← Акыда

Акыда · id 37435

شرح أصول اعتقاد أهل السنة للالكائي - محمد حسن عبد الغفار

محمد حسن عبد الغفار

Полный текст (838 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.

стр. 736

قوته في الحق كان أبي بكر الصديق ﵁ أقوى ما يكون في الحق، كما كان خلق النبي ﷺ ، كان لا يغضب إلا إذا انتهكت محارم الله كما قال له أسامة عندما جاء يشفع في المرأة المخزومية التي جحدت عارية أو سرقت، فقال ﷺ : (أتشفع في حد من حدود الله؟! والذي نفسي بيده لو أن فاطمة بنت محمد ﵂ وأرضاها- سرقت لقطعت يدها). فبعد وفاة رسول الله ﷺ جاءت فاطمة والعباس إلى أبي بكر، وطلبا إرث النبي ﷺ من أرض فدك وخيبر وبعض الأموال التي كان يأكل منها أزواج النبي ﷺ ، فقال أبو بكر الشفيق الرحيم، ذو الرقة واللين: والله إن أصل قرابة رسول الله ﷺ أحب إلي من أن أصل قرابتي، ولكني لا أخالف رسول الله ﷺ ، فقد قال رسول الله ﷺ : (نحن معاشر الأنبياء لا نورث، ما تركناه صدقة)، وأبى أن يعطي فاطمة ﵂ وأرضاها من إرث النبي ﷺ ؛ لأن النبوة لا تورث إلا العلم والوحي، لا تورث الدنيا، ورحلت فاطمة غاضبة على أبي بكر، فوجدت في نفسها عليه، قال بعض العلماء: وجدت في نفسها؛ لأنها ما أرادت الإرث، وإنما أرادت الثمرة فقط، ولكن أبا بكر فهم قول النبي ﷺ فقال: لا أخالف قول رسول الله ﷺ بل إن عائشة كذلك، وهي بنت أبي بكر وزوج النبي ﷺ ، ما أعطاها من إرث النبي ﷺ شيئا، ً فلهذا -كما سبق-غضبت فاطمة، ولكن روى البيهقي بسند مرسل لكنه يحتج به بإذن الله، أنه لما مرضت ذهب أبو بكر إليها فترضاها فرضيت، ولما ماتت قال بعض الرواة: لم يؤذن علي أبا بكر لموتها، فصلى عليها ودفنها ليلاً، فلم يعرف أبو بكر ﵁ وأرضاه، ويقال: إن علياً ﵁ وأرضاه لم يخرج لمبايعة أبي بكر محاباة لـ فاطمة حتى ماتت، وكان الناس وجوههم سمحة مع علي بن أبي طالب حتى ماتت فاطمة، فتغيرت وجوه الناس عليه، فعلم أن ذلك كان بسبب مسألة أبي بكر، فذهب إليه وبايعه، وكان سيفاً من سيوف أبي بكر يضعه حيثما شاء ﵃ أجمعين. فهذا ما حدث بين أبي بكر وفاطمة، وكان الحق كل الحق مع أبي بكر ﵁ وأرضاه، ولم يتكلم فيه أو ينتقده أحد من الصحابة الكرام، حتى علي حين خطب بالناس فقام رجل وقال: من أفضل هذه الأمة؟ فقال: من فضلني على أبي بكر وعمر جلدته ثمانين جلدة حد المفتري أي: الكذاب، أفضل هذه الأمة على الإطلاق أبو بكر ثم عمر بن الخطاب، وسكت ثم قال: والله أعلم بعد ذلك من أفضل، فلم يكن يخير عثمان على نفسه، لكن ورد عن ابن عمر بسند صحيح أنه قال: كنا نقول في عهد رسول الله ﷺ : أفضل هذه الأمة بعد رسول الله أبو بكر ثم عمر ثم عثمان، فيقرنا رسول الله، وبينت سابقاً الخلاف بين أهل السنة والجماعة في مسألة: من أفضل عثمان أم علي؟ وذكرنا أن كلمة أهل السنة والجماعة اتفقت بعد ذلك على أن أفضل هذه الأمة: أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي ﵃ أجمعين.

стр. 737

بداية الفتوحات في عهده ثم حانت الفرصة لنشر الإسلام بعدما استتب الأمر وانتهت فتنة الردة، فبدأت الفتوحات قرب موت أبي بكر، فمنّ الله على أبي بكر بفتح أبواب الفتوحات الإسلامية، فقد بعث خالد بن الوليد ﵁ وأرضاه والمثنى بن حارثة إلى أهل فارس لفتح العراق، وبعث خالد بن الوليد إليهم بثلاث: الإسلام أو الجزية أو القتال، فبعثوا إليه وقالوا: إن أردت في كل عام أن تأتينا ثم نعطيك الدراهم والملابس لهؤلاء الرعاع فخذ منا، فبعث خالد إليهم بالكلمة المشهورة التي أرعبتهم وأخمدت عروشهم، قال خالد بن الوليد: جئتكم بأناس بحبون الموت كما تحبون الحياة، وفي رواية أخرى أنه قال: جئتكم بأناس يحبون الموت كما تحبون أنتم الخمر، ثم وقعت المعركة، وأصبح القتل يميناً ويساراً بأهل الفرس، وفتح الله على يديه العراق. ثم بعث إليه أبو بكر بأن يذهب لتأديب الروم، فكانت المعركة الكبرى التي تقابل فيها أربعون ألفاً أمام مائة وأربعين ألفاً، وهي معركة اليرموك، التي مات أبو بكر قبل أن ينتصر المسلمون فيها، فهو الذي أصر على تأمير خالد ﵁ وأرضاه؛ لأن عمر جاء أكثر من مرة إلى أبي بكر يقول له: اعزله، فيقول: لا والله، لا أغمدن سيفاً قد سله الله وسله رسوله ﷺ ، وقال: والله لأقطعن عنهم وساوس الشيطان بـ خالد بن الوليد، وهذا الذي جعل ملك الروم يقول لـ خالد: من أنت؟ أأنزل الله لك سيفاً من السماء تقاتل به فلا تهزم أبداً؟ ذهب خالد عبر الصحراء حتى وصل الشام، ثم بعث أبو بكر إليهم بالكتاب وقال فيه: إذا جاءكم خالد فأمروه عليكم، ونزل أبو عبيدة وجميع المسلمين تحت إمرة خالد وهم أربعون ألفاً وجيش الروم مائة وأربعون ألفاً، لكن خالد كان بطل الحروب، فهو الذي لم يهزم في معركة بإذن الله، حتى في قتال المسلمين حين كان كافراً، ففي أحد كان هو سبب هزيمة المسلمين، فقد قام بخبرته العسكرية بعد اليقين بالله جل وعلا، والإيمان الراسخ، فعمل ميمنة وميسرة ومقدمة ومؤخرة، فجعل أبا عبيدة -أمين هذه الأمة- في الخلف، وجعل نفسه في المقدمة، وأحد الصحابة في الميمنة والآخر في الميسرة، ثم دخل إلى قلب الروم إلى خيمة رئيسهم، وقتل منهم ثم رجع، وهكذا أخذ بالكر والفر حتى هزم الروم، وكتب الله للمسلمين النصر، ثم جاءت البشارة إلى عمر بعدما مات أبو بكر، الذي كان سبباً في هذه المعركة الخالدة التي تبين أن النصر حليف المسلمين لا محالة، وإن كانوا أقل عدة وعتاداً، وذلك إذا تمسكوا بكتاب الله وسنة نبيه ﷺ ، وإذا صدقوا في نصرة الله وفي نصرة رسوله ﷺ ، وإذا رفعوا راية التوحيد، فلو تكالب الجن والإنس على أهل الإسلام الذين رفعوا راية لا إله إلا الله فإن النصر سيكون لأهل الإسلام، كما قال شيخ الإسلام مقعداً قاعدة عظيمة قال: إذا التقى الجيشان: فإن كانا كافرين جعل الله الغلبة للأقوى، وإن كان الجيش الأول مسلماً والآخر كافراً جعل الله النصرة لأهل الإسلام. فجعل الله النصرة في معركة اليرموك لـ خالد ولأصحابه رضوان الله عليهم؛ لأنهم صدقوا ما عاهدوا الله عليه، وصدقوا في نصرة الله جل وعلا.

стр. 738

وفاته ﵁ وأرضاه حانت ساعة وفاة أبي بكر بعدما ثبت بإذن الله هذه العروش، ولذلك قال قائلهم: لولا خلافة أبي بكر لما توسعت رقعة الإسلام، ولما ثبتت عروش خلافة عمر ﵁ وأرضاه، فبعد أن بلغ أبو بكر من العمر ثلاثاً وستين عاماً -كما كان عمر النبي ﷺ حين مات- جاءه الأجل ﵁ الله عنه وأرضاه، وقبل أن يموت ضرب أروع الأمثلة في الزهد والصلاح والعدالة في الحكم، فقد كان يجلس على قطيفة من حق بيت مال المسلمين، فبعث بها إلى بيت مال المسلمين، ثم قال: إن بستاني وحائطي الذي ألزمني عمر به أتقوت منه يرد إلى بيت مال المسلمين، ثم قال: انظروا إلى ثوب تكفنوني فيه، ثم قال: كيف كفن رسول الله؟ قالوا: في ثلاثة أثواب، فقال: انظروا، قالوا: نحن جهزنا لك ثلاثة أثواب جديدة، قال: لا، انظروا إلى ملآتي هذه الخلقة القديمة، أما الجديد فالحي أحوج إليه. ثم أمر أن يكفن بهذه الأثواب القديمة، ثم بعد ذلك بعث بكل ما عنده يملك، ومن ناقة كان يشرب منها، وهو خليفة رسول الله، ومع ذلك كان له ناقة فقط، هي التي يشرب منها، ثم أمر برد الناقة الحلوب إلى بيت المال، وأمر بغلام كان يخدمه، فقال: والغلام إلى بيت مال المسلمين، فلما رأى عمر ذلك بكى بكاءً شديداً، وقال كلمته المشهورة: لقد أتعبت من بعدك يا خليفة رسول الله ﷺ . ثم دخل عليه عثمان وهو في مرضه الشديد فقال له: اكتب، ثم أغشي على أبي بكر، فلما أفاق قال له: ما كتبت؟ قال: كتبت عمر، قال: لو كتبت عثمان لكنت لها أهلاً ولكنه عمر، ثم جاءه الناس، فقالوا: كيف تستخلف علينا هذا الشديد - عمر ﵁ وأرضاه- وتعلم حدته وشدته، قال: لو سألني ربي لقلت له: استخلفت عليهم أتقاهم وأقواهم في دين الله، بشهادة رسول الله ﷺ ، ثم مات ﵁ وأرضاه، وصلى عليه عمر والمسلمون، ثم دفن بجانب رسول الله ﷺ . أختم سيرة أبي بكر ﵁ وأرضاه بكلمة لـ علي بن أبي طالب، وأرد بها على المتنطعين الهالكين، الذين يقعون في عرض أبي بكر، ويزعمون الحب لآل البيت، فقد قال علي بن أبي طالب في وفاة أبي بكر بعد أن وقف على الباب: رحمك الله يا أبا بكر، كنت والله أول القوم إسلاماً، وأخلصهم إيماناًَ، وأشدهم يقيناً، وأعظمهم غناءً، وأحفظهم عن رسول الله ﷺ ، وأحزنهم على الإسلام، وأحنهم على أهله، وأشبههم برسول الله ﷺ خَلقاً وخُلقاً، وهدياً وسمتاً، فجزاك الله عن الإسلام وعن المسلمين خيراً، صدقت رسول الله حين كذبه الناس، وواسيته حين بخل الناس، وقمت معه حين قعدوا، وأسماك الله في كتابه صديقاً، فقال جل وعلا: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ [الزمر:٣٣]-فالذي جاء بالحق هو رسول الله، والذي صدق به حين كذبه الناس هو أبو بكر ﵁ وأرضاه- يريد محمداً ويريدك، وكنت والله للإسلام حصناً وعلى الكافرين عذاباً، لم تفلل حجتك، ولم تضعف بصيرتك، ولم تجبن نفسك، كنت كالجبل الذي لا تحركه العواصف، ولا تزيله القواصف، كنت كما قال رسول الله ﷺ : ضعيفاً في بدنك، قوياً في أمر الله، متواضعاً في نفسك، عظيماً عند الله، جليلاً في الأرض، كبيراً عند المؤمنين، ولم يكن لأحد عندك مطمع، ولا لأحد عندك هوادة، فالقوي عندك ضعيف حتى تأخذ الحق منه، والضعيف عندك قوي حتى تأخذ الحق له، فلا حرمنا الله أجرك، ولا أضلنا بعدك. هذا ما قاله علي بن أبي طالب رضي الله عن الصحابة أجمعين. أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم، وأسأل ربي جل وعلا أن تكون هذه النماذج حسنة لنا، حتى نتأسى بهم ونسير على نهجهم النقي، وجزاكم الله خيراً.

стр. 739

شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة - فضائل عمر بن الخطاب [١] عمر بن الخطاب ﵁ كان إسلامه عزاً، وهجرته نصراً، وخلافته عدلاً ورحمة، وحكمة وحنكة، ضرب أروع الأمثلة في علمه وفقهه وعدله وشدة بأسه في الحق، وقوة بديهته في الفراسة والإلهام، وتحريه في اتباع كتاب الله وسنة رسوله ﷺ .

стр. 740

سيرة عمر بن الخطاب

стр. 741

عمر بن الخطاب في الجاهلية الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. ثم أما بعد: إخوتي الكرام! ما زلنا مع الشموس المشرقة، والأقمار النيرة، نقرأ في صفحات التاريخ بين سطوره فنستخرج الروائح الزكية، والنسمات العابقة من هؤلاء الأماجد الأكارم صحابة رسول الله ﷺ . نحن اليوم على موعد مع خير هذه البرية، ومع خير هذه الأمة بعد خليفة رسول الله ﷺ ، مع الرجل الذي فرق الله به بين الحق والباطل، مع الرجل الذي كان أقوى ما يكون في الأمة في الحق، كان حاسماً حازماً قوياً ليناً رقيقاً ﵁ وأرضاه، مع عمر بن الخطاب أمير المؤمنين، واسمه: عمر بن الخطاب بن نفيل بن عبد العزى بن كعب بن غالب القرشي العدوي، يلتقي مع النبي ﷺ في كعب بن غالب. عمر بن الخطاب بلغ عمره في الجاهلية خمسة وثلاثين عاماً، ثم عاش ثلاثين سنة على الإسلام، ثبت فيها عرش المسلمين، وثبت أركان الدولة الإسلامية، وطار بأجنحته مشارق الأرض ومغاربها، يدعو إلى الله جل وعلا، وينشر دين الله جل وعلا، وقد فتحت الدنيا بأسرها وخزائن كسرى وقيصر على عهده ﵁ وأرضاه. عاش في الجاهلية جلداً صلباً صلداً وكان غليظاً فظاً ﵁ وأرضاه، وكان أبوه الخطاب على نفس خلقه فظاً غليظاً، وكان خاله أغلظ من أبيه وهو أبو جهل عمرو بن هشام فرعون هذه الأمة، فكان عمر بن الخطاب ﵁ وأرضاه جلداً في الجاهلية، وكان سفيراً لقريش في الأحداث أو الاختلاف بين القبائل أو الحروب، ولكنه كان مغموراً أيضاً في قريش؛ لأن مقياس الناس عند قريش في تلك الأزمنة المال والولد، وكان عمر ﵁ وأرضاه قليل المال والولد، فكان مغموراً في قريش، ولكن الله جل وعلا أعزه بالإسلام، وأعز الإسلام به، فكان بالنسبة لرسول الله ﷺ هو وأبو بكر السمع والبصر، وكانا وزيري رسول الله ﷺ وأهل مشورته ﵄.

стр. 742

إسلام عمر بن الخطاب أما إسلام عمر ﵁ وأرضاه، فيذكر أهل السير قصصاً عديدة لإسلامه، فقد شهر سيفه ذاهباً إلى رسول الله ليقتله، وكان فظاً غليظاً، وكان يقول: هذا الرجل الذي جاء يفرق بين الوالد وولده، وبين الزوج وزوجته، وسفه أحلامنا وآلهتنا، فأخذ سيفه مهرولاً إلى رسول الله ليقتله، فقال له رجل: إذا كنت فاعلاً فانظر إلى أهل بيتك، انظر إلى أختك وزوجها فقد صبئا. فذهب إليها فوجدها تقرأ القرآن فصفعها، فأدمى وجهها، فلما رأى الدم منها رق لها، ثم قال: أعطيني هذا الكتاب الذي بيدك، قالت: لا، إنك نجس، والنجاسة هنا نجاسة معنوية، لكنها أبت أن تعطيه الكتاب حتى يغتسل. وهنا أستأنس بهذه الواقعة على أمر مهم وهو خلاف فقهي، فالراجح أن القرآن لا يمسه إلا طاهر، لا يمسه إلى متوضئ. فقالت: لا حتى تغتسل، فدخل فاغتسل، فأخذ الكتاب فقرأ: ﴿طه * مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى * إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى * تَنزِيلًا مِمَّنْ خَلَقَ الأَرْضَ وَالسَّمَوَاتِ الْعُلى﴾ [طه:١ - ٤]، فرق قلبه فذهب إلى النبي ﷺ ، فلما رآه حمزة من بعيد قال: هذا عمر، إن جاء لخير فهو له خير، وإن جاء لغير ذلك فقتله علينا هين، فلما دخل عمر ﵁ وأرضاه على رسول الله ﷺ قام رسول الله فأخذ بتلابيبه، وقال: الآن يا عمر! الآن يا عمر! فقال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله ﷺ ، فتحققت فيه دعوة النبي ﷺ (اللهم أعز الإسلام بأحد العمرين)، فأصابت الدعوة عمر بن الخطاب ﵁ وأرضاه. كان رجلاً طويلاً إذا مشى بين الناس كأنه على بعير من طوله ﵁ وأرضاه، وكان أبيض مليحاً أصلع ﵁ وأرضاه. بعدما أسلم عمر بن الخطاب قال ابن مسعود كلمات تحفر على السطور في منقبة عمر ﵁ وأرضاه، قال: كان إسلام عمر فتحاً، وهجرته نصراً، وإمامته رحمة. كان إسلام عمر فتحاً، كما سنبين كيف نشر الله الإسلام بإسلام عمر، وكانت هجرته نصراً، وكانت إمامته رحمة، لما دخل على رسول الله وأسلم ما خار، وإنما ظهرت قوته في دينه قال: يا رسول الله! ألسنا على الحق؟ قال: بلى، قال: لم الإخفاء الآن؟! لا بد أن نعلنها صراحة أننا على الإسلام والإيمان، ثم قام فصف الناس صفين فتقدم الصف الأول عمر بن الخطاب، ووضع على الصف الثاني أسد الله وأسد رسوله ﷺ حمزة بن عبد المطلب، ويتوسط الصفين رسول الله ﷺ ، فذهبوا إلى مكة فأعلنوا الصلاة أمام قريش، فاشتاطت قريش غيظاً، وتألمت ألماً شديداً لما رأت عمر وحمزة كبيرا قريش في القوة والجلد، عمر وحمزة ورسول الله ﷺ يتوسطهما. ثم بعد ذلك قام عمر فقال: من أشد الناس نقلاً للأخبار؟ قالوا: فلان، فأخذه وقال له: أما علمت أنني صبأت؟! يعني: أسلمت، فقام الرجل مسرعاً إلى جميع قريش ينادي: قد صبأ عمر! قد صبأ عمر! وهو يقول: لا، بل أسلمت! بل أسلمت! ثم قال: من أشد الناس تغيظاً لإسلامي؟! فقالوا: خالك أبو جهل، ثم ذهب إليه فقرع عليه الباب، ففتح فقال: أهلاً بابن أختي! فقال له عمر: أما علمت أنني على دين محمد ﷺ ؟! فصفع الباب في وجهه ﵁ وأرضاه تغيظاً. ومن قوته في إعلاء كلمة الله جل وعلا ونصرة الدين والحق أنه قام عند الهجرة إلى كبار قريش وسادتهم فأخذ الرماد وذره على أعينهم وقال: شاهت الوجوه! يعني: قبح الله هذه الوجوه إني مهاجر إلى ربي، فمن أراد أن تثكله أمه فليأت ورائي خلف هذا الوادي، وهاجر معلناً بهجرته ﵁ وأرضاه.

стр. 743

زهد عمر بن الخطاب نعم الرجل! ونعم الصاحب! ونعم الأمير ﵁ وأرضاه! كان والله عابداً زاهداً متصدقاً فقيهاً ورعاً عالماً مجاهداً، لو جلسنا شهوراً وسنين نتكلم عن هذه الشخصية الفريدة فلن نعطيها حقها. لكن اليوم سوف نتكلم مع عمر الزاهد العابد الفقيه العالم، عمر ﵁ وأرضاه أوجز وأعذب وألطف ما قيل في زهد عمر ما قاله بعض المؤرخين: إن الدنيا لم ترد أبا بكر، وأبو بكر لم يرد الدنيا، لأن أبا بكر زاهد، ولم تفتح الدنيا عليه، ولا خزائن كسرى ولا قيصر فتحت عليه، قال: أبو بكر لم يرد الدنيا ولم ترده الدنيا، أما عمر فأرادته الدنيا ولم يردها ﵁ وأرضاه، كان يقف خطيباً أمام الناس وثوبه مرقع، كان يأكل الزيت والخبز، ويقول لبطنه بعدما يربط عليها الحجر والحجرين: قرقري كما تريدين، والله لا تأكلين إلا هذا الطعام، زيت وخبز. وكان والله متصدقاً منفقاً، لما استنفر رسول الله ﷺ الصحابة الكرام للإنفاق في سبيل الله ذهب بشطر ماله فوضعه أمام رسول الله ﷺ ، فقال له الرسول: ما تركت لأهلك؟ قال: تركت لهم شطر مالي، فمدحه النبي ﷺ وأثنى عليه. كذلك لما أصاب مالاً في خيبر قال ابن عمر كما في الصحيحين: أصاب عمر مالاً ما أصاب مالاً خيراً منه، وهو سهم في خيبر، فذهب إلى رسول الله وقال: ما عندي مال خير من هذا المال، ضعه فيما شئت يا رسول الله، فأشار عليه النبي ﷺ أن يكون وقفاً لله، قال: (إن شئت حبست الأصل وسبلت الثمرة). يعني: أوقفته في سبيل الله، فأوقفه عمر في اليتامى ولذي القربى والمساكين، حتى ناظر هذا الوقف جعله يأكل منه غير متمول، فكان منفقاً في سبيل الله، حتى إنه مات وعليه ديون فكلف ابن عمر أن يسدد عنه هذه الديون بعد مماته ﵁ وأرضاه.

стр. 744

عبادة عمر بن الخطاب كان والله فقيهاً عابداً، كان عمر بن الخطاب لا يترك الليل أبداً، بينه وبين ربه ساعة يخلو فيها بربه، يتذلل ويدعو الله جل وعلا ويستغفر سحراً، ويتلو كتاب ربه والناس نيام، فبعدما يرخي الليل سدوله وتغور نجومه يقوم يناجي ربه. ذات مرة مر رسول الله ﷺ ليلاً فسمع عمر وهو يقرأ في صلاته بصوت جهوري، وكان قد مر بـ أبي بكر، فسمعه يقرأ بصوت منخفض، فسأل عمر: (يا عمر! سمعتك تقرأ بالأمس بصوت جهوري! فقال: يا رسول الله! -انظروا إلى القوة في الحق، انظروا إلى الجواب البديع- أوقظ النومان وأطرد الشيطان)، بالقوة يطرد الشيطان ﵁ وأرضاه، فأمره النبي ﷺ أن يخفض من صوته ﵁ وأرضاه.

стр. 745

فقه عمر بن الخطاب كان ﵁ وأرضاه عابداً زاهداً فقيهاً عالماً يحرص على طلب العلم الذي ندر في هذا الزمان، ونحن في فتن والله ليس بعدها فتن، وأقسم بربي إنه آلمني ويدمي قلب كل مسلم أن الأصاغر يتكلمون في أمر عظام يتخبطون فيها خبط العشواء، وكأنهم يتقحمون النار على بصيرة، ويتكلمون بغير علم، والمستمع لا علم له، وهذا والله الذي لا إله إلا هو ما وقع إلا بترك العلم، وتصديقاً لنبوة النبي ﷺ : (لن تقوم الساعة حتى يرفع العلم، ويظهر الجهل، ويتخذ الناس رءوساً جهالاً، فيسألون فيفتون بغير علم؛ فضلوا وأضلوا)، فتاوى تصل بالناس إلى شفير جهنم، بل تصل بالناس إلى الخروج من الدوائر الصحيحة التي يمكن أن تعتبرها في الدين بسبب الجهل، فالناس في غفلة مميتة مزرية لا يعلمون عن دينهم شيئاً، وأيضاً يتركون طلب العلم؛ لأنهم يحسبون أن العلم كلمة طيبة دون الدراسة التي تعلمهم كيف يتعبدون لله جل وعلا بتوحيد خالص دون أدنى شرك. فهذا عمر بن الخطاب أمير هذه الأمة كان طالباً للعلم، وكان يحرص على مجالس التحديث إذا جلس النبي ﷺ بين أصحابه يعلمهم، وكان إذا شغله الزرع أو التجارة يتناوب مع أخيه الأنصاري حرصاً على العلم، فيجلس الأنصاري المجلس، فيأتيه فيقول: قد تحدث النبي ﷺ بحديث كذا وكذا وكذا، وهو يأتي في اليوم التالي يتعلم من النبي ﷺ ثم ينقل هذا العلم إلى أخيه الأنصاري، حرصاً على العلم؛ لأنه يعلم أنه لن يرتقي عند ربه، ولن ينجو من الفتن والمحن إلا بالعلم، ولذلك شهد له النبي ﷺ بالعلم وحياً من الله، كما في الصحيح أن النبي ﷺ قال: (رأيت في المنام أني أشرب اللبن، حتى بلغ الري أظفاري، ثم أعطيت فضلي لـ عمر، قالوا: يا رسول الله! وما أولته؟ قال: أولته العلم). وهذه شهادة من الرسول ﷺ على فضل وفقه وعلم عمر بن الخطاب، بل وعلى دين عمر بن الخطاب وورعه. كذلك جاء في البخاري أن رسول الله ﷺ قال: (رأيت في المنام الناس عليهم قمص -ثياب- ومنهم من يبلغ قميصه إلى ثديه، ومنهم من يبلغ دون ذلك، ورأيت عمر يجر قميصه، قالوا: يا رسول الله! وما أولته؟ قال: الدين)، فشهد له النبي ﷺ بالدين والعلم والفقه ﵁ وأرضاه، ولم لا وقد آتاه الله مقومات العلم؟! فهو المهلم المحدث تتكلم الملائكة على لسانه، كما قال النبي ﷺ : (كان فيمن قبلكم محدثون، ولو كان في هذه الأمة لكان عمر) يعني: عمر بن الخطاب هو الملهم الذي تتكلم الملائكة على لسانه. فسرها بعض العلماء بالتفرد في شدة الذكاء، وهذا في عمر حق، وفسرها بعض العلماء بأن الملائكة تتكلم على لسانه بالحق، وإليكم بيان ذلك، فقد وافق ربه في أكثر من عشرين موضعاً من القرآن، قبل أن تنزل الآية يقولها عمر كما في البخاري قال عمر: وافقت ربي في ثلاث، أما الأولى: فقلت: يا رسول الله! لو اتخذنا من مقام إبراهيم مصلى؛ فأنزل الله جل وعلا: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة:١٢٥]. والثانية: قلت: يا رسول الله! لو أمرت نساءك أن يحتجبن؛ فإنه يدخل عليهن البر والفاجر، قبل أن تنزل آية الحجاب، فنزلت: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ [الأحزاب:٥٣]. والثالثة: أنه لما اجتمع النساء على النبي ﷺ قلت: عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجاً خيراً منكن، بنفس نص الآية، فهو موفق ﵁ وأرضاه. كذلك قال: وافقت ربي في ثلاث، ثم ذكر منها أسارى بدر، لما تشاور النبي ﷺ مع أبي بكر، وقال: نأخذ الفدية، وقال عمر: أرى يا رسول الله! أن تعطيني فلان ابن الخطاب فأضرب عنقه، ولاء وبراء، تحقيق لركن التوحيد لا إله إلا الله، وعمر يشهرها علناً ولاء وبراء، قال: يا رسول الله! أرى أن تعطيني فلان ابن الخطاب فأضرب عنقه، وأرى أن تعطي عقيلاً لـ علي بن أبي طالب، فيضرب عنقه، وأرى أن تعطي فلان ابن أبي بكر، فيضرب عنقه؛ ليعلم أنه لا هوادة في قلوبنا، ولا محبة لأهل الشرك والكفران، عمر ﵁ وأرضاه لما قال ذلك مال النبي ﷺ إلى قول أبي بكر في أخذ الفدية، فأنزل الله موافقاً لقول عمر: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [الأنفال:٦٧] فبكى رسول الله وأبو بكر، ووافق الله جل وعلا عمر ﵁ وأرضاه. كذلك عمر وافق الله في مسألة أخرى، لما دعي رسول الله ﷺ إلى الصلاة على المنافق الأكبر عبد الله بن أبي بن سلول، قال عمر للنبي ﷺ : يا رسول الله! هذا الذي قال يوم كذا كذا وكذا، يعني: في غزوة بني المصطلق لما رجع قال: ليخرجن الأعز منها الأذل، فقال: يا رسول الله تصلي على عدو الله؟ قال: (إليك عني يا عمر! فإن الله خيرني: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ [التوبة:٨٠]، فخيره فقال: استغفر لهم لعل الله يغفر لهم) فأنزل الله موافقاً لقول عمر: ﴿وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾ [التوبة:٨٤]. فكان ملهماً موفقاً ﵁ وأرضاه، وأنفع ما يكون من ذلك لما احتار النبي ﷺ جاءه يستشيره في حادثة الإفك، فقال: (يا رسول الله! من زوجك إياها؟ قال: الله) كيف زوج الله جل وعلا السيدة عائشة بالنبي ﷺ ؟ جاءه جبريل بصورتها وقال: هذه زوجك مرتين، فقال: (إن كان الله كتب ذلك فسيقضيه)، فقال له عمر الموفق: (يا رسول الله! من زوجك إياها؟! قال الله، قال: أرأيت الله يدلس عليك؟!) ما هذا الفقه؟! سبحان الله! ولذلك عقب بعدما قال ذلك، فقال: سبحانك هذا بهتان عظيم! قال: يا رسول الله! أرأيت الله يدلس عليك؟! سبحانك هذا بهتان عظيم! فأنزل الله الآيات ثم ختمها بقوله تعالى: ﴿سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾ [النور:١٦]، موافقاً لـ عمر ﵁ وأرضاه. كذلك من مقومات فقه عمر وبيان أن عمر ﵁ وأرضاه أفقه الصحابة على الإطلاق بعد النبي ﷺ وخليفته أبو بكر ﵁ قال حذيفة: كأن علم الناس كان مدسوساً في قلب عمر ﵁ وأرضاه، ونظر إليه ابن مسعود فقال: هذا أفقه الناس بكلام الله جل وعلا. وقال أيضاً بعض الصحابة: لو وزن علم عمر في كفة، وعلم الأمة أجمعين في كفة لرجحت كفة عمر ﵁ وأرضاه.

стр. 746

عمر بن الخطاب صاحب الإلهام والفراسة انظروا إلى الإلهام والتوفيق، قام عمر خطيباً بعدما أرسل سرية إلى العراق، وأمر على هذه السرية سارية، فلما كان يخطب الخطبة وتحته عبد الرحمن بن عوف، والناس الجموع غفيرة تنظر إلى أمير المؤمنين وهو يخطب، قطع الخطبة وقال: يا سارية الجبل الجبل! يا سارية الجبل الجبل! ثلاث مرات! فاندهش الناس وقالوا: ما باله؟! كيف يتكلم في هذا؟! وعبد الرحمن بن عوف يتأفف ويتأسف: ماذا يفعل عمر؟! ما الذي جرى له؟! فبعدما نزل عمر قال عبد الرحمن: يا أمير المؤمنين! خشيتُ أن يقول الناس شيئاً، كيف تقول: يا سارية الجبل الجبل! قال: والله لقد شعرت بأن السرية التي بعثتها انهزموا، وأن النصر لا يكون حليفاً لهم إلا إذا احتموا بالجبل، فقدم رسول الجيش فقال: يا أمير المؤمنين! انهزمنا أولاً، ثم سمعنا صوتاً مدوياً ... إلخ. ولو كان عمر موجوداً في الأمة اليوم والله لانتصرنا، والله الذي لا إله إلا هو لرفعنا راية لا إله إلا الله، وكنا تحتها منتصرين أعزاء، لكن كتب الله جل وعلا أن الخيار يكون مع خير البرية؛ لأن الله جل وعلا حكيم يضع الشيء في موضعه، فهؤلاء الأماجد الأكارم لا يكونون إلا مع سيد البشر، فـ عمر ﵁ وأرضاه لما قال: يا سارية الجبل الجبل! قال الرجل: فسمعنا صوتاً مدوياً يقول: يا سارية الجبل الجبل! فرجعنا حتى احتمينا بالجبل؛ فكتب الله لنا النصر. هذه كرامة من الله جل وعلا لعبد من عباد الله ﵁ وأرضاه عمر بن الخطاب، وكان من تفرسه إذا نظر إلى الشخص يعلم أنه كذاب أو صادق، فتكلم معه بعض الناس بكلام، فكلما عرض بكلمة قال له: احذف هذه، لا تكمل هذا الكلام، فيحذفه ثم يعرض عليه بكلمة أخرى، فيقول: احذفها، فيقول: أنت كذبت فيها فيقول الرجل: نعم يا أمير المؤمنين، وهذا من تفرسه وشدة فراسته ﵁ وأرضاه. كذلك الرجل الذي جاءه فقال: اسمي جمرة بن لظى بن كذا بن كذا، قال: أدرك بيتك فقد احترق، فذهب الرجل إلى بيته وقد احترق!

стр. 747

منهجية عمر بن الخطاب العلمية كيف شرب عمر العلم وارتقى إلى هذا المرتقى الصعب؟ أقول: هناك منهجية اتخذها عمر علينا أن نأخذ بها والمنهجية موجودة حتى في السير، وهذه المنهجية التي استقى منها عمر علمه أجملها ابن القيم في قوله: العلم قال الله قال رسوله قال الصحابة ليس بالتمويه ما العلم نصبك للخلاف سفاهة بين الرسول وبين قول فقيه كان عمر بن الخطاب مشربه الكتاب والسنة، فإذا نزلت نازلة أو عمت مصيبة نظر في الكتاب والسنة، فإن لم يجد فيها الحل، أو لم يصل اجتهاده إلى الاستنباط العالي من الكتاب والسنة، نظر في اجتهاد أبي بكر؛ لأن النبي ﷺ قال: (اقتدوا باللذين بعدي أبي بكر وعمر). فكان يأخذ من الكتاب والسنة، أو من كلام أهل العلم، فإن لم يجد يجتهد رأيه ﵁ وأرضاه، وإليك البيان الذي صدقه واقعاً لما طعن ﵁ وضع خده على التراب ثم قال: لئن أستخلف فقد استخلف من هو خير مني -يقصد أبو بكر ﵁ وإن لم أستخلف فلم يستخلف من هوخير مني، يقصد رسول الله ﷺ ، فهذا دليل على قوة مشرب عمر ﵁ وأرضاه للعلم، وهنا قعدنا قاعدة في منهجية عمر في أخذ العلم، وهي: الكتاب والسنة، أو اجتهاد من سبقه الذي هو أعلم منه وهو أبو بكر ﵁ وأرضاه. أنا أقول: هذه القصة دليل على ما أقول، عندما قال: لئن أستخلف فقد استخلف من هو خير مني، وإن لم أستخلف لم يستخلف من هو خير مني، فقال ابن عمر: فلما قال ذلك علمت أنه لن يستخلف، فهو نظر في كتاب الله وسنة النبي ﷺ فوجد أن الرسول لم يستخلف، ووجد أن أبا بكر قد استخلف، فهو قال: من أقدم أبو بكر أو الرسول ﷺ ؟ يجوز أن يستخلف لأن أبا بكر سنته متبعة؛ لأنه قال: (اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر)، لكن سنة النبي ﷺ لا يمكن أن يتعداها أحد، ولذلك قال ابن عمر: فلما قال ذلك علمت أنه لن يستخلف؛ لأنه يقدم سنة النبي ﷺ ولم يستخلف، وجعلها مشورة في الستة الذين وقع الاختيار عليهم. كذلك من دلائل علم عمر وفقهه العالي أنه لا يتكلم إلا إذا وجد دليلاً ناصعاً صادعاً علم به، ولا يتكلف؛ لأن الله جل وعلا أمر نبيه أن يقول: ﴿وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾ [ص:٨٦]، وأيضاً يقول النبي ﷺ : (هلك المتنطعون)، فكان يسير هو وعمرو بن العاص ﵁ وأرضاه فوجد حوضاً يريد الشرب والوضوء منه، فقال عمرو: يا هذا! أترد السباع هذا الحوض؟ فقال عمر: يا هذا! لا تجبه فإنه متكلف، وقد قال الله تعالى آمراً نبيه: ﴿وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾ [ص:٨٦]، ويستدل الفقهاء بهذا الفعل من عمر على تقعيد قاعدة مهمة جداً (اليقين لا يزول بالشك) يعني: هو في شك من مرور السباع، ولكن عنده يقين على أن الماء الذي في الحوض ماء طاهر، فلا يزول هذا اليقين بالشك، فانظروا إلى فقه عمر ﵁ وأرضاه! كذلك من فقهه البديع مع أحفاد القردة والخنازير أنه -انظروا إلى فقهه وهو ينظر إلى الشرع والقدر ويصدق الشرع والقدر- جاء إلى يهود خيبر، فأمر بإجلائهم، فجاءه كبيرهم، فقال: أنت تخالف أبا القاسم، فقد ضرب لنا عهداً على خيبر؛ لأن النبي ﷺ شاطرهم على العمل، وأقرهم على الأرض فيعملون ويزرعون ولهم الشطر، فقال له عمر -كما في الصحيحين: أظننتني قد نسيت أن رسول الله قال: (كيف بك إذا أخرجت من خيبر تعدو بك قلوصك) يعني: تمشي بك بعيرك تخرج من هذه البلاد، قال: إنما كانت مزحة من أبي القاسم، فقال: خسئت وكذبت؛ فإن الرسول لا يقول إلا حقاً. كذلك من فقهه البديع أنه قال له: أقركم ما أقركم الله جل وعلا، وقال: قد أقركم رسول الله، وأقركم أبو بكر، وشاء الله أن أجليكم. فطبق الشرع على القدر بحديث آخر، وهو أن النبي ﷺ قال: (أخرجوا اليهود والنصارى من جزيرة العرب)، وفي الحديث الآخر في مسند أحمد: (لا يجتمع دينان في جزيرة العرب). فأول هذا الحديث بأن المشيئة هنا مشيئة كونية قدرية والفرق بين المشيئة الكونية والمشيئة الشرعية أن الكونية تكون فيما يحبه الله وما لا يحبه كمشيئة الله في خلق إبليس، وإبليس لا يحبه الله، وكمشيئة الله لعلو الكفرة على المسملين، وهذا لا يحبه الله جل وعلا، لكن شاءه كوناً لحكمة عظيمة، وربك حكيم خبير. كذلك المشيئة الكونية لا بد أن تقع، فقد كتب الله في اللوح المحفوظ أن أهل الكفر تكون لهم الدولة على أهل الإسلام لحكمة عظيمة عند الله جل وعلا، ولكن والله الذي لا إله إلا هو لن تختم الدنيا حتى يعود الإسلام غريباً كما بدأ غريباً. فـ عمر بن الخطاب نظر فوجد أن النبي ﷺ أمر بإخراجهم، فقال: هذه مشيئة شرعية وطبقها، فوافقت المشيئة الكونية، فالأصل أن عمر ﵁ وأرضاه من فقهه قال: هذه المشيئة ليست مشيئة كونية، هي مشيئة شرعية يقصد أنه أمر ونهي، يعني: النبي ﷺ قال: (لا يجتمع دينان في جزيرة العرب)، فأجلاهم ﵁ وأرضاه. كذلك من فقه عمر العالي أنه يسوس الناس بسياسة شرعية حتى يقطع دابر المعصية والتعدي على حدود الله، مثال ذلك: كان النبي ﷺ يضرب على شرب الخمر ويجلد عليه أربعين، وأبو بكر جلد عليه أربعين، وصدر من خلافة عمر كان يجلد عليه أربعين، حتى جاءه علي فقال: إن الذي يشرب الخمر يهذي، فإذا هذي افترى، وحد المفتري ثمانين؛ فجلده ثمانين ﵁ وأرضاه، فهذه سياسة شرعية حتى يحد من التعدي لحدود الله جل وعلا، واستنبط العلماء من هذا أن ولاة الأمور لهم أن يأمروا بأمر فيكون واجب السمع والطاعة إن كان تحت دائرة الكتاب والسنة، قال تعالى: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء:٥٩]، وما قال: وأطيعوا أولي الأمر، فعلى المرء بالسمع والطاعة لأولي الأمر مقيداً بالمعروف: (إنها الطاعة في المعروف، لا طاعة لمخلوقٍ في معصية الخالق). كذلك في حكم الطلاق ثلاثاً، كان في عصر النبي ﷺ إذا قال الرجل لامرأته: أنت طالق طالق طالق في مجلس واحد، أو قال لها: أنت طالق بالثلاث، تحسب طلقة واحدة، وفي عصر أبي بكر تحسب طلقة واحدة، فجاء عمر وقال: اجترأ الناس على أمر كان لهم فيه سعة، لأمضينه عليهم، فجعل الطلاق ثلاثاً واقعاً وتبين منه بينونة كبرى، فهذه سياسة شرعية يسوس بها الناس؛ حتى تقام حدود الله جل وعلا. إن مواقف عمر البطولية وقوته في ضرب الأعداء وقتاله مع رسول الله حفاظاً على حياته ﷺ ، وجوانب العظمة في سياسة عمر وعدله، والقصص البديعة التي تبين هذا العدل الذي قال فيه عامل الروم لما دخل وسأل عن أمير المؤمنين، فأشاروا إليه تحت شجرة، قال: أريد قصر أمير المؤمنين، قالوا: هذا أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، وكان يتوسد نعله تحت الشجرة؛ فقال: هذا أميركم؟! قالوا: نعم، هذا أميرنا، فقال: يا عمر حكمت فعدلت؛ فأمنت فنمت. أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم وجزاكم الله خيراً.

стр. 748

شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة - فضائل عمر بن الخطاب [٢] لقد ربى رسول الله ﷺ جيلاً كانوا نبراساً للحياة، وقدوة يقتدى بهم في جميع جوانب الحياة، ومن هؤلاء عمر بن الخطاب ﵁ وأرضاه، هذا الصحابي الجليل الذي تمثلت شخصيته في العدل والإنصاف والقوة والثبات والحلم والأناة، فعلى المسلم أن يقرأ سيرهم ليأخذ الدروس والعبر منها، وتكون له نبراساً في حياته.

стр. 749

مواقف من عدل عمر بن الخطاب إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. الإخوة الكرام! ما زلنا مع شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة للعلامة اللالكائي، في الكتاب الأخير، والكلام عن فضل صحابة رسول الله ﷺ . وما زلنا مع الخليفة الثاني - الفاروق - الذي فرق الله به بين الحق والباطل، ونصر الله به الدين، ورفع به رايته، الذي قال فيه النبي ﷺ : (لو سلك عمر فجاً لسلك الشيطان فجاً غير فج عمر)، وقد لقي عمر الشيطانَ في أحد جهات المدينة فتصارعا فصرعه عمر بن الخطاب ﵁ وأرضاه. فلنقف مع جوانب العظمة في شخصية هذا الخليفة الفذ الراشد ﵁ وأرضاه، فمن جوانب العظمة في شخصية الفاروق ﵁ وأرضاه؛ العدل البشري الذي بلغ المنتهى في الكمال بعد رسول الله ﷺ ، وبعد خليفته أبي بكر ﵁ وأرضاه، فالعدل صفة من صفات الله جل وعلا، والله جل وعلا يحب أن يرى آثار هذه الصفات بأن تظهر على عباده جل وعلا، فالله رفيق يحب كل رفيق، والله جميل يحب كل جميل، والله عدل يحب كل عدل، ويحب العدل في الأقوال، وفي الأفعال. عمر ﵁ وأرضاه ضرب لنا أروع الأمثلة في مسألة العدل، التي هي صفة من صفات الله جل وعلا، فقد تخلق بهذا الأثر في نفسه ثم في أهله ثم في رعيته حتى انتشر العدل في الرعية، وأروع هذه الصور ما شهد به الأعداء، فإنه لما دخل مبعوث الروم الكفرة يسأل عن قصر خليفة المسلمين -قصر عمر بن الخطاب - فقيل له: هذا أمير المؤمنين، وكان عمر بن الخطاب ﵁ وأرضاه يتوسد نعله تحت ظل شجرة، فذهب فوجد عمر بن الخطاب يتوسد نعله تحت ظل شجرة، فتعجب الرجل مندهشاً، ثم شهد بالفضل لهذا الفاروق وقال: يا عمر! حكمت، فعدلت، فأمنت، فنمت، يا لها من كلمات تحفظ في الصدور وتكتب بماء الذهب. فانظروا إلى عدل عمر ﵁ وأرضاه في عام الرمادة وفي غيره، فإنه كان لا يرتدي إلا اللباس العادي، وكان لا يرتقي ولا يتكبر على عباد الله جل وعلا، ولا يأكل إلا من أكلهم بل أدنى من أكلهم. وانظروا إلى قصة عبد الله بن عمر ﵁، فإنه بعد ما قتل أهل فارس وهدم الله عروش كسرى على يد عمر ﵁ كما سنبين في -إحدى المعارك في أراضي فارس- قبل القادسية أو عند القادسية، انتصر المسلمون وغنموا غنائم كثيرة، واشترى ابن عمر هذه الغنائم من أصحابها؛ لأنه عندما تقسم الأسهم فإن كل من أخذ الغنيمة يمتلكها، فله بعد ذلك أن يبيعها، أو أن يهديها، فاشترى ابن عمر من أصحاب الغنائم غنائمهم بأربعين ألفاً، وذلك من أجل أن يتاجر فيها، فلما أقبل على عمر سأله من أين لك هذا؟ قال: اشتريت الغنائم بأربعين ألفاً، قال: قام الناس فقالوا: عبد الله بن عمر صاحب رسول الله، وابن أمير المؤمنين، وأحب الناس إليه، قد أرخصوا لك فيه، والله لا تربح عليها إلا كما يربح التجار في قريش، درهم لكل درهم، فأخذ الغنائم فباعها بثمن كثير، ثم أعطاه درهماً على كل درهم، يعني: ثمانين ألفاً، ثم أخذ الباقي فبعثه إلى سعد بن أبي وقاص وقال: وزعه على الناس أو في مصالح المسلمين. مثال آخر من أمثلة العدالة أو العدل الذي انتشر في عصر عمر ﵁ وأرضاه، جاء قوم إلى عامل من عمال عمر فأكرمهم أيما إكرام، ثم أعطى السادة وترك الموالي، فبعث إليه عمر يبين له العدل والسوية، وأن لا فرق بين الناس إلا بالتقوى، كما قال الله جل وعلا: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات:١٣]، فلا فرق بين سيد وعبد، ولا فرق بين أبيض وأسود، ولا فرق بين عربي وأعجمي إلا بالتقوى، كان هذا هو ميزان العدل عند عمر، فبعث إليه فقال: بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم، فهلا ساويت بينهم؟ يعني: هلّا أعطيت كل واحد من السادة والعبيد ولم تفرق بينهم؟ وأروع من ذلك حادثة عمرو بن العاص حينما كان والياً على مصر، فتسابق ابنه مع قبطي، فسبقه القبطي، فغضب ابن عمرو وضربه بالسوط، وقال: خذها وأنا ابن الأكرمين، فعلم القبطي عدل عمر فذهب إليه يشتكي فقال: ضربني ابن الأمير، فبعث عمر بن الخطاب برسالة صارخة يوبخ فيها عمرو بن العاص ﵁ وأرضاه بكلمات شديدة، مع أن الشكوى جاءت من قبطي، فانظروا إلى سماحة الإسلام، إلى الحرية بحق، إلى العدالة بحق، إلى السماحة بحق، كتب عمر بن الخطاب ﵁ وأرضاه إلى عمرو بن العاص فقال: متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراًً؟ عزمت عليك أن تأتي أنت وولدك، فذهب عمرو بن العاص مذعوراً فأتى بابنه حتى مثل أمام الخليفة، وعنده القبطي، فلما أقر ابن عمرو بن العاص بما فعل، قام عمر بن الخطاب وقال للقبطي: قم، فقام القبطي فأعطاه الدرة أو السوط، وقال قل له: خذ وأنا ابن الأكرمين، واضربه، ثم قال لـ عمرو بن العاص: اخلع عمامتك، وقال للقبطي: اضربه على صلعته؛ لأنه أباح لابنه أن يضربك، ويتعدى حقه، وهذا فيه تأنيب وتعزير لـ عمرو بن العاص ﵁ وأرضاه؛ لأنه ترك المجال لابنه أن يضرب هذا القبطي، وإن كان تحت إمارته، وإن كان كافراً؛ لأن الظلم لا يقبل، فقال الرجل: قد أخذت حقي يا أمير المؤمنين، وهذه من أروع الصور التي تمثل عدل عمر ﵁ وأرضاه، ولو تكلمنا كثيراً عن عدل عمر لن ننتهي، ولكن هذه نبذ يسيرة من الصور التي تبين عظمة شخصية هذا الفاروق.

стр. 750

تعامله مع أهل الكتاب من جوانب العظمة في شخصية عمر: حسن تعامله مع أهل الكتاب، فإنه كان يعرف كيف يفرق بين الناس، ويتعامل بموازين الحق مع كل البشر، فتعامل مع أهل الكتاب على حسب نوعهم كما جاء في كتاب الله جل وعلا، فإنه قد قسم لنا أهل الكتاب إلى ثلاثة أقسام: قسم هم أهل حرب يقاتلون أهل الإسلام، ينفقون أموالهم ليلاً ونهاراً ليصدوا عن سبيل الله، يقاتلون من قال: لا إله إلا الله، يحاربون من ينشر دعوة الله جل وعلا، فهؤلاء جاء فيهم قول الله تعالى: ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة:١٤]، وقوله تعالى: ﴿وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ﴾ [البقرة:١٩١]، وقوله جل وعلا: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ﴾ [البقرة:١٩٣]، فهؤلاء لا ينفع معهم إلا السيف، ولا ينفع معهم إلا قطع الرقاب؛ لأنهم واجهوا الله جل وعلا، وواجهوا دين الله جل وعلا، وصدوا عن سبيل الله جل وعلا، وسنرى كيف تعامل معهم عمر ﵁ وأرضاه. القسم الثاني من أهل الكتاب: هم أهل ذمة وعهد، وهؤلاء هم قوم في بلادنا -في أرض الإسلام- وتحت أيدينا، فلهم خيار من ثلاثة خيارات: إما القتل، وإما الجزية، وإما الإسلام، فإن أبوا الإسلام وقالوا: نجلس تحت أيديكم، يحكم علينا شرع الله جل وعلا، وحكمكم نافذ فينا، وأنتم تقاتلون عنا، وندفع لكم الجزية، فهؤلاء هم أهل الذمة -أهل الجزية- يدفعون الجزية، ولهم شروط كما سنبين الشروط العمرية على أهل الجزية. القسم الثالث من أهل الكتاب: قوم هم أهل حرب على المسلمين، لكن طلبوا الأمان من أهل بلدة من بلاد الإسلام، مثل رخص الدخول من جوازات وفيز وغير ذلك مما يسمونه الآن، فهذا يعتبر عقد أمان لهم؛ لأنهم يدخلون بتصريح من ولي الأمر، فهؤلاء أهل أمان وليسوا أهل ذمة، وهم في الأصل أهل حرب، ولذلك فأمانهم لا بد أن يكون مؤقتاً لا على الديمومة، فهؤلاء يكون لهم الأمان؛ لأن النبي ﷺ قال: (المسلمون تتكافأ دماؤهم، وهم يد على من سواهم، ويسعى بذمتهم أدناهم)، فأقل واحد لا بد أن يوفي بهذه الذمة، لكن للمسلمين الاستفادة منهم، بأن يضربوا عليهم الأعشار، ويفرضوا عليهم الضرائب في تجارتهم، كما فعل عمر ﵁ وأرضاه.

стр. 751

تعامله مع المحاربين من أهل الكتاب ذكرنا أن أهل الكتاب ثلاثة أقسام، القسم الأول: قوم حاربوا دين الله جل وعلا، وهم حرب على أهل الإسلام، وأنفقوا ما لهم من أجل الصد عن سبيل الله، فهؤلاء كيف تعامل عمر معهم ﵁ وأرضاه؟ هؤلاء لا ينفع معهم إلا السيئ، هؤلاء لا ينفع معهم إلا الشدة، ولا نقول: هذا مناف ومضاد لسماحة الإسلام، أو للدين الحنيف، أو للرأفة التي أمرنا الله جل وعلا أن نتعامل مع الناس بها، ونحن نعلم أن أحب القلوب عند الله ألينها وأطيبها وأرحمها بالناس، ولكن تجاه من كفر بالله ورسوله، وحارب الله ورسوله والذين آمنوا، يجب ألا يكون في قلب المسلم لهم رحمة ورأفة، فإن النبي ﷺ كان هو الرحيم الرءوف، ومع ذلك كان يقاتل أهل الكفر، وأهل الزيغ والبطلان، فـ عمر بن الخطاب شد وطأته على أهل الكفر، ونصر الله به الإسلام، وبه رفعت راية لا إله إلا الله ترفرف خفاقة عالية في أرض فارس، وفي الجبهة الغربية، وقد هاجم الروم، وهاجم الفرس. أما نحو المشرق فمعارك طاحنة حدثت بين المسلمين -تحت راية عمر بن الخطاب - وبين أهل فارس، وأقوى هذه المعارك هي معركة القادسية، فهي المعركة الفاصلة بين راية الحق وراية الباطل، فهدم الله عرش كسرى على يد عمر بن الخطاب، حتى إن كنوز كسرى كلها جاءت إلى عمر بن الخطاب، فلما نظر إليها بكى وقال: قوم يؤدون هذه الكنوز إنهم لأمناء! فقال علي بن أبي طالب بعد ما بكى عمر: يا أمير المؤمنين! كنت عدلاً فكانوا كذلك، وكنت أميناً فكانوا كذلك، ﵃ أجمعين، ففي هذه المعركة كانوا قد تشاوروا أن يؤمر عليهم عمر، لعل الله أن يفتح عليهم، فقال عبد الرحمن بن عوف: ابق هنا يا أمير المؤمنين، إن حدث لك شيء فجع المسلمون بك، فأمر عليهم من ترى وتختار، فقال عمر: إذاً فاختار أنت، قال: ما هو إلا خال رسول الله ﷺ سعد بن أبي وقاص ﵁ وأرضاه، الذي كان يقول فيه النبي ﷺ : (ارم فداك أبي وأمي)، ولذلك قال علي بن أبي طالب: ما جمع النبي ﷺ أباه وأمه لأحد إلا لـ سعد بن أبي وقاص، وكان النبي ﷺ يقول (هذا خالي فليرني أحدكم من خاله) يعني: افتخاراً بهذا الخال، فقام عمر وكتب إليه: لا يغرنك قول الناس: هذا خال رسول الله ﷺ ، ولا يغرنك طاعتك، واعلم أنك تواجه قوماً أصحاب عدة وعتاد، وبينكم وبينهم الطاعة والمعصية، هم يعصون الله جل وعلا، فإن عصيتم الله استويتم في المعصية، وكانت الغلبة للأقوى، وهم الأقوى عدة وعتاداً، وإن التمست ما عند الله جل وعلا فإنما عند الله لا يؤخذ إلا بطاعته، فأنتم لا تقاتلون القوم بعدة ولا عتاد، وإنما تقاتلونهم بالإيمان، فأخذ سعد بن أبي وقاص بهذه النصيحة وجعلها نصب عينيه، ثم قال له: أرسل إليه بالوفود، لعل الله جل وعلا يهديه على يدك، فاختار أكثر من نقيب حتى تكون سفارة بليغة تذهب إلى رستم قائد الفرس، لعل الله جل وعلا يهدي قلبه إلى الإسلام، عملاً بقول النبي ﷺ (لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم)، فبعث إلى رستم، ربعي بن عامر، وما أروع ما قاله ربعي! ذكر أهل العلم أن رستم كان عنده الملك الكثير من الفرش الوفير والذهب، والقوارير والفضة، وكانت له السطوة على العرب والكلمة الكبرى عليهم، وكانت دولته أكبر قوة في العالم، فدخل ربعي ساخراً من هذه القوة والفخامة والقدرة، دخل عليهم ومعه سيف صغير ورمحه وبغلته، دخل يمزق برمحه هذه الفرش الوفيرة، وهم يتعجبون من جراءته، فمنعوه فقال لـ رستم: طلبتموني، فإن أردتموني دخلت بما أنا عليه وإلا رجعت أدراجي، فقال: اتركوه، فدخل بعزة الإسلام، وبقوة المسلم، ثم قطع وسادة وربط بغلته، ودخل بالسيف، فنظروا إليه وضحكوا وقالوا: ما هذا السيف؟! سيف صغير ماذا تفعل به؟ فنظر إليهم مزدرياً قولهم مبيناً قوة وثبات وجأش المسلمين، وقال لهم: سيف صغير أتقدم به في نحور الأعداء ولا أفر ولا أتأخر، فخاف القوم، ثم دخل على رستم، فقال له رستم وهو متعجب من حاله: من أنتم؟ وماذا تريدون؟ فقال بعزة المسلم: نحن عباد لله، ابتعثنا الله لنخرج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، كلمات توضع على الجبين، وتحفر على الصدور بماء الذهب، كلمات من رجل يلبس الرداء الرث، يسير ومعه السيف الصغير، لا عدة ولا عتاد، لكنها قوة كمنت في القلب، إنها قوة الإيمان والعقيدة. قال: نحن عباد لله، أهم عزة وأشرف عزة هي العبودية لله جل وعلا، لا أطأطئ رأسي ولا أتذلل إلا لربي جل وعلا، ولا أنصر إلا دين الله جل وعلا، قال: نحن عباد لله، ابتعثنا الله لنخرج عباد الله من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة، لك إحدى ثلاث خصال: إما الإسلام، فلك ما لنا وعليك ما علينا، ولك نصرتنا في الدين، وتخرج وترجع إلى بلادك أميراً على أصحابك، قال: ما الثانية؟ قال: تعطي الجزية عن يد وأنت صاغر، قال: وإن لم تكن هذه؟ قال: المنابذة، السيف بيننا وبينك، ثم بعدما رحل قام رستم فقال: أرأيتم ما يقول الرجل! تعجباً مما فعل وقال، فازدروا فعله وقوله، فدخل عليهم المغيرة فقال لهم مثلما قال ربعي، فعلم رستم أن هؤلاء القوم ليسوا بالهينين، بل لهم قوة، هذه القوة كامنة في الإيمان الذي يحملونه في قلوبهم. وحدثت الكرامات لهذا الجيش بفضل الله جل وعلا، فهم الطائفة المؤمنة التي تقاتل من أجل دين الله جل وعلا، وترفع راية لا إله إلا الله، ومن هذه الكرامات ما حدث معهم عند عبور البحيرة فقد كانت بينهم وبين جيش رستم بحيرة، فأخذ سعد يفكر كيف نصل إلى القوم؟ فقال لـ سلمان الفارسي: أنت الذي خططت للنبي الله ﷺ يوم الخندق، فانظر كيف نصل إلى هؤلاء؟ فقال: دعني أنظر، فدخل يبحث في القوم ليلاً، فوجد أصحاب الرايات الحقة قياماً يتلون كتاب الله جل وعلا، ويذكرون الله ويستغفرونه في السحر، ووجدهم فرساناً في النهار، كما قال عامل الروم لملك الروم: رأيتهم رهباناً بالليل، فرساناً بالنهار، فهم يأخذون بالسبب المادي مع وجود السبب الشرعي الذي هو الأصل الأصيل لهذه الأمة، فلما نظر سلمان إلى هؤلاء ورأى حالهم هذه قال لـ سعد: والله لقد رأيت هؤلاء رهباناً بالليل، فرساناً بالنهار، وقد رأيت قوم موسى أدنى من هؤلاء، وقد أمر الله البحر فانشق من أجل قوم موسى، وأنتم والله خير من قوم موسى، ويصنع الله لكم أفضل مما صنع لقوم موسى، فتوكل على الله بإذن الله، وشق البحر، فاقتنع سعد بكلام سلمان، وعلم أن الكرامات تنزل على أولياء الله الذين ينصرونه، وينصرون دينه، فقام سعد وركب فرسه، ثم نزل إلى البحيرة باسم الله، فكأنه يمشي على أرض صلبة، فقد جعل الله جل وعلا البحر كأنه أرض صلبة، ودخل الجيش وراء سعد حتى دخلوا على جيش كسرى وقتلوهم شر قتلة، وقتلوا رستم، وأعلى الله الدين بهؤلاء الذين نصروه، فنصرهم الله مصداقاً لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ﴾ [محمد:٧]، هذا شرط شرطه الله جل وعلا، فإذا تحقق الشرط تحقق المشروط ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ [محمد:٧]، ولذا فإن الله جمع كل كنوز كسرى للمسلمين عندما صدقوه ونصروه، ودخل بها الساعي إلى حجر الكعبة وقال: رجحت راية لا إله إلا الله على أرض فارس، هذا أول مشوار عمر وفتوحاته مع أهل الكفر الذين أنفقوا أموالهم صداً عن سبيل الله جل وعلا. أما في الجهة الغربية -نحو الشام- فإن الله فتح عليه الشام بما فيها القدس، وكذلك مصر، فبعد أن نصر الله المسلمين في أجنادين بقيادة عمرو بن العاص، ظهروا على بيت المقدس وحاصروها، وكان على بيت المقدس رجل من الروم لقبه أرطبون الروم، وكان داهية الروم، فقال عمر قولته المشهورة -كما قال أبو بكر: لأقطعن وساوس الشيطان عن الروم بـ خالد بن الوليد ﵁ وأرضاه -قال عمر: لأضربن أرطبون الروم بأرطبون العرب، وهو عمرو بن العاص ﵁ وأرضاه، فحاصر المدينة وتم حصار القدس، لكن أرطبون الروم بعث إلى عمرو بن العاص أو إلى أبي عبيدة -اختلفت الروايات- وقال: هذه المدينة لا تفتح إلا برجل واحد صفته عندنا الخليفة عمر بن الخطاب، فاستشار عمر الناس، فقالوا له: لا بد أن تذهب لعل الله يفتح على يديك هذه المدينة، فذهب عمر -الفاروق أمير المؤمنين الذي ملكه الله مشارق الأرض ومغاربها- على بعير واحد فقط هو ومولاه، يتناوبان على البعير، نوبة يمشي فيها عمر ويركب المولى، ونوبة يمشي فيها المولى ويركب عمر بن الخطاب ﵁ وأرضاه، حتى وصلا إلى بيت المقدس وكانت النوبة في المشي والأخذ بخطام البعير لـ عمر بن الخطاب، والمولى هو الذي يركب، فاستاء أبو عبيدة بن الجراح لما رأى هذا من عمر بن

стр. 752

تعامله مع أهل الذمة والشروط العمرية عليهم ذكرنا تعامل عمر ﵁ وأرضاه مع صناديد الكفر، الذين أنفقوا أموالهم ليصدوا عن سبيل الله، فكيف كان تعامل عمر مع الطائفة الثانية، التي قال الله جل وعلا فيها: ﴿لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ﴾ [الممتحنة:٨]، يعني: تحسنوا المعاملة معهم، وهم أهل الذمة، أو أهل الجزية، هؤلاء هم الذين رفضوا الإسلام، ولكن رضوا بدين الله جل وعلا أن يكون حاكماً عليهم، ورضوا أن يكونوا تحت قيادة المسلمين، وأن يدفعوا الجزية؟ عمر ﵁ وأرضاه وضع لهم مكانة، وبين لهم حدوداً يتعامل فيها المسلم معهم، فاشترط عليهم شروطاً أنقلها لكم إجمالاً، هذه الشروط هي: أباح لهم حرية العبادة؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الغَيِّ﴾ [البقرة:٢٥٦]، فأباح لهم أن يعبدوا الله جل وعلا على طريقتهم، لكنه منعهم من إظهار شعائرهم، فحرم عليهم أن يظهروا صليباً، أو يدقوا ناقوساً، أو يرتدوا زياً كزي المسلمين، وذلك حتى يتميزوا عن المسلمين، أيضاً لا يشربوا خمراً أو يبيعوها بين المسلمين، ولا يأكلوا خنزيراً علناً، لكن في بيوتهم لهم أن يفعلوا ذلك، وأن يعطوا الجزية وهم صاغرون. فهذه هي الشروط التي اشترطها عمر، والتي سميت بالشروط العمرية، ولا تحتاج إلى البحث عن أسانيدها؛ لأن الأمة تلقتها بالقبول، وشهرتها عالية جداً، قال الخلال في كتاب (أحكام أهل الملل): عن مسروق عن عبد الرحمن بن غنم قال: اتخذت لـ عمر بن الخطاب ﵁ وأرضاه حين صالح النصارى -أهل الكتاب- وشرط عليهم فيه أولاً: ألا يحدثوا في مدينتهم، ولا في ما حولها ديراً ولا كنيسة، ولا بيعاً ولا صوامع، إذاً أول شرط من هذه الشروط عدم الإحداث، يعني: تبقى الكنيسة التي كانت موجودة كما هي، لكن يمنعون من إنشاء كنيسة جديدة، ومن إنشاء صوامع بيع جديدة، وإذا هدمت الكنيسة القديمة لا تنشأ مكانها كنيسة جديدة؛ لأن هذا فيه إضمار للرضا بما هم عليه من كفر، فنقول لهم: تعبدوا بطريقتكم لكن لا تعلنوا بكفركم أمام المسلمين، وكل هذا فيه قمع للدين الباطل، وإظهار للدين الحق. الثاني: ألا يمنعوا أحداً من المسلمين من النزول في هذه الكنائس، وعليهم طعامهم وإيواؤهم، إذاً: إذا مر عليهم مسلم وجب عليهم ضيافته ثلاثة أيام، ويدخل المسلمون الكنيسة ويجلسون في ساحتها، ولهم أن يصلوا فيها، فهذا فيه جواز الصلاة في الكنائس، قال: ولا يئووا جاسوساً؛ لأنهم إذا آووا جاسوساً فقد انتقض عقد الصلح بيننا وبينهم. قال: ولا يؤذوا مسلماً؛ لأن أذى مسلم واحد تنتقض به الذمة، قال: ولا يكتموا غشاً، يعني: لا يضمروا غشاً للمسلمين، ولا يعلموا أولادهم القرآن، ولا يضمروا شركاً، ولا يمنعوا ذوي قرابتهم من الإسلام، ولا يردونهم إلى النصرانية. قال: وأن يوقروا المسلمين، وأن يقوموا لهم من مجالسهم، وإذا أراد المسلم الجلوس قام النصراني من مكانه وجلس المسلم، احتراماً لدينه، إذ إن النبي ﷺ قال (الإسلام يعلو ولا يعلى عليه). قال: ولا يتشبهوا بالمسلمين في شيء من لباسهم، والآن المسلم هو الذي يتشبه بالكافر، ولا حول ولا قوة إلا بالله! قال: ولا يتسموا بكنى المسلمين، ولا يركبوا فرساً، ولا يتقلدوا سيفاً، حتى لا يظهروا قوتهم، ولا يظهروا كبراً، ولا مكانة أمام المسلمين، ولا يبيعوا لحم الخنازير، وأن يشدوا الزنار على أوساطهم، ولا يظهروا شيئاً من كتبهم بين المسلمين، إلى آخر هذه الشروط التي اشترطها عمر بن الخطاب، وقد ضرب هذه الشروط، فإن اختل شرط واحد منها فقد انتقضت الذمة، وأصبحوا من المحاربين، ولا بد أن يبلغوا مأمنهم، ثم يشهر في وجوههم السيف.

стр. 753

تعامله مع أهل الأمان أما القسم الثالث: وهم أهل الأمان: فإن عمر تعامل معهم بأن أدخلهم على بلاد المسلمين تجاراً، ومنعهم من مكة والمدينة والحجاز، وأجلى يهود خيبر -كما بينا في فقه عمر - وفرض عليهم ضرائب، ونستفيد من هذا أنه يجوز أخذ المال من الكافر إذا كنت كفيلاً له في بلاد المسلمين، كما ضرب عمر بن الخطاب ﵁ وأرضاه الضرائب على أهل الكفر عندما مروا على ديار الإسلام يتاجرون ويستفيدون من أموال المسلمين، فللمسلم أن يستفيد منه بوجوده بعهد الأمان في البلاد الإسلامية.

стр. 754

وفاته ﵁ وأرضاه أختم حديثي هذا بالحديث عن وفاة عمر بن الخطاب ﵁ وأرضاه، فإنه قد تمنى الشهادة، ودعا الله كثيراً بهذا، وفي يوم استلقى على ظهره في البطحاء فقال: رب! قد كبر سني، وضعفت قوتي، وانتشرت رعيتي، اللهم اقبضني إليك غير مضيع ولا مفرط. هذه أمنية لأمير المؤمنين الذي ملأ الأرض صدقاً وعدلاً، وملكه الله مشارق الأرض ومغاربها، وقد تحققت نبوة النبي ﷺ حيث قال عندما اهتز أحد: (اثبت أحد، فإن عليك نبياً، وصديقاً، وشهيدين)، ويقصد بالشهيدين عمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان ﵃ أجمعين، وقد قتل شهيداً، قتله أبو لؤلؤة المجوسي بخنجر مسموم؛ لأنه اشتكى من المغيرة فقال له: اتق الله في مولاك، فغضب هذا المجوسي وأخذ خنجراً مسموماً، وقتل عمر في صلاة الفجر بعد أن كبر تكبيرة الإحرام، فقال عمر: قتلني الكلب، ثم استخلف عبد الرحمن بن عوف فصلى بالناس، فأخذه ابن عمر على فخذه فقال: دع وجهي، أو ضع خدي على التراب، لعل الله جل وعلا أن يرحمني، فلم يفعل، فقال: ويح أمك ضع خدي على التراب لعل الله جل وعلا أن يرحمني، ثم إنه عند موته لم يترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فقد دخل عليه رجل، فقال له عمر بن الخطاب ﵁ وأرضاه: يا بني ارفع ثوبك فإنه أنقى لثوبك، وأتقى لربك. وقال له ابن عباس: أبشر يا أمير المؤمنين، والله لقد كنت عدلاً وأميناً، ثم عدد فضائله، فقال: أتشهد لي بذلك عند ربك يوم القيامة؟ قال: والله أشهد بذلك، فقال عمر: ليتني خرجت منها لا لي ولا علي. ثم قال لـ ابن عمر: أحب ما يكون إلي أن تستأذن لي عائشة ﵂ وأرضاها، تقول لها: عمر بن الخطاب، ولا تقل: أمير المؤمنين، فلست الآن بأمير المؤمنين، فقال: قل لها: عمر يستأذن أن يدفن مع صاحبيه، فذهب ابن عمر إلى عائشة فسمعها تبكي على عمر ﵁ وأرضاه، فقال: يستأذن عمر بن الخطاب أن يدفن مع صاحبيه، فقالت عائشة: كنت أريد هذا لنفسي، فآثرت عمر بن الخطاب على نفسها، ووافقت، ودفن عمر بن الخطاب ﵁ وأرضاه مع صاحبيه. قال علي بن أبي طالب بعد أن مات عمر بن الخطاب: ما خلفت أحداً أحب إلي أن ألقى الله بمثل عمله منك، يعني: بمثل عمل عمر بن الخطاب، فايم الله إن كنت لأظن أن يجعلك الله مع صاحبيك، فإني كنت كثيراً ما أسمع النبي ﷺ يقول (ذهبت أنا وأبو بكر وعمر، ودخلت أنا وأبو بكر وعمر وجئت أنا وأبو بكر وعمر)، دعوت الله أن يحشرك مع صاحبيك، مع رسول الله ﷺ ، ومع أبي بكر ﵁ وأرضاه، فرحم الله الفاروق. وقبل أن يموت لم يستخلف أحداً من بعده؛ لأنه أراد ألا يكون العبء عليه، وقال: إن استخلفت فقد استخلف من هو خير مني - أبو بكر - وإن لم أستخلف فلم يستخلف من هو خير مني، وهو رسول الله ﷺ ، ثم جعل الأمر شورى بين الستة الذين مات رسول الله ﷺ وهو راض عنهم: عبد الرحمن بن عوف، وطلحة بن عبيد الله - طلحة الخير- والزبير بن العوام، وسعد بن أبي وقاص، وعلي بن أبي طالب، وعثمان بن عفان، وترك سعيد بن زيد مع أنه من العشرة المبشرين بالجنة؛ لأنه من ذوي القرابة، وأيضاً عبد الله بن عمر بن الخطاب لا يقل فضلاً عن هؤلاء الستة، لكنه لم يكتبه معهم؛ لأنه خشي عليه من تبعات هذه المسئولية، لكنه قال: يشهد المشورة عبد الله بن عمر، وإذا اختلفتم إلى ثلاثة وثلاثة، فـ عبد الله بن عمر يفصل بين الثلاثة، حتى وصلوا إلى الاتفاق على خلافة عثمان ﵁ وأرضاه.

стр. 755

الأسئلة السؤال كم قتل أبو لؤلؤة بعدما طعن عمر؟ وماذا حدث له بعد ذلك؟ الجواب لقد كان الخنجر الذي مع أبي لؤلؤة له رأسان، فبعدما قتل عمر بن الخطاب قام في الصفوف هائجاً وطعن به ثلاثة عشر شخصاً، فمات منهم سبعة، ثم قام بعض الصحابة الذين من ذوي المهارة فألقوا عليه ثوباً، فلما علم الخبيث أنهم سيمسكون به نحر نفسه بالسم فمات متردياً عليه من الله ما يستحق.

стр. 756

عدد من قتلهم أبو لؤلؤة المجوسي من المسلمين عندما قتل عمر السؤال كم قتل أبو لؤلؤة بعدما طعن عمر؟ وماذا حدث له بعد ذلك؟ الجواب لقد كان الخنجر الذي مع أبي لؤلؤة له رأسان، فبعدما قتل عمر بن الخطاب قام في الصفوف هائجاً وطعن به ثلاثة عشر شخصاً، فمات منهم سبعة، ثم قام بعض الصحابة من ذوي المهارة فألقوا عليه ثوباً، فلما علم الخبيث أنهم سيمسكون به نحر نفسه عليه من الله ما يستحق.

стр. 757

سبب قتل أبي لؤلؤة لعمر ﵁ السؤال ما أصل أبي لؤلؤة؟ وما سبب المشكلة التي أدت إلى قتل عمر؟ الجواب أبو لؤلؤة مجوسي الأصل، كان عبداً من موالي المغيرة بن شعبة، وكان سبب المشكلة أن المغيرة بن شعبة كان يطلب منه أن يعمل مقابل أربعة دراهم في اليوم، والباقي له؛ لأن العبد لا يملك فالمال مال لسيد. فاستثقل الأربعة الدراهم، فاشتكى إلى عمر، فقال له: اتق الله في مولاك، فغضب، وسارع في قتل عمر؛ لأن هذا كان قدراً مقدوراً.

стр. 758

حكم شرب الخمر وأكل لحم الخنزير بالنسبة لأهل الذمة في بلاد المسلمين السؤال ما حكم شرب الخمر وأكل لحم الخنزير بالنسبة لأهل الذمة في بلاد المسلمين؟ وماذا يفعل من رآهم يفعلون ذلك؟ وهل يجوز للمسلم أن يبيع الخمر والخنزير لهم؟ الجواب بالنسبة لشرب الخمر وأكل لحم الخنزير من قبل أهل الذمة؛ فإن كانوا يفعلون ذلك خفيةً في بلاد المسلمين دون أن يعلم المسلمون بذلك، فلا شيء عليهم في ذلك، وكذلك لا شيء عليهم في بيعها فيما بينهم دون إظهار ذلك بين المسلمين. أما إذا أظهروا ذلك بين المسلمين فهذا يعتبر نقضاً للعهد بيننا وبينهم. وبالنسبة إذا وجد المسلم أحدهم يشرب الخمر أو يأكل لحم الخنزير خفيةً، فيجب على المسلم أن يدعوه، ويبين له حرمة ذلك، وهذا من باب الإنقاذ للناس. وأما أن يبيع المسلم لهم الخنزير أو الخمر، فهذا لا يجوز في حال من الأحوال، والمال هذا مال محرم، ولذلك عمر بن الخطاب لما بعث إليه أبو موسى الأشعري: إن النصارى ما استطاعوا أن يدفعوا الجزية، لكن عندهم خمر، أفنأخذها منهم، ونأخذ المال؟ فقال عمر: لا، بل هم يتولون بيعها؛ لأنهم يستحلون ذلك، وأنتم تأخذون الثمن.

стр. 759

لا تؤخذ الجزية إلا من أهل الكتاب والمجوس فقط السؤال هل تؤخذ الجزية من أهل الكتاب فقط أم من جميع الكفار؟ الجواب هذه مسألة خلافية عريضة بين الفقهاء، والصحيح الراجح في ذلك: أن أهل الكتاب فقط هم الذين تؤخذ منهم الجزية، ودليل ذلك قول الله تعالى في سورة المائدة: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة:٢٩]، فقيد أخذ الجزية بالذين أوتوا الكتاب، ومفهوم المخالفة: الذين ليسوا من أهل الكتاب لا تؤخذ منهم الجزية، ويستثنى من ذلك المجوس، ومنهم أهل فارس، فقد كانوا مجوساً، وقد سئل النبي ﷺ -كما في السنن- عن المجوس فقال: (سنوا بهم سنة أهل الكتاب)، يعني: خذوا منهم الجزية كما تأخذونها من أهل الكتاب، أما الإمام مالك فيرى أن الجزية تؤخذ من جميع الكفار، وهو ما رجحه كثير من أهل العلم.

стр. 760

كيفية التعامل مع أهل الأمان من الكفار السؤال كيف نتعامل مع أهل الأمان من الكفار؟ الجواب يكون التعامل معهم بألا نعتدي عليهم، ولا نظلمهم، ثم بعد ذلك نتعامل معهم كما بين النبي ﷺ ألا نبدأهم بالسلام، وإن كانوا في الطريق فيضطرهم إلى أضيقها، وأيضاً إن استطعت ألا يكون مديرك أو المسئول عنك كافراً تفعل؛ لأن الإسلام يعلو ولا يعلى عليه، يعني: إن وجدت نفسك مثلاً في شركة كلها هندوس من الصغير إلى المدير، فأولى لك أن تذهب إلى شركة فيها مسلمون، ويكون مديرك مسلماً، فإنه سيراقب الله فيك، أما الكافر فإنه سيتربص بك الدوائر، يقول الله جل وعلا: ﴿لا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًّا وَلا ذِمَّةً﴾ [التوبة:١٠]، فهو إن استطاع أن يقطع دابرك سيقطعه، فالكافر يضمر لك في قلبه حقداً دفيناً. لكن لو عملت في شركة وهذه الشركة مديرك فيها كافر، أو صاحب لك زميلك في العمل كافر، فيجب عليك ألا تظلمه، وتؤدي له حقه، ثم تعامله بما أمرك النبي ﷺ بألا تبدأه بالسلام في حال من الأحوال، ولا تهنئه في عيد من أعياده الكفرية.

стр. 761

حكم تمكين المستأمنين من شرب الخمر وأكل لحم الخنزير السؤال هل يجوز لأهل الأمان أن يشربوا الخمر ويأكلوا لحم الخنزير في بلاد المسلمين؟ الجواب يجوز لهم ذلك، كما ورد في كلام عمر بن الخطاب أنه أباح لهم شرب الخمر وأكل لحم الخنزير، لكن يكون ذلك في بيوتهم، ولا يظهرون ذلك أو يعلنونه أمام المسلمين؛ لأن في إظهار ذلك أذية للمسلمين، ودعوة إلى ما حرم الله تعالى.

стр. 762

هل كان أبو لؤلؤة المجوسي مسلماً أم كافراً السؤال هل كان أبو لؤلؤة المجوسي مسلماً أم كافراً؟ الجواب ورد في بعض الروايات عن عمر أنه قال: الحمد لله الذي لم يجعل أجلي على يد أحد من أهل القبلة، وهذه الرواية تبين أن أبا لؤلؤة ليس من أهل الإسلام، لكن أنا أرجح أنه كان منافقاً؛ لأن أبا لؤلؤة المجوسي قتل عمر في المسجد بعدما أخذ عمر يسوي الصفوف، أي: أنه وقف خلف عمر، وعمر يراه وهو يسوي الصفوف، فهذا دليل على أنه من أهل النفاق. ثم نقول: إن كان كافراً -ولم يعلم بكفره أحد- فعليه ما يستحق على كفره، وإن كان قد أسلم ونافق فأيضاً عليه ما يستحق على نفاقه، لكن إن كان كافراً وظهر كفره، فهذا يبدأ الإشكال؛ لأنه كان في المدينة وفي المسجد النبوي، ورسول الله ﷺ قال: (أخرجوا اليهود والنصارى من جزيرة العرب)، وقد أخرجهم، فهل يجوز للمسلم أن يتخذ مولى نصرانياً فيدخل به المدينة ومكة؟ هذا فيه نظر، وتحتاج المسألة إلى تأمل ومراجعة.

стр. 763

كل من المسلمين واليهود والنصارى ينتظرون المسيح ولكن لكل منهم اعتقاده السؤال هل يجوز إطلاق كلمة (مسيحي) على النصراني؟ الجواب من الخطأ إطلاق هذا اللفظ على النصراني؛ لأن المسيحي معناه: أنه تابع للمسيح ﵇، وهم ليسوا كذلك في الحقيقة، لكن لو قصد بها مآلهم أنهم أتباع المسيح الدجال، فهذا قد يكون له وجه؛ لأنهم حقاً أتباع المسيح الدجال، واليهود كذلك. ومن العجب أن الأمم الثلاث كلها تنتظر المسيح: المسلمون واليهود والنصارى، وكل من اليهود والنصارى يؤمنون بمعركة هرمجدون التي تحدث في آخر الزمان، وينتصرون فيها على المسلمين حسب زعمهم، كما يؤمنون بأن هذه المعركة لا تكون إلا قبيل نزول المسيح، والمسيح لن ينزل إلا بعد بناء الهيكل، وهذه من عقائدهم التي حرفوها في التوراة والإنجيل، فلذلك هم يمهدون لإسرائيل بناء الهيكل حتى ينزل عيسى الذي ينتظرونه، وهو عند النصارى عيسى المخلص، عيسى الرب، وبه سوف ينتصرون على من سواهم، والحقيقة أنه سوف ينزل يقتلهم، ولا يقبل منهم أي شيء غير الإسلام. واليهود ينتظرون عيسى كذلك، عيسى الذي بشر به موسى، لكنهم لا يعتقدون أن عيسى بن مريم هو الذي بشر به موسى، فهم لا يزالون ينتظرون عيسى الذي بشر به موسى حتى يخرج المسيح الدجال، فإذا خرج أصبحوا من أتباعه؛ لأن الشيطان سوف يلبس عليهم بأن هذا هو المسيح الذي بشر به موسى ﵇. فانظروا كيف أضل الله النصارى عن المسيح، وأضل اليهود عن المسيح، وهدى الله هذه الأمة من كمال رحمته، وكمال منته عليها، هداها إلى مسيح الهدى، فإننا ننتظر مسيح الهدى -عيسى بن مريم ﷺ فإنه سوف ينزل على جناح ملك، ثم تلتق حوله الطائفة المؤمنة، ويقوم بملاحقة المسيح الدجال، ثم يقتله بالرمح، ويخلص البشرية منه، ثم يوحى إليه أن الله جل وعلا أخرج قوماً لا قبل لكم بهم، فيذهب إلى جبل الطور فيخرج يأجوج ومأجوج. فالمقصود أن الأمة الإسلامية تنتظر مسيح الهدى، والأمة النصرانية التي أضلها الله عن مسيح الهدى ينتظرون الرب المخلص -كما يزعمون-، واليهود ينتظرون المسيح الدجال الأعور، فأتباع الأعور هم اليهود ومعهم النساء.

стр. 764

الفواحش محرمة في جميع الأديان السؤال هل الخمر والزنا حلال عند اليهود؟ الجواب لا يوجد نص مكتوب عندهم بأن الزنا حلال، حتى في التوراة المحرفة لا يوجد ذلك، فالزنا عندهم حرام، وكذلك الخمر، حسب علمي والله اعلم، ولكن أهواءهم هي التي قادتهم إلى تحليل ذلك.

стр. 765

الربا عند اليهود حرام بينهم حلال مع الناس -حسب زعمهم - السؤال هل الربا محرم عند اليهود؟ الجواب اليهود عندهم الربا محرم، لكنهم جعلوه محرماً فيما بينهم، وحلالاً على الناس، يعني: أنهم يتعاملون مع الناس بالربا لكي يحصلوا على المال منهم، لكنه فيما بينهم يعتبر حراماً لا يجوز!

стр. 766

نقض العهد من قبل الذمي أو صاحب الأمان السؤال إذا قام الذمي أو صاحب الأمان بنقض العهد، فما العمل معه؟ الجواب إذا نقض العهد بأن خالف شرطاً من الشروط، كأن اعتدى على مسلم، والنبي ﷺ قال: (المسلمون تتكافأ دماؤهم)، فنقول له: أنت قطعت أمانك وعهدك، ويقوم ولي الأمر بإبلاغه مأمنه، وهو المكان الذي يأمن فيه على ملكه، ثم بعد ذلك إذا أعلن علينا الحرب أعلنا الحرب عليه، وبهذا نكون غير ظالمين له. أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.

стр. 767

شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة - جوانب العظمة لعمر بن الخطاب جوانب العظمة في شخصية الفاروق عمر بن الخطاب ﵁ كثيرة، وقد ذكر العلماء كثيراً منها في كتب التواريخ والسير، فعلى المسلم أن يعرف عظمة هذا الخليفة، وأن يقتدي به.

стр. 768

فضل عمر بن الخطاب ﵁ إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. ثم أما بعد: نتكلم بإذن الله عن جوانب العظمة في شخصية عمر بن الخطاب، كما سلف أن تكلمنا عن جوانب العظمة في شخصية أبي بكر ﵁ وأرضاه، وسنتكلم في جزئية مهمة، هذه الجزئية هي التي تتضمن ما نريد، ألا وهي جزئية تعامل عمر ﵁ وأرضاه مع أهل الكتاب، وهذه عظمة من جوانب العظمة في شخصية عمر سنبينها بإذن الله بالتفصيل، وسنذكر كيف كان يعامل عمر النصارى واليهود من أهل الكتاب. ونبدأ نتكلم عن أمير المؤمنين الفاروق الذي فرق الله به بين الحق وبين الباطل، والذي قال عنه النبي ﷺ : (إن عمر إذا سلك فجاً سلك الشيطان فجاً غير فج عمر). عمر ﵁ وأرضاه القوي الحاكم الرقيق اللين، عمر بن الخطاب الذي لم تلد النساء مثل عمر، الذي قال فيه ابن مسعود: ما علمنا العزة إلا بعد إسلام عمر ﵁ وأرضاه. عمر عنوان للمكانة والعظمة والدقة والقوة والرقي والسمو في جوانب الحياة كلها في الدنيا والآخرة. عمر ﵁ وأرضاه قال عنه علي بن أبي طالب ﵁: علته مهابة لم تعل أحداً، ولم أرها على أحد مثل عمر، وقال: كنا نسير خلفه فإذا نظر خلفه وقعت قلوبنا في أرجلنا، والذي يقول هذا هو حيدرة، أشجع الشجعان علي بن أبي طالب ﵁.

стр. 769

تواضع عمر عمر كان كله تواضع، ولن ترى تواضعاً مثل هذا التواضع، فتواضع عمر من جوانب عظمة شخصية هذا الرجل الفاروق ﵁ وأرضاه. ويوم الجمعة يوم مشهود، ويوم عيد ضيعه كثير من الناس، هذا اليوم الذي فيه ساعة إجابة لا يردها الله جل وعلا أبداً، ومن آداب يوم الجمعة: أن يغتسل المرء، والغسل فيه من السنن المستحبة على الراجح عند الفقهاء، ويرتدي إما ثياباً جديدة أو ثياباً نظيفة، فـ عمر ﵁ نظف ثيابه في يوم جمعة وارتدى ثياباً نظيفة؛ ليصلي بالناس، فهو أمير المؤمنين، ثم ذهب قاصداً المسجد، وكان للعباس ميزاب وذُبح له فرخان في ذلك اليوم، فصب الماء ووافى نزول الماء قدوم عمر ﵁ وأرضاه، فنزل الماء المخلوط بالدم على ثياب عمر، فأمر عمر بقلع الميزاب، ثم رجع إلى بيته فغير ثيابه، ثم قام خطيباً في الناس، فبعدما انتهت الخطبة قام العباس وقال: يا أمير المؤمنين إن هذا الميزاب -أي: الذي أمرت بقلعه- ما وضعه إلا رسول الله ﷺ ، فقام عمر فقال: عزمت عليك لتركبن ظهري، ولأحملنك فوق ظهري، ولتضعن الميزاب مكان ما وضعه رسول الله ﷺ ، فعل هذا أمام الجماهير من رعيته تواضعاً. فأي تواضع هذا تجده في أمير المؤمنين حاكم البلاد، وهو الذي فتح مشارق الأرض ومغاربها؟! ومع ذلك لما قال له العباس: إن هذا الميزاب وضعه رسول الله، قال: لتركبن على ظهري ولتضعنه في موضعه الذي وضعه رسول الله ﷺ . ومن تواضع الفاروق الذي ما أتت النساء بمثله: أنه خرج في يوم شديد الحر، فالتفع بثوبه وغطى بثوبه رأسه، فوجد غلاماً على حمار، فقال: يا غلام! تحمل مثلي خلفك؟ انظروا إلى التواضع، فلو أن حاكم البلاد رأى رجلاً بسيارة وقال: استأذنك أن تحملني معك؟ فسيترك الرجل السيارة ويترك كل شيء، بل يقبل يده أن يركب هذه السيارة، أما عمر ﵁ وأرضاه فقال للغلام: يا غلام! أستأذنك أن تردفني خلفك؟ فأردفه الغلام خلفه ومشى الغلام بالحمار وعمر خلفه، والناس في المدينة ينظرون إلى تواضع هذا الأمير الكريم الذي كان نبراساً لكل أمير، فرضي الله عنه وأرضاه. وأيضاً من تواضعه ﵁ وأرضاه: أنه مر بالمدينة فأوقفته امرأة فقالت: إيه يا عمر! كنت في مكة تلعب مع الصبيان صغيراً تدعى عميراً، ثم كبرت فدعوت عمر، واليوم إيه يا عمر! يقال لك: أمير المؤمنين، فاتق الله في الرعية يا عمر! فهذه امرأة عجوز تشد وطأتها على عمر وتقول له: إيه يا عمر! اتق الله في الرعية، ثم وعظته ونصحته في الله، فلما وعظته أغلظت له في القول، فقام عامله وقال: يا امرأة! اتقي الله، أما تعرفين من تكلمين؟ فقال: اسكت أما تعرفها؟ هذه المرأة هي: خولة التي سمع الله مقالتها من فوق سبع سماوات، أما يسمع مقالتها عمر؟ وانظروا إلى تواضعه لربه جل وعلا قبل أن يتواضع لهذه المرأة، فرضي الله عنه وأرضاه، فإن من تواضعه ما يؤلف فيه الكتب. وهذا جانب من جوانب العظمة في شخصيته ﵁ وأرضاه. ومرة قام رجل فقال لـ عمر: يا عمر! أو يا أمير المؤمنين، إنك أقوى الناس في الحق، وأشد الناس في الصدق، وأشد الناس على المنافقين، والله يا عمر! ما رأينا خيراً منك بعد رسول الله ﷺ ، فقام عوف بن مالك منتفضاً فقال: كذبت والله! فاندهش القوم! قال: بل رأينا من هو خير من عمر، أو قال: كذبت، والله! لقد رأينا بعد رسول الله، فقالوا: من هو؟ قال: أبو بكر، فقام عمر متواضعاً يعطي لكل قدره ويضع الشيء في نصابه، فقال: والله! لقد صدق عوف بن مالك وكذبتم أنتم، كان أبو بكر ﵁ وأرضاه أطيب من ريح المسك، وكان عمر أضل من بعير أهله! يعني: أن أبا بكر أسلم قبله، فقال هذا تواضعاً منه؛ ليعرف كل إنسان مقدار غيره.

стр. 770

اهتمام عمر ﵁ برعيته من جوانب عظمة عمر ﵁ وأرضاه اهتمامه بالرعية، فقد حمل على كاهله شئون رعيته، فهو أمير المؤمنين، والإمارة ليست تشريفاً، بل هي تكليف، وكثيراً ما كان عمر يقول: وددت أن أخرج منها كفافاً لا لي ولا علي، وكثيراً ما كان يقول: ضع خدي على التراب عل الله يغفر لي. فانظروا إلى مبادئ عمر وهو أمير المؤمنين كيف يهتم بشئون الرعية، وهو من قال: قوام الحياة الآمنة وقوام العزة وقوام الكرم لا يكون إلا في نصاب الدين، فصب اهتمامه على الأمر الديني، ثم الأمر الدنيوي. ومن شئون الدولة التي كان يهتم بها عمر جداً: دين الناس، ولذلك قال: لن تنتصر أمة ولن ترتقي أمة ولن يكشف عنها الغمة إلا بالدين، والدين لا يصل الإنسان إليه إلا بالعلم والتعلم، فلذلك نجد عمر ﵁ وأرضاه اهتم اهتماماً كبيراً بالمدارس الفقهية والحديثية والعلم، حتى ينتشر العلم في الأمصار والبلاد، فكان يعظم أهل العلم، ويخرج للناس عظماء لهم القدر الأعلى، حتى يأتسي الناس بهؤلاء ويأخذون منهم العلم، فيرتقون عند ربهم جل وعلا، ويأمنون في الدنيا، ويصلون إلى رضا الله جل وعلا في الآخرة. وكان أهم ما كان يشغل عمر ﵁ وأرضاه أن ينصب من هو أهل ليعلم الناس، فبعث في الأمصار الصحابة الكرام، وتأسست مدرسة الكوفة ومكة والبصرة، المدارس الفقهية المختلفة كلها كان على رأسها صحابة رسول الله ﷺ باهتمام عمر ﵁، وكان يبين للناس أن طلب العلم هو أفضل شيء يمكن أن نرتقي به، فكان يقول: المرء يتحمل ذنوبه ثم يذهب إلى مجالس العلم فيرجع كيوم ولدته أمه، أو كما قال ﵁ وأرضاه، والمعنى: أنه إذا جلس في مجلس علم يرجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه، فرضي الله عن عمر وأرضاه.

стр. 771

اهتمام عمر ﵁ بالتوحيد اهتم عمر بالعلم وقال: أهم العلوم التي يرتقي بها المرء التوحيد؛ إذ إن العقيدة السليمة هي التي يصل بها المرء إلى الله وإلى جناته دون أدنى حساب، فالتوحيد هو أهم العلوم التي لابد أن ينصب الاهتمام عليه؛ لأن التوحيد أشرف العلوم، وشرف العلم من شرف المعلوم، ولا أحد أشرف من الله جل وعلا، فـ عمر ﵁ وأرضاه انبرى ليحافظ على توحيد الله، فقد بعث عمرو بن العاص إلى مصر ونظر إلى العقائد الخربة وحبال الشرك فقطعها، وسد الذرائع عن الشرك، وقد كانت تنتشر في مصر عقائد خربة جداً، هي العقائد الفرعونية التي مازال كثير من الناس يتغنى بها ويفتخر بها. فـ عمر لما بعث عمرو بن العاص لفتح مصر وفتحها، جاء أهل مصر إلى عمرو بن العاص فقالوا له: عادتنا كل عام في شهر معين أنه بعدما تمر عشرة أيام من هذا الشهر نأتي ببنت فنزينها أحسن الزينة، ونلبسها أحسن الثياب بالحلي والذهب، ثم تلقى في النيل، حتى يجري النيل ولا يحدث الجفاف فيه، فبين عمرو بن العاص أن هذا من الشرك، وأن هذه عقائد خربة لابد أن تقطع، وقال: لا تفعلوا هذا، فلما سمعوا له وأطاعوا ابتلى الله صدقهم فحدث الجفاف، ولم يجر النيل، فبعث عمرو إلى عمر مستشكلاً، وقال: القصة كذا وكذا وكذا، فقام عمر فأثنى على عمرو بن العاص ﵁ وأرضاه؛ لأنه بين لهم العقيدة الصحيحة، ثم كتب بطاقة وكتب كتاباً على هذه البطاقة، وقال لـ عمرو بن العاص: إذا وصلت هذه البطاقة فألقها في النيل، ففتح البطاقة فوجد فيها التوحيد الخالص الذي يبين أن العبودية هي رأس الأمر، وجد فيها: من عبد الله عمر بن الخطاب إلى نيل مصر، وأما الذين يتغنون به ويقولون: مصر هبة النيل، فهذا شرك محض، وهذا من الألفاظ التي لابد أن تعدل في أفراد المسلمين، فمصر هي هبة الله جل وعلا، والنيل هبة الله، والذي يهبنا الحياة هو الله جل وعلا، والذي يهبنا الرزق هو الله جل وعلا النافع الضار. فـ عمر ﵁ وأرضاه انبرى ليحقق كامل التوحيد، فقال: من عبد الله عمر بن الخطاب إلى نيل مصر، إن كنت تجري بأمرك فلا تجر ولا حاجة لنا بك، وإن كنت تجري بأمر الواحد القهار فنسأل الله أن يجريك. هذا هو التأسيس الصحيح للعقيدة، فالنيل لا يملك شيئاً، ولا أحد يملك شيئاً، وأنا وأنت لا أحد منا يملك لأحد شيئاً، حتى كبيري في العمل لا يملك لي شيئاً، بل لا يملك لنفسه شيئاً، ولا أحد في هذه الدنيا يملك لأحد شيئاً، لا دول تتحكم في مقدرات الناس، ولا أشخاص ولا جماعات ولا طوائف، فالله جل وعلا هو النافع الضار، وهو المعز المذل، ولذلك قام عمر يؤكد أصول التوحيد التي إذا أثرت في القلوب انتهى الظلم، وارتقى المرء وارتفع عند ربه جل وعلا، وتحققت كل الأماني، فقال مخاطباً النيل: إن كنت تجري بأمرك فلا حاجة لنا بك، وإن كنت تجري بأمر الله فنسأل الله جل وعلا أن يجريك، وما إن ألقيت هذه البطاقة إلا وأجرى الله النيل عشرة أذرع وكثر كثرة لم يعهدها مثلها؛ كرامة لتحقيق التوحيد من عمر ﵁ وأرضاه، وهذه القصة مشهورة جداً، وما ذكرتها إلا لشهرتها، وفي إسنادها ابن لهيعة وهو مختلف في تجريحه وتوثيقه. ومن جوانب حب عمر للتوحيد وسده ذرائع الشرك: أنه كان إذا طاف بالكعبة مضى إلى الحجر فقبله، ثم قال: والله إني لأعلم أنك حجر لا تنفع ولا تضر. حتى يظهر للناس أن النافع الضار هو الله، وأن المعز المذل هو الله جل وعلا، فقال: إني لأعلم أنك حجر لا تنفع ولا تضر، ولكني رأيت رسول الله ﷺ يقبلك فقبلتك، فقعد قواعد عظيمة في التوحيد: أما الأولى فهي قاعدة مهمة في قلوب الناس: فإن النافع الضار هو الله جل وعلا، فابتهل لربك وتذلل إلى ربك ولا تعتقد إلا في ربك، لا تعتقد في البشر، فهم لا ينفعونك ولا يضرونك. القاعدة الثانية: التسليم التام لأوامر الله جل وعلا، فإذا أمر الله بالسجود لبشر نسجد للبشر؛ لأن الله أمر به، كما أمر الله الملائكة بالسجود لآدم مع أن السجود لا يكون إلا لله، لكن كان السجود امتثالاً لأمر الله جل وعلا، وإذا أمر الله جل وعلا بتقبيل الحجر فيقبل الحجر إرضاءً لله جل وعلا. أيضاً من مظاهر حب الفاروق للتوحيد: أنه كان بعض التابعين يريدون التبرك بشجرة موقعها من أهم المواقع، وهذه الشجرة هي التي حدثت عندها بيعة الرضوان، وذلك لما أنبئ النبي ﷺ بأن عثمان ﵁ قد قتل، فبايعهم على الموت، وأنزل الله جل وعلا: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ [الفتح:١٨]، فكان كثير من التابعين وكثير ممن يعرفون فضل هذه الشجرة يذهبون فيصلون عند هذه الشجرة، فأراد عمر ﵁ أن يقطع دابر الشرك؛ لأن هذا من باب التبرك الممنوع. فالتوحيد مهم جداً، والله! ما ننتصر إلا بالتوحيد، ولا نرتقي إلا بالتوحيد، ولا ترفع عنا الغمة إلا بالتوحيد: لأن الله جل وعلا ما أنزل الكتب إلا للتوحيد، وما أرسل الرسل إلا للتوحيد، والله ما رفع علم الجهاد إلا للتوحيد. واليهود لعنة الله عليهم جميعاً هم الذين وضعوا الشرك وأسسوه في الأمم، وقد كان المشركون يتبركون بشجرة، ويقولون: النصر من عندها، فقال بعض الصحابة الذين كانوا حديثي عهد بالجاهلية: (يا رسول الله! اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط، فقال لهم الرسول ﷺ : الله أكبر! قلتم مثلما قال أصحاب موسى لموسى: ﴿اجْعَل لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ [الأعراف:١٣٨])، فبين أن هذا من الشرك، فـ عمر كان يخشى من ذلك، وكان يعلم أن النبي ﷺ حرج على الصحابة، وقال: (الله أكبر! قلتم مثلما قال أصحاب موسى لموسى: ﴿اجْعَل لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ [الأعراف:١٣٨]) فقطع هذه الشجرة وقطع دابرها حتى لا يتبرك بها؛ إعلاناً لكلمة التوحيد، فرضي الله عن الفاروق الذي حافظ على جناب التوحيد. ومن جوانب العظمة لهذا الشخص العظيم: أنه عزل خالداً أيضاً؛ حفظاً لجناب التوحيد، فإنه لما تولى الخلافة بعث إلى خالد يعزله من إمارته، فلما عوتب: كيف تغمد سيفاً سله رسول الله، بل سله الله جل وعلا قبل أن يسله رسوله ﷺ ؟ فاعتذر للناس بوجاهة، وبعلم دقيق وفقه عالٍ، فقال: رأيت الناس قد افتتنوا بـ خالد. يعني: لأنه ما في معركة دخل فيها خالد إلا وجعل الله النصر على يديه حتى في الجاهلية. ففي غزوة أحد كان خالد ﵁ وأرضاه سبب الهزيمة للمسلمين، قال: فأردت أن يعلموا أنه بصنيع الله لا بصنيع خالد، فعزله حماية للتوحيد حتى لا يفتتن به الناس.

стр. 772

اهتمام عمر بعبادات الناس ومن جوانب العظمة في شخصية عمر أنه اهتم بعبادات الناس بعدما اهتم بالتوحيد الخالص؛ لأنهم لن يصلوا إلى ربهم جل وعلا إلا بتوحيد خالص ولن يرتقوا عنده إلا بتوحيد خالص، فاهتم بعبادات الرعية واهتم بالدين؛ فإن الدين هو الذي يأتي بالنصر، وكان صلاح الدين الأيوبي يمر على جنوده فينظر: إن رآهم في قيام الليل وقراءة القرآن وذكر الله قال: من هنا يأتي النصر، وإن مر عليهم فوجدهم يمرحون ويلعبون قال: من هنا تأتي الهزيمة، وما من قائد عسكري كان من لدن الخلافة التي جابت مشارق الأرض ومغاربها إلا كان يهتم بالعبادة. وإذا نظرنا في انتصاراتهم ومحصنا النظر وقرأنا في التاريخ نرى أنه لا يمكن أن ينتصر إلا أن يُعْبِّد الناس لله جل وعلا، ثم يذهب بعد ذلك إلى القتال، والله جل وعلا يجعل النصر لأهل الإسلام، فكان يقول: عبادة الناس هي التي تأتي بالتمكين للحق، وبالنصر للحق، فكان يهتم بأهم العبادات وبالركن الرصين والأصل الأصيل لهذا الدين وهو الصلاة، ويضرب عليها، ويضرب على الخشوع فيها، بل جمع الناس لصلاة التراويح، ولما نظر إلى المسجد ووجده يؤمه رجل واحد، ووجد الناس يصلون مع هذا الإمام، قال: نعمت البدعة هي، ويقصد بذلك المعنى اللغوي. وكان يضرب على الخشوع وكان هو يخشع بلسان الحال، فمرة صلى بالناس في الفجر فقرأ من سورة يوسف حتى وصل إلى قول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَشْكُوا بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾ [يوسف:٨٦] فبكى بكاءً شديداً حتى سمع نحيبه من آخر الصفوف، فرضي الله عنه. وكان يعدد الطرق للعبادات، فلعبادة الحج كان من المسارعين، فقد حج مع الناس عشر سنوات، وعلم الناس مناسك الحج، وفي الزكاة وفي الصوم كان يحث الناس على الزكاة، ونشر الدواوين، وكان يهتم بإبل الصدقة، وهو الذي أمر بوسم إبل الصدقة ليميزها عن غيرها.

стр. 773

اهتمام عمر بأحوال رعيته الدنيوية كانت اهتمامات عمر بن الخطاب لرعيته بأمر دينهم أهم شيء، فإذا تولى الإمارة قال: دين الناس أولاً، ثم دنيا الناس ثانياً، فلما اهتم بدين الناس ورأى الناس قد أتموا هذه العبادات بدأ في الاهتمام بأمر دنياهم، وأمر الدنيا هي: معاملات، فكان يدخل السوق ومعه الدرة ينظر إلى الباعة فيقول للبائع: تعلمت فقه البيوع؟ فإذا قال له البائع أو المشتري أو التاجر: لا، ضربه بالدرة وقال: وقعت في الربا لا محالة. وكان دائماً يذكر الناس بحديث النبي ﷺ : (يا معشر التجار، إن التجار يوم القيامة يأتون فجاراً إلا من صدق وبر)، فمر على رجل قد غش اللبن، جعل مع اللبن الماء، فأراق كل اللبن تعزيراً له، ولذلك استند العلماء الذين يقولون بجواز التعزير بالمال إلى فعل عمر ﵁ وأرضاه. وكان يحث الناس على التجارة، يقول: اتجروا في الأموال حتى لا تحتاجوا إلى مثل هؤلاء، فلا تحتاج إلى كافر، أو تحتاج لرجل أقل منك أو أدنى منك، فيقول لأصحاب الوجاهات: اتجروا بهذه الأموال، فاهتم بالمعاملات، واهتم بنشر فقه البيوع ﵁ وأرضاه حتى تسلم دنيا الناس. وكان يأمر عماله أن يعلموا الناس فقه البيوع، ودخل الأسواق فوجد الاحتكار فمنع الاحتكار، ومنع الغش، ولم يسعر، إذ إن النبي ﷺ قعد هذه القاعدة لما قالوا له: (سعر لنا، قال رسول الله ﷺ : إن الله هو المسعر، وإني أرجو أن آتي يوم القيامة وليس لأحد عندي مظلمة).

стр. 774

حراسة عمر ﵁ لرعيته من اهتمامه برعيته أنه كان يحرسهم ليلاً مع أن الحراسة كانت للشرطة، وهي التي لها الحسبة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لكن عمر كان هو الذي يحرس رعيته ﵁ وأرضاه، ويضرب أروع الأمثلة في الحفاظ على الرعية، فكان يعس ليلاً، يدور ليحرس الرعية، وكان من ثمار هذا الحفظ من عمر بن الخطاب ﵁ وأرضاه: أنه كان يسد الخلة عن الناس ويحفظ الأعراض. فقد مر ليلاً ببيت فسمع امرأة تتكلم وتقول: ألا سبيل إلى خمر فأشربها أم هل من سبيل إلى نصر بن حجاج؟ فاندهش من هذا البيت الذي يدعو للريبة من امرأة مسلمة تطلب كأساً من خمر أو تطلب رجلاً يسمى نصر بن حجاج، فلما أشرق الصبح قال: ائتوني بـ نصر بن حجاج، ففتشوا المدينة حتى أتوه بـ نصر بن حجاج، يقول الراوي: فرآه أصبح الناس وجهاً -أي: أجمل الشباب- وأحسنهم شعراً، فقال له -حفظاً على الأعراض-: احلق شعرك، فحلق شعره فوجده أجمل مما كان، فقال له: تعمم، فصار أجمل مما كان، فقال: ستفتتن النساء بمثل هذا الرجل، فبعدما وجد الجمال منه في كل حالة أمر بأن يرحل إلى البصرة حيث الجهاد؛ حتى لا يهتم بنفسه ولا تفتن به النساء، عمل هذا حفظاً على رعيته. وأيضاً: مر ذات ليلة على امرأة فسمعها تقول بعدما أرخى الليل سدوله: تطاول هذا الليل واسود جانبه وليس إلى جنبي ضجيع ألاعبه فوالله لولا الله تخشى عواقبه لحرك من هذا السرير جوانبه فرأى امرأة تشتاق إلى رجل وتقول: سيتحرك السرير لولا تقوى الله جل وعلا، فخشي على رعيته من الزنا، فسأل عمر بن الخطاب ﵁ وأرضاه عن صاحب هذا البيت، فقالوا: هذا البيت لفلان، وسأل عن زوجته فبعث إليها، وقال لها: سمعت منكِ كذا وكذا، ما بالك تقولين هذا؟ فبينت له أن زوجها قد ابتعد عنها أشهراً عديدة ولم تستطع الصبر، فذهب إلى حفصة -وهنا أخذ الفقهاء قاعدة في بعد الرجل عن زوجته- فقال: يا ابنتي! ما المدة التي تحتمل فيها المرأة البعد عن زوجها؟ فطأطأت رأسها حياءً من أبيها، قال: عزمت عليكِ أن تقولي، فقالت: أربعة أشهر، فحددت أن الرجل لا يبتعد عن امرأته أكثر من أربعة أشهر، ومع أن الجهاد ذروة سنام الإسلام، لكن عمر أراد أن يحافظ على رعيته ويحافظ على دينهم، فكتب: لا يغزون أحد فوق أربعة أشهر، ولا تخرج سرية فوق أربعة أشهر، فعل كل هذا حفاظاً على الرعية. وأيضاً: لما كان يعس ليلاً جاءت رفقة فنزلت بالمصلى، فقال لـ عبد الرحمن بن عوف: ما رأيك أن نبيت نحرسهم؟ قال: نعم، فذهب معه عبد الرحمن، فسمع عمر بن الخطاب بكاء طفل، فذهب إلى أمه قال: يا امرأة! أما تتقين الله في هذا الطفل أو هذا الصبي؟ وتركها وذهب، حتى إذا كان آخر الليل وهو ما زال يسمع البكاء فذهب إليها فقال: والله! إنكِ أم سوء، كيف لا تتقين الله في هذا الصبي؟ فقالت: يا رجل! إليك عني، إني أشغله عن الرضاع ولا ينشغل، قال: فلمَ لا ترضعينه؟ قالت: فطمته، قال: ولم تفطميه؟ فقالت: إن عمر لا يكتب الفرض -أي: لا يعطي عطاء بيت مال المسلمين- لكل مولود في الإسلام إلا إذا فطم، فـ عمر بن الخطاب حدد العطاء للذي يفطم، فكانت بعض النساء التي ترضع ابناً تفطمه قبل الحولين حتى تأخذ المال، فقال لها: لا تفطميه، ثم صلى بهم الصبح، وبعد أن صلى بكى بكاءً شديداً، ثم قال: ابعثوا في الأمصار: كل مولود فطم أو لم يفطم فله حصة كذا وكذا، ثم قال: يغفر الله لـ عمر كيف قتل أولاد المسلمين، أو كم قتل من أولاد المسلمين؟ فهذا من باب حفظه على رعيته وعدله معهم ﵁ وأرضاه. وكان أيضاً يعس ليلاً، ومن فوائد هذه الحراسة ليلاً أنه سمع امرأة تقول لابنتها: ضعي على اللبن الماء، فقالت: يا أماه! اتقي الله، أما علمتِ أن أمير المؤمنين قد حرج على ذلك أو حرم هذا؟ فتحريم الأمير إن كان لا يخالف الشرع يجب اتباعه، فقالت: قد حرم أمير المؤمنين ذلك، فقالت لها: أين أمير المؤمنين الآن؟ فقالت البنت: إن كان أمير المؤمنين لا يرانا فإن رب أمير المؤمنين يرانا! فأعجب عمر بذلك، وزوجها بابنه، فخرج من هذا النسل الخليفة الخامس عمر بن عبد العزيز ﵁ وأرضاه ورضي الله عن الصحابة أجمعين.

стр. 775

ورع عمر ﵁ وخوفه كان دأب عمر في رعيته حفظ دينهم أولاً بالتوحيد، ثم بالعبادات، ثم بالمعاملات، ثم حفظ أعراضهم، وحفظ أموالهم. وارتقى حفظ عمر وانشغاله بالرعية من بني آدم إلى الحمير والغنم والإبل، فبعدما حفظ رعيته من بني آدم قال: الإبل والبهائم لها علينا حق، فما ترك حق البهائم، وهو الذي قال الكلمة المشهورة التي كل مسلم دائماً يلوكها في فمه، وهي: لو عثرت دابة في العراق لسئل عنها عمر. ويقال: إن عمر نظر إلى جمل فوجد عليه إعياءً وعرقاً شديداً، فأخذ يده على ذفره وقال: اسكن اسكن، أخشى والله! أن يسأل عمر عنك! واشتهى عمر مرة سمكاً طرياً، فقال لعامله: اشتهيت السمك، فذهب يبحث له عن السمك وبقي ليلتين ذهاباً وإياباً حتى أتاه بالسمك، فشق على الجمل، فقال: ذهبت تأتي بهذا السمك ليلتين على هذا البعير؟ قال: نعم، قال: عذبت بعيراً من أجل شهوة بطني، والله! لا آكله أبداً، وحرمه على نفسه طاعة لله جل وعلا. وكان يرفق كثيراً بإبل الصدقة، وكان هو الذي يعاملها، فقد دخل عليه رجل فوجده يسم إبل الصدقة -أي: يميزها عن غيرها من الإبل بعلامة- فقال: يغفر الله لك يا أمير المؤمنين! أما كان عبد من عبيد الصدقة يقوم بذلك عنك؟ فقال له عمر بن الخطاب: أو عبد غيري؟ يعني: أن حق الأمير على الناس أن يكون لهم خادماً. فرضي الله عن عمر ورضي الله عن الصحابة أجمعين، وهذه جوانب من باب جوانب العظمة في شخصية هذا الرجل الفذ الذي يعد أمة وحده.
следующие страницы →