيح الراجح: أنهم خلقوا قبل البشر مع جهلنا للمدة، ويستدل لذلك بقول الله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾ [البقرة:٣٠]، فهذا قياس من الملائكة، وهذه دلالة على أن للملائكة عقولاً؛ لأن هناك من الناس من ينكر أن يكون للملائكة عقول، فهم قاسوا على ما سبق، كما فسر ذلك ابن كثير، حيث قاسوا البشر على من سبقهم من الجن، فالجن هم الذين أفسدوا في الأرض من قبل فقاسوا عليهم، وأيضاً في بعض الروايات التي يذكرها ابن كثير: أن إبليس طاف بآدم ﵇ قبل أن ينفخ فيه الروح، فدخل من فيه وخرج من دبره، وقال: والله إنك لضعيف، لئن سلطت عليك لأهلكنك، ولئن سلطت أنت علي لأفتننك، فهذه دلالة على أنه مخلوق قبل أن يخلق آدم.
ومادة خلق الجن غير مادة خلق البشر، فقد خلقوا من مارج من نار، أي: من لهب مختلط بالسواد، قال الله تعالى: ﴿وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نَارِ السَّمُومِ﴾ [الحجر:٢٧]، وقال جل وعلا في سورة الرحمن: ﴿وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ﴾ [الرحمن:١٥]، قال بعض العلماء: هو اللهب المختلط بالسواد، وإبليس هذا هو سيد القائسين قياساً فاسداً عندما اعترض على ربه في السجود وقال: ﴿أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا﴾ [الإسراء:٦١]، ثم بين العلة وقال: ﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ [الأعراف:١٢].
فمادة خلق الجن من نار، وفي الصحيحين عن عائشة ﵂ وأرضاها قالت: قال رسول الله ﷺ : (خلقت الملائكة من النور، وخلق الجان من مارج من نار، وخلق آدم مما ذكر لكم)، فهذا تصريح من النبي ﷺ تصديقاً لكتاب الله: أن مادة خلق الجن من النار، ففيهم خفة، ولهم هيئات مختلفة، يعني: ليسوا كلهم سواء كبني البشر، ودل على ذلك حديث النبي ﷺ حيث قال: (الجن ثلاثة أصناف: فصنف يطيرون)، إذاً: لهم أجنحة يطيرون بها، فهذا صنف مختلف في الخلقة عن غيره، أو نقول: أصل الخلقة واحدة لكنهم يتهيئون أو يتكيفون بكيفيات مختلفة، قال: (وصنف حيات وكلاب)، وألحق شيخ الإسلام ابن تيمية بهذا القطط السوداء، قال النبي ﷺ : (الكلب الأسود شيطان)، وقال بعض الفضلاء: إن الجن يمكن أن يتمثل في صورة الكلب، وقال: معنى قول النبي ﷺ : (الكلب الأسود شيطان) يعني: شيطان الكلاب، فالكلاب لهم شياطين كما أن للإنس والجن شياطين، وهذا مرجوح كما سنبينه.
قال: (وصنف يرتحلون ويظعنون) يعني: الصنف الثالث من الجن، يرتحلون ويظعنون، يعني: هم رحالة دائماً، فهذه أصناف الجن.
إذاً: مادة خلقهم النار، وأصنافهم مختلفة.
стр. 636
الجن مكلفون
الجن مكلفون كبني البشر، لهم الثواب إذا أحسنوا وعليهم العقاب إذا أساءوا، قال الله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦].
الاستثناء هنا يمكن أن ينزع منه (ما) و (إلا) فيكون المعنى: خلقت الجن والإنس ليعبدون، ثم انزع (الإنس) وأكمل الجملة لو كانت في خارج القرآن فتقول: خلقت الجن ليعبدون.
إذاً: الحكمة من خلق الجن هي العبادة، فهذه دلالة على أنهم مكلفون ولهم الثواب وعليهم العقاب، بل هم مخاطبون بفروع الشريعة، بل حتى في النكاح، فلو قلنا بوجوب النكاح على الموسر نصحب الحكم على الجن أيضاً؛ لأنهم مكلفون ومخاطبون بفروع الشريعة.
وقد ثبت عن ابن مسعود بسند صحيح: (أن النبي ﷺ ذهب إلى الجن وأمرهم ووعظهم وذكرهم)، والقرآن أصرح من ذلك وأرقى دلالة، قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ﴾ [الأحقاف: ٢٩]، ونحن أولى بذلك منهم، فهم عندما سمعوا وانقادوا وفهموا عن الله قول الله جل وعلا ذهبوا لينذروا قومهم: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ﴾ [الأحقاف:٢٩].
وهذه دلالة على أنهم مكلفون.
وأيضاً هم أصناف من حيث الظلم، ومن حيث الحقد والحسد، ومن حيث الإسلام والكفر، والعتو في الكفر، فمنهم الجني ومنهم العفريت ومنهم المارد، قال الله تعالى على لسان الجن: ﴿وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ كُنَّا طَرَائِقَ قِدَدًا﴾ [الجن:١١]، وقال أيضاً: ﴿وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ﴾ [الجن:١٤] يعني: الظالمون، ﴿فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُوْلَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا * وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا﴾ [الجن:١٤ - ١٥].
فهؤلاء أيضاً أصناف من الجن، فمنهم المسلم ومنهم الكافر؛ ولذا نقول: إن المصروع لو صرع بجني مسلم فلك أن تخاطبه وتقول له: قد ظلمت، اتق الله واخرج، وكما نعلم فإن الصرع موجود حقاً من أيام الرسول ﷺ ، بل النبي ﷺ قد عالج من السحر، وعالج من الصرع، وأخرج الجني من الإنسان المصروع رغم أنف هؤلاء المبتدعة الذين يردون ذلك كله.
ونذكر هنا مسألة مهمة حول الجن؛ وهي أن الجن له فقه وله علم ويعلّم، وقد حصل ذلك لأروى الناس عن النبي ﷺ وأعلم الناس بحديث النبي ﷺ وهو أبو هريرة، فقد علمه جني، إذ فاقه فقهاً في مسألة فعلمه إياها، وهذا هو الجني الذي جاء متمثلاً في صورة الرجل، فقد جاء في الصحيحين: (أن أبا هريرة كان حارساً لرسول الله ﷺ على الصدقة، فكان هذا الرجل يأتي ويأخذ من الصدقة، فيأخذه أبو هريرة ويقول: سآخذك إلى رسول الله، فيقول: دعني عندي عيال ويعده ألا يعود، ثم يأتيه في الليلة الثانية والنبي ﷺ يسأله عنه ويخبره أنه سيعود، ثم بعد ذلك جاء في الليلة الثالثة فأمسكه وقال: لا بد أن آخذك إلى رسول الله، فقال: دعني وسأعلمك كلمات ينفعك الله بها، ثم علمه فقال: إذا أخذت مضجعك فاقرأ آية الكرسي).
وفي رواية قال: (إذا قرأت آية الكرسي فلا يزال عليك من الله حافظ بهذه الآية).
فلما ذهب أبو هريرة فأخبر النبي ﷺ بخبره قال له: (صدقك وهو كذوب) يعني: صدق في تعليمك هذا، وهذه أصبحت سنة من هذا الجني الذي لا نعرف اسمه، وهي سنة لإقرار النبي ﷺ لما قاله هذا الجني من أننا لا ننام حتى نقرأ آية الكرسي.
стр. 637
استمتاع الجن بالإنس وحقيقة وقوع الزواج بين الجن والإنس
وهناك مسألة مهمة تتعلق بالجن ألا وهي: هل الجن يستمتعون ويتزوجون من الإنس؟ وهذه القضية زل فيها كثير من الذين لا تستطيع عقولهم قبول مثل هذه الحقائق، فأسأل الله أن يقروا بالشرع أو يبتليهم الله بالصرع، وأن يدخل فيهم مائة جني حتى يقروا بهذا الشرع القويم؛ لأنهم يردون أحاديث صحيحة عن النبي ﷺ ويتنطعون ويقولون: هذا ليس بصحيح.
أقول: الجني يمكن أن يتزوج من الإنس وقد سئل الإمام مالك: هل يتزوج الجني بالإنسية؟ قال: أكره هذا.
فلما سألوه عن العلة، قال: تأتي المرأة بحملها وتقول: هذا من زوجي الجني، فتدخل الشبهة على الناس.
فالإمام مالك يقرر أنه يمكن أن يحصل زواج، وأن يكون فيه ولي وشهود، فهذا إقرار منه، فأقول: حتى وإن كان بعض أهل السنة يقولون بهذا، لكن نحن نقول: أنه لا تزاوج الآن، ولا نستطيع أن نقول بالتزاوج، لكن نقول بلازم التزاوج، وهو الاستمتاع، فللجني أن يستمتع بالإنسي، والإنسي يستمتع بالجني، وأنا لمست هذا واقعاً وعندي في ذلك الأثر والنظر، أما الأثر فقد قال الله تعالى: ﴿وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُمْ مِنَ الإِنسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ﴾ [الأنعام:١٢٨]، وهذا وجه الشاهد، ﴿رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا﴾ [الأنعام:١٢٨]، أما وجه الدلالة فتمتع الجني بالإنسي بأن يخبره بالكلمة التي يسترقها ويكذب عليه مائة كذبة، فهذا المقصود باستمتع بعضنا ببعض.
والمتعة جاءت في السياق بصيغة النكرة ليست معرفة، والنكرة تفيد العموم، فقوله: ((رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ))، هذا الفعل يدل على عموم الاستمتاع: استمتاع بالإخبار استمتاع بالمتعة الجنسية المعروفة استمتاع بما يصنع له من الكرامات والمعجزات، فهذه على العموم: ((رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ)).
فهذا دليل على أن الاستمتاع موجود بين الجن والإنس، وخذ ما هو أقوى وأرقى في الدلالة: أن الجني يفعل ما يفعله الإنسي، قال الله تعالى: ﴿فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ﴾ [الرحمن:٥٦] (لم يطمثهن) يعني: يمكن للجني أن يفعل ما يفعله الإنسي، فسيتمتع كما يستمتع الإنسي، ويجامع كما يجامع الإنسي، وهذا واقع، فقد ألزمت مرة أن أقرأ على رجل -بحكم وجودي في ذلك المكان- وكان لا يريد أن يقرأ عليه أحد، وكان هذا الرجل تأتيه جنية في أحسن صورة، ويستمتع بها كيفما شاء، لدرجة أنه هجر امرأته، فصار لا يأتيها بحال من الأحوال، فهو يستمتع بالجنية، وتأتيه في كل صورة يتخيلها.
وهذا يحرم، ومثل هذا لا يرجم في ذلك ولو كان محصناً، ومع ذلك فإن لازم النكاح -وهو الاستمتاع- موجود.
أما مسألة النكاح بين الجني والإنسي فهذا صعب، وما جاء في تفسير ابن كثير في مسألة بلقيس لما كشفت عن ساقيها بسبب الأرض الممردة بالقوارير، قال: إن ذلك بسبب أن سليمان كان يشك في أن أباها من الجن، وهذا ليس بصحيح، لكن نحن نقول أثراً ونظراً وواقعاً: إن الجني يستمتع بالإنسي، والإنسي يستمتع بالجني قال الله تعالى: ((لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ)).
وبعض العلماء: يرجح أن من رأى في منامه أنه يجامع فهذا من تلاعب الشيطان به، وهذا ما عليه جمهور أهل العلم.
стр. 638
إثبات دخول الجني في الإنسي وإلحاق الضرر به
تبقى مسألة تتعلق بالجن وهي: طالما أن الجني يستمتع بالإنسي فهل يدخل فيه أم لا يدخل؟ الصحيح الراجح في ذلك أثراً ونظراً: أن الجني يدخل في الإنسي.
أما الدليل من الأثر: فقد ورد عن النبي ﷺ أنه قال: (إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم).
إذاً: فالشيطان يدخل في الإنسان، وله خفة بحيث يمشي في العروق كالدماء، وأنت ما تدري عن عظم أو دقة خلقه، فالنبي ﷺ قال: (إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم)، فهذه الدلالة من الأثر أنه يدخل بني آدم.
أما واقعاً فقد ورد بالنص وبالاستنباط: أما بالنص: فإن الرسول ﷺ مر على امرأة عندها غلام قد جن من المس، يعني: حدث له صرع من الجن، ويغيب هذا الجني عقله، فيذهب عقله مرة ويفيق مرة، فلما اشتكت هذه المرأة للنبي ﷺ قال: (ائتيني بالغلام، فأتته بالغلام فأخذه وأداره فضرب على ظهره).
رواه الطبراني بسند صحيح، وفي هذا دلالة على أن الضرب لا يقع على الإنسي بل يقع على الجني، لكن لا يحصل هذا من كل إنسان، فبعض الناس -ممن ليس عنده علم فقه ولا علم بالقراءة ولا علم بكيفية علاج المصروع- أخذ يضرب امرأة ويسب الجني الذي بداخلها ويقول: اخرج عدو الله، اخرج يا ظالم، ويضرب المرأة على رأسها بالعصا حتى ماتت المرأة! فلما أحس هذا الرجل أنه سيعدم، قام بحلق نصف لحيته وترك النصف الآخر ومشى في الشارع أمام الناس من أجل أن يحسبوا أنه مجنون، فالمسألة تحتاج لعلم! فالمقصود: أن الضرب لا يقع للإنسان وإنما يقع على الجني، لكن للخبير التقي الذي يعرف كيف يعالج المصروع، فالنبي ﷺ أخذ الغلام وضربه على ظهره وقال: (اخرج عدو الله إني رسول الله)، وفي رواية أخرى قال: (فتح فمه ثم قرأ فيه ونفث فيه وقال: اخرج عدو الله إني رسول الله)، هذا فعل رسول الله، فأين المتنطعون؟! وأين هؤلاء الذين جنوا في عقولهم فرفضوا حديث النبي ﷺ ؟! وأيضاً الإمام أحمد بن حنبل لما قالوا له: هناك مصروع، فقال: خذ نعلي واذهب به إليه وحرج عليه وقل: يأمرك الإمام أحمد أن تخرج، فخرج الجني، وقيل: بعدما مات أحمد رجع فيه مرة ثانية.
والمرأة السوداء التي كانت تصرع في عهد النبي ﷺ ، ورآها ابن عباس تتعلق بأستار الكعبة فسألها عن ذلك، فقالت: أخشى من الخبيث أن يكشفني، وهي تعني بالخبيث: الجني الذي يصرعها، ثم ذهبت إلى النبي ﷺ فقال لها رسول الله: (إن شئت دعوت الله لك فيشفيك، وإن شئت صبرت ولك الجنة فقالت: يا رسول الله! أصبر، ولكن ادع الله لي أن لا أتكشف)، فهي من فقهها فضلت الصبر كما أنها أرادت الستر.
فهذا الحديث دلالته ظاهرة على أنها كانت تصرع ويتلبسها الجني.
وأيضاً ابن صياد أكبر الدجاجلة، كان النبي ﷺ يمر عليه ويحسبه المسيح الدجال؛ لأنه لا يعلم الغيب، ويختبئ له خلف شجرة، فيجده معلقاً بين شجرتين وله همهمة مثل همهمة الشياطين، فقالت له أمه: (هذا محمد فيأتيه رسول الله ﷺ فيقول له النبي ﷺ : ماذا ترى؟ فيقول: أرى عرشاً على الماء، ويأتيني صادق وكاذب، فقال له النبي: خبأت لك خبيئة، قال: الدخ فقال النبي ﷺ : اخسأ فلن تعدو قدرك).
وهذا هو محل الشاهد.
وقد رآه ابن عمر في سكة من سكك المدينة فنظر إليه ابن عمر فإذا بالرجل ينتفخ وينتفخ حتى سد الطريق الذي سار فيه ابن عمر، فذهب إليه ابن عمر فأوجعه بعصاه ضرباً، وذهب إلى حفصة وقال لها: أما رأيت ماذا فعل ابن صياد كذا وكذا وكذا، قالت له: وكيف تضربه؟ أما علمت أن النبي ﷺ يقول: (إنه يخرج من غضبة يغضبها)؟ فهي حسبت أنه المسيح الدجال.
المهم: أن هذا الانتفاخ الذي وقع له هو من الجن.
فالجني يتعامل مع الإنسي ويصرعه، ولذلك كان ابن تيمية يقول: كنت أعالج امرأً فقلت للجني: اخرج، أنت ظالم، فقال: أنت شيخ الإسلام أخرج كرامة لك لتقاك وورعك.
وما قال ذلك إلا ليفتنه، ولذلك قلنا: إن المعالج لا بد أن يكون فقيهاً لا جاهلاً، إذ إنه يمكن أن ينصب له الجني شرك الكفر والشرك والاستعانة به.
لذلك قال له ابن تيمية الفقيه الحبر: اخرج عدو الله لا كرامة لي ولكن طاعة لله، فإنك ظالم.
يعني: اخرج لأن هذه مظلمة ستحاسب عليها يوم القيامة.
стр. 639
إثبات أن الجن يأكلون ويشربون ويبولون
الجن يأكلون ويشربون ويبولون كما يفعل بنو آدم، والدليل على ذلك أن النبي ﷺ قال عن العظم: (إنه طعام إخوانكم من الجن).
ومن أدلة ذلك (أن النبي ﷺ دخل عليه أعرابي فأكل كل ما في الصفحة من طعام فقال له النبي ﷺ : سم الله، رأيت الشيطان يأخذ بيده ليأكل معه)، فهذه دلالة على أنه يأكل.
ومن الأدلة على أن الجن يشربون ما جاء في الحديث الصحيح عن أبي هريرة قال: (مر رسول الله برجل يشرب قائماً، فقال له: أتريد أن يشرب معك الهر؟ -أي: القط- فقال: لا يا رسول الله! قال: يشرب معك من هو أشر منه، الشيطان)، فهذه دلالة على أن الشيطان يشرب.
وعندنا أدلة على أن الشيطان يبول في الصحيحين: (أن رجلاً جاء إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله! ذكر عنده فلان نام حتى أصبح قال: ذاك رجل بال الشيطان في أذنيه)، وقوله: (حتى أصبح) فيه تأويلان: التأويل الأول: أنه نام حتى أصبح في الفجر، يعني: حتى طلع الفجر فلم يقم يصلي لله في الليل، وهذا قول بعض العلماء، فحذاري من التفريط في الأخذ من الليل ولو بركعة واحدة يقوم بها العبد لله جل وعلا.
والتأويل الثاني وهو الذي رجحه الجمهور، وهو الذي يرتاح إليه القلب ويميل إليه: أنه بات حتى أصبح فلم يصل الفجر.
وخلاصة القول: إن الجني يشارك الإنسي في كل شيء، حتى إنه مكلف كما هو مكلف.
стр. 640
الأسئلة
стр. 641
الاستدلال بآية الربا على دخول الجني في الإنسي
السؤال
هل نستدل بآية الربا في الرد على منكري دخول الجني في الإنسي؟
الجواب
نعم.
فآية الربا من أوضح الأدلة على ذلك، قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ [البقرة:٢٧٥]، فهل هناك أصرح من هذه الآية من كتاب الله جل وعلا، فكيف يردون هذه الآيات؟! سبحان الله! لا يكون هذا إلا لمن أراد الله أن يعمي بصيرته ويضله، ومن يضلل الله جل وعلا فلن تجد له ولياً مرشداً.
стр. 642
تمثل إبليس للنبي في صلاته حقيقي وليس من قبيل التخيل
السؤال
هل كان تمثل إبليس للنبي في صلاته بسبب السحر؟
الجواب
ليس هذا من تأثير السحر، إبليس جاء للنبي ﷺ متمثلاً له وأراد أن يحرقه فأخذه النبي ﷺ وكاد يربطه في السارية ليلعب به الصبيان لكنه قال: (لولا دعوة أخي سليمان: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾ [ص:٣٥] لربطته في سارية المسجد).
стр. 643
قدرة الجني على التمثل في صورة الإنسان
السؤال
هل يتمثل الجني في صورة شخص معين؟
الجواب
للجني أن يتمثل بصورة الإنسان، ويأتي الإنسان على أنه إنسان، فـ أبو هريرة قلنا: إنه رأى رجلاً فقيراً، وهو يتمثل في صورة حيات كما ثبت في قصة الحية التي وجدت في مكان المرأة فذهب الرجل ليقتلها برمحه فاضطربت عليه، فما يدري من كان أسرع موتاً، فلما أخبر النبي بالقصة قال: (إن بالمدينة جناً قد أسلموا فإذا رأيتم منهم شيئاً فآذنوهم ثلاثة أيام).
стр. 644
دخول بعض الجن في الإنس بسبب أذية الإنسي لهم
السؤال
هل صحيح أن من الجن من يدخل في الإنسي بسبب أذية الإنسي له؟
الجواب
هذه صحيح، فالإنسان أصلاً لا يرى الجن فيحدث أنه يذهب ليبول في جحر أو في الصحراء أو في أماكن يتوقع أن يسكنها الجن، فالجني جاهل، فإذا بال الإنسان عليه دون أن يراه، يقوم ويصرعه عقاباً له، وأيضاً إذا صببت عليه ماء حاراً خاصة في الحمام الذي هو مسكنهم، فهذا الماء الساخن جداً قد يصيب أحد الجن فيؤذيه أو يقتله، فيصرعه الجني الآخر للانتقام منه.
стр. 645
فك السحر بالسحر ليس علاجاً حقيقياً
السؤال
وجدنا في الواقع أن بعض المسحورين يعالجون بالسحر ويتعافون، فما قولكم في ذلك؟
الجواب
هذا هو حل السحر بالسحر، والمريض يظهر له في البداية أنه تعافى لكن فيما بعد ستكون حاله أكثر سوءاً من السابق، فهذا حل سحر بسحر، وهذا يوقع الناس في الكفر والشرك، فلا يجوز لهم أن يفعلوا هذا.
стр. 646
كيف يفعل من أراد صب ماء حار في الحمام ليتجنب أذية الجن ؟
السؤال
هل تشرع التسمية لمن أراد أن يصب ماء حاراً وهو داخل الحمام؟
الجواب
لو أردت أن تصب ماءً حاراً في الحوض فعليك أولاً أن تسمي الله حتى لا تؤذي الجان؛ لأن هذا مكانهم، فهم يسكنون في الحمامات والأسواق والبحار والجحور، فإذا أردت أن تصب الماء الحار فعليك أن تخرج وتسمي الله ثم تدخل الحمام أو تسمي بقلبك.
стр. 647
ذكر الآيات التي تقرأ على المصروع
السؤال
ما هي الآيات والأذكار التي يشرع للراقي أن يقرأها على المصروع؟
الجواب
الإنسان المصروع تقرأ عليه فواتح سورة البقرة وآية الكرسي، وهي أشد شيء يزعجه، وإذا أردت فزد عليها بقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ﴾ [الأنعام:١٢٨]، وسورة الصافات من بدايتها: ﴿وَالصَّافَّاتِ صَفًّا﴾ [الصافات:١]، إلى قوله: ﴿فَاسْتَفْتِهِمْ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمْ مَنْ خَلَقْنَا﴾ [الصافات:١١]، وتكرر منها قوله تعالى: ﴿إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ * وَحِفْظًا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ مَارِدٍ * لا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الأَعْلَى وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ﴾ [الصافات:٦ - ٨]، تكرر هذه أيضاً، وأيضاً آية: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا﴾ [المؤمنون:١١٥]، وتكررها، والشطر الأخير من سورة الأحقاف: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ﴾ [الأحقاف:٢٩]، و ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ﴾ [الجن:١]، والمعوذتان و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١].
стр. 648
لا يشترط في الراقي القدرة على محاورة الجن
السؤال
إذا كان الراقي لا يستطيع أن يحاور الجني المتلبس بالإنسي فماذا عليه؟
الجواب
إن كان لا يستطيع أن يدعوه إلى الله، أو يحاوره، فما عليه إلا أن يقرأ، فإنه مع مواصلة القراءة عليه سيموت لا محالة.
стр. 649
أسباب دخول الجني في الإنسي
السؤال
ما هي أسباب تلبس الجني بالإنسي؟
الجواب
هناك أسباب كثيرة لدخول الجني في الإنسي، فهو يدخل بسبب السحر؛ لأن السحر نوعان: سحر بدون جن وسحر بجن، كذلك يدخل عند شدة التفريط من المسلم، يعني: إذا كان ملتزماً لكن غفل عن ذكر الله وتقاعس عن ذكر الله ويكون الشيطان يتربص به الدوائر، فإذا رأى منه غفلة تلبس به، ومن أشد الأسباب معصية الله جل وعلا، فهي التي تجلب الشياطين على الإنسان، وعند حل السحر بالسحر يكون الشيطان فيها متمكناً غاية التمكن من الإنسي.
стр. 650
إمكانية تلبس الجني بمن يحافظ على الأذكار ويواظب على العبادات
السؤال
هل يتلبس الشيطان بالإنسي حتى مع عبادته ومحافظته على الأذكار؟
الجواب
هذا يحصل، لكن يندر أن يكون الإنسان على التزام وذكر لله ويتلبس به شيطان، وقد يكون هذا من باب أن لهذا الرجل درجة عند ربه جل وعلا لا يبلغها بعمله، فالله جل وعلا يبتليه بهذا حتى يرتقي إلى الدرجة التي أعدها الله له.
стр. 651
الرجل الراقي يمكن أن يتلبس به الشيطان كغيره من الناس
السؤال
هل صحيح أن الراقي يكون عرضة لتلبس الشياطين به؟
الجواب
نعم صحيح، وكان بعض الإخوة معالجاً، فجاءت عليه أوقات قصر فيها في طاعة الله وغفل عن ذكر الله فصرعه شيطان، فقيل له: نقرأ عليك، قال: لا تقرءوا علي، وأنا أعرف علاجي، فاعتكف خمسة عشر يوماً في المسجد يقوم الليل ويصوم النهار، فخرج منه فكأنما نشط من عقال.
стр. 652
كلام شيخ الإسلام والإمام مالك في إثبات الزواج بين الجن والإنس
السؤال
هل ترد قول مالك وشيخ الإسلام بحصول الزواج بين الجن والإنس؟
الجواب
ما دام قد قرره شيخ الإسلام وقرره الإمام مالك فنحن نتبع في الإقرار، لكن نقول: لم نشهد، ونقر بالاستمتاع بالأثر والنظر.
стр. 653
إمكانية تمثل الجني للإنسي بصورة إنسان والتكلم معه
السؤال
هل يمكن للجني أن يتمثل أمام الإنس ويكلمهم ويخطب فيهم؟ نعم يستطيع، فيأتيهم على صورة رجل فيخطب فيهم، وقد فعلها الشيطان من قبل فأتى كفار قريش على صورة سراقة، وقال: إني أرى ما لا ترون، وكان يأتي إلى أبي جهل على صورة مرة وهو الذي كان يخطط له كيف يذهب ليقتل النبي ﷺ ، وثبت أن جنياً مسلماً ذهب ليدعو من وراءه من الجن.
стр. 654
الشروط الواجب توافرها للانتفاع بالرقية الشرعية
السؤال
ما هي الشروط التي يحصل بتوافرها الانتفاع بالقراءة لعلاج السحر؟
الجواب
أولاً: لا بد للمسحور أو المصروع أن يدعو الله بإخلاص.
الثاني: أن يستيقن أن كل هذه العلاجات أسباب فقط، وأن الأمر بيد الله جل وعلا.
ثالثاً: أن يتخير من المعالجين التقي الورع الذي يرضي الله فيما يفعل فقط.
стр. 655
الجن أصناف
السؤال
ما هو الدليل على وجود عدة أصناف من الجن؟
الجواب
من أوضح الأدلة على التصنيف في الجن قول الله جل وعلا: ﴿قَالَ عِفْريتٌ مِنَ الْجِنِّ﴾ [النمل:٣٩] يعني: هذا صنف من الجن.
سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.
стр. 656
شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة - خروج الدجال
فتنة الدجال أعظم فتنة منذ أن خلق الله السماوات والأرض إلى أن يرثهما وما عليهما، وقد بين النبي ﷺ أوصافه؛ حتى يعرفه المسلم، ويحذر منه، وبين الأمور التي تكون بها العصمة منه، فعلى المرء أن يعرفها ويتحصن بها.
стр. 657
التحذير من الدجال
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
ثم أما بعد: فما زلنا مع هذا الكتاب المبارك العظيم (شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة).
والكلام في هذا المقام هو عن الدجال وهو من الكلام على الغيبيات، وقد ذكر العلماء بأنه يعتبر من أشراط الساعة الكبرى، فـ الدجال شر غائب ينتظر، وهو أشد فتنة تقع على الناس في آخر العصور، فهو منبع الكفر والضلال، ومورد الفتن والأوحال، كما بين النبي ﷺ ، وسوف نتناول الكلام على الدجال في أكثر من موضع: الأول: التحذير منه.
الثاني: وصفه.
الثالث: فتنته.
الرابع: كيفية النجاة منه.
الخامس: نهايته.
السادس: ذكر الذين ردوا أحاديث الدجال وشغبوا عليها، وقالوا أو زعموا زعماً باطلاً بهتاناً وزوراً أن الدجال هو كل رجل خبيث، يعني: أن الدجال رمز لكل شيء خبيث.
стр. 658
صفة الدجال
الدجال: اسم لكل فاسق زنديق يخرج عن دين الله جل وعلا، ويبتدع فيه، فمن كان كذلك يسمى دجالاً، والنبي ﷺ حذر من الدجال أيما تحذير، كما في الصحيحين عنه ﷺ أنه قال: (ما من نبي إلا وقد حذر أمته الدجال)، وفي رواية: (ونوح قد حذر أمته من الدجال).
وأيضاً في الصحيحين: أن النبي ﷺ حذر أمته من الدجال الكذاب، فصعد فيه وخفض على المنبر حتى قال الصحابة: حسبنا أنه في طائفة النخل، يعني: قلنا: إن الدجال من شدة ما حذر النبي ﷺ بجانب النخل أو الشجر، يعني: خلفنا، فالنبي ﷺ عندما رأى من الصحابة هذا الخوف والوجل قال: (إذا خرج فيكم فأنا حجيجه دونكم، وإن خرج ولست فيكم فكل امرئ حجيج نفسه، والله خليفتي على كل مسلم).
وهذا الدجال وصفه لنا النبي ﷺ ؛ حتى يكون المرء على بينه منه، ومن ذلك قوله ﷺ في وصف بعد أن ذكر المسيح ابن مريم: (ورأيت وراءه رجلاً جعداً قططاً، كأشبه الناس بـ ابن قطن، واضعاً يديه على منكبي رجلين يطوف بالكعبة، فقلت: من هذا؟ قالوا: هذا المسيح الدجال) فمن أوصافه أنه جعد قطط، كأشبه ما يكون بـ ابن قطن.
وقال النبي ﷺ أيضاً في وصفه: (إنه أعور وإن ربكم ليس بأعور).
وقال ﷺ : (كأن عينه عنبة طافية).
فعينه الأولى فيها عور، يعني: لا يرى بها، والأخرى: فيها عيب.
فهذا من دقيق وصف النبي ﷺ لهذا الأعور الدجال.
стр. 659
فتنة الدجال
ّبين النبي ﷺ أن أشد فتنة منذ آدم ﵇ إلى آخر الخليقة هو الدجال، كقوله ﷺ : (ما من فتنة منذ ذرأ الله الذرية أو ذرية آدم إلى آخر الخليقة مثل فتنة الدجال).
هذا الأعور الكذاب قال عنه النبي ﷺ -وإن كان الحديث فيه ضعيف لكن نستأنس به مع هذه الأحاديث الصحيحة-: (بادروا بالأعمال فتناً) يعني: بادروا قبل الفتن التي تهجم عليكم، ثم قال: (الدجال شر غائب ينتظر) فهو شر غائب ينتظر، وهو أشد فتنة تأتي.
وقد فسر النبي ﷺ فتنة الدجال وبينها أيما تبيين للأمة؛ لتعلم أن هذه أشد فتنة بحق، فقال ﷺ : (يا عباد الله! فاثبتوا) وإنما قال هذا ليبين هذه الفتنة الشديدة على الناس، وقال: (إنه أعور وإن ربكم ليس بأعور) وقال أيضاً: (إنكم لن تروا ربكم حتى تموتوا؛ فإذا رأيتموه فليس هو بربكم)، ثم بين فتنه.
وفي روايات كثيرة في الصحيحين وفي السنن: أن النبي ﷺ بين من فتنته أنه ينظر إلى السماء فيقول لها: (أمطري فتمطر، وينظر إلى الأرض فيأمرها أن تنبت فتنبت، ويأتي على الخربة فيقول لها: أخرجي كنوزك، فتخرج كنوزها).
ومن فتنته: أنه يأتي إلى الأعرابي فيقول له: (أنا ربك، تؤمن بي إن بعثت لك أباك وأمك؟ فيقول: نعم، أؤمن بك، فيأمر شيطاناً فيتمثل له في أبيه وأمه)، فهذا الشيطان يأتيه بصورة أبيه وصورة أمه فيقولان له: آمن به فهو ربك، فيؤمن به، والعياذ بالله! ومن فتنته ما ورد في حديث النبي ﷺ : (أنه يمر على القوم فيكذبون فما تبقى لهم سائمة) يعني: تموت كل السوائم، ويعيشون في ضنك بعدما يكذبونه، وهذه فتنة من الله جل وعلا وبلاء عظيم، ثم يمر على القوم فيؤمنون به فيرجعون أحسن ما كانوا وأغنى ما كانوا، يعني: تنزل عليهم النعم، وتطرأ عليهم حين يؤمنون به، وهذا أيضاً فتنة من الله جل وعلا.
وأشد الفتن التي يأتي بها -كما بين النبي ﷺ : أن معه ناراً وجنة، فقال ﷺ : (معه نار وجنة، وجنته نار، وناره جنة، فليدخل أحدكم رأسه في هذه النار وليدع الله جل وعلا) أو قال: (ليستعذ بالله وليقرأ عليه فواتح سورة الكهف)، ثم قال: (فمن دخلها كانت عليه برداً وسلاماً كما كانت على إبراهيم ﵇.
فهناك فتن عظيمة جداً مع هذا الرجل.
وأشد الفتن بعد الجنة والنار: أنه يأتي برجل ثم يقول للناس: ترونه؟ لو أمته ثم أحييته أليست هذه صفة الربوبية؟ فهل تؤمنون بي؟ قالوا: نعم، فيأخذ الرجل فيشقه بمنشار حتى يقسمه نصفين، ويسير بينهما، ثم ينادي عليه فيقول: قم، فيلتئم نصف الشق الأيمن مع الشق الأيسر فيقوم متهللاً ينظر إليه، فيقول: تؤمن بي؟ أنا ربك، فقال النبي ﷺ -مبيناً أن هذا هو خير الشباب في تلك العصور- فيقول له: (والله ما ازددت فيك إلا بصيرة؛ أنت الأعور الكذاب، أنت الدجال الذي حذرنا منه النبي ﷺ .
فيمكث في الناس قدر ما يمكث، ويأتي بخوارق العادات، وبالأعاجيب التي ملكه الله إياها حتى يكون بلاءً على الناس، وأكثر من يؤمن بـ الدجال اليهود عليهم لعائن الله جل وعلا، وأيضاً: النساء أكثر أتباع الدجال، وأيضاً يتبعه من النصارى جزء، وكل طائفة من هؤلاء الطوائف الثلاثة يتبعون المسيح.
أما الأمة الإسلامية فتنتظر مسيح الهدى الذي يقتل الدجال، رغم أنوف أهل الاعتزال والخوارج وأهل الكلام، وأيضاً: النصارى ينتظرون المسيح، ولكن ينتظرون المسيح ربهم، واليهود ينتظرون المسيح الذي بشر به موسى، والمسيح الذي بشر به موسى قد جاء وهو عيسى بن مريم عليه أفضل الصلاة وأزكى السلام.
المقصود: أن الثلاث الطوائف ينتظرون المسيح؛ فـ المسيح الدجال سيؤمن به اليهود والنصارى، أما نحن فننتظر مسيح الهدى الذي سيقتل هذا المسيح الدجال الذي يمكث في الأرض يفتن الناس ويفتتن به الناس.
стр. 660
مكث الدجال في الأرض
وأما مكثه في الأرض فقد بين النبي ﷺ ذلك عندما سألوه وقالوا: يا رسول الله! ما مكثه؟ فقال النبي ﷺ : (يلبث فيكم أربعون: يوماً كسنة -يعني: يلبث أو يمكث يوماً كسنة- ويوماً كشهر، ويوماً كأسبوع، وباقي أيامه كأيامكم هذه) ولذلك قالوا: يا رسول الله! أنصلي في اليوم الذي هو سنة صلاة واحدة وتكفينا؟ فقال: (لا؛ اقدروا له قدره) يعني: تعرف على ما بين العصر والظهر، وكلما يمر عليك وقت كما بين الظهر والعصر تصلي الظهر، ثم تصلي العصر، ثم تصلي المغرب، ثم تصلي العشاء، فحتى وإن لم تغرب الشمس عاماً كاملاً تصلي كل يوم، وتقدر له قدره، هذه مدة لبث المسيح الدجال في الأمة، فهي ليست بالهينة.
стр. 661
كيفية النجاة من فتنة الدجال
إذا علم المسلم فتنته وعلم المدة التي سيمكث فيها فكيف ينجو منه ومن فتنته العظيمة؟ بين لنا النبي ﷺ ذلك أيما بيان.
فأول طريق من طرق النجاة من فتنة الدجال: الهروب منه، قال النبي ﷺ : (من سمع به فلينأ عنه) فإذا سمعت به في مكان فاذهب في المكان المخالف؛ فإن كان في المشرق فكن في المغرب، وإن كان في المغرب فكن في المشرق، ولا تجتمع معه في مكان بحال من الأحوال، فهذه أول طرق النجاة.
واستنبط العلماء من ذلك: أن كل امرئ لا بد عليه إذا وردت فتنة أن لا يستشرفها، ويظهر لها؛ إذ أنه لو استشرف هذه الفتنة استشرفته وأخذته وقبضته، وقلبته، وقد يظن بنفسه أنه مؤمن فيقع، فالنبي ﷺ بين لنا رجلاً ظن بنفسه الخير، وظن بنفسه أنه على أتم ما يكون من الإيمان، فيسمع بـ الدجال فيقول: أنظر إلى هذا الدجال، وأذهب إليه، فيذهب إليه فيفتتن فيؤمن به! فالمرء عليه أن يبعد عن مكان الفتن، وإذا أتت من مكان يذهب إلى مكان آخر، كما قال النبي ﷺ : (من سمع به فلينأ عنه).
الطريق الثاني من طرق النجاة: أن يقرأ في وجهه فواتح سورة الكهف، كما قال النبي ﷺ : (فليستغث بالله، وليقرأ فواتح سورة الكهف).
هذا حديث صحيح عن النبي ﷺ ، ففواتح سورة الكهف تنجي الإنسان من فتنة الدجال وتعصمه، وتكون حاجزاً بينه وبين فتنته.
الطريق الثالث من الطرق التي تكون فيها النجاة عن هذا الدجال الأعور: أن النبي ﷺ بين لنا بياناً شافياً فدلنا على علامة يراها كل قارئ وغير قارئ، فبين أن الدجال مكتوب بين عينيه: كافر، كما قال النبي ﷺ : (يا عباد الله! إنه بين عينيه مكتوب: ك ف ر، أو قال: كافر، يقرؤها كل قارئ وغير قارئ) حتى الأمي يقرؤها، فعلى المؤمن أن ينظر في هذه العلامة التي بين عينيه؛ فإنه مكتوب بين عينيه: ك ف ر، وهذه على الحقيقة وليست على المجاز، فإذا قرأها يعلم أنه الدجال فينأى عنه.
الطريق الرابع من طرق النجاة من هذا الدجال الكذاب: سكن مكة والمدينة؛ فإن الدجال قبل ما يمكث في الأرض تستدبره الريح، فيسير في كل أنحاء العالم في ساعات قليلة، أو في دقائق معدودة، أو ثوانٍ معدودة، لكنه لا يستطيع الدخول إلى مكة والمدينة، فيعصم المرء بمكثه في مكة أو المدينة؛ إذ إن النبي ﷺ قال: (على كل نقب من نقاب المدينة ملك معه سيف مصلت) فإذا جاء ليدخل مكة والمدينة رأى الملائكة فرجع الخبيث عدو الله، ونكص على عقبيه فلا يدخل المدينة، لكن المدينة ترتجف وتتزلزل تحت أقدام المنافقين فتخرج كل منافق، فيؤمن به، لكن المؤمن حقاً هو الذي يبقى في المدينة، والله جل وعلا سيعصمه من فتنة الدجال.
الطريق الخامس من الطرق التي ينجو بها المرء من فتنة الدجال: كثرة الدعاء بالعصمة من هذه الفتنة، فقد كان النبي ﷺ يدعو الله كثيراً أن يعصمه من فتنة الدجال، كما في الصحيحين عن عائشة ﵂ وأرضاها أنها قالت: (كان النبي ﷺ يستعيذ من أربع) يعني: بعد كل صلاة بعدما يقرأ التشهد يستعيذ من أربع: (اللهم إني أستعيذ بك من فتنة المحيا والممات، وفتنة المسيح الدجال، ومن عذاب القبر ومن عذاب النار)، فكان يستعيذ النبي ﷺ كل يوم خمس مرات من فتنة المسيح الدجال.
فهذه الطرق التي ينجو بها المرء من هذا الدجال الكذاب.
стр. 662
ذكر بعض الأحاديث في وصف الدجال
وهذا الدجال وصفه لنا النبي ﷺ ؛ حتى يكون المرء على بينه منه، ومن ذلك قوله النبي ﷺ في وصف الدجال بعد أن ذكر المسيح ابن مريم: (ورأيت وراءه رجلاً جعداً قططاً، كأشبه الناس بـ ابن قطن، واضعاً يديه على منكبي رجلين يطوف بالكعبة، فقلت: من هذا؟ قالوا: هذا المسيح الدجال) فمن أوصافه أنه جعد قطط، كأشبه ما يكون بـ ابن قطن.
وقال النبي ﷺ أيضاً في وصفه: (إنه أعور وإن ربكم ليس بأعور).
وقال: (كأن عينه عنبة طافية).
فعينه الأولى فيها عور، يعني: لا يرى بها، والأخرى: فيها عيب.
هذا أيضاً من دقيق وصف النبي ﷺ لهذا الأعور الدجال.
стр. 663
وجوب الإيمان بخروج الدجال ووجوده، والرد على من ينكر ذلك
وبقيت هنا مسألة واحدة في الكلام على الدجال، وهي: إن ثبت لنا بالحديث الصحيح خروج الدجال وإن ثبتت لنا طريق فتنة الدجال، وإن ثبت لنا طريق النجاة من هذه الفتنة العظيمة، إن ثبت كل ذلك فما علينا إلا أن نقول: نستيقن ونعتقد خروج الدجال، فإن شوش علينا أو إن شغب علينا بعض المبتدعة، أو بعض أهل الأهواء، أو بعض أهل الكلام على هذه الحقائق الثابتة الراسية كرسوخ الجبال، فإنا نرد عليهم ذلك.
وكلام أهل البدع في الدجال هو أنهم ردوا هذه الأحاديث، وهم على طائفتين: الطائفة الأولى: ردوا هذه الأحاديث كلية، يعني: كذبوها.
والطائفة الثانية: لم ترد، ولكنها أولتها تأويلاً غير مقبول وغير سائغ.
أما الطائفة التي ردتها فهم: المعتزلة والخوارج، فإنهم ردوا أحاديث الدجال ولم يؤمنوا بها، وقالوا: هذه الأحاديث ليست بثابتة.
والطائفة الثانية قالوا: الدجال رمز لكل شر، يعني: أن أحاديث الدجال هذه ليست على حقيقتها، فـ الدجال ليس بشراً من لحم ودم، بل هو رمز يدل على كل شر.
وقالوا: أما بالنسبة لأحاديث عيسى ﵇ والملائكة فهذا رمز لكل خير، فـ الدجال رمز لكل شر، ونزول عيسى وقتل الدجال هو رمز لكل خير.
فالمعتزلة وأفراخ المعتزلة الذين هم أهل الأهواء ردوا الأحاديث أو أولوها، والأحاديث الصحيحة ترد عليهم، فإن النبي ﷺ صرح بوجود الدجال، وصرح بفتنته، والأحاديث في البخاري ومسلم ترد عليهم.
ولا نعاني إلا الرد على بعض الفضلاء الذين قالوا: الدجال ليس موجوداً الآن، أي: يقولون: نحن نؤمن بمجيء الدجال بفتنته، لكن لا نثبت وجوده الآن، فهؤلاء يقولون: ليس بموجود الآن، وشبهتهم في ذلك: أن الأقمار الصناعية الموجودة في هذا العصر الحديث لم تر الدجال، يعني: أن الأقمار الصناعية التي رأت كل شيء لم تكشف لنا عن وجود الدجال، فالأقمار الصناعية والجواسيس والمستحدثات الكثيرة لم تر الدجال، فلو كان موجوداً في أي بقعة من بقاع الأرض لرأته الأقمار الصناعية من الفضاء، قالوا: فإننا ننظر بواسطتها في كل بقاع الأرض، فلم نجد الدجال، ولا رأيناه مسلسلاً ولا غير ذلك، وأيضاً: لم نره موجوداً تحت ساحل البحر، ولا في الصحراء، ولا في أي مكان، فـ الدجال غير موجود.
فنقول لهم: أأنتم أعلم أم رسول الله ﷺ ؟ فإن الله جل وعلا قد أثبت وجود الدجال على لسان رسوله ﷺ ، وقد ثبت لنا في الحديث الصحيح عن النبي ﷺ أن الدجال موجود، وأن فتنته ستأتي على هذه الأمة، فإن رددتموها على الله وعلى رسوله ﷺ بهذه الشبهة التافهة فقد ضللتم، فالأقمار الصناعية وغيرها هي قاصرة عن رؤية أخبار الثقة، وهي قاصرة عن الاطلاع على الأضواء التي تسقطها هي، فإن بعضهم يقول: إنهم نزلوا في قرية من القرى وأسقطوا عليها الأشعة فخفيت عن هذه الأقمار الصناعية، فالأقمار الصناعية ما أحاطت علماً بالغيب، والله هو الذي أحاط العلم بالغيب.
فبالنسبة للأقمار الصناعية نقول فيها: هي من صنيع البشر، والأصل في البشر العجز والتقصير، فيكون ما نتج منهم أيضاً عاجز وقاصر عن أن يرى مثل هذه الغيبيات، التي أخبرنا بها جل وعلا، ومن هؤلاء الفضلاء: الشيخ محمد بن صالح بن العثيمين، وهو يؤمن بفتنة الدجال، لكن لا يثبت وجوده الآن، ويرى عدم صحة حديث تميم الداري في مسلم، وفيه قال النبي ﷺ : (حدثني تميم الداري بحديث قد حدثتكم به) ثم ذكر ما رآه تميم الداري من أنه دخل إلى الجزيرة فوجد دابة كثيرة الشعر، فدلته على الدجال، إلى آخر الحديث، ثم أخبر النبي ﷺ عن هذا الخبر، ففرح ﷺ بهذا الوصف وخطب الناس.
وقال: (حدثني تميم الداري) ثم ذكر خبر الدجال، فالشيخ ابن العثيمين كأنه يضعف هذا الحديث، والحديث ثابت في صحيح مسلم، والأصل أن لا يرد هذا الحديث من أجل أننا نقول: ما رأيناه في مكان من الأمكنة، بل ثبت عن النبي ﷺ وجود الدجال منذ زمنه ﷺ إلى وقتنا هذا، فنحن نثبته والنبي ﷺ قد أثبته، ولم يأتنا دليل على نفي وجوده.
نسأل الله جل وعلا أن يثبتنا ويثبت المسلمين من هذه الفتن، ويقينا الظاهرة منها والباطنة.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.
стр. 664
شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة-المفاضلة بين بني آدم والملائكة
اختلف العلماء في المفاضلة بين المؤمنين والملائكة، والراجح أن الملائكة أفضل باعتبار البداية أي في الدنيا، والمؤمنون أفضل باعتبار النهاية أي في الآخرة، وهذا التفصيل يجمع به بين الأدلة، وهو ما رجحه شيخ الإسلام ابن تيمية.
стр. 665
ذكر الخلاف في المفاضلة بين بني آدم والملائكة
إن الحمد لله؛ نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
ثم أما بعد: ذكر المؤلف هنا مسألة: تفضيل بني آدم على الملائكة، وهذه مسألة عجيبة جداً، يقل من يتكلم فيها، وبعض المبتدعة قالوا: هذه المسألة محدثة لم يتكلم فيها أحد من الصحابة، ولا من التابعين، ولا من السلف.
ويرد عليهم: أنه قد ورد بالسند الصحيح الكلام في هذه المسألة، فتكلم فيها عبد الله بن سلام، وتكلم فيها عمر بن عبد العزيز وكثير من السلف.
وقبل أن ندخل في هذه المقارنة بين من أفضل صالحي البشر أم الملائكة؟ نقول: إن النبي ﷺ هو أفضل من الملائكة، بل أفضل الخلق على الإطلاق ﷺ ، فما خلق الله خلقاً أكرم عليه من محمد ﷺ ، والنبي ﷺ ما ناداه جل وعلا في كتابه العزيز باسمه قط؛ توقيراً له وتعظيماً، فما ناداه إلا بلقبه، كما قال : ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ [المائدة:٦٧].
وقال جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ [التحريم:١].
وقال تعالى: ﴿يا أيها النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق:١] فما ناداه الله جل وعلا إلا بلقبه؛ تعظيماً وتوقيراً لهذا النبي العظيم ﷺ .
أيضاً من الدلائل على تعظيم النبي ﷺ وتقديمه على الملائكة: أنه ليلة المعراج لما عرج به مع جبريل كان جبريل له منتهى، وقال له: لا أستطيع بعد ذلك، اصعد أنت، فهذه دلالة على فضل النبي ﷺ ، وأنه أرقى من جبريل ﵇.
أيضاً من الدلائل على تفضيل النبي ﷺ على الملائكة: ما قاله عبد الله بن سلام ما خلق الله خلقاً أكرم عليه من محمد ﷺ .
قالوا: يا عبد الله! وجبريل وميكائيل؟ قال: هل تدرون ما جبريل وميكائيل؟ هم كالشمس والقمر.
يعني: مسخرين كالشمس والقمر، أما النبي ﷺ فهو مكلف، يعني: يعمل بأوامر الله جل وعلا وينتهي عما نهاه الله عنه.
إذاً: فالنبي ﷺ أفضل من الملائكة، وأفضل الخلق على الإطلاق إذا قلنا بهذه الآية الكريمة: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ﴾ [البينة:٧] والتفسير الصحيح: أن البرية: هم الخلائق أو الخليقة، فهذه الآية فيها دلالة على أن البشر خير من الملائكة، فإذا قلنا: ولد آدم خير من الملائكة فمن باب أولى أن يكون النبي ﷺ هو خير من الملائكة؛ لأنه سيد ولد آدم ﷺ .
إذاً: فالإطلاق أولاً: أن النبي ﷺ خير من الملائكة، بل خير من الخلق أجمعين.
أما بالنسبة لصالحي البشر فهل هم خير أم الملائكة؟ اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين: القول الأول: قول كثير من أهل السنة والجماعة: أن صالحي البشر أفضل من الملائكة.
القول الثاني: قول المعتزلة والخوارج وبعض أهل السنة والجماعة: أن الملائكة أفضل من صالحي البشر.
стр. 666
أدلة من رأى أن صالحي البشر أفضل من الملائكة
أدلة من قال بأن صالحي البشر هم أفضل من الملائكة أدلة كثيرة، كما يلي: الدليل الأول: أن الله جل وعلا أمر الملائكة بالسجود لآدم، ولا يسجد الملك إلا لمن هو خير منه.
قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ * فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ﴾ [الحجر:٢٨ - ٢٩].
وقال : ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا﴾ [البقرة:٣٤] فالسجود يدل على شرف المسجود له.
الدليل الثاني من الأدلة التي تبين فضل صالحي البشر على الملائكة: أن الله جل وعلا علم آدم ما لم يعلمه أحداً من ملائكته، ومعلوم أن العالم أفضل بكثير من غيره الذي ليس بعالم، قال الله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر:٩].
وقال الله تعالى: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة:١١] والله جل وعلا سأل الملائكة: ﴿فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلاءِ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ * قَالُوا سُبْحَانَكَ لا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ * قَالَ يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ﴾ [البقرة:٣١ - ٣٣] ففيه دلالة على أن مرتبة آدم أعلى من الملائكة بالعلم.
الدليل الثالث: أن الملائكة يلهمون التسبيح ويلهمون الذكر والعبادة لله جل وعلا، أما البشر فهم مكلفون، والتكليف فيه مشقة عليهم، والذي تشق عليه العبادة يكون أرقى من الذي لا تشق عليه العبادة، كما في الصحيحين عن عائشة ﵂ وأرضاها: أن النبي ﷺ قال لها: (أجرك على قدر نصبك) يعني: أجرك على قدر تعبك.
فكل تعب له أجر، والبشر تشق عليهم العبادة، ويخالفون شهواتهم وأنفسهم من أجل رضا الله جل وعلا.
الدليل الرابع: أن الله قد خلق آدم بيده، ففيه دلالة على أنه أفضل من الملائكة؛ لأنه خلق الملائكة بـ (كن)، أما آدم فخلقه الله بيده، كما قال : ﴿قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْعَالِينَ﴾ [ص:٧٥] فالله جل وعلا خلق آدم بيده ونفخ فيه من روحه، يعني: من روح من عنده.
أما الملائكة: فقد خلقهم الله بالكلمة، فقال لهم: كونوا، فكانوا.
الدليل الخامس: أن الله جل وعلا لا يباهي بأحد إلا وهو أفضل من الذي يباهى عنده.
فعن ابن مسعود ﵁ وأرضاه بسند صحيح أن النبي ﷺ قال: (أبشروا فإن الله يباهي بكم الملائكة، يقول: انظروا إلى عبادي هؤلاء، قضوا فريضة وهم ينتظرون أخرى).
ويقول النبي ﷺ أيضاً: (إن الله يباهي بأهل عرفة الملائكة يقول: انظروا إلى هؤلاء جاءوني شعثاً غبراً).
فالمباهاة هاهنا تدل على فضل صالحي البشر الملائكة، وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾ [الإسراء:٧٠].
стр. 667
أدلة من رأى أن الملائكة أفضل من صالحي البشر
القول الثاني: قول المعتزلة وبعض أهل السنة والجماعة أن الملائكة أفضل من صالحي البشر، واستدلوا على ذلك بأدلة كثيرة أولها وهو أقواها: الحديث الذي في الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال: (قال الله تعالى: من ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، ومن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منه).
ووجه الشاهد قوله: (خير منه).
ففيه دلالة على أن الخيرية كتبت لمن ذكر عندهم.
ثانيها: قول الله تعالى على لسان بعض الأنبياء: ﴿وَلا أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ﴾ [هود:٣١] فهنا يقول: أنا لست بملك وإنما أنا بشر، فهذا يبين فضل الملائكة.
الدليل الثالث: أنهم لا يتغوطون ويذكرون الله ليل نهار، ومنهم المسبح، ومنهم: الراكع، ومنهم: الساجد، ومنهم المحتف حول حلقات العلم ينظر في ذكر الله جل وعلا ويصعد به إلى السماء.
قال النبي ﷺ : (من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين) فالذين يحضرون مجالس الذكر ومجالس العلم يفضلون أنفسهم حتى يتعلموا دين الله جل وعلا، وهؤلاء من أفضل البشر إن لم يكونوا هم أفضل البشر على الإطلاق.
فهذه من أدلة من قال بأن الملائكة أفضل من البشر.
والملائكة تتفاوت مكانتهم؛ فجبريل منزلته أرقى المنازل عند الله جل وعلا.
стр. 668
ذكر الراجح في مسألة المفاضلة بين الملائكة وصالحي البشر
والترجيح حقاً لا يخرج عن توضيح شيخ الإسلام.
قال شيخ الإسلام: أما الملائكة فهم أفضل باعتبار البداية، فالملائكة يسبحون ويحمدون ولا يعصون الله ما أمرهم، فمنهم: الذاكر، ومنهم: المسبح، ومنهم: الراكع، ومنهم: الساجد، ومنهم: الموكل بأمر لا يمكن أن يعصي الله جل وعلا فيه بحال من الأحوال، فهذا حقاً أكمل المراتب.
بل أنت عندما تخلو بربك فتدمع عينك وتبكي رقة من الله جلا وعلا، وتذوق حلاوة الإيمان تقول: لا أحد مثلي في هذه الدنيا، أنا في جنة ما دخلها أحد.
فالملائكة هم في هذه الحال طيلة هذه الحياة، فالملائكة أفضل باعتبار البداية؛ لأنهم على أكمل المراتب في هذه الحياة.
أما في الآخرة: فالبشر أفضل من الملائكة؛ إذ إنهم عند دخولهم الجنة يكونون أرقى بكثير من الملائكة، ويزدادون قربة من الله، وينظرون إلى وجهه سبحانه، ويتمتعون بما في الجنة، وخدم أهل الجنة هم الملائكة، فهذه دلالة على أنهم أرقى عند الدخول.
فيكون الترجيح هو اعتبار البداية واعتبار النهاية: فالملائكة أفضل باعتبار البداية، وصالحو البشر أفضل باعتبار النهاية، وبهذا تتآلف الأدلة وتجتمع ويحصل الجمع بين القولين.
والملائكة الذين في السماء الأولى ليسوا بنفس درجة الذين في السماء الثانية، والذين في الثالثة ليسوا بدرجة الذين في الثانية، بل هم أعلى منهم وأرقى، فتتفاوت مراتب الملائكة، وأرقى الخلق من الملائكة عند الله جل وعلا هو جبريل، وميكائيل، وإسرافيل.
والملائكة يلهمون هذا، لكن نقول: هذا الإلهام فيه علو الدرجات وفيه قرب كبير من الله جل وعلا، وشعور بحلاوة الإيمان عندما يسبحون الله، ويذكرونه جل وعلا.
стр. 669
الأسئلة
стр. 670
بيان أن ابن صياد ليس هو الدجال
السؤال
هل ابن صائد هو الدجال؟
الجواب
الذي جعل الناس يشكون في أنه الدجال هو أن النبي ﷺ كان يختبئ له خلف الأشجار، وجاءه مرة وهو معلق بين شجرتين يهمهم همهمة الشياطين، فقالت له أمه: يا صاف! هذا محمد ﷺ فدعاه.
فقام فزعاً.
فقال له النبي ﷺ : (ما يأتيك) أو قال: (ما ترى؟ قال: أرى عرشاً على الماء يأتيني صادق وكاذب.
فقال النبي ﷺ لـ عمر: خلط عليه، ثم قال له: خبأت لك خبيئة.
قال: الدخ.
فقال له النبي ﷺ : اخسأ فلن تعدو قدرك، فقال عمر: يا رسول الله! دعني أضرب عنقه، قال: إن يكنه فلن تسلط عليه).
يعني: ليس لك أن تقتله، إذ إن الله سيفتن به الناس في آخر الخليقة، (وإن لم يكنه فلا خير لك في قتله).
فهذا الحديث هو الذي جعل الناس يشكون هل هو ابن صائد أم لا؟ فالصحابة شكوا فيه.
وفي حديث جابر وغيره أنه كان ذاهباً إلى مكة ليحج فقال له: أما زلت تشك فيه؟ أو أتشك فيه؟ أما قال النبي ﷺ : (إنه لا يدخل مكة ولا المدينة) وأنا ذاهب من المدينة إلى مكة، أما قال: (إنه لا يولد له ولد) وأنا عندي من الأولاد كذا، ثم بين لهم أنه ليس هو، وبعدما اقتنع جابر وانتظر حتى استقر في قلبه أنه ليس هو شككه مرة ثانية.
فقال: ولو عرض علي ما رفضته، يعني: لو عرض عليه أنه يكون هو الدجال الأكبر ما رفض، وهذه أيضاً تشكك، لكن لا تجعل المرء يستيقن أنه هو الدجال، فهو بيقين ليس بـ ابن صائد، بل ابن صائد مات ودفن وصلوا عليه.
ومن أوضح الأدلة ما جاء عن النبي ﷺ أنه قال: (لا تأتي مائة سنة وعلى الأرض نفس منفوسة اليوم) يعني: أن كل موجود على أرض البسيطة في هذه المائة سنة سيموت.
لكن يشكل على هذا أن المسيح الدجال كان موجوداً والنبي ﷺ لم يره؛ إذ إن تميماً الداري قد رآه، ولكن يقال: لو كان المسيح هو ابن صائد لأخبر به تميم الداري؛ فإنه رآه في المدينة؛ لأنه كان في المدينة، والصحابة كلهم كانوا في المدينة، ولذلك النووي عند أن تكلم في هذه الأحاديث قال: إن النبي ﷺ لما وصف له تميم الداري الدجال وصفه بنفس الوصف الذي وصفه حين قال: إنه أعور، وإنه كذاب، وهذا يبين أن هذا الوصف يخالف تماماً الذي عليه ابن صائد.
ومن الأدلة على أن ابن صائد ليس هو الدجال: أن تميماً الداري رآه مسلسلاً، وابن صائد لم يكن مسلسلاً، بل كان حراً موجوداً حياً يرزق.
وأيضاً: قد ولد له، والنبي ﷺ قال: (لا يولد له) فهذه أدلة فيها قطع النزاع في ذلك.
следующие страницы →