Полный текст (838 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.
стр. 666
أدلة من رأى أن صالحي البشر أفضل من الملائكة
أدلة من قال بأن صالحي البشر هم أفضل من الملائكة أدلة كثيرة، كما يلي: الدليل الأول: أن الله جل وعلا أمر الملائكة بالسجود لآدم، ولا يسجد الملك إلا لمن هو خير منه.
قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ * فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ﴾ [الحجر:٢٨ - ٢٩].
وقال : ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا﴾ [البقرة:٣٤] فالسجود يدل على شرف المسجود له.
الدليل الثاني من الأدلة التي تبين فضل صالحي البشر على الملائكة: أن الله جل وعلا علم آدم ما لم يعلمه أحداً من ملائكته، ومعلوم أن العالم أفضل بكثير من غيره الذي ليس بعالم، قال الله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر:٩].
وقال الله تعالى: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة:١١] والله جل وعلا سأل الملائكة: ﴿فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلاءِ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ * قَالُوا سُبْحَانَكَ لا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ * قَالَ يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ﴾ [البقرة:٣١ - ٣٣] ففيه دلالة على أن مرتبة آدم أعلى من الملائكة بالعلم.
الدليل الثالث: أن الملائكة يلهمون التسبيح ويلهمون الذكر والعبادة لله جل وعلا، أما البشر فهم مكلفون، والتكليف فيه مشقة عليهم، والذي تشق عليه العبادة يكون أرقى من الذي لا تشق عليه العبادة، كما في الصحيحين عن عائشة ﵂ وأرضاها: أن النبي ﷺ قال لها: (أجرك على قدر نصبك) يعني: أجرك على قدر تعبك.
فكل تعب له أجر، والبشر تشق عليهم العبادة، ويخالفون شهواتهم وأنفسهم من أجل رضا الله جل وعلا.
الدليل الرابع: أن الله قد خلق آدم بيده، ففيه دلالة على أنه أفضل من الملائكة؛ لأنه خلق الملائكة بـ (كن)، أما آدم فخلقه الله بيده، كما قال : ﴿قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْعَالِينَ﴾ [ص:٧٥] فالله جل وعلا خلق آدم بيده ونفخ فيه من روحه، يعني: من روح من عنده.
أما الملائكة: فقد خلقهم الله بالكلمة، فقال لهم: كونوا، فكانوا.
الدليل الخامس: أن الله جل وعلا لا يباهي بأحد إلا وهو أفضل من الذي يباهى عنده.
فعن ابن مسعود ﵁ وأرضاه بسند صحيح أن النبي ﷺ قال: (أبشروا فإن الله يباهي بكم الملائكة، يقول: انظروا إلى عبادي هؤلاء، قضوا فريضة وهم ينتظرون أخرى).
ويقول النبي ﷺ أيضاً: (إن الله يباهي بأهل عرفة الملائكة يقول: انظروا إلى هؤلاء جاءوني شعثاً غبراً).
فالمباهاة هاهنا تدل على فضل صالحي البشر الملائكة، وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾ [الإسراء:٧٠].
стр. 667
أدلة من رأى أن الملائكة أفضل من صالحي البشر
القول الثاني: قول المعتزلة وبعض أهل السنة والجماعة أن الملائكة أفضل من صالحي البشر، واستدلوا على ذلك بأدلة كثيرة أولها وهو أقواها: الحديث الذي في الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال: (قال الله تعالى: من ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، ومن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منه).
ووجه الشاهد قوله: (خير منه).
ففيه دلالة على أن الخيرية كتبت لمن ذكر عندهم.
ثانيها: قول الله تعالى على لسان بعض الأنبياء: ﴿وَلا أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ﴾ [هود:٣١] فهنا يقول: أنا لست بملك وإنما أنا بشر، فهذا يبين فضل الملائكة.
الدليل الثالث: أنهم لا يتغوطون ويذكرون الله ليل نهار، ومنهم المسبح، ومنهم: الراكع، ومنهم: الساجد، ومنهم المحتف حول حلقات العلم ينظر في ذكر الله جل وعلا ويصعد به إلى السماء.
قال النبي ﷺ : (من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين) فالذين يحضرون مجالس الذكر ومجالس العلم يفضلون أنفسهم حتى يتعلموا دين الله جل وعلا، وهؤلاء من أفضل البشر إن لم يكونوا هم أفضل البشر على الإطلاق.
فهذه من أدلة من قال بأن الملائكة أفضل من البشر.
والملائكة تتفاوت مكانتهم؛ فجبريل منزلته أرقى المنازل عند الله جل وعلا.
стр. 668
ذكر الراجح في مسألة المفاضلة بين الملائكة وصالحي البشر
والترجيح حقاً لا يخرج عن توضيح شيخ الإسلام.
قال شيخ الإسلام: أما الملائكة فهم أفضل باعتبار البداية، فالملائكة يسبحون ويحمدون ولا يعصون الله ما أمرهم، فمنهم: الذاكر، ومنهم: المسبح، ومنهم: الراكع، ومنهم: الساجد، ومنهم: الموكل بأمر لا يمكن أن يعصي الله جل وعلا فيه بحال من الأحوال، فهذا حقاً أكمل المراتب.
بل أنت عندما تخلو بربك فتدمع عينك وتبكي رقة من الله جلا وعلا، وتذوق حلاوة الإيمان تقول: لا أحد مثلي في هذه الدنيا، أنا في جنة ما دخلها أحد.
فالملائكة هم في هذه الحال طيلة هذه الحياة، فالملائكة أفضل باعتبار البداية؛ لأنهم على أكمل المراتب في هذه الحياة.
أما في الآخرة: فالبشر أفضل من الملائكة؛ إذ إنهم عند دخولهم الجنة يكونون أرقى بكثير من الملائكة، ويزدادون قربة من الله، وينظرون إلى وجهه سبحانه، ويتمتعون بما في الجنة، وخدم أهل الجنة هم الملائكة، فهذه دلالة على أنهم أرقى عند الدخول.
فيكون الترجيح هو اعتبار البداية واعتبار النهاية: فالملائكة أفضل باعتبار البداية، وصالحو البشر أفضل باعتبار النهاية، وبهذا تتآلف الأدلة وتجتمع ويحصل الجمع بين القولين.
والملائكة الذين في السماء الأولى ليسوا بنفس درجة الذين في السماء الثانية، والذين في الثالثة ليسوا بدرجة الذين في الثانية، بل هم أعلى منهم وأرقى، فتتفاوت مراتب الملائكة، وأرقى الخلق من الملائكة عند الله جل وعلا هو جبريل، وميكائيل، وإسرافيل.
والملائكة يلهمون هذا، لكن نقول: هذا الإلهام فيه علو الدرجات وفيه قرب كبير من الله جل وعلا، وشعور بحلاوة الإيمان عندما يسبحون الله، ويذكرونه جل وعلا.
стр. 669
الأسئلة
стр. 670
بيان أن ابن صياد ليس هو الدجال
السؤال
هل ابن صائد هو الدجال؟
الجواب
الذي جعل الناس يشكون في أنه الدجال هو أن النبي ﷺ كان يختبئ له خلف الأشجار، وجاءه مرة وهو معلق بين شجرتين يهمهم همهمة الشياطين، فقالت له أمه: يا صاف! هذا محمد ﷺ فدعاه.
فقام فزعاً.
فقال له النبي ﷺ : (ما يأتيك) أو قال: (ما ترى؟ قال: أرى عرشاً على الماء يأتيني صادق وكاذب.
فقال النبي ﷺ لـ عمر: خلط عليه، ثم قال له: خبأت لك خبيئة.
قال: الدخ.
فقال له النبي ﷺ : اخسأ فلن تعدو قدرك، فقال عمر: يا رسول الله! دعني أضرب عنقه، قال: إن يكنه فلن تسلط عليه).
يعني: ليس لك أن تقتله، إذ إن الله سيفتن به الناس في آخر الخليقة، (وإن لم يكنه فلا خير لك في قتله).
فهذا الحديث هو الذي جعل الناس يشكون هل هو ابن صائد أم لا؟ فالصحابة شكوا فيه.
وفي حديث جابر وغيره أنه كان ذاهباً إلى مكة ليحج فقال له: أما زلت تشك فيه؟ أو أتشك فيه؟ أما قال النبي ﷺ : (إنه لا يدخل مكة ولا المدينة) وأنا ذاهب من المدينة إلى مكة، أما قال: (إنه لا يولد له ولد) وأنا عندي من الأولاد كذا، ثم بين لهم أنه ليس هو، وبعدما اقتنع جابر وانتظر حتى استقر في قلبه أنه ليس هو شككه مرة ثانية.
فقال: ولو عرض علي ما رفضته، يعني: لو عرض عليه أنه يكون هو الدجال الأكبر ما رفض، وهذه أيضاً تشكك، لكن لا تجعل المرء يستيقن أنه هو الدجال، فهو بيقين ليس بـ ابن صائد، بل ابن صائد مات ودفن وصلوا عليه.
ومن أوضح الأدلة ما جاء عن النبي ﷺ أنه قال: (لا تأتي مائة سنة وعلى الأرض نفس منفوسة اليوم) يعني: أن كل موجود على أرض البسيطة في هذه المائة سنة سيموت.
لكن يشكل على هذا أن المسيح الدجال كان موجوداً والنبي ﷺ لم يره؛ إذ إن تميماً الداري قد رآه، ولكن يقال: لو كان المسيح هو ابن صائد لأخبر به تميم الداري؛ فإنه رآه في المدينة؛ لأنه كان في المدينة، والصحابة كلهم كانوا في المدينة، ولذلك النووي عند أن تكلم في هذه الأحاديث قال: إن النبي ﷺ لما وصف له تميم الداري الدجال وصفه بنفس الوصف الذي وصفه حين قال: إنه أعور، وإنه كذاب، وهذا يبين أن هذا الوصف يخالف تماماً الذي عليه ابن صائد.
ومن الأدلة على أن ابن صائد ليس هو الدجال: أن تميماً الداري رآه مسلسلاً، وابن صائد لم يكن مسلسلاً، بل كان حراً موجوداً حياً يرزق.
وأيضاً: قد ولد له، والنبي ﷺ قال: (لا يولد له) فهذه أدلة فيها قطع النزاع في ذلك.
стр. 671
شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة - حقوق أولياء الأمور
لقد أمر الله بطاعة ولاة الأمور من السلاطين والعلماء، لكن طاعتهم تابعة لطاعته سبحانه، ونهى النبي ﷺ عن الخروج على ولاة الأمور إن لم يأتوا كفراً بواحاً؛ لما في ذلك من المفاسد العظيمة، من سفك للدماء وانتهاك للأعراض، وغير ذلك.
стр. 672
حقيقة ولاة الأمور
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
ما زلنا مع هذا الكتاب العظيم، كتاب شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة، للعلامة اللالكائي، وقد انتهينا في الدرس الماضي من الكلام عن الغيبيات، وتكلمنا عن الدجال، وعن اختلاف العلماء في تفضيل بني البشر على الملائكة، واليوم إن شاء الله سيكون الكلام عن سياق ما روي عن النبي ﷺ في طاعة الأئمة والأمراء ومنع الخروج عليهم، ثم نختمها بالكلام على الطائفة المبتدعة وما روي عن النبي ﷺ في الخوارج.
اختلف العلماء في ولاة الأمور هل هم الأمراء أم العلماء؟ على قولين، والصحيح الراجح: أن الأمراء والعلماء هم ولاة الأمور؛ لقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء:٥٩]، فهذه خاصة بالأمراء أو السلاطين، والآية الأخرى تدل على أن ولاة الأمور هم العلماء، قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ [النساء:٨٣].
فالاستنباط هو من خصائص العلماء، فدل ذلك على أن الأمراء هم العلماء، والسلاطين: هم الذين لهم الحكم بالقوة والملك، والعلماء: لهم الحكم بالحجة والبيان.
стр. 673
السمع والطاعة لولاة الأمور وضوابط ذلك
إن أول ما يجب على الأمة تجاه الأمراء أو العلماء السمع والطاعة.
والسمع والطاعة من أهم واجبات هذه الأمة بالنسبة لولاة الأمور، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء:٥٩].
وفي الصحيحين عن عبادة بن الصامت عن النبي ﷺ قال: (بايعنا الرسول ﷺ على السمع والطاعة في منشطنا ومكرهنا، وعلى أثرة منا)، فالشاهد من الحديث قوله: (على السمع والطاعة) يعني: لولاة الأمور.
وفي حديث مسلم عن جرير بن عبد الله البجلي ﵁ وأرضاه قال: (بايعت رسول الله ﷺ على السمع والطاعة).
وفي السنن عن العرباض بن سارية ﵁ وأرضاه قال: (وعظنا رسول الله ﷺ موعظة بليغة فقلنا: يا رسول الله! كأنها موعظة مودع فأوصنا، فقال الرسول ﷺ : عليكم بالسمع والطاعة وإن تأمر عليكم عبد حبشي كأن رأسه زبيبة).
وأيضاً وردت أحاديث كثيرة في السمع والطاعة من الأمة للأمراء والعلماء، قال النبي ﷺ : (عليك بالسمع والطاعة وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك).
وعن ابن مسعود ﵁ وأرضاه أن النبي ﷺ قال: (اسمعوا وأطيعوا وأدوا الذي عليكم وسلوا الله الذي لكم).
فالأدلة كثيرة على السمع والطاعة، لكن السمع والطاعة على هذه الأمة نحو الأمراء والعلماء ليست مطلقة بل مقيدة، صحيح أن كل هذه الأحاديث والآيات التي ذكرت السمع والطاعة مطلقة، لكنها قيدت بآثار أخرى، فمنها: ما ورد في الصحيحين عن ابن عمر ﵄ أنه قال: قال رسول الله ﷺ : (إنما الطاعة في المعروف).
وإنما أسلوب حصر، يعني: الطاعة كل الطاعة لا تكون إلا بالمعروف، فإن كانت معصية فلا سمع ولا طاعة.
وأيضاً قال النبي ﷺ : (لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق).
وفي رواية قال النبي ﷺ : (إذا أمرك بالمعصية فلا سمع ولا طاعة).
وما من خليفة راشد استلم الخلافة في عهد السلف إلا وخطب الناس أول ما خطبهم وقال: أطيعوني ما أطعت الله فيكم.
فشرط الطاعة بطاعة الله جل وعلا.
وأيضاً قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء:٥٩]، فما قال: وأطيعوا أولي الأمر منكم، أي: لم يجعلها طاعة مستقلة، بل جعلها تابعة لطاعة الله وطاعة رسوله، فهذه دلالة على أن هذه الطاعة ليست طاعة مطلقة، بل سمع وطاعة فيما يرضي الله جل وعلا.
أما بالنسبة للمعصية فلا، ولذلك ورد عن عمر بسند صحيح أنه قال: (عليك بالسمع والطاعة وإن أمرك بما ينقص دنياك، أما إن أمرك بما ينقص دينك فقل: دمي دون ديني).
إذاً: فالسمع والطاعة لولاة الأمور من العلماء والأمراء مقيدة بما يرضي الله جل وعلا، فإنما الطاعة في المعروف.
стр. 674
النصيحة لولاة الأمور
من الواجبات التي لا بد أن تؤديها الأمة نحو ولاة الأمور من العلماء والأمراء: النصيحة.
والنصح يكون للأمراء والعلماء، إذ من الممكن أن يزل عالم أو يجهل مسألة أو يخطئ فيها فتنصح له، فالنصح للعلماء وللأمراء.
قال بعض العلماء: إن النصح واجب على كل امرئ لولاة الأمور.
والأدلة على ذلك كثيرة من الكتاب ومن السنة، قال الله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة:٢]، والتعاون على البر والتقوى: أن تنصح في الله فيما ينفع وتحذر مما يضر.
وفي صحيح مسلم عن النبي ﷺ أنه قال: (الدين النصيحة، قلنا: لمن يا رسول الله؟ قال: لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم).
وأيضاً في صحيح مسلم من حديث جرير بن عبد الله البجلي ﵁ وأرضاه قال: (بايعت رسول الله ﷺ على السمع والطاعة، والنصح لكل مسلم).
إذاً: فالنصح يكون للعلماء والأمراء ولآحاد المسلمين، وهو من باب الإرشاد والتعاون على البر والتقوى.
وفي الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: (ثلاث لا يغل عليهن قلب امرئ مسلم، وذكر منها: والنصح لولاة الأمور).
стр. 675
آداب النصيحة وهدي السلف في ذلك
من الواجبات على هذه الأمة أن تنصح لولاة الأمور، وهذا النصح له آداب لا بد أن يتحلى بها الناصح.
أولاً: أن يكون عالماً بهذه النصيحة التي سيؤديها من الكتاب أو من السنة، وعنده الإتقان في هذه المسألة التي سينصح فيها.
ثانياً: أن يكون هذا النصح سراً لا علانية وجهاراً؛ لدرء المفاسد، وهذا من هدي السلف، أي: أنهم كانوا يناصحون ولاة الأمور في السر لا في العلن، دليل ذلك: حديث ابن عباس ﵁ وأرضاه قال: (من أراد منكم أن ينصح أميره أو ذي السلطان فلا يبديه علانية، وليمسك بيده، فإن سمع منه، فهذا المحمود المطلوب، وإلا فقد أدى الذي عليه) يعني: أدى الناصح الذي عليه.
وأيضاً في الصحيح: (أن أسامة بن زيد ﵁ وأرضاه جاءه الناس، فقالوا: يا أسامة ألا تدخل على عثمان فتكلمه، أي: في أشياء تأول فيها وأنكرها بعض الناس، فالإنكار هنا كان للتأويل وعثمان ﵁ وأرضاه في خلافته هو سيد الأمة بالإجماع وبالاتفاق، ولم يخالف هذا الأمر إلا أهل البدع الذين أنكروا ذلك، فـ عثمان تأول بعض التأويلات أنكرت عليه، فقالوا: (يا أسامة ألا تدخل عليه تكلمه -يعني: تنكر عليه- قال: أو كلما كلمته تسمعون؟ والله لقد كلمته فيما بيني وبينه، ولا أحب أن أفتح باباً أكون أنا أول من فتحه).
يعني: لا أريد أن أكون أول من فتح باب الإنكار علناً على ولاة الأمور؛ فتحصل المفاسد العظيمة والشر المستطير، وانقلاب الناس على ولي الأمر والخروج عليه.
فهذا أسامة بن زيد حب رسول الله ﷺ كان ينصح ولي الأمر سراً بينه وبينه.
كان الإمام مالك يقول: إذا دخلت على ولي الأمر ولك كلمة عنده فانصح، وإلا فلا تذهب إليه، إلا أن تعلم أنه سيسمع لقولك فتنصح لله سراً.
وكان الإمام الأوزاعي يكتب إليهم بالرسائل، وكذا ابن المبارك والنووي كانا يكتبان لولاة الأمور بالنصح بالكتاب والسنة قال الله قال الرسول، سراً، ويبعثان إليهم بهذه الرسائل لعل الله جل وعلا أن ينفع بها.
إذاً: فالنصح لهم بالسر.
стр. 676
النصح لولاة الأمور بالدعاء
إذاً: فالنصح نوعان: النصح سراً وبالرسائل، والثاني: بالدعاء.
هذا هو فعل السلف كما قال النبي ﷺ : (الدعوة المستجابة دعوة الأخ المسلم لأخيه بظهر الغيب).
وكما ورد بسند صحيح عن الإمام أحمد قال: لو كانت لي دعوة مستجابة لخبأتها لولي الأمر.
لم؟ لأن الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن.
فالناس كما يقولون تبع لملوكهم، إن كان شرقاً كانوا في المشرق وإن كان غرباً كانوا في المغرب.
فالمرء المخلص إن علم أن له دعوة مستجابة عند الله جل وعلا ورفع يده لله جل وعلا سراً أو سحراً فيقول: اللهم أصلح ولاة الأمور، واجعل أمرهم لنصر دين الله جل وعلا، ولإعلاء كلمتك، فإن كان مخلصاً واستجاب الله له فإن الدين ينصر بمثل هؤلاء، والله جل وعلا ينصر الدين بكل واحد نصبه، ودلالة ذلك: أن الخلافة الأموية حدث فيها ظلم وفسق استشرى، ومع ذلك كانت الانتصارات على أيدي هؤلاء، فهذا الحجاج فيه من الظلم والفجور والفسق ما فيه، حتى اختلف العلماء في حكمه هل هو كافر أم لا؟ ومع ذلك جعل الله الانتصارات على يديه.
والخلافة العباسية حدث فيها ما حدث من الفسق والظلم والفجور، ومع ذلك كانت فيها فتوحات وانتصارات.
فكان هارون الرشيد يقول للسماء: أمطري حيث شئتِ فيأتيني خراجكِ.
وكان يحج عاماً ويجاهد عاماً، وتكلم مع ملك الروم بكلمات تبين عزة الدين، قال: من هارون الرشيد أمير المؤمنين إلى كلب الروم الأمر ما ترى لا ما تسمع.
فولاة الأمور إذا صح دينهم ودعوت الله مخلصاً أن يجعل الله عملهم نصرة للدين، فهذا من أفضل الأعمال التي تقدمها لله جل وعلا، ومن أفضل النصح لولاة الأمور، فكونك تدعو لهم سحراً: اللهم اجعلهم نصراً للدين، وارفع بهم راية لا إله إلا الله، فهذا نصراً للأمة، وإن كانوا على فسق أو على فجور أو على عدالة أو ضبط وحسن دين، فدعاؤك لهم لو كنت مستجاب الدعوة سيكون سبباً في هذا الانتصار.
стр. 677
عدم الخروج على ولاة الأمور
الثالث من الواجبات لولاة الأمور: عدم الخروج عليهم، وإن استشرى شرهم، وظهر فسقهم، وعلا ظلمهم، إذ الخروج عليهم يحدث بسببه خراب الدنيا بأسرها، من إراقة الدماء، مع المفاسد العظيمة التي لا يمكن للإنسان أن يحجمها، فيكاد الخروج على ولاة الأمور من أفسد ما يكون، والله جل وعلا أمر الأمة بالتآلف والتحابب، والخروج على ولاة الأمور يقطع هذا التآلف والتحابب.
لقد جاءت السنة الصريحة عن النبي ﷺ بما يمنع الخروج على ولاة الأمور.
أما بالنسبة للآيات: فكقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء:٥٩]، فهذا على الإطلاق، وينافيه الخروج عليهم، إذ الخروج على ولاة الأمور ليس فيه طاعة، والله جل وعلا أمر بالطاعة لولاة الأمور.
أما من السنة: فقد قال النبي ﷺ مصرحاً في ذلك كما في حديث أنس: (لا تسبوا ولاة الأمور، أو لا تسبوا أمراءكم، ولا تبغضوهم، ولا تغشوهم، واصبروا) فأمر بالصبر وهو مناف للخروج عليهم.
وأيضاً في حديث ابن عباس ﵁ وأرضاه مرفوعاً: (من رأى منكراً من سلطانه فلينكر عليه سراً).
وفي السنن أيضاً عن ابن عباس ﵁ وأرضاه أنه قال: قال رسول الله ﷺ : (من رأى من أميره منكراً فليصبر؛ فإنه من فارق الجماعة فمات فميتته ميتة جاهلية).
يعني: إذا خرج على الأئمة واستشرى الفساد بخروجه مات ميتة جاهلية.
وأيضاً ورد موقوفاً عن ابن عباس ﵄: (من فارق الجماعة مات ميتة جاهلية) يعني: بخروجه على الأمراء.
وقيل لـ ابن عمر: (بويع لـ يزيد بن معاوية -يعني: استخلف معاوية ابنه- فقال ابن عمر ﵁ وأرضاه: إن كان خيراً رضينا وإن كان شراً صبرنا) أي: لم نخرج عليه.
وأيضاً في الصحيحين عن عبادة بن الصامت، قال: (بايعنا رسول الله ﷺ على السمع والطاعة -إلى آخر الحديث، فقال:- وألا ننازع الأمر أهله) هذا نص صريح.
وفي رواية قال: (إلا أن تروا منهم كفراً بواحاً).
وفي رواية: (قالوا: يا رسول الله، أفلا نقاتلهم؟ فقال الرسول ﷺ : لا، ما صلوا، أو قال: لا، ما أقاموا فيكم الصلاة).
وفي رواية قال: (لا، إلا أن تروا كفراً بواحاً عندكم فيه من الله برهان).
فمنع النبي ﷺ الخروج على ولاة الأمور، إلا أن نرى كفراً بواحاً، حتى إذا رأيت كفراً بواحاً وقد كفر بالله مثلاً والعياذ بالله جهاراً أمام الناس علناً دون استحياء، فإنك لا تخرج عليه إلا بضوابط، هذه الضوابط أن تتأكد وتستيقن أن مصلحة الخروج تكون أكبر من المفسدة التي تحدث، أما إذا أتيت بمفسدة أعظم فلا يجوز لك ذلك، حتى مع الكفر الذي أباحه النبي ﷺ لا يجوز الخروج إلا مع ضمان عدم المفسدة، ولذلك قيل للحسن البصري: أما رأيت فلاناً قد خرج على الإمام؟ قال: مسكين، رأى منكراً فأراد أن ينكره فأتى بما هو أنكر منه.
فقاعدة المصالح والمفاسد قاعدة معروفة.
قوله: (وأن لا ننازع الأمر أهله) هذا هو فعل السلف، ابن عمر وأبو هريرة وأنس رضوان الله عليهم أجمعين فهؤلاء الصحابة كانوا متوافرين في عصر الحجاج الظالم الذي قلت: اختلف العلماء هل يكفر أم لا، ومع ذلك لم يخرجوا ولم يأمروا بالخروج، ولم يقروا بالخروج بحال من الأحوال، بل صلى خلفه ابن عمر ﵁ وأرضاه.
فالخروج على الأئمة أفسد ما يكون، فإذا اجتمعت طائفة وكانت لهم شوكة وقالوا: نخرج على الإمام فهذا أمر باطل في الشرع لا يجوز بحال من الأحوال، وهو باطل بالكتاب وبالسنة وبفعل السلف رضوان الله عليهم.
هذا آخر ما نتكلم عليه من باب وجوب طاعة الأئمة وعدم الخروج عليهم.
стр. 678
الخوارج النشأة والمسميات والسمات والحكم
стр. 679
أسماء طائفة الخوارج
لقد ثنى المصنف بالخوارج وحكم الخوارج الذين يخرجون على الأئمة.
هذه الطائفة سنتكلم عن اسمها ومسمياتها ومتى أنشئت، وكفر هذه الطائفة من عدمه، وحكمها عند أهل السنة والجماعة.
أما طائفة الخوارج فلها أسماء عدة، فمن مسمياتها: الخوارج، والحكمية، والنواصب، والحرورية، فلها أسماء أربعة.
فسموا بالخوارج؛ لأنهم خرجوا على علي ﵁ وأرضاه، وعلى معاوية، ويقاتلون أهل السنة والجماعة.
وسموا الحكمية؛ لأنهم قالوا: لا حكم إلا لله وهي كلمة حق أرادوا بها باطلاً.
وسموا حرورية؛ لأنهم خرجوا من منقطة حروراء.
وسموا نواصب؛ لأنهم نصبوا العداء لأصحاب رسول الله ﷺ .
فأسماء هذه الطائفة الضالة المبتدعة الخوارج: خوارج، حكمية، حرورية، نواصب.
стр. 680
ظهور الخوارج
ظهرت هذه الطائفة في عصر النبي ﷺ حين قسم الغنائم كما في الحديث: (كان النبي ﷺ يقسم الغنائم فجاء رجل غائر العينين محلوق الرأس، فقال: يا محمد اعدل أو قال: اتق الله واعدل).
وفي رواية قال: (هذه القسمة ما أريد بها وجه الله جل وعلا، فقال النبي ﷺ : ومن يعدل إن لم أعدل، فقام خالد فقال: يا رسول الله، دعني أضرب عنق هذا المنافق.
فنهاه النبي ﷺ عن ذلك، ثم لما استدار الرجل وولى، قال رسول الله ﷺ : يخرج من ضئضئ هذا الرجل أناس أو أقوام يقرءون القرآن لا يجاوز حناجرهم، تحقرون صلاتكم إلى صلاتهم، يقتلون أهل الإسلام ويتركون أهل الأوثان، لو أدركتهم لقتلتهم قتل عاد وإرم).
فبين النبي ﷺ في ذلك أنه يخرج من عقب هذا الرجل هذه الطائفة، فهذا الرجل هو أصل المنبع لطائفة الخوارج.
ثم ظهرت بقوة وبشوكة وبكثرة زمان الفتنة بين علي بن أبي طالب وبين معاوية بن أبي سفيان رضوان الله عليهم أجمعين.
ولما ظهرت الفتنة بينهما قامت قائمة الخوارج، فقالوا: حكموا الرجال ولا حكم إلا لله، فنصبوا العداء لـ علي بن أبي طالب ونصبوا العداء لـ معاوية، وقاتلهم علي وهو أولى الطائفتين بالحق.
هذه بداية نشأة أو ظهور قوة للخوارج أو النواصب.
стр. 681
صفات الخوارج
من مواصفات هذه الطائفة، أولاً: أنهم يحلقون رءوسهم، ولذلك ترى في الحديث: (جاء الرجل غائر العينين محلوق الرأس) وقال النبي ﷺ في بعض الروايات تصريحاً: (سيماهم التحليق).
يعني: الصفة التي تعلوهم التحليق.
وأيضاً في بعض الروايات في السنن أنه جاء أبو موسى يناقش ويناظر بعض الصحابة، فقال: (أتراني من الذي يحلقون) يعني: من الحرورية.
وأيضاً من مواصفاتهم: أنهم يجتهدون اجتهاداً عظيماً في الطاعة، كما قال الله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ * عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ * تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً﴾ [الغاشية:٢ - ٤].
نعوذ بالله أن نكون منهم.
وكما جاء أن عمر بن الخطاب ﵁ مر على قسيس يجتهد اجتهاداً كبيراً في عبادة الله جل وعلا عبادة باطلة، فنظر إليه فبكى فقال: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ * عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ * تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً﴾ [الغاشية:٢ - ٤] فهم كذلك.
وقال النبي ﷺ عنهم: (تحقرون صلاتكم إلى صلاتهم، يقرءون القرآن لا يجاوز حناجرهم).
يعني: يجدون في قراءة القرآن، لكنه لا يجاوز حناجرهم، من الجهل العميق الذي هم فيه.
وأيضاً لما جاءت المرأة تسأل عائشة ﵂ وأرضاها: إذا حاضت المرأة فلا صلت ولا صامت، فتسألها عن قضاء الصلاة.
فقالت لها: أحرورية أنت؟ وذلك لأن الخوارج يجتهدون في العبادة حتى أوجبوا على المرأة الحائض أن تقضي الصلاة التي عليها، وهذا من التنطع والغلو في الدين والنبي ﷺ قال: (هلك المتنطعون).
وقال النبي ﷺ في الصحيحين عن علي ﵁ وأرضاه قال: (تخرج أقوام حدثاء الأسنان، سفهاء الأحلام، يقولون بقول خير البرية).
يعني: يتكلمون بخير الكلام كلام الله وكلام الرسول ومع ذلك يضعونه في غير موضعه، فهذه أيضاً من صفاتهم أنهم يجهلون الشرع مع أنهم يجدون في الطاعة.
أيضاً من السمات التي وسمهم بها النبي ﷺ : أنهم يقتلون أهل الإسلام ويتركون أهل الأوثان، والقصة المشهورة: أنه مر عليهم عبد الله بن خباب بن الأرت ﵁ وأرضاه فأخذوه فقتلوه وهو صحابي ابن صحابي، وبقروا بطن زوجته، فهم يقتلون أهل الإسلام ويتركون أهل الأوثان من جهلهم العميق.
وأيضاً من جهلهم: أنهم يضعون الآيات في غير موضعها أو يستدلون بغير دليل صحيح، كما قاموا على علي وقالوا: حكَّم الرجال.
فقال علي: حق أريد به باطل.
فبين لهم وقال: قال الله تعالى عن المرأة إذا نشزت أو تخاصمت مع زوجها: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا﴾ [النساء:٣٥]، وهذا نص كتاب الله جل وعلا وجعل تحكيم الرجال جائزاً بنص كلام الله جل وعلا، فقال: أما يقرءون هذه الآيات، فبعث إليهم ابن عباس فناظرهم، ونصحه علي نصيحة، فقال: لا تناظرهم بكتاب الله، فعليك بسنة النبي ﷺ ، فذهب فناظرهم فرجع بالنصف منهم وبقي النصف الآخر على ما هم عليه، ثم قاتلوا علياً فقتلهم علي، وكانت هذه بشرى من النبي ﷺ أن أولى الطائفة بالحق هم الذين يقتلون الخوارج.
стр. 682
الحكم على الخوارج
حكم هذه الطائفة، أو حكم الخوارج، أو النواصب، أو الحرورية، أهم كفار أم هم مسلمون؟ اختلف العلماء في ذلك على قولين: طائفة قالوا: هم كفار خرجوا من الدين، وهي رواية عن أحمد والشافعي ومالك، ويستدل لهم بأمور: أولاً: بقول النبي ﷺ : (يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية).
يعني: إذا خرج السهم من القوس فلا يرجع إليه.
ثانياً: يستدل لهم بأن النبي ﷺ قال: (لأقتلهم قتل عاد وإرم).
فشبههم بعاد وإرم وهم كفار.
أما دليلهم من النظر: فهم قتلوا علياً استحلالاً، وأرادوا قتل معاوية استحلالاً، وقتلوا كذلك المسلمين استحلالاً، ومن استحل دم المسلم كفر بذلك.
والدليل على أن الاستحلال محرم ويكفر بذلك المرء قوله تعالى: ﴿وَلا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ﴾ [النحل:١١٦]، فهذا الاستحلال من باب الافتراء على الله الكذب.
وحديث عدي أن النبي ﷺ قال له: (أما كانوا يحلون لكم الحرام فتتبعونهم، ويحرمون عليكم الحلال فتتبعونهم؟ قال: نعم، قال: تلك عبادتهم).
القول الثاني: عدم كفرهم وإنما هم ظلمة وجهلة وليسوا بكفار، وهذا رواية عن أحمد ورواية عن الشافعي ورواية عن مالك، وأدلتهم في ذلك: أن الصحابة أجمعوا على عدم كفر الخوارج، وهم كانوا متوافرين موجودين في عصر علي بن أبي طالب، فسئل علي بن أبي طالب: (أكفار هم؟ قال: من الكفر فروا، قالوا: أمنافقون هم؟ قال: المنافق لا يذكر الله إلا قليلاً).
يعني: هم يذكرون الله كثيراً ليسوا منافقين.
وفي رواية عن ابن عمر أنه صلى خلف خارجي.
وأيضاً: عن علي بن أبي طالب لما قتله ابن ملجم، قال: (دعوه أو احبسوه فإن برئت فالجروح قصاص، وإن أنا مت فاقتلوه قصاصاً).
فأمرهم أن يقتلوه قصاصاً أي: حداً لا ردة ولا كفراً.
فهذه دلالة أيضاً على عدم تكفيرهم.
وأيضاً قيل لـ علي بن أبي طالب: (فلم تقاتلهم؟ قال: أمرنا الرسول.
أو قال: إخواننا بغوا علينا فقاتلناهم).
فدل على أنهم من البغاة أو على الترجيح الصحيح: أنهم قوم أمر النبي ﷺ بقتالهم، ورتب لمن قتلهم الأجر الكبير والعظيم.
وأيضاً ورد عن علي أنه قال: (أنتم إخواننا لا نمنعكم مساجدنا، ولكم ما لنا من الفيء، فإن قاتلتمونا قاتلناكم).
أرسل إليهم بهذا، فهذه دلالة على عدم كفرهم، وهذا فيه إجماع الصحابة وإجماعهم يؤول قول النبي ﷺ : (يمرقون من الدين).
يعني: لا يمرقون كلية من الإيمان، لكن يبقى معهم أصل الإيمان وأصل الإسلام.
أما قول النبي ﷺ : (لأقتلنهم قتل عاد وإرم).
فإن القتل لا يدل على الكفر، بل شرع لنا قتال المسلمين من البغاة، قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ [الحجرات:٩].
فقال: من المؤمنين، ثم قال: ﴿فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا﴾ [الحجرات:٩].
فالبغاة أمرنا بقتالهم حتى يرجعوا إلى الحق.
وأيضاً الذين منعوا الزكاة قاتلهم المسلمون على أنهم منعوا الزكاة فقط، وإطلاق الردة عليهم لغة فقط، هم منعوا الزكاة فقاتلهم أبو بكر ﵁ وأرضاه.
فالقتل بالإطلاق لا يستلزم الكفر، والخوارج قوتلوا على استحلالهم دماء المسلمين.
نقول: القاعدة التي لا بد أن يضبطها طالب العلم هي: أن الاستحلال كفر، لكن أن تسقط عليه عيناً أنه كافر لا يجوز لك ذلك؛ إذ أنه قد تعرض له الشبه والتأويلات التي لا تجعلك تكفره.
وقبل أن أسرد الكلام على هذه القاعدة المهمة جداً أقول: الصحابة لم يكفروا هؤلاء، واعتذروا لهم بتأويلهم استحلال الدماء بما حدث من الصحابة في عهد النبي ﷺ ؛ فإن بعض الصحابة كفر بعضاً من أجل الإتيان بالكفر تأويلاً، والنبي ﷺ لم يكفر الذي كفر أحد الصحابة، يعني: الصحابي الأول كفر الصحابي الثاني، والثاني أتى بفعل كفر لكنه في هذا الفعل كفر شبهة أو تأويل، فالنبي ﷺ لم يكفر الصحابي الأول من أجل هذه الشبهة، مع أن النبي ﷺ قال: (من قال لأخيه: يا كافر فقد باء بها وإلا حارت عليه).
إلا أن يكون هناك ثمة تأويل وشبهة.
فالشبهة عند الأول: أن هذا فعل فعلاً كفرياً، والشبهة عند الثاني: أن هذا الفعل ليس بكفر.
وإليكم الأدلة على ذلك: الدليل الأول: حادثة حاطب بن أبي بلتعة لما بعث إلى قريش أن النبي ﷺ يجهز الجيش ليغزوكم، قام عمر لما عرف الأمر وقال: (يا رسول الله، دعني أضرب عنق هذا المنافق) رماه بالنفاق.
وقال الله عن المنافقين: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ [النساء:١٤٥].
فكان عمر له هذه النظرة ألا وهي إظهار عورة المسلمين للكافرين: (فجاء حاطب إلى النبي ﷺ فقال: والله ما فعلت ذلك ردة، ولكن رأيت أن لكل واحد منكم يداً في قريش وليس لي يد، ولي أهلون هناك أخاف عليهم، ففعلت ذلك من أجلهم، فقال النبي ﷺ لـ عمر: لعل الله اطلع على أهل بدر فقال: افعلوا ما شئتم قد غفرت لكم).
يعني: ليس بكافر من أجل هذه الشبهة، أي: من أجل هذا المسوغ الذي جعله يفعل هذا الفعل الكفري، فلم يكفر عيناً به.
الدليل الثاني: حادثة الإفك، قام النبي ﷺ خطيباً: (من يعذرني في رجل أساءني في أهلي، فقام سعد بن معاذ فقال: يا رسول الله! إن كان منا فعلنا به وفعلنا، وإن كان من إخواننا الخزرج فعلنا به ما أمرتنا، فقام سعد بن عبادة حمية فقال: والله لا تفعل معه شيئاً، فقال أسيد بن حضير لـ سعد بن عبادة: والله لنقتلنه وإنك لمنافق تجادل عن المنافقين).
فـ سعد بن عبادة سيد من سادات الأنصار، وقال له أسيد بن حضير: والله إنك لمنافق تجادل عن المنافقين، رماه بالنفاق، والنبي ﷺ لم ينكر على أسيد ولم يقر هذا الحكم على سعد، بل قام يسكت الناس؛ لأنه قام الحيان ليتقاتلا، فلم ينكر على أسيد للتأويل الذي تأوله بما رآه من الظاهر، وأيضاً لم يطبق الحكم على سعد لأن سعداً عنده تأويل أو عنده شبهة أو جاءته حمية دون أن يرتضي بهذا الفعل.
الدليل الثالث: أسامة بن زيد ﵁ وأرضاه، قال: (أرسلني النبي ﷺ في سرية، قال: فصبحنا القوم قال: فتعقبت رجلاً أنا وأنصاري، فقام الرجل فقال: لا إله إلا الله فكف عنه الأنصاري، فأخذته فطعنته برمحي فقتلته، فبلغ ذلك النبي ﷺ ، فقال رسول الله ﷺ : أقتلته بعدما قال: لا إله إلا الله؟ فقال أسامة: يا رسول الله، والله ما قالها إلا تعوذاً).
فهذه الشبهة جعلت أسامة يستحل قتل المسلم الذي قال: لا إله إلا الله، وهو ظاهره الإسلام.
(قال: يا رسول الله، والله ما قالها إلا تعوذاً.
أو ما قالها إلا متعوذاً، فقال له النبي ﷺ : يا أسامة ماذا تفعل بلا إله إلا الله يوم القيامة، فما زال يكرر: أقتلته بعدما قال: لا إله إلا الله، حتى ندم أسامة وقال: تمنيت أن لا أكون أسلمت إلا بعد هذا اليوم).
الشاهد من هنا ما استدل به شيخ الإسلام قال: فإن النبي ﷺ عذر أسامة للتأويل الذي استباح به دم هذا المسلم الذي قال: لا إله إلا الله؛ لأنه لما قال: لا إله إلا الله أسلم ظاهراً.
وهذا التأويل والشبهة التي جعلت أسامة يقتله: أنه ظن أنما قال الرجل: لا إله إلا الله متعوذاً، فعذره النبي ﷺ ولم يأمره بالقصاص أو بالدية.
فهذه فيها دلالة أنه عذره بهذا التأويل، وهذه الشبهة أسقطت الحكم عنه.
فهذه دلالات كثيرة تبين أن المتأول بفعل كفري أو الذي له شبهة بالفعل الذي جاء النص بأنه كفري أنك لا تطبق عليه حكم الكفر، فهؤلاء الخوارج استحلوا دم علي واستحلوا دم معاوية واستحلوا دم الكثير من المسلمين وكفروهم ومع ذلك لم يكفرهم الصحابة؛ للتأويلات والشبه التي كانت عندهم، فهم قالوا: قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة:٤٤].
وقال الله تعالى: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ [الأنعام:٥٧].
وعلي حكم أبا موسى ومعاوية حكم عمرو بن العاص ﵃ أجمعين، فهؤلاء حكموا الرجال والحكم لا يكون إلا لرب الرجال، فهذه دلالة على أنهم يكفرون عندهم؛ لأنهم حكموا الرجال فيما لا يكون الحكم فيه إلا لله العلي الجليل.
فتأولوا بهذه الآية وكانت شبهة لهم، فلذلك لم يحكم عليهم الصحابة بأنهم من الكافرين.
فالصحيح الراجح: أن هذه الطائفة طائفة مبتدعة ضالة وليست بكافرة.
стр. 683
عقيدة الخوارج
عقيدة الخوارج كالمعتزلة تماماً ولكنهم أرقى منهم.
هم في باب الإيمان يرون أن الإيمان كل متكامل، إذا سقط سقط كلية وإذا قام قام كلية، بمعنى أن المعصية تجعل كل الإيمان يضيع، فيكفرون بالكبيرة، وفاعلها عندهم كافر خالد مخلد في نار جهنم كالمعتزلة.
وأيضاً لهم تأويلات أخرى في رؤية الله جل وعلا، لكن الأهم عندنا: أن الخوارج أهم ما يعتقدونه التكفير بالكبيرة، فهم يرون أن أي امرئ قد عصى الله فهو كافر من الكفار، ولا بد أن يتوب ويرجع إلى الإسلام؛ لأنه مرتد، وإن لم يرجع بالتوبة يقتل ردة.
стр. 684
شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة - فضائل الصحابة - حكم من سب الصحابة
إن صحابة رسول الله ﷺ هم أفضل الخلق بعد الأنبياء، كيف لا وقد تخرجوا من مدرسة سيد الأولين والآخرين، ومعلم البشرية أجمعين ﵊، وفضائلهم أشهر من نار على علم، وإنما تظهر لنا كي نتأسى بهم ونحذو حذوهم لننال شيئاً من الفضل الذي نالوه، ونحصل بعضاً مما حصلوه، ونرغم بالثناء عليهم أنوف المبتدعين والمنافقين، ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره المشركون.
стр. 685
نظرة إجمالية للموضوع
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، أما بعد: فما زلنا مع هذا الكتاب المبارك، وهو شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة، ونحن في خاتمة هذا الكتاب في الكلام على الأخيار أفضل الخلق على الإطلاق بعد الأنبياء والمرسلين، وهم صحابة رسول الله ﷺ ، وفي الكلام عليهم سنبين فضلهم، وواجب الأمة نحوهم، وحكم من سبهم، أو كفرهم، أو لعنهم، ثم مع ذلك سنفرد -إن شاء الله- أياماً متتابعة في الكلام على خلافة أبي بكر وصحتها، وهل كان علي وصياً، أي: هل أوصى النبي ﷺ بخلافة علي أم لا؟! والكلام على ما دار بين أبي بكر وفاطمة، وبينه وبين عمر، وأيضاً سنذكر الكلام في مقتل عثمان بن عفان ﵁، والكلام عما دار بين معاوية وعلي، وسنتكلم ذباً عن صحابة رسول الله ﷺ ، ثم نختم بكرامات الأولياء، وسيدور الحديث مع أهل البدعة والضلالة في مسائل كرامات الأولياء.
стр. 686
تعديل الله وتزكيته للصحابة الكرام
إن الله جل وعلا فضل هذه الأمة تفضيلاً عظيماً، فجعلها أفضل الأمم، وميزها بميزات لا تدانيها أمة في التاريخ في ذلك.
وأهم هذه الميزات أنه فضلهم برسولهم محمد ﷺ فجعله سيد المرسلين وخاتم الأنبياء، وهو القدوة والإمام؛ بل سيد الخلق أجمعين ﷺ ، فهذه من مميزات هذه الأمة.
إن من سنن الله الكونية أنه إذا اختار رسولاً بشرياً وجعله أفضل الخلق؛ فإنه يختار له صحبة تنصره على ما يدعو إليه، وتنشر دعوته، وتعينه، وتتحمل معه المشاق.
فموسى ﵇ تخير الله له خيرة الناس في وقته، وكذلك عيسى ﵇ اختار الله له الحواريين لصحبته، وكانوا من أفضل أصحابه، لكن النبي ﷺ اختار الله له أفضل الناس بعد الأنيباء على الإطلاق، فلا يدانيهم أحد من صحابة رسول أبداً، فهؤلاء الصحابة أعلى البشر على الإطلاق بعد الأنبياء والمرسلين، وقد اختارهم الله على علم عنده، ورباهم الرسول على عينه.
ولقد أنزل الله جل وعلا عدالة الصحابة من فوق سبع سموات؛ حيث قال جل وعلا: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ﴾ [آل عمران:١١٠].
فقوله: ((كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ)) فيه أن خيرية الأمة مبتدأ من صحابة رسول الله، أي: من أبي بكر إلى آخر الصحابة موتاً ﵃ وأرضاهم.
وكذلك بين الله جل وعلا عدالتهم وأنهم خير الناس، فقال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة:١٤٣]، قال المفسرون: معنى وسطاً: أي خياراً عدولا، فلا أحد أخير من صحابة رسول الله، ولا أعدل منهم، فعدلهم الله في كتابه، ونشر النبي ﷺ فضائلهم في سنته، وأثنى عليهم.
ومدحهم الله جل وعلا فزكى صدقهم ويقينهم وتوكلهم وإيمانهم، فقال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ﴾ [آل عمران:١٧٢].
ثم بين الله صدق هؤلاء في التوكل عليه -لذلك جعلهم سادة وقادة ولهم الريادة- فقال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [آل عمران:١٧٣].
بل وأرقى من ذلك: لما جاءت الجموع والأحزاب من فوقهم ومن أسفل منهم، وزاغت منهم الأبصار، وبلغت القلوب الحناجر، وظنوا بالله الظنونا -أي: المنافقون المتظاهرون بمظهر الصحابة الكرام- ماذا قال المؤمنون الأخيار الذين اختارهم لصحبة نبيه ﷺ ؟ قالوا كما أخبر الله عنهم: ﴿قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ [الأحزاب:٢٢]، فزكاهم الله جل وعلا، بل وزكى صدقهم في بيعهم أنفسهم له جلا وعلا، وكل منهم يبيت ويقول: أي منا سيراق دمه تحت هذه الراية الشريفة، أي: راية لا إله إلا الله؟! وأنزل الله آيات معدلاً لهم، ومبيناً صدقهم، ومنتصراً لهم على من ناوأهم أو لمزهم أو غمزهم فقال سبحانه: ((مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ)) و (من) هنا للتبعيض، أي: هؤلاء فقط.
стр. 687
صور من صدق صحابة رسول الله ﷺ
قال تعالى: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب:٢٣]، نزلت هذه الآية في أنس بن النضر وأمثاله ﵃ أجمعين.
وذلك أنه في يوم أحد جاء أنس بن النضر وقال: إن أول قتال مع رسول الله لم أشهده، والله لئن أشهدني الله جل وعلا قتالاً مع رسول الله ليرين الله مني خيراً.
صدق مع الله فصدقه الله، ونشر الله ذكره إلى يوم الدين بقوله سبحانه: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ﴾ [الأحزاب:٢٣].
ففي غزوة أحد فر كثير من أصحاب رسول الله بل من أفضلهم كـ عثمان بن عفان، وكثير من الصحابة فروا عن رسول الله، وبقى وحيداً فريداً ﷺ ، ودخل أنس بن النضر وسط الجموع والصفوف والأسنة والرماح، يقول له سعد بن معاذ -الذي قال فيه رسول الله ﷺ : (منديل سعد في الجنة أفضل من الدنيا وما فيها، وخير من الدنيا وما فيها)، أتعرفون سعداً؟ هو الذي قال فيه رسول الله ﷺ : (اهتز عرش الرحمن لموت سعد) - وهو يفر: أين أنت يا أنس؟! أي: أين تذهب يا أنس؟! فصفوف المشركين مكتظة متكتلة، فقال له أنس: إيه يا سعد! والذي نفسي بيده! إني لأجد ريح الجنة من دون أحد، ودخل ﵁ وأرضاه -وصدق الله: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب:٢٣]- يقاتل حتى آخر نفس في حياته فقتل، ولم يعرف بين القتلى، حتى عرفته أخته ببنانه، ووجد فيه تسعين ضربة، ما بين ضربة بسيف أو طعنة برمح، أو رمية بسهم، ونزلت فيه هذه الآية الكريمة: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب:٢٣].
وقام قائمهم فنظر إلى السماء فقال: اللهم ارزقني بكافر جلد صنديد، يبقر بطيني ويجدع بأنفي، ثم آتيك فتقول: فيم هذا؟ فأقول: فيك يا رب العالمين! فاستجاب الله له، فكان في الصباح مثلما قال.
وجاء الصادق لرسول الله ﷺ بعد إيمان بصدق وهو يوزع الغنائم، فأراد النبي إعطاءه، فيقول له: (يا رسول الله! ما على هذا بايعتك، بايعتك على أن أدخل ساحة الوغى، فأقاتل فأضرب هاهنا.
فقال له النبي ﷺ : اصدق الله يصدقك).
وأنزل الله: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب:٢٣]، ووجد الرجل بعد الغزوة ما ضرب إلا بالمكان الذي أشار إليه.
وقام طلحة ﵁ وأرضاه الذي قدم نفس رسول الله على نفسه عملاً بقول الله: ﴿وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ [التوبة:١١٩]، فما كان لهم أن يرغبوا بأنفسهم عن نفس رسول الله أبداً.
في غزوة أحد بعدما فر الناس عن رسول الله، وبعدما قتل عشرة من الأنصار أمام رسول الله ﷺ وما بقي إلا طلحة ﵁ درعاً لرسول الله فيقول: يا رسول الله! لا ترفع رأسك يأتيك سهم من سهام القوم، نحري دون نحرك يا رسول الله! ثم شهر سيفه وقاتل به حتى دق وكسر، فألقى به، وصد السيوف عن رسول الله بيده حتى شلت، ثم قال رسول الله لـ أبي بكر وعمر: (دونكم صاحبكم فقد أوجب)، أي: أوجب الجنة بصدقه؛ لأنه فداني بنفسه.
وجاء أبو دجانة ﵁ وأرضاه فاحتضن رسول الله، والرماح والسيوف تأتي على ظهره، وهو يقول: فداك أبي وأمي يا رسول الله!
стр. 688
طرف من صفات الصحابة في القرآن
لقد بين الله مكانة الصحابة وعدالتهم ورضي عنهم وأرضاهم، في كثير من المواطن في الكتاب العزيز فقال سبحانه: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ * أُوْلَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ﴾ [الواقعة:١٠ - ١١] ثم قال: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأَوَّلِينَ * وَقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ [الواقعة:١٣ - ١٤]، ووالله لو أن أحداً من الصحابة في هذا العصر لقاد ولساد مشارق الأرض ومغاربها؛ فإن الله ملكهم الدنيا بأسرها في مدة وجيزة من عمر الزمن.
وصحابة رسول الله ﷺ من المهاجرين هم الذين قال الله فيهم: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [الحشر:٨].
ثم قال عن الأنصار ولم يبخس حقهم: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر:٩]، فعدلهم الله من فوق سبع سماوات، فتباً تباً وسحقاً سحقاً لمن ينتقص من قدرهم.
قال الله جل وعلا فيهم -يبين الأخلاقيات السامية العالية-: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ﴾ [الفتح:٢٩]، هذه من أفضل الصفات التي اتسم واتصف بها هؤلاء الأخيار، أي: ﴿أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح:٢٩].
وحدثت بين أبي ذر وبلال ﵄ حادثة كالآتي: قال أبو ذر لـ بلال: يا ابن السوداء! -أي: عيره بأنه أسود- فذهب بلال يشتكي لرسول الله ﷺ -انظر إلى تطبيق الآيات- فقال رسول الله ﷺ لـ أبي ذر: (أعيرته أمه؟! -فلا يوجد أنساب، ولا تفاخر بمكانات ولا أموال، ولا سيادة أو ريادة، إنما هو الدين، ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات:١٣]- إنك امرؤ فيك جاهلية) فما كان من أبي ذر إلا -وهو يطبق بحق هذه الآية الكريمة: ((رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ)) - أن نزل بخده على التراب وقال: يا بلال! والذي نفسي بيده! لا أرفع خدي حتى تطأ بقدميك عليه، وهذا رفعة لـ بلال، وتبيين لمكانته، وقد قال فيه قبل ذلك عمر ﵁ وأرضاه -وهو يبين لـ أبي سفيان وسهيل بن عمر مكانة بلال -: بلال سيدنا، وأعتقه سيدنا أو قال: أبو بكر سيدنا وأعتق سيدنا، أي: بلال ﵁ وأرضاه.
وأجمع ما أنزل الله جل وعلا في تعديل الصحابة هو قول الله تعالى: ﴿وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا﴾ [الفتح:٢٦].
قال الله تعالى: (وألزمهم كلمة التقوى) يعني: لا إله إلا الله.
وقوله: (وكانوا أحق بها وأهلها)، يقول ابن مسعود ﵁ -فيما ورد عنه بسند صحيح-: إن الله نظر في قلوب العباد ووجد أن خير هذه القلوب هو قلب رسول الله ﷺ ؛ فاختاره ليكون سيد المرسلين، ثم نظر في قلوب العباد بعد رسول الله فوجد أفضل القلوب قلوب أصحابه؛ فاختارهم لصحبة نبيه ﷺ ، ولنصرة دينه.
ثم قال عنهم: فإنهم أبر الناس قلوباً، وأعمقهم علماً، وأحسنهم أخلاقاً.
ثم أرشدنا قائلاً: من كان مستناً فليستن بصحابة رسول الله ﷺ .
стр. 689
تعديل النبي ﷺ لأصحابه في سنته
لقد عدل رسول الله ﷺ أصحابه ونشر فضائلهم في سنته، ومن أعظم ما خشي منه هو سب أصحابه؛ شكراً لجميلهم، وقد شكرهم الله في كتابه، كما شكرهم رسول الله ﷺ على حسن صنيعهم في سنته، ففي الصحيحين يبين النبي ﷺ أنهم حصن لهذه الأمة، قدوات لها، فبجهادهم تؤتى الأمة ما وعدت، فقال رسول الله ﷺ : (النجوم أمنة السماء، فإذا ذهبت النجوم أتى السماء ما توعد، وأنا أمنة لأصحابي -يعني: رسول الله ﷺ فإذا ذهبت أتى أصحابي ما يوعدون، وأصحابي أمنة لأمتي) -أي: أصحاب رسول الله هم الوقاية لهذه الأمة من الفتن والملمات، فقال رسول الله: (وأصحابي أمنة لأمتي، فإذا ذهب أصحابي أتى أمتي ما توعد).
ولذلك كان المسمار الذي كسر النعش بالكلية هو قتل عمر، قال حذيفة في الصحيح لـ عمر بن الخطاب لما سأله عن الفتن: فتنة الرجل في أهله وماله تكفرها الصلاة والزكاة، فقال: ليس عن هذا أسأل، أسأل عن الفتن التي تموج كموج البحر، قال: مالك ولها يا أمير المؤمنين! بينك وبينها باب، فقال عمر: يا حذيفة! أيفتح الباب أم يكسر؟! فقال حذيفة: لا يا أمير المؤمنين! بل يكسر، فقام عمر وقال: إذاً لن يقام ثانية! ومعنى: (لن يقام ثانية) أي: ستصبح الأمة في فتن إلى يوم القيامة، وهذا هو الذي حدث، فلما حدث حذيفة بهذا الحديث، قالوا له: أعلم عمر من الباب؟ قال: والله! إني حدثته بحديث ليس بالأغاليط، وقد علم عمر من الباب -أي: هو ﵁ فلما قتل عمر أقبلت الفتن تترا، فقتل عثمان، ثم جاء علي فظهرت رءوس الزندقة في خلافته، وجاءت الفتن بين صحابة رسول الله ﷺ ، وإنا لله وإنا إليه راجعون، فنستغفر الله مما حدث، ونترحم عليهم، ونترضى عنهم، ونقول: رب! هؤلاء هم الأخيار، ربنا! اغفر لإخواننا الذين سبقونا بالإيمان، ولا تجعل في قلوبنا غلاً للذين آمنوا، اللهم! حقق دعاءنا يا رب العالمين، وألحقنا بصحابة نبيك الكريم، واجعلنا معهم في الفردوس الأعلى يا رب العالمين.
ولقد حذر رسول الله ﷺ أمته كثيراً من سب صحابته الكرام، أو التجرؤ عليهم، فقال ﷺ كما في الصحيحين: (لا تسبوا أصحابي) ثم قال: (لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهباً ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه)، والمد: هو قدر كف اليد، ومعنى الحديث: لو أتيتم بجبال من ذهب فتصدقتم بها، والصحابة جاء أحدهم بكف اليد من بر لا من ذهب فأنفقه فهو عند الله أفضل من هذه الجبال من الذهب.
وحثنا النبي ﷺ على حب أصحابه فقال: (الله! الله! في أصحابي)، يوصي الأمة بصحابته خيراً.
والمتمتعون الرافضة يسبون عائشة، وأبا بكر وعمر علناً والعياذ بالله، ولا أحد يتصدى لهذا المنكر! وسنبين أن هذا من واجب الأمة بأسرها، أي: أن لا تسكت عن هذا الطعن في أبي بكر وعمر سيدا هذه الأمة.
стр. 690
علامة الإيمان حب الصحابة وعلامة النفاق بغضهم
قال رسول الله ﷺ في صحابته: (من أحبهم فبحبي أحبهم، ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم).
بل أرقى من ذلك دلالة جعل النبي ﷺ علامة الإيمان حب صحابته وعلامة النفاق بغضهم، ثم نجد كثيراً من الناس يستمعون لبعض المتنطعين الذين يتكلمون في صحابة رسول الله ويلمحون بالتنقيص من قدرهم ويقولون: والله! قمنا بعد ما سمعناه وفي قلوبنا غل لـ معاوية، أو غل لـ عائشة، لمز وغمز في صحابة رسول الله ﷺ تصريحاً أو تلميحاً، وسيرد هؤلاء بإذن الله على الحوض فيردون، ثم يقول فيهم النبي ﷺ : سحقاً سحقاً، وعقابهم عند ربهم جل وعلا بانتظارهم.
ومما يدل على أن علامة الإيمان حب الصحابة، وعلامة النفاق بغضهم: ما ورد في الصحيحين عن أنس ﵁ وأرضاه قال: قال رسول الله ﷺ : (آية الإيمان حب الأنصار وآية النفاق بغض الأنصار)، فاللهم! حبب إلينا الأنصار، واجعل قلوبنا عامرة بحب صحابة رسولك ﷺ .
стр. 691
عزة الصحابة الكرام بدينهم
إن الصحابة هم الخيار والأفاضل والأماجد، وهم الذين جعلهم الله جل وعلا يجوبون ربوع الأرض فسادوا وقادوا في مدة وجيزة من عمر الزمن، ثم نشروا دين الله جل وعلا، وكانت مهتم في هذه الدنيا: هي تعبيد الناس لربهم، كما بين ذلك ربعي بن عامر، عندما دخل على رستم عزيزاً برمحه يقطع فرشه التي من حرير، ثم يطأ عليها ببغلته، فيقال له: دع بغلتك في الخارج، ودع سلاحك، فيقول: لا والله! دعوتموني فسأدخل كما أريد، فقال رستم: دعوه، فدخل، فقطع وسادة ثم ربط بغلته، وأخذ برمحه يضرب ويطعن في فراشه الوفير، بعزة المسلم، بشموخ لا تذلل فيه إلا لله جل وعلا وحده فتعجب منه رستم وقال: يا هذا! من أنتم؟ وماذا تريدون؟ فقال ربعي -يبين دعوتنا، ومنهجنا ومهمتنا في هذه الدنيا-: نحن عباد لله، ابتعثنا الله لنخرج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ولنخرجهم من ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة.
وإنما سعة الدنيا والآخرة بالذل لله، والتوكل عليه، والصدق معه .
وصحابة رسول الله هم الذين جاءنا الدين على أكتافهم غضاً طريا، فتباً تباً لمن يسبهم.
قال أبو زرعة الرازي -وهو الإمام المعروف الذي قال عنه الإمام أحمد: ما جاوز هذا الجسر مثل أبي زرعة، فقد كان حافظاً ثقة ثبتاً.
وقال عنه ابن أبي حاتم -وهو ابن خالته-: لما مات أبو زرعة ما خلف بعده مثله.
وكان يقول بعض علمائنا: أبو زرعة يا أبا حاتم أحفظ من البخاري.
وكان صاعقة في الحفظ، وكان فطناً لبيباً، ينظر إلى الذين يتنطعون ويسبون أصحاب رسول الله فيرد عليهم: من سب أو انتقص قدر صحابي فهو زنديق، إذ أنه يلمح بضرب الشريعة، والشريعة لم تأتنا إلا عن طريق الصحابة، فإن لم تعدل الصحابة فلا شريعة، وقال: من انتقص من قدرهم فهو زنديق، وهم العدول قد عدلهم الله جل وعلا، وعدلهم رسول الله ﷺ .
فهؤلاء هم القدوة والأسوة الذين نفتخر بأنهم أجدادنا حقاً، لا فرعون ولا هرقل ولا كسرى ولا قيصر، إنما أفتخر بأجدادي حقاً: كـ خالد بن الوليد وعمرو بن العاص وأبي عبيدة بن الجراح وأبي دجانة الذي تبختر ومشى مشية التعجب بين الصفين ورسول الله يشكر له هذه المشية ويقول: (هذه مشية -أي: مشية التفاخر والتبختر والكبر- يبغضها الله إلا في هذا الموقف)؛ لأنه يعتو ويتكبر على المتكبرين الكافرين.
وأبو دجانة هو الذي أخذ سيف رسول الله ﷺ بحقه بعد أن هز النبي الخشبة -وهذه من معجزاته- فأصبحت سيفاً، فقال: من يأخذ هذا السيف بحقه؟ فقام الزبير بن العوام حواري رسول الله ﷺ الذي هو أول من أشهر سيفاً في سبيل الله، والذي قام في مقتلة عظيمة بينه وبين الروم يشق الصفوف ويقتل يميناً ويساراً، ويرجع ويقول: هل منكم من يستطيع أن يفعل ذلك؟! فقال: أنا يا رسول الله! فيجلسه، ثم يقوم الثانية فيجلسه، ثم يقوم أبو دجانة فيقول: أنا يا رسول الله! آخذ هذا السيف بحقه.
ثم تأتي الغزوة فيربط أبو دجانة عصابة حمراء على رأسه، ويقول الصحابة من الأنصار -مفتخرين به-: ربط أبو دجانة عصابة الموت، فينزل في ساحة الوغى فيقتل مقتلة عظيمة في أهل الكفر، ثم يجد امرأة تجهز على كل جريح من المسلمين، فرفع عليها السيف، فلما رآها امرأة -وكانت هنداً ﵂ وأرضاها قبل أن تسلم- لم يقتلها، وقال بعدما علاها بالسيف: أترفع بسيف رسول الله أن يقتل امرأة، وتركها ورحل ﵁ وأرضاه.
стр. 692
واجب الأمة نحو الصحابة
стр. 693
حب الصحابة
إن واجب الأمة نحو الصحابة يتمثل في أمور: أولاً: حبهم؛ فهو دين نتعبد الله جل وعلا به، كيف لا وقد قال النبي ﷺ : (آية الإيمان حب الأنصار وآية النفاق -أو علامة النفاق- بغض الأنصار)، وقد قال أنس كما في الصحيحين: قال رسول الله ﷺ : (المرء مع من أحب).
فمن تحب ستكون معه، فإن كنت تحب البابا شنودة، وأهل الكفر والضلال، فأنت معهم، وإن كنت تحب صحابة رسول الله ﷺ فأرجو الله أن تكون معهم في الفردوس الأعلى.
وما رأيت حديثاً أفرح لي بمثل هذا الحديث أو قال: ما فرحنا بمثل هذا الحديث، إذ أننا نحب رسول الله -كأنه يلمح بأن عمله لا يصل به إلى أن يكون مع النبي ﷺ في الفردوس الأعلى- وأبا بكر وعمر، ونرجو الله أن نكون معهم بهذا الحديث: (من أحب قوماً حشر معهم).
ونحن إذا أحببنا صحابة رسول الله فنحن معهم إن شاء الله.
فأول واجب على الأمة إذاً: هو حب صحابة رسول الله، وتعميق ذلك في قلوبنا، وفي قلوب الأهل والأقرباء والأصدقاء؛ لأنه دين نتعبد لله جل وعلا به، والمرء مع من أحب.
والإمام مالك يبين لنا كيف نحب رسول الله وصحابته الكرام فيقول: كان السلف يعلمون صبيانهم حب صحابة رسول الله ﷺ .
وسئل ابن المبارك: من الجماعة؟ فقال: أبو بكر وعمر.
وسئل الحسن: حب أبي بكر وعمر سنة؟ قال: لا، فريضة.
فلازم وواجب حب صحابة رسول الله ﷺ ، ما دام أن رسول الله قد ربط الإيمان به وجعله علامة له.
стр. 694
نشر فضائلهم ومدحهم بما فيهم
ثانياً: نشر فضائلهم، ومدحهم بما فيهم، وجعلهم أسوة لنا، فنغرس في أبنائنا أنهم هم القدوة والأسياد، والقادة بحق، وهم الذين كانت لهم الريادة المطلقة.
فتأتي إلى كتب التاريخ -التي فيها فضائل الصحابة- فتسطر لأولادك فضائل الصحابة، وتحكي لهم عن خالد قائد الأمة، الذي يقول عنه النبي ﷺ -لما ارتقى المنبر وهو يبكي-: (أخذ الراية زيد فأصيب، ثم أخذها جعفر فأصيب، ثم أخذها عبد الله بن رواحة فأصيب، واستلم الراية سيف من سيوف الله سله الله على المشركين، جعل الله النصر على يديه).
هذا هو الذي جعل هرقل ملك الروم يقول له: من أنت؟! أأنزل الله لك سيفاً من السماء تقاتل به فلا تهزم أبداً؟!.
هذا سيف الله المسلول الذي ما دخل معركة قط إلا وجعل الله النصر على يديه.
فعلم أولادك حب خالد وسيرته وشجاعته، ثم تورد لهم عنه ما قاله وهو يموت -وأسأل الله أن لا نكون ممن عناهم خالد - ما في جسدي موضع إلا وفيه طعنة برمح، أو ضربة بسيف، أو رمية بسهم، ألا لا نامت أعين الجبناء.
نعوذ بالله أن نكون كذلك، ونعوذ بالله أن ينزع من قلوبنا حب الجهاد في سبيله، يقول النبي ﷺ : (من لم يغز ولم يحدث نفسه بغزو مات على شعبة من النفاق).
ثم احك لأهلك وقرابتك عن أبي عبيدة بن الجراح، فقد لا يعرف أحد من هو أبو عبيدة وما مكانته.
أبو عبيدة هو الذي يقول فيه عمر -وهو على فراش الموت-: لو كان أبو عبيدة حياً لأعطيته الخلافة؛ لأني سمعت رسول الله ﷺ يقول: (لكل أمة أمين، وأمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح).
واحك لهم عن جليبيب، وبين لهم أمراً من أهم الأمور: وهو أن الشهرة لا تساوي شيئاً، وفي الحديث: (إن الله يحب التقي الخفي النقي)، فالله تعالى يحب العبد الأشعث الأغبر، الذي إذا طرق على الأبواب دفع، فإذا أقسم على الله أبره.
جليبيب هو الذي قال فيه النبي ﷺ في الغزوة: أتفقدون أحداً؟ قالوا: لا نفقد أحداً، بحثنا عن كل أحد فما فقدنا أحداً، قال: ولكني أفقد أخي جليبيب، فإذا عرفه الله ورسوله، ما ضره أن الصحابة لم يعرفوه.
فواجب على كل الأمة أن تحدث أبنائها عن هؤلاء الأخيار، وأن تبين سيرهم، وأن تمدحهم، وتجعلهم قدوة تتخذ، فإذا فعلنا ذلك نحشر معهم إن شاء الله جل وعلا.
стр. 695
الذب عنهم
ثالثاً: النصرة لهم والذب عنهم، فلا يرضى مسلم بسب صحابة رسول الله ﷺ ، ولا تقبل أحداً يفعل ذلك، أي: يسب أبا بكر أو عمر أو عائشة، كالرافضة الذي يقول قائلهم: اللهم! العن صنمي قريش أبا بكر وعمر.
حاشا لله، بل اللهم! العن من لعنهم وانتقم منه يا رب العالمين.
فأنت يجب عليك أن تذب عن صحابة رسول الله ﷺ ، وأن لا ترضى عمن يسبهم عملاً بقول الله تعالى: ﴿لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ﴾ [النساء:١٤٨]، وهم قد ظلموا، ولقول النبي ﷺ : (انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً)، فهذا من حقهم عليك يا مسلم.
وسل نفسك من الذي أوصل إليك القرآن غضاً طرياً؟! ألم يقل رسول الله ﷺ عن ابن مسعود: (من أراد أن يأخذ القرآن غضاً طرياً فليأخذه من ابن أم عبد) أي: ابن مسعود ﵁ وأرضاه؟! ألم يقل النبي ﷺ وهو يحتضن ابن عباس: (اللهم فقه في الدين وعلمه التأويل)، فعلى أكتاف هؤلاء وصلتنا الشريعة غراء، ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، فوجب عليك أن تذب عنهم، وأن تنصرهم، وأن ترد على من يتنطع ويتكبر ويتجبر عليهم، وإذا سمعت رجلاً يقدح في عائشة وفي شرفها فاقطع لسانه إن أردت؛ لأنه قد كفر برب العزة جل وعلا، وقد قال النبي ﷺ : (من بدل دينه فاقتلوه) فلا بد أن تذب عن صحابة رسول الله ﷺ .
стр. 696
وجوب الكف عما شجر بين الصحابة
رابعاً: الكف عن الخوض فيما شجر بين صحابة رسول الله، كموقعة الجمل وصفين ومقتل عثمان، وغيرها من الفتن التي دارت بين الصحابة، فلا تتكلم بها، كما قال إمام أهل السنة والجماعة عند أن سألوه: ماذا تقول في هذه الفتن؟ فقال: ما أقول إلا بقول الله تعالى: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [البقرة:١٣٤].
وقد قال ابن كثير كلاماً ما معناه: حروب رحم الله أجسادنا منها، فنبرئ ألسنتنا وأقلامنا من الخوض فيها.
ولذلك يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: أجمعت الأمة على وجوب الكف عن الكلام في الفتن التي حدثت بين الصحابة.
ونقول: كل الصحابة عدول، وكل منهم اجتهد، فمنهم من اجتهد فأصاب كـ علي فله أجران، ومنهم من اجتهد فأخطأ كـ معاوية فله أجر، فكل منهم مأجور، القاتل والمقتول، حتى الطائفة الباغية لها أجر واحد لا أجران، يعني: ليس فيهم مأزور بفضل الله .
فيجب على الأمة الكف عن الخوض في الفتن التي حدثت بين الصحابة، واعتقاد أن كل الصحابة عدول، وأنهم اجتهدوا فمن أصاب منهم فله أجران، ومن أخطأ فله أجر.
وهذا التأصيل والتقعيد أصل في التعامل مع صحابة رسول الله ﷺ .
стр. 697
حكم من سب أصحاب رسول الله ﷺ
إن قلنا: لعنة الله جل وعلا على كل من سب صحابة رسول الله جاز ذلك؛ لأننا لا نلعن معيناً، وإنما نلعن طوائف، كما يقول الله: ﴿لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [الأعراف:٤٤].
والساب للصحابة لا يخلو من أربعة أقسام:
стр. 698
حكم من كفر الصحابة
القسم الأول: من سبوا صحابة رسول الله وكفروهم، وقالوا: ارتدوا ولم يبق منهم مسلم إلا أربعة نفر، فهؤلاء كفروا بالإجماع، كغلاة المعتزلة الذين يقولون: إن صحابة رسول الله ارتدوا على أعقابهم بعد موت رسول الله.
وما الدليل على كفرهم؟
الجواب
مخالفتهم لظاهر القرآن، وصريح آياته.
стр. 699
حكم من فسق الصحابة لأجل دينهم
القسم الثاني: من يسبون كل الصحابة ويفسقونهم لدينهم، ولنصرتهم له، فهؤلاء أيضاً كفار بالإجماع.
стр. 700
حكم من سب أبا بكر أو عمر أو عائشة ﵃
القسم الثالث: من يسبون أبا بكر وعمر وعائشة، فهؤلاء كفرة، رغم أنف من يقول: إنهم غير كفرة.
فقد بين الله جل وعلا عدالة أبي بكر في قوله: ﴿وَلا يَأْتَلِ أُوْلُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ﴾ [النور:٢٢]، فالله العظيم جبار السماوات والأرض يحدث ويخاطب عبداً من عبيده ويقول له للتعظيم والتفخيم: (ولا يأتل أولو الفضل منكم والسعة)، فهنيئاً لك يا أبا بكر أن يقال عنك: (أولو الفضل).
وكان أبو بكر في مكة من أغنى أغنيائها، وكان من الجود بمكان، فأنفق كل أمواله على رسول الله، كما قال الرسول في الصحيح: (وواساني بأهله وماله) وجاء للنبي ﷺ فقال له الرسول: (ما تركت لأهلك وعيالك؟ قال: تركت لهم الله ورسوله.
ونظر جبريل إلى أبي بكر وعليه ثياب رثة، فقال جبريل مشفقاً على أبي بكر وهو بالثياب الرثة بعدما كان من أغنى الأغنياء: يا رسول الله! أبلغ أبا بكر بأن الله يقرئه السلام ويقول: يا أبا بكر! إن ربك عنك راض، فهل أنت عن ربك راض؟) الله أكبر، لمن هذا الكلام؟ لعبد من عباد الله يقال له: (يا أبا بكر! إن ربك عنك راض) ثم يقال له: (فهل أنت راض عن ربك؟!)، ومعنى ذلك: أأنت راض عن قضاء ربك عليك؛ لأنك بعدما كنت أغنى الأغنياء وسيد السادة رضيت أن تبقى فقيراً مع رسول الله، مهزوماً حتى ينصرك الله وينصر رسوله ﷺ ، فهل أنت راضٍ عن الله، وعن قضائه وقدره؟! قال: والله! إني عن ربي راض، والله! إني عن ربي راض، والله! إني عن ربي راض.
وقد زكاه الله جل وعلا في كتابه فقال: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى﴾ [الليل:٥ - ٦]، وفي آخر الآيات قال: ﴿إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الأَعْلَى﴾ [الليل:٢٠]، الإخلاص أمر في القلوب لا يعلمه إلا الله، لكن إخلاص الصديق نشره الله بين الناس.
فمن سب أبا بكر أو عمر كما تفعل الرافضة في أعيادهم، أي: أحياناً يأتون بصنم من حلوى ثم يضعون في بطنه عسلاً ثم يشقون بطنه ويدخلون رؤوسهم ويشربون من العسل ويقولون: نشرب من دم الصنم الأكبر! حاشا لله.
ثم ترى قائلهم عندما يريد أن يسب أمه أو ابنته أو أخته يقول لها: يا عائشة! خسئت وخسئ أبوك إن كان علمك ذلك.
يقولون عن عائشة ﵂ وأرضاها التي قال فيها عمار في موقعة الجمل -لما لعنها أو سبها رجل-: أخرس الله لسانك، إنها زوجة نبينا في الدنيا وفي الجنة، ولكن الله يبتليكم بها لينظر هل تسمعون كلامها أو تسمعون كلامه، فسبحانه وتعالى.
فبين ﵁ أنها زوجة النبي ﷺ في الآخرة وهي حبيبة النبي ﷺ ، وأبوها حبيب النبي ﷺ ، كما في الحديث: (ولو كنت متخذاً من الناس خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلاً).
فمن سب عائشة في شرفها فهو كافر ملحد زنديق، كما صعد قائلهم وأميرهم وسب عائشة علناً، ورماها بالزنا والإفك والعياذ بالله، والله جل وعلا قد برأها من فوق سبع سماوات، فمن رمى عائشة بالإفك فعليه لعنة الله؛ لأنه كافر ملحد يستحق الخلود في نار جهنم، إلا أن يتوب الله عليه، فإذا تاب الله عليه فمات مسلماً تائباً فالحمد لله.
стр. 701
حكم سب الصحابة لا لدينهم أو شرفهم
القسم الرابع: الذي يسب الصحابة لا لدينهم ولا لشرفهم ولا لشيء من ذلك، وإنما حقداً عليهم، أو لتقديم أحد منهم على أحد، كمن يسب معاوية مثلاً فيقول: سرق الخلافة، وهو الذي أنشب الحرب بينه وبيه علي.
فهذا ليس بكافر لكنه فاسق على شفا جرف هار، سينهار به إن لم يتب.
بل هو ذريعة للكفر، وباب من أبوابه، لكن لا نقول بكفره بحال من الأحوال، بل نقول: فاسق مبتدع زنديق من سب معاوية أو غيره من الصحابة ﵃ أجمعين.
стр. 702
الأسئلة
стр. 703
حكم الشيعة
السؤال
هل كل الشيعة كفار؟
الجواب
الشيعة ليسوا كلهم كفاراً، بل يوجد من الشيعة من هو كافر ملحد لا يشك مؤمن في كفره، لكن نصطحب التقعيد الذي قعدناه، أي: أن الكفر كفر نوع وكفر عين.
فمن الشيعة من هم كفار كالذين يقولون: إن القرآن الذي بين أيدينا ليس هو بالقرآن الصحيح، بل هو ثلث القرآن فقط، أما ثلثيه فهو في كتاب فاطمة، أو في السرداب، مع الرجل الذي ينادونه: يا إمام خرج اخرج، فيكونون أضحوكة وهم أمام السرداب.
فالمقصود: أن هؤلاء كفار.
ومثلهم الذين يسبون عائشة علناً، كغلاة المعتزلة الذين يقولون: ارتد الصحابة إلا أربعة نفر.
ومن الشيعة الزيدية، وهم لا يسبون أبا بكر وعمر، ولا يقدحون في خلافتهما، بل يقرون بها، لكن يقولون: علي أفضل من أبي بكر وعمر، وهو أحق بالخلافة منهم، لكن الناس عدلوا عن الأفضل للمفضول، وإمامة المفضول تصح؛ لأن أبا بكر صلى بالنبي، وكذلك عبد الرحمن بن عوف، فهما إمامان مفضولان، والفاضل ﷺ صلى خلفهما، فتجوز إمامة المفضول، فهذا التأويل لهم، فليسوا بكفار.
ومما ينبغي أن نؤكد عليه هنا: أن القول قد يكون كفراً وكذلك الفعل ومثلهما الاعتقاد لكن القائل أو الفاعل قد لا يكفر، حتى تقام عليه الحجة وتزال عنه الشبهة، ولا أقول: إن علماء الشيعة وعوامهم كفار، بل أتحرج من هذا، ولا أستطيع التجرؤ عليه، لكن الشيخ ابن جبرين وهو من جبال أهل العلم، يقول ذلك، لكني لا أقلده في هذا.
أقول: علماؤهم كفار، لكن العوام ليسوا بكفار حتى تقام عليهم الحجة، وتزال عنهم الشبهة، وهذا منهج شيخ الإسلام ابن تيمية عند أن يتكلم عن المعتزلة والجهمية والذين ينفون صفات الله جل وعلا، فيقول: علماؤهم كفار، أما العوام فلا، للعذر بالجهل، قال تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء:١٥].
فلو وجدت رجلاً يذبح لغير الله جل وعلا، هل تكفره؟ لا تكفره، بل تقول: هذا الجاهل فعل كفراً، وقال كفراً، لكن لا أكفره حتى أقيم عليه الحجة وأزيل عليه الشبهة.
أما لو جاءني رجل وقال لي: أنت مفتر كذاب أفاك! فأقوله له: لماذا يا رجل؟! قال: لأنك تكفر اليهود والنصارى وهم أهل كتاب.
أقول له: سأبين لك الحجة على أنهم كفار، فإن لم تكفرهم بعد ذلك فأنت كافر؛ لأنك تكذب الله.
فإن قال: كيف ذلك؟ أقول له: هم يقولون: إن الله ثالث ثلاثة، فهل هذا صحيح عنهم؟ وهل كفروا بذلك؟ فإن قال لي: هذا القول صحيح عنهم؛ لأن الله يقول: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ﴾ [المائدة:٧٣] وهو قول باطل، وهم كفار بذلك.
فأقول له: الحمد لله الذي نجاك من الكفر.
فإن قال: لا، أي: لم يقولوا ذلك، أو ليسوا كفاراً بقوله، وعاند وعتى فأقول له: كفرت أنت أيضاً.
الخلاصة: أنه لا بد من قيام الحجة وإزالة الشبهة حتى يكفر قائل الكفر أو فاعله.
وما هو ضابط إقامة الحجة عليهم؟ كثير من العلماء لم يبينها وسأقعد لك قاعدة قد من الله علينا بها، وهذه القاعدة مهمة جداً في معنى إقامة الحجة، فنقول معناها: أن يفهما مثله، وليس المعنى مجرد وصول المعلومة؛ لأنه قد يعاند ويجحد.
وقد لا يفهمها مثله، فلو أتيت برجل صيني وكلمته بالمصري ففهم كلامك، ثم قال لك: ابتعد عني، لا أريد أن أفهم منك شيئاً، أو يقول: لن آخذ منك شيئاً، فهذا الرجل يكفر؛ لأن مثله يفهم هذه الحجة.
فالضابط في المسألة: بلوغ الحجة، ومعناها: أن تصل إليه ويفهمها مثله، وليس مهماً أن يفهمها هو، لكن الأهم أن يفهمها مثله؛ لأنه قد يكون جاحداً، فلا يريد أن يفهم منك.
وكذا لو تعمد عدم الفهم يكون كافراً؛ لأنه معرض، وقد قال الله: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ﴾ [الأحقاف:٣].
стр. 704
التقية عند الرافضة
السؤال
ما مكانة التقية عند الرافضة؟
الجواب
التقية عند الرافضة أصل العقائد، بل هي مقدمة عندهم على لا إله إلا الله، وهي من أهم الأشياء في حياتهم، فنسأل الله أن يهديهم إلى سواء السبيل.
стр. 705
حكم التزوج من نساء الشيعة
السؤال
هل يجوز التزوج بامرأة شيعية؟
الجواب
المسألة فيها تفصيل، فأي شيعية تتزوجها؟ إن كانت هذه الشيعية من الكفار الذين حكم الدليل عليهم بالكفر، فلا يجوز أن تتزوجها؛ لأنها كافرة، وليست من أهل الكتاب حتى نقول: إنها تقاس على النصارى واليهود، بل هي كافرة، وتعد من المشركين، فلا تتزوجها، أما إذا كانت من الزيدية مثلاً فنقول: تزوجها مع الكراهة، وعلمها السنة؛ لعلها أن ترجع إليها، أما إن كانت متمسكة بما هي فيه، فستفسد عليك أولادك.
следующие страницы →