← Акыда

Акыда · id 37436

شرح كتاب الإبانة من أصول الديانة

حسن أبو الأشبال الزهيري

Полный текст (1 366 стр.). Показаны 1051–1090 · переход к 1056.

стр. 1051

حديث أبي سعيد الخدري: (لا عليكم ألا تفعلوا) [وعن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ : (لا عليكم ألا تفعلوا ذاكم، إنما هو القدر، يعني: العزل)]، أي: إن شئتم فاعزلوا أو لا تعزلوا، فإن ما قدره الله لهذا الماء سيكون.

стр. 1052

حديث أنس: (لو أن الماء الذي يكون منه الولد) [وعن أنس أن رسول الله ﷺ سئل عن العزل فقال: (لو أن الماء الذي يكون منه الولد يبيت على صخرة لأخرج الله منه ولداً، ليخلقن الله كل نسمة هو خالقها)]، أي: لو أراد الله لماء أو لنطفة أن تخلق ولداً لابد أن تكون، ولو ألقاها صاحبها على صخرة ملساء؛ لأن الله تعالى قادر على كل شيء.

стр. 1053

حديث جابر بن عبد الله: (سيأتيها ما قدر لها) [وعن جابر بن عبد الله ﵄ قال: (أتى النبي ﷺ رجل من الأنصار فقال: يا رسول الله! لي جارية -أمة- أفأعزل عنها؟ قال: سيأتيها ما قدر لها)]، أي: سواء عزلت أو لم تعزل. قال: [(فذهب، ثم جاء فقال: يا رسول الله! ألم تر إلى الجارية التي سألتك عنها فإنها قد حبلت)]، أي: حملت حملها. [قال: فقال رسول الله ﷺ : (ما قدر الله لنفس أن تخرج إلا وهي كائنة)]؛ أي: لابد أن تكون كائنة. فكم من امرأة وضعت لولباً وحملت مع وجود اللولب، بل نزل الوليد وهو آخذ باللولب في يده قابض عليه، وكم من إنسان كان يحرص ألا يكون له ولد فمنع الحمل سنة وسنتين وثلاثاً وأربعاً وعشراً ثم فوجئ بأن امرأته تأتي في البطن الواحد باثنين وثلاثة وأربعة، وتفعل ذلك مرتين أو ثلاثاً، وكأن الله ﵎ قد جمع لها ما قد فرقته في الأعوام الماضية، فالحرب مع الله تعالى لا تصلح أبداً.

стр. 1054

تقدير الله تعالى وخلقه للخير والشر [قال الشيخ: فجميع ما قد ذكرته لك واجب على المسلمين معرفته، والإيمان به، والإذعان لله ، والإقرار له بالعلم والقدرة، وأنه ليس شيء كان ولا هو كائن إلا وقد علمه الله قبل كونه -أي: قبل أن يكون، فالله تعالى علمه في الأزل- ثم كان بمشيئة الله وقدرته، فمن زعم أن الله شاء لعباده الذين جحدوه وكفروا به وعصوه الخير والإيمان به والطاعة له، وأن العباد شاءوا لأنفسهم الشر والكفر والمعصية، فعملوا على مشيئتهم في أنفسهم واختيارهم لها خلافاً لمشيئته فيهم، فكان ما شاءوا ولم يكن ما شاء الله، ومن قال ذلك فقد زعم أن مشيئة العباد أغلب من مشيئة الله]. أي: من يتصور أن الكفر وقع منه على مشيئته وليس على مشيئة الله، وأن المعصية وقعت منه بمشيئته وليست على مشيئة الله، وأن الطاعة والإيمان وقع منه بالخيار وبمشيئته دون مشيئة الله وقدرته وإرادته فقد كفر بالله ؛ لأن الله تعالى على كل شيء قدير، ولا يكون في كونه إلا ما أراد وقدر وشاء من خير وشر، وكما أن الله تعالى خلق الخلق فهو كذلك خالق الشر، لكنه خلق الشر ونهانا عنه ولم يرضه لعباده، ولا يرضى لعباده الكفر، فهو سبحانه قد نهانا عنه وحذرنا منه، ولأهله خلق النار، لكن كما قلنا فإن كثيراً من الناس يفرقون بين إرادة الله ومشيئته الشرعية الدينية التي مبناها على المحبة والرضا، والمشيئة والإرادة الكونية القدرية التي تضم الخير والشر، إذ ما من خير على الأرض إلا وقد أراده الله وقدره وشاءه مشيئة شرعية دينية وأحبه وأمر العباد به، وأما ما يقع في الأرض من شر فلا يقع إلا بمشيئة الله، لكن بمشيئته الكونية القدرية، وليس بلازم أن الله تعالى يحبها، بل من الأفعال التي تقع في الأرض بمشيئته الكونية القدرية منها ما هو خير ومنها ما هو شر، فلا تبنى المحبة أو فلا تبنى المشيئة الكونية القدرية على المحبة. وإنما فيها ما يحبه الله، وفيها ما يبغضه الله من الكفر وسائر المعاصي، لكنه لا يكون في الكون إلا ما أراد الله وقدر، ولا يفهم أحد من هذا الكلام أن الله تعالى إذا كان قد قدر الخير والشر، وجبر الخلق عليه، وقهرهم على فعل الشر والتلبس بالكفر، إذاً فلم يعذبهم ولم يعاقبهم؟ هذا الكلام من أبطل الباطل، وقد رددنا عليه مرات، لكننا نذكر به دائماً حتى لا يدور في خلدات أحد من السامعين أن الله تعالى قدر المعصية على العبد، وجبره وقهره عليها، وأن العبد مسلوب الإرادة، وقد قلنا من قبل في الجواب عن هذا السؤال أو على هذا الوهم: أن الله تعالى له مشيئة، وللعبد مشيئة، فهو ليس مسلوب الإرادة، قال تعالى: ﴿تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ﴾ [الأنفال:٦٧]، فأثبت في هذه الآية للعبد إرادة، وقال تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ﴾ [التكوير:٢٩]، فأثبت في هذه الآية أن للعبد مشيئة، على خلاف وقع بين أهل العلم: هل المشيئة هي الإرادة أو أنهما شيئان مختلفان؟ ليس هذا أوان بحثه، وقد بحثناه من قبل أيضاً. لكن الله تعالى خلق الشر ونهانا عنه، وأرسل الرسل، وأنزل الكتب، وجعلنا عقلاء مميزين وعفا عن المجانين والنائمين والناسين أصحاب الأعذار، والله تعالى لا يحاسب إلا من وقع تحت طائلة التكليف، ومعنى أن الله تعالى قدر علي الشر أو قدر علي المعصية: أنه علمها أزلاً فكتبها في اللوح المحفوظ، والتقدير هنا بمعنى العلم والكتابة، والله تعالى أذن في خلقها وفي إيجادها، فالله تعالى أذن فيها خلقاً وإيجاداً، واكتسبها العبد فعلاً وعملاً. فهذا معنى أن الله تعالى أراد وقدر الشر، أي: أنه علمه أزلاً قبل أن يخلق السماوات والأرض، وكتب ذلك في اللوح المحفوظ.

стр. 1055

الرد على الذين يزعمون أن الله تعالى لم يخلق الشر ولم يرده قال: [ومن قال ذلك فقد زعم أن مشيئة العباد أغلب من مشيئة الله، وأنهم أقدر على ما يريدون منه على ما يريد، فأي افتراء على الله يكون أكثر من هذا؟! ومن زعم أن أحداً من الخلق صائر إلى غير ما خلق له وعلمه الله منه، فقد نفى قدرة الله عن خلقه]، أي: لو علم الله أن عبده فلان سيعمل خيراً وطاعة في المكان الفلاني في الساعة الفلانية، فإنه لو أراد ألا يعمل هذه الطاعة لما استطاع؛ لأنه سبق في علم الله أنه سيعمل. فلما علم الله تعالى أن عبده سيسلك عمل الطاعة يسرها وقدرها له، وأذن في خلقها ووجودها، والعبد هو الذي باشرها وهو الذي عملها، فإذا أراد العبد شيئاً غير ما أراد الله لا يقدر، وإذا شاء العبد شيئاً ما شاءه الله له لا يقدر، بل لابد أن تنفذ مشيئة الله تعالى، وعلم الله تعالى وقدرة الله تعالى في عبده مهما حاول العبد معاكسة ذلك ومخالفة ذلك والإتيان بنقيضه، فإن العبد لا يستطيع أن يغير أبداً. قال: [ومن زعم أن أحداً من الخلق صائر إلى غير ما خلق له وعلمه الله منه، فقد نفى قدرة الله عن خلقه، وجعل الخلق يقدرون لأنفسهم على ما لا يقدر الله عليه منه، وهذا إلحاد وتعطيل وإفك على الله ، وكذب وبهتان، ومن زعم أن الزنا ليس بقدر]. أي: ومن زعم أن الزنا يقع من العبد بغير قدر الله ومشيئته الكونية القدرية فقد أخطأ؛ لأن الله قدرها أن تقع في الكون، ومعنى قدرها، أي: علمها من عبده قبل أن يخلقه، وقبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة، وقبل أن يخلق هذه النسمات، علم أن عبده فلان ابن فلان سيزني بفلانة في المكان الفلاني في الساعة الفلانية، فلما علم الله تعالى ذلك منه كتبه في اللوح المحفوظ، وبالتالي فلابد أنه واقع منه. ولا يعني ذلك جواز الاحتجاج بالقدر على المعصية كما قلنا من قبل؛ لأن الاحتجاج بالقدر على المعاصي سبيل أهل البدع، والاحتجاج بالقدر على المصائب والنوازل سبيل المؤمنين، فإذا نزل بك مرض أو علة أو آفة أو يقتل ولدك أو غير ذلك، كل هذا إذا سألك أحد فقل: قدر الله وما شاء فعل. أما أن تزني وتقتل وتسرق وغير ذلك، ثم يقال لك: لم ذلك؟ فتقول: قدر الله وما شاء فعل! فتحتج بالقدر على المعصية، هذا سبيل أهل البدع، وكما رجحنا من قبل أنه لا يجوز الاحتجاج بالقدر على المعصية إلا بعد التوبة منها، أما قبل التوبة فهذا مسلك أهل البدع. قال: [ومن زعم أن الزنا ليس بقدر، قيل له: أرأيت هذه المرأة التي حملت من الزنا وجاءت بولدها، هل شاء الله أن يخلق هذا الولد؟]، مع أنه نتاج من الزنا، فهل هذا الولد خلق بمشيئة الزاني أم بمشيئة الله ؟ [وهل مضى هذا في سابق علم الله أم لا؟] أي: هل سبق في علم الله أن فلاناً سيزني بفلانة، وأنها ستحمل منه ذكراً أو أنثى؟ الجواب نعم، [وهل كان في الذرية التي أخذها من ظهر آدم؟]، وذلك لما أخرج الله تعالى ذرية آدم من صلب آدم فقال: ﴿وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ﴾ [الأعراف:١٧٢]. وهذا هو الميثاق الأعظم الذي أخذه الله تعالى على عباده لما استخرجهم كالذر من ذرية آدم، ووضع بعضهم أو قسماً منهم في يمينه، وجعل القسم الآخر في يده الأخرى وهي اليمين كذلك، وكلتا يديه يمين ، فهل ترون أن هذا الولد من الزنا ممن أخرج من صلب آدم وأخذ الله تعالى عليه الميثاق، أو أنه لم يخرج؟ والميثاق الذي أخذه الله تعالى على بني آدم قوله: ((أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى))، أي: شهدوا بالربوبية والألوهية في وقت واحد. و الجواب أن هذا الولد من الزنا لما أخرج الله ذرية آدم من صلب آدم كان فيهم، ومن أخرجه من الميثاق فيلزمه أن يأتي بدليل ولا دليل، إذاً: فلابد من القول: بأن هؤلاء قد خرجوا من صلب آدم، وأخذ الله عليهم العهد والميثاق، وحينئذ فلابد أن نقول: بأن هذا الولد سبق في علم الله أنه سيكون، وأن الله تعالى قدر له ذلك، وشاء له أن يخلق في بطن أمه من هذا الماء الهدر، ولما كان كل ذلك لابد أن نسأل أنفسنا: هل استطاع هذا الزاني أن يزني بتلك الزانية على غير مراد الله وعلى غير مشيئة الله، أم أن ذلك وقع بمشيئة الله؟ لا يستطيع أحد في الكون أن يتحرك حركة، أو إذا كان متحركاً أن يسكن سكنة إلا بمشيئة الله، سواء كان ذلك من أهل الطاعة أو من أهل المعصية، وهذه سنة التدافع الكونية القدرية في الكون بين الخير والشر. وما كان يصلح أن يخلق الله جميع الخلق مؤمنين، وما كان يصلح كذلك أن يخلق جميع الخلق كفاراً وملحدين، بل لابد أن يكون هناك إيمان وكفر، خير وشر، حق وباطل، حتى تقوم سنة التدافع بين الخلق، ولا تحلو الحياة إلا بهذا، وهذا أعظم ميدان وأفسحه لطلب الجنة، أي: أن يوجد مع الإيمان كفر، ومع الخير شر، ومع الحق باطل، حتى ترفع راية الجهاد فيؤخذ من يؤخذ من أهل الإيمان بناصيته إلى جنة عرضها السموات والأرض، إنه م

стр. 1056

إقدام العبد على المعصية والذنب بإرادته وبقدر الله قال: [وعن يونس بن بلال، عن يزيد بن أبي حبيب أن رجلاً قال: (يا رسول الله! يقدر الله علي الذنب ثم يعذبني عليه؟ قال: نعم، وأنت أظلم)]، ولو أجابه بـ (نعم) فحسب لدار في نفس السائل أن هذا ظلم، وأنتم تعلمون أن الظلم صفة نقص، والله تعالى منزه عن كل صفات النقص، إذ إنه متصف بكل صفات الكمال . فحذار أن تظن أن الله تعالى قد جبرك على المعصية، وأنه الذي اختارها لك، بل أنت الذي اخترتها، فلما اخترتها وسلكت سبيلها، وإن كان ذلك قبل أن تخلق، وقبل أن تكون نطفة، لكنه سبق في علمه أن ذلك سيكون منك، فأذن في وقوعها منك، وكلمة: (أذن في وقوعها منك)، أي: أراد الله تعالى لها أن تقع في الأرض، وأن تكون في الأرض، أما الذي باشرها فهو العبد، وهو أظلم.

стр. 1057

الزنا بقدر وشرب الخمر بقدر والسرقة بقدر قال: [وعن ابن عباس قال: (الزنا بقدر، وشرب الخمر بقدر، والسرقة بقدر)]. وبالتالي فجميع المعاصي تقع بقدر، وليس معنى ذلك أن الله تعالى يحب الزنا، أو أن الزنا يقع في الكون رغماً عنه، أو أن جميع المعاصي في الكون تقع رغماً عن الله، فلو أراد السارق أن يسرق وما أراد الله له السرقة فهل يسرق؟ لا والله أبداً، ولو أن رجلاً أراد أن يسرق خزينة في محافظة المنصورة مثلاً، واتخذ الأسباب المعينة له على ذلك، وتهيأ وأخذ العدة والمطارق وغيرها ووضعها في حقيبة، وركب السيارة ونزل حتى صار عند باب الخزينة، لكن الله تعالى علم ذلك منه أزلاً فصرفه عن ذلك، وكتب أنه مصروف عن السرقة في اللوح المحفوظ، فهل يمكن أن تقع منه السرقة؟ وما الذي سوف يحصل؟ إنه سيرجع القهقرى، حتى وإن تمكن من سرقة الأموال فإنه سوف يدعها وينصرف؛ لأن الله قد كتب له هذه الخطوات فقط في طريق المعصية، لكن الله تعالى قدر له وعلم أزلاً أنه لن يأخذ مال غيره حتى وإن قطع بعض الأشياء إلا أنه سوف يتوقف عند البعض الآخر ويرجع، وربما يكون هذا باباً من أبواب التوبة. وتعلمون المرأة التي كانت في أمس الحاجة إلى الدريهمات لكي تطعم أولادها أو تنفي عنها فقرها، فقد سلكت كل سبيل للحصول على ما تقتات به، وما وجدت إلا أن تطلب من ابن عم لها أو قريب لها، فخيرها بين أن يمنعها أو أن يعطيها على أن تمكنه من نفسها، ففعلت حتى جلس بين شعبها الأربع. والواحد منا أيها الإخوة الكرام! إذا تصور هذا المنظر قال: لابد من وقوع الزنا، لكن هذه المرأة قالت له كلمة حولت مساره من شرير عاص لله منتهك للحرمات إلى رجل طائع يخاف الله تعالى، قالت له: اتق الله ولا تفض الخاتم إلا بحقه، فانصرف عنها -وقد أعطاها الدراهم والدنانير- لما خالط قلبه بشاشة الإيمان، وترك المال مستغفراً وتائباً إلى الله ، فانظروا إلى هذا الرجل لم يكن بينه وبين المعصية إلا قاب قوسين أو أدنى، ثم انصرف عنها. فهل تعتقدون أن ما حدث منه لم يكن يعلمه الله قبل خلق السموات والأرض، ولم يكتبه الله قبل خلق السموات والأرض؟ بل قد علم الله تعالى ذلك وكتبه؛ إذ إن كل شيء يقع في هذا الكون من خير وشر إنما هو بقدر الله ، فالزنا بقدر، وشرب الخمر بقدر، أي: بعلم وكتابة، وأن الله تعالى علم ذلك وقدره وكتبه. قال: [وعن عمرو بن محمد قال: جاء رجل إلى سالم بن عبد الله فقال: الزنا بقدر؟ قال: نعم، قال: قدره الله علي ويعذبني عليه؟ قال: فأخذ له سالم الحصباء]. وكان هذا منهج السلف، فقد كان إذا ذكر القدر أمسكوا، وإذا ذكر أصحاب محمد ﷺ أمسكوا، وإذا ذكر النجوم أمسكوا كما جاء ذلك في الأثر، ولذلك الصحابة ﵃ ما كانوا يؤثرون أبداً الخوض في باب القدر؛ لأنهم يعلمون أن القدر هو سر الله تعالى في خلقه، فكانوا يمسكون إذا ذكر القدر، فهذا سالم بن عبد الله بن عمر يسأله رجل: الزنا بقدر؟ فيجيبه بـ (نعم)، فيعترض الرجل ويقول: إذاً فلم يعذبنا الله على أمر قدره علينا؟! فأخذ سالم حصيات من الأرض يريد أن يلقيها في وجهه؛ لأنه سوف يبدأ الخوض في باب عظيم من أبواب الإيمان؛ إذ إن الإيمان يدل على مكنون القلب وعلى الإيمان بالغيب، والإيمان بالغيب لا نقول فيه: لم كذا؟ وكيف يعذب الله الأموات في قبورهم؟! ولم يعذب الله الأموات في قبورهم؟ وكيف خلق الله الجنة؟ وكيف خلق النار؟ وكيف الصراط؟ وكيف مرور الناس على الصراط؟ وكيف وكيف وكيف؟ إن كل مسائل الغيب يحرم على المؤمن أن يقول فيها: لم؟ وكيف؟ لأن مسائل الإيمان في الغالب مسائل ابتلاء؛ لينظر الله تعالى هل يؤمن بها العبد أم لا؟ فقد قال النبي ﵊: (ليس في السماء موضع قدم)، وفي رواية: (موضع أربع أصابع إلا وفيها ملك ساجد أو قائم أو راكع)، فتصور هذا الأمر، ويقول النبي ﵊: (ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم، إلا نزلت عليهم السكينة)، فلا يأتي شخص يقول: نحن جالسون في مجلس علم، وأنا أريد أن أرى هذه السكينة، يا أخي! هل أنت محتاج لأن ترى السكينة؟ قال: (وغشيتهم الرحمة وحفتهم الملائكة)، فهل تعتقدون أن الملائكة معنا الآن، ويسمعوننا ويحضرون هذه المجالس؟ إن من لم يؤمن بذلك فقد رد على الله تعالى أمره، ورد على الله تعالى خبره، وكذلك رد على الرسول ﵊. وهذا لابد أن يراجع إيمانه، بل أن يراجع إسلامه، وقال النبي ﵊: (إن لله ملائكة سياحين في الأرض، حتى إذا مروا بحلق الذكر)، أي: بحلق العلم، (نادى بعضهم على بعض: ألا هلموا، فيجتمعون فيعلو بعضهم بعضاً حتى يبلغوا السماء الدنيا)، فتصور لو أن فوقنا ملائكة تحفنا بأجنحتها -نسأل الله الرحمة والرضوان- وفوقهم طبقة أخرى من الملائكة، ثم ثالثة، ث

стр. 1058

العزل وما يتعلق به من تقدير الولد قال: [وعن أبي سعيد الخدري قال: (أصبنا نساء يوم خيبر)]، أي: أسرنا نساء يوم خيبر، [(فكنا نعزل عنهن ونحن نريد الفداء)]، أي: كنا نريد أن نرجع هؤلاء النساء ونأخذ عليهن مالاً، وذلك حتى لا يخرج الولد كافراً يتربى في غير أحضان والديه، فسألوا رسول الله ﷺ عن ذلك فقال: [(ليس من كل الماء يخلق الولد)]، بل من أقل شيء من الماء، قال: [(وإن الله إذا أراد شيئاً لم يمنعه شيء)]، أي: حتى وإن عزلتم فإن الله تعالى لو قدر أن يخلق من هذا الماء ولداً لكان ذلك. قال: [وعن إبراهيم النخعي قال: كانوا يقولون: النطفة التي قدر منها الولد لو ألقيت على صخرة لخرجت تلك النسمة منها]. لأن الله تعالى قدر لها أن تكون.

стр. 1059

باب العزل وأحكامه عند أهل العلم والمصنفين باب العزل في الحقيقة باب عظيم، وله في الاعتقاد ميدان فسيح، كما له كذلك في باب الفقه ميدان فسيح، ولذلك منهم من يذكر أحاديث العزل في أبواب الاعتقاد كـ ابن بطة، ومنهم من يذكرها في أبواب الطلاق أو النكاح أو الرضاع أو يخصها بباب حكم العزل كما فعل مسلم والبخاري. أما مسلم فقد أخرجه في كتاب الطلاق، وأما البخاري فقد أخرجه في كتاب النكاح، وهذا أبو سعيد الخدري ﵁ يقول: (سألني أبو صرمة فقال: يا أبا سعيد! هل سمعت رسول الله ﷺ يذكر العزل؟ فقال: نعم، غزونا مع رسول الله ﵊ غزوة بني المصطلق، فسبينا كرائم العرب -أي: أعظم نساء العرب- فطالت علينا العزبة ورغبنا في الفداء، فأردنا أن نستمتع ونعزل، فقلنا: نفعل ورسول الله ﷺ بين أظهرنا لا نسأله! فسألنا رسول الله ﷺ فقال: لا عليكم ألا تفعلوا)، أي: إن شئتم استمتعتم وإن شئتم تركتم، إن شئتم عزلتم وإن شئتم أفرغتم ماءكم في أرحام هؤلاء، قال: (ما كتب الله خلق نسمة هي كائنة إلى يوم القيامة إلا ستكون)، ومفهوم المخالفة: وإذا قدر الله لها ألا تكون فلن تكون، بل لو اجتمع أهل الأرض على ذلك، وفي رواية: (فإن الله كتب من هو خالق إلى يوم القيامة)، وفي رواية: لما سئل النبي ﵊ عن العزل قال: (لا عليكم ألا تفعلوا، فإنما هو القدر).

стр. 1060

روايات أبي سعيد الخدري في العزل قال: [وعن أبي سعيد قال: سئل النبي ﷺ عن العزل فقال: (لا عليكم ألا تفعلوا ذاكم، فإنما هو القدر)، قال محمد بن سيرين: وقوله: (لا عليكم) أقرب إلى النهي]. أي: مثل ما يقول رب العالمين: ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف:٢٩]، فهذه الآية جاءت على سبيل التهديد، وليس على سبيل التخيير، أي: أن ربنا يخيرنا بين من أراد أن يؤمن فليؤمن، ومن أراد أن يكفر فليكفر، وإنما الله يهددنا ويتوعد، وكذلك قوله هنا: (لا عليكم ألا تفعلوا)، أي: تريدون أن تعزلوا اعزلوا، لكن والله لو أراد الله بما عزلتم أن يخلق فلابد أن يكون ذلك، فـ ابن سيرين ﵀ فهم من قوله ﵊: (لا عليكم): النهي؛ لأنها تدل عليه من باب الإشارة لا من باب صريح العبارة. [وعن أبي سعيد قال: (ذكر العزل عند النبي ﷺ فقال: وما ذاكم؟ -أي: ماذا تقصدون بالعزل؟ - قالوا: الرجل تكون له المرأة ترضع فيصيب منها)]، أي: يا رسول الله! امرأتي ترضع ولو أني جامعتها حملت، والعرب كانوا يعدون لبن الحامل مضراً بالولد، فنحن نعزل في أثناء الرضاع مخافة أن تحمل المرأة. قال: [(الرجل تكون له المرأة ترضع فيصيب منها، ويكره أن تحمل منه، والرجل تكون له أمة فيصيب منها، ويكره أن تحمل منه)]؛ لأن الأمة لو حملت كان ولدها تبعاً لها في الرق، وربما تكون كافرة من أهل الكتاب يهودية أو نصرانية، وكفر أهل الكتاب بالإجماع لا على القول الراجح! إذاً: الذي دفعنا يا رسول الله! إلى أن نعزل أمران: الأول: أن هذه امرأتي الحرة ترضع، وأنا لو أصبت منها حملت، فكان في ذلك المضرة على الرضيع، الثاني: أن الواحد منهم تكون له أمة ويريد أن يستمتع بها، لكنه يخشى أن تحمل فيتبعها ولدها في الرق، وهذا أمر لا يشرف صاحب النطفة، أو أنه إذا حملت الأمة صارت أم ولد، ومن أحكام أم الأولاد أنها لا تباع ولا تشترى، فإذا حملت امتنع عليه بيعها للآخرين، وبالتالي تفوته المصلحة في ذلك. فلما سألوا النبي ﵊ عن ذلك قال: [(لا عليكم ألا تفعلوا ذاكم)]، أي: إذا أردتم أن تعزلوا فاعزلوا، (فإنما هو القدر)، أي: حتى وإن عزلتم فلا يكون إلا ما قدره الله تعالى. قال ابن عون: فحدثت به الحسن البصري فقال: والله لكأن هذا زجر. أي: كأن النبي ﷺ يزجرهم أن يعزلوا. قال: [وعن قزعة عن أبي سعيد الخدري قال: ذكر العزل عند رسول الله ﷺ فقال: (ولم يفعل ذلك أحدكم؟ -وهذا إنكار- فإنه ليست نفس مخلوقة إلا الله خالقها)]، أي: إلا ولابد أن يخلقها الله . قال: [وعنه قال: سئل النبي ﵊ عن العزل فقال: (ما من كل الماء يكون الولد، وإذا أراد الله خلق شيء لم يمنعه شيء)]، أي: لم يمنعه العزل.

стр. 1061

حديث جابر في العزل من عدة طرق وعن جابر: (أن رجلاً أتى رسول الله ﷺ فقال: إن لي جارية هي خادمنا وسانيتنا، وأنا أطوف عليها وأنا أكره أن تحمل، فقال: اعزل عنها إن شئت فإنه سيأتيها ما قدر لها، فلبث الرجل ثم أتاه فقال: إن الجارية قد حبلت يا رسول الله! فقال: قد أخبرتك أنه سيأتيها ما قدر لها). وعن جابر قال: (سأل رجل النبي ﷺ فقال: إن عندي جارية وأنا أعزل عنها، فقال رسول الله ﷺ : إن ذلك لن يمنع شيئاً أراده الله، فجاء رجل فقال: يا رسول الله! إن الجارية التي كنت ذكرتها لك قد حملت، فقال النبي ﵊: أنا عبد الله ورسوله)، والنبي ﷺ لما قال: (أنا وعبد الله ورسوله) ليس معناه: أنه لم يكن يعرف أنه عبد الله ورسوله، بل كان يعرف، لكنه أراد أن يقول له: أنا عبد الله ورسوله الذي أؤمن بالقدر، وأؤمن أن ما قدره الله لابد أن يكون، ولقد أخبرتكم بذلك. وعن جابر قال: (كنا نعزل والقرآن ينزل)، كأن هذا كان أمراً مباحاً، وإلا لو كان حراماً لكان النهي قد ورد، قال سفيان: لو كان شيئاً ينهى عنه لنهانا عنه القرآن. وعن جابر قال: (لقد كنا نعزل على عهد رسول الله ﷺ ، وفي رواية: (كنا نعزل على عهد رسول الله ﷺ ، فبلغ ذلك نبي الله فلم ينهنا).

стр. 1062

تحريم وطء الحامل المسبية وفي رواية يزيد بن خمير قال: سمعت عبد الرحمن بن جبير يحدث عن أبيه عن أبي الدرداء عن النبي ﷺ : (أنه أتي بامرأة مجحاً على باب فسطاط)، والمرأة المجحية هي المرأة الحامل، وباب فسطاط، أي: على باب خيمة، (فقال النبي ﷺ : لعله يريد أن يلم بها)، أي: أن يصيب منها وأن يجامعها، (فقالوا: نعم يا رسول الله! فقال: لقد هممت أن ألعنه لعناً يدخل معه قبره)؛ لأن هذا الرجل أراد أن يجامع امرأة ليست امرأته، وإنما سباها في الحرب وهي حامل، فيحرم عليه جماعها إلا بعد وضع حملها، فقال: (لقد هممت أن ألعنه لعناً يدخل معه قبره، كيف يورثه وهو لا يحل له؟)؛ لأنه لو جامعها فربما يقال: إن هذا الولد نتاج ذلك الجماع، خاصة لو كان بعد الجماع بستة أشهر، أي: لو نزل الحمل بعد الجماع بستة أشهر وهي أقل مدة للحمل كيف يستخدمه وهو لا يحل له؟ لأنه حينئذ سيكون ولده، والولد لا يكون خادماً لوالده، وفي ذاك أيضاً جواز الغيلة، والغيلة هي وطء المرضع.

стр. 1063

جواز الغيلة وهي وطء المرضع، وكراهة العزل قال: [عن جدامة بنت وهب الأسدية أنها سمعت رسول الله ﷺ يقول: (لقد هممت أن أنهى عن الغيلة)]، أي: لقد هممت أن أنهاكم أيها الناس! أن يجامع أحدكم امرأته وهي مرضع. قال: [(حتى ذكرت أن الروم وفارس يصنعون ذلك فلا يضر أولادهم)]، أي: أن النبي ﷺ تذكر أن فارس والروم يفعلون ذلك، أي: يجامع أحدهم امرأته في أثناء إرضاعها لابنها ولا يضر ذلك الولد، وأن القول المزعوم بأن اللبن حينئذ يضره ليس حاصلاً. قال: [وقالت جدامة: حضرت رسول الله ﷺ في أناس وهو يقول: (لقد هممت أن أنهى عن الغيلة، فنظرت في الروم وفارس، فإذا هم يغيلون أولادهم فلا يضر أولادهم ذلك شيئاً، ثم سألوه عن العزل، فقال رسول الله ﷺ : ذلك الوأد الخفي)]. والمعنى: أنهم كانوا يعزلون والنبي ﷺ بين أظهرهم وما كان ينهاهم، والوأد الخفي حرام، لكن الوأد لا يكون حراماً إلا بعد أن تخلق النطفة، وهذا هو الإجهاض، وأشد حرمة منه الوأد بعد الميلاد مخافة العار أو مخافة الفقر أو تبعاً لأخلاق الجاهلية وغير ذلك، فهذا كله حرام، وقد نهى عنه القرآن نهي تحريم وشنع على فاعله. وهنا علم النبي ﷺ أن العزل وأد خفي، ومع هذا لم ينهنا عنه فكيف يكون ذلك؟ الوأد عموماً -كما قلنا- هو بعد التخليق، لكن هذا وأد دون الوأد الذي نهى عنه القرآن؛ لأنه وأد للنطفة، وليس للعلقة ولا للمضغة المخلقة، ولا بعد أن تنفخ فيه الروح، ولا بعد الميلاد ذكراً كان أم أنثى، وإنما ذلك وأد للنطفة منذ تكوينها؛ لأن العبد المجامع لامرأته إذا قارب الإنزال أنزل ماءه خارج الرحم أو خارج فرج المرأة، وهذا معنى العزل، فالنطفة لم تبلغ مرحلة من المراحل بعد، ولذلك سماها النبي ﷺ مجازاً وأداً خفياً، وليس الوأد الذي يستلزم قيام الحد. قال: [وعن سعد بن أبي وقاص: (أن رجلاً جاء إلى رسول الله ﷺ فقال: إني أعزل عن امرأتي. فقال له رسول الله ﷺ : لم تفعل ذلك؟ فقال الرجل: أشفق على ولدها أو على أولادها، فقال رسول الله ﵊: لو كان ذلك ضاراً ضر فارس والروم)، وفي رواية: (إن كان لذلك فلا، ما ضر ذلك فارس ولا الروم)]. يقول العلماء: العزل جائز مع الكراهة لعدم وجود النهي من النصوص، والعزل عن الزوجة والأمة هو أن يجامع الرجل حليلته، فإذا قارب الإنزال نزع وأنزل خارج الفرج، وسبب ذلك: العزوف عن علوق المرأة وتكوين حمل في رحمها، وإما لأسباب صحية تعود إلى المرأة أو إلى الجنين -وهو ما يسمى بالغيلة- أو إلى الطفل الرضيع، أو ربما يكون بسبب فساد الزمان، فقد يقول شخص: نحن في زمن شر، وأنا أخشى على أولادي أن يكونوا فاسدين في المجتمع، أو أن يتأثروا بفساد المجتمع، لكن صلاح النية وحده لا يكفي في أغلب الأحوال، بل لابد من متابعة الرسول ﵊، وهنا لو أن هذا الرجل عزل بهذه النية وقدر الله تعالى له الولد جاء الولد. وقد ذهب جمهور من الفقهاء إلى جواز عزل السيد عن أمته مطلقاً، سواء أذنت له في ذلك أو لم تأذن؛ لأن الوطء حق له وليس للأمة، فللرجل الذي له أمة أن يبيعها في أي وقت شاء، أو يعتقها في أي وقت شاء، فهي ملك له كأي متاع، فإذا شاء أن يستمتع بها استمتع، لكن إن استمتع بها فحملت صارت أم ولد وانتقلت إلى أحكام أخرى، لكن لو أراد السيد أن يستمتع بأمته وما أراد منها الولد لأي عذر من الأعذار، كأن يريد أن ينتفع بها في يوم من الأيام بالبيع أو الشراء، أو ربما يخشى من سوء أخلاقها فيتأثر بها ولدها، وغير ذلك من الأعذار الكثيرة، وهي كذلك، أي: وإن لم يكون لها حق على سيدها في الوطء فليس لها حق على سيدها في الحمل، فكل ذلك له. أما العزل عن الحرة المحصنة العفيفة فهل يلزم فيه إذنها أم لا يلزم؟ وهل الوطء حق له هو أم حق لهما؟ وهل هناك فرق بين الوطء والاستمتاع؟ هذا محل نظر واختلاف بين أهل العلم، وقد اختلف الفقهاء في ذلك على رأيين: الرأي الأول: إباحة العزل مطلقاً عن الحرة سواء أذنت في ذلك أو لم تأذن، أي: أنها تماماً كالأمة، إلا أن ترك العزل عن الحرة أفضل، وهو الراجح عند الشافعية، وذلك لأن حقها الاستمتاع دون الإنزال إلا أنه يستحب استئذانها. وفي الحقيقة هذا المذهب ضعيف، والذي أعتقده أن الحرة لابد من استئذانها؛ لأنها شريكة زوجها في الاستمتاع والولد، كما أنها شريكته في الوطء، فهي صاحبة الحق في هذا، والاستمتاع في أثناء الجماع لا يغني عن استمتاع المرأة في لحظة الإنزال، فهذا حقها لا يجوز لزوجها أن يعزل عنها بغير إذنها، فإن أذنت حل له ذلك وإلا فلا. الرأي الثاني: يباح العزل عن الحرة بإذنها، فإن كان لغير حاجة فمكروه، والحاجة هي الأعذار التي ذكرت من قبل، وهذا قول عمر، وعلي، وابن عمر

стр. 1064

أدلة القائلين بإباحة العزل والقائلين بكراهيته وقد استدل القائلون بإباحة العزل مطلقاً بغير إذن الزوجة بما روي عن جابر: (كنا نعزل على عهد رسول الله والقرآن ينزل، ولم ينهنا النبي ﵊، واستدل القائلون بالإباحة بشرط إذن الحرة بمرويات كلها ضعيفة، ومنها ما جاء عند أحمد وابن ماجه عن عمر بن الخطاب أنه قال: (نهى رسول الله ﷺ أن يعزل عن الحرة إلا بإذنها). وعند عبد الرزاق والبيهقي من حديث ابن عباس قال: (نهى عن عزل الحرة إلا بإذنها)، وكلاهما ضعيف. وأما أدلة الكراهة: فإن العزل إن كان بدون عذر فلأنه وسيلة لتقليل النسل، وقطع اللذة عن الموطئة، ولذلك الكفار يحرصون كل الحرص على تكثير نسلهم، وفي نفس الوقت يدفعون الأموال الطائلة للمسلمين لتحديد النسل، ولما علموا أن (التحديد) لفظ جارح وخادش لمعتقد كثير من المسلمين، جاءوا بلفظ (التنظيم)، والبلاء واحد لكن الأسماء مختلفة بحيث يستحلون محارم الله بأدنى الحيل. ويبقى أن النبي ﵊ قد حث على تعاطي أسباب الولد فقال: (تناكحوا تكثروا)، وقال ﵊: (تزوجوا الودود الولود فإني مكاثر بكم الأمم يوم القيامة).

стр. 1065

الأعذار المبيحة للعزل والعذر في العزل يتحقق في الأمور التالية: إذا كانت الموطوءة في دار الحرب وتخشى على الولد الكفر، كما هو الحاصل في فلسطين، فلو أن فلسطينياً عزل عن امرأته مخافة أن يتأثر ولده بدين اليهود أو بالفساد فهذا عذر، كذلك: إذا كانت أمة ويخشى الرق على ولده؛ لأن الرق نقص وهو لا يريد النقص لولده، أيضاً: إذا كانت المرأة يمرضها الحمل أو يزيد في مرضها، كما لو قرر ذلك أكثر من طبيبة مسلمة حاذقة صاحبة دين وثقة، وبالتالي إذا غلب ذلك على الظن جاز للرجل أن يعزل عنها إذا كانت المرأة يمرضها حملها، أو أنها مريضة والحمل يزيد في مرضها، أو أن الحمل يؤخر برأها، وحينئذ فهذا عذر للعزل، لكن ليس على مذهب أبي حامد الغزالي ﵀، إذ إنه يقول: إذا خافت المرأة على جمالها فهذا عذر في العزل! وهذا كلام ما له أصل ولا يصح؛ لأن لكل امرأة أن تقول: أنا أخاف على جمالي، حتى الدميمة تقول: أنا أيضاً خائفة على جمالي! لكن الجمال مسألة نسبية، فهي دميمة عندك وليست دميمة عند غيرك، فإذا رأيت امرأة سوداء فستزهد فيها، لكن لا يزهد فيها غيرك بل يطلبها ويبتغيها، ولو نظرت إلى امرأة بيضاء اشتهيتها، لكن لو نظر لها رجل أسمر اللون لا يشتهيها. إذاً: مسألة الجمال والحسن والوجاهة مسألة نسبية، فإذا كانت المرأة تريد العزل بعذر المحافظة على جمالها ورشاقتها فهذه مسألة نسبية. وهذه المسائل كلها يا إخواني! تريد رجالاً أصحاب تقوى؛ لأن الكلام مكتوب في الورقة وبإمكان كل إنسان أن يقرأه، لكن الذي يطبقه على نفسه يحتاج إلى تقوى الله ، والعجب أنه في هذه الأيام كثير من المثقفين يقول: أنا أريد ولداً وبنتاً فقط! وكأنه يشترط على الله قبل أن يتزوج، ولذلك أنا أذكر قصة للعبرة: كان معنا في الإعدادية أستاذ لغة عربية، وكان على مشارف المعاش، وكان أول رجل رفع الراية في نصرة مذهب الغرب في تحديد النسل، وكان يحارب لأجل هذا الغرض في كل واد وميدان، وما كان يعجبه قط رفض المشايخ لهذه الدعوة الخبيثة، ثم أنجب هذا الرجل ولداً واحداً بإرادته، أي: أنه اتخذ الأسباب لمنع النسل بعد الحصول على الولد الأول، ورباه تربية حميدة، حتى أصبح مثالاً للأدب والأخلاق الحسنة، وهو أستاذ في كلية الآداب في جامعة عين شمس، لكن الرجل لما كبر ولده وذهب إلى جامعة السوربون ليحصل على الدكتوراه شعر بالوحدة بينه وبين امرأته، فلما أراد الولد كان الوقت قد فات، فنصحه الناس أن يتزوج امرأة أخرى، فهاجم هجوماً جديداً في قضية تعدد الزوجات، وما أن كبر وذهب عنه الناس وماتت امرأته ترك الرجل التدريس وأحيل على المعاش، فمكث في بيته بقية عمره وحيداً فريداً، قد كرهه أهل بلدته كلهم بسبب الحملات التي حملها عليهم من قبل، وبقي الرجل في بيته حتى جن وفقد عقله، وأنا أذكر لما كنت في الجامعة زرته؛ لأنه رجل صاحب فضل ومنة علي، فأخذت أذكره بما كان منه من حملات ضد النسل في ذلك الوقت، فكان الرجل يبكي بكاء شديداً، فبكينا لبكائه حزناً عليه وعلى ما وصل إليه حاله، وكان دائماً يقول: لو استقبلت من أمري ما استدبرت لتزوجت أربعاً من الزوجات. وكان دائماً يدعو لنا بدعوة واحدة: أسأل الله تعالى ألا تروا ما قد رأيت، ولما كبرنا عرفنا الوحدة وكيف هي؟ وإن كنا لم نجربها، لكن الإنسان دائماً لا يستغني أبداً أن يجتمع بالناس، أما تعلمون أن الرجل إذا كبر في سنه وفارقته امرأته أو ماتت عنه يحب أن يتزوج امرأة أخرى ولو أكبر منه، لا لأجل اللذة والفراش، وإنما لأجل المؤانسة. وهذا رجل قد هرم وماتت عنه امرأته منذ أقل من سنتين، وهو صاحب جاه ومال وأولاد أربعة، أطباء، والرجل احتال على أصدقاء أولاده هنا وهناك حتى رفعنا الأمر إلى أولاده وقلنا لهم: حقه الشرعي لا تمنعوه، فتفهموا أخيراً للأمر وأذنوا له بالزواج، والله يا إخواني! الرجل يتصل بي في أي وقت من الليل الساعة الواحدة الثانية الثالثة الرابعة قبل صلاة الفجر ويقول: والله يا شيخ! ما نمت، أنا سوف أجن، ويقول: كدت أفقد عقلي، أنا أريد امرأة تؤنس وحدتي، ولا تحصل هذه المرأة مني على شيء، لكني أريد أن تؤنس وحدتي فقط. وكذلك المرأة أشد حاجة للرجل من الرجل إليها ولو من باب المؤانسة فحسب، وهذه سنة الله لا يحل لأحد أن يمنع فيها، فإذا فسد الزمان وحرص الرجل ألا يكون له ولد مخافة أن يفسد مع فساد أهل الزمان فذلك له. نسأل الله تعالى أن يغفر لنا ذنوبنا، وأن يكفر عنا سيئاتنا، أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

стр. 1066

شرح كتاب الإبانة - لا يصح إيمان عبد حتى يؤمن بالقدر خيره وشره الإيمان بالقدر ركن من أركان الإيمان، لا يصح إيمان العبد إلا به، فلا بد من الإيمان بالقدر خيره وشره، ومن كذب بذلك كان من الخاسرين، وكان من الفرق الهالكة، وأقوال النبي ﷺ والصحابة والتابعين من بعده واضحة في ذلك.

стр. 1067

باب التصديق بأن الإيمان لا يصح لأحد ولا يكون العبد مؤمناً حتى يؤمن بالقدر خيره وشره

стр. 1068

أقوال أبي بن كعب وعبد الله بن مسعود وزيد بن ثابت وحذيفة وعمران بن الحصين في إثبات القدر إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة. قال المصنف رحمه الله تعالى: [الباب الرابع: باب التصديق بأن الإيمان لا يصح لأحد ولا يكون العبد مؤمناً حتى يؤمن بالقدر خيره وشره، وأن المكذب بذلك إن مات عليه -أي: على التكذيب- دخل النار، والمخالف لذلك من الفرق الهالكة]. دليل ذلك: [عن ابن الديلمي قال: وقع في نفسي شيء من القدر -كأنه شك في شيء من القدر أو التبس عليه أمر من أمور القدر- فأتيت أبي بن كعب ﵁ فسألته، فقال: إن الله لو عذب أهل سماواته وأهل أرضه لم يظلمهم، ولو رحمهم كانت رحمته خيراً لهم من أعمالهم، ولو أنفقت أحداً ذهباً ما قبله الله منك حتى تؤمن بالقدر، وتعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك، ولو مت على غير هذا لمت على غير الفطرة التي فُطر عليها محمد ﷺ . قال ابن الديلمي: فخرجت من عنده -أي: من عند أبي بن كعب - فأتيت ابن مسعود فقال مثل ذلك، ثم أتيت حذيفة فقال مثل ذلك، ثم أتيت زيد بن ثابت فسألته فحدثني عن النبي ﷺ بمثل ذلك]. هذا الحديث يشير إلى ما حاك في نفس ابن الديلمي، وربما يكون الذي حاك في نفسه: أنه إذا كان الله تعالى قدر كل شيء، وعلم كل شيء قبل خلق هذه الأشياء؛ فلم قدر علي المعصية؟ وإذا كان هو المقدر لذلك فلم يعذبني إذاً؟ ولم يدخلني النار؟ أليس هذا من الظلم؟! والظلم منفي عن الله ، وكل صفات النقص لا تليق بالله ؛ لأنه متصف بصفات الكمال والجلال ، فقال لما حاك في نفسه شيء من القدر: أتيت أبي بن كعب، وهذا مسلك أهل العقل والعدل دائماً، فالذي يحيك في نفسه شيء أياً كان هذا الشيء ما دام متعلقاً بالحلال والحرام، ومتعلقاً بمسائل الشرع؛ فإنه يجب عليه أن يهرع إلى أهل العلم؛ ولذلك قال الله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل:٤٣]. فهذه الآية أوجبت على طائفتين واجبات: أوجبت على أهل الجهل أن يسألوا أهل العلم، وأوجبت على أهل العلم أن يجيبوا أهل الجهل بما قد سألوهم عنه، فلا يحل لجاهل أن يخفي سؤاله ولا يسأل عنه، ولا يمنعه من ذلك كبر ولا حياء، كما أنه أوجب على العالم إذا سئل في شيء أن يجيب ولا يكتم علمه، ومن كتمه فإنه يأتي يوم القيامة ملجماً بلجام من نار، والجزاء من جنس العمل. قال ابن الديلمي: لما حاك في صدري ذلك الشيء أتيت أبي بن كعب ﵁ -وهو من كبار الصحابة وسيد من سادات المسلمين- فقال: إن الله لو عذب أهل سماواته وأهل أرضه لم يظلمهم. أي: لو أن الله تعالى كتب على أهل السموات -أي: الملائكة- وأهل الأرض العذاب السرمدي الأبدي؛ لكتب ذلك غير ظالم لهم، وأنا أدلك على مصداق ذلك: لو كان العذاب والرحمة والجنة والنار متعلقات بالعمل فحسب في مقابل نعم الله عليك؛ لما كافأت عبادتك نعمة واحدة من نعم الله عليك، وإذا كانت المسألة مسألة موازين العمل الصالح وغير الصالح، وأن من عمل صالحاً دخل الجنة ولابد؛ فإن الأمر لا بد أن يكون فيه شيء من العدل، فستوضع نعم الله تعالى على العبد في كفة وعبادة العبد في كفة أخرى، فينظر: هل تزن هذه الأعمال نعم الله عليه أم لا؟ الجواب لا؛ لأنه قد جاء بسند لا بأس به عند الحاكم: (أن رجلاً عبد الله ستمائة سنة، فجيء به يوم القيامة فقال الله تعالى لملائكته: أدخلوا عبدي الجنة برحمتي. قال: لا يا رب! بل بعملي -فقد تصور أنه بهذه العبادة استحق الجنة- فقال الله تعالى: زنوا عمل عبدي وزنوا نعمي عليه -وفي رواية-: وزنوا نعمة البصر) وهي نعمة واحدة، والله تعالى يقول: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا﴾ [إبراهيم:٣٤]. قال: (فلما وضعوا نعمة البصر في كفة وعبادة الرجل ستمائة سنة في كفة؛ طاشت تلك العبادة) يعني: لم تثبت هذه العبادة أمام نعمة واحدة من نعم الله ، فلو كان الأمر متعلقاً بالعمل فحسب فإن الله تعالى لو عذب العابدين فضلاً عن العصاة، وفضلاً عن الكافرين، فهو غير ظالم لهم؛ لأن عبادتهم لا يمكن أن تكافئ نعمه عليهم، ولكن رحمة الله ﵎ هي الدليل والقائد للعبد الطائع إلى جنة الله ؛ ولذلك قال النبي ﵊: (ولن يدخل أحد منكم الجنة بعمله، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟! قال: ولا أنا إلا أن يتغمدني الله

стр. 1069

الإيمان الجازم بالقدر راحة للعبد في الدنيا والآخرة قال: [وعن عطاء بن أبي رباح قال: سألت الوليد بن عبادة بن الصامت: كيف كانت وصية أبيك حين حضره الموت؟ فقال: دعاني فقال: يا بني! اتق الله. واعلم أنك لن تتقي الله ولن تبلغ العلم حتى تؤمن بالله وحده]. أول شيء يا بني اتق الله، واعلم أنك لن تتقي الله ولا تعلم حقيقة الإلهية إلا إذا آمنت بالقدر خيره وشره. قال: [يا بني! اتق الله، واعلم أنك لن تتقي الله، ولن تبلغ العلم بالله حتى تؤمن بالله وحده، وتؤمن بالقدر خيره وشره. قلت: يا أبت! كيف لي إلى الإيمان بالقدر خيره وشره؟ قال: تعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك -تعلم أن ما قدره الله عليك لا بد أنه واقع بك مهم حاولت دفعه- وأن ما أخطأك لم يكن ليصيبك، هذا بالقدر] أي: أن تؤمن إيماناً جازماً أن ما قدره الله عليك واقع بك، وما صرفه الله عنك لا يمكن لأهل الأرض جميعاً أن يلحقوه بك، والذي يؤمن بالقدر ويعلم أن كل شيء من عند الله سواء كان خيراً أو شراً؛ يستريح جداً. فالإيمان بالقدر هو الذي يجعل المرء شجاعاً في كل ميدان، وذلك إذا كان يعتقد اعتقاداً جازماً أن أهل الأرض لو اجتمعوا على أن يضروه بشيء لا يضرونه إلا بشيء هو مكتوب أزلاً، ولا يمكن صرفه؛ ولذلك كثير من الناس يتودد وينافق ويداهن ويماري ويرائي حتى يصرف بلاءً ظن أنه واقع به، ولا ينصرف هذا البلاء أبداً، فمع فقدان الدين بالنفاق والرياء وغير ذلك يقع به ما قد قدره الله، ومع الصدق واليقين والتوكل على الله يفاجأ أن العزة في هذا الموقف كانت مكتوبة له قبل ذلك، ولعل من علم ذلك أو عاش ذلك في بعض مواقفه يشعر بصحة ما قلت، وهذا لا يحتاج إلى تجارب، والإيمان بالله لا يحتاج إلى تجارب، وإنما الإيمان بالله يكون ابتداءً قبل أي تجربة، أؤمن بأن القدر كله من عند الله: أن الخير من عند الله، وأن الشر من عند الله، وأن الله تعالى هو النافع الضار، ولا يمكن لأحد قط هددك بضر أن يوقع هذا الضر بك إلا إذا كان مكتوباً قبل خلق السموات والأرض، وإذا وعدك واعد بجلب نفع إليك لا يمكن له ذلك إلا إذا كان مكتوباً لك قبل أن يخلق الله السموات والأرض، فإذا كان كل ذلك بيد الله، وأن الخلق جميعاً في قبضة الله، وهم ملك الله تعالى؛ إذاً: فلم تحرص على الدنيا؟! ولم تخاف من ذي سلطان وهو نفسه في قبضة الله ، وتحت سلطان الملك الجبار ؟! أنت وهو سواء، وربما تكون أنت أقرب إلى رحمة الله منه، بل هو المهدد بالعذاب والنكال والانتقام، إذاً: فلم تخالف أنت وأنت صاحب الحق؟! لا بد للمسلم أن يكون له عزة في كل موقف، وينبغي لكل منا أن يثبت موقف عزة لله في موقف يظن فيه أنه مهان، ولا بد أن يستعمل المؤمن دائماً إيمانه وإسلامه، ولا تجعل إيمانك دائماً في الوحل والرغام والطين، بل لا بد في كل موقف يستحق الاستعلاء بالإيمان أن تستعلي بإيمانك على هذا الواقع الباطل، وعلى هؤلاء المبطلين الذين يوجهون أكاذيبهم فيستعلون عليك، وهم والله لا يملكون شيئاً منك: لا في روحك، ولا في بدنك إلا ما قد قدره الله عليك، ولو أراد أحد أن ينزل بك العذاب وينتقم منك أشد الانتقام، فلا يقدر على شيء من ذلك، فإذا كنت تؤمن بهذا إيماناً جازماً فسر قُدُماً على بركة الله ، واعلم أن الأرض كلها لو اجتمعت على أن يضروك ما استطاعوا إلى ذلك سبيلاً، ولو اجتمع العالمون على أن ينفعوك بشيء ما نفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، فكل أمر مقدر، وما عليك إلا أن تكون ناصراً لدينك. واعلم أن هؤلاء جميعاً كلهم في قبضة الله ، وتحت سلطانه وسيطرته وقهره وملكوته وجبروته ، فهم مهددون بالعذاب قبل أن يهددوك، ولو كان لهم شيء فبقدر، ولو كان لهم سلطان على شيء منك فإنما سلطانهم على بدنك، ومعنى (سلطانهم على بدنك): أنهم لا يملكون منك إلا السوط الأول، وما دون ذلك لا تشعر به، وهل تستعظم على الله أن تنال في سبيله سوطاً؟ لا والله، كل ذلك قليل في حق الله وجنب الله.

стр. 1070

وصية عبادة بن الصامت عند الموت لابنه الوليد بالإيمان بالقدر [عن عطاء بن أبي رباح: قال سألت الوليد بن عبادة بن الصامت: كيف كانت وصية أبيك حين حضره الموت؟ فقال: دعاني فقال: يا بني! اتق الله، واعلم أنك لن تتقي الله ولن تبلغ العلم حتى تؤمن بالله وحده، وتؤمن بالقدر خيره وشره. قلت: يا أبتي! كيف لي أن أؤمن بالقدر خيره وشره؟ قال: تعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وأن ما أخطأك لم يكن ليصيبك. هذا القدر، أظنه قال: فإن مت على غير هذا دخلت النار، سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إن أول ما خلق الله القلم فقال له: اكتب، فقال: أي رب! وما أكتب؟ قال: اكتب القدر، فجرى القلم تلك الساعة بما هو كائن إلى الأبد)]. فلو هددك طاغية بشيء من العذاب والنكال وأردت أن تصرفه عن نفسك وقد كتب في اللوح المحفوظ أنه واقع بك؛ هل يمكنك دفعه؟ لا، وإذا لم يكتبه الله تعالى عليك هل يمكن لهذا الطاغية إلحاق الأذى بك؟ لا، فإن تؤمنوا بذلك فأنتم على خير، لكن الإيمان الحقيقي يظهر ساعة المحك والعمل، فإن قال لك سلطان: افعل كذا، قل له: هذا حرام، فإن قال: تفعل وإلا فعلت، قل له: لا تستطيع إلا بقدر، وكل شيء بقدر، قدر الله وما شاء فعل. هذه الكلمات تقتله قتلاً؛ لأنه لا يؤمن بالقدر كما تؤمن أنت، وإن أوقع شيئاً من الأذى فبقدر ومكتوب، وهو في علم الله منذ الأزل. [وعن أيوب بن زياد عن عبادة بن الوليد بن عبادة بن الصامت قال: حدثني أبي قال: دخلت على عبادة وأنا أتخيل فيه الموت، فقلت: يا أبا الوليد! -وهي كنية عبادة بن الصامت - أوصني واجتهد لي؟ قال: أجلسوني، فأجلسوه، فقال: يا بني! إنك لن تطعم طعم الإيمان، ولن تبلغ حقيقة العلم بالله حتى تؤمن بالقدر خيره وشره -أي: إنك لن تطعم طعم الإيمان، وتذوق حلاوته حتى تؤمن بالله، وتعلم الله تعالى، وتؤمن بالقدر خيره وشره- فقلت: يا أبتاه! وكيف لي أن أعلم ما خير القدر من شره؟ قال: تعلم أن ما أخطأك لم يكن ليصيبك، وما أصابك لم يكن ليخطئك، يا بني! إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إن أول شيء خلق الله القلم، ثم قال: اكتب، فجرى في تلك الساعة بما هو كائن إلى يوم القيام) يا بني فإن مت ولست على هذا -أي: ولم تؤمن بهذا- دخلت النار.

стр. 1071

نفي الإيمان عمن لم يؤمن بالقدر خيره وشره [وعن علي ﵁ عن النبي ﷺ قال: (لا يؤمن عبد حتى يشهد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله، بعثني بالحق وبالبعث بعد الموت، وحتى يؤمن بالقد). وعن علي قال: قال النبي ﵊: (لا يؤمن عبد حتى يؤمن بأربع: يشهد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله بعثني بالحق، ويؤمن بالقدر خيره وشره، ويؤمن بالبعث بعد الموت)] أي: يؤمن أن الناس يبعثون يوم القيامة للحساب والجزاء.

стр. 1072

حكم عبد الله بن عمر على من أنكر القدر وقال إن الأمر أنف [وعن عبد الله بن بريدة عن يحيى بن يعمر قال: كان أول من تكلم في القدر معبد الجهني البصري، فخرجت أنا وحميد بن عبد الرحمن نريد مكة فقلت: لو لقينا أحداً من أصحاب النبي ﷺ فسألناه عما يقول هؤلاء القوم -يعني: يا ليتنا! نوفق إلى أحد من أصحاب النبي ﷺ ؛ حتى نسألهم عن القول الذي يقوله معبد الجهني - فلقينا عبد الله بن عمر فاكتنفته أنا وصاحبي، أحدنا عن يمينه والآخر عن شماله (اكتنفته) -يعني: أحطت به من جانبيه- فعلمت أنه سيكل الكلام إلي -يعني: فعلمت أن صاحبي قد خولني في أن أتكلم مع عبد الله بن عمر - فقلت: يا أبا عبد الرحمن! - وهي كنية عبد الله بن عمر - إنه قد ظهر قبلنا ناس يتقفرون هذا العلم -أي: يطلبونه طلباً حثيثاً، وفي رواية (يتفقرون) بالفاء قبل القاف، أي: يطلبون فقار العلم، ودقائقه ومسائله الغامضة العويصة- يقولون: لا قدر، وأن الأمر أنف]. فأول بدعة القدرية كانت من العراق من البصرة. وهم يقولون: (لا قدر، وأن الأمر أنف)، يعني: ليس هناك شيء اسمه قدر، والله تعالى لم يقدر شيئاً بل إنه لا يعلم الشيء إلا بعد أن يقع، هذا معنى قولهم: (لا قدر وأن الأمر أنف)، أي: مستأنف غير معلوم لله قبل أن يقع. وهم بهذا يكذبون الله تعالى في إثبات العلم له، ويكذبون أن الله تعالى كتب مقادير الخلائق كما في الحديث: (إن أول شيء خلق الله القلم، فقال: اكتب، قال: وما أكتب؟ قال: اكتب كل شيء كان وسيكون إلى قيام الساعة، فجرى القلم بما هو كائن إلى قيام الساعة) هؤلاء يكذبون مثل هذه النصوص في القرآن والسنة؛ لأنهم يقولون: ليس هناك شيء اسمه قدر، كما أن الله تعالى لا يعلم الأشياء إلا بعد وقوعها، وإجمال ذلك في كلمتين: لا قدر وأن الأمر أنف، فأنكروا مرتبة العلم، وأنكروا مرتبة الكتابة. [فقال عبد الله بن عمر ﵄: أوقد قالوها؟ إذا لقيتهم فأخبرهم أني بريء منهم وأنهم برآء مني، أي: ليست منهم وليسوا مني]. قال النووي: ورد عبد الله بن عمر هذا دليل على تكفير هؤلاء. قال: وعلى ذلك انعقد إجماع أهل العلم: أن من أنكر مرتبة العلم ومرتبة الكتابة كفر بالله ؛ لأنه ينفي العلم عن الله، ومن نفى العلم عن الله يلزمه أن يثبت الضد وهو الجهل، فكأنه يسب الله تعالى. قال عبد الله بن عمر: [إني سمعت عمر بن الخطاب ﵁ يقول: (بينما نحن جلوس عند رسول الله ﷺ إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب شديد سواد الشعر، لا يعرفه منا أحد ولا يرى عليه أثر السفر، حتى جلس إلى النبي ﷺ فأسند ركبتيه إلى ركبتيه، ووضع كفيه على فخذيه، فقال: يا محمد! أخبرني عن الإسلام؟ فقال: الإسلام: أن تشهد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلًا. قال: صدقت! فعجبنا له يسأله ويصدقه)]. لأنه ليس من عادة السائل الجاهل أن يصدق العالم، أو المفتي؛ وذلك لأن التصديق لا يأتي إلا من رجل عالم، ثم اكتشفوا بعد ذلك أن هذا السائل هو جبريل وليس سائلاً عادياً، وكذلك مظهره ومخبره يدل على أنه ليس رجلاً قادماً من البادية إلى المدينة. [(قال: فأخبرني عن الإيمان؟ قال: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله، وأن تؤمن بالله واليوم الآخر، وأن تؤمن بالقدر خيره وشر)] وهذه حجة عبد الله بن عمر في الرد على معبد الجهني الذي تكلم بهذا الشيء. [حدثنا عكرمة بن عمار اليمامي قال: حدثنا عبد الله بن عبد الرحمن قال: قال رجل لـ عبد الله بن عمر: إن ناساً من أهل العراق يكذبون بالقدر، ويزعمون أن الله لا يقدر الشر -أي: لا يأذن في وجوده وخلقه-، قال: فبلغهم أن عبد الله بن عمر منهم بريء وأنهم منه برآء، والله لو أن لأحدهم مثل أحد ذهباً ثم أنفقه في سبيل الله ما قبل الله منه حتى يؤمن بالقدر خيره وشره]. أي: حتى يؤمن بأن الخير والشر من عند الله، وأن الله تعالى علم ما العباد عاملون، وما هم إليه صائرون. والقدر هو سر الله تعالى في خلقه، ولا ينبغي لأحد أن يتكلم في هذا الأمر، ولا أن يبحثه؛ لأن النبي ﵊ قال: (إذا ذكر القدر فأمسكوا، وإذا ذكر النجوم فأمسكوا، وإذا ذكر أصحابي فأمسكوا)، الشاهد قوله: (إذا ذكر القدر فأمسكوا) أي: لا تخوضوا في مسائله خوض المجادلين فيه بغير علم ولا طلب للحق. [وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي ﷺ قال: (لن يؤمن عبد حتى يؤمن بالقدر كله خيره وشر)].

стр. 1073

أقوال عبد الله بن مسعود في أن العبد لا يذوق طعم الإيمان حتى يؤمن بالقدر قال: [وعن عبد الله بن مسعود قال: والذي لا إله غيره لا يذوق أحدكم طعم الإيمان حتى يعلم أن ما أخطأه لم يكن ليصيبه، وأن ما أصابه لم يكن ليخطئه. وعنه قال: لن يجد طعم الإيمان -ووضع يده في فيه- حتى يؤمن بالقدر، ويعلم أنه ميت وأنه مبعوث]، أي: حتى يؤمن بالبعث بعد الموت. [وعنه قال: ثلاث من كن فيه يجد بهن حلاوة الإيمان: ترك المراء في الحق -أي: الكذب والمماحلة والمجادلة بالباطل وهو يعلم الحق، ولكنه يماري ويجادل بالباطل- والكذب في المزاحة] وقد كان النبي ﵊ يمزح ولكن لا يقول إلا حقا، (أتت امرأة تسأله عن الجنة، فقال النبي: لا يدخل الجنة عجوز، فولت المرأة وهي باكية) وهو ﷺ صادق في ذلك؛ لأنهن لن يدخلنها إلا عرباً أتراباً، أي: في سن واحدة، فلما قال لها النبي ﵊: (لا يدخل الجنة عجوز) كان صادقاً؛ فولت المرأة باكية حزينة؛ فأراد النبي ﷺ أن يثبت لها أنه صادق، ثم أتت امرأة وقالت: (يا رسول الله! أتعرف بعلي؟ قال: نعم، أليس الذي في عينيه بياض؟ - وكل الناس في عينيه بياض - فقالت المرأة: نعم. يا رسول الله!). وكان رجل من البادية يأتي النبي ﷺ ويأتي له بخيرات البادية، وذات يوم قدم المدينة وليس معه شيء، فاستحيا أن يدخل على النبي ﷺ بغير شيء؛ فذهب إلى السوق، فلحقه النبي ﵊ وأتى من خلفه فأغمض عينيه وقال: (من يشتري العبد؟ فقال الرجل: فلما وضعت يدي على يد النبي ﵊ علمت أنه هو، فما يد أنعم من يده ولا أطيب، فقلت: يا رسول الله! إذاً: يجدني كاسداً). فالنبي ﷺ قال ذلك من باب الممازحة والملاطفة: (من يشتري العبد؟ قال الرجل: إذاً: يجدني كاسداً يا رسول الله! قال: بل أنت رابح، بل أنت رابح، بل أنت رابح)، وهذه بشارة عظيمة لهذا الرجل بالربح الحسن يوم القيامة، وغير ذلك من ممازحاته ﵊. (ومر النبي ﵊ على امرأة في الطريق فقال: أتعلمين من أمر قريش شيئاً، ومن أمر أبي سفيان؟ فقالت: لا، قال: بل تعلمين من أمره شيئاً فأخبرينا، وأخبرينا عن ذاك الرجل الذي خرج في قريش يزعم أنه نبي، فقالت المرأة: لا أخبركما حتى تخبراني من أنتما؟ فقال النبي ﷺ : بل لا نخبرك حتى تخبرينا أنت؟ فلما أخبرتهم بخبر قريش وبخبر أبي سفيان -وكان ذلك في غزوة بدر- قالت: هذا خبر قريش وخبر أبي سفيان، فمن أنتما ومن أين؟ فقال النبي ﷺ : نحن من ماء، ثم انطلق ﵊. فقوله: (نحن من ماء) لم يكذب فيه النبي ﵊، ولكنه عرض به، وفي المعاريض مندوحة عن الكذب. (قال: نحن من ماء، قالت المرأة: من أي ماء أنتم؟ فانطلق النبي ﵊ ولم يجب المرأة). وهذا كما قال الله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ [الأنبياء:٣٠]. قال: [ثلاث من كن فيه يجد بهن حلاوة الإيمان: ترك المراء في الحق، والكذب في المزاح، ويعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وأن ما أخطأه لم يكن ليصيبه. وقال ابن مسعود: لأن يعض الرجل على جمرة حتى يبرد -يبرد ويسكن ويموت وينام كلها بمعنى واحد- خير له من أن يقول لشيء قضاه الله: ليته لم يقضه]. يعني: إنسان لو يمسك جمرة هكذا، ويظل قابضاً عليها بفمه إلى أن تخرج روحه خير له من أن ينطق بهذه الكلمة: ليت الله لم يفعل هذا: ﴿أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ﴾ [البقرة:١٤٠]، ﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك:١٤]، فكل أفعال الله تعالى مبنية على الحكمة والعدل والفضل، فحينئذ لا يجوز لأحد قط أن يعترض على الله تعالى في أفعاله.

стр. 1074

أقوال علي بن أبي طالب وأبي سعيد الخدري وعبد الله بن عمر في إثبات القدر قال: [وعن يعلى بن مرة قال: ائتمرنا -يعني: اتفقنا- أن نحرس علي بن أبي طالب كل ليلة عشرة، قال: فخرج فصلى كما كان يصلي، ثم أتانا فقال: ما شأن السلاح؟ -وساق حديثاً طويلاً- ثم قال: إنه لن يجد عبد أو يذوق حلاوة الإيمان حتى يستيقن يقيناً غير ظان -يعني: غير شاك]. وهذا شرط في إيماننا بالقدر، وكلنا يؤمن بالقدر، والقدر باختصار شديد: أن تعلم أن ما أخطأك لم يكن ليصيبك، وأن ما أصابك لم يكن ليخطئك، يعني: أن ما قدره الله لك لا بد أن ينزل، وما صرفه الله عنك لا يمكن أن ينزل، فحينئذ إذا وقع بك البلاء فاعلم أنه من عند الله، وإذا صرف عنك الخير الذي تظن أنه خير فاعلم أن هذا الصرف من عند الله، فلماذا أنت غضبان؟! لو أن شخصاً يريد أن يتزوج امرأة جميلة وطيبة ومتدينة فإنه يستخير الله ، فالنبي ﷺ علمنا أن نستخير حتى في شراك نعلنا، فبعد أن يصلي هذا الشخص يقرأ هذا الذكر الذي علمنا النبي ﵊ إياه: (اللهم إني أستخيرك بعلمك، وأستقدرك بقدرتك، وأسألك من فضلك العظيم) إلى آخر الدعاء، والعجيب أن أحدنا يسمي هذه المرأة ويقول في النهاية: يا رب أنا أريدها، قدرها لي، أنا سأموت يا رب! إذا لم أتزوجها، وكذلك من النساء من تقول عن رجل من الناس هذا القول، لماذا كل ذلك؟! أنت كونك استخرت ربك فقد فوضته في أن يختار لك، فإذا قدر لك ألا تتزوج تسخط وتغضب على ربك؟! هذه قسمة ضيزى، وليس إيماناً يساوي فلساً في ميزان الإيمان بالله ، فالله سبحانه جعل لك الخير في غيرها، وكم مرة ظن الإنسان أن العمل القادم عليه خير فيصرفه الله، ثم يكتشف العبد أنه كان شراً، والعكس بالعكس، فما عليك يا أخي المؤمن إلا أن تعلن الإيمان بالله، وتعلن الإيمان بالقدر خيره وشره، وقل: الذي أتمناه هو الذي يقدره الله ، وما قدره الله لي ينبغي أن يكون أمنيتي فيه، إيجاباً أو سلباً. قال: [إنه لن يجد عبد أو يذوق حلاوة الإيمان حتى يستيقن يقيناً غير شاك: أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه. وعن علي بن أبي طالب ﵁ قال: إن أحدكم لن يخلص الإيمان إلى قلبه حتى يستيقن يقيناً غير ظان: أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وأن ما أخطأه لم يكن ليصيبه، ويؤمن بالقدر كله. وقال أبو بكر الكلبي: رأيت شيخاً يزحف عند قصر أوس، فقال: سمعت أبا سعيد الخدري ﵀ يقول: لو أن عبداً أقام الليل وصام النهار، ثم كذب بشيء من قدر الله لأكبه الله في النار على رأسه، أسفله أعلاه، قال: قلت له: أنت سمعته من أبي سعيد؟ قال: أنا سمعته من أبي سعيد. وعن عبد الله بن عمر: قال النبي ﵊: (لا يؤمن المرء حتى يؤمن بالقدر خيره وشر). وعن ابن عباس: عن علي بن أبي طالب ﵃ قال: حدثنا رسول الله ﷺ قال: (قال جبريل ﵇: قال الله : من آمن بي ولم يؤمن بالقدر خيره وشره فليلتمس رباً غيري)، وهذا على سبيل التقريع والتهديد.

стр. 1075

باب الإيمان بأن الشيطان مخلوق مسلط على بني آدم قال: [الباب الخامس: باب الإيمان بأن الشيطان مخلوق مسلط على بني آدم]. مخلوق وهو رأس الشر، واتفقنا من قبل أن الخير والشر من عند الله، وأن الله خالق للخير والشر، وأن الله أراد من عباده الخير إرادة شرعية دينية، وأحب ذلك وأمرهم به، وأراد منهم الشر إرادة كونية قدرية، بمعنى: أنه لا يقع في كون الله إلا ما أراد، وما شاء وقدر، ولو أراد العصاة معصية الله تعالى ما قدروا على ذلك إلا بعد أن يأذن الله في ذلك، فالله سبحانه لا يحب الشر بل يبغضه، وحذر منه، وخلق لأجله النار، وتوعد عباده العصاة. إذاً: إبليس رأس الشر، فنؤمن بأن الشيطان مخلوق مسلط على بني آدم يجري منهم مجرى الدم في العروق إلا من عصمه الله ، ومن أنكر ذلك فهو من الفرق الهالكة. ففي البخاري عن أنس: قال النبي ﵊: (إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم)، فالشيطان يجري من ابن آدم كما يجري منه الدم، فالدم يجري في كل أعضاء البدن، فكذلك الشيطان يجري في جميع أعضاء البدن، وهو يجري من ابن آدم كما يجري الدم في العروق. [وعن جابر قال: قال رسول الله ﷺ : (لا تلجوا على المغيبات -أي: لا تدخلوا على النساء اللاتي غاب عنهن أزواجهن، (لا تلجوا) أي: لا تدخلوا خلسة على النساء اللاتي غاب عنهن أزواجهن- فإن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم)، والعلة وردت في قوله ﵊: (ما خلا رجل بامرأة إلا كان الشيطان ثالثهما). قال: [(قالوا: ومنك يا رسول الله؟! -الشيطان يجري منك مجرى الدم؟ - قال: ومني -أي: يجري مني كما يجري منكم- إلا أن الله أعانني عليه فأسلم، فلا يأمرني إلا بخير). وكلمة (فأسلم) ضبطت مرة بالفتح ومرة بالضم، فالضم معناه: فأسلم أنا منه ومن وسوسته، ورواية الجمهور -وهي الصحيحة- بالفتح، أي: فأسلم الشيطان وترك الكفر، فصار مسلماً لا يأمرني إلا بخير، ولا يأمرني إلا بالإسلام].

стр. 1076

تقديم المرء حسن الظن إذا رأى ما يبعث على الشبهة في أخيه قال: [وعن صفية بنت حيي قالت: (كان رسول الله ﷺ معتكفاً فأتيته أزوره -وفي هذا استحباب زيارة النساء لأزواجهن في المعتكف- فحدثته ثم قمت فانقلبت -أي: تكلمت معه شيئاً ثم استأذنته لأنصرف- إلى بيتي، قولها: (فانقلبت) -أي: أرجع إلى بيتي- فقام ليقلبني -أي: فقام ليوصلني إلى بيتي- وكان مسكنها في دار أسامة بن زيد، فمر النبي برجلين من الأنصار فلما رأيا النبي ﷺ أسرعا، فقال النبي ﷺ : على رسلكما -أي: على مهلكما، لماذا تجريان؟ - إنها صفية بنت حيي. قالا: سبحان الله! يا رسول الله -يعني: هل سنشك فيك أنت؟ - فقال النبي ﵊: إن الشيطان يجري من الإنسان مجرى الدم، وإني خشيت أن يقذف في قلوبكما شراً أو قال: شيئاً)]. أي: خشيت أن يتسلط عليكما الشيطان فيحدثكما بسوء أو شر، فتعتقدان أني آتي هذا الخنا فتكفران بذلك، فانظر إلى رأفة النبي ﵊ وشفقته ورحمته بأصحابه، أنه ﵊ قدم المعذرة بين أيديهم: تعالوا؛ لماذا تجرون؟ هذه صفية بنت حيي امرأتي التي تعرفونها وتعرفون أنها امرأتي، قالوا: يا رسول الله! هل نحن سنشك فيك؟! قال: إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم في العروق، ﴿إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ﴾ [الأعراف:٢٧]، فهو معكم وهو يراكم ولكنكم لا ترونه، وربما سول لكم شيئاً فتقعون في إساءة الظن بنبيكم؛ فتكفرون بذلك، فأنا أريد ألا تقعوا في شيء من ذلك، رحمةً منه ورأفة: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ [الأحزاب:٦]. [وعن أنس قال: (بينما النبي ﷺ مع امرأة من نسائه إذ مر رجل فقال: يا فلان! هذه زوجتي فلانة)]. فالأصل في مثل هذا الأمر حسن الظن، فتخيل أني لم أقل لك: مهلاً هذه امرأتي معي في السيارة؟ أو لو أن امرأة محترمة جالسة معي في السيارة وأنت رأيتها معي؛ فالأصل حسن الظن، كما أن الأصل حسن الظن بإخوانك من طلبة العلم، فقد أرى طالب علم ومعه امرأة متبرجة وسافرة، فالأصل هنا حسن الظن، لكن ربما يكون في ذلك شيء من العتاب في أسلوب رقيق لطيف مهذب مؤدب إلى أقصى حد، وهذا الذي حدث لي ذات مرة عند النقابة في مدينة مصر وأنا قادم من أجل درس شرعي، فرأيت رجلاً وامرأة والرجل يشير إلى السيارات بجنون فتوقفت له، فإذا بامرأته مغمى عليها، فماذا يكون موقفي؟ ولو أنت مكاني ماذا تفعل؟ هل تحمله أم لا تحمله؟ الجواب تحمله، ولو كانت هي متبرجة، وهكذا حملتها بسيارتي وزوجها، وقلت له: إننا نذهب إلى المستشفى، فلما نزلت المرأة وزوجها هنا أمام المسجد حملها زوجها ورفعها على صدره، وصعد بها إلى أعلى وأنا صعدت خلفه، وحجزت لهما التذكرة، ودخلت معهما عند الدكتور، وأوصيت الدكتور بهما خيراً، وكان من حسن هذه المعاملة أن التزم الرجل والمرأة بالصلاة واللباس الشرعي كلاهما، وأنا لا أريد أن أحرجه؛ لأنه الآن صار صديقاً لي، وامرأته صارت صديقة لأهل بيتي.

стр. 1077

دعوة الناس إلى دين الله تعالى بالحكمة وبعض الإخوة انزعج جداً وقال: كيف تحترم المتبرجات؟ قلت: نعم أحترمها؛ إن الكافر مع أنه لا قدوة فيه لكنه لو كان على سرعة مائة وخمسين كيلو متر ورأى شخصاً قاطعاً الطريق لوقف له، فنحن أولى بهذا الخلق، فهذا خلق كريم ينبغي أن نتخلق به، فكم من إنسان كان عاصياً وبكلمة واحدة تاب ورجع، وكم من كافر آمن بكلمة، فحسن الخلق يجد طريقه إلى القلوب، وهذا هو خلق النبي ﵊، وهي أخلاق النبوة. وقد ثبت في الأثر: (أن رجلاً أتى النبي ﷺ وقال: يا رسول الله! أريد أن أسلم لكن على أن تأذن لي في الزنا -وأظن لو أن هذا السؤال كان مطروحاً عليك لقمت بضربه- فقال النبي ﷺ : أترضاه لأمك؟ لابنتك؟ لزوجك؟ لعمتك؟ لخالتك؟ وفي كل سؤال يقول الرجل: لا، فضرب النبي ﵊ صدره من جهة قلبه وقال: اللهم طهر قلبه)، فقام الرجل من عند النبي ﷺ معترفاً أن أبغض شيء إليه هو الزنا، ولو أن النبي ﷺ نهره لما انتفع الرجل بهذا الموقف الإيماني الرائع؟ إن النبي ﵊ له مع أصحاب المعاصي مواقف رائعة، وأما مواقفه مع أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وهؤلاء الصحابة الأجلاء الكبار من أئمة الدين فهي مواقف أخرى، وعندما نأتي الآن لنسرد أخلاقيات النبي ﷺ مع العصاة والزناة والسُّراق، والذين كانوا يسبونه ويشتمونه لعلمتم أن النبي ﷺ لو أراد أن ينتقم من أحدهم كأهل مكة لما فتحها، فـ أبو سفيان قال له: (يا رسول الله! أبيدت خضراء قريش، فلا قريش بعد اليوم، فكف عنهم النبي ﵊، فلو كان ﷺ من أهل الانتقام كما ننتقم نحن فلن يقوم لهذا الدين قائمة، فاتقوا الله في العصاة. ولا بد أن تعلموا أننا على معاص، فهم معصيتهم ظاهرة ونحن معاصينا مستورة، والله تعالى سترها عن الخلق لحسن مظهرنا، أو لحبنا لله ورسوله مع وجود المعاصي فينا. ولو قرأت يا أخي المسلم! في حياة السلف كما هو في كتاب (سير أعلام النبلاء) في ترجمة أدنى رجل من أهل العبادة والعلم والعمل وقست نفسك عليه لوجدت نفسك ضائعاً أمام أعمالهم؛ لأن السلف بلغوا المجد في كل باب من أبواب العلم والعمل، والزهد فنحن بجوار السلف لا شيء، وليس لنا من السلف إلا حب السلف، وأما العمل فبيننا وبينهم بون شاسع، فهناك أناس أدنى منك وأقرانك في العلم والعمل والعبادة، وأعلى منك، والناس درجات، فقد جعل الله تعالى هؤلاء أهل معصية؛ حتى تؤجر أنت فيهم، وحتى تدعوهم إلى الله ، وحتى يستمر باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإذا كان كل الناس مؤمنين موحدين فكيف يؤمر بالمعروف وينهى عن المنكر؟! قال: [(بينما النبي ﷺ مع امرأة من نسائه إذ مر رجل فقال: يا فلان! هذه زوجتي فلانة، فقال: يا رسول الله! من كنت أظن به فإني لم أكن أظن بك! قال: إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم)].

стр. 1078

بيان أن لكل إنسان قريناً من الجن قال: [وعن سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : (ما من أحد إلا وكل به قرينه من الجن)، فأنت معك قرينان أحدهما يأمرك بالخير والثاني يأمرك بالشر، أما الذي يأمرك بالشر فهو قرين الجن، والذي يأمرك بالخير فهو قرين الملائكة، (قالوا: وأنت يا رسول الله؟ قال: وأنا، إلا أن الله أعانني عليه فأسلم، فليس يأمرني إلا بخير). وعن ابن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : (ما منكم من أحد إلا وله قرينه من الجن، قال: ولا أنت؟ قال: ولا أنا إلا أني آمره فيطيعني). وعن المغيرة بن شعبة: أن النبي ﷺ قال: (ما منكم من أحد إلا وله شيطان، قال: ولك يا رسول الله؟! قال: ولي؛ إلا أن الله أعانني عليه فأسلم)] وله شاهد عند مسلم من حديث عائشة ﵂.

стр. 1079

أقوال الصحابة والتابعين في أن لكل إنسان قريناً وتحذيرهم من وسوسته قال: [وعن ابن عمر قال: كيف تنجو من الشيطان وهو يجري منك مجرى الدم؟!] والاستفهام هنا إما للتعجب، أو للنفي، فاجتهد قدر الإمكان أن تنجو. [وعن مطرف بن عبد الله بن الشخير قال: أرأيتم لو أن رجلاً رأى صيداً فجاءه من حيث لا يراه الطير يوشك أن يأخذه؟ قالوا: بلى]. وذلك لأنه ينقض عليه في حين غفلة منه، وهذا أمكن في السيطرة. [فقال مطرف: فكذا الشيطان يراك ولا تراه]، فهو يتحين منك لحظة غفلة ينقض عليك ويوقعك في المعصية. وعن عبد الله بن عبيد بن عمير: (أن إبليس قال: أي رب! أخرجتني من الجنة من أجل آدم، وأني لا أستطيعه إلا بسلطان)] أي: أنا لا أستطيع أن أتسلط عليه إلا أن تمكنني من ذلك، فهذا إبليس يعلم أن كل شيء من عند الله تعالى. [قال: (قال: فإنك مسلط عليه -أي: على آدم- قال: أي رب! زدني؟ قال: لا يولد له ولد إلا لك مثله)] فالشياطين يتناسلون خلافاً للملائكة. قال: [(قال: أي رب! زدني؟ قال: ﴿وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلادِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا﴾ [الإسراء:٦٤]، قال آدم: أي رب! إنك سلطته علي ولا أمتنع منه إلا بك) أي: لا أستطيع العصمة منه ومن حبائله ووسوسته إلا بك. [(قال: لا يولد لك ولد إلا وكلت به من يحفظه من يد السوء - أي: من إبليس والشيطان - قال: أي رب! زدني؟ قال: حسنة عشراً وأزيد، والسيئة واحدة)] يعني: إذا وقعت في السيئة كتبتها واحدة، وإذا فعلت الحسنة كتبتها حسنة إلى عشر حسنات، والله يضاعف لمن يشاء. [(قال: أي رب! زدني؟ قال: باب التوبة مفتوح ما دام الروح في الجسد، قال: أي رب! زدني؟ قال: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر:٥٣]) وعن عمر بن عبد العزيز قال: لو أراد الله ألا يعصى ما خلق إبليس]، إذاً: لما خلق إبليس أراد أن يعصى، أي: أذن في وجود المعصية وفي خلقها، وأرادها إرادة كونية قدرية لا إرادة شرعية دينية. قال: [فقد فصل لكم وبين لكم: ﴿مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ﴾ [الصافات:١٦٢]-أي: بمضلين- إلا من قدر عليه أن يصلى الجحيم]. [وعن مجاهد: في قول الله تعالى: ﴿إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ﴾ [الأعراف:٢٧] أي: الشيطان والجن يراكم هو وقبيله وأبناؤه وولده من حيث لا ترونهم]. قال الشيخ ابن بطة: [فهذه الأحاديث كلها موافقة لما نطق به التنزيل من تسليط الله إبليس وجنوده على بني آدم، وما قد ذكرناه في أول هذا الكتاب].

стр. 1080

الأسئلة

стр. 1081

توفيق الله سبحانه لنبيه دون غيره في أن قرينه أسلم السؤال كيف نعمل نحن مع ضعفنا في مجاهدة الشيطان لكي يسلم؟ الجواب إياك أن تتعشم أن الشيطان سيسلم، فهذا للنبي ﵊، ولو كان شيء من ذلك كائناً لآحاد الأمة لكان الصحابة أولى بذلك، والنبي ﷺ كان يخاطب الصحابة -بل أشراف الصحابة- فيقول لهم: (غير أن الله أعانني عليه فأسلم)، أما أن يسلم شيطان أحدنا فهذا أمر لا يعلمه أحد إنما يعلمه الله . فما عليك إلا أن تجاهد مكائد الشيطان، فإن كيد الشيطان كان ضعيفاً.

стр. 1082

حكم صيام يوم عاشوراء ويوم بعده السؤال شخص لم يصم يوم التاسع من محرم فماذا يفعل: هل يصوم العاشر والحادي عشر، أم كيف يخالف اليهود؟ الجواب في الحقيقة صيام الحادي عشر مع العاشر لمن فاته التاسع دليله ضعيف بل ضعيف جداً، وإنما يكفيك أن تصوم يوم العاشر فحسب، لكن إذا صمت يوم الحادي عشر على أنه يوم الإثنين فإنك تصومه بنية أنه من الأيام المسنونة، وليس ملحقاً بعاشوراء.

стр. 1083

الجمع بين قولنا: إنه لا راد لما قضى الله وقدره، وبين الحديث: (لا يرد البلاء إلا الدعاء) السؤال ما وجه الجمع بين ما قلت وبين ما نعلم من أن الدعاء يرد البلاء، وأن الدعاء والقدر يعتلجان في السماء، وكيف أدعو الله أن يصرف عني بلاءً وأنا أعلم أنه لو قدره الله تعالى علي فلن يصرفه عني؛ فلم الدعاء إذاً؟ الجواب هذا كلام جميل، ونفس سؤالك هذا قد سأله الصحابة ﵃، فأقول: هل تعلم أنت بنزول البلاء أم لا؟ وهل تعلم أن الله كتب عليك البلاء أم لا؟ إن النبي ﷺ في غزوة بدر كان يعلم من ربه أنه منصور؛ بدليل أنه قال: هذا مصرع فلان، وهذا مصرع فلان، وهذا مصرع فلان، وظل يعدد مصارع صناديد الشرك والكفر، ومع هذا رفع يديه ﵊ في ليلة الجمعة إلى الله ، وظل يدعو ربه طوال الليل، ويستغيث الله أن ينصره مع أن الله ناصره، وهو يعلم ذلك، فكان ينبغي أن يقول النبي ﷺ : أنا منصور، وينام طوال الليل حتى يستعد للحرب بعد الفجر، كان له ذلك، ولكن النبي ﷺ أخذ بالأسباب ومن أعظمها الدعاء. قال الحافظ ابن القيم عليه رحمة الله في كتابه (الداء والدواء): الدعاء والبلاء يعتلجان في السماء، البلاء نازل والدعاء صاعد، والنبي ﵊ يقول: (لا يرد البلاء إلا الدعاء) هذا حديث صحيح. ومعنى ذلك: أن الله تعالى قدر لي البلاء، ومع تقديره البلاء في اللوح المحفوظ قدر أنه لن يصل إلي، أو سيصل إلي، أو يعتلج مع الدعاء إلى قيام الساعة، فالحديث: (لا يرد البلاء إلا الدعاء) والدعاء هذا لقوته وقوة حرارة الإيمان فيه رد عنك البلاء، فلم يخف على الله تعالى لما كتب عليك البلاء أنك ستدعوه بإخلاص ويقين، فيرفع هذا الإخلاص وهذا اليقين البلاء، إذاً: فهو قدر البلاء وقدر لهذا البلاء أن يصعد مرة أخرى، لكنك أنت لا تعلم ذلك، ولا تدري أن الله قدر لك البلاء أم لا. فلو أنك خرجت من هذا المسجد وصدمتك سيارة، فدقت السيارة ذراعك فانكسرت؛ فهذا بلاء، وهو مقدر في السماء، ومع ذلك يحتاج إلى الدعاء؛ فإنه ربما يبرز هذا الدعاء بحرارة إيمان ويقين جداً، فيتقبله الله فيصرف عنك هذا البلاء، فإذا صرفه عنك فاعلم أنه مكتوب في اللوح المحفوظ أن من القدر نزول البلاء، ومن القدر كذلك رفع البلاء بسبب الدعاء، هذا مكتوب وذاك مكتوب. وقال النبي ﵊: (صلة الرحم تزيد في العمر) مع أن الله تعالى يقول: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [الأعراف:٣٤]. فأنت مكتوب لك أنك تعيش خمسين سنة مثلاً على التمام والكمال بغير زيادة ولا نقصان، لكن هل تعرف أن هذا مكتوب لك؟ لا، ولو كنت تعرفه لاستمررت في العصيان طوال عمرك، وعندما يصل عمرك إلى (٤٩) سنة تتوب من ذلك؛ لأنك تعرف أن الموت لم يبق له إلا سنة واحدة، وتعرف أن معادك الساعة كذا في الدقيقة الفلانية، وقد تقعد على القبر لتستعد للموت، لكن من حكمة الله تعالى أنه أخفى عليك يومك حتى تجتهد طول عمرك؛ لأن الموت ينزل بك وبساحتك في أي وقت وأنت شاب أو شيخ أو كهل أو رجل أو امرأة، صغيراً كنت أو كبيراً، الموت يأتي بغتة، فإذا كان هذا اعتقادك اجتهدت في الطاعة، واجتهدت في العبادة والدعاء الذي هو رأس العبادات، وبهذا الدعاء يرفع الله عنك البلاء. فالله تعالى قدر لك في اللوح المحفوظ أنك ستعيش (٥٠) سنة، وهذا اللوح المحفوظ لا يقبل المحو ولا الإثبات: ﴿يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ [الرعد:٣٩]، فالمحو والإثبات إنما هو في الصحف التي في أيدي الملائكة، فالله تعالى يقول للملائكة الذين يكتبون، أو لملك الأرحام الذي يكتب عمرك: اكتب إذا كان واصلاً لرحمه فسيعيش ستين سنة، وإذا كان غير ذلك فسيعيش خمسين سنة، والله تعالى علم أنك لن تكون واصلاً؛ فكتبك في اللوح المحفوظ -الذي لم يُطلع عليه ملكاً مقرباً، ولا نبياً مرسلاً- أنك ستكون قاطعاً للرحم، وأن عمرك ينتهي عند الخمسين، ولكنه أمر الملائكة: اكتبوا إذا كان واصلاً فسيعيش ستين سنة، وإذا كان غير واصل فسيعيش خمسين سنة، فهذا معنى قول النبي ﵊: (صلة الرم تزيد في العمر) أي: هي سبب في زيادة العمر المعلوم في علم الله الأزلي، والله تعالى علم منك قبل أن يخلق السموات والأرض أنك ستكون واصلاً أو قاطعاً، وهذا من العلم الذي أخفاه الله عن جميع الخلق حتى الملائكة والأنبياء، فالملك الذي كتب عمرك لا يدري متى تموت بالضبط على الكمال والتمام؛ لأن الله تعالى قال له: اكتب: إن هذا سيموت وعمره (٥٠) أو (٦٠) سنة حسب عمله الصالح أو الطالح، فالملك لا يعلم عين التوقيت الذي تقبض فيه روحك، لا يعلم ذلك إلا الله ، فهذا معنى أن الأعمال الخيرية تزيد في العمر. وربما يكون المعنى: أنها تزيد في العمر بركة، فشخص عاش (٦٠) سنة، لكنه لم يعمل خيراً قط، وشخص عاش (٣٠) سنة أو (٤

стр. 1084

شرح كتاب الإبانة - بيان أن كل مولود يُولد على الفطرة، وذراري المشركين لقد أخبر النبي ﵊ أن كل مولود يولد على الفطرة، وقد اختلف أهل العلم في المراد بالفطرة، وانعقد الإجماع على أن من مات من أبناء الموحدين قبل البلوغ فهو في الجنة، ووقع الخلاف في أبناء الكفار الذين ماتوا قبل بلوغهم الحلم على مذاهب عدة تجدها مبسوطة في هذه المادة.

стр. 1085

باب الإيمان بأن كل مولود يولد على الفطرة وذراري المشركين إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. وبعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة. أما بعد: الباب الثالث من أبواب القدر: باب الإيمان بأن كل مولود يولد على الفطرة، وذراري المشركين. أي: والكلام عن أطفال المشركين.

стр. 1086

شرح حديث (كل مولود يولد على الفطرة) قال المصنف ﵀: [عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه وينصرانه، كما تناتج الإبل من كل بهيمة جمعاء، هل تحس من جدعاء؟)]. ومعنى الحديث: أن البقرة تلد بقرة مثلها، والبعير يلد بعيراً مثله، فإذا ولدت الناقة ولداً فهل تشعر بأدنى فرق بين هذا المولود وبين أمه؟ لا، إنما هو بضعة منها قد اجتمعت أعضاؤه كلها، والناظر إلى ولد الناقة يقول: هذا ولد الناقة، والناظر إلى مولود الآدمي يقول: هذا آدمي، ولا يمكن أبداً أن تلد ناقة إنساناً، أو تلد امرأة ناقة. ولذلك كل مولود ينتج مثيله وشكيله، (جمعاء) أي: قد جمع جميع الأعضاء، وقوله: (هل تحس من جدعاء؟) الجدع: قطع الأنف، أو قطع الأذن، أو قطع اليد، أي: قطع الأطراف عموماً، فإذا ولدت الناقة فولدها مثلها في الشبه والأعضاء. قال: [(كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه، أو ينصرانه، أو يمجسانه، أو يشركانه)]، أي: يجعلانه مشركاً، كالبهيمة التي تلد بهيمة مثلها قد جمعت جميع الأعضاء، (هل تحس فيها من جدعاء؟) أي: هل فيها نقص؟ ليس فيها نقص، بل كلها مثل أمها.

стр. 1087

مذاهب العلماء في أبناء المشركين الذين ماتوا قبل البلوغ [(قالوا يا رسول الله: أرأيت من يموت وهو صغير؟ قال: الله أعلم بما كانوا عاملين)]. قولهم: (أرأيت من يموت وهو صغير؟) هذا يتعلق بأبناء المشركين والكفار؛ لأن الإجماع قد انعقد -مع وفرة النصوص من الكتاب والسنة- على أن من مات قبل البلوغ، وقبل أن يجري عليه القلم، وقبل أن يبلغ الحلم من أبناء الموحدين والمسلمين فهو في الجنة، لا خلاف في ذلك، وإنما وقع الخلاف في أبناء الكفار لو أنهم ماتوا قبل البلوغ أين هم؟ على أربعة مذاهب. المذهب الأول: أنهم في الجنة. المذهب الثاني: أنهم تبع لآبائهم، أي: أنهم في النار. المذهب الثالث: التوقف، أي: عدم القطع لهم بجنة ولا نار. المذهب الرابع: أنهم يؤتون يوم القيامة فيعقد لهم اختبار، فإن أطاعوا الله تعالى أدخلهم الجنة، وإن عصوا الله تعالى أدخلهم النار. وهذا الاختبار عبارة عن قول الله تعالى لهم: ادخلوا النار، فإن أطاعوه ودخلوا النار كانت برداً وسلاماً عليهم، وهذا يدل على أنهم لو كانوا عاشوا حتى بلغوا لكانوا من الطائعين لله ، فالذي يطيعه تعالى في هذا الموطن حري به أن يكون مطيعاً له في الدنيا لو أنه عاش، ولو أن الله تعالى أمره أن يدخل النار فأبى وعصى كان حرياً به ألا يطيعه في الدنيا لو أنه عاش بعد البلوغ. فهذه المذاهب الأربعة فيما يتعلق بذراري المشركين أو بأبناء الكفار أيها أرجح؟ سنتعرض لهذا بإذن الله تعالى.

стр. 1088

حجة من يقول بأن أبناء الكفار كفار قال: [وقال أبو هريرة: قال النبي ﷺ : (كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه، وينصرانه، ويمجسانه -أي: يجعلانه مجوسياً- والبهيمة تنتج البهيمة)، أي: والبهيمة تلد البهيمة، ومعنى هذا القول: أن المؤمن يلد مؤمناً، والكافر يلد كافراً، وهذا هو الذي حدا ببعض أهل العلم إلى أن يقول: إن أبناء الكفار كفار، والبهيمة تنتج البهيمة. [ثم قال: (هل تكون فيها جدعاء؟)] أي: هل فيها نقص؟ هل فيها عوج؟ هل فيها التواء؟ هل فيها انحراف عن أصل فطرتها؟ الجواب لا، إذاً: أبناء الكفار كفار، وهذه حجة من يقول: إن أبناء الكفار كفار. قال: [وعن الأسود بن سريع التميمي السعدي -نزل البصرة ومات في أيام الجمل- قال: (بعث النبي ﷺ سرية فأفضى بهم القتل إلى الذرية -أي: بعث النبي سرية للجهاد فجاهدوا وقاتلوا حتى قتلوا أبناء المشركين الذين كانوا يقاتلونهم- فقال لهم النبي ﷺ : ما حملكم على قتل الذرية؟ -أي: ما الذي دعاكم إلى قتل الأطفال؟ - قالوا: يا رسول الله أوليسوا أولاد المشركين؟ قال: أوليس خياركم أولاد المشركين؟ -أي: إن خياركم الآن هم أبناء المشركين، ثم قام النبي ﵊ خطيباً فقال: ألا كل مولود يولد على الفطرة حتى يعرب عنه لسانه)]، أي: حتى يصبح باختياره مؤمناً أو كافراً، وهذا لا يكون إلا بعد البلوغ.

стр. 1089

معنى الفطرة في حديث: (كل مولود يولد على الفطرة) عند ابن بطة ﵀ قال الشيخ ابن بطة: [وما أكثر من عشيت بصيرته عن فهم هذا الحديث -أي: أصابه العشى- فتاه قلبه، وتحير عقله، فضل وأضل به خلقاً كثيراً، وذلك أنه يتأول الخبر على ما يحتمله عقله من ظاهره، فيظن أن معنى قول النبي ﷺ : (إن كل مولود يولد على الفطرة): أراد بذلك أن كل مولود يولد مسلماً مؤمناً]. وهذا الذي نفهمه جميعاً من الحديث، بل لو سألت شخصاً فقلت له: ما المقصود بالفطرة في قول النبي الكريم: (كل مولود يولد على الفطرة؟) فالكل سيقولون: الإسلام، لكن انظر إلى كلام الشيخ ابن بطة عليه رحمة الله، يقول: ما أكثر من عشيت بصيرته عن فهم هذا الحديث، فتاه قلبه وتحير عقله فضل وأضل. وهذا زجر شديد جداً، فهو ينعى على من فهم أن الفطرة هي الإسلام، فيقول: هذا كلام غير صحيح. قال: [وإنما أبواه يهودانه وينصرانه، فمن قال ذلك أو توهمه فقد أعظم الفرية على الله وعلى رسوله، ورد القرآن والسنة، وخالف ما عليه المؤمنون من الأمة]. إذاً: نحن بذلك ضائعين؛ لأننا نفهم أن الفطرة هي الإسلام. قال: [وزعم أن اليهود والنصارى يضلون من هداه الله من أولادهم، ويشقون من أسعده الله، ويجعلون من أهل النار من خلقه الله للجنة، ويزعمون أن مشيئة اليهود والنصارى والمجوس في أولادهم كانت أغلب، وإرادتهم أظهر وأقدر من مشيئة الله وإرادته وقدرته في أولادهم، حتى كان ما أرادته اليهود والنصارى والمجوس، ولم يكن ما أراده الله، تعالى عما تقوله القدرية المفترية على الله علواً كبيراً]. إذاً: هو بذلك جعلنا قدرية!

стр. 1090

تفسير الفطرة في هذا الحديث بما جاء في كتاب الله والأحاديث الأخرى من أخذ الميثاق في ابتداء الخلق قال: [فأما هذا الحديث فإن بيان وجهه في كتاب الله، وفي سنة رسوله ﷺ ، وعند العلماء والعقلاء بيان لا يختل على من وهب الله له فهمه، وفتح أبصار قلبه؛ وذلك قول الله : ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا﴾ [الأعراف:١٧٢]]. يريد أن يقول: إن الفطرة في الحديث: (كل مولود يولد على الفطرة) هي المذكورة آية الميثاق: ((وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا))، فهو فسر الفطرة بالميثاق الذي ابتدأه الله تعالى فاطر السماوات والأرض، أي: مبتدئ السماوات والأرض، فقال: الفطرة هي الابتداء، أي: ابتدأه الله تعالى. ففسر الفطرة بالابتداء، والابتداء هو الخلق، ولما خلقهم الله تعالى على هيئة الذر في ظهور آبائهم أخرجهم من ظهور آبائهم، وأخذ عليهم العهد والميثاق أنه ربهم، ولا رب لهم إلا هو ، وهو المستحق للإلهية؛ لأن الذي يخلق ويرزق ويحيي ويميت يستحق أن يعبد دون سواه، فلما أخذ الله تعالى عليهم العهد بذلك: ﴿وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ﴾ [الأعراف:١٧٢]. قال: [ثم جاءت الأحاديث بتفسير ذلك أن الله أخذهم من صلب آدم كهيئة الذر، فأخذ عليهم العهد والميثاق بأنه ربهم، فأقروا له بذلك أجمعون، ثم ردهم في صلب آدم، ثم قال : ﴿فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ [الروم:٣٠]-أي: التي ابتدأ خلق الناس عليها- فكانت البداية التي ابتدأ الله الخلق بها، ودعاهم إليها؛ وذلك أن بداية خلقهم الإقرار له بأنه ربهم، وهي الفطرة]. إذاً: فسر قول النبي ﵊: (كل مولود يولد على الفطرة) بأنه الإقرار الأول الذي أخذه الله تعالى من ذرية آدم لما أخرجهم من صلب أبيهم آدم، قال: [والفطرة هاهنا ابتداء الخلق]، أي: أنه فسر الفطرة بابتداء الخلق وليس بالإسلام. قال: [ولم يعن بالفطرة الإسلام وشرائعه وسننه وفرائضه، ألا تراه يقول: ((لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ))، ومما يزيدك في بيان ذلك ووضوحه قوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [فاطر:١] يعني: أنه بدأ خلقها، أي: بدأ خلق السماوات والأرض، فالفطرة بمعنى: الخلق والبداية، فقوله ﷺ : (كل مولود يولد على الفطرة) يعني: على تلك البداية التي ابتدأ الله خلقه بها، وأخذ مواثيقهم عليها من الإقرار له بالربوبية، ثم يعرب عنه لسانه بما يلقنه أبواه من الشرائع والأديان؛ فيعرب بها وينسب إليها، ثم هو من بعد إعراب لسانه واعتقاده لدين آبائه؛ راجع إلى علم الله تعالى في العلم الأزلي الذي كتبه قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، ومن سبق له في أم الكتاب عنده أنه كان ممن سبقت له الرحمة؛ لم تضره أبوته]. فانظر إلى الحجج العقلية، فهو يقول: إذا كان الله تعالى علم أن هذا مرحوماً فلن تضره أبوة أبويه وإن كانا كافرين، ولو سبق في علم الله لعبده أنه معذب فلن تنفعه أبوة أبويه وإن كانا من أتقى أهل الأرض، وهذا كلام جميل. قال: [ولا ما دعاه إليه وعلمه أبواه من دين اليهودية والنصرانية والمجوسية، فما أكثر من ولدته اليهود والنصارى والمجوس ونشأ فيهم ومعهم وعلى أديانهم وأقوالهم وأفعالهم، ثم راجع بدايته وما سبق له من الله ومن عنايته بهدايته، فحسن إسلامه، وظهر إيمانه، وشرح الله صدره بالإسلام، وطهر قلبه بالإيمان، فعاد بعد الذي كان عليه من طاعته لأبويه عاصياً، ومحبته لهما بغضاً، وسلمه لهما وذبه لهما حرباً، وعليهما عذاباً صباً، ولو كان الأمر على ما تأولته الزائغون أن كل مولود يولد على الفطرة -أي: على دين الإسلام وشرائعه- لكان من سبيل المولود من اليهود والنصارى إذا مات أبواه وهو طفل ألا يرثهما]. وهذه حجة عقلية، فهو يريد أن يقول: لو كانت الفطرة هنا بمعنى الإسلام؛ فإن كل أبناء المشركين إذا ماتوا تجرى عليهم أحكام الإسلام: من الغسل، والتكفين، والصلاة عليهم، والدفن في مقابر المسلمين، ويرث أباه، وأبوه يرث منه، وهذا الكلام معقول، والأوضح منه أمر المنافقين؛ إذ إن الله قد قطع بكفرهم؛ لأنهم كفار في الحقيقة، فقد أظهروا الإسلام وأبطنوا الكفر، ولكونهم أظهروا الإسلام جرت عليهم أحكام الإسلام في الدنيا، وهم عند الله كفار، وكذلك أطفال المشركين ما المانع أن يكونوا في حقيقة أمرهم مسلمين، وتجرى عليهم في الدنيا أحكام الكفار تبعاً لآبائهم؟ والنبي ﵊ صلى على زعيم المنافقين وهو على يقين من ربه أنه منافق، وأنه كافر، ومع هذا
следующие страницы →