← Акыда

Акыда · id 37436

شرح كتاب الإبانة من أصول الديانة

حسن أبو الأشبال الزهيري

Полный текст (1 366 стр.). Показаны 1086–1125 · переход к 1091.

стр. 1086

شرح حديث (كل مولود يولد على الفطرة) قال المصنف ﵀: [عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه وينصرانه، كما تناتج الإبل من كل بهيمة جمعاء، هل تحس من جدعاء؟)]. ومعنى الحديث: أن البقرة تلد بقرة مثلها، والبعير يلد بعيراً مثله، فإذا ولدت الناقة ولداً فهل تشعر بأدنى فرق بين هذا المولود وبين أمه؟ لا، إنما هو بضعة منها قد اجتمعت أعضاؤه كلها، والناظر إلى ولد الناقة يقول: هذا ولد الناقة، والناظر إلى مولود الآدمي يقول: هذا آدمي، ولا يمكن أبداً أن تلد ناقة إنساناً، أو تلد امرأة ناقة. ولذلك كل مولود ينتج مثيله وشكيله، (جمعاء) أي: قد جمع جميع الأعضاء، وقوله: (هل تحس من جدعاء؟) الجدع: قطع الأنف، أو قطع الأذن، أو قطع اليد، أي: قطع الأطراف عموماً، فإذا ولدت الناقة فولدها مثلها في الشبه والأعضاء. قال: [(كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه، أو ينصرانه، أو يمجسانه، أو يشركانه)]، أي: يجعلانه مشركاً، كالبهيمة التي تلد بهيمة مثلها قد جمعت جميع الأعضاء، (هل تحس فيها من جدعاء؟) أي: هل فيها نقص؟ ليس فيها نقص، بل كلها مثل أمها.

стр. 1087

مذاهب العلماء في أبناء المشركين الذين ماتوا قبل البلوغ [(قالوا يا رسول الله: أرأيت من يموت وهو صغير؟ قال: الله أعلم بما كانوا عاملين)]. قولهم: (أرأيت من يموت وهو صغير؟) هذا يتعلق بأبناء المشركين والكفار؛ لأن الإجماع قد انعقد -مع وفرة النصوص من الكتاب والسنة- على أن من مات قبل البلوغ، وقبل أن يجري عليه القلم، وقبل أن يبلغ الحلم من أبناء الموحدين والمسلمين فهو في الجنة، لا خلاف في ذلك، وإنما وقع الخلاف في أبناء الكفار لو أنهم ماتوا قبل البلوغ أين هم؟ على أربعة مذاهب. المذهب الأول: أنهم في الجنة. المذهب الثاني: أنهم تبع لآبائهم، أي: أنهم في النار. المذهب الثالث: التوقف، أي: عدم القطع لهم بجنة ولا نار. المذهب الرابع: أنهم يؤتون يوم القيامة فيعقد لهم اختبار، فإن أطاعوا الله تعالى أدخلهم الجنة، وإن عصوا الله تعالى أدخلهم النار. وهذا الاختبار عبارة عن قول الله تعالى لهم: ادخلوا النار، فإن أطاعوه ودخلوا النار كانت برداً وسلاماً عليهم، وهذا يدل على أنهم لو كانوا عاشوا حتى بلغوا لكانوا من الطائعين لله ، فالذي يطيعه تعالى في هذا الموطن حري به أن يكون مطيعاً له في الدنيا لو أنه عاش، ولو أن الله تعالى أمره أن يدخل النار فأبى وعصى كان حرياً به ألا يطيعه في الدنيا لو أنه عاش بعد البلوغ. فهذه المذاهب الأربعة فيما يتعلق بذراري المشركين أو بأبناء الكفار أيها أرجح؟ سنتعرض لهذا بإذن الله تعالى.

стр. 1088

حجة من يقول بأن أبناء الكفار كفار قال: [وقال أبو هريرة: قال النبي ﷺ : (كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه، وينصرانه، ويمجسانه -أي: يجعلانه مجوسياً- والبهيمة تنتج البهيمة)، أي: والبهيمة تلد البهيمة، ومعنى هذا القول: أن المؤمن يلد مؤمناً، والكافر يلد كافراً، وهذا هو الذي حدا ببعض أهل العلم إلى أن يقول: إن أبناء الكفار كفار، والبهيمة تنتج البهيمة. [ثم قال: (هل تكون فيها جدعاء؟)] أي: هل فيها نقص؟ هل فيها عوج؟ هل فيها التواء؟ هل فيها انحراف عن أصل فطرتها؟ الجواب لا، إذاً: أبناء الكفار كفار، وهذه حجة من يقول: إن أبناء الكفار كفار. قال: [وعن الأسود بن سريع التميمي السعدي -نزل البصرة ومات في أيام الجمل- قال: (بعث النبي ﷺ سرية فأفضى بهم القتل إلى الذرية -أي: بعث النبي سرية للجهاد فجاهدوا وقاتلوا حتى قتلوا أبناء المشركين الذين كانوا يقاتلونهم- فقال لهم النبي ﷺ : ما حملكم على قتل الذرية؟ -أي: ما الذي دعاكم إلى قتل الأطفال؟ - قالوا: يا رسول الله أوليسوا أولاد المشركين؟ قال: أوليس خياركم أولاد المشركين؟ -أي: إن خياركم الآن هم أبناء المشركين، ثم قام النبي ﵊ خطيباً فقال: ألا كل مولود يولد على الفطرة حتى يعرب عنه لسانه)]، أي: حتى يصبح باختياره مؤمناً أو كافراً، وهذا لا يكون إلا بعد البلوغ.

стр. 1089

معنى الفطرة في حديث: (كل مولود يولد على الفطرة) عند ابن بطة ﵀ قال الشيخ ابن بطة: [وما أكثر من عشيت بصيرته عن فهم هذا الحديث -أي: أصابه العشى- فتاه قلبه، وتحير عقله، فضل وأضل به خلقاً كثيراً، وذلك أنه يتأول الخبر على ما يحتمله عقله من ظاهره، فيظن أن معنى قول النبي ﷺ : (إن كل مولود يولد على الفطرة): أراد بذلك أن كل مولود يولد مسلماً مؤمناً]. وهذا الذي نفهمه جميعاً من الحديث، بل لو سألت شخصاً فقلت له: ما المقصود بالفطرة في قول النبي الكريم: (كل مولود يولد على الفطرة؟) فالكل سيقولون: الإسلام، لكن انظر إلى كلام الشيخ ابن بطة عليه رحمة الله، يقول: ما أكثر من عشيت بصيرته عن فهم هذا الحديث، فتاه قلبه وتحير عقله فضل وأضل. وهذا زجر شديد جداً، فهو ينعى على من فهم أن الفطرة هي الإسلام، فيقول: هذا كلام غير صحيح. قال: [وإنما أبواه يهودانه وينصرانه، فمن قال ذلك أو توهمه فقد أعظم الفرية على الله وعلى رسوله، ورد القرآن والسنة، وخالف ما عليه المؤمنون من الأمة]. إذاً: نحن بذلك ضائعين؛ لأننا نفهم أن الفطرة هي الإسلام. قال: [وزعم أن اليهود والنصارى يضلون من هداه الله من أولادهم، ويشقون من أسعده الله، ويجعلون من أهل النار من خلقه الله للجنة، ويزعمون أن مشيئة اليهود والنصارى والمجوس في أولادهم كانت أغلب، وإرادتهم أظهر وأقدر من مشيئة الله وإرادته وقدرته في أولادهم، حتى كان ما أرادته اليهود والنصارى والمجوس، ولم يكن ما أراده الله، تعالى عما تقوله القدرية المفترية على الله علواً كبيراً]. إذاً: هو بذلك جعلنا قدرية!

стр. 1090

تفسير الفطرة في هذا الحديث بما جاء في كتاب الله والأحاديث الأخرى من أخذ الميثاق في ابتداء الخلق قال: [فأما هذا الحديث فإن بيان وجهه في كتاب الله، وفي سنة رسوله ﷺ ، وعند العلماء والعقلاء بيان لا يختل على من وهب الله له فهمه، وفتح أبصار قلبه؛ وذلك قول الله : ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا﴾ [الأعراف:١٧٢]]. يريد أن يقول: إن الفطرة في الحديث: (كل مولود يولد على الفطرة) هي المذكورة آية الميثاق: ((وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا))، فهو فسر الفطرة بالميثاق الذي ابتدأه الله تعالى فاطر السماوات والأرض، أي: مبتدئ السماوات والأرض، فقال: الفطرة هي الابتداء، أي: ابتدأه الله تعالى. ففسر الفطرة بالابتداء، والابتداء هو الخلق، ولما خلقهم الله تعالى على هيئة الذر في ظهور آبائهم أخرجهم من ظهور آبائهم، وأخذ عليهم العهد والميثاق أنه ربهم، ولا رب لهم إلا هو ، وهو المستحق للإلهية؛ لأن الذي يخلق ويرزق ويحيي ويميت يستحق أن يعبد دون سواه، فلما أخذ الله تعالى عليهم العهد بذلك: ﴿وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ﴾ [الأعراف:١٧٢]. قال: [ثم جاءت الأحاديث بتفسير ذلك أن الله أخذهم من صلب آدم كهيئة الذر، فأخذ عليهم العهد والميثاق بأنه ربهم، فأقروا له بذلك أجمعون، ثم ردهم في صلب آدم، ثم قال : ﴿فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ [الروم:٣٠]-أي: التي ابتدأ خلق الناس عليها- فكانت البداية التي ابتدأ الله الخلق بها، ودعاهم إليها؛ وذلك أن بداية خلقهم الإقرار له بأنه ربهم، وهي الفطرة]. إذاً: فسر قول النبي ﵊: (كل مولود يولد على الفطرة) بأنه الإقرار الأول الذي أخذه الله تعالى من ذرية آدم لما أخرجهم من صلب أبيهم آدم، قال: [والفطرة هاهنا ابتداء الخلق]، أي: أنه فسر الفطرة بابتداء الخلق وليس بالإسلام. قال: [ولم يعن بالفطرة الإسلام وشرائعه وسننه وفرائضه، ألا تراه يقول: ((لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ))، ومما يزيدك في بيان ذلك ووضوحه قوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [فاطر:١] يعني: أنه بدأ خلقها، أي: بدأ خلق السماوات والأرض، فالفطرة بمعنى: الخلق والبداية، فقوله ﷺ : (كل مولود يولد على الفطرة) يعني: على تلك البداية التي ابتدأ الله خلقه بها، وأخذ مواثيقهم عليها من الإقرار له بالربوبية، ثم يعرب عنه لسانه بما يلقنه أبواه من الشرائع والأديان؛ فيعرب بها وينسب إليها، ثم هو من بعد إعراب لسانه واعتقاده لدين آبائه؛ راجع إلى علم الله تعالى في العلم الأزلي الذي كتبه قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، ومن سبق له في أم الكتاب عنده أنه كان ممن سبقت له الرحمة؛ لم تضره أبوته]. فانظر إلى الحجج العقلية، فهو يقول: إذا كان الله تعالى علم أن هذا مرحوماً فلن تضره أبوة أبويه وإن كانا كافرين، ولو سبق في علم الله لعبده أنه معذب فلن تنفعه أبوة أبويه وإن كانا من أتقى أهل الأرض، وهذا كلام جميل. قال: [ولا ما دعاه إليه وعلمه أبواه من دين اليهودية والنصرانية والمجوسية، فما أكثر من ولدته اليهود والنصارى والمجوس ونشأ فيهم ومعهم وعلى أديانهم وأقوالهم وأفعالهم، ثم راجع بدايته وما سبق له من الله ومن عنايته بهدايته، فحسن إسلامه، وظهر إيمانه، وشرح الله صدره بالإسلام، وطهر قلبه بالإيمان، فعاد بعد الذي كان عليه من طاعته لأبويه عاصياً، ومحبته لهما بغضاً، وسلمه لهما وذبه لهما حرباً، وعليهما عذاباً صباً، ولو كان الأمر على ما تأولته الزائغون أن كل مولود يولد على الفطرة -أي: على دين الإسلام وشرائعه- لكان من سبيل المولود من اليهود والنصارى إذا مات أبواه وهو طفل ألا يرثهما]. وهذه حجة عقلية، فهو يريد أن يقول: لو كانت الفطرة هنا بمعنى الإسلام؛ فإن كل أبناء المشركين إذا ماتوا تجرى عليهم أحكام الإسلام: من الغسل، والتكفين، والصلاة عليهم، والدفن في مقابر المسلمين، ويرث أباه، وأبوه يرث منه، وهذا الكلام معقول، والأوضح منه أمر المنافقين؛ إذ إن الله قد قطع بكفرهم؛ لأنهم كفار في الحقيقة، فقد أظهروا الإسلام وأبطنوا الكفر، ولكونهم أظهروا الإسلام جرت عليهم أحكام الإسلام في الدنيا، وهم عند الله كفار، وكذلك أطفال المشركين ما المانع أن يكونوا في حقيقة أمرهم مسلمين، وتجرى عليهم في الدنيا أحكام الكفار تبعاً لآبائهم؟ والنبي ﵊ صلى على زعيم المنافقين وهو على يقين من ربه أنه منافق، وأنه كافر، ومع هذا

стр. 1091

رد المؤلف على مذهب القائلين بأن الفطرة هي الإسلام قال: [ولو كان الأمر على ما تأولته الزائغون أن كل مولود يولد على الفطرة -أي: دين الإسلام وشرائعه- لكان من سبيل المولود من اليهود والنصارى إذا مات أبواه وهو طفل ألا يرثهما، وكذلك إن ماتا لم يرثاه؛ لما عليه الأمة مجمعون أنه لا يرث المسلم الكافر، ولا الكافر المسلم، وقد كان من سبيل الطفل من أولاد أهل الكتاب إذا مات في صغره أن يتولاه المسلمون، ويصلوا عليه، ولا يدفن إلا معهم وفي مقابرهم]. أي: أنه يريد أن يقول لك: لو كان النبي والصحابة يفهمون أن الفطرة هي الإسلام لأخذوا أولاد المشركين بعد موتهم وصلوا عليهم، وأجروا عليهم أحكام الإسلام، لكن لما لم يفعل ذلك النبي ﵊ ولا أصحابه الكرام دل على أن الفطرة ليست هي الإسلام، وإنما هي ابتداء الخلق، وأخذ الميثاق على العباد. قال: [فإن كان الحكم في معنى هذا الحديث كما تأولته القدرية -وليس هو كذلك والحمد لله- فقد ضلت الأمة، وخالفت الكتاب والسنة حين خلت بين اليهود والنصارى وبين الأطفال من المسلمين]. أي: لو كان الأمر كذلك -أن الفطرة هي الإسلام- فقد أجمعت الأمة على الضلال؛ لأنها مكنت اليهود والنصارى والمجوس والمشركين من دفن أبنائهم، وفي حقيقة الأمر هم منا، لكن هذا محال، فالأمة لا يمكن أبداً أن تجتمع على ضلال. قال: [يأخذون مواريثهم ويلون غسلهم والصلاة عليهم والدفن لهم، لكن المسلمين مجمعون، وعلى إجماعهم مصيبون: أن من مات من أطفال اليهود والنصارى والمجوس ورثه أبواه وورث هو أبويه، ووليا غسله ودفنه، وأن أطفالهم منهم ومعهم وعلى أديانهم -أي: في الدنيا-، وإنما قوله ﷺ : (كل مولود يولد على الفطرة) إنما أراد أنهم يولدون على تلك البداية التي كانت في صلب آدم ﵇ من الإقرار لله بالمعرفة، ثم أعربت عنهم ألسنتهم ونسبوا إلى آبائهم، فمنهم من جحد بعد إقراره الأول من الزنادقة الذين لا يعترفون بالله ولا يقرون به، وغيرهم ممن لم يبلغه الإسلام في أقطار الأرض الذين لا يدينون ديناً، وسائر الملل، فهم يقرون بتلك الفطرة التي كانت في البداية، فإنك لست تلقى أحداً من أهل الملل -وإن كان كافراً- إلا وهو مقر بأن الله ربه وخالقه ورازقه، وهو في ذلك كافر حين خالف شريعة الإسلام]. ونخلص من ذلك كله إلى أن ابن بطة عليه رحمة الله فسر قول النبي ﵊: (كل مولود يولد على الفطرة) أي: على أصل الخلق الذي خلقه الله تعالى عليه؛ حين أخذ العهد والميثاق عليه لما أخرجه كالذر من صلبه أبيه آدم، ففسر الفطرة بالابتداء، وأن الله تعالى أخرج الذرية من ظهور آبائهم، وأخذ عليهم الميثاق: ((أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى))، فهم يقرون بربوبية الله ، ثم تجد بعد ذلك من يجحد ويكفر ومن يؤمن. ثم يستدل على صحة هذا التفسير [بما رواه الحجاج بن منهال عن حماد بن سلمة قال: هذا عندنا حيث أخذ الله عليهم العهد في أصلاب آبائهم، قال: ((أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى))]. إذاً: ابن بطة لم يأت بكلام من عنده، وإنما له سلف في هذه المسألة، وسلفه فيها هو حماد بن سلمة، ومثل قول حماد قال قتيبة رحمه الله تعالى.

стр. 1092

بيأن أن الأدلة الشرعية لا يقع فيها التضاد والتناقض حقيقة قال: [وأدل من ذلك ما جاء من أخبار المصطفى ﷺ التي أجمع أهل العلم بها على صحتها لا يقع فيها التتضاد]. أي: لا يمكن أن يحصل فيها تضارب؛ لأنها من مشكاة واحدة وهي مشكاة الوحي، قال: [وأقواله وكلامه ﷺ لا تتناقض ولا تتناسخ، وربما صحت الأخبار عنه ﷺ بالاختلاف والتناسخ، فكان ذلك في التحليل والتحريم، والتخفيف والتشديد]. هو يريد أن يقول: إن كلام الله ، وكلام النبي ﵊ منه ما هو خبر، ومنه ما هو إنشاء، والإنشاء بابه طويل وعظيم جداً، ومتفرع منه الحلال والحرام، والتخفيف والتشديد، ومنه المنسوخ وغير المنسوخ، والنسخ يلحق الإنشاء ولا يلحق الخبر، فغير الأخبار معرضة للنسخ، والنسخ إنما يكون في زمن النبوة، أي: أنه لا نسخ بعد موت النبي ﵊؛ لأنه الطريق الدال على النسخ. قال: [فكان ذلك في التحليل -أي: مسألة النسخ- والتحريم، والتخفيف والتشديد للأمر يحدث، والسبب يعرض، والعذر يحضر، فأما الأخبار الواردة التي تجري مجرى الخبر عن الله والإعلام عنه؛ فمعاذ الله أن تتضاد هذه الأخبار، أو تتناقض هذه الأقوال]. أي: هل يمكن أن يأتي النسخ فيما يتعلق بصفات الله ، فبعد أن كان رحيماً نسخت رحمة الله ؟ لا يمكن؛ لأن الله تعالى أخبر عن نفسه بأنه رحيم، وأنه رحمان، وأنه غفور، وأنه ودود، فلا يمكن لهذه الأخبار أن يلحقها النسخ، لكن الإنشاء مثل قوله ﷺ : (كنت نهيتكم عن زيارة القبور ألا فزوروها)، فهذا أمر، والأمر نوع من أنواع الإنشاء، إذاً: فالإنشاء بجميع فروعه ومسائله يمكن أن يلحقه النسخ، وأما الأخبار فليست قابلة للنسخ، وبالتالي الإنشاء لا يلحقه تصديق ولا تكذيب، لكن يلحقه نسخ، والأخبار يلحقها التصديق ويلحقها التكذيب، فيقال: هذا خبر صادق، وهذا خبر كاذب. ولذلك قال: [اعلم رحمك الله أن أخبار المصطفى ﷺ التي أجمع أهل العلم بها على صحتها لا يقع فيها التضاد، وكذلك أقواله وكلامه لا تتناقض ولا تتناسخ، وربما صحت الأخبار عنه ﵊ بالاختلاف والتناسخ، لكن ذلك في التحليل والتحريم -وهو الإنشاء- والتخفيف والتشديد للأمر يحدث، والسبب يعرض، وللعذر يحضر. فأما الأخبار الواردة التي تجري مجرى الخبر عن الله والإعلام عنه؛ فمعاذ الله أن تتضاد هذه الأخبار، أو تتناقض هذه الأقوال، وإنما أتى من أتى فيها وافتتن من افتتن بها من اشتباه لفظها -هل هي خبر أم إنشاء؟ -، وضيق الأعطان، وسوء الأفهام، وضعف طبيعته عن معرفتها، وإلا فكيف يجوز لمتأول أن يتأول أن كل مولود على الفطرة، وأريد بذلك أن كل مولود على دين الإسلام وشريعة الإيمان؟!]. يريد أن يقول: إن هذا كلام في منتهى السفه والغفلة؛ أي: من فسر ذلك بأن كل مولود يولد على فطرة الإسلام. قال: [وأريد بذلك أن كل مولود على دين الإسلام وشريعة الإيمان، وصريح قول النبي ﵊ وفصيح إعرابه الذي لا يحتمل التأويل، ولا يتولد فيه التعطيل؛ أتى بغير ما تأولته أصحاب هذه المقالة]. يريد أن يقول: إن الكلام الصحيح لتفسير قوله ﵊: (كل مولود يولد على الفطرة) هو بخلاف ما ذهب إليه من قال: إن الفطرة هي الإسلام. قال: [ولا أدل على ذلك من قوله ﵊: (الوائدة والموءودة في النار)، والوائدة: هي القاتلة لابنتها، والموءودة هي الصبية الطفلة التي قتلها أبواها، فلو كانت الموءودة مسلمة]. أرأيتم من أين أتت الشبهة؟ فهو يقول لك: الوائدة والموءودة كلاهما في النار، وهذا كلام النبي ﵊ في الحديث الصحيح، والوائدة هذه بالغة ومشركة وكافرة فتستحق النار، فإن لم يكن للوأد فلكفرها أو العكس، والأصل أن الموءودة وئدت، أي: دفنت في التراب حية حتى ماتت، فلو كانت مسلمة فكيف تدخل النار؟ والنبي هنا قد قضى لها بالنار! قال: [فلو كانت الموءودة مسلمة لما كانت في النار، وبالأحرى أن تكون في الجنة لا محالة على ما تتأوله القدرية؛ لأنها طفلة مسلمة ومقتولة مظلومة، وبقوله أيضاً حين سئل عن أطفال المشركين، فقال: (مع آبائهم في النار)]. فالنبي ﵊ سئل مرة عن أطفال المشركين فقال: (هم في الجنة)، وسئل مرة أخرى عن أطفال المشركين فقال: (مع آبائهم في النار)، وسئل مرة ثالثة عن أطفال المشركين فقال: (الله أعلم بما كانوا عاملين). فهذه أخبار، ونحن قد اتفقنا على أن الخبر لا يلحقه النسخ، فلماذا اختلفت أجوبة النبي ﷺ ؟ سيأتي معنا الجواب. قال: [ثم سئل عنهم ثانية، فقال: (الله أعلم بما كانوا عاملين)، أن السؤال الثاني خرج مخرج الاستفهام: لم صاروا في النار؟ فقال: الله أعلم بما كانوا عاملين].

стр. 1093

تفسير الفطرة في حديث: (كل مولود يولد عل الفطرة) بالإسلام مذهب القدرية عند ابن بطة ﵀ لقد اعتبر الإمام ابن بطة أن من فسر الفطرة بالإسلام فهو قدري، أي: من القدرية؛ لأن الفطرة بمعنى: ابتداء الخلق وأخذ الميثاق، ومن قال: إن الفطرة هي الإسلام فقد حاد الله تعالى، وحاد الرسول ﵊؛ لأن الحديث يقول: (فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه ويشركانه). إذاً: الذي يكون في يده التهويد هو الأب إذا كان يهودياً، وينصره إذا كان نصرانياً، ويمجسه إذا كان مجوسياً بغير إرادة الله وقدرته. ولذلك قال: [الذي يقول بأن الفطرة هي الإسلام يقول: إن مشيئة الأبوين أغلب من مشيئة الله]، أي: أراد الله له الإسلام وأراد الوالدان له اليهودية أو النصرانية أو المجوسية أو الشرك، وكأنه -أي: من يقول: إن الفطرة هي الإسلام- يقدم قدرة الوالدين على قدرة الله، ويغلب إرادة الوالدين على إرادة الله؛ لأن الله أراد له الإسلام وخلقه على الإسلام، لكن مشيئة الأبوين كانت أغلب من مشيئة الله، بدليل: أنهما هوداه أو نصراه أو مجساه أو شركاه، هذا فهم ابن بطة لهذه القضية.

стр. 1094

تفسير الفطرة بغير الإسلام في حديث: (كل مولود يولد على الفطرة) هو مذهب لبعض علماء السنة وما ذهب إليه المؤلف رحمه الله تعالى من القول بأن أولاد المشركين في النار، وتفسير معنى الفطرة فيما تقدم بغير معنى الإسلام، وأن تفسير الفطرة بالإسلام غير صحيح؛ هو مذهب لبعض علماء السنة. واعلم أننا لا نعرف من قال بقول ابن بطة غير قتيبة، وحماد بن سلمة، وأبي يعلى، هؤلاء الأربعة فقط، فأين علماء الأمة على مدار هذه القرون كلها من هذه القضية؟ فعلماء الأمة هم آلاف مؤلفة على مدار القرون، فهل يمكن أن يصار إلى رأي هؤلاء الأربعة وتترك اجتهادات علماء الأمة على مدار هذه القرون؟ لا.

стр. 1095

الفطرة ليست بمعنى الإسلام عند أبي يعلى الحنبلي قال أبو يعلى الحنبلي: ليس الفطرة هنا الإسلام لوجهين: الأول: أن معنى الفطرة: ابتداء الخلق، كما قال الله تعالى: ﴿فَاطِرِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [فاطر:١]، ولم يقل أحد مطلقاً: إن فاطر السماوات والأرض بمعنى: جاعل السماوات والأرض مسلمة، بل إن (فاطر) بمعنى: مبتدئ وخالق، وإذا كانت الفطرة هي الابتداء وجب أن تكون تلك هي التي وقعت لأول الخليقة، وجرت في فطرة المعقول، وهو استخراجهم ذرية؛ لأن تلك حالة ابتدائهم، ولأنها لو كانت الفطرة الإسلام لوجب إذا ولد بين أبوين كافرين ألا يرثهما ولا يرثانه ما دام طفلاً؛ لأنه مسلم، كما أنه لا يجوز للمسلمين أن يفرطوا في هؤلاء الأطفال، ولا يمكنوا آباءهم من الصلاة عليهم على مذاهبهم الكافرة، ولا دفنهم في مدافن الكفار، ولا أن يمكنوهم من الميراث. كذلك اختلاف الدين يمنع الإرث، ولوجب ألا يصح استرقاقه -وهذه شبهة عقلية جديدة- فإذا حارب المسلمون المشركين، فسبوا ذراريهم فمن حق أهل الإسلام أن يسترقوهم. فهو يريد القول: إذا كانت الذرية -أي: أبناء المشركين مسلمين- وقامت الحرب بين المسلمين والكافرين، وسبى المسلمون هؤلاء الذراري فلم يسترقوهم مع أنهم مسلمون؟ فالأصل أن المسلم لا يقع تحت الرق إلا إذا كان أسيراً لدى الكفار، أما الذي يقع تحت الرق عند المسلمين فهم الكفار كذلك، وأما من أسلم فإسلامه هو ثمن حريته، فإذا كان الأطفال وذراري المشركين مسلمين أصلاً؛ فكيف استرقهم المسلمون في القرون الخيرية؟ فالواجب ألا يصح استرقاقه، ولا يحكم بإسلامه بإسلام أبيه؛ لأنه مسلم.

стр. 1096

اختلاف حكم الدنيا عن الآخرة بالنسبة لذراري الكفار أي: عندما يأتي الآن كافر فإننا نقول: إن ابنه هذا تبع له في أحكام الدنيا، فلو أسلم الرجل الكافر فلا شك أن أبناءه يأخذون حكمه، فمثلاً: عندما يأتي نصراني ويقول: أريد أن أسلم، فنسأله: ألديك أولاد؟ فيجيب: نعم، فنقول: كم أعمارهم؟ قال: ولد عمره سنة، وولد عمره ثلاث سنين، وولد عمره خمس سنين، فنقول له: تعال وأشهر إسلامك، فأول ما يشهر إسلامه يأخذ أبناؤه حكم الأب، وبالتالي فالحكم عندنا يختلف، فهل اختلف موقف هؤلاء الأولاد عند الله؟ لا، إذاً: فمحل النزاع والخلاف في الآخرة، ولذلك الخلاف في أن أبناء المشركين مسلمون أو غير مسلمين من أحكام الدنيا، والخلاف فيها نادر جداً، وإنما الخلاف القوي بين علماء السنة: هل هؤلاء الأطفال في الجنة أم في النار؟ وهذا الخلاف من أحكام الآخرة، والأمة مجمعة على أن الأولاد تبع لآبائهم في الأحكام، يعني: أن الرجل هذا نصراني، إذاً هؤلاء الأولاد نصارى، فهذا فيما يتعلق بأحكام الدنيا، أما الآخرة فلا، إذ إن لها وضع آخر، وهنا يأتي الخلاف ويحتد ويقوى جداً، أما في الدنيا فلا، فهذا الولد إذا مات فالذي يكفنه ويغسله ويصلى عليه ويرثه هو أبوه؛ لأن هذه أحكام الدنيا، فالدنيا لها أحكام والآخرة لها أحكام أخرى. وهذا كما أخبر الله نبيه بأعيان المنافقين وأسمائهم، ومع هذا كان إذا مات واحد منهم كان النبي ﷺ يصلي عليه، ولذلك لما جاء إليه مشرك وقال له: (يا محمد! أريد أن أقاتل معك، قال: أمسلم أنت؟ قال: لا، قال: ارجع فلن نستعين بمشرك)؛ لأن أحكامه ظاهرة، فهو يقول: أنا مشرك، والنبي ﷺ يقول: لا يمكن أن نستعين بمشرك، مع أن النبي ﵊ كان يأذن للمنافقين معلومي النفاق بالاشتراك في القتال؛ لأنهم أظهروا الإسلام، مع أنه لم يخف على النبي ﵊ أنهم كفار، وأن مردهم إلى قعر جهنم، ولذلك فالمنافقون تحكمهم في الدنيا أحكام، وفي الآخرة لهم أحكام أخرى، وكذلك العكس، يعني: أن أبناء المشركين والكفار تحكمهم في الدنيا أحكام، وهي أحكام الكفر تبعاً لآبائهم، وأما في الآخرة فهم في الجنة بإذن الله تعالى، أو على ما سنذكر من الخلاف بإذن الله. ومن أحكام هؤلاء: أن الرجل النصراني إذا أسر في الحرب واسترق كان ابنه تبعاً له في الحكم، يعني: يصير رقيقاً هو كذلك، ولو كان مسلماً لما جاز استرقاقه. هذه حجة ابن بطة ومن معه هذا مذهب هؤلاء الأئمة رحمهم الله تعالى، ولكن كثيراً من الأئمة رجح خلاف ما ذهبوا إليه في تفسير معنى الفطرة، وعندما قرأتم كلام أبي يعلى أو كلام قتيبة أو كلام ابن بطة قلتم: والله هؤلاء عندهم حق، وهذا كلام جميل جداً ومعقول، ولا يمكن رده، وأنا أقول: بل لابد من رده، فهو المذهب الضعيف في المسألة، وهذه الحقيقة يا إخواني! حلاوة الفقه، أو حلاوة مسائل الخلاف، ولذلك العلماء كانوا يقولون: لا يحل لأحد أن يفتي الناس إلا إذا علم مسائل الخلاف. فأنت عندما تقرأ في: فقه السنة مسألة من المسائل تجد مثلاً الشيخ سيداً ﵀ رجح مذهباً واحداً، وأحب أن يخرج من الخلاف ويضع الشباب على الرأي الراجح، لكن هذا الرأي الراجح هو راجح عنده، فلو قرأنا كلام ابن بطة فقط فسيترجح لدينا، ونقول: نحن فعلاً كنا على الضلال والانحراف والزيغ كل هذه السنين! وأنا عندما قرأت من قبل كلام الإمام النووي في شرح مسلم، وكلام الحافظ ابن حجر في الفتح فيما يتعلق بهذه المسألة كان كالكلام المسلّم، وبعد ذلك عندما قرأت كلام ابن بطة -وكان هذا منذ أكثر من عشر سنوات- قلت: كيف هذا؟ أنا أفهم أن الفطرة هي الإسلام، أهذه الأوصاف كلها في؟! أي: الضلال والزيغ والانحراف، والناس الذين قلت لهم: إن الفطرة هي الإسلام كيف أصحح لهم هذا الخطأ؟ فلابد في المسائل الخلافية من النظر في جميع الأقوال، وتتبع أدلتها والترجيح بينها، والخروج بالقول الراجح، ولا يكتفى بمعرفة قول واحد فقط دون معرفة بقية الأقوال.

стр. 1097

تفسير الفطرة بالإسلام في حديث: (كل مولود يولد على الفطرة) هو مذهب جماهير علماء الأمة وقول ابن بطة الذي تابع فيه حماد بن سلمة وقتيبة وأبا يعلى، خالفهم فيه جماهير علماء الأمة ففسروا الفطرة بالإسلام -وهذا المذهب الذي شنع عليه ابن بطة - كما نقل ذلك عنهم ابن عبد البر في كتاب التمهيد، والقرطبي في التفسير، وممن ثبت عنهم من السلف تفسير الفطرة بالإسلام: أبو هريرة، وابن عباس، وقتادة، ومجاهد، وعكرمة، والزهري، والحسن البصري، وإبراهيم النخعي، والضحاك، والإمام البخاري، والإمام أحمد وإليه ذهب كل من شيخ الإسلام ابن تيمية، وابن القيم، وشيخ الإسلام ابن تيمية له رسالة مخصوصة بعنوان: الفطرة، وابن القيم نصر هذا المذهب جداً في كتاب له اسمه: شفاء العليل. وفسر آخرون من الأئمة الفطرة بغير هذين التفسيرين، لكنها أقوال ضعيفة جداً أو منكرة أو مردودة فنعرض عنها. ومن الجدير بالذكر أن شيخ الإسلام ابن تيمية نصر مذهب القائلين: بأن المراد بالفطرة الإسلام، ورد على المخالفين -وسماهم مخالفين، مع أن ابن بطة يسمينا: مخالفين- وأورد أدلة صحيحة صريحة في الدلالة على أن المراد بالفطرة الإسلام، وتبعه على ذلك تلميذه ابن القيم رحمه الله تعالى، وقد استوفى كل واحد منهما، الكلام على مسألة الفطرة، ورجحا أن المراد بالفطرة فطرة الإسلام لا غير.

стр. 1098

بيان ابن القيم أنه لا يلزم من تفسير الفطرة بالإسلام القول بالقدر وقد بين ابن القيم ﵀ بأنه لا يلزم من القول بأن المراد بالفطرة الإسلام موافقة مذهب القدرية. أي: لا يلزم منه عندما أقول: إن الفطرة هي الإسلام، وإن أبويه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه؛ أنني قدري، ومعنى أني قدري: أني قدمت إرادة الأبوين على إرادة الله، وقدرة الأبوين على قدرة الله، ومشيئة الأبوين على مشيئة الله، بدليل أن الله أراد له الإسلام وجعله مسلماً، لكن أبويه هوداه ونصراه ومجساه. قال: ولا يلزم من القول بأن المراد بالفطرة الإسلام موافقة مذهب القدرية التي تستدل بحديث الفطرة على مذهبها الباطل. وابن القيم بدأ يتكلم عن أصحاب المذهب الأول؛ حيث يزعمون أن كل إنسان مفطور على الإسلام، وأنه تعالى لا يقضي ولا يقدر المعاصي على العباد، وهذا كلام القدرية، وأن العباد هم الذين يحدثون الكفر والمعاصي من قبلهم دون إرادة الله السابقة وعلمه الأزلي ، وأن الأبوين هما اللذان يضلان أولادهما دون مشيئة من الله وإرادته السابقة سبحانه، فالله لا يضل ولا يسعد أحداً من خلقه في زعمهم. وقد رد السلف على هذا المذهب الباطل، فبينوا أن أحاديث الفطرة لا تدل على مذهبهم، بل إنها دليل عليهم، وهي أقوى حجة، فعندما يعتمد المخالف نصاً ويعتبره دليلاً وحجة له؛ فأقوى حجة للرد عليه: أن تكون من نفس النص. وبالتالي نريد أن نعرف رد السلف على المذهب الذي ذهب إليه أبو يعلى وابن بطة من نفس الدليل الذي احتجوا به، فماذا قالوا؟ قال الإمام مالك وغيره من أهل السنة لما بلغهم: إن القدرية يحتجون على مذهبهم بأول الحديث، وهو قوله ﵊: (كل مولود يولد على الفطرة)، قالوا: احتجوا عليهم بآخر الحديث؛ لأنه لا يمكن أن يأتي الخبر متناقضاً في أوله وآخره، إذ إن الأخبار كلها وحي من مشكاة واحدة، ولذلك كان ابن خزيمة ﵀ يقول: الوحي كله من مشكاة واحدة، ومادام أنه من مشكاة واحدة فلا يمكن أن يلحقه التعارض ولا التضارب؛ لأنه كلام الله ، ومن وقع عنده الإشكال فإنما وقع الإشكال في فهمه وذهنه وعقله، قال: ومن كان عنده نصان مختلفان ظاهراً فليأت إلي أؤلف له بينهما، فالتعارض قد يكون ظاهراً، لكنه لا يمكن أبداً أن يلحق الوحي: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾ [النساء:٨٢]، وإن وجد الاختلاف ففي ذهن العبد، والنص في حقيقته وتأويله عند أهل العلم ليس فيه اختلاف، ولذلك ألف بعض أهل العلم مصنفات جمعت بين ما ظاهره التعارض والتضارب. فهذا كلام الإمام أحمد بن حنبل في الرد على الزنادقة والملحدة، وهذا ابن قتيبة له كتاب في تأويل مختلف الحديث، وكذلك الإمام الشافعي له كتاب في تأويل مختلف الحديث، وكذلك الإمام الطحاوي له مشكل الآثار، فيأتي لك في الباب الواحد بدليل، ثم بدليل آخر يتعارض مع الدليل الأول في قضية واحدة، ويقول: ها هو الاختلاف ظاهر أمامك، وفي الحقيقة ليس هناك اختلاف، وإنما تأويل النصين على النحو الفلاني، ويأتي بأدلة من القرآن والسنة للدلالة على أن هذا الباب لا تعارض فيه ولا تضارب، بل وجه الحق فيه كيت وكيت وكيت. فكذلك هنا جماهير السلف ردوا على من قالوا: بأن الفطرة هي فطرة الخلق وابتداء الخلق، وقالوا: الفطرة هي الإسلام، وإذا كان أصحاب المذهب الأول القائلين بأن الفطرة هي ابتداء الخلق قد احتجوا بأول الحديث: (كل مولود يولد على الفطرة)، وفسروا الفطرة بقول الله تعالى: ﴿فَاطِرِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [فاطر:١] أي: مبتدئ خلقهما، فنحتج عليهم بآخر الحديث، وآخر الحديث يقول: (الله أعلم بما كانوا عاملين)، ففيه إثبات العلم الأزلي لله ، لكن القدرية يقولون: إن الأمر أنف -أي: مستأنف- وأن الله لا يعلم الأشياء إلا بعد وقوعها، أي: أن الله تعالى لا يعلم ماذا سنصنع بعد خروجنا من هذا المجلس! كذلك أنا لا أعلم ماذا أتكلم بعد كلمتي هذه، وهم يقولون: وكذلك الله لا يعلمها إلا بعد أن أقولها. فسووا الله تعالى بخلقه، وكأنهم قالوا: ليس الله بعالم ولا عليم، مع أن الله تعالى أثبت لنفسه العلم الأزلي، فهو علام الغيوب، وهذه غيوب هو يعلمها وليست شواهد، وعلم المشاهدة مع علم الغيب عند الله سواء، ((عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ)) أي: الذي غاب والذي هو مشاهد في علم الله سواء، فالله يعلم هذا كما يعلم هذا. إذاً الذي يقول: إن الله تعالى لا يعلم الأشياء إلا بعد وقوعها وحدوثها ينفي العلم الأزلي عن الله ، وكلام ابن بطة: أن من فسر الفطرة بالإسلام ضال مضل ومنحرف عن منهج السلف وكلام السلف؛ كلام مردود؛ لأن الله تعالى خلق الخلق جميعاً على فطرة الإسلام حتى أخذ منهم الإقرار بذلك، ثم منهم بعد ذلك من اختار الكفر على الإسلام، وكان ذلك في سابق علم الله عز وجل

стр. 1099

تفسير الإمام أحمد للفطرة في الحديث: (كل مولود يولد على الفطرة) أما الإمام أحمد بن حنبل فيقول: أنتم تقولون: هؤلاء القوم إذا احتجوا بأول النص فنحتج عليهم بآخرة، لا والله! وإنما نحتج عليهم كذلك بأول النص، وهذه الحجة أقوى. والإمام أحمد بن حنبل كان أكثر إنارة في قلبه وبصيرته، فيقول: لا، بل بنفس الكلام والنص الذي تحتجون به أنا سأرد عليهم به. ففسر رحمه الله تعالى قوله ﵊: (كل مولود يولد على الفطرة) أي: على السعادة والشقاوة السابقتين في علم الله تعالى في الأزل، ويكون إقراره بين يدي الله لما أخرجه من صلب أبيه آدم حجة عليه في الربوبية، ولذلك نجد أن المشركين الأولين كلهم كانوا مقرين بالربوبية، أي: بالخلق والابتلاء والرزق وغير ذلك، مع أنهم كانوا يعبدون الأصنام والأوثان، فهم بذلك يعرفون هذه القضية. ولذلك كانت المهمة العظمى والأولى في إرسال الرسل هي توحيد الإلهية، لأن الشرك وقع في الإلهية لا في الربوبية، بينما الأمة الآن وقعت في الشرك في الربوبية، ووصلت لمرحلة من الجاهلية لم يكن عليها أهل الجاهلية الأولى، فيقول أحدهم اليوم: يا فلان ارزقني! وأبو جهل لم يقل ذلك، وفلان هذا سيقطع رزقي، إذاً لابد أن أسمع كلامه! صحيح أن الخمر حرام، لكن مادام أن مديري في العمل قال لي: اشرب الخمر، إذاً لابد أن أشرب الخمر. أو يقول: زميل لي أو مديري أو رئيسي نصراني، لكن عنده عرس فأحببت أن أجامله وأذهب إلى عرسه، فوضع الخنزير وأحرجت وأكلت منه، ووضعوا الخمر وأحرجت فشربت منها، يا أخي! لو أنك شربت السم في بدنك لكان خيراً لك، فقد جعلت الله تعالى أهون الناظرين إليك! قال الإمام أحمد: الفطرة هنا هي ما علمه الله تعالى أزلاً من عبده هذا من السعادة أو الشقاء، أي: أن الله قبل أن يخلق الخلق علم ما هم عاملون، وما هم إليه صائرون من السعادة والشقاوة، ففطر بعضهم على السعادة، وفطر بعضهم على الشقاوة، وليس هذا ظلماً للعباد؛ بدليل أن الله تعالى أرسل إليهم الرسل، وجعل لمن لم تبلغه الرسالة حكماً خاصاً. كما جعل للمجانين والسفهاء ومن لم تبلغهم الدعوة، ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء:١٥]، لكن كان من الممكن أن يقول الله : إنما أكتفي بالسعادة والشقاوة بالميثاق الأول، ولو فعل لكان عادلاً في ذلك، ولكن الله تعالى علم أزلاً أن جميع العباد ينسون هذا الميثاق، فأرسل الأنبياء والمرسلين؛ يذكرون العباد والخلق بما أخذ عليهم في صلب أبيهم آدم. إذاً: فمهمة الأنبياء هي تذكير العباد بهذا الميثاق الغليظ الذي أخذه الله تعالى على عباده وهم في صلب أبيهم آدم. ففسر الإمام أحمد الفطرة بالسعادة والشقاوة السابقتين في علم الله تعالى في الأزل، المكتوبتين عنده في أم الكتاب قبل أن يخلق الجنين، وبعد أن خلق في بطن أمه؛ لأن القدرية تنكر الفطرة بهذا المعنى مع ثبوتها بأدلة من الكتاب والسنة، فأراد الإمام أحمد أن يرد عليهم بتفسير الفطرة بهذا المعنى مع تفسير الفطرة أيضاً بمعنى الإسلام، ولا منافاة بين التفسيرين كما بينه ابن القيم عليه رحمة الله تعالى.

стр. 1100

توضيح ابن القيم لسبب اختلاف العلماء في تفسير الفطرة في الحديث والرد على القدرية وقد وضح مذهب الإمام أحمد في تفسير الفطرة بهذين المعنيين ابن القيم في كتابه شفاء العليل نقلاً عن شيخ الإسلام ابن تيمية كذلك. وخلاصة ذلك قال ابن القيم: سبب اختلاف العلماء في معنى الفطرة في هذا الحديث: أن القدرية كانوا يحتجون به على أن الكفر والمعصية ليسا بقضاء الله. أي: أن الكفر والمعاصي إنما أحدثها وأنشأها العباد، ولا علاقة لإرادة الله وقدرته بذلك، وإنما هذا بقدرة العباد وإرادتهم ومشيئتهم، بل بما ابتدأ الناس إحداثه، فحاول جماعة من العلماء مخالفتهم بتأويل الفطرة على غير معنى الإسلام، ولا حاجة لذلك. فالإمام أحمد بن حنبل يريد أن يقول لك: لما قالت القدرية: بأن الكفر والمعاصي لا دخل لله تعالى فيهما، وأنهما بإحداث العبد لهما بغير إرادة الله تعالى ومشيئته؛ لأن الله تعالى لا يريد ولا يشاء الكفر ولا المعاصي، فمن أين جاء هذا اللبس؟ الجواب من عدم التفرقة بين المشيئة الشرعية الدينية والمشيئة الكونية القدرية، إذ إنهم قالوا: الله تعالى ما أراد الكفر، ولكن الكفر وقع في الأرض، وما أراد الشرك وما أراد المعاصي، لكن في الحقيقة والواقع أن ذلك واقع في الخلق وفي الكون. فالله تعالى أراد من العباد إيماناً وإسلاماً وتوحيداً، لكن العباد أرادوا كفراً وشركاً ومعصية، فكانت إرادة الكفار والعصاة أقوى وأغلب من إرادة ومشيئة الله، فمن هنا أتى الضلال. وضبط هذه المسألة: أن الله تعالى أراد الخير والشر، وخلق الخير والشر، وأذن في وجود الخير والشر، لكن يفرق بين إرادة ومشيئة شرعية دينية مبناها على المحبة والرضا؛ كالإيمان والطاعة، فقد أمر الله بها في كتابه، وأراد الكفر والشرك والمعاصي إرادة كونية قدرية -أي: أذن الله تعالى في وجود الكفر والمعاصي- لأنه لا يكون في كون الله إلا ما أراد وقدر وشاء، لكن هذه الإرادة ليست مبنية على الطاعة والمحبة والرضا، وإنما مبنية على البغض والسخط واللعن. ولذلك توعد الله الكافرين مع أنه هو الذي أذن في خلق وإيجاد الكفر، وعلم الله تعالى أزلاً من عبده قبل أن يخلقه أنه سيختار طريق الكفر والمعصية والشرك، مع أنه جعله عاقلاً يميز بين الخير والشر، وبين الحق والباطل، وبين الطاعة والمعصية، وأرسل إليه الرسل، وأنزل عليه الكتب، فقامت الحجة على العبد ليس بالميثاق الأول، وإنما بإرسال الرسل وإنزال الكتب، وجعلوهم محلاً للتكليف، فلما اختار العبد طريق المعصية علم الله ذلك منه قبل أن يخلقه. إذاً: العبد هنا مخير، وعلم الله تعالى أن عبده سيختار طريق الكفر قبل أن يخلقه فكتبه عليه، ومعنى: كتبه وقدره عليه: أن الله تعالى علم بعلمه الأزلي أن هذا العبد سيختار طريق الكفر، والآن في واقع الناس وحياة الناس عندما نأتي بطريقين: أحدهما: مليء بالشوك، والآخر: ممهد معبد، وقلنا لاثنين: هذان الطريقان سيؤديان إلى مكان فيه ألف جنيه، وقلنا لهما: نقطة الانطلاق من هاهنا والطريق يتفرع إلى طريقين، ثم يلتقيان عند نقطة معينة عندها مكافأة وجائزة، ونقول لهما: كل واحد منكما يسلك الطريق المناسب للحصول على الألف الجنيه، فهل في هذين الاثنين من سيسلك طريق الأشواك؟ لا يمكن أبداً؛ لأنه يريد أن يحصل على الجائزة والمكافأة، ولا يمكن له البلوغ أولاً إلا إذا سلك طريقاً معبداً، فهذا الطريق المعبد هو طريق الأنبياء والمرسلين، والذي يعصي الرسول ﷺ يعلم أنه يعصيه، وهؤلاء المكذبون الذين كذبوا النبي ﷺ في العهد المكي، واليهود الذين كذبوه في المدينة وغيرهم ممن كان يقاتله ويحاربه كانوا يعلمون أنه نبي من عند الله: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ [النمل:١٤]، فكانوا يجحدون نبوة نبيهم مع أنهم يوقنون أنه نبي مرسل. فالذي يزني يعلم أنه يعصي الله ، ويعلم أن الشرع قد نهى عن هذه المعصية، ويعلم أن النهي محله الزجر، وربما بلغ الزجر إلى دخول النار والعياذ بالله. وبالتالي فهو بهذا العلم قد قامت عليه الحجة، ومع هذا فقد اختار طريق المعصية التي ناسبت هواه ورأيه، وعلم الله ذلك كله منه قبل أن يخلق السماوات والأرض، ولما علم أنه سيختار طريق المعصية كتب في اللوح المحفوظ أن عبدي فلاناً عرضت عليه الطاعة وعرضت عليه المعصية فاختار طريق المعصية، إذاً: هو في هذه الحالة مختار. قال: سبب اختلاف العلماء في معنى الفطرة في هذا الحديث: أن القدرية كانوا يحتجون به على أن الكفر والمعصية ليسا بقضاء الله، بل بما ابتدأ الناس إحداثه، فحاول جماعة من العلماء مخالفتهم بتأويل الفطرة على غير معنى الإسلام.

стр. 1101

الرد على من يفتي الناس بما يوافق أهواءهم ووالله يا إخواني! لا يصح إلا الصحيح، ولا يبقى في الأرض إلا الحق، فهذا داعية مشهور جداً، ويستمع له الآلاف، ولا أريد أن أقول: الملايين كيلا يقال عني: أبالغ، ونقول له: لماذا يا فلان! تفتي الناس -الذين يحضرون لك- بأن المرأة بالاسترتش أو بالشرت صلاتها صحيحة؟! بل المرأة التي فيها خير قد تذهب إلى إحدى الصالات فتجد النساء عرايا كما ولدتهن أمهاتهن، وتخيلوا أنها تقول لهن: اتقوا الله! البسوا المايوه! فأمثل امرأة فيهن الطاعة عندها تساوي لبس المايوه. وبعد ذلك يقول لهم: إن مصافحة الرجال للنساء حلال، وليس فيها أي شيء! وكلام طويل، وفتاوى سيئة للغاية، فسألناه فقلنا له: ألست قلت هذا الكلام وهو مسجل؟ قال: نعم، قلنا: هذا الشيء حرام أم حلال؟ قال: حرام، قلنا: سبحان الله! حرام علينا حلال لهؤلاء الناس! يعني: أنت تشدد علينا الآن وتتساهل مع هؤلاء الناس، فلماذا قلت لهؤلاء الناس: إنه حلال؟ قال: من أجل أن أحببهم في الإسلام، ولو كانت هذه حجة محترمة لكان أولى الناس بها النبي ﵊. لكن الله تعالى عاتبه لما قرب صناديد الشرك والكفر وأبعد بعض أصحابه، إذ إن هؤلاء هم الذين سيأخذون دعوتك وينشرونها في الأرض، وأما هؤلاء فلا خير فيهم. وأنت الآن عندما تقول لهذه للمرأة: الصلاة بالاسترتش صحيحة وليس فيها أي مشكلة، وأنا في مسجد العزيز أذكر خلاف العلماء في جواز أن تكشف المرأة باطن القدم في الصلاة، فعلى هذا الفهم يكون هذا إرهاب، أليس كذلك؟ فهناك شخص يجيز لها الصلاة عريانة، وأنا هنا أقول لها: لماذا ظهرت أصابع رجليك من تحت؟! فصلاتك باطلة، ولابد أن تعيدي الصلاة! لأن العلماء اختلفوا على مذهبين اثنين لا ثالث لهما: جواز أن تصلي المرأة بغير جورب، ووجوب أن تصلي المرأة بالجورب، واتفقوا على أنه لا يجوز أن يظهر من المرأة في صلاتها إلا الوجه والكفان. وأنت تأتي الآن وتجردها من ثيابها وتقول لها: صلي بهذا الشكل! فإذا كانت هناك أخت من أخواتنا مسكينة ومبتدئة وسمعت كلامي في مسجد العزيز، وسمعت هذا يقول: صل بالاسترتش ولا حرج عليك، وما سئل عن شيء إلا وقال: افعل ولا بأس، افعل ولا حرج! إذاً: ماذا أعمل؟ وما هو موقفي عندما تتصل بي وتقول لي: يا متشدد! يا إرهابي! من ضيقت علينا وجعلتنا نكره ربنا، فماذا أقول لها؟!

стр. 1102

خطر أن يتقدم لدعوة الناس من كانت فيه صفتان إذاً من الخطورة بمكان أن يقدم إنسان فيه صفتان: الصفة الأولى: أن يقدم للناس الدين على حسب أهوائهم وآرائهم، وعلى حسب ما يحلو لهم، وما يتوقع أنهم يقبلونه به، فالله تعالى يقول: ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف:٢٩]، فهذا حق الله الذي نزل من السماء، تقبله أو العاقبة عليك. ثانياً: أن يتقدم للناس إنسان جاهل لا يعلم مسائل الحلال والحرام، ويريد أن يعظ الناس، وقد يتأثر الناس به، ونحن نحب ذلك، وبالفعل هؤلاء قد وصلوا إلى فئات من الناس لا يمكن أن يأتوا إلى مسجد العزيز، والعجيب أن التي تأتي منهن إلى مسجد العزيز فهؤلاء الأخوات في مسجد النساء يمسكنها فينشرن عظمها، ويجعلنها تخرج كارهة نفسها وكارهة الإسلام والمسلمين؛ لأن كثيراً من الأخوات المنتقبات لا حكمة عندهن في الدعوة إلى الله . فأول ما تدخل امرأة لابسة استرتش تجد النظرات الحادة موجهة إليها، وكان الأولى الرفق، ثم ألم تكوني بالأمس لابسة استرتش؟! والأخوات اهتمين بك حتى أصبحت أختاً لابسة للنقاب ومتشددة ومتزمتة مثلي! لكن هي نسيت أنها كانت بالأمس هكذا: ﴿كَذَلِكَ كُنتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء:٩٤]، فتمسكها وتنشر عظمها! وتقول لها: ما هذا الذي أتيت به؟ ما هذه الجرأة؟ وتصلين بعد ذلك؟! والله العظيم تتصل بي نساء يقلن: لا يمكن أن ندخل مسجد العزيز؛ لأنه حصل من الأخوات أنهن قلن: كيت وكيت وكيت! فرفقاً بهؤلاء. فتقول أحداهن: لكن يا شيخ! الصلاة بالبنطلون صحيحة أم غير صحيحة؟ نقول لها: ليست صحيحة، فتقول: كيف ذلك؟ إن فلاناً يقول: إنها صحيحة! فماذا أقول لها؟ فلان هذا جاهل، أنا لا أريد أن أسقطه في نظرها؛ لأنه صار رمزاً شئنا أم أبينا، لكن قدم للناس على أن هذا هو الإسلام، وهنا تكمن الخطورة، فنصحنا هذا الرجل بأنه لا داعي لأن يفتي الناس، وإنما عليه بالوعظ والكلام الرقيق وكلام القلوب والتأثير في الناس، ويأخذ معه فقيهاً، وكنت أظن أنه سيأخذ أحد مشايخنا المحترمين، لكن واضح أنه كان يلعب هذه اللعبة على منهجه، فقد أخذ فقيهاً لا يحرم شيئاً، إذاً فما الفائدة؟! كنت ستوفر وتفتي الناس أنت، والقضية كلها قضية مائعة، وعندما تذهب وتجلس مع هؤلاء الناس عقلك سيضل ويشك أهذا دين ربنا؟ أهؤلاء الناس مسلمون، أم أننا نحن الذين زدناها قليلاً؟! والله شيء غريب جداً، وأنا قد جلست في مجلس من هذه المجالس حتى إنني أشفقت على نفسي لا على هؤلاء الناس؛ لأنهم ما سألوني عن شيء إلا وقلت: حرام، وما أخبروني عن أحد في هذه المسائل إلا وقال: حلال، فقلت: لا أدري أأشفق على نفسي أم أشفق على هؤلاء الناس؟! ثم هؤلاء الناس أين سيذهبون؟! إذاً فهؤلاء فيم ينفعون في الكلام في القلوب والرقائق ومن هذا القبيل، وأما حلال وحرام فمادام أننا مختلفون فاجعلوها فيما بعد؛ حتى تتهيأ قلوب هؤلاء الناس لتحمل الإسلام. ومن كان فيهم صادقاً كتب له الثبات على الدين والحق، وكان ينتج نتاجاً طيباً جداً، ونسأل الله تعالى أن يهدي الجميع.

стр. 1103

تنبيه ابن القيم وغيره من أهل العلم على عدم إجراء أحكام الإسلام في الدنيا على ذراري المشركين كما نبه ابن القيم وغيره من أهل العلم كـ البيهقي في كتاب الاعتقاد على عدم إجراء أحكام الإسلام في الدنيا على ذراري المشركين -وقد ذكرت لك الفرق بين أحكام الدنيا وأحكام الآخرة- وإنما يعاملون معاملة الكفار في الدنيا تبعاً لآبائهم حسب الظاهر؛ إذ كان هذا موضع اتفاق بين علماء الأمة، حيث ثبت ذلك في عهده، وتواتر من فعله ﵊. أي: لم نسمع النبي ﵊ يقول في مرة من المرات: ائتوني بابن المشرك الذي لم يبلغ بعد حتى أصلي عليه، وأدفنه في مقابر المسلمين. فكان هذا هو حكم أطفال المشركين في الدنيا، وبيان معنى كلمة الفطرة في الحديث، وأما حكمهم في الآخرة فإن العلماء قد اختلفوا في ذلك أيضاً على عدة مذاهب حسب اختلاف الأدلة في المسألة، وأقوى المذاهب دليلاً مذهبان: الأول: أنهم من أهل الجنة، والمذهب الثاني: مذهب الاختبار، وأما مذهب من يقول: إنهم في النار؛ فهذا كاد أن يكون مذهباً باطلاً، ومذهب التوقف مذهب ضعيف. إذاً: أقوى المذهبين في المسألة: أنهم في الجنة، والمذهب الثاني: مذهب جماهير علماء السلف، وهو مذهب الابتلاء أو الاختبار، فيؤتى به يوم القيامة فيختبر. وقد أوردوا نصاً فيه: أن الاختبار عبارة عن قول الله تعالى له: ادخل النار، فإن دخل كانت برداً وسلاماً عليه، وكانت إشارة وعلامة على أنه كان من الطائعين لو أنه عاش، ولو أنه عصى لكان من العصاة لو أنه عاش. والكلام في هذه المسألة طويل جداً، وبإمكانك أن تراجع في ذلك كتب التفاسير، وكتاب التهذيب لـ ابن القيم الجوزية، وكذلك كتاب شفاء العليل، ورسالة الفطرة لشيخ الإسلام ابن تيمية، وهي رسالة جامعة احتوت على كلام سهل ميسور بعيد عن التعقيد، وكذلك فتح الباري، ومجموعة الرسائل الكبرى لـ ابن تيمية، وأضواء البيان للشيخ الشنقيطي، وغير ذلك من كتب أهل العلم.

стр. 1104

سؤال الصحابة للنبي عن أطفال المشركين وأين هم بعد موتهم قال: [وعن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : (الوائدة والموءودة في النار)، ولما سئل ﵊ عن ذراري الكفار قال: (مع آبائهم)، فقالت له عائشة: (يا رسول الله! بلا عمل؟ -أي: يدخلون النار بلا عمل؟ - قال: الله أعلم بما كانوا عاملين)]. وعن عائشة: (أنها سألت النبي ﷺ عن أطفال المشركين، فقال: هم يتعاوون في النار) -أي: يبكون ويصيحون-، وفي رواية البراء: (سئل النبي ﵊ عن أطفال المشركين، فقال: هم مع آبائهم، فقيل: إنهم لم يعملوا، قال: الله أعلم) -أي: بما كانوا عاملين-، وقالت خديجة: (يا رسول الله! أين أولادي منك؟ قال: في الجنة، قالت: بلا عمل؟ قال: الله أعلم بما كانوا عاملين، قالت: فأولادي من المشركين؟ قال: في النار، قالت: بلا عمل؟ قال: الله أعلم بما كانوا عاملين). وعن ابن عباس قال: (سئل النبي ﵊ عن ذراري المشركين، فقال: الله أعلم بما كانوا عاملين)].

стр. 1105

الهداية والإضلال من الله تعالى قال الشيخ ابن بطة: [فجميع الذي ذكرناه من القرآن، ورويناه من السنة والآثار، وما لم نذكره ولم نروه يدل العقلاء المؤمنين الذين سبقت لهم من الله العناية والهداية أن الأشياء كلها بقضاء الله وقدره ومشيئته سابق ذكرها في علم الله تعالى، وأنه لا مضل لمن هداه الله ، ولا هادي لمن أضله، ولا مانع لمن أعطاه، ولا معطي لمن منعه، وكذلك خطبه ﷺ وكلامه، وخطب الصحابة والتابعين، وأئمة المسلمين، وكذلك في كلامهم ومحاورتهم، وكل ذلك دليل على أن القدرة والمشيئة والإرادة هي قدرة الله تعالى ومشيئته وإرادته]. [فعن عبد الله بن مسعود قال: (علمنا رسول الله ﷺ خطبة الحاجة: إن الحمد لله، نستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، من يهد الله فلا مضل له -والشاهد هنا-، ومن يضلل فلا هادي له) إلى آخر الحديث. وعن البراء قال: (رأيت رسول الله ﷺ يوم الخندق ينقل التراب حتى وارى التراب شعر صدره، وكان رجلاً كثير الشعر ﷺ ، وهو يرتجز رجز عبد الله بن رواحة يقول: لاهم لولا أنت ما اهتدينا ولا تصدقنا ولا صلينا فأنزلن سكينة علينا وثبت الأقدام إن لاقينا)].

стр. 1106

كل شيء بقضاء وقدر قال: [وعن أيوب السختياني قال: أدركت الناس وما كلامهم: إلا وإن قضى وإن قدر]. أي: أن كل كلامهم: وإن قضى الله تعالى شيئاً كان، وإن قدر الله شيئاً كان. [وعن سعيد بن عبد العزيز قال: قال المسيح عيسى بن مريم ﵇: ليس كما أريد، ولكن كما تريد]. أي: كان يقول لله: ليس الأمر كما أريد، ولكن الأمر كما تريد أنت. قال: [وليس كما أشاء، ولكن كما تشاء. وقال ابن مسعود: كل ما هو آت قريب، ألا إن البعيد ما ليس بآت، لا يعجل الله لعجلة أحد، ولا يخف لأمر الناس، ما شاء الله لا ما شاء الناس، يريد الله أمراً ويريد الناس أمراً، ما شاء الله كان ولو كره الناس، لا مقرب لما باعد الله، ولا مبعد لما قرب الله، ولا يكون شيء إلا بإذن الله، أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة. وعن زيد بن أسلم قال: اشتد غضب الله على من يقول: من يحول بيني وبينه؟ قال الله : أنا أحول بينك وبينه]. أي: بينك وبين مرادك. [وعن عمرو بن ميمون قال: رأيت عمر ﵁ يوم أصيب وعليه ثوب أصفر، فخر وهو يقول: ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا﴾ [الأحزاب:٣٨]]. أي: يعلم أن هذا الذي حدث له سابق في علم الله، وأنه بقدر. [وعن الحسن قال: لما رمي طلحة بن عبيد الله يوم الجمل؛ جعل يمسح الدم عن صدره وهو يقول: ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا﴾ [الأحزاب:٣٨]. وعن أنس بن مالك قال: (خدمت النبي ﷺ عشر سنين، فما أرسلني في حاجة قط فلم تتهيأ إلا قال: لو قضى كان، أو قدر كان)]. أي: يبعث أنساً كي يأتي له بشيء، فيأتي أنس فيقول له: يا رسول الله! هذا الشيء لم يجهز، فيرد النبي ﷺ : (لو قضى الله كان)، أي: لو أراد الله ذلك لكان، ولو قدره لكان. [وعن أبي هريرة قال: جاء مشركو قريش إلى النبي ﷺ فخاصموه في القدر، فنزلت هذه الآية: ﴿يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ * إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر:٤٨ - ٤٩]]. فـ (شيء) نكرة في السياق الإثبات فتفيد العموم، و (كل) من ألفاظ العموم. وهذا يدل على أن كل ما هو مخلوق قد خلقه الله ؛ لأنه لا خالق غيره ولا رب سواه، حتى العجز والكسل، بل وكل شيء.

стр. 1107

طلب العون والهداية من الله في كل حال قال: [وكان النبي ﵊ كما في حديث ابن عباس يقول في دعائه: (رب أعني ولا تعن علي، وانصرني ولا تنصر علي، وامكر لي ولا تمكر علي، واهدني ويسر الهدى لي، ولا تنصر علي من بغى علي، اجعلني لك شاكراً، لك ذاكراً، لك راهباً، لك مطيعاً، لك مجيباً، إليك أواهاً منيباً، رب تقبل توبتي، واغسل حوبتي -أي: اغفر ذنبي-، وأجب دعوتي، واهد قلبي، وثبت حجتي -أي: قوي حجتي-، وسدد لساني، واسلل سخيمة قلبي -أي: أزل حقد قلبي-)]. قال الشيخ: [فهذا دعاء النبي ﷺ ، فهل بقي لمن يزعم أن المشيئة والاستطاعة بيديه حجة يحتج بها إلا البهتان والجحد للتنزيل، وإخبار الرسول ﷺ بالشقاء والخذلان اللذين كتبهما الله عليه؟! ونحمد الله على ما وفقنا له من معرفة الحق، وهدانا إليه].

стр. 1108

حديث ابن عباس: (يا غلام إني أعلمك كلمات) قال: [وعن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ لـ ابن عباس: (يا غلام ألا أعلمك شيئاً لعل الله أن ينفعك به؟ احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت فاسأل الله ، وإذا استعنت فاستعن بالله ، تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك عند الشدة، وجف القلم بما هو كائن، فلو أن الناس اجتمعوا جميعاً على أن ينفعوك بشيء لا ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك -أي: قد كتبه الله في أم الكتاب قبل أن يخلق الخلق-، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لا يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام، وجفت الصحف، واعلم أن لكل شيء شدة ورخاء، وأن مع العسر يسراً، وأن مع العسر يسراً)].

стр. 1109

عاقبة من ضل في مشيئة الله قال: [وعن حماد بن زيد: أن رجلاً بايع رجلاً على أن يعبر نهراً -كأن تتحدى آخر بأن يعبر النهر وله مكافأة أو جائزة- فسبح حتى قارب الشط، قال: قد بلغت والله، فقال له رجل: قل: إن شاء الله، قال: إن شاء وإن لم يشأ، قال: فغاص ولم يخرج]. وهذا جزاؤه. أقول قولي هذا؛ وأستغفر الله لي ولكم. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.

стр. 1110

الأسئلة

стр. 1111

أحسن كتاب في الفقه للمبتدئ السؤال ما هو أحسن كتاب للمبتدئ في الفقه؟ الجواب أحن كتاب للمبتدئ بلا شك هو كتاب فقه السنة.

стр. 1112

حكم استخدام التوصية والوساطة للسفر إلى الحج السؤال أنا ضابط في الجيش، وأريد الذهاب إلى الحج، وفي الجيش يكون السفر للحج على حساب الشخص الخاص، والأولوية لصاحب الوساطة، فهل يجوز استخدام التوصية في هذا الأمر؟ الجواب نعم يجوز.

стр. 1113

حكم المظاهرات السؤال ما حكم المظاهرات؟ الجواب الذي أعتقده أنها غير مشروعة، ومع ذلك لا أؤثم من يفعل ذلك، لكن اعلم أن الأمر قد وصل إلى مرحلة لا ينفع معها المظاهرات ولا غير المظاهرات، فأنت وفر عليك بلاء عظيماً جداً تقدم عليه. وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.

стр. 1114

شرح كتاب الإبانة - ما روي في المكذبين بالقدر مجوس هذه الأمة هم القدرية؛ لأنهم زعموا أن الله خلق الخير ولم يخلق الشر، وقدر الخير ولم يقدر الشر، وقد شابهوا المجوس في قولهم بثانوية الإله: إله الخير وإله الشر، وقد أنكر الصحابة والتابعون وسلف الأمة عليهم أشد الإنكار، وردوا عليهم وكفروهم، وآثارهم في ذلك كثيرة.

стр. 1115

ما روي في المكذبين بالقدر

стр. 1116

القدرية مجوس هذه الأمة إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وبعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة. أما بعد: فقال المصنف رحمه الله تعالى: [باب ما روي في المكذبين بالقدر: عن ابن عمر ﵄ قال: جاءه رجل فسأله عن القدر، فقال: من هؤلاء القدرية؟ قال ابن عمر: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (هم مجوس هذه الأمة)]. هذا الحديث روي من طرق متعددة عن ابن عمر، ورواه غير ابن عمر جمع من الصحابة ﵃، وفي كل طريق من هذه الطرق راوٍ كذاب، أو متروك، أو ضعيف، أو ضعيف جداً، وبالتالي اختلفت كلمة المحدثين في إثبات هذا الحديث من عدمه، فبعضهم يرى أن مجموع هذه الطرق والشواهد يرتقي بها الحديث إلى درجة الحسن أو الصحيح، وبعضهم يقول: لا يزيد الحديث بذلك إلا ضعفاً. [وعن ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال: (لكل أمة مجوس، ومجوس أمتي الذين يقولون: لا قدر، إن مرضوا فلا تعودوهم، وإن ماتوا فلا تشهدوهم)، وفي رواية: (وإن ماتوا فلا تشيعوهم، ولا تناكحوهم)] أي: لا تنكحوا إليهم ولا منهم. [وعن حذيفة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (لكل أمة مجوس، ومجوس هذه الأمة الذين يقولون: لا قدر، إن مرضوا فلا تعودوهم، وإن ماتوا فلا تشهدوهم، وهم شيعة الدجال، وحق على الله أن يلحقهم بـ الدجال). وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (لكل أمة مجوس، ومجوس هذه الأمة القدرية، لا تعودوهم إذا مرضوا، ولا تصلوا عليهم إذا ماتوا)، وفي رواية: (وإن ماتوا فلا تشيعوهم). وعن ابن عمر قال: (لكل أمة مجوس، ومجوس هذه الأمة الذين يقولون: لا قدر)]، وغير ذلك من الروايات التي تثبت أن القدرية هم مجوس هذه الأمة. [وعن ابن عمر قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (سيكون في أمتي مسخ، وذلك في القدرية والزنديقية)]. والزنديقية: من الزندقة وهي النفاق، والزنديق هو المنافق. [وعن محمد بن أيوب المكي قال: سمعت عبد الله بن عباس ﵄ لما ذكر عنده القدرية يقول: هذا أول شرك هذه الأمة] يعني: أول شرك وقع في الأمة هو قول الذين يقولون: لا قدر، وأن الأمر أنف، وكان أول ظهورهم في البصرة. قال: [ألا وإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: (كأني بنسائهم يطفن حول ذي الخلصة)]. يعني: كأني بنساء القدرية الذين يقولون: لا قدر؛ يطفن حول ذي الخلصة، وذو الخلصة كما في كتاب النهاية لـ ابن الأثير بيت كان فيه صنم لدوس باليمن يسمى: الخلَصَة بفتحات، أراد لا تقوم الساعة حتى ترجع دوس عن الإسلام، وذلك قبل يوم القيامة، فلا تقوم الساعة حتى ترتد دوس على أعقابها وتشرك بالله ، فتطوف النساء بذي الخلصة، وتضطرب أعجازهن وألياتهن كما كن يفعلن بالجاهلية. [فقال النبي ﵊: (كأني بنسائهم يطفن حول ذي الخلصة، تصطك ألياتهن مشركات -أو ألياهن-، والذي نفسي بيده لا ينتهي سوء رأيهم -أي: لا يذهب سوء رأيهم فيما يتعلق بمسألة القدر- حتى يخرجوا الله من أن يقدر الخير كما أخرجوه من أن يقدر الشر)]. لأن بعض فرق القدرية قالت: إن الله تعالى خلق الخير ولم يخلق الشر، وقدر الخير ولم يقدر الشر، وشاء الخير ولم يشأ الشر، فشابهوا تماماً المجوس الذين قالوا: بثنائية الإله، إله الخير وإله الشر، إله الظلمة وإله النور، فسماهم النبي ﵊ مجوس هذه الأمة؛ لأن المجوس قالوا بأن للعالم إلهين: إله للخير وإله للشر، إله للظلمة وإله للنور، وكذلك كادت القدرية أن تقول: لهذا الكون كذلك إلهان: إله للخير وإله للشر، وذلك بقولهم: إن الله شاء الخير ولم يشأ الشر، قدر الخير ولم يقدر الشر، فإذا كان الشر مخلوقاً وموجوداً في واقع الناس وفي هذه الحياة فلا بد أن يكون له خالق، فإذا كنتم تقولون: إن الشر لم يخلقه الله فلا بد أن يكون لهذا الشر خالق غير الله، وهذا باب عظيم من أبواب مشابهة القدرية للمجوس؛ لأنهم قالوا بثانوية الإله. إذاً: قوله ﵊: (القدرية مجوس هذه الأمة) علة ذلك أن المجوس يقولون بثانوية الإله، وأن القدرية كادوا أن يقولوا بثانوية الإله، لأنهم قالوا: إن الله قدر الخير ولم يقدر الشر، والشر مخلوق فلا بد له من خالق، وإلا فك

стр. 1117

حكم من أنكر مرتبتي العلم والكتابة من القدر والمكذب بالقدر إذا كان من الغلاة، وكان من علماء القدرية فإنه يكفر بهذا خاصة إذا أنكر مرتبة العلم والكتابة، فإن من أنكر مرتبة العلم الأزلي لله ، وأن الله لم يكتب ذلك في اللوح المحفوظ فقد كفر بذلك، وأما من أنكر المرتبتين التاليتين وهما: مرتبة الإرادة ومرتبة الخلق ففيه نزاع كبير جداً بين أهل العلم في تكفيره؛ خلافاً للمرتبتين السابقتين: العلم والكتابة فقد اتفقت كلمة الأمة على تكفير من أنكرهما؛ لأنه ينفي العلم عن الله ، ويصفه بالجهل، وأن الله تعالى لا يعلم الأمر إلا بعد أن يقع، وأنه لا قدر، وأن الأمر أنف كما ذكرنا مراراً من قبل. فقوله: (لا يدخل الجنة مكذب بالقدر) هذا التكذيب إن حصل في المرتبة الأولى والثانية فالكلام على إطلاقه، وأنه كافر بالله العظيم مخلد في نار جهنم مع الكافرين، وإذا كان هذا التكذيب منصب على المرتبة الثالثة والرابعة ففيه نزاع مشهور معروف لأهل العلم ذكرناه مراراً من قبل. فمن كان مستحلاً لهذا العقوق مع قيام الحجة بالدليل عليه، فيسب ويضرب والديه، فإذا قيل له هذا حرام، قال: ليس بحرام، وإذا تلونا عليه آيات وأحاديث تبين حرمة العقوق وأنها كبيرة من الكبائر أنكرها وجحدها؛ فقد كفر بالله ، وكذلك إذا كان يشرب الخمر ويجحد حرمة ذلك مع قيام الحجة عليه: باجتماع الشروط، وانتفاء الموانع؛ فلا شك أنه يكفر بالله .

стр. 1118

حكم مرتكب الكبيرة عند أهل السنة والخوارج والمعتزلة وظاهر الحديث أنه لا يدخل الجنة لأول وهلة مع الداخلين الأوائل: العاق لوالديه، ومدمن الخمر، والمكذب بالقدر، فيكون معنى قوله ﵊: (لا يدخل الجنة) أي: لا يدخل الجنة أولاً، والخوارج والمعتزلة أجروا هذه النصوص على ظاهرها فقالوا: لا يدخل الجنة، أي: لا يدخلها أبداً بل يخلد في النار؛ لأن الخوارج يكفرون صاحب الكبيرة، بل غلاة الخوارج يكفرون بالصغائر، وأنتم تعلمون أن الكبائر إن أقيم على صاحبها الحد فهو كفارته؛ لقوله ﷺ : (الحدود كفارة لأهلها)، فمن أقيم عليه الحد في أمر قد استوجب الحد فالحد ينفي عنه ما كان منه، وإذا تاب إلى الله تاب الله تعالى عليه، قال تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾ [الفرقان:٧٠]، وإذا مات مصراً عليها غير مستحل لها فهو في مشيئة الله : إن شاء عذبه، وإن شاء غفر له، هذا حكم الكبيرة عند أهل السنة والجماعة. وأما الخوارج فقالوا: مرتكب الكبيرة يخرج من الملة ويكفر بكبيرته، ويخلد في النار مع المخلدين. والمعتزلة قالوا: ليس مؤمناً ولا كافراً، هذا حكمه في الدنيا، وأما حكمه في الآخرة فهو مخلد في النار مع المخلدين، وهذا كلام لا دليل له؛ لأنه لا يخلد في النار إلا الكافر الأصلي والمنافق؛ لأنه عند الله كافر، ولكنه تجرى عليه أحكام الإسلام في الدنيا لإظهاره شعائر الإسلام، ونطقه بكلمة التوحيد، وأما هو في حقيقة الأمر فقد أبطن الكفر، والله تعالى مطلع على باطنه، فهو عند الله كافر مخلد في النار مع الكفار، فحينئذ يكون قوله ﵊: (لا يدخل الجنة عاق) أي: لا يدخل الجنة لأول وهلة، وإنما يدخلها بعد أن يطهر في النار، أو يعفو الجبار ﵎.

стр. 1119

انتشار السحر والتنجيم بين المسلمين [وقال النبي ﷺ : (إنما أتخوف على أمتي ثلاثاً: التصديق بالنجوم، والتكذيب بالقدر، وحيف الأئمة)]. والتصديق بالنجوم: هو أن تعتقد الأمة في النجوم، وأن تعمل بالسحر والشعوذة، والأمة قد وقعت في هذا، وهو من المهلكات، كما في الصحيحين من حديث أبي هريرة ﵁: أن النبي ﷺ قال: (اجتنبوا السبع الموبقات - أي: المهلكات - الشرك بالله ، والسحر)، والأمة فيها كثير من السحرة بل منها ولايات ودول لا تحسن إلا أعمال السحر والتنجيم، واعتمدت على ذلك في كل أقوالها وأفعالها، حتى في تعاملاتها مع الدول المجاورة وغير المجاورة، وحتى مع الدول الكافرة إنما تعتمد على السحر والتنجيم، كبلاد المغرب كلها: المغرب، تونس، الجزائر، ليبيا، فيعتمدون على السحر والتنجيم، وأما زعماء العالم الغربي الكافر والعالم العربي المسلم فغالباً ما يعتمدون على التنجيم والسحر والشعوذة، ولقد اتخذ كل منهم ساحراً له، لا يصدر إلا عن أمره، وينبئوه كذباً بما سيكون في غد، فيتخذ لذلك الحيطة. وقد قال النبي ﵊: (أربع في أمتي من أمر الجاهلية لا يدعونهن: الطعن في الأنساب، والفخر بالأحساب، والاستسقاء بالنجوم، والنياحة) فبدلاً من أن يستمطروا السماء بالدعاء والعمل الصالح؛ يستمطروها بالنجوم، قال الله في الحديث القدسي: (أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر، أما من قال: مطرنا بنوء كذا فهو مؤمن بالكوكب كافر بي، وأما من قال: مطرنا بفضل الله فقد أصبح مؤمن بي كافراً بالكوك) فبين الله في هذا الحديث أن هذه المسألة متعلقة بالإيمان والكفر، فهي من مسائل الإيمان وليست من مسائل العمل. قال: (والتكذيب بالقدر)، وقد تكلمنا عنه كثيراً.

стр. 1120

صلاح الأمة بصلاح علمائها وحكامها قوله: (وحيف الأئمة) الحيف هو: الظلم، والميل والعدول عن الحق، والأئمة المقصود بهم أئمة الحكم والسلطة، وأئمة العلم، فالأئمة عند الإطلاق في نصوص الشرع يعني بهم أئمة السياسة، أو إمام الدولة وإمارة البلاد، ويعنى بهم كذلك أئمة العلم، فهذان إذا هلكا هلكت بهلاكهما الأمة، وإذا صلحا صلحت بصلاحهما الأمة، السلطان والعالم إذا صلحا صلحت بصلاحهما الأمة، وإذا فسدا فسد بفسادهما الأمة، ولقد فسد الكل وأضاعوا الأمة معهما، فلا سلاطين على منهاج النبوة، ولا علماء على منهاج النبوة إلا من رحم الله وقليل بل نادر جداً ما هم، وهم مبعدون مغضوب عليهم، لا يسمع لهم القول، وحري إذا تكلموا ألا يسمع لهم، وإذا نكحوا ألا ينكحوا، هذا حالهم في هذا الزمان، لكنهم عند الله ﵎ مباركون مقبولون بإذن الله تعالى، فهذا الحديث مخيف إلى أقصى حد لمن كان يخاف الله . [وعن ابن محيريز قال النبي ﷺ : (إن أخوف ما أخاف على أمتي ثلاث: حيف الأئمة، وإيمان بالنجوم، والتكذيب بالقدر)].

стр. 1121

الأدلة على إثبات القدر قال: [وعن أبي هريرة ﵁ قال: (جاءت مشركو قريش إلى النبي ﷺ يخاصمونه في القدر -يعني: يجادلونه ويناظرونه فيما يتعلق بالقدر- قال: فنزلت هذه الآية: ﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ * يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ * إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر:٤٧ - ٤٩])]. وهذه آية عظيمة احتج بها جميع الأئمة في إثبات القدر، وأن كل شيء بقدرة الله ، ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ﴾ [القمر:٤٩] (كل) من ألفاظ العموم، و (شيء): نكرة في سياق الإثبات فتفيد العموم، ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ﴾ [القمر:٤٩] فلا خالق إلا الله ﴿بِقَدَرٍ﴾ [القمر:٤٩] أي: بعلم سابق، وبقدرة إلهية على الخلق، فكل شيء في الكون بقدر الله ، وهذا يشمل في عمومه الخير والشر، والصالح والطالح. [وعن محمد بن كعب القرظي أنه قرأ هذه الآية: ﴿يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ * إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر:٤٨ - ٤٩] قال: ما نزلت إلا تعييراً لأهل القدر] أي: تبكيتاً لهم فيما يزعمون إنكاره ورده. وكثير من أهل العلم لما سئل عن القدرية قال: صنفان ليس لهما في الإسلام نصيب: المرجئة والقدرية، وقتالهم أحب إلينا من قتال الروم وفارس والديلم.

стр. 1122

تكفير السلف ولعنهم للقدرية الأولى [وعن عبد الله بن مسعود ﵄ قال: ما كان كفر بعد نبوة إلا كان مفتاحه التكذيب بالقدر]، يعني: أن التكذيب بالقدر رأس الشر، وناقض لرسالات الرسل، ونبوة الأنبياء، وما كان كفراً بعد نبوة إلا بدأ بالتكذيب بالقدر. [وعن محمد بن يزيد الرحبي قال: قلت لـ نافع مولى ابن عمر: إن قبلنا -أي: ناحيتنا- قوماً يقولون: إن الله لم يقدر الذنوب على أهلها، والناس مخيرون بين الخير والشر، قال: أولئك قوم كفروا بعد إيمانهم]. أي: الذي يقول هذه المقولة يكفر بعد إيمانه. [وعن نافع قال: جاء رجل إلى عبد الله بن عمر فقال: ناس يتكلمون بالقدر؟ فقال: أولئك القدريون، وأولئك يصيرون إلى أن يكونوا مجوس هذه الأمة]. وهم الذين يقولون: لا قدر، وأن الأمر أنف، أي: أن الله لا يعلم الأشياء إلا بعد وقوعها. وهؤلاء القدرية أناس بلغوا في العلم مبلغاً وشأناً عظيماً جداً، والذين تكلموا في القدر كـ معبد الجهني، وكذلك الجهم بن صفوان من الجهمية وغير واحد من أعلام أهل البدع كانوا في غاية العلم والذكاء والفطنة ولم يكونوا جهالاً، وفرق كبير جداً بين العلم والهداية، ولذلك فالعلماء يقولون: العلم علمان: علم بالله، وعلم بأحكام الله ، فالعلم بالله على رأسه مخافة الله ، وإجلال الله ﵎ وعبادة الله ﵎، بذل وإخبات وخضوع وخشوع، فهذا هو العلم الذي ينتفع به صاحبه يوم القيامة. وأما العلم الثاني: فهو العلم بالأحكام الشرعية، وبالحلال والحرام، فمن أهل هذا العلم من جمعوا إلى علمهم العلم الأول، فهؤلاء هم الذين قال الله تعالى عنهم: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل:٤٣]، وهم الذين قال الله تعالى عنهم: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر:٢٨]، أما عالم بالحلال والحرام يلوي بالحرام لسانه حتى يجعله حلالاً، ويلوي بالحلال لسانه حتى يجعله حراماً، فإذا كان التوجه العام والسياسة العامة تريد تحريم هذا الشيء فيذهبون ويأتون بأدلة باطلة وموضوعة وغير ذلك لإثبات أن هذا الشيء على هوى السائل، وإذا كان العكس فبالعكس كذلك، كما سئل أحدهم وكان قد سأله كافر فقال: أليس نبيكم قد حرم مصافحة النساء؟ وقد رأيناك تصافح النساء بنفسك، وبعض الناس منكم يقول: إن النبي لم يصافح النساء في بيعة كذا، قال: مصافحة النساء حلال، ولكن النبي ﷺ لم يصافح النساء؛ لأنه كان قادماً من سفر متعباً فاعتذر عن مصافحة النساء! أنا أظن أن هذا الكلام لا يمكن أن يكون قد خطر على بال إبليس، فهذا المفتي ليس له حظ ولا نصيب إلا النار إن لم يتب؛ لأنه يقول على النبي ﵊ ما لم يقله، ويتأول النصوص الشرعية على غير مراد الله ، ومراد رسوله ﷺ ؛ ليضل الناس بما عنده من علم، وهو يعلم أن ذلك حرام، ولو طلب منه وكان التوجه العام إثبات حرمة مصافحة النساء، ووجوب لبس النقاب؛ لأتى بأدلة هائلة لإثبات هذا؛ لأنه غاب عنه أن يرضي الله ، وإنما أتى بمهمة عظيمة وهي إرضاء التوجه العام في البلاد الإسلامية، فأنا لا أدري كيف يبيع المرء دينه بعرض من الدنيا قليل لا ينفعه، فهو لا يأكل إلا كما كان يأكل، ولا يلبس إلا كما كان يلبس، ولا ينام إلا كما ينام، وسيترك هذا كله ولا يخرج من دينه ودنياه إلا بالخسران والبوار، فكيف يقدم على ذلك رجل عنده مسكة من عقل، ثم هو قد بلغ من العمر أرذله، فإذا كان يخشى سجن أو تعذيب فإنه ليس من أهل السجن ولا من أهل التعذيب، والناس عندهم نظر لهذا السن، ولا يسمح بذلك، وأقصى ما يقال فيه: إنك قد بلغت السن القانوني فاخرج لا نريدك، وقد قيل لسابقه هذا القول، فعجيب جداً أن يبيع المرء دينه بفتات من فتات الدنيا، فاللهم إنا نسألك بأسمائك الحسنى وصفاتك العلى أن تثبتنا على إيماننا. [وعن نافع عن ابن عمر قال: إن لكل أمة مجوساً، ومجوس هذه الأمة الذين يقولون: لا قدر. وعن عطاء بن أبي رباح قال: أتيت ابن عباس وهو ينزع في زمزم -يعني: يأخذ منه بالدلو- قد ابتلت أسافل ثيابه -يعني: أطراف ثيابه من أسفل- فقلت له: قد تكلم في القدر، فقال ابن عباس: أوقد فعلوها؟! قلت: نعم، فقال: فو الله ما نزلت هذه الآية إلا فيهم ﴿ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ * إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر:٤٨ - ٤٩]، أولئك شرار هذه الأمة، لا تعودوا مرضاهم، ولا تصلوا على موتاهم، إن أريتني أحداً منهم فقأت عينه بأصبعي هاتين]، يعني: إن أريتني واحداً منهم سأفقأ عينيه ولا دية له ولا يقاد مني في ذلك. [وعن عكرمة بن عمار اليمامي قال: سمعت سالم بن عبد الله بن عمر يلعن القدرية. وق

стр. 1123

الطاعة تسلم إلى الطاعة والبدعة والمعصية يسلمان إلى البدعة والمعصية [وعن مجاهد قال: يبتدءون فيكونون مرجئة]. فالطاعة تسلم إلى الطاعة، فكذلك البدعة تسلم إلى بدعة، والمعصية تسلم إلى معصية، وهذه سنة الله تعالى في الكون، فالذي يحرص على أن يصلي إذا ما فرغ من صلاته انشغل بالأذكار، وإذا فرغ من الأذكار انشغل بالتسبيح، ثم انشغل بقضاء حوائج المسلمين، أو بأي طاعة من الطاعات حتى تأتيه الصلاة مرة أخرى. والمعصية تسلم إلى معصية أخرى، والمرء يخرج من ذنب فيدخل في آخر، وهو في الذنب الأول يفكر ماذا يصنع في الذنب الثاني وغير ذلك، فكذلك البدعة تسلم إلى بدعة أخرى.

стр. 1124

مداخل الشيطان على العبد والبدع أخطر من المعاصي بكثير جداً، والشيطان يحبها حباً جماً، ولذلك يجتهد عليك الشيطان في باب الكفر والخروج من الإيمان، وفي الغالب أنه لا يفلح في الردة، فيجتهد عليك في باب البدع ولا يجتهد عليك في باب المعصية، فإن فشل معك في باب البدع فإنه يجتهد آسفاً عليك فيما يتعلق بالمعصية؛ لأن البدعة وسط بين الإيمان والكفر، وأما الذنب فليس كفراً فهو في المرتبة الثالثة. ولذلك تجد صاحب البدعة يبتدع وهو يزعم أنه يتقرب إلى الله، وأما صاحب الذنب فلا يمكن أن يزعم ذلك، فلو سألت شخصاً يشرب الخمر وتقول له: أنت تشرب الخمر لماذا؟ فسيقول: هذه معصية، وربنا يتوب علي وادع لي، لكن لو ذهبت إلى شخص يطوف حول قبر الحسين، وقلت له: هذا شرك، لماذا تعمل هذا؟ يقول لك: لا تتكلم، هؤلاء أولياء الله ، سوف يحصل لك ويأتي إليك ويعمل فيك! فأصحاب البدع دينهم الكذب على الله وعلى رسوله، فصاحب البدعة يبتدع وهو يعتقد أنه يتقرب من الله ، ولذلك تجده متمسكاً جداً ببدعته ومجاهراً بالبدعة؛ لأنها في نظره دين. لكن صاحب المعصية يعصي الله، وإذا ناقشته أو اطلعت عليه في حال معصيته خزى واستحى، ووضع وجهه في الأرض؛ لأنه يعلم أنه على معصية، فالشيطان يهتم دائماً أن يجتهد عليك في باب البدعة.

стр. 1125

ما روي عن الصحابة فيما جاء في كتاب الله وسنة رسوله من التشنيع على المكذبين بالقدر وقد روي عن كثير من الصحابة والتابعين والأئمة المتبوعين مواقف مشهودة لهم فيما يتعلق بحكمهم على القدرية.
следующие страницы →