Полный текст (838 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.
стр. 701
حكم سب الصحابة لا لدينهم أو شرفهم
القسم الرابع: الذي يسب الصحابة لا لدينهم ولا لشرفهم ولا لشيء من ذلك، وإنما حقداً عليهم، أو لتقديم أحد منهم على أحد، كمن يسب معاوية مثلاً فيقول: سرق الخلافة، وهو الذي أنشب الحرب بينه وبيه علي.
فهذا ليس بكافر لكنه فاسق على شفا جرف هار، سينهار به إن لم يتب.
بل هو ذريعة للكفر، وباب من أبوابه، لكن لا نقول بكفره بحال من الأحوال، بل نقول: فاسق مبتدع زنديق من سب معاوية أو غيره من الصحابة ﵃ أجمعين.
стр. 702
الأسئلة
стр. 703
حكم الشيعة
السؤال
هل كل الشيعة كفار؟
الجواب
الشيعة ليسوا كلهم كفاراً، بل يوجد من الشيعة من هو كافر ملحد لا يشك مؤمن في كفره، لكن نصطحب التقعيد الذي قعدناه، أي: أن الكفر كفر نوع وكفر عين.
فمن الشيعة من هم كفار كالذين يقولون: إن القرآن الذي بين أيدينا ليس هو بالقرآن الصحيح، بل هو ثلث القرآن فقط، أما ثلثيه فهو في كتاب فاطمة، أو في السرداب، مع الرجل الذي ينادونه: يا إمام خرج اخرج، فيكونون أضحوكة وهم أمام السرداب.
فالمقصود: أن هؤلاء كفار.
ومثلهم الذين يسبون عائشة علناً، كغلاة المعتزلة الذين يقولون: ارتد الصحابة إلا أربعة نفر.
ومن الشيعة الزيدية، وهم لا يسبون أبا بكر وعمر، ولا يقدحون في خلافتهما، بل يقرون بها، لكن يقولون: علي أفضل من أبي بكر وعمر، وهو أحق بالخلافة منهم، لكن الناس عدلوا عن الأفضل للمفضول، وإمامة المفضول تصح؛ لأن أبا بكر صلى بالنبي، وكذلك عبد الرحمن بن عوف، فهما إمامان مفضولان، والفاضل ﷺ صلى خلفهما، فتجوز إمامة المفضول، فهذا التأويل لهم، فليسوا بكفار.
ومما ينبغي أن نؤكد عليه هنا: أن القول قد يكون كفراً وكذلك الفعل ومثلهما الاعتقاد لكن القائل أو الفاعل قد لا يكفر، حتى تقام عليه الحجة وتزال عنه الشبهة، ولا أقول: إن علماء الشيعة وعوامهم كفار، بل أتحرج من هذا، ولا أستطيع التجرؤ عليه، لكن الشيخ ابن جبرين وهو من جبال أهل العلم، يقول ذلك، لكني لا أقلده في هذا.
أقول: علماؤهم كفار، لكن العوام ليسوا بكفار حتى تقام عليهم الحجة، وتزال عنهم الشبهة، وهذا منهج شيخ الإسلام ابن تيمية عند أن يتكلم عن المعتزلة والجهمية والذين ينفون صفات الله جل وعلا، فيقول: علماؤهم كفار، أما العوام فلا، للعذر بالجهل، قال تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء:١٥].
فلو وجدت رجلاً يذبح لغير الله جل وعلا، هل تكفره؟ لا تكفره، بل تقول: هذا الجاهل فعل كفراً، وقال كفراً، لكن لا أكفره حتى أقيم عليه الحجة وأزيل عليه الشبهة.
أما لو جاءني رجل وقال لي: أنت مفتر كذاب أفاك! فأقوله له: لماذا يا رجل؟! قال: لأنك تكفر اليهود والنصارى وهم أهل كتاب.
أقول له: سأبين لك الحجة على أنهم كفار، فإن لم تكفرهم بعد ذلك فأنت كافر؛ لأنك تكذب الله.
فإن قال: كيف ذلك؟ أقول له: هم يقولون: إن الله ثالث ثلاثة، فهل هذا صحيح عنهم؟ وهل كفروا بذلك؟ فإن قال لي: هذا القول صحيح عنهم؛ لأن الله يقول: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ﴾ [المائدة:٧٣] وهو قول باطل، وهم كفار بذلك.
فأقول له: الحمد لله الذي نجاك من الكفر.
فإن قال: لا، أي: لم يقولوا ذلك، أو ليسوا كفاراً بقوله، وعاند وعتى فأقول له: كفرت أنت أيضاً.
الخلاصة: أنه لا بد من قيام الحجة وإزالة الشبهة حتى يكفر قائل الكفر أو فاعله.
وما هو ضابط إقامة الحجة عليهم؟ كثير من العلماء لم يبينها وسأقعد لك قاعدة قد من الله علينا بها، وهذه القاعدة مهمة جداً في معنى إقامة الحجة، فنقول معناها: أن يفهما مثله، وليس المعنى مجرد وصول المعلومة؛ لأنه قد يعاند ويجحد.
وقد لا يفهمها مثله، فلو أتيت برجل صيني وكلمته بالمصري ففهم كلامك، ثم قال لك: ابتعد عني، لا أريد أن أفهم منك شيئاً، أو يقول: لن آخذ منك شيئاً، فهذا الرجل يكفر؛ لأن مثله يفهم هذه الحجة.
فالضابط في المسألة: بلوغ الحجة، ومعناها: أن تصل إليه ويفهمها مثله، وليس مهماً أن يفهمها هو، لكن الأهم أن يفهمها مثله؛ لأنه قد يكون جاحداً، فلا يريد أن يفهم منك.
وكذا لو تعمد عدم الفهم يكون كافراً؛ لأنه معرض، وقد قال الله: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ﴾ [الأحقاف:٣].
стр. 704
التقية عند الرافضة
السؤال
ما مكانة التقية عند الرافضة؟
الجواب
التقية عند الرافضة أصل العقائد، بل هي مقدمة عندهم على لا إله إلا الله، وهي من أهم الأشياء في حياتهم، فنسأل الله أن يهديهم إلى سواء السبيل.
стр. 705
حكم التزوج من نساء الشيعة
السؤال
هل يجوز التزوج بامرأة شيعية؟
الجواب
المسألة فيها تفصيل، فأي شيعية تتزوجها؟ إن كانت هذه الشيعية من الكفار الذين حكم الدليل عليهم بالكفر، فلا يجوز أن تتزوجها؛ لأنها كافرة، وليست من أهل الكتاب حتى نقول: إنها تقاس على النصارى واليهود، بل هي كافرة، وتعد من المشركين، فلا تتزوجها، أما إذا كانت من الزيدية مثلاً فنقول: تزوجها مع الكراهة، وعلمها السنة؛ لعلها أن ترجع إليها، أما إن كانت متمسكة بما هي فيه، فستفسد عليك أولادك.
стр. 706
حكم الزواج بالكتابية
السؤال
هل يجوز أن يتزوج الرجل امرأة من أهل الكتاب وهو يعلم أنها قد وقعت في الزنا؟
الجواب
الشروط التي اشترطها الله للزواج من أهل الكتاب معلومة وهي: أولاً: أن تكون من أهل الكتاب حقاً.
ثانياً: أن تكون محترمة ذات حشمة، بل أرتقي وأقول: المسلمة الزانية لا يصح العقد عليها؛ لأن الله جل وعلا يقول: ﴿الزَّانِي لا يَنكِحُ إلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لا يَنكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور:٣]، ولذلك من المحرمات في النكاح -كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية: العقد بين الحر العفيف والزانية.
فإن كان لا يجوز أن يعقد على امرأة مسلمة زانية، فمن باب أولى إن كانت زانية من أهل الكتاب.
ولا بأس في الزواج من العفيفة من أهل الكتاب؛ لقول الله تعالى في سورة المائدة: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ [المائدة:٥].
أما الزانية فشرط الجواز قد اختل، والحكم يدور مع علته حيث دارت، لكن لا ينبغي أن نقول: إنه لا يجوز النكاح من أهل الكتاب عموماً؛ لأننا بذلك عطلنا ظاهر الكتاب، وإجماع الصحابة على جواز الزواج من الكتابية، والآية ظاهرة في ذلك، فإن وجدنا المحصنة -إن شئنا- تزوجناها، وإلا فلا.
ولو زنت الكتابية مرة واحدة ثم كفت عن ذلك فهل هذا توبة لها؟
الجواب
الضابط أن يطهر فرجها.
وتعرف ذلك بأن تسأل جيرانها، أو من يعيش معها، فإن كان جيرانها فاسقون فابحث عن أخرى ممن تمتنع عن الفاحشة، ولا نظلم أهل الكتاب بالقول بعدم وجود عفيفات فيهم بل ذلك موجود بنص حديث النبي ﷺ عن معاوية: (إن أهل الكتاب سيتملكون الدنيا بحسن أخلاقهم) أي: بحلم وعطاء وبر وغيرها من الأخلاق العالية التي هي من أخلاقيات الإسلام، شعروا أم لم يشعروا.
والزنا عندهم في الإنجيل حرام، فالمتدينات من نسائهم لا يزنين.
وكذا من كان عندهن نخوة وكرامة، وأخلاقيات عالية يترفعن عن هذا.
والزواج بالمسلمات لا ريب أولى، ومن كان من الفئة التي تتغرب لعلم معين تنتفع به الأمة، لا للدنيا؛ لأن النبي ﷺ قال: (أنا بريء ممن يقيم بين أظهر المشركين) يعني: ممن يقيم عندهم لا لمصلحة شرعية، فهذا إن خاف العنت نقول له: يجوز أن تتزوج كتابية، لكن تحرى أن تكون محصنة.
ويحذر من مغبة مخالفة النبي صلى الله علي وسلم بالبقاء بين أظهر المشركين لغير مسوغ شرعي.
стр. 707
حكم الترضي على غير الصحابة
السؤال
هل يجوز أن نترضى عن أهل الصلاح والجهاد فنقول: ﵃؟
الجواب
لا، لا يترضى إلا على صحابة رسول الله، أما التابعون فاختلف العلماء فيهم، والصواب: أنك لا تترضى إلا على صحابة رسول الله ﷺ ، مع أن الله جل وعلا قد قال: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [التوبة:١٠٠]، لكن العلماء قصروها على صحابة رسول الله، وإن ذكر التابعون في الآية.
فإذا قال الإنسان: ﵃، لغير الصحابة، ومراده بذلك دعاء فلا بأس، أي: يدعوا الله أن يرضى عنهم ويرضوا عنه، فمثل هذا الدعاء بلفظ الترضي جائز للصحابة وتابعيهم بإحسان كما في الآية، أما إذا قالها على أنه أمر قد حسم -أي: قد رضي الله عن المقول فيه ذلك- فلا يصح إلا للصحابة فقط.
ولو أردت أن تذكره أي: لفظ الترضي، فقله في أصحاب القرون الثلاثة المفضلة، كما قال النبي ﷺ : (خير القرون قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم).
стр. 708
عدم علم النبي ﷺ بالغيب
السؤال
لماذا قال النبي ﷺ : (أصحابي أصحابي) لمن منعوا من الورود على حوضه، ألا يعلم رسول الله ما في القلوب؟
الجواب
رسول الله لا يعلم ما في القلوب، والذين منعوا من الورود على حوضه رأى منظرهم كالصحابة وكانوا من المنافقين، والله أعلم بهم، ألم يقل الله جلا وعلا: ﴿وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ﴾ [التوبة:١٠١]، فدلت الآية على أنه لا يعلمهم، فهؤلاء من الذين لا يعلمهم النبي ﷺ ، فقال: (أصحابي أصحابي -أي: في الظاهر-، فيقال له: لا تدري ما أحدثوا بعدك، فيقول: بعداً بعداً، سحقاً سحقاً) فلا حجة في الحديث لمن يدعي أن النبي ﷺ يعلم الغيب.
والمبتدعة سيدخلون في الحديث؛ لتغييرهم وتبديلهم، فإذا كان هؤلاء من الصحابة في الظاهر ويقال لهم ذلك فمن باب أولى من جاء بعدهم من المبتدعة، أي: سيقال لهم: (سحقاً سحقاً، بعداً بعداً).
ولما سب خالد عبد الرحمن بن عوف قال له النبي ﷺ : (أصحابي أصحابي، لا تسبوا أصحابي) مع أن خالداً صحابي وأي صحابي! لكن الإسلام يبين حتى منازل الصحابة، وهذا تفضيل آخر سنبينه، أي: أن كل الصحابة يتفاوتون، فأعلاهم أبو بكر ثم عمر ثم عثمان على خلاف فيه: إذ الشوكاني والثوري وأبو حنيفة يقدمون علياً على عثمان كما سنبين، فهذا الترتيب أي: بتقديم عثمان على علي قد أجمع عليه بعد ذلك أهل السنة والجماعة، ثم بعد ذلك العشرة المبشرين بالجنة، ثم الصحابة الأفاضل.
فالنبي ﷺ يبين لـ خالد وهو الصحابي الجليل أن عبد الرحمن يقدم عليه؛ لأنه أي: عبد الرحمن من السابقين الستة، وقد قال الله تعالى: ﴿لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا﴾ [الحديد:١٠].
وقد كان أصحاب رسول الله ﷺ يقدمون توحيدين -فسادوا وقادوا-: توحيد رب العالمين وتوحيد الاتباع لرسول الله، فلا يوجد أهواء، ولا إحداث، ولا بدع، بل كلهم يقولون: سمعنا وأطعنا.
وأما نحن فصرنا غثائية، كما في حديث النبي ﷺ (قالوا: أو من قلة نحن يا رسول الله؟! قال: لا، إنكم يومئذ كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السيل).
قال تعالى: ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ﴾ [الرعد:١٧]، فنحن غثاء في هذا الزمان إلا قليلاً.
ونحن في غربة تحت غربة تحت غربة، ولا عبرة بكثرة المخالف، يقول تعالى مبيناً لنا أن الكثرة مذمومة: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الأنعام:١١٦]، فإن القلة التي هي على ما كان عليه النبي ﷺ وأصحابه هم أهل الحق، قال النبي ﷺ : (ولا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم).
ويوجد كثير من الناس قد يسمع الرقة والموعظة فترق نفسه، فالذي كلمه وقال له: إن النبي ﷺ قال: (ستفطر عندنا) هذا هو الذي يأخذ منه الدين، وأما العالم الذي يهتم بالدين فلا يأخذ عنه شيئاً، فالأمة ضائعة بسبب هذا، أي: لم تعرف موازين الناس، ولم تقدرهم قدرهم، أي: لم يضعوا كلاً في قدره ومكانته، فلم يعلموا أن الداعية داعية، والعالم عالم، وهو بستين ألف داع، إذ العالم داعية وزيادة، فالعالم يرسخ لنا العلوم التي نسير بها إلى الله جل وعلا، أما الداعية فما له إلا كلمات طيبة يجذب بها الناس، ثم قد يكون مخلصاً فيقول: لست لها أنا، بل لها العلماء، اذهبوا فتعلموا، أنا أتيت بكم إلى الطريق ولكنه ليس طريقي الصحيح، وإنما هو طريق العلماء، فنحن ضعنا بمثل هذا.
والعوام لا دخل لهم بشيء، وإنما يريدون الكلمة الطيبة لكي يذهبوا ورائها.
ودليل ذلك أن علياً بن أبي طالب لما صنف الناس إلى ثلاثة أقسام: عالم رباني، وطالب علم على سبيل النجاة، وهمج رعاع أتباع كل ناعق، لم يستضيئوا بنور العلم.
وهذا هو المهم، أي قوله: لم يستضيئوا بنور العلم، أي: لما كانوا كذلك أصبحوا أتباع كل من يتكلم عن الدين بعاطفة، فيقولون: هذا هو الدين.
وهذا خطر، فهناك بعض الناس يستغلون هذا ويجعلونهم أي: العوام، رأس مالهم، حتى يقول العامة: هذا هو الدين، فالدين عندهم ليس في اللحية، أو في مسواك، أو في قميص قصير، فأصبح كل الناس يتكلمون في الدين: الدين كذا وكذا، وهذا حلال وهذا حرام، مع أن الحنفيات عندما تعطب ولا ينزل منها الماء، لا يأتون إلا بالسمكري، ولا يمكن أن يأتوا بغيره كرجل ميكانيكي مثلاً، لكن الدين تجد أي شخص يتكلم فيه، ثم تقول العامة: هذا هو عالم الدين.
فلذلك ضعنا وضيعنا؛ لأننا لم نعرف موازين الناس وأقدارهم، ولم نعرف الطريق الصحيح الذي نصل به إلى رب العالمين.
ونسأل الله جل وعلا أن يشكر لكل ساع مجاهد سعيه وجهاده، لكن ما أحوجنا لذكر مسألة الراهب، فبعد أن علم الراهب الغلام وجد أن الغلام فاقه، فقال له: صرت الآن خيراً مني، أي: أنت الآن مقدم علي، فقدمه ليدعو إلى أبواب الخير وينشر دعوة الله، أي: لما أخلص الراهب كان هذا الغلام في ميزان حسناته، والغلام أدى ما عليه، فنشر دعوة الله جل وعلا، وقتل بعد دعوته الناس لتوحيد الله جل وعلا، فما أحوجنا إلى من يقول ذلك، أي: يقول: لست أنا، بل فلان الفلاني اذهبوا إليه لتعلموا دينكم، فلا أحد يقول هذا الآن إلا من رحم ربك، فادع الله ليل نهار: اللهم ارزقني رجلاً يسلك بي الطريق الصحيح، ويعلمني العلم النافع الذي يرسخ في قلبي فلا أسأل بعده أبداً، نسأل الله ذلك.
وليس عزيزاً على ربنا جل وعلا أن يجعلك في سنة طالب علم جيد، قد أتقنت العقيدة والمصطلح والأصول والفقه.
وتأمل كفار قريش كيف عرفوا المراد منهم في القرآن لما فقهوا اللغة العربية فقالوا: ﴿أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ [ص:٥] قالوا ذلك لأنهم علموا أن لا إله إلا الله، لها قيود ولوازم.
والصحابة كانوا يحرصون أيما حرص على التعلم من النبي ﷺ ، فأروى الناس عن النبي ﷺ هو أبو هريرة ثم عبد الله بن عمرو بن العاص، لكن عبد الله بن عمر كان يكتب، نفسه، وأبو هريرة كان يحفظ في صدره فقال قائل: أكثر علينا أبو هريرة، فقال أبو هريرة: إن إخواننا الأنصار شغلهم الزرع، وإخواننا المهاجرون شغلهم الصفق -الذي هو التجارة- وكان أبو هريرة يلزم رسول الله ﷺ على شبع بطنه، فيقول: وكنت أجوع ومن شدة الجوع يغشى علي، فيحسبون أن بي جنون وليس بي إلا الجوع، وقد مكثت مع رسول الله لأحفظ حديثه ﵊.
فكانوا أي: الصحابة حتى المشغول منهم بالتجارة، لا يشبه الذي نحن عليه الآن، نحن الآن ماذا يشغلنا؟ تشغلنا الآلة الحاسبة، والدرهم الذي ذهب، والدرهم الذي جاء، والعمل الذي نمضي فيه الساعات الطوال، والعلم الذي نحصل عليه هو ما نحصله من كلام الخطيب يوم الجمعة، أو ما نحصل عليه من كلام رجل يكلمنا عن الحب والعطف والحنان والشوق، فنقول: دعنا نسمع هذه الكلمات كي ترقق قلوبنا وانتهى الأمر.
ولو قلت: لن أضيع وقتي، بل نصف ساعة أجلس فيها مجلس علم، أحضر البركة، ولا يفقدني الله جل وعلا، وتصعد الملائكة باسمي، فيثني الله علي في الملأ الأعلى، وأتعلم مسألة أعمل بها، لكنت جهبذاً من جهابذة العلم إن شاء الله.
وانظر إلى عمر بن الخطاب عندما شغله الكسب ماذا عمل؟ قال لأخيه من الأنصار: تنزل يوماً فتتعلم من رسول الله فتعطيني ما تعلمته، وأنزل اليوم الثاني إلى النبي ﷺ وتعمل أنت، فأعلمك ما قاله رسول الله.
كانت أمي دائماً -رحمة الله عليها وعلى أبي- لما أن ترى معي كتاب الأم للشافعي تقول: يا بني! اتق الله في نفسك، وذاكر كتب الجامعة، أليس النبي ﷺ جاءه رجل فقال: (إن أخي يجلس معك ليل نهار وأنا أعمل من أجل أنفق عليه فقال للطالب: أخوك أفضل منك).
يعني: أن النبي ﷺ قال: ليس طالب العلم هو الأفضل، بل قال: أخوك الذي يعمل أفضل منك، قلت لها: أبعدت النجعة، فقد استدللت بحديث موضوع، وسأصحح لكي المفاهيم، بحديث صحيح: جاء رجل يشتكي للنبي ﷺ فقال: (يا رسول الله! إني أعمل وأكد لأخي وهو يجلس عندك في المجلس، فقال النبي ﷺ : دعه لعلك ترزق به)، انظر ماذا قال له، ولم يقل له: إنه أفضل منك فقط، بل قال له: الخير الذي يأتيك هو بسببه، أي: بسبب أنه يجلس ويتعلم على يد رسول الله ﷺ .
فلو فرغ المسلم نصف ساعة من وقته لحضور درس علمي يتعلم فيه مسألة جديدة ليعمل بها، أو يتعلم أمراً يرفعه الله به، والله ليصبح بعد عام رجلاً عنده كم علمي مبارك، ولا يقوى أحد أن يعمي عليه المسائل.
والفرق بيننا وبينهم أنهم لم يأخذوا العلم جملة لكي يضيع منهم جملة، فالصحابة تعلموا العلم ليعملوا، ولذلك جاء بسند صحيح في شعب الإيمان عن ابن عمر أنه قال: تعلمنا الإيمان.
أي: أول شي تعلمناه الإيمان حتى نطبقه، ثم تعلمنا القرآن، فنزل نور القرآن على نور الإيمان، فأصبح نوراً على نور.
فالنور الذي على نور هذا لمن علم وعمل، ولذلك كان
стр. 709
أول ما يجب على المسلم تعلمه
السؤال
ما هو الترتيب الصحيح في دراسة العلوم الشرعية؟
الجواب
الترتيب الصحيح أنك أولاً: تؤمن بالله، فكيف تؤمن به؟ لن تؤمن بالله حتى تعرفه، أي: تعرف عنه ما أوجب عليك معرفته، مما يدلك عليه؛ لقول الله جل وعلا: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [محمد:١٩]، ثم قال عقبها: ﴿وَاسْتَغْفِرْ﴾ [محمد:١٩]، فأنت لا بد أن تعلم، ثم تعمل.
فتعرف عن الله أسماءه الحسنى، وصفاته العلى، ودينه الذي أنزله.
ولو سأل سائل عن سبب ضياع الأمة الآن، وما الشيء الذي جعل الأمة ترتجف من أشياء قد تكون أضعف من الذباب؟!
الجواب
سبب هذا كله هو ضعف اليقين بالله، فلو علمت أن الله جل وعلا إذا أراد أن يقلب الدنيا رأساً على عقب بقوله: كوني، فتكون، فحينها لن تخف إلا من ربك جل وعلا، ولن تذل إلا له، ولن تتوكل إلا عليه، فوجب عليك أن تعلم من الله؟! فإذا عرفت ربك ارتفعت نفسك وسمت.
فاللهم ارزقنا تعظيمك يا رب العالمين.
ولذلك كان النبي ﷺ يقول لأصحابه: (أنا أعلمكم بالله).
стр. 710
تفضيل الصحابة على من بعدهم
السؤال
كيف الجمع بين حديث: (أجر الواحد منهم بخمسين منكم، فقال أبو هريرة: يا رسول الله! بخمسين منهم، قال: لا، بخمسين منكم) أي: القابض على دينه في آخر الزمان أجره بخمسين من الصحابة، وبين حديث: (لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهباً ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه)؟
الجواب
الجمع سهل بفضل الله، فنقول: الأمة كلها في ميزان الصحابة، إذ (الدال على الخير كفاعله)، فإذاً أجر أحدهم يلصق بما بعده.
стр. 711
شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة - تابع فضائل الصحابة
اختار الله لنبيه محمد ﷺ أناساً هم أبر الناس قلوباً، وأعمقهم علماً، وأحسنهم خلقاً، فنشر الله فضلهم ومحاسنهم، وأنزل عدالتهم من فوق سبع سموات، فتربعوا على عرش الدنيا في فترة قصيرة، فكانوا سادة الدنيا بأسرها، فمن أحبهم فقد أحب الله ورسوله، وأرضى الله ورسوله، ومن أبغضهم وتكلم فيهم فقد أسخط الله ورسوله، والويل له يوم القيامة من عذاب السعير.
стр. 712
فضل الصحابة
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
ثم أما بعد: فما زلنا مع هذا الكتاب المبارك (شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة) وأسأل الله أن يرزقنا الشكر، فالله جل وعلا يقول: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ [إبراهيم:٧]، أي: أن الشكر سبب لمزيد النعم والبركة، واجتماع طلبة العلم بركة، وأنا أعتقد اعتقاداً جازماً لا مرية فيه أن أفاضل الناس على الإطلاق كل من ينشغل بعلم الشرع، إذ أن النبي ﷺ يقول (من يرد الله به خيراً يفقه في الدين)، فهؤلاء هم أفاضل الناس، وقال النبي ﷺ أيضاً: (العلماء ورثة الأنبياء، والأنبياء لم يرثوا درهماً ولا ديناراً، ولكن ورثوا العلم فمن أخذه أخذ بحظ واف).
والعلم في الحقيقة هو غذاء القلوب، فيقدم على غذاء البطون، فغذاء القلوب تشتاق إليه النفوس الشريفة العفيفة، قال الإمام أحمد: إن حاجة الناس إلى العلم أشد من حاجتهم إلى الماء والهواء.
ولذلك صدرت الباب بشرح الكتاب حتى لا أنقطع عن هذا الخير، ولعلها تكون بركة بإذن الله تعالى، وأسأل الله جل وعلا أن يجعل من علماء الأمة المجاهدين الصابرين المحتسبين الربانين من يحذوا حذو سلفنا الصالح، كـ الشافعي، وأحمد، ومالك، وأبي حنيفة، وشيخ الإسلام ابن تيمية وغيرهم، وينبغي أن يكون كلاً منا يرتقي بصره وتشرئب عنقه إلى أن يصل إلى ما وصلوا إليه، وأن يتمنى أن يكون ولده مثلما يتمنى لنفسه، وفوق ما تمنى لنفسه، وأسأل الله جل وعلا أن يمنحه الصدق في قلبه عند كبره، فيقول: بعت نفسي لك يا رب! وقف لله، وكل منا إذا منحه الله ولداً مجاهداً عالماً فليكن طالباً لرزق الله الأخروي.
كنا قد انتهينا من فضائل الصحابة رضوان الله عليهم، هذا الرعيل الزكي النقي، الذين جابوا ربوع الأرض شمالها وجنوبها، شرقها وغربها، وفضلهم الله على كل البشر، فتربعوا على عرش الدنيا في مدة وجيزة من عمر الزمن، فكانوا سادة، وكانوا قادة، وكانوا أصحاب الريادة ﵃ وأرضاهم.
لقد نشر الله فضلهم ومحاسنهم، وأنزل عدالتهم من فوق سبع سموات، ونشر النبي ﷺ أيضاً فضائلهم ومدائحهم ومحاسنهم، وبين صدقهم، وشكر لهم حسن صنيعهم معه ﷺ ، كيف لا، وقد قام قائلهم يقول لرسول الله ﷺ -وهو ﷺ منتظر ما يقول- يا رسول الله! لن نقول لك مثل ما قالت بنو إسرائيل لموسى ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ [المائدة:٢٤]، لا والله، بل اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون.
وكان النبي ﷺ يلمح ويعرض بالأنصار؛ لأنهم ما بايعوا النبي ﷺ إلا على القتال في المدينة لا خارجها، فقام سيدهم سعد الذي اهتز عرش الرحمن لموته، فقال: يا رسول الله! كأنك تعرض بنا؟! قال: نعم.
وقد اشتاقت نفسه ﷺ أن يسمع ذلك من سيد الأنصار، فقام سيدهم، وأكرم وأنعم به من سيد، فقال: يا رسول الله! قد أخرجنا الله بك من الضلالة إلى الهدى، ومن العمى والظلام إلى النور، فأحبب من شئت، واضرب من شئت، وصل حبل من شئت، واقطع حبل من شئت، والله يا رسول الله! لو خضت بنا البحر لخضناه.
كلام كله صدق وعزيمة مع اعتقاد صادق في الله جل وعلا، ولذلك كانوا هم السادة، والأماجد، والأفاضل والأكارم، وهم الأسوة بحق وهذه الأمة هي التي قادت الدنيا بأسرها في مدة وجيزة من الزمن، وعبّدوا الناس لرب الناس جل وعلا.
стр. 713
أقسام الناس في السب واللعن للصحابة رضوان الله عليهم
قد تكلمنا فيما سبق عن حكم سب صحابة رسول الله ﷺ ، وواجب الأمة نحوهم، وقلنا: إن الناس ينقسمون في السب واللعن لخير البشر -لجهلهم وغبائهم وشدة عنائهم وعذابهم في الآخرة إن لم يتوبوا- إلى أربعة أقسام: القسم الأول: أناس سبوا صحابة رسول الله ﷺ ، فرموهم واتهموهم بالقبائح، كغلاة الشيعة وغلاة المعتزلة، فقد قالوا: كل الصحابة ارتدوا عن الدين إلا أربعة نفر، منهم: سلمان وغيره ممن عدهم الشيعة، فهؤلاء بالإجماع كفرة خرجوا من الملة.
القسم الثاني: الذين يسبون ويطعنون ويلعنون الشيخين، كما يقول قائلهم: اللهم العن صنمي قريش، يقصد أبا بكر وعمر ﵄، ويطعنون أيضاً في دينهم وأعراضهم، فهذا أيضاً كفر بالإجماع.
القسم الثالث: الذين ينتهكون عرض عائشة ﵂ وأرضاها، ويتهمونها بالإفك الذي برءها الله منه من فوق سبع سموات، وهؤلاء أيضاً قد كفروا بالإجماع؛ لأنهم كذبوا كلام الله تعالى، وكذبوا قول رسول الله ﷺ .
القسم الرابع: هم من الفسق والبدعة بمكان، وهؤلاء الذين يغمزون ويلمزون أصحاب رسول الله ﷺ ، أو يقدمون بعض الصحابة على بعض، كأن يقول أحدهم: معاوية سارق للخلافة، كان يقاتل من أجل حطام الدنيا، أو يغمز علياً، أو يغمز بعض الصحابة الآخرين، فهذا الغمز واللمز للصحابة من الفسق، وصاحبه على خطر عظيم، قال رسول الله ﷺ -كما في الصحيحين-: (لا تسبوا أصحابي، فإن أحدكم لو أنفق مثل أحد ذهباً ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه)، وقال النبي ﷺ أيضاً: (الله الله في أصحابي لا تسبوا أصحابي، أو قال: الله الله في أصحابي من أحبهم فبحبي أحبهم، ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم)، وجاء بسند ضعيف متكلم فيه، أن النبي ﷺ قال (إن الله اختارني من بين الناس نبياً، واختار لي أصحاباً، وجعل منهم مهاجرين وأنصاراً، فمن أحبهم فقد أحبني، ومن أبغضهم فقد أبغضني، ومن آذاهم فقد آذاني، ومن آذاني فقد آذى الله، ومن آذى الله يوشك الله جل وعلا أن يأخذ)، والله جل وعلا إذا أخذ أحداً لم يتركه.
كما ورد أيضاً بسند متكلم فيه، لكن الشواهد تعضده، أن النبي ﷺ قال (لعنة الله على من سب أصحابي).
وجاء أيضاً بسند صحيح عن عائشة ﵂ وأرضاها أنها قالت: (أمروا أن يستغفروا لصحابة رسول الله ﷺ فلعنوهم وسبوهم).
قال: ابن عمر لا تسبوا أصحاب محمد، فإن مقام أحدهم -أي: بين يدي رسول الله ﷺ ، ورؤيته لرسول الله ﷺ كعمل أحدكم في عمره كله.
أي: أنه لو صام النهار، وقام الليل، وأنفق وجاهد في سبيل الله، فلن يبلغ مقام أحدهم عند رسول الله ﷺ ، أو رؤية وجه النبي ﷺ ، ولذلك فإن المحققين من أهل العلم الذين يبينون الفارق بين معاوية وعمر بن عبد العزيز، يقولون: إن عمر بن عبد العزيز وأهل بيته أجمعين لا يساوي يوماً واحداً من أيام معاوية مع النبي ﷺ ، لما لـ معاوية من فضل، ككونه من كتاب الوحي لرسول الله ﷺ ، وأيضاً قد نظر إلى وجه النبي ﷺ ، وكفى بذلك فخراً ومزية.
وقال ابن عباس ﵁ وأرضاه لما استنصحه ميمون بن مهران، فقال: انصحني في قوم يعتدون على أصحاب رسول الله ﷺ ، فقال: يا ميمون! -نصيحة يعض عليها بالنواجذ- لا تسب أصحاب محمد، وادخل الجنة بسلام، أي: أن دخولك الجنة بسلام مرهون بأن لا تسب أصحاب محمد، وإن سمعت سب أصحاب محمد فلا تسكت، بل لابد أن تنكر، لأن الساكت عن الحق، أو الرضا بالمنكر كمرتكبه.
ثم قال ابن عباس: أُمِرْنا أن نستغفر لأصحاب رسول الله ﷺ ، وقد كان يعلم جل وعلا أنهم سيقتتلون.
أي: أن الله كتب قدراً أنهم سيقتتلون، وستحدث منهم الفتن، ومع ذلك أمرنا بالاستغفار لهم، وإذا كان لا يجوز سب أو شتم آحاد المسلمين؛ لقول النبي ﷺ : (سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر)، فكيف بالذين يطعنون في علماء المسلمين، أو في طلبة العلم! إن هؤلاء من أشر الناس؛ لأنهم وقعوا في أفاضل الناس، فكيف بالأدهى والأطم أن يقعوا في الأخيار الأماجد، الذين قال فيهم ابن مسعود ﵁ وأرضاه: إن الله نظر في قلوب العباد فوجد أفضل القلوب قلب محمد فاختاره نبياً، ثم نظر في قلوب العباد فوجد أفضل قلوب العباد بعد قلب نبيه قلوب أصحابه، فاختارهم لنبيه محمد ﷺ ، فهم أبر الناس قلوباً، وأعمقهم علماً، وأحسنهم خلقا.
فإذا كان الاعتداء على أحد المسلمين فيه من الفسوق ما فيه، فكيف بصحابة رسول الله ﷺ ! وهو القائل -كما في الصحيح-: (المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده)، وقال بعض علمائنا -فيمن ينتقص من قدر العلماء، وقدر طلبة العلم-: إن لحوم العلماء مسمومة، وإن عادة الله في هتك منتقصيهم معلومة.
فالله جل وعلا ينكل أشد النكال في من يقع بعالم من علماء الأمة، ولو اتهمه بأنه عالم سلطة لغير قرينة، أو اتهمه بفتوى قد أفتاها، وإن كان قد أخطأ فيها، وأنزل من قدره، فعادة الله لمثل هذه الرجل معلومة، وعادة الله في منتقصيهم معلومة، فما بالكم في صحابة رسول الله ﷺ ! وقد ورد في الآثار والأخبار التي تبين هذا العقاب الشديد في الدنيا، ثم ينتظرون أشد النكال والعقاب يوم القيامة، يوم يقال لهم: سحقاً سحقاً، بعداً بعداً، ثم يكون أشد العذاب من الله جل وعلا على من سب الأصحاب.
стр. 714
فضل سعد بن أبي وقاص ﵁
أقول: سعد بن أبي وقاص صحابي من صحابة رسول الله ﷺ ، وهو من العشرة المبشرين بالجنة، وهو الذي وقف النبي ﷺ أمامه وأمام الناس وقال: هذا خالي -خاله من الرضاعة- فليريني أحدكم من خاله.
افتخاراً بـ سعد ﵁.
قال علي بن أبي طالب: ما رأيت رسول الله ﷺ يفتدي بأبويه أحداً مثل ما افتدى بـ سعد يوم أحد.
يوم أن اشتد الهم والغم على رسول الله ﷺ ، في ذلك اليوم يرمي أحد المشركين امرأة، فيراها تتقلب في دمها، ويضحك المشرك، فقام سعد فرماه بالسهم فقتله، فضحك النبي ﷺ ، وقال له: (ارم سعد! ارم فداك أبي وأمي).
سعد بن أبي وقاص ﵁ وأرضاه الذي ترك الدنيا بأسرها، وترك الخلافة مع أنه كان أحق بها من الستة الذين مات النبي ﷺ وهو راضٍ عنهم، يقول له ابنه: يا أبت! الناس يقتتلون على الخلافة، وأنت هاهنا في الصحراء! فقال سعد: يا بني! سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إن الله يحب التقي الخفي).
وانظروا في من طعن فيه، ماذا كان مآله؟ فقد جاء في الصحيحين أنهم اشتكوا إلى عمر سعد بن أبي وقاص، فبعث إليه، فقام قائلهم يقول: لا يعطي العطاء، ولا يقسم بالسوية، وأخذ يطعن في سعد بن أبي وقاص ﵁.
فقام سعد بن أبي وقاص ﵁ بعد أن سمع هذا الرجل فقال: اللهم إن كان قام هذا رياء وسمعة، اللهم أطل عمره، وأعم بصره، وعرضه للفتن.
قال الراوي: والله لقد رأيته وقد سقط حاجبه على عينيه، ورأيته يتعرض للجواري في الشوارع، ويقول: عبد مفتون أصابته دعوة سعد ﵁ وأرضاه.
стр. 715
فضل علي وطلحة والزبير ﵃
سعد الذي خرج على بعض الناس فوجدهم يتكلمون في علي وطلحة والزبير، ويتكلمون في علي، بطل الإسلام وفارس خيبر، الذي قال فيه النبي ﷺ : (لأعطين الراية غداً رجلاً يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله يجعل الله الفتح على يديه)، وكان يقول ﵁: أنا الذي سمتني أمي حيدره كليث غابات كريه المنظره وكان يفتح الله عليه الفتح الذي لا يمكن أن يفتح على مثله، ففي يوم الخندق قام عمرو بن ود فارس أهل الكفر -وكان أشد ما يكون على المسلمين- متبختراً بقواه وشدته يقول: أما تشتاقون إلى الجنة، أما زعمتم أن الذي سيقتل منكم يدخل الجنة، أما واحد منكم يشتاق إلى الجنة، أما ينزل لي إلى ساحة الوغى أحد؟ فيقوم علي، فيقول النبي ﷺ : اجلس يا علي! فيقول عمرو بن ود: -يصرخ بقوة الفاجر، وعزة زائفة زائلة بفضل الله أما منكم من أحد يشتاق إلى الجنة؟ فيقوم علي، والنبي ﷺ يقول له: اجلس يا علي! وفي الثالثة قام علي، فقال: اتركني يا رسول الله! فقال رسول الله: يا علي! إنه عمرو بن ود، قال: وأنا علي بن أبي طالب، فاختلف في الضربة فقتله الله جل وعلا على يد علي ﵁.
وأما الزبير فهو أول من أشهر سيفاً في سبيل الله جل وعلا، وذلك عندما أُشيع بأن النبي ﷺ قد قتل، فقام عرياناً -لم يستر عورته- وأشهر سيفه في أهل مكة، فلقب بأنه أول من أشهر سيفاً في سبيل الله جل وعلا.
أما طلحة ﵁، فقد قال عنه النبي ﷺ : طلحة الخير.
أي: أنه ﷺ لقبه بهذا اللقب العظيم، طلحة الذي كان يقول للنبي ﷺ يوم أحد: يا رسول الله! لا ترفع رأسك، حتى لا يصيبك أذى، نحري دون نحرك يا رسول الله! وكان يرد عن رسول الله ﷺ السيوف بيده، حتى شلت يده ﵁، فقال النبي ﷺ : أما صاحبكم فقد أوجب.
نعود إلى سعد بن أبي وقاص عندما رأى هؤلاء المتنطعين يتكلمون في هؤلاء الثلاثة، فقال للرجل منهم: اتق الله، وانته عن سب أصحاب رسول الله، فلم ينته الرجل، فقال: والله لأدعون عليك.
فقال له الرجل: أتخيفني بنبي من الأنبياء.
أي: أن دعوته لا ترد، فقام سعد فتوضأ ثم رفع يديه وقال: اللهم إنك تعلم أن هؤلاء يتطاولون على أصحاب رسولك ﷺ ، اللهم فأرني فيه آية.
فند بعير بعد ما أنزل سعد ﵁ يده، ففرق الناس، وكأنه يقصد ذلك الرجل الذي لم ينته عن سب أصحاب رسول الله، فقصده البعير فوطأه حتى قتله، فقالوا: يا أبا إسحاق! قد أرانا الله فيه آية.
стр. 716
عاقبة المتطاولين على الشيخين خصوصاً والصحابة عموماً
وهذا محمد بن سيرين كان يطوف بالكعبة، فسمع رجلاً يقول: اللهم اغفر لي، وإني لا أظن أنك لن تغفر لي، فقال محمد بن سيرين: يا رجل! كيف تدعو بهذا الدعاء! فقال: أنت لا تعرف حكايتي.
قال: ما حكايتك؟ قال: قد نذرت لله أني ألطم عثمان على وجهه فما استطعت ذلك في حياته، فلما مات دخلت عليه فطلمته في وجهه فيبست يدي كما ترى، أي: شل الله يده؛ لأنه تعرض لـ عثمان ﵁ وأرضاه ذو النورين.
وأيضاً عن الثوري أنه كان يصلي الفجر بغلس، يعني: يذهب إلى صلاة الفجر بغلس، والناس نيام، فيذهب إلى المسجد ويستغفر ويدعو الله جل وعلا.
قال: فكنت كلما ذهبت إلى المسجد بغلس رأيت كلباً مترصداً للناس، فخفت أن أسجد فيؤذيني.
فقلت: أنظر ما حكاية هذا الكلب؟ فمررت به ثم جلست، وإذا بالكلب ينظر إلي، فقال: يا أبا عبد الله! مر ولا تخف! فإني أمرت بمن يسب أبا بكر وعمر، أي: ذلك مترصد للذين يسبون صحابة رسول الله ﷺ ، فينهش في لحومهم.
وأيضاً: ورد عن بعض الأخيار أنه مر على قرية، فكان فيها أناس يسبون أبا بكر وعمر، فنهاهم الرجل، فقال لأحدهم: اتق الله، ولا تسب أبا بكر وعمر، فإن أبا بكر وعمر كانا كذا وكذا، وأخذ يذكر له فضائلهما، والرجل لم ينته عن سبه لـ أبي بكر وعمر، قال: وهو معنا في سفرنا، فنظرنا إلى يد الرجل فإذا يده يد خنزير، وواصلنا السفر حتى أتينا على قطيع من الخنازير، فسمعنا من خلفنا صيحة خنزير مع الخنازير، ثم دخل بين الخنازير، فما عرفناه من بينهم، أي: أن الله قد مسخه خنزيراً حقيراً؛ لأنه كان يسب أبا بكر وعمر ﵄.
اللهم العن من يسب هؤلاء، وامسخهم خنازير وقردة يا رب العالمين! واجعل في قلوبنا حبك أصحاب رسول الله ﷺ .
وأيضاً: ما من أحد يسب رسول الله، أو يسب أصحاب رسول الله ﷺ ، إلا ويشدد الله جل وعلا عليه، ويمثل به في الدنيا قبل الآخرة.
وأما الخلافة الراشدة، والكلام على خلافة أبي بكر، وفضله، وفضل عمر وعلي وعثمان، وفضل العشرة المبشرين، فسيأتي في دروس لاحقة بعون الله .
стр. 717
شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة - فضائل أبي بكر الصديق
لقد أيد الله تعالى رسوله ﷺ بصحابة أفذاذ، في مقدمتهم الصديق، الذي سماه الله بذلك من علياء سمائه، لمبالغته في تصديق رسول الله ﷺ .
وأبو بكر خير الأمة بعد نبيها على الإطلاق، فهو الصاحب في الغار إجماعاً، وهو الذي بذل كل ماله فداء ونصرة لهذا الدين، وهو الذي اتخذه رسول الله ﷺ خليلاً، وصفاته ﵁ تفوق الحصر، يكفيه منها: أن إيمانه راجح على إيمان الأمة أجمع خلا نبيها.
стр. 718
ترجمة أبي بكر الصديق ﵁
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
أما بعد: فنحن في هذا الدرس على موعد مع خير البرية على الإطلاق بعد الأنبياء والمرسلين، على موعد مع من نصر الله به الدين وثبت به الأولين، على موعد مع من تفتح له أبواب الجنة الثمانية، على موعد مع رجل صاحب الرسول ﷺ في الحل وفي الترحال! مع صاحب المكانة الأسمى عند الله جل وعلا، مع صاحب الحظوة عند رسول الله ﷺ ، مع من أجمع السلف أجمعين على أنه خير من صاحب نبينا ﷺ ؛ إنه أبو بكر ﵁ وأرضاه.
стр. 719
اسمه وكنيته
هو عبد الله بن عثمان وأبوه عثمان كنيته: أبو قحافة، فهو أبو بكر بن أبي قحافة أو أبو بكر بن عثمان يلتقي مع النبي ﷺ في مرة بن كعب.
كنيته: أبو بكر.
стр. 720
وصفه
أما وصفه: فكان جميلاً نحيفاً كما وصفه الواصفون، وقالوا: كان أبو بكر ﵁ وأرضاه جميل الوجه ولذا لقب بالعتيق كما سنبين وكان أبيضاً نحيفاً أجنأ، يعني: له انحناء في ظهره ﵁ وأرضاه.
وكان معروق الوجه قليل اللحم، وكان إزاره يسترخي منه ﵁ وأرضاه.
стр. 721
ألقابه وسبب إطلاقها عليه
لقب بـ الصديق، قيل: لأن النبي ﷺ لقبه بذلك، ولأن الله سماه بـ الصديق؛ ولأن الصحابة أقروا على ذلك.
أما بالنسبة لتسمية الله له؛ فقد قيل لـ علي بن أبي طالب: أخبرنا عن أبي بكر.
فقال: هو أفضلنا -أو هو سيدنا- خير البشر بعد رسول الله ﷺ ، فقال: سماه الله بالصديق على لسان جبريل ولسان محمد ﷺ .
وقيل: سمي أو لقب بـ الصديق؛ لأنه ما سمع عن النبي ﷺ من شيء إلا وقال: أقال ذلك؟ قالوا: نعم.
قال: صدق.
ولذلك وصفه النبي ﷺ وقال: (ما تكلمت معه في شيء ولم يرد علي شيء).
أو كما قال النبي ﷺ .
ولذلك لما جاء مشركوا العرب وقالوا: اليوم نأخذ من محمد ﷺ ، فذهبوا إلى أبي بكر وقالوا: أما رأيت ما يزعم صاحبك؟ قال: وما يزعم؟ قالوا: يزعم أن الله أسرى به من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى ثم رجع في ليلة واحدة، وهذا في المعقول مستحيل ولا يمكن أن يصدق، تضرب الإبل شهراً حتى تصل إلى بيت المقدس وترجع، ففي ليلة واحدة يذهب من البيت الحرام إلى بيت المقدس، وظنوا أن أبا بكر يتخلى عن صاحبه؛ لأن العقل لا يمكن أن يقبل هذا الكلام.
فقال أبو بكر: أقال هذا؟ قالوا: نعم، قال: صدق، قالوا: تصدقه في هذا؟ قال: والله! إني لأصدقه في ما هو أبعد من هذا، إني أصدقه في خبر السماء.
غدوة وروحة.
﵁ وأرضاه.
وأيضاً لقب بـ الصديق لصدقه وأمانته، فقد بلغ القمة في الصديقية، ولذلك بعض العلماء الذين لهم نظر ودقة فقه يقولون: استثنى النبي ﷺ كثيراً من الناس، أو سبعة من الأقسام، أو الأصناف على أنهم لا يعذبون في القبر: كالشهيد والمطعون وغيرهما فقالوا: الصديق أيضاً ﵁ وأرضاه ينجو من فتنة القبر؛ لأن الشهيد ينجو من فتنة القبر، فقد امتحن في ساحة الوغى على صدقه، وقد قال النبي ﷺ : (كفى ببوارق السيوف فتنة).
أما الصديق ففي حياته كلها صدق، وما يأتيه خبر من أخبار الرسول ﷺ إلا يقول بيقين: صدق، ويصدقه في ذلك.
قالوا: فهو أولى من الشهيد بأن يوقى فتنة القبر.
ولقب أيضاً ﵁ وأرضاه بالعتيق، قيل: لعتاقة وجهه أي: جماله.
وقيل: لأنه كان كثير العتق، فكان يشتري العبيد بماله ويعتقهم في سبيل الله جل وعلا.
وقيل: بل بشره النبي ﷺ بأنه عتيق من النار كما في سنن الترمذي: أن عائشة ﵂ وأرضاها قالت: (دخل أبو بكر ﵁ وأرضاه على رسول الله ﷺ ، فقال الرسول أول ما رأى أبا بكر: أبشر يا أبا بكر! إنك عتيق الله من النار).
فبشره بالعتق من النار فلذلك لقب بالعتيق.
ولقب بالصاحب، وما من أحد لقب بهذا اللقب أو اقترن ذكره مع ذكر رسول الله إلا أبا بكر ﵁ وأرضاه.
قال الله تعالى: ﴿ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ﴾ [التوبة:٤٠] وبالإجماع الصاحب هنا هو أبو بكر ﵁ وأرضاه.
ولقب أيضاً بالأواه؛ لأنه كان خاشعاً متبذلاً أمام ربه جل وعلا، ما قرأ آية إلا وبكى، ولذلك ورد عن إبراهيم النخعي أنه قال: الأواه هو أبو بكر ﵁ وأرضاه.
стр. 722
خلق أبي بكر الصديق
كل إنسان منا يتمنى أن يرتقي في الخلق؛ لأن النبي ﷺ قال: (إن المرء بحسن خلقه ليدرك درجة الصائم القائم).
أما خلق أبي بكر فهو خلق الأنبياء بالإطلاق، ولو دققت النظر في مواقف أبي بكر ومواقف رسول الله ﷺ فستجد أنهما يسيران في خط واحد، ويجلي لك ذلك واضحاً ما قالته خديجة في رسول الله، وما قاله ابن الدغنة في أبي بكر.
أما خديجة لما جاءها رسول الله ﷺ مهرولاً مسرعاً يقول: دثروني دثروني، قالت: لا والله! لا يخزيك الله أبداً، إنك لتقري الضيف، وتكرم السائل، وتعين على نوائب الحق إلى آخر ما قلت.
وابن الدغنة وصف أبا بكراً بنفس الصفات دون أن يستمع من خديجة ما قالته عن رسول الله.
فقال لـ أبي بكر عندما قامت قريش عليه عندما كان يقرأ ويجتمع عليه الناس، فخاف كبار قريش فقالوا: يجب أن يرحل من مكة، فجاء ابن الدغنة وقال: مثلك لا يخرج؛ أنت أكرم الناس، وأعز الناس، إنك لتعين على نوائب الحق، وتقري الضيف، وتكرم السائل.
فكانت الصفات التي أطلقت عليه من كصفات النبي ﷺ .
ولو نظرت لـ أبي بكر قبل الإسلام فإنه لم يشرب الخمر قط، والسبب في ذلك أن أبا بكر أتي برجل قد شرب الخمر، فوجده يضع يده في العذرة ويقربها إلى فيه وجعل يشم رائحتها، فقال أبو بكر: إن هذا لسفه، وابتعد عن الخمر، ورسول الله ﷺ لم يشرب الخمر قط لا في الجاهلية ولا في الإسلام وحاشاه ﷺ .
وأبو بكر لم يسجد لصنم قط كما كان رسول الله ﷺ .
ويقول أبو بكر عن نفسه: إن أباه أخذه عندما ناهز الحلم وأدخله في كتيبة أصنام، وقال: هذه آلهتك الشم الشوامخ، تسألها وتدعو لها وتعبدها.
فدخل أبو بكر قال: فوجدت الصنم واقفاً فقلت له: إني جائع فأطعمني، فلم يرد علي، ثم قلت له: إني عارٍ فاكسني، فلم يرد علي -كأنه مختبراً لها- قال: فأخذت صخرة وضربت فيها فوقع وانكب على وجهه، فعلمت أنه لا خير فيه، فلم يسجد لصنم قط.
فـ أبو بكر خلقه كخلق النبي ﷺ .
والله جل وعلا لقب رسوله بأنه رءوف رحيم، وأبو بكر ﵁ وأرضاه أيضاً بالمؤمنين رءوف رحيم، وهذا بشهادة رسول الله ﷺ لـ أبي بكر فقال: (أرفق أمتي وأرحم أمتي بأمتي أبو بكر).
﵁ وأرضاه.
أيضاً: كان النبي ﷺ أكرم الناس، كما قال ابن عباس: (كان رسول الله أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يدارسه جبريل القرآن).
والمقصود: أن أجود الناس هو رسول الله ﷺ ، وأجود الناس بعده خليفته أبو بكر ﵁، فقد أنفق أربعين ألفاً أو أكثر في الدعوة إلى الله، وكان يشتري العبيد ويعتقهم في سبيل الله بنفقة ماله الذي للتجارة، وأنفق ماله كاملاً في تجهيز الجيش، وفي النفقة على رسول الله ﷺ ، لذلك قال رسول الله كما في الحديث الصحيح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : (ما نفعني مال قط ما نفعني مال أبي بكر.
فبكى أبو بكر بين يدي رسول الله ﷺ وقال: هل أنا ومالي إلا لك يا رسول الله؟!).
فكان أجود الناس وينفق كل ماله على رسول الله.
وأيضاً: كان رسول الله ﷺ يقول: (واساني بماله وأهله وأنكحني ابنته، سدوا عني كل خوخة إلا خوخة أبي بكر).
﵁ وأرضاه.
فكرمه يضرب به المثل في مكة وفي خارجها ﵁ وأرضاه، كما كان رسول الله ﷺ سخياً.
стр. 723
شجاعة أبي بكر الصديق
أشجع الناس هو رسول الله كما قال علي بن أبي طالب فارس الإسلام، قال: كان إذا حمي الوطيس احتمينا برسول الله، فكان أبو بكر يتمثل في شجاعة رسول الله، تخلف من تخلف في أحد وفر من فر، وكان المقدام أبو بكر يسارع إلى رسول الله بعدما طرح طلحة فقال رسول الله لـ أبي بكر عندما أسرع إليه: (دونكم صاحبكم فقد أوجب).
وعزم على نفسه أن يحمي رسول الله في غزوة بدر عندما اقترحوا أن يكون ثم عريش لرسول الله يجلس فيه حماية له ﷺ ، فكان أبو بكر مشهراً سيفه أمام العريش ينافح عن رسول الله بشجاعة وبسالة رضي الله وأرضاه.
وسأبين بالتفصيل شجاعته وصلابته في القرارات الحاسمة عندما أتكلم عن جوانب العظمة في شخصيته.
стр. 724
علم أبي بكر الصديق
إن كان أعلم الناس على الإطلاق بأمر الله ونهيه هو رسول الله، فإن أبا بكر أعلم الناس بعد رسول الله ﷺ .
قال رسول الله: (يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله).
وعزم على الصحابة أن لا يؤمهم إلا أبو بكر ﵁ وأرضاه، وقال: (كيف يؤم القوم أحد وفيهم أبو بكر)، ﵁ وأرضاه، وكان يقول: (مروا أبا بكر فليصل بالناس).
فهو أقرأ الناس لكتاب الله وأحفظهم له، بل هو أفقه الناس في مراد الله ومراد رسوله ﷺ ؛ فقد قام النبي ﷺ خطيباً بين يدي أصحابه، كما في حديث أبي سعيد في الصحيحين فقال: (خير الله عبداً من عباده بين الدنيا وبين ما عنده فاختار ما عنده، فانكب أبو بكر باكياً فقال: فداك أبي وأمي يا رسول الله! فقال أبو سعيد: فاندهشنا من أبي بكر، رجل يخير بين ما عند الله وبين الدنيا فاختار ما عند الله، فما يبكيه؟! قال: فكان ذلك إشارة لدنو أجل رسول الله ﷺ ، وكان أبو بكر أعلمنا وأفقهنا لمراد رسول الله ﷺ .
وكان عند أبي بكر العلم الذي لم يكن عند صحابة رسول الله، لكن النووي بين أن أبا بكر كان قليل الحديث؛ لانشغاله بالخلافة كما سنبين، فكان عنده من العلم ما لم يكن عند صحابة رسول الله، وعندما مات رسول الله ﷺ اشتد الأمر على الصحابة ولم يعرفوا ماذا يفعلون مع رسول الله، وهل يكشفون ثيابه عنه أم لا؟ وهل يدفنونه في البقيع؟ أم أين يذهبون به؟ وهل يغسلونه أم يتركونه؟ فكل هذه المسائل لا علم عندهم بها، فجاء أبو بكر فدخل على رسول الله وقبل بين عينيه وقال: طبت حياً وميتاً.
ثم قال ﵁ وأرضاه: عندي من ذلك العلم، قال رسول الله: (إذا مات نبي لا يقبر إلا في مكانه) يعني: في المكان الذي مات فيه، وهذا العلم خفي على كل الصحابة إلا على أبي بكر ﵁ وأرضاه، ثم قال: يغسل في ثيابه، ولا تخلع الثياب منه.
وأيضاً: في مسألة الكلالة، كان الرجحان في كلام أبي بكر ﵁.
وفاطمة لما ذهبت إلى أبي بكر وقالت: أريد ميراث أبي.
فقال لها: إن أباك لا يورث، فقد قال رسول الله ﷺ : (نحن معاشر الأنبياء لا نورث ما تركناه صدقة)، وكان هذا العلم ليس عند أحد إلا عند أبي بكر ﵁ وأرضاه.
وانظروا إلى فقهه لمراد رسول الله ﷺ وقياسه البديع، فقد اختصم هو وعمر وكثير من الصحابة في قتال مانعي الزكاة، فقال عمر: يا أبا بكر! كيف تفعل شيئاً لم يفعله رسول الله؟! كيف تقاتل قوماً قال فيهم رسول الله: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله) وهم يقولون: لا إله إلا الله؟! فقال أبو بكر بقياسه البديع وذكائه الوقاد: والله! لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة -فهما قرينان في كتاب الله جل وعلا- ولو منعوني عناقاً أو عقالاً كانوا يؤدونه إلى رسول الله لقاتلتهم عليه.
فبقياسه البديع باقتران الصلاة والزكاة جاء أبو هريرة ومعه نص صريح من رسول الله فقال: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة).
فوافق قياس أبي بكر بعلمه الدقيق نص كلام رسول الله ﷺ .
فكان الصديق أعلم الصحابة وأفقههم على الإطلاق، وكانت له الحصيلة الكبرى من أحاديث النبي ﷺ ، والذي منعه من التحديث هو انشغاله بالخلافة، ﵁ وأرضاه.
стр. 725
مكانة أبي بكر الصديق عند الله
سنتكلم عن مكانة الصديق عند ربه عند رسوله ومكانته عند صحابة رسول الله.
أبو بكر خير البشر على الإطلاق سوى الأنبياء والمرسلين ﵁ وأرضاه، فهنيئاً له، كانت له الحظوة الأسمى والمكانة العظمى عند رب العزة جل وعلا.
يكفي أبو بكر فخراً أن الله يخاطب عبداً من عباده من آحاد المسلمين بلفظ الجمع للتعظيم والتفخيم ولإظهار مكانته العليا عنده، فقد قال الله تعالى فيه لما عزم على أن لا ينفق على مسطح وكان قريباً له، وقد تكلم في عائشة، فقال الصديق: والله! لا أنفق عليه، فأنزل الله جل وعلا معاتباً له ومبيناً مكانته، ومعظماً قدر هذا الرجل بين آحاد المسلمين، فقال الرب الجليل في حقه: ﴿وَلا يَأْتَلِ أُوْلُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ﴾ [النور:٢٢] فقال: ((أُوْلُوا)): بلفظ الجمع يخاطب جل وعلا فرداً من عباده مربوباً ومخلوقاً من خلقه، ويقول عنه: ((أُوْلُوا الْفَضْلِ)) تعظيماً وتفخيماً وإشارة للبشرية أجمعين أن هذا هو خير البشر بعد الأنبياء والمرسلين.
ثم قال: ﴿أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [النور:٢٢] فقال أبو بكر مسارعاً: أحب أن يغفر الله لي، أحب أن يغفر الله لي.
ومن أروع الأمثلة أيضاً التي ضربت لبيان مكانته عند ربه جل وعلا، أنه لم يشهد الله لأحد من عباده بالإخلاص وهو يمشي على الأرض مثلما شهد لـ أبي بكر ﵁ وأرضاه، فقال جل وعلا: ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا الأَتْقَى﴾ [الليل:١٧] فلقبه بالأتقى، وهو الأتقى على الإطلاق، فلا عمر ولا عثمان ولا علي بل لو اجتمعت الأمة بأسرها فلن تداني ولن تقارب مكانة هذا الصديق.
قال الله تعالى: ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا الأَتْقَى * الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى * وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى * إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الأَعْلَى * وَلَسَوْفَ يَرْضَى﴾ [الليل:١٧ - ٢١].
نتيجة عظمى بعد ذلك، كأن الله يقول: أنت الأتقى وأنت الأخلص وستثاب على ذلك في الآخرة، فأشار له إلى ذلك وهو يمشي على الأرض.
ومثله النبي ﷺ بأنه أشبه الناس بإبراهيم، فقال الله جل وعلا على إبراهيم: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ * شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ﴾ [النحل:١٢٠ - ١٢١] وهذا بيان أعظم صفات لإبراهيم، ثم قال: ﴿اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [النحل:١٢١].
فبعد أن بين صفاته الجميلة والعظيمة في الدنيا بشره أنه في الآخرة من الصالحين.
وانظروا إلى أبي بكر فهو أشبه ما يكون بإبراهيم ﵇، فقد بين الله صفاته العظيمة ثم بشره: ﴿وَلَسَوْفَ يَرْضَى﴾ [الليل:٢١]، ومعنى: يرضى أي: في الآخرة، ورضاه بينه رسول الله؛ ليبين مكانته عند الله، وأن الله سيكرمه ويشرفه ويعلي مرتبته في الآخرة في عرصات يوم القيامة من بني البشر من لدن آدم إلى آخر الخليقة، وتفتح أبواب الجنة الثمانية لـ أبي بكر ﵁ وأرضاه، كأن كل باب ينادي تعال يا أبا بكر! ويتشرف بدخوله منه، وفي الصحيحين أن النبي ﷺ بين لـ أبي بكر أن في الجنة باباً لأهل الصيام يقال له: باب الريان، وفي الجنة باب لأهل الصدقة، وباب للجهاد، وباب للصلاة، أي: للذين يكثرون من الصلاة؛ لحديث النبي ﵌: (أعني على نفسك بكثرة السجود).
فقال أبو بكر صاحب الهمة العالية، وصاحب العظمة في الطلب الذي طمع في الكريم: (يا رسول الله! هل لواحد من البشر أن تفتح له هذه الأبواب كلها؟ فقال له رسول الله ﷺ : نعم، وأرجو أن تكون أنت).
فهذه بشارة من الله، ووحي من الله لرسوله، يبين مكانة أبي بكر عند الله جل وعلا، وأن أبواب الجنة الثمانية تفتح لـ أبي بكر ﵁ وأرضاه.
ومما يظهر مكانة أبي بكر نزول جبريل خصيصاً ليبلغه السلام من ربه جل وعلا، وذلك أن الله جل وعلا أنزل جبريل يقول لرسول الله -وأبو بكر أمامه عليه ثياب رثة-: (قل لـ أبي بكر: إن الله يقرؤك السلام.
فقال له الرسول: إن الله يقرؤك السلام.
قال: وقل له: إن ربك عنك راضٍ، فهل أنت عن ربك راضٍ؟ فبكى أبو بكر، وقال: والله! إني عن ربي راضٍ، إني عن ربي راضٍ).
فله المكان الأسمى عند الله جل وعلا، وله أيضاً الحظوة عند رسول الله ﷺ .
فالصاحب الصاحب هو أبو بكر، والخليل الخليل هو أبو بكر، كما قال النبي ﷺ : (لو كنت متخذاً من البشر خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلاً).
стр. 726
مكانة أبي بكر عند رسول الله
أما مكانته عند رسول الله فهو الصاحب، وهو الذي اقترن ذكره بذكر رسول الله لما قال له: ﴿لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة:٤٠] أي: معية النصرة والتأييد كما شرحنا، وأيضاً: معية الذكر، فلا يذكر الله جل وعلا إلا ويذكر مع ذكره رسول الله ﷺ ، وأيضاً: لا يذكر رسول الله إلا ويذكر معه غالباً خليفته أبو بكر ﵁ وأرضاه.
ولما جاء أبو بكر قال: (يا رسول الله! الهجرة الهجرة).
وكأنه يقول: أنت أذنت لأسد الله أن يهاجر، وكذا لـ عمر بن الخطاب ولكثير من الصحابة، أي: أذنت لهم أن يهاجروا وأنا أريد الهجرة في سبيل الله، فقال: (يا أبا بكر! امكث لعل الله يجعل لك صاحباً).
انظروا إلى هذا الفضل العظيم، فالله جل وعلا يبقي أبا بكر ولا يأذن له بالهجرة، مع أن قلبه شغوف بها، ويبقيه الله لأمر عظيم ولأمر جلل، هو صحبة رسول الله.
ولما جاءه الرسول ﷺ في يوم، فقال: (أعندك أحد؟ قال: هم أهلك يا رسول الله! فقال: أريدك في أمر، فقال أبو بكر: الصحبة يا رسول الله؟ قال: الصحبة يا أبا بكر!).
فبكى أبو بكر وجهز الرواحل وذهب مع رسول الله ﷺ ، حتى إنه لما دخل الغار دخل مقدماً على رسول الله يقول: شمس الإسلام لا تشرق إلا من قبل رسول الله، أما أنا فكآحاد المسلمين لو مت مت فرداً من الأفراد، فدخل الغار ثم سد كل فتحة من فتحات الكهف، فما بقيت إلا فتحة واحدة، ودخل رسول الله فسدها أبو بكر برجله الشريفة فلدغته حية، فما أراد أن يوقظ رسول الله.
مما يدل على قوة الصحبة، امتلاء قلب أبي بكر بحب رسول الله، وكان رسول الله نائماً على فخذ أبي بكر ﵁ فخشي أن يوقظ رسول الله حتى بعد أن لدغته الحية، فما تحرك لمكان رسول الله من فخذه، فاستيقظ رسول الله ﷺ من دموع أبي بكر التي سقطت على وجهه، فلما علم الخبر وضع يده الشريفة على رجله، فبرأه الله جل وعلا من لدغة هذه الحية ببركة رسول الله، وبركة الصحبة.
فلما سار مع رسول الله قال: كنت أسير خلف النبي ﷺ ، ثم أسير أمامه، ثم أسير في اليمين، ثم أسير في اليسار، ومن رآه يقول: ما للرجل لا يمشي في مكان واحد، وعلل ذلك الصديق بقوله: كنت أتذكر الطلب من الخلف فأمشي خلف رسول الله حتى أحمي ظهره، ثم أتذكر العدو من الأمام فأتقدم على رسول الله ﷺ حماية له، وأتذكر العدو من اليمين أو من اليسار فأذهب يميناً ويساراً.
ولما دخل مع رسول الله المدينة كان الناس يحسبون أن أبا بكر هو رسول الله، فلما جاءت الشمس على رسول الله قام أبو بكر بردائه يظلله فعرفوا أن هذا هو رسول الله ﷺ ، لذلك كانت له المكانة العليا عند رسول الله ﷺ ، فما كان يشاور أحداً قبل أن يشاور أبا بكر ﵁ وأرضاه.
ففي أسرى بدر أول ما ابتدأ النبي بالمشورة ابتدأ بـ أبي بكر وكان الحق معه على تفصيل سنبينه فيما بعد، ولما سألوا عن أسارى بدر، فبرحمته ورفقه ورأفته بالأمة قال له: يا رسول الله! أرى أن نأخذ منهم الفدية لعل الله جل وعلا أن يخرج من أصلابهم من يوحد الله.
وهذا بالضبط هو الذي فعله النبي ﷺ عندما جاءه ملك الجبال وقال: (أطبق عليهم الأخشبين؟ فقال رسول الله: لا، لعل الله أن يخرج من أصلابهم من يوحد الله).
فالكلام الذي قاله أبو بكر ﵁ وأرضاه أخذ به رسول الله ﷺ .
وكان أبو بكر أحب عباد الله إلى رسول الله.
ولما أمّر رسول الله عمرو بن العاص في غزوة ذات السلاسل وفي الجيش أبي بكر وعمر وأبي عبيدة وهم من أشرف صحابة رسول الله ﷺ ، فاغتر عمرو بن العاص فقال: إن لي مكانة عند رسول الله، لأرجعن إليه فأسأله من أحب الناس إليه وهو متوقع أن يكون هو؛ لأنه أمره، وهذا يبين لك أن الإمامة أو الرياسة أو المقدمة لا تدل على الفضل، والخفاء كذلك لا يدل على الفضل، فهذا عمرو بن العاص بعد ثلاثة أشهر من إسلامه أُمر على أبي بكر وعلى عمر وعلى أبي عبيدة، فقال: (يا رسول الله! من أحب الناس إليك؟ فقال الرسول: عائشة.
فقال: لست عن النساء أسأل، فقال: أبوها) فهذا إظهار بالإطلاق أن أحب الناس إلى رسول الله هو أبو بكر، ولذلك كان النبي ﷺ دائماً يتمدح في صفات أبي بكر ويقول: (واساني بماله وأهله، سدوا عني كل خوخة إلا خوخة أبي بكر).
﵁ وأرضاه.
ويبين لكم عظيم قدر أبي بكر عند رسول الله ما حدث من الدفاع المستميت من رسول الله لصاحبه، حيث إن عمر الفاروق -وعمر هو الذي قال فيه كثير من الصحابة: أعز الله الدين بإسلام عمر ﵁ وأرضاه- كانت بينه وبين أبي بكر مشادة، وكان أبو بكر شديداً فاشتد على عمر، ثم ذهب إليه ليستسمح منه فلم يسامحه، بل قال له: لأستعدين عليك رسول الله ﷺ ، ثم ندم عمر فذهب إلى البيت فقال: أثَّم أبو بكر؟ -يعني: هنا أبو بكر؟ - قيل: لا.
فذهب أبو بكر رافعاً عن ثوبه حتى ظهرت ركبته فقال رسول الله ﷺ عندما نظر إلى صاحبه: (أما هذا فقد غامر).
فدخل أبو بكر ﵁ وأرضاه فقص على رسول الله ما كان بينه وبين عمر، فتمعر وجه النبي ﷺ وغضب، وظهر ذلك على وجهه، فلما جاء عمر إلى رسول الله اشتد غضب النبي ﷺ وتمعر وجهه، حتى إن أبا بكر خشي على عمر من غضب رسول الله ﷺ فجثى على ركبتيه وقال: والله! يا رسول الله! كنت أنا أظلم، أنا أظلم يا رسول الله! لأنه الرفيق، ولأنه خير البشر بعد رسول الله، ورسول الله الذي علم الأمة أن ينزل الناس منازلهم، وأن كل صاحب فضل عليه أن يعرف لـ أبي بكر فضله.
فقال النبي ﷺ عندما دخل عمر: (هلا تركتم لي صاحبي).
بشدة وحدة على عمر الفاروق وقال ﷺ : (قد قلتم: كذبت، وقال: صدقت).
وهذا هو الفارق البعيد الذي جعل أبا بكر في الأعالي وجعلهم لا يسبقونه، ثم قال ﷺ : (وواساني بأهله وماله)، كأنه يقول: أنفق علي كل ماله، ثم قال: (سدوا عني كل خوخة إلا خوخة أبي بكر، هلا تركتم لي صاحبي).
فلم ير بعد ذلك من أذية تقع في أبي بكر ﵁ وأرضاه.
وأروع ما ضرب في ذلك: أن بعدها حدثت مشادة -كما في تاريخ الخلفاء للسيوطي - بين أبي بكر وبين أحد الأنصار، فسب أبو بكر هذا الأنصاري، فقال الأنصاري لـ أبي بكر ﵁ وأرضاه: يغفر الله لك.
قال: اقتص مني.
قال: يغفر الله لك لا أقتص منك.
قال: اقتص مني، وإلا استعديت عليك رسول الله ﷺ .
فقال بعض الأنصار وهم لا يفقهون من أبو بكر يستعدي عليك رسول الله وهو الذي سبك؟ والله! لنأتين معك ولنستعدين عليه رسول الله ﷺ ، وكان الأنصاري فقيهاً، فقال: اسكتوا، لا يعلم أبو بكر بكلامكم فيغضب، فيغضب رسول الله لغضب صاحبه؛ فيغضب الله لغضب رسوله فيهلك صاحبكم، فما رد على أبي بكر بعد ذلك من قول قط؛ لمكانة أبي بكر عند رسول الله ﷺ .
стр. 727
مكانة الصديق عند الصحابة
بالإجماع: كانت مكانة أبي بكر عند الصحابة هي هذه المكانة.
فقد جاء بسند صحيح عن عبد الرحمن بن عوف قال: لو وزن إيمان أبي بكر في كفة ووضع إيمان الأمة بأسرها سوى رسول الله في كفة لرجحت كفة أبي بكر ﵁ وأرضاه؛ لأن أبا بكر بالأمة بأسرها.
فهو بأمة بعده حتى بالصحابة، حتى بـ عمر وعثمان وعلي.
فـ أبو بكر كان سبباً في إسلام من أرسى الله قواعد الإسلام على أكتافهم، كان سبباً في إسلام الزبير بن العوام، أول من أشهر سيفاً في سبيل الله، وكان سبباً في إسلام عبد الرحمن بن عوف الذي قال عنه عمر: مات رسول الله وهو عنه راض، وكان من أهل الشورى، وكان سبباً في إسلام عثمان بن عفان ﵁ وأرضاه.
وأبو بكر هو الذي دعا أبا عبيدة بن الجراح ﵁ وأرضاه، وهو الذي دعا طلحة الخير طلحة بن عبيد الله، وكل هؤلاء في ميزان أبي بكر ﵁ وأرضاه، فكانت له المكانة العليا والأسمى عند رسول الله ﷺ .
стр. 728
مبايعة الصحابة لأبي بكر
أختم الكلام على أبي بكر في البيعة وما دار حولها من خلاف، وهل رسول الله استخلف أبا بكر أو أوصى بها لـ أبي بكر وقد قالت عائشة: كيف يزعمون ذلك؟! وقد مات رسول الله على فخذي أو بين سحري ونحري ولم يوص بأحد.
وقد اختلف العلماء في خلافة أبي، هل هي منصوص عليها أم بالاختيار والإجماع؟ على قولين: القول الأول: أنها بنص كما رجح ذلك الحسن البصري، وقال: إنه بالنص ولكنه مستنبط، يعني: بالنص الخفي لا الجلي.
وهذا هو الراجح الصحيح، والأدلة على ذلك كثيرة منها أولاً: أن رسول الله ﷺ أمر الصحابة أن لا يؤمهم أحد في الصلاة إلا أبو بكر، فقال: (مروا أبا بكر فليصل بالناس)، وكانت عائشة تخشى من ذلك؛ لأن الناس يتعجبون أن أحداً يأخذ مكانة رسول الله؟ أي: يتشاءمون.
فقالت: (مر عمر فإن أبا بكر رجل بكّاء قال: إنكن صواحب يوسف، مروا أبا بكر فليصل بالناس).
فقال علي ﵁ الفقيه لما سألوه عن أبي بكر: رجل رضيه الله لديننا فكذا نرضاه لدنيانا.
وهذا قياس جلي أو قياس الأولى، فما رضيه النبي ﷺ للدين فللدنيا يكون من باب أولى.
وفي مرضه ﷺ أيضاً قال لـ عائشة: (ابعثي إلى عبد الرحمن بن أبي بكر أكتب كتاباً لا يطمع طامع في هذا الأمر - يعني مع وجود أبي بكر -ثم قال: لا، يأبى الله) أي: قدراً وكوناً مكتوب في اللوح المحفوظ فقال: (يأبى الله ويأبى المؤمنون).
أيضاً قدراً لا شرعاً، ثم قال: (إلا أبا بكر).
يعني: إلا بتولية أبي بكر ﵁ وأرضاه.
وأصرح من ذلك: جاءت امرأة إلى رسول الله فسألته عن مسألة فقالت: (إذا أتيت ولم أجدك من أسأل؟ قال: ائتي أبا بكر).
وهذا إشعار من رسول الله أي: كأنه يقول: إذا مت فسيكون بعدي أبو بكر ﵁.
وهذه من الأدلة التي تثبت أن النص جاء على خلافة أبي بكر ﵁ وأرضاه.
أما الطائفة الثانية فقالوا: لم تكن خلافة الصديق بالنص وإنما كانت بالاختيار، وحجتهم في ذلك: أن عمر بن الخطاب لما قتل قال: إن لم أستخلف فلم يستخلف من هو خير مني وهو رسول الله، وإن أستخلف فقد استخلف من هو خير مني وهو أبو بكر.
فنقول: هذا مأول، ومعنى كلام عمر: أن خلافة أبي بكر لم تكن مكتوبة ومنصوصة عليها نصاً جلياً.
وقصة بني ساعدة وثقيفة لما ذهب الأنصار وأخذوا سعد بن عبادة ليبايعوه جاء أبو بكر، فقال: لا، منا وزير ومنكم وزير، ونزلوا على كلامه.
ثم قال: أرضى لكم أحد الرجلين عمر وأبو عبيدة.
وكان أبو عبيدة يمشي مع عمر! فقال -أي: أبو عبيدة -: ابسط يدك يا عمر! لأبايعك.
قال: لو قالها غيرك، كيف تقول ذلك، أؤمر عليكم وفيكم هذا الصديق؟ أأكون أنا وفيكم أبو بكر ﵁ وأرضاه؟ فلما قال أبو بكر: ابسط يدك يا عمر أبايعك.
قال: لا والله! لا يتقدمن عليك أحد يا أبا بكر! فقال: رضيه الله لديننا ونرضاه لدنيانا.
فبايع أبا بكر وبايع أبو عبيدة أبا بكر أيضاً، وبايع الأنصار قاطبة أبا بكر ﵁ وأرضاه، وتخلف عن البيعة سعد بن عبادة وعلي بن أبي طالب، وسعد ما تخلف؛ إلا لأنه توج لأن يكون أمير المؤمنين، أو يكون خليفة رسول الله؛ لأنه لما جلس الأنصار واجتمعوا قالوا: سيدنا سيد الخزرج هو سعد بن عبادة، على أن يؤمر عليهم واستبقت منهم الكلمة على ذلك، فلما جاء أبو بكر انهال الأنصار وبايعوا أبا بكر، ولم يبايعوا سعد بن عبادة، حتى الوفود التي أتت كالنهر الجاري على الصديق ضربت سعداً، فجرح سعد وأوذي بدفع الأنصار، فقال الأنصار: قتلتم سعداً، قتلتم سعد بن عبادة.
فقال عمر من شدته في الحق المعروفة: قتله الله، ما نحن قتلناه.
وهذا له فقه، يعني: أنكم أردتم إمارته، وأراد الله إمارة أبي بكر فالله هو الذي قتله، يعني قتله: قتلاً معنوياً، إذ أن أبا بكر سيقدم عليه وهو خليفة رسول الله ﷺ .
стр. 729
شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة - خلافة أبي بكر الصديق
هناك كثير من الرجال الأبطال الذين ضربوا لنا أروع الأمثلة في الصدق والإخلاص والثقة بالله، والثبات على دينه، والجود بما رزقهم الله من فضله، وقول الحق والعمل به، ومن هؤلاء أبو بكر الصديق ﵁ وأرضاه، فهو أفضل هذه الأمة بعد رسول الله ﷺ ، وفضائله ومناقبه كثيرة.
стр. 730
خلافة أبي بكر الصديق ﵁
стр. 731
مبايعة الصحابة لأبي بكر
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
ما زلنا مع خير البرية على الإطلاق -سوى الأنبياء والمرسلين-، مع أرحم هذه الأمة بهذه الأمة، مع ألين الناس قلباً وأفقههم في دين الله جل وعلا، وأبرهم قلبا ﵁ وأرضاه، مع صديق هذه الأمة، وقد تكلمنا عن فضائله ﵁ وأرضاه، ووصلنا إلى وفاة الرسول ﷺ فقد مات رسول الله ﷺ -كما سنبين- وكانت المصيبة به جلل، فذهب أبو بكر ﵁ وأرضاه إلى سقيفة بني ساعدة، حيث اجتمع الأنصار فيها ليختاروا لهم خليفة يبايعونه؛ من مات وليس له بيعة مات ميتة جاهلية، خاصة وأن رسول الله ﷺ قد مات، فلا بد من أمير يخلفه ﷺ في هذه الأمة الغراء، فاجتمعوا في سقيفة بني ساعدة؛ واجتمعت كلمة الأنصار على سعد بن عبادة ﵁ وأرضاه، فلما علم أبو بكر بذلك ذهب إليهم هو وعمر وأبو عبيدة بن الجراح، قال عمر: فزورت كلاماً، يعني: جملت الكلام بفصاحة وبلاغة حتى تكون الحجة قوية معنا، قال: فزورت كلاماً فذهبت، فلما دخلت هممت أن أتكلم، فقال أبو بكر: اسكت، فسكت عمر، فقام أبو بكر خطيباً في الناس يتكلم بعدما قال الحباب بن المنذر ﵁ وأرضاه: منا أمير ومنكم أمير، أي: من الأنصار أمير ومن المهاجرين أمير، قال عمر: ما أردت كلمة قد زورتها أن أتكلم بها إلا وقد تكلم بها أبو بكر ﵁ وأرضاه وأبلغ في المقالة، وكانت له الحجة القوية على الأنصار، قال لهم: أيها الناس! لكم فضلكم، ثم بين لهم فضائلهم، ومدحهم وبين لهم مكانتهم عند رسول الله، وأن الرسول ﷺ قال: (لو سلك الأنصار فجاً لسلكت فج الأنصار)، ثم قال ﵁: إن الله جل وعلا قد سمانا في كتابه الصادقين، وسماكم المفلحين، وأمركم أن تتبعوا الصادقين حيث قال جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ [التوبة:١١٩]، ثم قال لـ سعد بن عبادة بعدما اجتمعوا عليه أن يؤمروه عليهم: أما تذكر أن رسول الله ﷺ قال: (الناس تبع لقريش في هذا الأمر) أي: في الولاية والإمارة، قال: سعد: صدقت، فقام الناس يبايعون فقال أبو بكر: إني أرجح لكم أحد الرجلين: عمر وأبا عبيدة ولكن كل واحد منكم يعلم منزلة الآخر، ورحم الله امرأً عرف قدر نفسه، وأنزل الناس منازلهم.
وقال عمر: لأن أقدم فتضرب عنقي خير لي من أقدم على أمة فيها أبو بكر ﵁ وأرضاه، ثم قام عمر فقال: ابسط يدك يا أبا بكر، فبايعه، فبايعه أبو عبيدة، ثم تتابع الأنصار يبايعونه.
قال بعض العلماء: كان فيهم علي، وبعضهم قال: لم يكن معهم، والاختلاف يدور حول بيعة علي لـ أبي بكر، وهل تخلف عن البيعة أم لا؟ فإنه لما بلغ فاطمة نعي رسول الله ﷺ جلست في بيتها حزينة، فقال بعضهم: جلس علي معها واستخفى عن الناس -لم يظهر- وقيل: بايع في سقيفة بني ساعدة، وقيل: بل بايع في اليوم الثاني عندما قام أبو بكر خطيباً في الناس، وألقى كلمة يجب أن تكون نبراساً لكل حياة، ويجب أن تكون في كل بلدة من البلاد، قال أبو بكر: أطيعوني ما أطعت الله ورسوله فيكم، فإن عصيت الله ورسوله فلا طاعة لي عليكم، ثم قال ﵁ وأرضاه: الضعيف منكم قوي عندي حتى آتي بحقه، والقوي ضعيف عندي حتى آخذ منه الحق، ثم قال: إني لست بخيركم فأقيموني أيها الناس! فقام علي ﵁ إلى منبر أبي بكر ﵁ وأرضاه، وقال: إن رسول الله ﷺ قد رضيك لديننا فكيف لا نرضاك لدنيانا.
واستتب الأمر بذلك، واتفق الناس بالإجماع على أن أفضل الصحابة على الإطلاق هو الخليفة -خليفة رسول الله، أبو بكر - وظهرت حكمة الله جل وعلا كما قال النبي ﷺ : (يأبى الله ويأبى المؤمنون إلا أبا بكر) يعني: يأبى الله أن يضع في هذا المكان إلا الأفضل، وهو أبو بكر، ويأبى المؤمنون ذلك، وقد رضي المؤمنون واتفقوا على أن أبا بكر هو خليفة رسول الله ﷺ .
стр. 732
نماذج من رحمته ورقة قلبه ﵁
بعد موت رسول الله ﷺ ارتجفت المدينة وزلزل المسلمون زلزالاً شديداً بهذه المصيبة العظيمة، وتكالبت أمم النفاق مع الكفر، وظهر النفاق أمام الصحابة رضوان الله عليهم، وارتد من العرب من ارتد، كما في الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ قال: ما ثبت على الإيمان إلا طوائف من أهل المدينة والطائف ومكة، وارتد كثير من العرب على عهد أبي بكر ﵁ وأرضاه.
وفي هذه الأوقات كان لا بد من شخصية ثابتة راسخة كالجبال الشم الشوامخ، تظهر معالمها في هذه الأوقات الحالكة، تجمع بين القوة والصلابة وبين الشفقة والرحمة، وقد ظهرت هذه الأخلاق في أبي بكر ﵁ وأرضاه.
فقد طبق واقعاً قول الرسول ﷺ : (أرحم أمتي بأمتي أبو بكر)، ﵁ وأرضاه.
فظهرت رحمته جلية في عتق العبيد، فقد كان يطوف في مكة فيرى بلالاً في حر الرمضاء، وأمية بن خلف يسوءه سوء العذاب، فذهب إليه واشتراه بمال كثير وأعتقه، وأنفق كل ماله ﵁ وأرضاه رحمة وشفقة على أهل التوحيد، ولذلك كان عمر ﵁ يقول: أبو بكر سيدنا وأعتق سيدنا، ﵃ أجمعين، ومر ذات مرة بـ زنيرة أمة من الإماء كانت عند عمر بن الخطاب، فكان يسومها سوء العذاب قبل أن يسلم ﵁ وأرضاه، حتى إنها من شدة العذاب عمي بصرها، وقالوا: قد خطف بصرها اللات والعزى، فقالت: لا والله! رب العباد قادر على أن يعيد علي بصري، هو الذي أخذه وهو القادر على أن يعيده، فأعاد الله عليها بصرها في تلك الليلة فاشتراها أبو بكر وأعتقها لوجه الله رحمة وشفقة ورأفة منه ﵁ وأرضاه.
بل ظهرت رقة قلبه في صلاته، وهذه النعمة منة من الله تعالى يتذوق بها المؤمن حلاوة الإيمان، ولا يتذوقها إلا من ﵀ ولطف به وأنعم عليه، كما قال شيخ الإسلام: في الدنيا جنة من دخلها دخل جنة الآخرة، هذه الجنة هي حلاوة الإيمان، وقد كان أبو بكر ﵁ وأرضاه بمكة يتخذ داره مسجداً فيصلي بالليل خاشعاً راكعاً متدبراً آيات الله جل وعلا، فكان يقرأ فيبكي بكاء شديداً فتأتي النساء والصبيان إليه، فخاف أهل مكة على نسائهم وصبيانهم من الفتنة -حسب زعمهم- من هذا الدين.
وظهر ذلك جلياً من قول عائشة ﵂ حين قال رسول الله ﷺ كما في الصحيحين: (مروا أبا بكر فليصل بالناس، فقالت: يا رسول الله! إن أبا بكر رجل إذا صلى بالناس بكى فلم يفقه الناس عنه شيئاً، فقال: مروا أبا بكر فليصل بالناس).
стр. 733
نماذج من جوده وإنفاقه ﵁
ومع هذا اللين والرأفة والرحمة كان هو المثل الأعلى في الجود والإنفاق، فقد كان ينفق ما معه ولا يخشى شيئاً، وضرب أروع الأمثلة في هذا الجانب، عاملاً بقول الله: ﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾ [المطففين:٢٦].
فقد استنفر رسول الله ﷺ الناس لتجهيز الجيوش، فجاء عمر فقال: اليوم أسبق أبا بكر، فذهب وأتى بشطر ماله إلى رسول الله ﷺ فقال: خذ يا رسول الله، فقال رسول الله ﷺ : (ما تركت لأهلك يا عمر؟ قال: تركت لهم شطر مالي)، فأثنى عليه رسول الله ﷺ بما فعل، ثم جاء أبو بكر بماله فوضعه أمام رسول الله ﷺ ، فقال له رسول الله ﷺ : (ماذا تركت لأهلك يا أبا بكر قال: تركت لهم الله ورسوله)، انظروا إلى الجود والكرم، انظروا إلى التوكل واليقين التام بالله، فقال عمر: والله لا أسبقك بعد اليوم.
стр. 734
جوانب من قوته وثباته على الحق
إنفاق وجود ورحمة ولين، ثم في الجانب الآخر من شخصيته كان فيه القوة وفيه الثبات والعزيمة حتى عند الأحزان، فعندما مات رسول الله ﷺ بأبي هو وأمي ارتجت المدينة وزلزل المؤمنون زلزالاً عظيماً، فمنهم من قال: رسول الله لم يمت، ومنهم من سكت ولم يتكلم، ومنهم من خر مغشياً عليه، حتى إن عمر أخذ سيفه وقال: من قال: إن رسول الله قد مات لأعلونه بسيفي، فإن رسول الله ذهب إلى ربه أربعين ليلة كما ذهب موسى، وسيرجع وليقطعن أيدي وأرجل المنافقين، ثم جاء أبو بكر وكان في العوالي، جاء يعلمهم ويعلمنا القوة والعزم الثبات عند الحيرة والاضطراب، جاء أبو بكر ودخل فوجد رسول الله ﷺ -بأبي هو وأمي- فكشف عن وجهه الغطاء وقبل بين عينيه وقال: فداك أبي وأمي يا رسول الله، عشت حياً وميتاً، لا يجمع الله لك الموتتين، وهذا معناه أن الموتة الأولى هي موتة الدنيا، والموتة الثانية هي الموتة التي في القبر، وقد سماها رسول الله ﷺ نوم العروس، فالرسول ﷺ لا تأتيه في البرزخ هذه الموتة؛ لأن الأنبياء أحياء، ثم خرج ﵁ فقال لـ عمر: اسكت، فذهبت الحيرة والاضطراب، ثم قام على المنبر وقال: أيها الناس! إن محمداً قد مات فمن كان يعبد محمداً فإن محمداً قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت، ثم تلا عليهم قول الله تعالى: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِينْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا﴾ [آل عمران:١٤٤].
قال عمر: فلما سمعت هذا أغشي علي، وكأني لم أسمع هذه الآية إلا حين تلاها أبو بكر ﵁ وأرضاه، فانفض الناس، ومشوا في سكك المدينة يتلون: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِينْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ﴾ [آل عمران:١٤٤]، وثبت الله جل وعلا المدينة بأسرها بسبب هذا الرجل الجبل الشم الشامخ ﵁ وأرضاه.
موقف آخر من ثباته ﵁، هذا الموقف في صلح الحديبية، عندما قبل رسول الله ﷺ هذا الصلح؛ لأنه يريد من الناس أن يدخلوا في دين الله أفواجاً، فليسمع المتنطعون الذين يقولون: انتشر هذا الدين بالسيف، والله لم يكن رسول الله ﷺ يرفع سيفه إلا في وجه العدو العاتي الذي يريد محق بركة هذا الدين الإسلامي، ومحق هذه الدعوة، فقبل رسول الله ﷺ هذا الصلح وشروطه، فقال عمر بن الخطاب حين رأى هذه الشروط، ومنها قول كفار قريش: من جاءكم منا مسلماً لا بد أن تردوه علينا، ومن جاءنا منكم لا نرده عليكم، فقال عمر: يا رسول الله! ألسنا على الحق؟ قال: (بلى، قال: أليسوا على الباطل؟ قال: بلى، قال: فلم نعطي الدنية في ديننا، فقال: أنا رسول الله، ولن يخزيني الله، فقال له: يا رسول الله! أما قلت لنا: إننا نأتي البيت ونطوف به؟ قال: بلى، ولكن أقلت لك: هذا العام؟ قال: لا، قال: فإنك تأتي البيت وتطوف به)، فـ عمر لم يستطع أن يحتمل هذه الشروط، فذهب إلى رسول الله ﷺ يقول له هذا الكلام، ثم إنه ذهب إلى أبي بكر ﵁ وأرضاه فقال: يا أبا بكر ألسنا على الحق؟ قال: بلى، قال: أليسوا على الباطل؟ قال: بلى، قال: فلم نعط الدنية في ديننا؟ قال: هو رسول الله، ولن يخزيه الله، ثم قال عمر: ألم يقل لنا أننا سنأتي البيت ونطوف به؟ قال: أقال لك تأتي هذا العام؟ قال: لا، قال: فإنك ستأتي البيت وستطوف به.
فـ أبو بكر لم يسمع رسول الله ﷺ ولا نزل عليه وحي ولكنه توافق القلوب، فبهذا ثبت عمر وثبت الصحابة ﵃ أجمعين، وصدق القائل: إن لله عباداً يجعلهم لتثبيت العباد، الله جل وعلا ينصب عباداً للأوقات الشديدة الحالكة حتى يثبت بهم عباده الذين يمكن أن يرتجفوا عندما تتوالى الأمور والأحداث، وكان سيدهم أبو بكر ﵁ وأرضاه.
وعندما كفر من كفر من العرب، وارتد من ارتد منهم، ومنع الناس الزكاة، واشتد الأمر على المسلمين، ورمت العرب الإسلام بقوس واحدة، واشرأبت أعناق اليهود والنصارى، فكان لا بد من استئصال هؤلاء الذين يريدون القضاء على الدولة الإسلامية، ولا بد من قتلهم أجمعين، فقام أبو بكر بقتال هؤلاء، حتى إن عمر القوي في دين الله، الذي قال عنه النبي ﷺ : (وأقوى هذه الأمة في أمر الله عمر)، قال له: ارفق بالناس يا أبا بكر! فقال له أبو بكر ﵁ وأرضاه: والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة، فقال له عمر: كيف تقاتل قوماً قالوا: لا إله إلا الله محمد رسول الله؟ فإن منعوك الزكاة فلا تقاتلهم، بل ارفق بهم حتى يرجعوا إلى حظيرة الإسلام، فقال أبو بكر ﵁: والله لو منعوني عناقاً أو عقالاً كانوا يؤدونه إلى رسول الله ﷺ لقاتلتهم عليه، قال عمر: والله لقد وجدت أن الحق مع أبي بكر؛ لأن أبا بكر شد عليه وقال: أردت نصرتك فتأتيني بخذلانك! أجبار في الجاهلية خوار في الإسلام! والله لأقاتلنهم والله لأقاتلنهم، ثم نزل على رأيه وقاتل مانعي الزكاة، وكان هذا القتال أول تثبيت لعروش أهل الإسلام في هذه الآونة الصعبة.
стр. 735
إنفاذه لجيش أسامة
الأمر الثاني: وهو أشد من الأول، حيث كان المسلمون في قلة، والردة كثيرت قام أبو بكر فأمر أسامة على جيش حتى يؤدب القبائل العربية التي تخضع لحكم الروم، وحتى يثأر أسامة ﵁ وأرضاه لأبيه زيد ولـ جعفر ولـ عبد الله بن رواحة - الذين استشهدوا في غزوة مؤتة - فأمره على جيش عرمرم، وأراد أن ينفذ هذا الجيش، فجاء الأنصار والمهاجرون يقولون: يا عمر! اذهب إلى خليفة رسول الله ﷺ فإن العرب قد رمتنا عن قوس واحدة، والكل ينظر إلينا، وإن المدينة ستخرب إذا ذهب هذا الجيش، أي: لا بد أن يبقى هذا الجيش مرابطاً لحماية المدينة، فقال عمر لـ أبي بكر: كيف ينفذ جيش أسامة والمدينة فيها ما فيها وأنت ترى ما ترى من ردة العرب! فقال: والله لينفذن هذا الجيش؛ لأن رسول الله ﷺ أمر بذلك قبل وفاته، والله لا أغيرن أمراً أمر به رسول الله ﷺ ، وهنا يتجلى بوضوح أن المتمسك بسنة النبي ﷺ هو الفائز، ودائماً هو على الصواب، ولو خالفه أهل الأرض كلهم فإن الله سيظهر أن الحق معه، فلما علم الأنصار أنه لن يتراجع عن هذا الأمر طلبوا من عمر أن يطلب منه أن ينحي أسامة عن إمارة الجيش؛ لأنه شاب صغير فكيف يكون أميراً على هذا الجيش العرمرم، الذي سوف يذهب إلى الروم؟ فكلمه عمر، فقال: ثكلتك أمك يا عمر، قد رفعه رسول الله ﷺ لهذه المنزلة، أأضعه أنا! لا والله، إمارة الجيش لـ أسامة بن زيد ﵁ وأرضاه، ثم كلمه الناس أن يجعل عمر ﵁ وأرضاه معه مشيراً ومعيناً، فنزل أبو بكر لهذا الرأي، ثم ذهب مع أسامة يودعه، فغبر قدمه في سبيل الله، فقد كان يمشي على الأرض، وأسامة -أمير الجيش- يقول: يا خليفة رسول الله! إما أن تركب وإما أن أنزل، قال: لا، والله لأغبرن قدمي في سبيل الله ، ثم أوصاه بوصايا، يا ليت أهل الكفر يسمعون هذه الوصايا، وكانت عشر وصايا أجلى ما فيها قال له: اغزوا باسم الله، كما وصى رسول الله ﷺ ، على سنة رسول الله ﷺ ، قاتلوا من كفر بالله جل وعلا، ثم قال: لا تقتلوا شيخاً كبيراً، ولا طفلاً وليداً، ولا راهباً في صومعته، ولا تقلعوا شجرة، ولا تحرقوا زرعاً.
هذه الوصايا لو سمعها أهل الكفر لسكتوا عما يقولون عن الإسلام والمسلمين، ولرأوا الفارق الكبير بين تعاليم الإسلام وبين ما يفعلون في حروبهم، فنحن اليوم نرى وأد البنات، قتل الأطفال، هدم البيوت، في فلسطين وفي غيرها، عجب تسمع! لا يرقبون في مؤمن إلاً ولا ذمة.
فبعد هذه التعاليم التي جاء بها ديننا الحنيف ما بال هؤلاء القوم الأوباش أحفاد القردة والخنازير يتهموننا بالإرهاب، وهم الذين قتلوا أنبياء الله جل وعلا، وارتقوا بعد ذلك فسبوا الله جل وعلا، ثم يتنطعون ويرموننا نحن بالإرهاب؟! أما سمعوا وصية أبي بكر ﵁ وأرضاه: لا تقتلوا وليداً، لا تقتلوا امرأة، لا تقتلوا شيخاً كبيراً، لا تقلعوا شجرة، لا تهدموا بيتاً، لا تحرقوا زرعاً؟! هذه هي الوصايا التي على كل إنسان أن يعلو صوته بها ليبين سماحة هذا الدين، وأن هذا الدين هو أعظم الأديان، وأنه الحق المبين، ومن خالف هذا الحق فله الخلود في نار جهنم، والعياذ بالله.
стр. 736
قوته في الحق
كان أبي بكر الصديق ﵁ أقوى ما يكون في الحق، كما كان خلق النبي ﷺ ، كان لا يغضب إلا إذا انتهكت محارم الله كما قال له أسامة عندما جاء يشفع في المرأة المخزومية التي جحدت عارية أو سرقت، فقال ﷺ : (أتشفع في حد من حدود الله؟! والذي نفسي بيده لو أن فاطمة بنت محمد ﵂ وأرضاها- سرقت لقطعت يدها).
فبعد وفاة رسول الله ﷺ جاءت فاطمة والعباس إلى أبي بكر، وطلبا إرث النبي ﷺ من أرض فدك وخيبر وبعض الأموال التي كان يأكل منها أزواج النبي ﷺ ، فقال أبو بكر الشفيق الرحيم، ذو الرقة واللين: والله إن أصل قرابة رسول الله ﷺ أحب إلي من أن أصل قرابتي، ولكني لا أخالف رسول الله ﷺ ، فقد قال رسول الله ﷺ : (نحن معاشر الأنبياء لا نورث، ما تركناه صدقة)، وأبى أن يعطي فاطمة ﵂ وأرضاها من إرث النبي ﷺ ؛ لأن النبوة لا تورث إلا العلم والوحي، لا تورث الدنيا، ورحلت فاطمة غاضبة على أبي بكر، فوجدت في نفسها عليه، قال بعض العلماء: وجدت في نفسها؛ لأنها ما أرادت الإرث، وإنما أرادت الثمرة فقط، ولكن أبا بكر فهم قول النبي ﷺ فقال: لا أخالف قول رسول الله ﷺ بل إن عائشة كذلك، وهي بنت أبي بكر وزوج النبي ﷺ ، ما أعطاها من إرث النبي ﷺ شيئا، ً فلهذا -كما سبق-غضبت فاطمة، ولكن روى البيهقي بسند مرسل لكنه يحتج به بإذن الله، أنه لما مرضت ذهب أبو بكر إليها فترضاها فرضيت، ولما ماتت قال بعض الرواة: لم يؤذن علي أبا بكر لموتها، فصلى عليها ودفنها ليلاً، فلم يعرف أبو بكر ﵁ وأرضاه، ويقال: إن علياً ﵁ وأرضاه لم يخرج لمبايعة أبي بكر محاباة لـ فاطمة حتى ماتت، وكان الناس وجوههم سمحة مع علي بن أبي طالب حتى ماتت فاطمة، فتغيرت وجوه الناس عليه، فعلم أن ذلك كان بسبب مسألة أبي بكر، فذهب إليه وبايعه، وكان سيفاً من سيوف أبي بكر يضعه حيثما شاء ﵃ أجمعين.
فهذا ما حدث بين أبي بكر وفاطمة، وكان الحق كل الحق مع أبي بكر ﵁ وأرضاه، ولم يتكلم فيه أو ينتقده أحد من الصحابة الكرام، حتى علي حين خطب بالناس فقام رجل وقال: من أفضل هذه الأمة؟ فقال: من فضلني على أبي بكر وعمر جلدته ثمانين جلدة حد المفتري أي: الكذاب، أفضل هذه الأمة على الإطلاق أبو بكر ثم عمر بن الخطاب، وسكت ثم قال: والله أعلم بعد ذلك من أفضل، فلم يكن يخير عثمان على نفسه، لكن ورد عن ابن عمر بسند صحيح أنه قال: كنا نقول في عهد رسول الله ﷺ : أفضل هذه الأمة بعد رسول الله أبو بكر ثم عمر ثم عثمان، فيقرنا رسول الله، وبينت سابقاً الخلاف بين أهل السنة والجماعة في مسألة: من أفضل عثمان أم علي؟ وذكرنا أن كلمة أهل السنة والجماعة اتفقت بعد ذلك على أن أفضل هذه الأمة: أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي ﵃ أجمعين.
стр. 737
بداية الفتوحات في عهده
ثم حانت الفرصة لنشر الإسلام بعدما استتب الأمر وانتهت فتنة الردة، فبدأت الفتوحات قرب موت أبي بكر، فمنّ الله على أبي بكر بفتح أبواب الفتوحات الإسلامية، فقد بعث خالد بن الوليد ﵁ وأرضاه والمثنى بن حارثة إلى أهل فارس لفتح العراق، وبعث خالد بن الوليد إليهم بثلاث: الإسلام أو الجزية أو القتال، فبعثوا إليه وقالوا: إن أردت في كل عام أن تأتينا ثم نعطيك الدراهم والملابس لهؤلاء الرعاع فخذ منا، فبعث خالد إليهم بالكلمة المشهورة التي أرعبتهم وأخمدت عروشهم، قال خالد بن الوليد: جئتكم بأناس بحبون الموت كما تحبون الحياة، وفي رواية أخرى أنه قال: جئتكم بأناس يحبون الموت كما تحبون أنتم الخمر، ثم وقعت المعركة، وأصبح القتل يميناً ويساراً بأهل الفرس، وفتح الله على يديه العراق.
ثم بعث إليه أبو بكر بأن يذهب لتأديب الروم، فكانت المعركة الكبرى التي تقابل فيها أربعون ألفاً أمام مائة وأربعين ألفاً، وهي معركة اليرموك، التي مات أبو بكر قبل أن ينتصر المسلمون فيها، فهو الذي أصر على تأمير خالد ﵁ وأرضاه؛ لأن عمر جاء أكثر من مرة إلى أبي بكر يقول له: اعزله، فيقول: لا والله، لا أغمدن سيفاً قد سله الله وسله رسوله ﷺ ، وقال: والله لأقطعن عنهم وساوس الشيطان بـ خالد بن الوليد، وهذا الذي جعل ملك الروم يقول لـ خالد: من أنت؟ أأنزل الله لك سيفاً من السماء تقاتل به فلا تهزم أبداً؟ ذهب خالد عبر الصحراء حتى وصل الشام، ثم بعث أبو بكر إليهم بالكتاب وقال فيه: إذا جاءكم خالد فأمروه عليكم، ونزل أبو عبيدة وجميع المسلمين تحت إمرة خالد وهم أربعون ألفاً وجيش الروم مائة وأربعون ألفاً، لكن خالد كان بطل الحروب، فهو الذي لم يهزم في معركة بإذن الله، حتى في قتال المسلمين حين كان كافراً، ففي أحد كان هو سبب هزيمة المسلمين، فقد قام بخبرته العسكرية بعد اليقين بالله جل وعلا، والإيمان الراسخ، فعمل ميمنة وميسرة ومقدمة ومؤخرة، فجعل أبا عبيدة -أمين هذه الأمة- في الخلف، وجعل نفسه في المقدمة، وأحد الصحابة في الميمنة والآخر في الميسرة، ثم دخل إلى قلب الروم إلى خيمة رئيسهم، وقتل منهم ثم رجع، وهكذا أخذ بالكر والفر حتى هزم الروم، وكتب الله للمسلمين النصر، ثم جاءت البشارة إلى عمر بعدما مات أبو بكر، الذي كان سبباً في هذه المعركة الخالدة التي تبين أن النصر حليف المسلمين لا محالة، وإن كانوا أقل عدة وعتاداً، وذلك إذا تمسكوا بكتاب الله وسنة نبيه ﷺ ، وإذا صدقوا في نصرة الله وفي نصرة رسوله ﷺ ، وإذا رفعوا راية التوحيد، فلو تكالب الجن والإنس على أهل الإسلام الذين رفعوا راية لا إله إلا الله فإن النصر سيكون لأهل الإسلام، كما قال شيخ الإسلام مقعداً قاعدة عظيمة قال: إذا التقى الجيشان: فإن كانا كافرين جعل الله الغلبة للأقوى، وإن كان الجيش الأول مسلماً والآخر كافراً جعل الله النصرة لأهل الإسلام.
فجعل الله النصرة في معركة اليرموك لـ خالد ولأصحابه رضوان الله عليهم؛ لأنهم صدقوا ما عاهدوا الله عليه، وصدقوا في نصرة الله جل وعلا.
стр. 738
وفاته ﵁ وأرضاه
حانت ساعة وفاة أبي بكر بعدما ثبت بإذن الله هذه العروش، ولذلك قال قائلهم: لولا خلافة أبي بكر لما توسعت رقعة الإسلام، ولما ثبتت عروش خلافة عمر ﵁ وأرضاه، فبعد أن بلغ أبو بكر من العمر ثلاثاً وستين عاماً -كما كان عمر النبي ﷺ حين مات- جاءه الأجل ﵁ الله عنه وأرضاه، وقبل أن يموت ضرب أروع الأمثلة في الزهد والصلاح والعدالة في الحكم، فقد كان يجلس على قطيفة من حق بيت مال المسلمين، فبعث بها إلى بيت مال المسلمين، ثم قال: إن بستاني وحائطي الذي ألزمني عمر به أتقوت منه يرد إلى بيت مال المسلمين، ثم قال: انظروا إلى ثوب تكفنوني فيه، ثم قال: كيف كفن رسول الله؟ قالوا: في ثلاثة أثواب، فقال: انظروا، قالوا: نحن جهزنا لك ثلاثة أثواب جديدة، قال: لا، انظروا إلى ملآتي هذه الخلقة القديمة، أما الجديد فالحي أحوج إليه.
ثم أمر أن يكفن بهذه الأثواب القديمة، ثم بعد ذلك بعث بكل ما عنده يملك، ومن ناقة كان يشرب منها، وهو خليفة رسول الله، ومع ذلك كان له ناقة فقط، هي التي يشرب منها، ثم أمر برد الناقة الحلوب إلى بيت المال، وأمر بغلام كان يخدمه، فقال: والغلام إلى بيت مال المسلمين، فلما رأى عمر ذلك بكى بكاءً شديداً، وقال كلمته المشهورة: لقد أتعبت من بعدك يا خليفة رسول الله ﷺ .
ثم دخل عليه عثمان وهو في مرضه الشديد فقال له: اكتب، ثم أغشي على أبي بكر، فلما أفاق قال له: ما كتبت؟ قال: كتبت عمر، قال: لو كتبت عثمان لكنت لها أهلاً ولكنه عمر، ثم جاءه الناس، فقالوا: كيف تستخلف علينا هذا الشديد - عمر ﵁ وأرضاه- وتعلم حدته وشدته، قال: لو سألني ربي لقلت له: استخلفت عليهم أتقاهم وأقواهم في دين الله، بشهادة رسول الله ﷺ ، ثم مات ﵁ وأرضاه، وصلى عليه عمر والمسلمون، ثم دفن بجانب رسول الله ﷺ .
أختم سيرة أبي بكر ﵁ وأرضاه بكلمة لـ علي بن أبي طالب، وأرد بها على المتنطعين الهالكين، الذين يقعون في عرض أبي بكر، ويزعمون الحب لآل البيت، فقد قال علي بن أبي طالب في وفاة أبي بكر بعد أن وقف على الباب: رحمك الله يا أبا بكر، كنت والله أول القوم إسلاماً، وأخلصهم إيماناًَ، وأشدهم يقيناً، وأعظمهم غناءً، وأحفظهم عن رسول الله ﷺ ، وأحزنهم على الإسلام، وأحنهم على أهله، وأشبههم برسول الله ﷺ خَلقاً وخُلقاً، وهدياً وسمتاً، فجزاك الله عن الإسلام وعن المسلمين خيراً، صدقت رسول الله حين كذبه الناس، وواسيته حين بخل الناس، وقمت معه حين قعدوا، وأسماك الله في كتابه صديقاً، فقال جل وعلا: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ [الزمر:٣٣]-فالذي جاء بالحق هو رسول الله، والذي صدق به حين كذبه الناس هو أبو بكر ﵁ وأرضاه- يريد محمداً ويريدك، وكنت والله للإسلام حصناً وعلى الكافرين عذاباً، لم تفلل حجتك، ولم تضعف بصيرتك، ولم تجبن نفسك، كنت كالجبل الذي لا تحركه العواصف، ولا تزيله القواصف، كنت كما قال رسول الله ﷺ : ضعيفاً في بدنك، قوياً في أمر الله، متواضعاً في نفسك، عظيماً عند الله، جليلاً في الأرض، كبيراً عند المؤمنين، ولم يكن لأحد عندك مطمع، ولا لأحد عندك هوادة، فالقوي عندك ضعيف حتى تأخذ الحق منه، والضعيف عندك قوي حتى تأخذ الحق له، فلا حرمنا الله أجرك، ولا أضلنا بعدك.
هذا ما قاله علي بن أبي طالب رضي الله عن الصحابة أجمعين.
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم، وأسأل ربي جل وعلا أن تكون هذه النماذج حسنة لنا، حتى نتأسى بهم ونسير على نهجهم النقي، وجزاكم الله خيراً.
стр. 739
شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة - فضائل عمر بن الخطاب [١]
عمر بن الخطاب ﵁ كان إسلامه عزاً، وهجرته نصراً، وخلافته عدلاً ورحمة، وحكمة وحنكة، ضرب أروع الأمثلة في علمه وفقهه وعدله وشدة بأسه في الحق، وقوة بديهته في الفراسة والإلهام، وتحريه في اتباع كتاب الله وسنة رسوله ﷺ .
стр. 740
سيرة عمر بن الخطاب
следующие страницы →