Полный текст (1 366 стр.). Показаны 1121–1160 · переход к 1126.
стр. 1121
الأدلة على إثبات القدر
قال: [وعن أبي هريرة ﵁ قال: (جاءت مشركو قريش إلى النبي ﷺ يخاصمونه في القدر -يعني: يجادلونه ويناظرونه فيما يتعلق بالقدر- قال: فنزلت هذه الآية: ﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ * يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ * إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر:٤٧ - ٤٩])].
وهذه آية عظيمة احتج بها جميع الأئمة في إثبات القدر، وأن كل شيء بقدرة الله ، ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ﴾ [القمر:٤٩] (كل) من ألفاظ العموم، و (شيء): نكرة في سياق الإثبات فتفيد العموم، ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ﴾ [القمر:٤٩] فلا خالق إلا الله ﴿بِقَدَرٍ﴾ [القمر:٤٩] أي: بعلم سابق، وبقدرة إلهية على الخلق، فكل شيء في الكون بقدر الله ، وهذا يشمل في عمومه الخير والشر، والصالح والطالح.
[وعن محمد بن كعب القرظي أنه قرأ هذه الآية: ﴿يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ * إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر:٤٨ - ٤٩] قال: ما نزلت إلا تعييراً لأهل القدر] أي: تبكيتاً لهم فيما يزعمون إنكاره ورده.
وكثير من أهل العلم لما سئل عن القدرية قال: صنفان ليس لهما في الإسلام نصيب: المرجئة والقدرية، وقتالهم أحب إلينا من قتال الروم وفارس والديلم.
стр. 1122
تكفير السلف ولعنهم للقدرية الأولى
[وعن عبد الله بن مسعود ﵄ قال: ما كان كفر بعد نبوة إلا كان مفتاحه التكذيب بالقدر]، يعني: أن التكذيب بالقدر رأس الشر، وناقض لرسالات الرسل، ونبوة الأنبياء، وما كان كفراً بعد نبوة إلا بدأ بالتكذيب بالقدر.
[وعن محمد بن يزيد الرحبي قال: قلت لـ نافع مولى ابن عمر: إن قبلنا -أي: ناحيتنا- قوماً يقولون: إن الله لم يقدر الذنوب على أهلها، والناس مخيرون بين الخير والشر، قال: أولئك قوم كفروا بعد إيمانهم].
أي: الذي يقول هذه المقولة يكفر بعد إيمانه.
[وعن نافع قال: جاء رجل إلى عبد الله بن عمر فقال: ناس يتكلمون بالقدر؟ فقال: أولئك القدريون، وأولئك يصيرون إلى أن يكونوا مجوس هذه الأمة].
وهم الذين يقولون: لا قدر، وأن الأمر أنف، أي: أن الله لا يعلم الأشياء إلا بعد وقوعها.
وهؤلاء القدرية أناس بلغوا في العلم مبلغاً وشأناً عظيماً جداً، والذين تكلموا في القدر كـ معبد الجهني، وكذلك الجهم بن صفوان من الجهمية وغير واحد من أعلام أهل البدع كانوا في غاية العلم والذكاء والفطنة ولم يكونوا جهالاً، وفرق كبير جداً بين العلم والهداية، ولذلك فالعلماء يقولون: العلم علمان: علم بالله، وعلم بأحكام الله ، فالعلم بالله على رأسه مخافة الله ، وإجلال الله ﵎ وعبادة الله ﵎، بذل وإخبات وخضوع وخشوع، فهذا هو العلم الذي ينتفع به صاحبه يوم القيامة.
وأما العلم الثاني: فهو العلم بالأحكام الشرعية، وبالحلال والحرام، فمن أهل هذا العلم من جمعوا إلى علمهم العلم الأول، فهؤلاء هم الذين قال الله تعالى عنهم: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل:٤٣]، وهم الذين قال الله تعالى عنهم: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر:٢٨]، أما عالم بالحلال والحرام يلوي بالحرام لسانه حتى يجعله حلالاً، ويلوي بالحلال لسانه حتى يجعله حراماً، فإذا كان التوجه العام والسياسة العامة تريد تحريم هذا الشيء فيذهبون ويأتون بأدلة باطلة وموضوعة وغير ذلك لإثبات أن هذا الشيء على هوى السائل، وإذا كان العكس فبالعكس كذلك، كما سئل أحدهم وكان قد سأله كافر فقال: أليس نبيكم قد حرم مصافحة النساء؟ وقد رأيناك تصافح النساء بنفسك، وبعض الناس منكم يقول: إن النبي لم يصافح النساء في بيعة كذا، قال: مصافحة النساء حلال، ولكن النبي ﷺ لم يصافح النساء؛ لأنه كان قادماً من سفر متعباً فاعتذر عن مصافحة النساء! أنا أظن أن هذا الكلام لا يمكن أن يكون قد خطر على بال إبليس، فهذا المفتي ليس له حظ ولا نصيب إلا النار إن لم يتب؛ لأنه يقول على النبي ﵊ ما لم يقله، ويتأول النصوص الشرعية على غير مراد الله ، ومراد رسوله ﷺ ؛ ليضل الناس بما عنده من علم، وهو يعلم أن ذلك حرام، ولو طلب منه وكان التوجه العام إثبات حرمة مصافحة النساء، ووجوب لبس النقاب؛ لأتى بأدلة هائلة لإثبات هذا؛ لأنه غاب عنه أن يرضي الله ، وإنما أتى بمهمة عظيمة وهي إرضاء التوجه العام في البلاد الإسلامية، فأنا لا أدري كيف يبيع المرء دينه بعرض من الدنيا قليل لا ينفعه، فهو لا يأكل إلا كما كان يأكل، ولا يلبس إلا كما كان يلبس، ولا ينام إلا كما ينام، وسيترك هذا كله ولا يخرج من دينه ودنياه إلا بالخسران والبوار، فكيف يقدم على ذلك رجل عنده مسكة من عقل، ثم هو قد بلغ من العمر أرذله، فإذا كان يخشى سجن أو تعذيب فإنه ليس من أهل السجن ولا من أهل التعذيب، والناس عندهم نظر لهذا السن، ولا يسمح بذلك، وأقصى ما يقال فيه: إنك قد بلغت السن القانوني فاخرج لا نريدك، وقد قيل لسابقه هذا القول، فعجيب جداً أن يبيع المرء دينه بفتات من فتات الدنيا، فاللهم إنا نسألك بأسمائك الحسنى وصفاتك العلى أن تثبتنا على إيماننا.
[وعن نافع عن ابن عمر قال: إن لكل أمة مجوساً، ومجوس هذه الأمة الذين يقولون: لا قدر.
وعن عطاء بن أبي رباح قال: أتيت ابن عباس وهو ينزع في زمزم -يعني: يأخذ منه بالدلو- قد ابتلت أسافل ثيابه -يعني: أطراف ثيابه من أسفل- فقلت له: قد تكلم في القدر، فقال ابن عباس: أوقد فعلوها؟! قلت: نعم، فقال: فو الله ما نزلت هذه الآية إلا فيهم ﴿ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ * إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر:٤٨ - ٤٩]، أولئك شرار هذه الأمة، لا تعودوا مرضاهم، ولا تصلوا على موتاهم، إن أريتني أحداً منهم فقأت عينه بأصبعي هاتين]، يعني: إن أريتني واحداً منهم سأفقأ عينيه ولا دية له ولا يقاد مني في ذلك.
[وعن عكرمة بن عمار اليمامي قال: سمعت سالم بن عبد الله بن عمر يلعن القدرية.
وق
стр. 1123
الطاعة تسلم إلى الطاعة والبدعة والمعصية يسلمان إلى البدعة والمعصية
[وعن مجاهد قال: يبتدءون فيكونون مرجئة].
فالطاعة تسلم إلى الطاعة، فكذلك البدعة تسلم إلى بدعة، والمعصية تسلم إلى معصية، وهذه سنة الله تعالى في الكون، فالذي يحرص على أن يصلي إذا ما فرغ من صلاته انشغل بالأذكار، وإذا فرغ من الأذكار انشغل بالتسبيح، ثم انشغل بقضاء حوائج المسلمين، أو بأي طاعة من الطاعات حتى تأتيه الصلاة مرة أخرى.
والمعصية تسلم إلى معصية أخرى، والمرء يخرج من ذنب فيدخل في آخر، وهو في الذنب الأول يفكر ماذا يصنع في الذنب الثاني وغير ذلك، فكذلك البدعة تسلم إلى بدعة أخرى.
стр. 1124
مداخل الشيطان على العبد
والبدع أخطر من المعاصي بكثير جداً، والشيطان يحبها حباً جماً، ولذلك يجتهد عليك الشيطان في باب الكفر والخروج من الإيمان، وفي الغالب أنه لا يفلح في الردة، فيجتهد عليك في باب البدع ولا يجتهد عليك في باب المعصية، فإن فشل معك في باب البدع فإنه يجتهد آسفاً عليك فيما يتعلق بالمعصية؛ لأن البدعة وسط بين الإيمان والكفر، وأما الذنب فليس كفراً فهو في المرتبة الثالثة.
ولذلك تجد صاحب البدعة يبتدع وهو يزعم أنه يتقرب إلى الله، وأما صاحب الذنب فلا يمكن أن يزعم ذلك، فلو سألت شخصاً يشرب الخمر وتقول له: أنت تشرب الخمر لماذا؟ فسيقول: هذه معصية، وربنا يتوب علي وادع لي، لكن لو ذهبت إلى شخص يطوف حول قبر الحسين، وقلت له: هذا شرك، لماذا تعمل هذا؟ يقول لك: لا تتكلم، هؤلاء أولياء الله ، سوف يحصل لك ويأتي إليك ويعمل فيك! فأصحاب البدع دينهم الكذب على الله وعلى رسوله، فصاحب البدعة يبتدع وهو يعتقد أنه يتقرب من الله ، ولذلك تجده متمسكاً جداً ببدعته ومجاهراً بالبدعة؛ لأنها في نظره دين.
لكن صاحب المعصية يعصي الله، وإذا ناقشته أو اطلعت عليه في حال معصيته خزى واستحى، ووضع وجهه في الأرض؛ لأنه يعلم أنه على معصية، فالشيطان يهتم دائماً أن يجتهد عليك في باب البدعة.
стр. 1125
ما روي عن الصحابة فيما جاء في كتاب الله وسنة رسوله من التشنيع على المكذبين بالقدر
وقد روي عن كثير من الصحابة والتابعين والأئمة المتبوعين مواقف مشهودة لهم فيما يتعلق بحكمهم على القدرية.
стр. 1126
أثر أبي بكر الصديق في إثبات التقدير السابق
قال: [فهذا أبو بكر الصديق ﵁ قال: خلق الله الخلق وكانوا قبضتين، فقال للتي عن يمينه: ادخلوا الجنة بسلام، وقال للتي في يده الأخرى: ادخلوا النار ولا أبالي].
ومعنى هذا الكلام أن الله تعالى لما أخرجهم من صلب آبائهم جعلهم فريقين: فريقاً في يده اليمنى، وفريقاً في يده الأخرى، وقال للذين في يده اليمنى: أنتم من أهل الجنة، وقال للذين في يده الأخرى: أنتم من أهل النار، وهذا يدل على علم الله الأزلي السابق.
والقدرية هم الذين أنكروا العلم الأزلي لله ، فقول أبي بكر هنا: إن الله تعالى قسم خلقه إلى قسمين: أحدهما في النار والآخر في الجنة؛ ليدل على أن كل شيء بقدر، وأن كل شيء كان معلوماً لله قبل أن يكون، وفي هذا أعظم رد على القدرية.
[ويقول: (قلت: يا رسول الله! أنعمل على عمل قد فرغ منه؟ أم على أمر مؤتنف؟)].
يعني: هذا الذي نحن نعمله يا رسول الله! نحن مطلوب منا أن نعمله، أم أنه أمر قد فرغ منه؟ يعني: أن الله عرفه وكتبه وقدره علينا، أم أمر مؤتنف لا يعلمه الله إلا بعد أن يقع منا، فإذا أوقعناه كتب الله لنا أو علينا.
[فقال النبي ﵊: (بل على أمر قد فرغ منه، قلت: يا رسول الله! إذا كان هذا الأمر قد فرغ منه ففيما العمل إذاً؟ -وهذا السؤال سأله أيضاً عمر ﵁ وغير واحد من الصحابة- قال: اعملوا فكل ميسر لما خلق، فأما من خلق للجنة فييسر لعمل أهل الجنة، وأما من خلق للنار فييسر لعمل أهل النار).
ولعل شخصاً يقول: ما دام الأمر قد فرغ منه فأنا لن أعمل، فنقول له: أنت الذي حكمت على نفسك بأنك من أهل النار، فالذي يجعلك قدرت أنك من قبضة أهل النار يجعلك تقدر أنك من قبضة أهل الجنة، فاعمل ولابد، فإذا كان خلق للجنة بعلم الله الأزلي السابق فسييسر لعمل أهل الجنة، والأخرى بالأخرى.
стр. 1127
أثر عمر بن الخطاب في إثبات قدر الله والرد على جاثليق النصارى في إنكاره إضلال الله لمن يشاء
وأما عمر ﵁: فقد جاء [عن عبد الله بن الحارث بن نوفل قال: خطبنا عمر بن الخطاب ﵁ بالجابية -يعني: في الشام- فحمد الله وأثنى عليه، فلما أتى على قوله: من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له -يعني: من كتب الله تعالى له الهداية في الأزل فلا يمكن أن يضل، ومن أضله الله في الأزل فلا يمكن أن يهتدي- فلما قال ذلك عمر والجاثليق بين يديه -وهو زعيم من زعماء النصارى- قال بقميصه فنفضه وقال: بركست بركست -يتكلم بكلام عبري- فقال عمر: ما يقول عدو الله؟ فقالوا: لم يقل شيئاً يا أمير المؤمنين! دعك منه وواصل كلامك، ثم أعادها فتشهد فقال: من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، فقال الجاثليق بقميصه فنفضه]، يريد أن يقول: إن هذا كلام غلط.
وهذا كما جاء عن الإمام أحمد ويحيى بن معين وغيرهما عندما كانوا يذكرون راوياً منكر الحديث أو كذاباً أو وضاعاً بين يدي أحدهم فإنه يقوم ينفض ثيابه ويترك المجلس وينصرف ولم يقل شيئاً، وهذا الفعل أعظم مما لو قال: كذاب أو وضاع.
فهذا الجاثليق لما قال عمر: من يهد الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، نفض ثيابه وقال: بركست بركست.
قال: [فقال عمر: ما يقول عدو الله؟ قالوا: يا أمير المؤمنين يزعم أن الله يهدي ولا يضل -يعني: يخلق الخير ولا يخلق الشر- فقال عمر: كذبت يا عدو الله! بل الله خلقك، وهو أضلك، وهو يدخلك النار إن شاء الله].
فلم يقل واحد من المسلمين: يا أمير المؤمنين أنت زدت فيها، كان المفروض أن تتلطف مع هذا الرجل النصراني لعل الله أن يهديه، فهل نحن نخفي الحق من أجل هداية فلان أو فلان؟! قال تعالى: ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف:٢٩]، وكما قال النبي ﵊: (وأما من ذهب منا إليهم فأبعده الله) أي: لا نريده، أما أنك تخفي الحق من أجل فلان أو علان فليس هذا منهجاً للسلف أبداً، فلا بد من قول الحق.
فقال: [كذبت يا عدو الله! بل الله خلقك، وهو أضلك، وهو يدخلك النار إن شاء الله]، فاستثنى وذكر المشيئة لأنه ربما يهتدي ويتوب.
ثم قال: [والله لولا لوث عهد لك -أي: لولا عهد بينا وبينك- لضربت عنقك، إن الله لما خلق آدم ﵇ نثر ذريته في يده، فكتب أهل الجنة وأعمالهم، وأهل النار وأعمالهم، وقال: هذه لهذه -أي: لأهل الجنة- وهذه لهذه -أي: لأهل النار- فتفرق الناس يومئذ وهم لا يختلفون في القدر]، أي: فتفرق الناس في يوم أن قال ذلك عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه.
[وعن عبد الله بن الحارث قال: خطب عمر بن الخطاب بالجابية فحمد الله وأثنى عليه، وعنده جاثليق يترجم له ما يقول، فقال: من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، قال: فنفض جبته كالمنكر لما يقول عمر، فقال عمر ﵁: ما يقول هذا؟ قال ذلك ثلاث مرات، قالوا: يا أمير المؤمنين! يزعم أن الله لا يضل أحداً، قال عمر: كذبت يا عدو الله! بل الله خلقك، وقد أضلك، ثم يدخلك النار إن شاء الله، أما والله لولا لوث من عهد لك لضربت عنقك، إن الله خلق أهل الجنة وما هم عاملون -أي: من خير- وخلق أهل النار وما هم عاملون -أي: من شر-].
إذاً: فخالق الخير والشر هو الله ، لكنه لا يحب الشر ولا يرضى به، ويأذن في وجوده؛ لأنه لا يكون في ملك الله إلا ما أراد الله.
فقال: [هؤلاء لهذه وهؤلاء لهذه، قال: فتفرق الناس وما يختلفون في القدر].
стр. 1128
القدر قدرة الله فمن كذب بالقدر فقد جحد قدرة الله تعالى
قال: [وعن زيد بن أسلم مولى عمر بن الخطاب أن عمر بن الخطاب ﵁ قال: القدر قدرة الله ].
والإمام أحمد بن حنبل عندما سئل: ما القدر؟ قال: إن الله على كل شيء قدير.
قال: [القدر قدرة الله ، فمن كذب بالقدر فقد جحد قدرة الله ].
فالذي يقول: لا شيء هناك اسمه قدر كأنه نفى علم الله، ونفى قدرة الله، فالله تعالى عليم، وموصوف بالعلم، وقادر وموصوف بالقدرة، والذي ينكر القدر ينفي عن الله تعالى بعض أسمائه وبعض صفاته.
стр. 1129
يقظة السلف عند التعامل مع الألفاظ المخالفة
[وعن هشام بن عروة عن أبيه: أن رجلاً قال لـ عمر بن الخطاب: أعطاك من لا يمن ولا يحرم].
فالسلف كانوا متيقظين جداً لأهل البدع، وكانوا في غاية اليقظة لكلمات أهل البدع، فهذا الشخص يقول له: يا عمر أعطني يعطيك من لا يمن ولا يمنع، فـ عمر قال له: كذاب، ﴿بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلإِيمَانِ﴾ [الحجرات:١٧].
إذاً: فالله تعالى يمن، والمن في حقنا منقصة، لكن المن في حق الله صفة كمال، والله تعالى يحرم الكافر من الجنة ويدخله النار، والحرمان في حقنا صفة عيب ونقص لكنه في حق الله صفة كمال في مقابلة من يستحق الحرمان، ولا يسمى الله تعالى: المان، كما لا يسمى: المحرم، أي: الذي يحرم عباده؛ لأنه لا يؤخذ من أفعال الله أسماء له، كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنتَقِمُونَ﴾ [السجدة:٢٢]، فلا يسمى: المنتقم.
وأما الحنان المنان فهما من أسماء الله، فقد ورد في ذلك نص صريح (يا حنان يا منان)، وأما المان فهو ليس من أسماء الله تعالى؛ لأنه مستخرج من أفعاله، وكل أفعال الله تعالى التي لم يثبت منها أسماء لا تستخرج منها الأسماء، كما في قول الله تعالى: ﴿إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنتَقِمُونَ﴾ [السجدة:٢٢]، فلا يسمى الله تعالى المنتقم، فالانتقام في العموم صفة نقص في حق المخلوقين، وهي في حق الله صفة كمال؛ لأنه لم ينتقم إلا ممن يستحق الانتقام، وكما قال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا * وَأَكِيدُ كَيْدًا﴾ [الطارق:١٥ - ١٦] فلا يسمى الله تعالى: الكائد، وعندما نقول: فلان كياد فهذه صفة نقص، ولا يوصف الله تعالى بذلك ابتداءً، وإنما يوصف بها على سبيل الكمال في مقابلة كيد الكائدين، ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ [الأنفال:٣٠]، والمكر في حق المخلوق صفة نقص، لكن في حق الله مهما مكر الماكرون فمكرهم عند الله ، وفي قدرة الله ، وسابق في علم الله قبل أن يخلقه.
إذاً: إحاطة المولى بكيد الكائدين، وإجرام المجرمين، وانتقام المنتقمين، وغير ذلك صفة كمال لله ، ولذلك ذهب أهل العلم إلى أن أسماء الله الثابتة له التي ظاهرها النقص أنها لا تقال على سبيل الإفراد، بل تقال على سبيل المقابلة، فتقول: النافع الضار، والضار من أسماء الله ، لكن لا تقل: الله تعالى هو الضار؛ لأن الاسم عند الإطلاق والإفراد يوحي بشيء من النقص، لكن تقول: الله تعالى هو النافع الضار.
ولا تقل: الله تعالى المعيد، بل قل: هو المبدئ والمعيد، فهو الذي بدأ الخلق ثم يعيدهم؛ لتجمع الأمر من أوله إلى آخره لله ، وأما لو قلت: هو المبدئ؛ فربما قيل: ومن المعيد؟ ولو قلت: هو المعيد؛ لتوهم بعض السامعين أنه لم يبدأ الخلق، بل هناك خالق بدأ وخالق ثانٍ يعيد هذا الخلق، وهذا من قواعد الأسماء والصفات.
قال: [إن رجلاً قال لـ عمر بن الخطاب: أعطاك من لا يمن ولا يحرم.
فقال له عمر: كذبت، بل الله يمن عليك بالإيمان، ويحرم الكافر الجنة].
وابن عباس عندما قيل بين يديه: ألا كل شيء ما خلا الله باطل وكل نعيم لا محالة زائل قال: نعيم الجنة لا يزول.
وهذا فيه رد على قوله: وكل نعيم لا محالة زائل، فنعيم الجنة دائم سرمدي أبدي لا نهاية له، فلما صدق في شطر بيته الأول أقره، ولما كذب في الشطر الثاني كذبه فوراً؛ حتى توضع النقاط على الحروف.
[وقال ثابت: إن رجلاً أتى عمر بن الخطاب ﵁ فقال: يا أمير المؤمنين! أعطني، فوالله لئن أعطيتني لا أحمدك، ولئن منعتني لا أذمك، فقال أمير المؤمنين عمر: لم؟ قال: لأن الله هو الذي يعطي وهو الذي يمنع]، أي: أن المعطي الحقيقي والمانع الحقيقي هو الله.
قال: [أدخلوه بيت المال ليحضره -أي: أدخلوا الرجل بيت المال إلى أن يرى المال بعينيه- وليأخذ منه ما يشاء]، وشكره عمر.
وهذا القول رغم أنه توحيد لكن لا يخلو من شيء من الجفاء مع الأئمة والوجهاء، والأصل فيه قول النبي ﵊: (من لم يشكر الناس لم يشكر الله)، وقال ﵊: (دعوا الناس يزرق الله بعضهم من بعض) يعني: لو أعطاه عمر لكان رازقاً له بإذن الله، وينبغي تأدباً شكر من أنعم عليك، فالله تعالى يقول: ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ﴾ [الأحزاب:٣٧]، فسمى الله النبي ﷺ منعماً وهو مخلوق؛ لأنه أنعم ومنّ على
стр. 1130
إيمان عمر الجازم بأن الذي يملك السعادة والشقاوة والخير والشر هو الله تعالى
قال: [وقال أبو عثمان النهدي: سمعت عمر بن الخطاب ﵁ وهو يطوف بالكعبة يقول: اللهم إن كنت كتبتني في أهل السعادة فأثبتني فيها، وإن كنت كتبت علي الذنب والغضب في الشقاء فامحني وأثبتني في أهل السعادة، فإنك تمحو ما تشاء وتثبت وعندك أم الكتاب].
وأنتم تعلمون أن مسألة المحو والإثبات وإنما تكون في الصحف التي بأيدي الملائكة، وأما أم الكتاب واللوح المحفوظ ففيها القضاء المبرم الذي لا يقبل الزيادة ولا النقصان، فـ عمر ﵁ يدعو ويقول: اللهم إن كنت كتبتني في الصحف التي بأيدي الملائكة شقياً فامحني من الشقاء وأثبتني في أهل السعادة، وأعني على ذلك، وهذا إيمان جازم من عمر ﵁ أن الذي يملك السعادة والشقاء هو الله ، وأن الذي يخلق الخير والشر هو الله .
[وعن عمرو بن ميمون: أن عمر سمع غلاماً وهو يقول: اللهم إنك تحول بين المرء وقلبه، فحل بيني وبين الخطايا فلا أعلم بشيء منها]، يعني: يا رب! اجعل بيني وبين الذنوب والخطايا حاجزاً وساتراً، واجعلني في غفلة عن الذنب حتى إني لا أعلم ما الذنب.
[فقال عمر: رحمك الله! ودعا له بخير.
وعن عمرو بن ميمون قال: رأيت عمر يوم أصيب وعليه ثوب أصفر، فخر وهو يقول: ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا﴾ [الأحزاب:٣٨]].
وكان أمر الله مقدراً في الأزل، (مقدوراً) أي: مخلوقاً وموجوداً لا محالة، وكأنه يريد أن يقول: إن الذي حل بي اليوم علمه الله تعالى في الأزل، وكتبه في اللوح المحفوظ.
فهذا الخبر يذكره عمر في أخريات لحظات حياته، ويبرز لنا قضية مهمة وهي قضية الإيمان بالقدر، ويقول: إن الذي حل بي إنما هو مقدر في اللوح المحفوظ ولا بد أن يقع، ولذلك عمر ﵁ ما كان يخفى عليه أن أبا لؤلؤة المجوسي كان غلاماً مجوسياً للمغيرة بن شعبة، وكان يصنع الرحى، وقد ضرب عليه سيده المغيرة مبلغاً من الدنانير يدفعها في كل عام، فأتى أبو لؤلؤة المجوسي إلى أمير المؤمنين عمر ﵁ يشكو له غلاء الضريبة التي ضربت عليه من سيده، فقال: كم يأخذ منك؟ قال: أربعة دنانير، قال: ما عملك؟ قال: أصنع الرحى، وأنا فوق ذلك حداد نجار، قال: ما خراجك بكثير، أتصنع رحى؟ قال: نعم.
قال: اصنع لي رحاً.
فقال الغلام: سأصنع لك رحاً تتكلم عنها العرب والعجم، فلما وقع الذي وقع من أبي لؤلؤة المجوسي -عليه لعنة الله- قال عمر: لقد تهددني العلج آنفاً، والعلج بمعنى القبيح.
فـ عمر فهم مراد أبي لؤلؤة ولم يكن غافلاً، وعمر كان ذكياً جداً، وقد كان قبل الإسلام سفير قريش مع بقية القبائل وعنده من العمر ستة وعشرون عاماً، فلا يعقل أن قريشاً مع مكانتها وفصاحتها وذكائها وخدمتها للحجيج؛ تتخذ رجلاً لا عقل له، أو رجلاً غبياً، أو لا يدرك أبعاد المسائل؟ هذا لا يمكن، وفي الغالب أن كل أمة إنما تختار سفراءها من أذكى الناس فيها، وأنا أتكلم هنا عن سفراء العرب قديماً، وأما الآن فالسفير قد يقول: خطب شارون خطاباً بالأمس وكان في خطابه إيجابيات، وهناك في خطابه أمور ليست إيجابية، لماذا لا تقول: سلبية؟ خائف ممن؟ فحتى هذه الكلمة يخاف من قولها، وهو يحاول أن يخرج من أسئلتك شمالاً ويميناً، ويقول: فيه أشياء غير إيجابية.
والكذاب الكبير حق أمريكا يتصل بـ شارون ويقول له: لا عليك، من أجلنا تصالح مع العرب، فـ شارون يقول له: إلى الآن والكتائب اليهودية لم تحقق أهدافها العسكرية، فيقول له: افعل ذلك من أجلنا، فاليمن والسودان والخليج كلهم أتباعنا، واليهود والصليبيون في أرض الجزيرة العربية، وفلسطين ملكنا، لكن أريد أن أقول: إن البيع المعلن لم يتم، وهو سيتم ولا بد، ولا حل لهذه الأمة إلا أن ترجع إلى ربها.
فانظروا إلى عمر بن الخطاب عندما كتب رسالة إلى سعد بن أبي وقاص قال له: يا سعد! اتق الله في الخاصة من نفسك، وفيمن معك من الجند، فإنك إن عصيت الله كان جند العدو خيراً منك؛ لأنك لا تنتصر إلا بتقوى الله، فإذا كنت على غير ذلك فاقك العدو بالعدد والعدة، فكان خيراً منك في أرض المعركة؛ لأنك صاحب معاص وذنوب، فإما أن تتوب الأمة إلى الله وترجع إلى ربها، وإما فسيأتي شارون إلى هذه البلاد بل وإلى كل بلد من بلاد الإسلام، وسيكون هناك أسماء كثيرة جداً كلها تمثل شارون، لكن هذا شارون عربي وهذا شارون ليبي، وهذا شارون مغربي، وهذا شارون سعودي وهكذا، فلا بد أن ترجع الأمة إلى ربها.
أسأل الله تعالى التوفيق والسداد، اللهم انصر المجاهدين
стр. 1131
شرح كتاب الإبانة - ما روي عن الصحابة في التشنيع على المكذبين بالقدر
لقد كان الصحابة ﵃ يشنعون على المكذبين بالقدر، وينكرون عليهم أشد الإنكار، ويتبرءون من معتقدهم، ويحاجونهم بكتاب الله وسنة رسوله، ويحذرون الناس من مجالستهم والاستماع إليهم.
стр. 1132
تابع ما روي عن الصحابة فيما جاء في كتاب الله وسنة رسوله من التشنيع على المكذبين بالقدر
стр. 1133
إثبات علي بن أبي طالب للقدر
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وبعد: فإن أفضل الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.
أما بعد: قال المصنف رحمه الله تعالى: [الباب العاشر: ما روي عن الصحابة ﵃ فيما جاء في كتاب الله، وسنة رسوله ﵊ من التشنيع على المكذبين بالقدر].
وقد روينا فيه عن أبي بكر الصديق، وعن عمر ﵄ وغيرهما، وأما اليوم فنذكر الكلام الثابت عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁، وعن غيره من الصحابة والتابعين.
[قال يعلى بن مرة: إن أصحاب علي قالوا: إن هذا الرجل في حرب، وإلى جنب عدو، وإنا لا نأمن أن يغتال، فلو حرسه منا كل ليلة عشرة، قال: وكان علي إذا صلى العشاء لزق بالقبلة، فصلى ما شاء الله أن يصلي، ثم انصرف إلى أهله، فصلى ذات ليلة ثم انصرف، فأتى عليهم -يعني: ذهب إلى أصحابه الذين اجتمعوا- فقال: ما يجلسكم هذه الساعة؟ قالوا: جلسنا نتحدث، قال: لتخبرونني! فأخبروه -أي: أخبروه الخبر أنهم قد اتفقوا أن يحرسه في كل ليلة منهم عشرة؛ مخافة أن يغتال- فقال: من أهل السماء تحرسوني أو من أهل الأرض؟ قالوا: نحن أهون على الله من أن نحرسك من أهل السماء، بل نحن نحرسك من أهل الأرض.
قال: فلا تفعلوا، إنه إذا قضي أمر من السماء عمله أهل الأرض، وإن علي من الله جنة -أي: وقاية- حصينة إلى يومي هذا ثم تذهب، وإنه لا يجد عبد طعم الإيمان حتى يستيقن غير ظان -أي: شاك- أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وأن ما أخطأه لم يكن ليصيبه].
وهذا ربما يشير ظاهره إلى عدم الأخذ بالأسباب، والنبي ﵊ قد اتخذ لنفسه الحراس والخدم والعبيد والموالي، وغير ذلك، فإذا كان الاغتيال بقدر الله؛ فكذلك الحراسة من قدر الله ، ولكن الإمام علي ﵁ أراد أن يعلمهم درساً عظيماً جداً في التوكل على الله تعالى، والإيمان بما قدره الله تعالى.
وقال -أي علي بن أبي طالب -: [ما آدمي إلا ومعه ملك يقيه ما لم يقدَّر عليه، فإن جاء القدر خلاه وإياه] أي: تركه حتى ينفذ فيه القدر.
[وعن أبي البحتري: أن علياً كان يقول: إياكم والاستنان بالرجال -أي: إياكم أن تستنوا بآراء الرجال، فإنما ذلك بالكتاب والسنة، من كان مستمسكاً فليستمسك بالكتاب والسنة- فإن كنتم مستنين لا محالة فعليكم بالأموات] أي: عليكم برأي من مات، فإن الحي يقول الرأي اليوم ويرجع عنه غداً، وإن الحي لا تؤمن عليه الفتنة، أما الميت فقد نجا من الفتنة وانقطعت عنه بموته.
قال: [لأن الرجل قد يعمل الزمن من عمره بالعمل الذي لو مات عليه دخل الجنة، فإن كان قبل موته تحول فعمل بعمل أهل النار فمات؛ فدخل النار، وإن الرجل ليعمل الزمن من عمره بعمل أهل النار، فإذا كان قبل موته بعام تحول فعمل بعمل أهل الجنة فمات؛ فدخل الجنة].
وهنا لا يلزم أن نذكر كل ما ورد في ترجمة الإمام، وفي كلامه عن القدر، بل نجتزئ بالبعض دون البعض الآخر.
[وعن علي بن أبي طالب أنه ذكر عنده القدر يوماً فأدخل أصبعيه في فيه السبابة والوسطى -أي: لما ذكر عنده القدر ذات يوم أدخل السبابة والوسطى في فمه وبلهما بريقه- فأخذ بهما من ريقه فرقم بها في ذراعيه -أي: طبع بهما على ذراعيه- ثم قال: أشهد أن هاتين الرقمتين كانتا في أم الكتاب].
يعني: أن كل شيء إلى قيام الساعة مكتوب عند الله تعالى في أم الكتاب، وفي اللوح المحفوظ.
[وعن عمر بن سلام عن إسحاق بن الحارث من بني هاشم وذكر عنده القدرية، فقال الهاشمي: أعظك بما وعظ به علي بن أبي طالب ﵁ صاحباً له، فقال: إنه قد بلغني أنك تقول بقول أهل القدر، قال: إنما أقول: إني أقدر على أن أصلي وأصوم وأحج وأعتمر.
قال علي: أرأيت الذي تقدر عليه -أي: هذا الذي ذكرت من الصلاة والصيام والزكاة والحج- أشيء تملكه مع الله، أم شيء تملكه من دون الله؟ -يعني: هل تستطيع أن تعمل ذلك مع الله تعالى، أو بدون الله تعالى؟ - قال: فارتج الرجل، فقال علي ﵁: مالك لا تتكلم؟ أما لئن زعمت أن ذلك شيء تملكه مع الله ؛ فقد جعلت مع الله مالكاً وشريكاً، ولئن كان شيئاً تملكه من دون الله؛ لقد جعلت من دون الله مالكاً، قال الرجل: قد كان هذا من رأيي، وأنا أتوب إلى الله منه توبة نصوحاً لا أرجع إليه أبداً].
يعني: هو في الحالين مشرك، ورأيه يوافق رأي المجوس.
[وعن عبد الملك بن هارون بن عنترة عن أبيه عن جده قال: أتى رجل علي بن أبي طالب ﵁ فقال: أخبرني عن القدر؟ فقال: طريق مظلم فلا تسلكه، قال: أخبرني عن القدر، قال: بحر عميق فلا تلجه، قال: أخبرني عن القدر، قال: س
стр. 1134
ما قاله عبد الله بن سلام في إثبات القدر
قال: [عن عبد الله بن سلام قال: خلق الله الأرض يوم الأحد والإثنين، وقدر فيها أقواتها، وجعل فيها رواسي -أي: جبالاً- من فوقها في يوم الثلاثاء، والأربعاء، ثم استوى إلى السماء وهي دخان فخلقها يوم الخميس والجمعة، وأوحى في كل سماء أمرها، وخلق آدم في آخر ساعة من يوم الجمعة، ثم تركه أربعين ينظر إليه ويقول: تبارك الله أحسن الخالقين، ثم نفخ فيه من روحه، فلما دخل في بعضه الروح ذهب ليجلس -أي: تعجل آدم الجلوس.
قال الله : ﴿خُلِقَ الإِنسَانُ مِنْ عَجَلٍ﴾ [الأنبياء:٣٧]- فلما تبالغ فيه الروح -أي: اشتد أمر الروح فيه- عطس؛ فقال الله له: قل: الحمد الله، فقال: الحمد لله، قال الله له: رحمك ربك! ثم قال: اذهب إلى أهل ذاك المجلس من الملائكة فسلم عليهم، ففعل، فقال: هذه تحيتك وتحية ذريتك، ثم مسح ظهره بيديه فأخرج فيهما من هو خالق من ذريته إلى أن تقوم الساعة، ثم قبض يديه ثم قال: اختر يا آدم، قال: اخترت يمينك يا رب، وكلتا يديك يمين، فبسطها وإذا فيها ذريته من أهل الجنة، فقال: ما هؤلاء يا رب؟ قال: هو ما قضيت أن أخلق من ذريتك من أهل الجنة إلى أن تقوم الساعة، فإذا فيهم من له وبيص -أي: لمعان وضياء- قال: ما هؤلاء يا رب؟ قال: هم الأنبياء، قال: فمن هذا الذي له فضل وبيص؟ -أي: نور ساطع- قال: هذا ابنك داود، قال: فكم جعلت عمره؟ قال: ستين، قال: فكم عمري؟ قال: ألف سنة، قال: فزده يا رب من عمري أربعين سنة -أي: أعطه من عمري أربعين سنة، فيكون عمر آدم ألف سنة إلا أربعين، ويكون عمر داود مائة عام- قال: إن شئت، قال: يا رب! قد شئت -وفي هذا إثبات أن للعبد مشيئة- قال: إذاً يكتب ثم يختم ثم لا يبدل].
يعني: كأن الله تعالى يقول: انظر يا آدم ما تقول! فإننا لو أخذنا منك الأربعين فوضعناها في عمر ابنك داود؛ فهذا القول لا يبدل، وسيكتب في اللوح المحفوظ ولا رجعة فيه.
قال: [ثم رأى في آخر كف الرحمن آخر له فضل وبيص، قال: فمن هذا يا رب؟ قال: هذا محمد، هو آخرهم وأولهم أدخله الجنة.
فلما أتاه ملك الموت ليقبض نفسه -أي: أتى آدم- قال: إنه قد بقي من عمري أربعون سنة، قال: أولم تكن وهبتها لابنك داود؟! قال: لا، قال: فنسي آدم فنسيت ذريته، وعصى آدم فعصت ذريته، وجحد آدم فجحدت ذريته، فذلك أول يوم أمر بالشهداء] أي: أول يوم استدعى الله تعالى فيه الشهود على آدم.
هذا الحديث وإن كان موقوفاً على عبد الله بن سلام؛ فإن له في صحيح مسلم شواهد كثيرة.
стр. 1135
موقف ابن مسعود وابن عمر ممن كذب بالقدر
قال: [وعن ابن مسعود قال: ما كان كفر بعد نبوة قط إلا كان مفتاحه التكذيب بالقدر.
وعنه قال: لئن أعض على جمرة حتى تبرد أحب إلي من أن أقول لشيء قد قضاه الله: ليته لم يكن.
وعن أبي حازم قال: ذكر عند ابن عمر قوم يكذبون بالقدر، فقال: لا تجالسوهم، ولا تسلموا عليهم، ولا تعودوهم إذا مرضوا، ولا تشهدوا جنائزهم، وأخبروهم أني منهم بريء، وأنهم مني براء، وهم مجوس هذه الأمة.
وعن يحيى بن يعمر قال: قلت لـ ابن عمر: إن عندنا رجالاً بالعراق يقولون: إن شاءوا عملوا، وإن شاءوا لم يعملوا -يعني: أرجعوا الأمر كله إلى مشيئتهم دون مشيئة الله تعالى- وإن شاءوا دخلوا الجنة، وإن شاءوا دخلوا النار -يعني: حتى دخول الجنة والنار بمشيئتهم- وإن شاءوا وإن شاءوا وذكر أشياء أخرى، فقال: إني منهم بريء وإنهم مني براء.
وقال رجل لـ عبد الله بن عمر: إن ناساً من أهل العراق يكذبون بالقدر، ويزعمون أن الله لا يقدر الشر، قال: فبلغهم أن عبد الله بن عمر منهم بريء، وأنهم منه براء، والله لو أن لأحدهم مثل أحد ذهباً ثم أنفقه في سبيل الله ما قبله الله منه حتى يؤمن بالقدر خيره وشره] أي: أن الخير والشر من عند الله .
стр. 1136
موقف ابن عباس ممن يتكلم في القدر
قال: [وعن أبي الزبير قال: كنا نطوف مع طاوس -أي: طاوس بن كيسان اليماني - فمررنا بـ معبد الجهني -وهو زعيم القدرية- فقيل لـ طاوس: هذا معبد الذي يقول في القدر -أي: الذي ينكر القدر- فقال له طاوس: أنت الكاذب على الله بما لا تعلم؟ قال: فقال: يكذب علي! -أي: هم يفترون علي، فهذا الذي وصلك وبلغك عني كذب وافتراء- فدخلنا على ابن عباس فقال له طاوس: يا أبا عباس! الذين يقولون في القدر -يعني: هنا أناس قاعدون في هذا المجلس يتكلمون في القدر- قال ابن عباس: أروني بعضهم، قال طاوس: صانع ماذا؟ -يعني: لو أريناكهم ماذا ستصنع بهم؟ - قال: أدخل يدي في رأسه ثم أدق عنقه].
وابن عباس كان كفيفاً في كبره.
[وعن مجاهد قال: ذكر القدرية عند ابن عباس، فقال: لو أريت أحداً منهم عضضت أنفه].
أي: عضضت أنفه حتى أقطعه.
[وذكروا عند ابن عمر فقال: من لقيهم منكم فليبلغهم أني منهم برئ، وأنهم مني براء].
يعني: ليسوا منا ولسنا منهم؛ لأنهم مجوس وليسوا مسلمين، فالذي يقول: إن الله لم يقدر الشر، وما علمه إلا بعد أن وقع، وأن هذا لم يكن مكتوباً في اللوح المحفوظ؛ فهو كافر وخارج عن ملة الإسلام، وهذا ظاهر كلام عبد الله بن عمر في الحديث الطويل؛ حديث جبريل ﵇ عند الإمام مسلم، وقال النووي: ظاهر كلام عبد الله بن عمر أنه يكفر القدرية.
[وعن ابن عباس قال: الإيمان بالقدر نظام التوحيد -يعني: أصل التوحيد- فمن وحد الله وكذب بالقدر؛ كان تكذيبه بالقدر نقضاً للتوحيد -يعني: لم يكن موحداً، بل كان مشركاً مجوسياً، وقد شابه المجوس في جعلهم للكون إلهين: إلهاً للخير، وإلهاً للشر- ومن صدق بالقدر كانت العروة الوثقى التي لا انفصام لها].
قوله: (ومن صدق بالقدر) أي: من آمن به، وأن كل شيء بقدر: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر:٤٩]، وأن الله تعالى قدر الخير وأراده وشاءه، وأمر به وأحبه وأحب أهله، وقدر الشر، وأذن في وجوده وخلقه ولم يرضه، بل توعد فاعله بالوعيد الشديد في الدنيا والآخرة.
[وعن سعيد بن جبير عن ابن عباس في قول الله : ﴿يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾ [الأنفال:٢٤]-يعني: الله يمنع العبد من أن يأتي خيراً أو شراً- قال: يحول بين المؤمن وبين المعاصي، وبين الكافر وبين الإيمان].
فالله تعالى يحول بين المؤمن وأن يقع في المعصية، ويحول بين الكافر وأن يؤمن بالله تعالى.
[وعن ابن عباس في قول الله تعالى: ﴿وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ﴾ [الجاثية:٢٣]، قال: أضله على علم قد علمه عنده].
أي: أضله الله تعالى على علم منه بأن عبده هذا سيكون عبداً ضالاً.
[وجاء عبد الله بن عباس في ثلاثة نفر يتماشون، فقالوا: هيه يا ابن عباس! حدثنا عن القدر، قال: فأدرج كم قميصه حتى بدا منكبه] يعني: كأنه يقول: تريدون أن نتكلم عن القدر؟ ثم شمر عن ذراعيه إلى حد المنكب، وهذه حركة ظريفة جداً من ابن عباس مع أنه كفيف، فأبدى الاستعداد لمحاربة أهل البدع.
[ثم قال: لعلكم تتكلمون في القدر؟ قالوا: لا، قال: والذي نفسي بيده! لو علمت أنكم تتكلمون فيه لضربتكم بسيفي هذا ما استمسك في يدي] يعني: سأضربكم بسيفي إلا أن تغلبوني فتأخذونه مني.
[وعن طاوس قال: كنا جلوساً عند ابن عباس وعنده رجل من أهل القدر، فقلت: يا أبا عباس! كيف تقول فيمن يقول: لا قدر؟ -يعني: ليس هناك شيء اسمه قدر، وأن الله ما قدر شيئاً، بل ما علم شيئاً إلا بعد وقوعه- قال: أفي القوم أحد منهم؟ قلت: ولم؟ -يعني: لماذا تسأل؟ - قال: آخذ برأسه، ثم أقرأ عليه آية كيت وآية كيت -أي: الآيات المثبتة للقدر- حتى قرأ آيات من القرآن؛ حتى تمنيت أن يكون كل من تكلم في القدر قد شهده، فكان فيما قرأ: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إسْرائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا﴾ [الإسراء:٤]].
وهذا الذي تمر به الأمة اليوم هو العلو الثاني والأخير لبني إسرائيل، فلا علو بعد هذا العلو أبداً، وآية ذلك أن العلو الثاني علامته وأمارته أن جاء الله تعالى بهم لفيفاً -أي: جماعات وأفواجاً من الأرض كلها- حتى نزلوا أرض فلسطين؛ ليتم وعد الله الأخير في هلاك بني إسرائيل، وفي هلاك دولة اليهود.
فالله تعالى لما قال: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إسْرائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ
стр. 1137
أقسام الإرادة والمشيئة
وفي الآية الثانية: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾ [الأنعام:١٢٥]، ولم يقل: كأنما يصعد، وإنما أتى بصيغة مبالغة: ﴿كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾ [الأنعام:١٢٥].
فهذه الآية أثبتت قدر الخير وقدر الشر، وأثبتت المشيئة الشرعية الدينية والمشيئة الكونية القدرية، قال الله تعالى: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ﴾ [الأنعام:١٢٥]، هذه إرادة شرعية دينية، ومبناها على المحبة والرضا.
فقوله: ﴿أَنْ يَهدِيَهُ﴾ [الأنعام:١٢٥]، هذه هداية.
وقوله: ﴿يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ﴾ [الأنعام:١٢٥] يعني: يقبل الإسلام فيكون مسلماً، والإسلام محبَّب إلى الله تعالى، وقد أمر الله به، وألزم العباد به، وإرادته الإسلام للعبد مبناها على المحبة والرضا، إذاً: فهذه مشيئة شرعية وإرادة شرعية.
والإرادة الثانية: ﴿وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ﴾ [الأنعام:١٢٥]، والضلال لا يحبه الله، والذي خلق الضلال هو الله! لأنه لا خالق إلا الله.
﴿وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ﴾ [الأنعام:١٢٥] فهو الذي يجعل، ﴿صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾ [الأنعام:١٢٥] يعني: روحه تصعد، أي: ومن أراد الله تعالى له الضلال أضله حتى جعل صدره ضيقاً حرجاً، كأنما يصعد في السماء.
إذاً: الذي أراد الهداية هو الله، والذي أراد الضلال هو الله، والذي خلق الهداية والضلال هو الله.
والله تعالى أذن في وجود الضلال وفي خلق الضلال، ولكن الله تعالى حذر منه، وتوعد عليه بالنار والعذاب والعقاب، وهذا الضلال مبغض إلى الله، والله تعالى يمقته ويغضب عليه ويسخط منه، ولأجل ذلك أرسل الرسل، وأنزل عليهم الكتب؛ لأجل أن يهرب الخلق من الضلالة إلى الهداية.
والله تعالى بعلمه الأزلي علم أن بعض العباد مع إنزال الكتب وإرسال الرسل لا يَقبلون الإسلام، وإنما يُقبلون على الضلال، فخلقه لهم، أي: أذن في وقوع الضلال لهؤلاء؛ لأن الله تعالى بعلمه الأزلي السابق علم أنهم لا يقبلون هداية الإسلام، وإنما يَقبَلون ويُقبِلون على الضلال؛ فخلق الله بعلمه الأزلي السابق الضلال، وخلق كذلك بعلمه الأزلي السابق الهدى، وكل ميسر لما خلق له.
стр. 1138
عدم جواز الاحتجاج بالقدر على المعاصي
[وعن ابن عباس قال: الزنا بقدر، وشرب الخمر بقدر، والسرقة بقدر].
وهذا يدل على أن جميع المعاصي بقدر، ولا يعني أن هذه المذكورات فقط بقدر وما دونها ليس كذلك، بل هذه المذكورات على سبيل المثال في المعاصي، فكذلك سائر المعاصي كلها بقدر، أي: أن الله تعالى علمها، وعلم أن العبد الفلاني سيشرب الخمر ويزني ويسرق ويقتل ويأكل الخنزير، ويخالف بذلك آيات التنزيل؛ فكتب ذلك في اللوح المحفوظ، فكتب ما علم ، وهذا لا يعني أن الله تعالى يحب الزنا أو شرب الخمر.
كما أنه لا يجوز لأحد أن يحتج بالقدر على المعاصي، ويقول: كتب الله تعالى علي الزنا فزنيت، وكتب السرقة فسرقت، وكتب شرب الخمر فشربت؛ لأنه لا يجوز الاحتجاج بالقدر على المعايب، وإنما يجوز الاحتجاج بالقدر على المصائب، فلان مرض عنده حمى عمل عملية جراحية، لأن الله تعالى قدر عليه ذلك؛ فيجوز لك أن تحتج بالقدر على المصائب.
أما إنسان يزني أو يسرق أو يقتل، فإذا سئل: لم فعلت هذا؟ يقول: أليس هذا مقدراً؟ طرح هذا السؤال بهذا النحو في هذا الموطن ليس من دين الإسلام ألبتة، وإلا لبطل الأمر والنهي، والوعد والوعيد، والثواب والعقاب، وهدمنا الدين كله؛ ولذلك أهل العلم يقولون: لا يؤمن عبد حتى يؤمن بالقدر، وأن كل شيء بقدر، لكن لا يجوز الاحتجاج به قط على وقوع المعصية، اللهم إلا أن يتوب منها، فيوقن حينئذ أنه بعد التوبة لم يكن قد ارتكب ما ارتكبه إلا بقدر، والتوبة تستجلب الحد، يعني: إذا أقيم عليه الحد فهو كفارته، وإلا فإن كان هناك عجز عن قيام الحد -كما هو حال أمة الإسلام اليوم- فلا أقل من أن يتوب توبة نصوحاً بينه وبين ربه؛ فحينئذ يتوب الله تعالى عليه.
[قال ابن عباس: ما في الأرض قوم أبغض إلي من قوم من القدرية؛ يأتونني يخاصمونني -يعني: يجادلونني وينازعوني- وذاك أنهم أحسب لا يعلمون قدرة الله ] يعني: أنا على يقين أن هؤلاء لا يعلمون أن الله على كل شيء قدير، ويشكون في قدرة الله.
стр. 1139
معنى قوله تعالى: (لا يسأل عما يفعل وهم يسألون)
قال الله تعالى: ﴿لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء:٢٣]، هذه الآية تشير إلى أفعال الله تعالى: إدخال الله تعالى لبعض خلقه الجنة، وللبعض الآخر النار، فهذا من أفعال الله، فهو قادر على ذلك، ولو أن الله تعالى أدخل الطائعين النار، وأدخل العصاة الجنة لا يكون ظالماً لأحد الطرفين، بل فعل ذلك لحكمة وعدل، لأن اليقين أن الله لا يظلم الناس مثقال ذرة، وأن الله تعالى منزه عن جميع صفات النقص، متصف بجميع صفات الكمال، ولما كان الأمر كذلك؛ جل ربنا ﵎ أن يدخل الكفار الجنة وأن يدخل المؤمنين النار، فجعل الجنة لأهل الإيمان والتوحيد، وجعل النار لأهل الكفران والإلحاد والعصيان.
وهذا من تمام وكمال عدل الله في أهل النار، ومن كمال وتمام فضل الله على أهل الجنة، وإلا فلو عمل العاملون بطاعة الله ﵎ منذ أن خلقوا إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها لا يستحقون بذلك الجنة، ولكنها فضل الله ؛ ولذلك قال ابن عباس في قول الله تعالى: ﴿يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى﴾ [طه:٧]: السر هو ما أسره الإنسان في نفسه، ولم يطلع أحداً عليه؛ فهذا يسمى: سراً، والله تعالى هو الذي يعلمه، وهناك من الأمور في حياتي ما لا أعلمها أنا، وما فكرت فيها أصلاً، والذي يعلم أني غداً سأفكر في كيت وكيت هو الله.
فهذا خفي علي من أمري ومصالحي وحياتي، وأنا ما فكرت فيها، ولا أعلم منها شيئاً، وقد علم الله أني سأفعل كذا غداً وبعد غد حتى آخر لحظة في حياتي، فعلم الله تعالى وسجل حياتي قولاً وعملاً حركة وسكوناً، وأنا لا أعلم من حياتي إلا ما قد وقع بالفعل؛ فيصلح في حقي أني لا أعلم شيئاً، وأن الأمر بالنسبة لعلمي وإرادتي أنف، أي: لا أعلمه إلا بعد الوقوع، وأما الله تعالى فإنَّ علمه الأزلي سابق في خلقه، فقد علم ما كان منهم وما يكون، وما سيكون منهم حتى يرث الله تعالى الأرض ومن عليها.
стр. 1140
معنى قوله تعالى: (يعلم السر وأخفى)
[قال ابن عباس في قول الله تعالى: ﴿يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى﴾ [طه:٧] قال: السر: هو ما أسره الإنسان في نفسه، ﴿وَأَخْفَى﴾ [طه:٧] أي: ما لم يكن وهو كائن] يعني: ما لم يكن في الماضي وهو كائن الآن وفي المستقبل؛ يعلمه الله .
[وعن ابن عباس قال: كلام القدرية كفر].
أي: أن نفي العلم عن الله، ونفي الكتابة التي كتبها الله تعالى في اللوح المحفوظ والرق المنشور كفر بالله تعالى.
قال: [وكلام الحرورية -أي: الخوارج- ضلالة، وكلام الشيعة هلكة]، وستأتي هذه الفرق معنا بإذن الله تعالى.
قال: [لا أعرف الحق إلا في كلام قوم ألجئوا ما غاب عنهم من الأمور إلى الله] يعني: هذا هو عين الحق، فالذين يكلون أمورهم كلها إلى الله هم قوم قد آمنوا بالله.
قال: [وفوضوا أمورهم إلى الله، وعلموا أن كلاً بقضاء الله وقدره] وكل شيء بقدر، حتى وضعك يدك على خدك، يعني: أو عبثك بلحيتك، كل هذا مكتوب في اللوح المحفوظ، فشخص الآن جالس يريد أن ينام لأنه مرهق هذا مكتوب في اللوح المحفوظ، وآخر قعد وهو منتبه وحريص جداً على سماع كل كلمة مكتوب في اللوح المحفوظ؛ ليدل على تمام علم الله تعالى، وتمام قدرة الله، وأنها نافذة في خلقه لا محالة.
стр. 1141
إثبات عبد الله بن عمرو بن العاص وأبي سعيد الخدري وأبي الدرداء وأبي هريرة وغيرهم للقدر
[وعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: من كان يزعم أن مع الله قاضياً أو رازقاً، أو يملك لنفسه ضراً أو نفعاً؛ أخرس الله لسانه، وجعل صلواته هباء، وقطع به الأسباب، وأكبه على وجهه في النار.
وقال: إن الله خلق الخلق وأخذ منهم الميثاق وكان عرشه على الماء].
[وقال أبو سعيد الخدري ﵀: لو أن رجلاً صام النهار وقام الليل ثم كذَّب بشيء من القدر؛ لأكبه الله في جهنم رأسه أسفله] يعني: يكبه في جهنم بحيث يكون رأسه إلى الأسفل، اللهم سلم يا رب! [وعن أبي الدرداء قال: أي رب! لأزنين، أي رب! لأسرقن، أي رب! لأكفرن.
وقال أبو هريرة: أي رب! لأسرقن ولأزنين؛ فقيل: يا أبا هريرة! أتخاف؟ قال: آمنت بمحرف القلوب].
أي: آمنت أن القلوب بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء، يجعل العفيف خبيث النفس، ويجعل الخبيث طيب النفس؛ كل ذلك بقدر، الإنسان يجاهد نفسه ألا يزني فيزني، ويجاهد ألا يسرق فيسرق، وغير ذلك من أعمال الطاعة وأعمال المعصية، ويذهب إنسان ليسرق؛ فيصرفه الله، ويحاول إنسان ألا يقع في المعصية فيقع في المعصية، فإذا كانت الطاعة والمعصية بيد الله ، وأن الله تعالى هو الذي يقدرها لعباده وعلى عباده؛ فينبغي أن يكون الملجأ والملاذ إلى الله .
وإذا كان الله تعالى هو الذي يملك الجنة والنار، والثواب والعقاب، والخير والشر، والطاعة والمعصية؛ فينبغي ألا يكف المرء في قيامه، ولا في نومه وحركاته وسكناته أن يتضرع إلى الله أن يعصمه من الذنوب، وأن يوفقه دائماً للطاعات، فنؤمن حقيقة أن كل شيء بقدر، وأن الله تعالى هو الذي قدر الأمور كلها، وقدر لها أسبابها.
[وقال عمرو بن دينار: سمعت عبد الله بن الزبير يقول في خطبته: إن الله هو الهادي والفاتن].
أي: أن الله تعالى هو الذي يهدي العباد وهو الذي يفتنهم، فالهداية مخلوقة خلقها الله، والفتنة مخلوقة خلقها الله.
[وعن طاوس قال: أدركت ناساً من أصحاب رسول الله ﷺ يقولون: كل شيء بقدر، حتى العجز والنشاط].
أي: الإنسان لما يشعر بأن عنده فتوراً، ولا يقدر أن يقضي مصالحه وهو يسير بالعافية، فهذا مكتوب في اللوح المحفوظ، وهذا مخلوق في العبد، بسبب أو بغير سبب، والنشاط والقوة بسبب أو بغير سبب، والذي خلقها وركبها فيك هو الله .
والعجز في ظاهر النص هو الضعف أو الخمول، والخمول هذا مخلوق، والله تعالى هو الذي خلقه وركبه فيك، ومهما اتخذت من أسباب فلن تنجو من هذا إلا بأن يكون الله تعالى كتب لك الانتقال من العجز إلى النشاط.
واحد يقول: أنا لم أنم طوال الليل، ولما صليت الفجر ورحت أنام لم يأتني النوم، وأحسست بمنتهى القوة والنشاط فأنا مستعد أن أواصل اليوم بدون نوم؛ فالنشاط هذا مخلوق، مع أنه مناف لأسباب النشاط ومنها: أن تنام جيداً، وأن تأكل جيداً، وأن تمارس الرياضة جيداً.
وليس معنى ذلك أن يقول شخص: أنا سأترك الأكل والشرب، وسأرى هل النشاط سيأتي أو لا؟ لا، ليس بلازم، وإنما أردنا أن نبين أن العجز والكيس مخلوقان، فالذي خلقهما هو الله ، فالله هو الذي خلق الطاعة والمعصية والإيمان والكفر، وما من شيء إلا وخالقه الله إن خيراً فخير، وإن شراً فشر، طاعة أو معصية إيماناً أو كفراً ثواباً أو عقاباً جنة أو ناراً ملكاً أو نبياً أو شيطاناً؛ كل ذلك فالله تعالى هو الذي خلقه وأراده وقدره، وأما الخير فأراده الله تعالى إرادة شرعية دينية، وأحبه ورضيه وأمر به، والشر أراده إرادة كونية قدرية، بمعنى: أنه لا يكون في الكون إلا ما أراد الله ، لكن هذا محل سخط الله ، وتحذيره ووعيده وعقابه، ويقذف أهله في النار ولا يبالي غير ظالم لهم، فلا بد أن تعتقد صحة ما قلنا؛ لأن هذا هو الإيمان بالقدر.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم، وصلى الله على نبينا محمد.
стр. 1142
الأسئلة
стр. 1143
حكم نظر الرجل إلى فرج امرأته
السؤال
ما صحة هذا الحديث: (يا أيها الناس! إن الله أمرني أن أعلمكم مما علمني، وأؤدبكم مما أدبني، فلا يكثرن أحدكم الكلام عند الجماع؛ فإنه يكون منه خرس الولد، ولا ينظرن أحدكم إلى فرج امرأته إذا هو جامعها؛ فإنه يكون منه العمى، ولا يقبلن أحدكم امرأته إذا هو ضاجعها؛ فإنه يكون منه صمم الولد، ولا يديمن أحدكم النظر في الماء؛ فإنه يكون منه ذهاب العقل)؟ وما رأيكم في كتاب: وصايا الرسول للشيخ محمد خليل الخطيب؟
الجواب
أنا لا أعرف صاحب الكتاب ولا الكتاب، وأما الحديث الأول فهو حديث موضوع، والصواب -وهو مذهب جماهير العلماء- أنه لم يصح حديث في النهي عن نظر الزوج إلى فرج زوجته، فالنظر إلى فرجها جائز بلا خلاف بين من يعتد برأيه.
стр. 1144
حكم كشف بطن قدم المرأة وهي في الصلاة
السؤال
إذا صلت امرأة في بيتها؛ وفي أثناء الصلاة كشف بطن القدم ولا يراها أحد، فهل تصح الصلاة أم تبطل؟
الجواب
هذا محل نزاع كبير جداً بين أهل العلم، وقد رجح شيخ الإسلام ابن تيمية وجوب تغطية باطن القدم.
стр. 1145
حكم العمليات الاستشهادية في فلسطين
السؤال
الشباب الفلسطيني الذين يفجرون أنفسهم هل هم شهداء؟
الجواب
نعم، نحسبهم عند الله تعالى شهداء، وهذه العمليات عمليات استشهادية جهادية وليست عمليات انتحارية، هذا الذي يترجح لدي، وأما الدليل عليه فقد سبق أن تكلمنا عنه بالتفصيل في محاضرة المؤتمر الذي انعقد في هذا المكان في شهر أغسطس الماضي.
стр. 1146
حكم العادة السرية
السؤال
أنا شاب عندي تسعة عشر عاماً؛ أفعل العادة السرية، كيف أمتنع من هذه العادة؟ وكيف أحافظ على الصلاة وأترك المعاصي؟
الجواب
العادة السرية محرمة في أرجح أقوال أهل العلم، وهو مذهب الإمام الشافعي ﵀، فقد اعتمد في ذلك على قول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾ [المؤمنون:٥ - ٧]، فهذا اعتداء على أعضاء الإنسان بما لم يجزه الشرع؛ لأن الشرع ما أجاز هذا إلا في إتيان الزوجة أو في إتيان ملك اليمين، وما فوق ذلك فهو حرام.
وأما ما جاء عن عبد الله بن عباس وابن عمر أنهما سئلا عن ذلك فأجازاه في رواية، ومنعاه في أخرى، فالجواز والمنع متعلق بالضرورة، ولذلك سئل ابن عباس رضي الله تعالى عنه: أيجلد أحدنا عضوه في الجهاد؟ وذكر الجهاد لأن النساء لا يخرجن إلى الجهاد؛ فيكون في ذلك شيء من العنت والمشقة، وربما أوقع الإنسان في حرج، أو ربما طلب الإنسان العودة إلى أهله وترك الجهاد؛ فأذن في ذلك ابن عباس، كما أذن عبد الله بن عمر ﵄ في أن يجلد الإنسان عميرة، هكذا سماه.
قالوا: يا أبا عبد الرحمن! أيكون أحدنا في الفتنة -أي: تعرض عليه فتنة النساء- فإما أن يزني وإما أن يجلد؟ قال: أجلد عميرة؟ قالوا: نعم، قال: اجلد عميرة.
ولكن لو أنك نظرت إلى أصل المسألة: إما أن يزني، وإما أن يستمني؛ فحينئذ على قاعدة ارتكاب أخف الضررين الاستمناء أرحم بكثير، ولا مقارنة بينه وبين الزنا، فلو أن المرء فعل ذلك فانطفأت نار شهوته، وابتعد عن الزنا؛ لكان ذلك أولى، وليس هذا يعني أن الاستمناء حلال أو جائز، هو جائز إذا كان هناك خروج من مأزق شرعي خطير كارتكاب كبيرة الزنا، وأما في الأصل فالأصل أنه حرام.
ويستعين الإنسان على ذلك بأنه لا ينظر في المجلات المتخصصة في هذا البلاء المجلات التي تعرض الصور العارية، وهذه المجلات أمثال الصحف القومية الآن، فمثلها مثل أي مجلة جنسية، ومن ذلك تلك المجلات التي تزعم أنها مجلات إسلامية، فقد عرضت كثير من المجلات الشرعية والإسلامية بعض الصور لفاتنات وغير ذلك تحت باب الدعاية والإعلان وغير ذلك، فهذا بلا شك بلاء عظيم جداً أوشك أن يدخل إلى تلك الجرائد والصحف الإسلامية، فنسأل الله العافية والسلامة.
فحينئذ يستعين المرء على ترك هذه العادة بألا ينظر في هذه الصور والمجلات والجرائد مطلقاً؛ لأنها تؤدي به إلى المحظور الشرعي، ومجرد النظر إلى هذه الصور محظور شرعي، بل إن ابن القيم عليه رحمة الله ما ألف كتابه العظيم: (الداء والدواء) أو (الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي) إلا لبيان أمراض القلوب خاصة عشق الصور.
وإخواننا -الله يغفر لهم- في بلاد أوربا وأمريكا مفتونون بالصور، فالمجلات القبيحة تلقى إليهم على أبواب العمارات وأبواب الشقق حتى صار الوضع عندهم مألوفاً جداً، وأنا أستغرب جداً أن تصير المعصية مألوفة، ففي إحدى الزيارات للإخوة في مدينة شيكاغو وجدت بعض الإخوة أتوا بمجلة جنسية، وفي الغالب لا يوضع عليها دبابيس، وصاروا يفرشون سفرة الطعام بهذه المجلة، وفيها صور لا يمكن النظر إليها، فقلت لهم: ماذا تفعلون؟! فلما ألفوا ذلك قالوا: أنت زعلان من هذه الصور! قلت: هذا شيء مقبول عندكم أم ماذا؟ قالوا: نحن متأسفون، فهم ناسون تماماً احترام شعور الضيوف، قالوا: لو قعدت هنا سنة أو سنتين فستألف هذا الوضع ويكون طبيعياً جداً.
ثم قام واحد منهم وشقق الستارة وقال: تعال انظر إلى هذه الصور صورناهم وهم يمشون في الشوارع، فقلت: والله ليس لكم إلا الهجرة من هذه البلاد، وهم في الحقيقة يقبلون كل شيء إلا أن تأمر أحدهم بأن يترك البلاد إلى بلاد الإسلام، ومهما كان في بلاد الإسلام من بلاء وفتن فيبقى فيها الرحمة، وتبقى فيها شعائر الإسلام قائمة، وهذا يكفيك، فأنت لما تروح دولة مثل أمريكا تقعد عشر سنين لا تسمع أذاناً، فماذا سيكون حال قلبك لما تقعد عشر سنين لا تصلي جمعة ولا غير جمعة؟ لأنك ذهبت إلى مدن ليس فيها مساجد، ولا حتى شقة يجتمع فيها المسلمون نهائياً، فقلت لهم: كيف تصلون صلاة الجمعة؟ قالوا: نحن لا نصلي الجمعة، وكل واحد يصلي في بيته، ويكون يوم المنى لما يجتمعون على الغداء يوم السبت يوم الإجازة أو الأحد في بيت أحدهم، فتجتمع ثلاث أو أربع أسر فتصير هذه فرحة ما بعدها فرحة، وأما هذا الاجتماع الذي نحن مجتمعين فيه هذا الوقت لو اجتمعوه هناك يمكن ألا يتمالكوا أنفسهم من الفرحة، فالحمد لله نحن في نعمة عظيمة جداً والله.
стр. 1147
حكم صلاة الجمعة على المسافر
السؤال
هل يجوز قصر صلاة الجمعة أثناء رحلة جامعية بغرض الدعوة؟
الجواب
كم عدد ركعات صلاة الجمعة حتى تسأل عن قصرها؟! هي كلها ركعتان، والقصر لا يكون إلا في الصلاة الرباعية، فإذا كنت في سفر فأبشر، قال النبي ﵊: (لا جمعة على مسافر)، فالمسافر إذا صلى الجمعة فيكون هذا من باب الاستحباب، وليس من باب الوجوب، خلافاً للمقيم.
والرحلة الجامعية بغرض الدعوة مشروعة، وسبيل الدعوة لا بد أن يكون مشروعاً، ولا يمكن قصر الجمعة إلى ركعة واحدة.
стр. 1148
الرد على من يخصص الإمام علياً وأولاده بالسلام
السؤال
يا شيخ! مع المعذرة، تخصيص سيدنا علي وأولاده إحدى عشرة مرة بلفظ الإمام يوحي بالتشيع، كقول المرء عنهم: ﵈، وفضيلتك يعلم أنه يجب البعد عن ذلك، وذلك ورد في فتوى هيئة كبار العلماء في الرد على أشرطة طارق السويدان؟
الجواب
أنا لم أقل هذا، وقد ذكرت هذا ورديت عليه، فواضح أن الأخ كان نائماً وصحا على كلمة الإمام.
стр. 1149
حكم متابعة الإمام إذا زاد ركعة ناسياً
السؤال
هل يتابع الإمام في صلاته إذا زاد ركعة ناسياً؟ وماذا على المأموم في ذلك إذا فعل؟
الجواب
لا يتبع المأموم الإمام في الزيادة إذا قام إلى الخامسة مثلاً، بل ينبه الإمام بأن يجلس في التشهد، فإذا لم يجلس واستمر في صلاته؛ بطلت صلاته وصلاة المأمومين، وهذا الذي استظهره ابن قدامة في المغني، وهو الراجح.
стр. 1150
حكم من نذر أن يذبح ثم رأى أن يتصدق بثمن الذبيحة
السؤال
نذر شخص أن يذبح، ثم رأى أن يخرج ثمن الذبيحة لذوي الحاجات أفضل، فهل يجوز ذلك؟ وما عليه في هذه الحالة؟
الجواب
لا يجوز له ذلك، بل الذي يجب عليه أن يفي بعين النذر ما دام قادراً ومستطيعاً.
стр. 1151
حدود اللحية
السؤال
ما حدود لحية الوجه، هل هي شعر اللحيين فقط؟
الجواب
اللحية هي شعر اللحيين مع العارضين، أي: الخدين مع الذقن، هذه هي حدود اللحية.
стр. 1152
حكم النقاب
السؤال
فتاة تريد أن تنتقب، وقد كانت متبرجة سافرة، فهل تنتقب مباشرة أم ماذا؟
الجواب
الذي أعتقد أن النقاب واجب، فلو أنها فعلت ذلك لأدت ما عليها، نسأل الله تعالى أن يثبتنا وإياها.
стр. 1153
درجة حديث: (لا راد لقضاء الله لا حيلة في الرزق)
السؤال
حديث قدسي: (لا راد لقضاء الله لا حيلة في الرزق لا شفاعة في الموت لا سلامة من ألسنة الناس لا راحة في الدنيا) هل هناك راحة في الدنيا أم لا؟
الجواب
لا راحة للمؤمن حتى يضع رحله في الجنة، هذا كلام أهل العلم، وأما هذا الحديث فهو حديث غير ثابت عن الله ؛ فهو حديث ضعيف.
стр. 1154
حكم دعاء القنوت قبل الركوع وبعده
السؤال
رجل يقصد القنوت -يعني: الدعاء- فقنت بعد الركوع في الركعة الثانية، ثم تذكر وأتم القنوت، ثم صلى الركعتين الباقيتين ثم سلم، فما صحة صلاته؟
الجواب
الصلاة صحيحة، وإن كان الأصل أن يتم ذلك قبل الركوع من الركعة الأخيرة، وإذا تم بعد الركوع فلا بأس.
стр. 1155
حكم أداء أذكار الصباح والمساء جماعة بصوت واحد
السؤال
ما حكم أذكار الصباح والمساء جماعة بصوت واحد؟
الجواب
هذه بدعة لم يكن عليها السلف، إلا أن يكون ذلك على سبيل التعليم.
стр. 1156
حكم تلاوة ورد الرابطة قبل صلاة المغرب
السؤال
وما حكم تلاوة ورد يسمى الرابطة، يفعله بعض الملتزمين قبل صلاة المغرب كل يوم؟
الجواب
أنا أشعر أن هذا منهج المتصوفة، وليس من الملتزمين، ثم ما هو ورد الرابطة؟ فالأوراد المشروعة هي التي جاءت في الكتاب والسنة.
стр. 1157
حكم تصرف المستأجر بالعين المؤجرة إذا أذن المؤجر
السؤال
استأجر رجل مع شريك له محلاً تجارياً منذ عشر سنوات، ثم دفع أحدهما للآخر مبلغاً من المال وأصبح هو المستأجر بمفرده، ثم أنفق على هذا المحل حوالي عشرة آلاف جنيه، فهل يجوز أن يعطي هذا المحل لمستأجر جديد ويأخذ مالاً مقابل هذا مع علم صاحب العقار؟
الجواب
إذا أذن في ذلك صاحب العقار وإلا فلا.
стр. 1158
حكم استعمال العقاقير الطبية لمنع نزول الحيض عند أداء العمرة
السؤال
امرأة تريد أن تذهب إلى أداء العمرة، وهي تعلم أنها أثناء العمرة سوف تكون حائضاً، فماذا تفعل: هل تذهب أم لا؟ مع العلم أنها إذا لم تذهب الآن لا تتوفر لها ظروف أخرى للسفر؟
الجواب
تذهب وتأخذ عقاقير طبية تمنع نزول الدورة؛ حتى تؤدي العمرة.
стр. 1159
معنى كلام شيخ الإسلام: من قال بحصول الإيمان الواجب بدون فعل شيء من الواجبات
السؤال
ما معنى قول شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى في المجلد السابع في كتاب الإيمان: من قال بحصول الإيمان الواجب بدون فعل شيء من الواجبات؛ سواء جعل فعل تلك الواجبات لازماً له أو جزءاً منه؛ كان مخطئاً خطأً بيناً، وهذه بدعة الإرجاء؟
الجواب
هذا الكلام جميل جداً، وحاصل ذلك: أنه إذا كان الإيمان قولاً وعملاً فكذلك الردة تكون بالقول وبالعمل، وهذا شرحه يطول، وأظن أننا قد تكلمنا فيه مراراً لما كنا نتكلم عن الجزء الأول والثاني من كتاب الإبانة.
стр. 1160
حكم من يصلي ويسب أمه
السؤال
رجل يصلي ويسب أمه، ويسب جدته ويضربها، ويغيظ إخوته، فهل تقبل صلاته؟ وكيف يمنع من ذلك؟
الجواب
إذا كان هذا الرجل يصلي ويصوم لكنه يسبُّ أمه التي لا دخول له الجنة إلا بها وبرضاها، وكذلك يسبُّ جدته ويضربها ويغيظ إخوته هذا إنسان سيئ الخلق، وينبغي أن يؤدب بالطريقة اللائقة.
следующие страницы →