← Акыда

Акыда · id 37436

شرح كتاب الإبانة من أصول الديانة

حسن أبو الأشبال الزهيري

Полный текст (1 366 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

باب ذكر ما نطق الكتاب نصاً بلزوم الجماعة والنهي عن الفرقة إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة. قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب: ذكر ما نطق به الكتاب نصاً في محكم التنزيل بلزوم الجماعة والنهي عن الفرقة]. هذا باب جديد ذكر فيه الآيات التي أمرت بالتزام الجماعة، والآيات التي نهت عن التفرق وترك الجماعة. كما أنه أمر بذلك فيما جاء عن النبي ﵊ من الأمر بلزوم الجماعة وترك الفرقة، والأمر بالاعتصام بالكتاب والسنة ولزوم جماعة المسلمين. قال: [أما بعد: فاعلموا يا إخواني وفقنا الله وإياكم للسداد والصواب، وعصمنا وإياكم من الشتات والانقلاب! أن الله قد أعلمنا باختلاف الأمم الماضين، وأنهم تفرقوا واختلفوا فتفرقت بهم الطرق حتى صار بهم الاختلاف إلى الافتراء على الله ، والكذب عليه والتحريف لكتابه، والتعطيل لأحكامه والتعدي لحدوده. وأعلمنا تعالى أن الشيء الذي يكون سبباً في الفرقة بعد الألفة، والاختلاف بعد الائتلاف، هو شدة الحسد من بعضهم لبعض، وبغي بعضهم على بعض، فأخرجهم ذلك إلى الجحود بالحق بعد معرفته، وردهم البيان الواضح بعد صحته، وكل ذلك وجميعه قد قصه الله علينا، وأوعز فيه إلينا، وحذرنا منه أن نقع فيه، وخوفنا من ملابسته، ولقد رأينا ذلك في كثير من أهل عصرنا، وطوائف ممن يدعي أنه من أهل ملتنا. وسأتلو عليكم من نبأ ما قد أعلمناه مولانا الكريم، وما قد علمه إخواننا من أهل القرآن وأهل العلم وكتبة الحديث والسنن. وما يكون فيه إن شاء الله تعالى بصيرة لمن علمه ونسيه، ولمن غفله أو جهله، ويمتحن الله به من خالفه وجحده، بألا يجحده إلا الملحدون، ولا ينكره إلى الزائغون، قال الله ]. يبدأ الآن في سرد الآيات التي تأمر بالائتلاف وتنهى عن الاختلاف والتفرق والتشرذم، وقد يتبادر إلى الذهن أن هذه الجماعة المقصود بها: هي جماعة الإخوان، أو هي جماعة التكفير، أو الجماعات الإسلامية، أو جماعة الجهاد. كل هذا خبط عشواء، فإن إنزال هذه الأدلة على هذه الجماعات الكائنة القائمة على الساحة الآن أمر غير رشيد، ولم يفهمه أحد من السلف، ولا من المعاصرين من أهل العلم، ولم يقل بذلك إلا بعض أصحاب هذه الجماعات. يقول النبي ﵊: (عليكم بالجماعة)، فتظن أن هذه الجماعة هي جماعتك التي تتجه إليها، أو تسمعه ﷺ يقول: (من فارق الجماعة قيد شبر فمات فميتته جاهلية). فتقول: لابد لي من جماعة أنضم إليها وأوافقها، وأسمع وأطيع لها، وإلا فميتتي ميتة جاهلية. والصواب أن هذه الآيات وهذه الأحاديث التي أمرت بلزوم جماعة المسلمين، تعني بالجماعة جماعة الإمام الأعظم، جماعة الخليفة الذي عينه المسلمون وعينه أهل الحل والعقد، هذا الخليفة وهذا الإمام الأعظم هو الذي يعين الولاة والأمراء والسلاطين، فهذا الخليفة هو الرجل الذي أمرنا بأن من أتى بعده ينازعه قاتلناه حتى قتلناه. وما يفعله كل جماعة من الجماعات القائمة تجاه هذه الآيات والأحاديث، أمر يدعو إلى الحيرة والشتات والفرقة، مع أن الأصل الدعوة إلى الاعتصام بالكتاب والسنة، والدعوة إلى الائتلاف وترك الاختلاف، ولكنك لو أنزلت هذه الآيات والأحاديث على كل جماعة أو على جماعة بعينها من هذه الجماعات؛ فإن كل الجماعات الإسلامية بعيدة عن هذه الآيات والأحاديث؛ فأين الحق وأين الباطل إذاً؟ ولذلك منتهى الكلام سيأتي معنا عند التعرض لذكر الأوامر والنواهي في سنة النبي ﵊ بلزوم الجماعة وترك الاختلاف.

стр. 107

قوله تعالى: (كان الناس أمة واحدة) [قال الله تعالى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [البقرة:٢١٣]]. هذه الآية من آيات سورة البقرة، وقد تكلم عنها الحافظ ابن كثير كلاماً رائعاً ممتعاً، وخير من يتكلم عن الاجتماع وترك الفرقة هو الحافظ ابن كثير، كما يتكلم عنه كذلك ابن تيمية عليه رحمة الله. فيقول الحافظ ابن كثير في تفسير هذه الآية نقلاً عن ابن عباس: كان بين نوح وآدم عشرة قرون كلهم على شريعة من الحق فاختلفوا، فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين. وأنتم تعلمون أن آدم هو أول نبي بعث، أما نوح فهو أول رسول بعث. يقول ابن عباس: كل أصحاب تلك القرون كانوا على الحق وعلى توحيد الله الذي جاء به آدم حتى اختلفوا، فلما اختلفوا أرسل الله الرسل مبشرين ومنذرين، فكان أول من أرسل نوحاً. ولـ ابن عباس قول ثان، وهو: أن الناس بين آدم ونوح كانوا على الضلال المبين وترك التوحيد، حتى أرسل الله إليهم نوحاً ليدلهم على التوحيد. والرأي الأول أرجح. وقال قتادة في قول الله : ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ [البقرة:٢١٣] قال: كانوا على الهدى جميعاً، أي: كانوا أمة واحدة على التوحيد والإيمان الصادق. ولهذا قال تعالى: ﴿وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ﴾ [البقرة:٢١٣]-أي: مع المرسلين- ﴿لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾ [البقرة:٢١٣]، أي: من بعد ما قامت الحجج عليهم، وما حملهم على ذلك إلا البغي من بعضهم على بعض، أي أن الحسد هو السبب الذي جعل بعضهم يبغي على بعض، وما أتاهم الحسد إلا بعد أن قامت عليهم الحجج بإرسال المرسلين وإنزال الكتب عليهم؛ ولذلك يقول ابن عباس ﵄: الحسد بين أهل العلم -وفي رواية قال: الغيرة بين العلماء- أشد منها بين السيوف في أغمادها. فإذا دب الحسد بين قوم لابد أن يبغي بعضهم على بعض؛ ولذلك ثبت في الحديث أن النبي ﵊ قال: (دب إليكم داء الأمم قبلكم الحسد، لا أقول: إنها حالقة الشعر، ولكنها حالقة الدين). والراجح في هذا الحديث أنه حديث حسن. وعن أبي هريرة ﵁ في قوله: ﴿فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة:٢١٣] قال النبي ﷺ : (نحن الآخرون الأولون). أي: نحن آخر الأمم، ونحن أول الأمم بعثاً يوم القيامة ودخولاً الجنة. وإذا كنا في تعداد الرسل والأمم فنحن آخر أمة، أما من جهة البعث والحساب والجزاء ودخول الجنة فنحن أول الأمم. قال: (نحن الآخرون الأولون يوم القيامة، نحن أول الناس دخولاً الجنة بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا -يعني: غير أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا- وأوتيناه من بعدهم، فهدانا الله لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه، فهذا اليوم الذي اختلفتم فيه هدانا الله له، فالناس لنا فيه تبع وغداً لليهود، وبعد غد للنصارى) وهذا اليوم يوم الجمعة. ثم اختلفوا في يوم يتخذونه لأنفسهم؛ فاختلفوا اختلافاً عظيماً جداً، فاستقر رأيهم -أي: رأي اليهود- على اتخاذ السبت، واستقر رأي النصارى على اتخاذ الأحد، ولكن الله هو الذي تولى هداية هذه الأمة ليوم عظيم وهو يوم الجمعة؛ ولذلك يقول النبي ﵊: (يوم الجمعة هو خير يوم طلعت عليه الشمس، فالناس لنا فيه تبع، غداً لليهود وبعد غد للنصارى). ثم يبين النبي ﵊ فضائل هذا اليوم: أولاً: فيه صلاة الجمعة، وهي مجمع ومحشر لجميع المسلمين المكلفين. الأمر الثاني: فيه خلق آدم. الثالث: فيه مات آدم. الرابع: فيه تقوم القيامة، وغير ذلك من فضائل هذا اليوم التي عددها شيخ الإسلام ابن القيم، وكذلك الإمام السيوطي من بعده في رسالة مستقلة. وقال ابن وهب: عن عبد الله بن زيد بن أسلم عن أبيه في قوله تعالى: ﴿فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة:٢١٣] قال: اختلفوا في يوم الجمعة، فاتخذ اليهود

стр. 108

قوله تعالى: (تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض) وقال الإمام ابن بطة: [وقال الله تعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ [البقرة:٢٥٣]]. فالذي كلم الله هو موسى ﵇، ونبينا ﵊ في ليلة المعراج أيضاً كلم ربه. قال: ﴿وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ﴾ [البقرة:٢٥٣]، وهذا يعرف بحديث المعراج، وأن الله ﵎ جعل في كل سماء من السموات السبع أنبياء معينين، وهذا يدل على مراتب الأنبياء، وأنهم كذلك درجات. قال: ﴿وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾ [البقرة:٨٧]، أي: بجبريل ﵇، (وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ)، أي: الذين جاءوا من بعدهم (مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ) أي: الحكمة والكتب السماوية، (وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا)، يعني: بعد أن جاءتهم البينات اختلفوا، فقامت عليهم الحجج وانتشر فيهم العلم، فاختلفوا من بعد ذلك، ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا﴾ [البقرة:٢٥٣]، أي: لو أراد ربك ألا يقتتلوا لفعل، ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ [البقرة:٢٥٣].

стр. 109

قوله تعالى: (إن الدين عند الله الإسلام) [وقال تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلاَّ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمْ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ وَمَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [آل عمران:١٩]]، ولابد أن تعلم أن كل نبي ورسول أرسله الله إنما أرسل بالإسلام؛ ولذلك الدين المشترك بين جميع الأنبياء والمرسلين هو الأمر بعبادة الله وحده وترك الشرك. فما من نبي أرسله الله ولا رسول إلا أمر أمته بأن يعبدوا الله مخلصين له الدين، وهذا هو أصل الإسلام الذي أرسل الله به الأنبياء والمرسلين.

стр. 110

قوله تعالى: (إن الذين فرقوا دينهم) [وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [الأنعام:١٥٩]]. قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا﴾ أي: أحزاباً وجماعات وطوائف، فلست منهم يا محمد! في شيء، إن الله لن يحاسبك على تفرق اليهود، ولا على تفرق النصارى كما قال ﵊: (افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، والنصارى على اثنتين وسبعين فرقة، وستفترق هذه الأمة إلى ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة). فهذه الأمة صارت فرقاً وشيعاً وأحزاباً، هل النبي ﵊ سبب في ذلك؟ لا؛ لأنه قد حذر من الفرقة والاختلاف، وأمر بالاعتصام والائتلاف، ولكن هذه الأمة ركبت ما ركبه اليهود والنصارى والأمم السابقة من التفرق والتشرذم والاختلاف، فلما كان بهم شبه منهم وكان الأولون في النار؛ أخبر النبي ﵊ من اتخذ الفرقة والتشيع والتشرذم في شريعته ﵊؛ أنهم سيجازون بدخول النار؛ ولذلك قال: (كلها في النار إلا واحدة). وفي صحيح البخاري: عن النبي ﷺ يقول: (نحن معاشر الأنبياء أبناء علات وديننا واحد)، يعني: وإن اختلفت أمهاتنا فلا يختلف ديننا: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ﴾ [آل عمران:١٩]. فما من رسول إلا وقد أرسل بالإسلام، وإن اختلفت أمهاتهم، هذا أسود وذاك أبيض، هذا أحمر وهذا أصفر، هذا أعجمي وهذا عربي كلهم على اختلاف ألوانهم وأشكالهم، ومنازلهم ومراتبهم؛ إلا أنهم متفقون على وحدة الدين، وهي الأمر بعبادة الله تعالى وحده. فقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾ [الأنعام:١٥٩] أي: يا محمد! لا تخف ولا ترتجف، فهؤلاء لا يمتون إليك ولا تمت أنت إليهم ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ﴾ [الأنعام:١٥٩] أي: حسابهم على الله، فإنهم سيموتون ثم يبعثهم الله ، ﴿ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [الأنعام:١٥٩] من التفرق والشيع.

стр. 111

قوله تعالى: (ولقد بوأنا بني إسرائيل مبوأ صدق) [وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَوَّأْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنْ الطَّيِّبَاتِ فَمَا اخْتَلَفُوا حَتَّى جَاءَهُمْ الْعِلْمُ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ [يونس:٩٣]]. الله أنزل بني إسرائيل أحسن منزل، وأرسل إليهم أنبياء كثيرين؛ قال: ﴿وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ﴾ [يونس:٩٣] أحل لهم الحلال وحرم عليهم الخبائث، (فَمَا اخْتَلَفُوا حَتَّى جَاءَهُمْ الْعِلْمُ) أي لما أرسل الله تعالى إليهم الرسل، وأنزل معهم الكتب، وقامت عليهم الحجج العلمية والشرعية اختلفوا، ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ [يونس:٩٣]. من هذه الآيات وغيرها تعلم أن من اختلف في دين الله اختلاف شهوة فحسابه على الله ، إن شاء عذبه وإن شاء غفر له.

стр. 112

قوله تعالى: (وما تفرقوا إلا من بعدما جاءهم العلم) [وقال تعالى: ﴿وَمَا تَفَرَّقُوا إِلاَّ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمْ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ﴾ [الشورى:١٤]. الله يتوعد ويهدد أنه لولا كلمة سبقت منه أن يؤجل حسابهم ليوم القيامة لحاسبهم على ظهر هذه الدار، ولكن سبقت كلمة من ربك أن يتركهم، وألا يقضي بينهم ولا يحاسبهم إلا في يوم الحساب الأعظم، ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ﴾ [الشورى:١٤]. ولذلك إذا فسد الأب فحري وجدير بالابن أن يسير على منواله، وإذا صلح الأب فحري وجدير بالابن أن يسير على منواله؛ لكن لا يمنع أن يكون عكس ذلك، فأين كان ولد نوح ووالد إبراهيم ﵉؟ وأين كانت امرأة فرعون وامرأة لوط؟ فلا يلزم من هذا الأصل أن ينطبق، فالأصل أن يكون أبناء الصالحين صالحين: ﴿وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ﴾ [النور:٢٦]، لكن لا يمنع أن تجد قصصاً في الواقع مخالفة لهذا؛ ولذلك قال تعالى: ﴿وَمَا تَفَرَّقُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ [الشورى:١٤] أي: الذين أوتوا الكتاب من بعدهم ومن أصلابهم، ﴿لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ﴾ [الشورى:١٤]، يعني: ليسوا على يقين كامل بأن هذه الكتب من عند الله، فلما يعملوا بها؛ لما عندهم من شك وريب. [وقال تعالى: ﴿وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ * وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ [البينة:٤ - ٥]]. [قال الشيخ: إخواني! فهذا نبأ قوم فضلهم الله وعلمهم وبصرهم ورفعهم، ومنع ذلك آخرين إصرارهم على البغي عليهم والحسد لهم إلى مخالفتهم وعداوتهم ومحاربتهم، فاستنكفوا أن يكونوا بأهل الحق تابعين، وبأهل العلم مقتدين، فصاروا أئمة مضلين، ورؤساء في الإلحاد متبوعين، رجوعاً عن الحق، وطلب الرئاسة، وحباً للاتباع والاعتقاد. والناس في زماننا هذا أسراب كالطير يتبع بعضهم بعضاً، لو ظهر لهم من يدعي النبوة مع علمهم بأن رسول الله ﷺ خاتم الأنبياء لاتبعوه، أو من يدعي الربوبية لوجد على ذلك أتباعاً وشيعاً].

стр. 113

ذكر الآيات التي تحذر من الفرقة والاختلاف وتأمر بلزوم الجماعة والائتلاف قال: [فقد ذكرت ما حضرني من الآيات التي عاب الله فيها المختلفين وذم بها الباغين، وأنا الآن أذكر لك الآيات من القرآن الكريم التي حذرنا فيها ربنا ﵎ من الفرقة والاختلاف، وأمرنا بلزوم الجماعة والائتلاف. نصيحة لإخواننا وشفقة على أهل مذهبنا].

стр. 114

قوله تعالى: (واعتصموا بحبل الله جميعاً) [قال تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [آل عمران:١٠٣]]. اعتصموا: فعل أمر، وحبل الله هو دين الله المتمثل في الكتاب والسنة، وهذا الأمر موجه لكل المكلفين، وليس لطائفة دون أخرى، ولا جماعة دون الثانية، وإنما لكل من أسلم وصار مكلفاً عاقلاً يدرك الخطاب، فلابد أن يعتصم بحبل الله المتين. وقوله: ﴿وَلا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران:١٠٣] نهي يفيد التحريم. قال تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ﴾ [آل عمران:١٠٣] أي: كنتم أعداءً من قبل محمد ﵊ فألف بين قلوبكم، وأنتم تعلمون أن الأوس والخزرج كانت بينهما حروب قبل بعثته ﵊، وهما قبيلتان عظيمتان لم يكن بالمدينة أعظم منهما، فقامت بينهما معارك بسبب ناقة من إحدى القبيلتين نزلت في أرض القبيلة الأخرى فأكلت منها، فتعاركوا واقتتلوا أربعين عاماً؛ ولذلك كان مجيئه ﵊ رحمة لجميع الخلق: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء:١٠٧] أي: عالم الإنس والجن. ولذلك حدث في إحدى الغزوات أن كسع رجل من المهاجرين رجلاً من الأنصار، فقال الأنصاري: يا للأنصار! يعني: هلموا واجتمعوا. وقال المهاجري: يا للمهاجرين! حتى اصطف الفريقان للقتال، فخرج عليهم النبي ﷺ ومشى بين الصفين، وهو ينظر تارة لهؤلاء وتارة لهؤلاء، ولم يتكلم إلا بكلمة واحدة قال: (دعوها فإنها منتنة). (دعوها) أي: هذه العصبية الجاهلية، فالتعصب للمهاجرين والتعصب للأنصار دعوة جاهلية، ورائحتها نتنة؛ ولذلك استحيا الفريقان وانصرف كل إلى مكانه. بسبب أكلة بعير تقوم الحرب أربعين عاماً، والله أعلم كم قتل فيها وكم سبي فيها، فما بالكم بكسعة رجل، فربما استأصلت شأفة المهاجرين والأنصار بسبب ذلك، ولكن النبي ﵊ تكلم بكلمة واحدة كانت هي البلسم الشافي لكلا الفريقين: (دعوها فإنها منتنة). ولذلك فإن التعصب لقومية معينة أو أرض معينة أو طائفة معينة كل هذا من نعرات الجاهلية، وخطره أنه يضعف الولاء لله ، ويضعف التعصب للكتاب والسنة. فأنت لو تعصبت لجماعة معينة من الجماعات القائمة على الساحة، فإن ولاءك لله يحتاج إلى مراجعة، بل التعصب ينبغي أن يكون للحق دائماً، والحق لم نعرفه إلا بقال الله وقال الرسول وأجمع العلماء فقط. أما أن تتعصب لزعيم الطائفة أو شيخ المجموعة، أو أمير الجماعة أو غير ذلك، فاعلم أنك بمنأى عن كتاب الله وعن سنة رسول الله ﵊؛ فبعض الناس لو سب أميره فكأنه سب إلهه، يعني: يغضب لسب الأمير أعظم من غضبه لسب الله ، ولو كنت أنت في الشارع وكنت متعصباً لأمير ما، ووجدت الناس يسبون الدين فستقول: إن المجتمع كله فاسد، ولكن لو سمعت أنه يسب أميرك ويسب زعيمك لقاتلته قتالاً مستميتاً، ولا تكتفي بقولك: المجتمع كله فاسد، كما أنه لو سب أباك فإنك ستغضب له غضباً ربما لا تغضبه لو سمعت سب الإله بأذنيك، وهذا تعصب لأبيك أعظم من تعصبك لله ومن غضبك وحميتك لله ، وهذا بلاء عظيم جداً. ولو استعرضنا بعض مواقف الصحابة ﵃ لعلمنا يقيناً أنهم أحبوا الله تعالى ورسوله أعظم من كل شيء، أعظم من الولد والوالد والمال والناس أجمعين، فقد كان الواحد من أصحابه ﵊ يسمح لنفسه أن يقتل أباه المشرك، وكان الوالد يقتل ولده، والمرأة تقتل زوجها، والزوج يقتل امرأته كل هذا في سبيل الله ، والرجل يترك ماله كله، ويرحل من مكة دار الكفر في ذلك الوقت إلى المدينة، حتى يقر النبي ﵊ له بالربح الوفير العظيم يقول: (ربح البيع ربح البيع ربح البيع) لماذا؟ لأن هذا الرجل اشترى نفسه من المشركين بماله، فهان عليه المال ولم يهن عليه شيء من دينه. فهؤلاء حقاً هم الذين تأهلوا أيما تأهل لأن يفتح الله ﵎ عليهم البلاد، وأن يفتح لهم قلوب العباد. ولذلك نجد أن الإسلام انتشر في عهدهم انتشاراً رائعاً في شرق الأرض وغربها رغم قلتهم، ونحن رغم كثرتنا إلا أننا غثاء كغثاء السيل، بسبب حبنا للدنيا وكراهيتنا للموت كما أخبر ﵊. قال: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ [آل عمران:١٠٣]. وهو الإسلام الذي دعا إلى الجماعة والائتلاف، ونهى عن الفرقة والاختلاف، قال: ﴿إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ﴾ [آل عم

стр. 115

قوله تعالى: (ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا) [ثم حذرنا من مواقعة ما أتاه من قبلنا من أهل الكتاب، مخافة أن يصيبنا ما أصابهم، فقال تعالى: ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [آل عمران:١٠٥]. فأخبرنا أنهم عن الحق رجعوا، ومن بعد البيان اختلفوا]. فالواحد منا لابد أن يدرك أمراً بعقله، وهو أن الصحابة أحسن الناس بعد الأنبياء، وأحسن الصحابة الخلفاء الراشدون، ثم بقية العشرة، ثم أهل بدر، ثم أهل بيعة الرضوان، لكن على أية حال فإن الصحابة هم أفضل خلق الله بعد الأنبياء والمرسلين من جهة الفهم، ومن جهة العلم والإيمان والعمل. فهم أول من خوطبوا بخطاب الشرع، وكان بلغتهم، ففهموا خطاب الشارع، وما فاتهم من فهم سألوا عنه النبي ﷺ ، فكان أمرهم على الجادة حتى ظهرت الفرق، فظهرت القدرية، وظهرت الشيعة، وظهرت الخوارج وهذه الطوائف الثلاث هي أولى الطوائف في الإسلام، واتخذت كل طائفة من هذه الطوائف أصولاً وقواعد، هذه الأصول والقواعد خالفت كتاب الله من ناحية، وخالفت سنة النبي ﵊ من ناحية أخرى، والذي يفهمها سلف الأمة. فالأمر فيهم كما قال ابن مسعود: إما أنكم على ملة هي أهدى من ملة محمد ﵊، أو أنكم مفتتحو باب ضلالة. فهل يعقل أن ربنا ﵎ أخفى الاعتزال وهو حق على النبي ﷺ وأصحابه، وأظهره لـ واصل بن عطاء؟ إن واصل بن عطاء كان من تلاميذ الحسن البصري وانشق عنه في أوائل المائة الثانية، فهل يعقل أنه فهم فهماً أفضل من فهم الصحابة؟! لو بحثت شرقاً وغرباً لن تجد هذا القول الذي سمعناه. وفي هذا الزمان أناس يقولون: النقاب حرام، فأخذت أبحث في كتب أهل العلم الموثوق، وبحثت في كتب أهل البدع، حتى في كتب الشيعة والقدرية والخوارج والضلال والفساق والفلاسفة، فلم أجد أحداً منهم يقول: النقاب حرام، فمن أين أخذت هذا؟ كل ما فيها أن هذه المسألة هي محل خلاف على قولين اثنين لا ثالث لهما: إما أنه فرض واجب، وإما أنه سنة مستحبة. فعندما يأتي رجل بعد (١٤٢٠) سنة مرت على هذه الأمة ويقول: النقاب حرام؛ فهذا قول ثالث لم يأت به أحد من أهل العلم، وإنه لجدير أن نذكر كلام ابن حزم: إذا اختلف السلف والأئمة على قولين فلا يحل لمن أتى بعدهما أن يأتي بقول ثالث؛ لأنه لو قلت: إنه من الممكن وجود القول الثالث، فإنك ستقول: إن السلف اختلفوا في مسألة على وجهين، ولم يكن الحق من وجهين، ودل على أنهما ضلا عن معرفة الحق. ولذلك قال: إذا اختلف السلف في مسألة على قولين فلا يحل لمن أتى بعدهم أن يأتي بقول ثالث، وإلا لكان ظالماً. حذرنا الله تعالى من اقتراف ما اقترفه أهل الكتاب من قبلنا فقال: ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [آل عمران:١٠٥]. فلا تتشبهوا بهم حتى لا يصيبكم من العذاب العظيم ما أصابهم، فأخبرنا أنهم عن الحق رجعوا، ومن بعد البيان اختلفوا.

стр. 116

قوله تعالى: (وأن هذا صراطي مستقيماً فاتبعوه) [وقال تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [الأنعام:١٥٣]]؛ ولذلك (خط النبي ﵇ خطاً في الأرض، ثم جعل عن يمينه خطوطاً، وعن يساره خطوطاً، ثم تلا قول الله : ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا﴾ [الأنعام:١٥٣]-أي: هذا الخط المستقيم يشبه الصراط الذي أتيتكم به- أما هذه السبل التي عن جنبي الصراط فإنها سبل الشيطان، وعلى رأس كل واحدة منها شيطان يدعو إليها). قال: ﴿وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ﴾ [الأنعام:١٥٣] أي: التي على جنبي الطريق، ﴿فَتَفَرَّقَ بِكُمْ﴾ [الأنعام:١٥٣] أي: فتبتعد بكم عن سبيل الله ، ﴿ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [الأنعام:١٥٣]، أي: هذه وصية الله ﵎ لكم.

стр. 117

قوله تعالى: (شرع لكم من الدين ما وصى به نوحاً) [قال تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ﴾ [الشورى:١٣]]. يا محمد! إنه شق على المشركين أن تدعوهم إلى توحيد الله ، وترك ما كانوا يعبدون ويدعون. [وقال تعالى: ﴿مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ * مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ [الروم:٣١ - ٣٢]. فهل بقي -رحمكم الله- أوضح من هذا البرهان، أو أشفى من هذا البيان؟]

стр. 118

إخبار الله أمة محمد بأنه خلق خلقاً للابتلاء والفرقة وتحذيره سبحانه من متابعتهم [وقد أعلمنا الله تعالى أنه قد خلق خلقاً للاختلاف والفرقة، وحذرنا أن نكون كهم لهم -أي: أن نتمثل بصفاتهم- واستثنى أهل رحمته لنواظب على المسألة أن يجعلنا منهم، فقال تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [هود:١١٨ - ١١٩]. ثم حذر نبيه ﷺ أن يتبع أهل الأهواء المختلفين وآراء المتقدمين، فقال : ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ﴾ [المائدة:٤٩]-أي: يا محمد! إذا أتاك الخصمان فاحكم بينهما بما أنزل الله- ﴿وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾ [المائدة:٤٩]. وقال: ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة:٤٨]. وقال: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ * وَآتَيْنَاهُمْ بَيِّنَاتٍ مِنَ الأَمْرِ فَمَا اخْتَلَفُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ * ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ * إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ﴾ [الجاثية:١٦ - ١٩]. وقال فيما ذم به المخالفين: ﴿فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ [المؤمنون:٥٣]. وعن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾ [الأنعام:٦٨]. وفي قوله: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ﴾ [آل عمران:٧]. وفي قوله: ﴿وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام:١٥٣]. وفي قوله: ﴿أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ [الشورى:١٣]. وفي قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا﴾ [الأنعام:١٥٩]. وفي قوله: ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا﴾ [آل عمران:١٠٥]. وفي قوله: ﴿فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ﴾ [المؤمنون:٥٣]. ونحو هذا في القرآن كثير، قال ابن عباس: أمر الله تعالى المؤمنين بالجماعة، ونهاهم عن الاختلاف والفرقة، وأخبرهم أنه أهلك من كان قبلهم بالمراء والخصومات في دين الله . وقال ابن المهاجر: سئل عيسى بن مريم عن الفرقة والاختلاف ما يوقعهما بين الناس؟ قال: البغي، والحسد، وما يلائمهما من المعصية، وما يريده الله تعالى بالعامة من النقمة]. ثلاثة أشياء: بغي، حسد، معاص يكون من نتيجتها أن تنزل اللعنة والغضب من الله فتأخذ العامة؛ لأنهم تركوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أو أنهم أمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر اليوم، ورضوا به غداً كما فعل بنو إسرائيل. هذه بعض الآيات الواردة في الأمر بالجماعة والنهي عن الفرقة والاختلاف، والأمر باعتقاد الحق المبين، والبينات التي جاء بها المرسلون، خاصة نبينا ﵊، فلا يأتي من يزعم أنه على حق وأنه متمسك بالإنجيل مثلاً، فكل الكتب السماوية السابقة محرفة ومبدلة ومغيرة إن وجدت، وهذا ما تم إلا بفضل الله ، حتى لا يبقى كتاب صحيح ولا شرع ولا وحي نزل من السماء محفوظ بحفظ الله إلا القرآن الذي أنزل على محمد ﵊، وهو الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وهو السراج الذي يضيء للناس حياتهم الشرعية والدنيوية، فبه إنارة الكون، وبه إنارة القلوب بنور الوحي ونور الإيمان المؤدي إلى جنة الله .

стр. 119

الأسئلة

стр. 120

بيان معنى الفرقة ومدى إطلاقها على كل جماعة في الساحة السؤال ما معنى الفرقة؟ وهل يطلق على كل جماعة على الساحة اسم الفرقة، وما هي ضوابط ذلك؟ الجواب هذه الجماعات التي على الساحة ليست بفرق، وإنما هي تكتلات وجماعات وطوائف لا علاقة لها بهذه الفرق التي توعدها النبي ﵊ بالنار، وإنما تختلف عنها اختلافاً كلياً وجزئياً؛ لأن كل فرقة من الفرق التي بين النبي ﵊ أنها في النار لها قواعد وأصول تخالف قواعد وأصول أهل السنة والجماعة، بل تضادها. فليست هذه الجماعات الدعوية التي على الساحة الآن من الفرق، إلا بالنظر إلى كل شخص على حدة في داخل هذه الجماعات. إن هذه الجماعات ما هي إلا جماعات دعوية، وليست فرقاً لها معتقدات وأصول، وهذه الجماعات لم تكن موجودة إلا بسبب الظروف السياسية التي تمر بها بلدان الإسلام شرقاً وغرباً، فتقوم في كل بلد جماعة تنظر من منظور معين فترى أن الإصلاح لابد أن يكون من القمة. إذاً: فهي نظرة إصلاحية لا نظرة اعتقادية، ومنها من ترى إصلاح القاعدة وبإصلاحها تنطلق الهمم، ومنهم من يرى أخذ الظالم أخذاً شديداً وكف الظالم عن ظلمه، ومنهم من يرى أن سبيل النجاة هو بطلب العلم، وهذا أرجح المناهج، بل أصح المناهج اتباعاً لأهل السنة، إذا لم يكن في مقدورنا في وقت من الأوقات تغيير المنكر باليد فلا بد من تغييره بالعلم والدعوة إلى الله ، وأنتم تعلمون مكانة العلم ومنزلة العلم، وأن أمة بغير علماء، ودعوة بغير علماء، ليست في حقيقتها دعوة سديدة صحيحة، ولذلك فالدعوة السلفية الآن بإمكانك أن تعد لها عشرات بل مئات العلماء، وأنهم يأخذون بنواصي الشباب إلى الله عن طريق طلب العلم، ما أمكنهم إلى ذلك سبيلاً. أما من يرى رؤيا غير ذلك فلا بد أن يراجع هذا الكلام، خاصة والواقع يثبت فشل جميع المناهج إلا طلب العلم. تصور لو أن هؤلاء الناس في كل الأرض شرقاً وغرباً قالوا: يا ناس! يا علماء! تفضلوا من باب: (الجمل بما حمل) اعملوا، فإنك تحتاج إلى آلاف العلماء في حين أنه ليس عندك عالم واحد، وفي كل أمر من الأمور تحتاج إلى رجل من أهل العلم، وفي كل مسجد تحتاج إلى رجل من أهل العلم. إن وزارة الأوقاف في مصر ضمت (٦٥٠٠٠) مسجد، فتجد معظم المؤذنين لا يحسنون الأذان والإقامة، وأنا أذكر مرات ومرات أن واحداً لو أقام الصلاة أو أذن على غير ما تقتضيه اللغة والشرع أمر الشيخ محمد بن شقرة -وهو شيخي وأستاذي- بإعادة الأذان وإعادة الإقامة؛ لأنه يعتبر أن هذا الأذان كأن لم يكن وقع فهو باطل، وهذه الإقامة وقعت باطلة، ثم لما كلمناه في ذلك في موطن عمله وهي وزارة الأوقاف قال: هؤلاء أكثر من ثلاثة وثلاثين شخصاً من بلاد العرب تقدموا للأذان في المساجد لم يفلح واحد منهم، وكان الشيخ يطلب من كل واحد أن يؤذن؛ فما ارتضى منهم إلا واحداً فقط وقال: هذا الأذان صحيح، والباقون جميعاً يلحنون لحناً جلياً في الأذان. فتصور أننا نحتاج للأذان في كل مسجد لواحد تقبل يديه حتى يؤذن أذاناً صحيحاً، هذا في المؤذن ناهيك عن الصلاة، فمن الأئمة من يصلي بالناس وليس له طعم ولا رائحة، ولا يعرف أن يتكلم حتى كلاماً عادياً، أول ما يدخل الصلاة يقول: الله وأكبر بصوت عال! فكيف أصلي خلفه؟ فلحنه جلي وتبطل به الصلاة، والقرآن كذلك يلحن فيه، فهو ينتقل من لحن إلى آخر. إمام في قرية من القرى تقدم ليصلي بالناس المغرب، فصمت ثم ركع، فالناس قالوا له: لماذا لم تقرأ؟ فالتفت وقال: نسيت، ثم قال: الله أكبر، ثم انتقل ليقرأ الفاتحة وما أدراك ما الفاتحة! قال: بسم الله الرحمن الرحيم: (إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى) حتى أتم الحديث ثم ركع. فبعد أن سلم من الصلاة، قلت: الله أكبر الله أكبر وأقمت الصلاة مرة أخرى، فقالوا: ما هذا يا شيخ؟! قلت: أصلاً أنا أتيت من مصر وأحب أن أصلي الفرض مرتين. وبعد أن انتهيت من الصلاة بهم مرة أخرى قلت لهم: أنتم تعلمون أن قراءته ليست هي فاتحة الكتاب وليس من أصل القرآن، وإنما قرأ حديثاً. وتصور أن مسجداً مثل هذا ليس فيه إمام ولا مؤذن ولا فراش، فبعض الناس يستهين بالعلم. فالشاهد يا أخي الكريم! من السؤال أن هذه الجماعات الدعوية التي على الساحة ما هي إلا جماعات نظرت نظرة إصلاحية للمجتمع والنهوض بالمسلمين إلى الإسلام الحق، وكل واقف على ثغرة اجتهد من وجهة نظره. وقد بلغني أن أحد الدعاة قال: إن الجمعية الشرعية وجماعة التبليغ فرقتان فقلت: عجباً أن يتفوه رجل من عامة الناس بهذا الكلام، فضلاً أن يصدر هذا الكلام من رجل ينسب نفسه إلى العلم، أن تكون الجمعية الشرعية التي قامت منذ أكثر من خمسين عاماً تدعو إلى كتاب الله وإلى سنة الرسول ﵊، وإلى إقامة السنن ونبذ البدع ومحاربة الشرك فرقة، وكذلك جماعة التبليغ، فكيف تكون هذه فرقاً؟ أمر عجيب جداً! نعم. عندهم أخطاء وعندهم سلبيات، لكن هل هذه السلبيات تجعلها فرقة من الفرق التي توعدها النبي ﷺ بالنار؟ لا يمكن، وإني أبرأ إلى الله عز و

стр. 121

حكم الانتساب إلى الجماعات الإسلامية المعاصرة السؤال هل الجماعات الموجودة على الساحة الآن تنزل تحت الحديث: (كلها في النار إلا واحدة)؟ وهل يأثم الذي ينضم إلى هذه الجماعات؟ الجواب أما نزولها تحت الفرق فلا، ولكني أنصح دائماً بالتمسك بالكتاب والسنة بفهم سلف الأمة. وأما إن كنت منخرطاً في إحدى هذه الجماعات، فإن الإيمان لابد أنه في قلبك ضعيف، فإن كان إيمانك قوياً فاحرص على اتباع الحق، سواء أتى هذا الحق من جماعتك أو من غيرها. إننا كلنا نعيش حياة الواقع الإسلامي بين المسلمين، والعداوة الواقعة بين الجماعات الإسلامية يا إخواني أمر مذموم، ومن العدل والإنصاف أنه لو كان الحق في رأيهم، وقد صح عن الله وعن رسوله، فلو قال به حتى اليهود لأخذت به؛ لأنه حق، والحكمة ضالة المؤمن أينما وجدها فهو أحق بها. يا إخواني؛ لما كنا في السبعينات منخرطين في إحدى الجماعات لم نكن نقبل من أحد شيئاً وإن كان صحيحاً. يعني: بلغ بنا الأمر في بغض الأزهر أننا كنا نرد عليه أي قول يقوله، وإن كان عليه دليل! وهذا في الحقيقة غلو، فالحق لو أتاني من طريق يهودي أشكره عليه، ولذلك أنتم تعرفون عبد الله بن سلام قال للنبي ﵊: هي ثلاثة أشياء أسألك فيها، فإن أجبت فأنت نبي، وإن لم تجب فأنت كذاب. قال: ما أول طعام أهل الجنة؟ وما هي أول أشراط الساعة؟ وكيف ينزع الولد؟ وهذه الأسئلة الثلاثة حق، ولذلك فإن النبي ﵊ لم يقل له: أنت يهودي فلا يمكن أن أجيبك! بل أجابه وقال: (أول علامات الساعة نار تحشر الناس في المشرق أو إلى المشرق، وأول طعام أهل الجنة زيادة كبد الحوت، وإذا سبق ماء الرجل ماء المرأة نزع الولد إليه، وإذا سبق ماء المرأة ماء الرجل نزع الولد إليها). فعرف أن هذه الإجابات لا يجيب عليها إلا نبي؛ لأنه عرف ذلك من واقع كتب أهل الكتاب السابقة، ولذلك آمن فوراً، وانتفع بالنبي ﵊ وبدينه. وأنا دائماً أريد أن أقول: إن التعصب للجماعات يضعف الولاء. والحمد لله أن السلفية ليست جماعة، وفي الأصل لا يمكن أن تكون السلفية جماعة، لأن جذورها وأصولها تمتد إلى زمن الصحابة، بل الصحابة هم أصل السلفية، وأصل الالتزام بالكتاب والسنة، وهم أصل الفهم للغة. فلا يصح أن أقول: إن السلفية جماعة، ولذلك من زعم أن السلفية جماعة فزعمه هذا باطل يجب أن نرد عليه. وكل جماعة يلزم لها أمير، والأمير يلزمه الأمر، والأمر يلزمه سمع وطاعة، فإن تنكرت للسمع والطاعة استلزم ذلك التأثيم، وكل هذه المؤهلات لا تصلح إلا مع الخليفة، أو مع من يعينه الخليفة، وأين هذا الخليفة؟ هل أحد منا يستطيع أن يظل في بيته آمناً إلى صلاة الفجر؟ وهل هناك أحد منا ينام في سريره أو في مخدعه يأمن على نفسه حتى طلوع الشمس؟

стр. 122

حكم ختان الإناث في الإسلام السؤال ما هو حكم الختان في الإسلام؟ الجواب حكم هذا قد أتى به النبي ﵊ ودعا إليه، والحديث في الصحيحين وغيرهما، والذي يقوم بهذا العمل امرأة حاذقة طبيبة ماهرة، تأخذ القدر الزائد حتى لا تصاب البنت بشهوة زائدة، ولا تنهك العضو كاملاً حتى لا تصاب المختونة ببرود جنسي، كما في قوله ﵊ لـ أم عطية: (أشمي ولا تنهكي) يعني: خذي الجزء الزائد ولا تأخذي العضو كله. ففي هذا الوقت احذر أن تسلم بدنك لواحد لا يفهم شيئاً أبداً. وكذلك في مسألة الحجامة، فإن بدنك كله شرايين وعروق ودماء وغير ذلك، فقد يكون هناك شخص غشيم جاهل لا يعرف الحجامة يعبث في بدن الإنسان فيقتله. فتجد أتباع الملاحدة الخارجيين في مصر هنا يتكلمون في المجلات والجرائد والصحف. يقولون: هذا هو التشدد، وهذا ليس صحياً: ﴿رَبَّنَا لا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الممتحنة:٥] نحن الذين جعلنا أنفسنا فتنة لهم، فهم ينتظرون أي ثغر يدخلون من خلاله للطعن في الإسلام.

стр. 123

شرح كتاب الإبانة - ذكر ما أمر به النبي ﷺ من لزوم الجماعة والتحذير من الفرقة الاجتماع هو سر قوة الأمة؛ إذ به تصون كرامتها، وتقيم دينها دون خوف من أحد، وبه ترد كيد أعدائها، أما التفرق والتشرذم فلا يأتي إلا بالويلات والنكبات على الأمة، ويجعلها ضعيفة أمام عدوها، عاجزة عن تحقيق أهدافها، ولذلك حث النبي ﵊ على الالتزام بالجماعة، وشدد النكير والعقوبة على دعاة الفرقة والشتات.

стр. 124

باب ذكر ما أمر به النبي ﷺ من لزوم الجماعة والتحذير من الفرقة الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وبعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة. أما بعد: في الدرس الماضي ذكرنا الآيات من كتاب الله ، والتي تحذر من الفرقة والشتات والتفرق والتشرذم، وبيان خطر ذلك، والأمر بلزوم الجماعة. ودرس اليوم متمم لدرس الأسبوع الماضي من سنة النبي ﵊، وكذلك آثار سلفنا رضي الله تعالى عنهم. قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب ذكر ما أمر به النبي ﷺ من لزوم الجماعة والتحذير من الفرقة]:

стр. 125

حديث أبي هريرة: (ترك السنة الخروج من الجماعة) قال: [عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (ترك السنة الخروج من الجماعة)]. والجماعة إما أن يقصد بها المعنى العام وهي جماعة أهل السنة، وإما أن يقصد بها ما عليه سواد المسلمين من اعتقاد صحيح. فإما أن يقصد بالجماعة صحة الاعتقاد في الله ، أو لزوم جماعة المسلمين، أي: لزوم الأمير ومن معه. والأمير بالمعنى العام: الخليفة، فقال النبي ﷺ في هذا الحديث: (ترك السنة هو الخروج من الجماعة)، بمعنى أنه يجب على كل مسلم أن يلزم الخليفة، وأن يلزم إمارته وولايته وطاعته إلا في معصية الله ، فمن ترك ذلك وتنكب هذا فإنه قد ترك السنة. وفي هذا بيان أهمية الجماعة، وبيان أهمية التزام منهج أهل السنة والجماعة تحت راية الإمام أو الخليفة، وأن من خالف ذلك فإنما خالف سنة النبي ﵊.

стр. 126

حديث أبي هريرة: (من ترك الطاعة وفارق الجماعة) [وعن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (من ترك الطاعة وفارق الجماعة ثم مات فقد مات ميتة جاهلية)]. فقوله: (من ترك الطاعة) أي: طاعة الإمام والأمير والسلطان. وقوله: (وفارق الجماعة) أي: جماعة أهل السنة، فمات على هذه الحال فميتته حينئذ ميتة جاهلية؛ لأن أهل الجاهلية لا إمام لهم ولا أمير ولا سلطان، بل كل إنسان منهم إلهه هواه، وأما المسلم في داخل الجماعة فإنما يأتمر بأمر الأمير وينتهي عما نهاه عنه الأمير والسلطان والخليفة، فالذي ينشق عن الإمام ويخالفه ويشق عصا الطاعة ثم يموت وهذه حالته، فإنما يشبه موتته بموت رجل من أهل الجاهلية. وهذا الحديث روي بطرق متعددة وبأسانيد مختلفة، منها ما رواه [أبو هريرة نفسه عن النبي ﵊ قال: (من خرج من الطاعة وفارق الجماعة فمات على ذلك فميتته جاهلية)]. وفي رواية عنه [قال النبي ﵊: (من اعترض أمتي لا يحتشم من برها ولا فاجرها، ولا يفي لذي عهدها، فليس مني، ومن خالف الطاعة، وفارق الجماعة فمات، فميتته جاهلية، ومن قتل تحت راية عمية، يدعو إلى عصبية، أو يغضب للعصبية، فمات فميتته جاهلية)]. وهذا الحديث حديث صحيح، وهو عظيم جداً، وقد اشتمل على جملة من الفوائد والأحكام. أولها: قوله: (من اعترض أمتي لا يحتشم من برها ولا فاجرها)، أي: من خرج على جماعة المسلمين لا يرعى فيهم إلاً ولا ذمة، ولا يميز بين البر والفاجر، وإنما خرج عليهم جميعاً بالقتال والسلب، أو شق عصا الطاعة، أو فارق جماعتهم. وقوله (لا يحتشم) بمعنى: لا يستحي ولا يألو جهداً في الخروج عليهم ومخالفتهم بشتى أنواع المخالفة. وقوله: (ولا يفي لذي عهد بعهده)، يعني: لا يعبأ بالمواثيق والعهود التي أبرمها مع آحاد هذه الجماعة، فهو لا يفي بالعهد، ولا يستريح لإمامه، ولا يفي له. قال النبي ﵊: (فليس مني)، أي: من فعل ذلك فليس مني. وربما فهم بعض الناس كما فهم الخوارج من قبل أن قول النبي ﵊ في أي حديث (ليس مني من فعل كذا) أي: أنه ليس من المؤمنين حقاً، بل إنه بذلك قد خرج عن حد الإسلام ودخل في حد الكفر، وليس الأمر كذلك إلا في حالة واحدة، وهي إذا استحل ذلك وقامت الحجة عليه بحرمة النفس، يعني: قامت عليه الحجة بحرمة قتل المسلم وإهراق دمه فقال: بل هو حلال الدم، فمن فعل ذلك فهو كافر خارج عن حد الإسلام، وداخل في حد الكفر، وأما من قاتل فقتل أو قتل، أو من أراق دم أخيه المؤمن أو المسلم غير مستحل لذلك؛ فهذا من أكبر الكبائر، فقتل النفس بغير حق من أكبر الكبائر، ولكنها لا تخلد فاعلها في النار؛ لأنها كبيرة، فإن تاب منها قبل أن ينالوا منه يلزمه دفع الدية، وإلا فالأصل في القتل العمد القصاص، والقتل الخطأ فيه الدية، وديته على العاقلة، أي: على عشيرته وقبيلته لا عليه هو. فقول النبي ﵊ هنا: (من اعترض أمتي لا يتحاشى برها ولا فاجرها، ولا يفي لذي عهد بعهده فليس مني) أي: ليس من أخلاقنا ولا عاداتنا وسلوكنا، وإنما شريعتنا تخالف ذلك وتنهى عنه وتحذر منه، وتعد عليه بالنار في الآخرة، أو بإقامة الحد في الدنيا. فقوله: (ليس مني من فعل كذا) أي: ليس من هدينا ولا من طريقتنا، ولا يحمل على ظاهره إلا في حالة الاستحلال بعد قيام الحجة عليه، وأما غير ذلك فلا، وهذا مذهب أهل السنة والجماعة، وقد نقله غير واحد، وقد بلغ نقلته المئات، ومن قال بغير ذلك فقد قال وتفوه بغير سنة النبي ﵊. قال: (ومن خالف الطاعة) يعني: أتى بالمعصية. (وفارق الجماعة) أي: صار وحده، أو تحيز وتميز هو ومن معه لمجادلة الجماعة الكبرى، أي: جماعة الإمام، فهذا يسمى محايداً، ولم يخرج على الإمام على مر التاريخ طوله وعرضه إلا الخوارج.

стр. 127

الطرق الشرعية لنصب الإمام السلطان إما أن يتعين تعييناً شرعياً، أو يتعين تعييناً جبرياً، ولا يخلو حاله من هذين. فإما أن يوليه أهل الحل والعقد ويتولى ولاية صحيحة من جهة الشرع، فيكون أميراً بالترشيح والانتخاب الذي يسميه الشرع بالبيعة، أي: بالبيعة الحقة، وهي بيعة أهل الحل والعقد، كما بويع أبو بكر الصديق في سقيفة بني ساعدة، وبايعه بعد ذلك الناس في مسجد النبي ﵊. وهذه إحدى الطرق في تعيين الإمام أو الخليفة، وهي أعظم الطرق وأحسنها. وإما أن يتولى السلطان ولاية جبر واستفزاز، بمعنى: أن يفرض عليك فرضاً، وما فرض بهذه الطريقة إلا لأنه ملك القوة والعدة والعدد والعتاد. فالأول طاعته واجبة بلا خلاف بين أهل العلم؛ لأحقية ذلك له من جهة الشرع. والثاني طاعته واجبة بلا خلاف بين أهل العلم، لكن لا لكونه مستحقاً ذلك من جهة الشرع، وإنما للضرر الناتج عن حربه ومجابهته والخروج عليه.

стр. 128

محاسبة الرعية للولاة في عهد السلف كان الواحد من سلفنا ﵃ إذا تولى ولاية يقوم آحاد الناس فيقول له: من أين لك هذا؟ وكيف لبست هذا الثوب؟ ومن أين لك المال الذي معك؟ وكان عامة الناس يحاسبون ولاتهم وأمراءهم وخلفاءهم على النقير والقطمير، وكانوا يعيشون في أمن وأمان؛ لأن الله تعالى هو الذي أمنهم، كما أنه هو الذي تولى تعيينهم برضا منه، وهو الذي بث في قلوب الخلق تبجيله واحترامه وتعظيمه، ولما قال عمر ﵁ وهو يخطب الناس على المنبر: أيها الناس! اسمعوا وأطيعوا، قام أعرابي وقال: لا سمع لك ولا طاعة، قال: ولماذا؟ قال: من أين لك هذا الثوب الذي تلبسه؟ وكان عمر يوزع أثواباً قصاراً، أي: ما يكفي لتفصيل ثوب قصير، وكان عمر قد جمع إلى ثوبه -أي: إلى حظه من القماش- نصيب ولده عبد الله، فقال عمر: قم يا عبد الله! فبجل أباك، فقال: إني وهبت أبي حظي، فجعلهما ثوباً واحداً، فقال الأعرابي: الآن نسمع ونطيع. ولو أن الأمة الآن بأسرها قالت لأحد ملوكها: من أين لك هذا؟ لما تورع هذا الحاكم عن إحراقها عن آخرها دون أن يعير هذا السؤال جواباً. وهذه ولاية إجبار. فالطاعة في ولاية الإجبار لا لأحقية الوالي من جهة الشرع، وإنما مخافة الفتن الناجمة التي تشق وحدة المسلمين. فالطاعة في الحالين واجبة إلا فيما حرمه الله ورسوله، لكنها تختلف في أن الطاعة في الأولى طاعة بحب ورضا، وفي الثانية مخافة الاستبداد وإراقة الدماء.

стр. 129

علة النهي عن الخروج على الإمام والشاهد من هذا: أن الخروج على الإمام في كل الأحوال خطره محقق ومحدق بالأمة من كل جانب نتيجة الخروج، وربما يفهم البعض أنني إذا تكلمت عن الخروج أن هذا يعني السكوت عن بيان الحق وفضح الباطل، فأقول: بل هاتان المسألتان متباينتان، فإن ترك الخروج لا يمنعنا من قول كلمة الحق وإظهار وجه الفساد، فهذه مسألة وتلك مسألة أخرى، فالخروج لا يقره عاقل لا في الولاية الشرعية ولا في الولاية الاستبدادية، وأما إظهار الحق ورد الباطل فيجب على كل الولاة وعلى كل إنسان، ولذلك قال النبي ﵊: (أفضل الجهاد كلمة حق -أو قال: كلمة عدل- عند سلطان جائر)، يعني: يحكم بالجور أو الظلم وتعدي الحد، والحد هنا هو حد الشرع، فإذا تعدى الحاكم أو السلطان أو الأمير أو الوالي حده الذي رسمه له الشرع فيجب إيقافه ممن وجب عليه إيقافه، وليس من كل أحد، وإنما من أهل العلم الذين أوجب الله ﵎ عليهم هذا الحق. قال: (ومن ترك الطاعة وفارق الجماعة فمات فميتته جاهلية، ومن قتل تحت راية عمية)، يعني: عصبية، كأن يقاتل لأجل بلدته أو لأجل عشيرته أو لأجل أن يقال: شجاع أو عملاق أو جريء، أو غير ذلك من هذه المصطلحات، فهذه كلها ما دامت ليست في الله فكلها عمية وجاهلية. قال: (ومن قتل تحت راية عمية يدعو إلى عصبية أو يغضب للعصبية فمات على هذه الحال فميتته جاهلية).

стр. 130

التحذير من مفارقة الجماعة والخروج عن طاعة الإمام قال: [عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (من فارق الجماعة، وخرج عن الطاعة فمات، فميتته جاهلية)]. إذاً: الخروج عن الطاعة المقصود به الخروج عن طاعة ولي الأمر، وولي الأمر إما أن يكون من العلماء أو من الأمراء؛ لأن أولياء الأمور بإجماع أهل السنة هم العلماء والأمراء، والأمراء بمعنى الخليفة الأكبر ومن ولاه؛ لأن الأصل أن جماعة المسلمين هي جماعة واحدة، وسواء شرقت أو غربت فهي جماعة واحدة، فلا يكون عليها إلا خليفة واحد، وهذا الخليفة لا بد أنه يولي ولاة وأمراء وسلاطين على الأمصار والبلدان، فطاعة هؤلاء الولاة والأمراء والسلاطين الذين ولاهم الخليفة إنما هي من طاعة الخليفة، وطاعة الخليفة من طاعة الرسول ﵊، وطاعة الرسول ﷺ هي طاعة لله ، فانظر إلى تسلسل هذه الطاعة، وأنها في الأصل طاعة لله ولرسوله ﷺ ، وتنزل هذه الطاعة على الأمراء الموجودين الآن. والجماعات الموجودة الآن ليست فرقاً، ومن قال بأنها من الفرق فقد فقد عقله، ولا يدري ما يخرج من رأسه، فهي ليست فرقاً، كما أنه ليست واحدة منها هي الجماعة الأم، أو هي الجماعة التي يجب أن تبايع، بل لك أن تنخرط في أي منها، بشرط أن يكون الولاء لله تعالى ورسوله، وليس لهذه الجماعة، وإن كان الذي يترجح لدي من أقوال أهل العلم في باب الجماعة أن ترك الجماعة بأسرها أمر أفضل من الأول؛ لأن الانخراط في سلك هذه الجماعات يضعف الولاء لله ، ويجعل الشخص يعادي إخوانه من الجماعات الأخرى، وينظر إليها شزراً ربما أكثر من النظر إلى اليهود والنصارى، بل إذا سألته عن حكم المعاملة مع اليهود والنصارى أجابك بكل ثقة أنه يتعامل معهم دائماً من باب أن الله تعالى قال ذلك، ولكنه لا يقبل أن يتعامل مع أخيه المؤمن من جماعة أخرى؛ لأنه تربى في داخل جماعته على العداء والبغض لكل من لم يكن في جماعته، ولا يمكن أن يكون هذا ديناً. ونحن نعتقد أن هذه الجماعات سلاح ذو حدين؛ لأن كل جماعة تقف على ثغر من ثغور الإسلام، وربما وجد فيها فساد عظيم، وقد تأمر الجماعة بالصلاة والمحافظة عليها، وهذا وجه حسن، ولكن الوجه القبيح الذي ربما لا يصمد أمامه الوجه الحسن هو أن هذه الجماعات تعادي بعضها البعض، وهذا كلام عظيم جداً. ولذلك على الواحد منا أن يدعو ربه حتى في نومه أن يؤلف بين هذه الجماعات جميعاً تحت راية واحدة، وتحت مذهب واحد، وهو مذهب السلف الصالح؛ لأنه المذهب الصحيح، وهو مراد الله ومراد رسوله ﵊ من سنته، وأما المناهج الأخرى فربما فيها من الخلل على قدر ما فيها من الصواب، بل وربما يكون خللها أعظم من صوابها، ولذلك أنا أعتقد اعتقاداً جازماً منذ أواخر السبعينات أن الانضمام بأي جماعة من هذه الجماعات إنما هو تضييع للوقت والجهد، بينما الانشغال بطلب العلم على يد أناس لا ولاء لهم ولا انتماء لهم إلا لله ورسوله وأصحابه الكرام، فهذا هو المنهج السديد الذي أدعو إليه فيما يزيد عن عشرين عاماً إلى يومنا هذا. وأسأل الله تعالى أن يوفقني إلى ذلك. قال: [(من فارق الجماعة وخرج عن الطاعة فمات فميتته جاهلية، ومن خرج على أمتي يضرب برها وفاجرها، لا يحاشي مؤمناً لإيمانه -أي: لا يترك مؤمناً لإيمانه- ولا يفي لذي عهد بعهده؛ فليس من أمتي، ومن قتل تحت راية عمية يغضب للعصبية أو يقاتل للعصبية، فقتلته جاهلية)].

стр. 131

حديث عمر: (من أراد بحبوحة الجنة فليلزم الجماعة) [وعن عمر ﵁ قال: قال النبي ﵊: (من أراد بحبوحة الجنة فليلزم الجماعة؛ فإن الشيطان مع الواحد، وهو من الاثنين أبعد)]، يعني: كلما كثرت الجماعة كانت في مأمن من خطر الشيطان والفتن وغير ذلك. ربما يدور في أذهان بعض الحاضرين سؤال وهو: أنني دائماً أدعو لجماعة الإمام الأعظم الذي هو الخليفة، حيث إنه لا خليفة الآن، ولا بد للمؤمن أن يكون في جماعة أو مع جماعة، فيد الله مع الجماعة كما جاء في الحديث، فأي جماعة الآن نكون معها؟ وأقول: الجماعة الآن حقاً هي جماعة الكتاب والسنة، وهم أهل العلم المتحلون بكل خير، الملتزمون بمراد الله من كلامه ومراد الرسول ﵊ من كلامه، الداعون لذلك، والعاملون بذلك، وليس لهم من دعوتهم ولا علمهم مطلب ولا هوى ولا بدعة إلا أنهم يدعون إلى الله ، وأما أن يدعو رجل إلى مذهب أو إلى جماعة، أو إلى نهج انتهجه، أو إلى عصبية أو حمية أو غير ذلك، فليس هذا من دين الله ، وإنما الجماعة هي جماعة الكتاب والسنة على نهج وهدي السلف، هذه الجماعة التي نريد أن تنخرط في سلكها، فهي قد اتخذت لنفسها المنهج الذي قال الله فيه: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة:٤٨]، أي: عقيدة وشريعة. وهذه العقيدة هي عقيدة النبي ﵊ وعقيدة أصحابه الكرام والخلفاء الراشدين، وأما الشريعة فهي ما جاء به الرسول ﷺ . وأما هذه الفرق التي فارقت جماعة المسلمين وجماعة الأئمة والخلفاء الراشدين، فليست من دين الله من قريب ولا من بعيد، بل إنها قد انحرفت عنه انحرافاً، وتحقق فيها وعيد النبي ﵊.

стр. 132

حديث عمر: (أكرموا أصحابي فإنهم خياركم) [عن عبد الرحمن بن عبد الله قال: قدم عمر الجابية -وهي قرية من قرى الشام- فقام فينا خطيباً، فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله، ثم قال: قام فينا رسول الله ﷺ كما قمت فيكم، فقال: (أكرموا أصحابي)]. وقالت عائشة ﵂: أمروا بالاستغفار لأصحاب النبي ﵊ فسبوهم، أي: فلم يستغفروا لهم، بل سبوهم وشتموهم. فنحن مأمورون بالاستغفار لأصحاب النبي ﵊، اللهم اغفر لهم وارحمهم. قال: [(أكرموا أصحابي؛ فإنهم خياركم، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم يظهر فيكم الكذب)]، أي: بعد هذه القرون الخيرية، كما قال ﵊: [(فإنهم خياركم، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم يظهر الكذب حتى يحلف الرجل وإن لم يستحلف، ويشهد وإن لم يستشهد، ألا من أراد بحبوحة الجنة فعليه بالجماعة؛ فإن الشيطان مع الواحد وهو من الاثنين أبعد، ألا لا يخلون رجل بامرأة فإن معهما الشيطان، ومن ساءته خطيئته فهو مؤمن)]. يعني: علامة الإيمان أن من عصى الله تعالى وعصى رسوله ﷺ ، فاستاء بهذه المعصية وتفطر قلبه وحزن حزناً بالغاً عليها؛ فهذا دليل على صدق الإيمان. ولذلك لما أتى الصحابة ﵃ إلى النبي ﷺ وقالوا: (يا رسول الله! إن أحدنا تحدثه نفسه بالشيء لأن يخر من السماء أحب إليه من أن يتفوه به، قال: أوقد فعلها الشيطان؟) وفي رواية مسلم (أوقد وجدتم ذلك؟ ذاك صريح الإيمان). وكما قال النووي وابن حجر عليهما رحمة الله: إن هذه وسوسة الشيطان في ذات الله ، فتجد الرجل يفكر في نفسه ما لو أنه يخر من السماء أحب إليه من أن يتكلم به، فقال لهم النبي ﵊: (أوقد فعلها؟) يعني: الشيطان قد فعلها وضحك عليكم؟ وأنتم ساءتكم هذه، مع أنه حدثته به نفسه حديثاً، ومرت عليه مرور الكرام ولم تستقر في القلب، ولذلك قال النبي ﵊: (إن الشيطان يأتي أحدكم فيقول: من خلق السماء؟ فتقولون: الله، فيقول: من خلق الأرض؟ فتقولون: الله، فيقول: من خلق الجبال؟ فتقولون: الله، فيقول الشيطان: هذا الله خلق كل شيء، فمن خلق الله؟ فإذا بلغ الشيطان منكم ذلك المبلغ فاستعيذوا بالله وانتهوا)، وفي رواية: (وقولوا: آمنا بالله ورسوله). وقوله: (فاستعيذوا بالله) أي: لدحر الشيطان وطرده، فالاستعاذة تطرد الشيطان. وقوله: (وانتهوا) أي: جاهدوا أنفسكم ألا يستقر هذا الوسواس في قلوبكم، وأن يكون مجرد خاطر خطر في القلب ومر ولم يستقر في القلب. وقوله: (وقولوا: آمنا بالله ورسوله) تحديد من النبي ﵊ لعلاج هذا الداء الفتاك العظيم. وقوله ﵊: (ذاك صريح الإيمان)، أي: إذا ساءتك هذه المعصية ولم تفرح بها. وصاحب الأمراض القلبية يتمنى بزعمه أن لو يجد متشابهاً في القرآن فيقف عنده، وقد نبهنا الله تعالى أن هؤلاء هم مرضى القلوب والعقول، الذين يتتبعون المشتبهات، وأما المسلم فإنه يؤمن بها ويمرها كما جاءت ولا يحملها إلا على أحسن المحامل، بخلاف المريض من أهل الشبهات ومن العامة والجهلاء. وكلام الله تعالى واحد، كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾ [النساء:٨٢]. فلما لم يكن فيه اختلاف دل على أنه من عند الله . فقوله ﵊: (ذاك صريح الإيمان) أي: خوفك البالغ مما وقع في قلبك أو خطر على قلبك أكبر دليل على أنك رجل صالح مؤمن، وكذلك عندما تفعل المعصية ثم تتوب إلى الله فوراً، وترجع إليه حالاً، وتستاء غاية الإساءة مما بدر منك. وقد قال حنظلة: (يا رسول الله! نكون بين يديك كأننا نرى الجنة والنار، فإذا خرجنا من عندك وعافسنا الزوجات وانشغلنا بأموالنا اتهمنا أنفسنا بالنفاق)، يعني: عندما نكون في مجلس النبي ﵊ فكأنا نرى الجنة والنار حقيقة، فإذا خرجنا من مسجده النبوي الشريف وانشغلنا بأمور الدنيا غاب عنا بعض التصور الذي نجده في مجلس العلم مع النبي ﵊، وبهذا اتهموا أنفسهم بالنفاق، وليسوا كذلك، ولذلك قال لهم النبي ﵊: (لو ظللتم على ما أنتم عليه لصافحتكم الملائكة). وأمر جبلي فطري أن الإنسان حينما ينشغل بشيء يغيب عنه أشياء، فـ عمر بن الخطاب مثلاً كان يجعل نفسه جملاً لأولاده ويقعد في ساحة البيت وغير ذلك، ولو أن عمر في هذه اللحظة تصور أو تذكر النار لما مازح أبناءه، وهذا من رحمة الله بالخلق.

стр. 133

حديث النعمان بن بشير (الجماعة رحمة والفرقة عذاب) [وعن النعمان بن بشير ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : (الجماعة رحمة والفرقة عذاب)]، أي: جماعة الإمام. وكل جماعة تأخذ هذه الأحاديث وتنزلها على نفسها، ولو أن هذه النصوص قد وردت في كل جماعة من هذه الجماعات الموجودة على الساحة، فلا بد وأن الأمة قد أجمعت على الباطل منذ قرون عديدة، وأول الجماعات هذه كانت سنة (١٩٢٦م)، ولم توجد جماعة قبل هذا إلا الجماعة الأم، وقد سقطت الجماعة الأم سنة (١٩٢٤م)، وكانت متمثلة في الخلافة العثمانية، فأتت فكرة إنشاء جماعة مسلمة قوية تسد الفراغ، يعني: أن القضية في أولها كانت نواياها حسنة، ثم صارت هذه الجماعة كغيرها من الجماعات السابقة التي تأخذ الولاء والبراء فيما بينها بعد أن قامت على غير أسس، ثم وضعت لها بعد ذلك الأسس، ثم أصبحت جماعة شيعية، وبعد هذا جماعة اعتقادية، وبعد هذا فرقة من الفرق وغير ذلك. فهذه الجماعات سلكت نفس المسلك وإن لم تكن فرقاً، فهي قامت أولاً لأجل أن تحافظ على الكيان الإسلامي للمسلمين بعد أن سقطت الخلافة، ثم دعت بعد ذلك كل جماعة لنفسها، وادعت كل جماعة بأنها الجماعة الحقة، وهذا يلزم من جهة ثانية أن تكفر أو تفسق كل جماعة الأخرى، وهذا وجه من وجوه تفرق الأمة.

стр. 134

حديث: (إن أمتي لا تجتمع على ضلالة) [وقال النبي ﵊: (إن أمتي لا تجتمع على ضلالة، فإذا رأيتم اختلافاً فعليكم بالسواد الأعظم)]. وهذا نفس الحديث الأول: (لا تجتمع أمتي على ضلالة). وهو حديث صحيح. فمن خرج علينا الآن يقول بقول لم تقل به الأمة منذ قرون متعددة، ويقول: هذا دين الله ، فهو مخترع مبتدع في دين الله ، لا تجوز موالاته ولا موافقته على ما أحدثه. فإن كان من أهل الاجتهاد والعلم فهو مأجور أجراً واحداً، أما إذا كان دون ذلك فهو إنسان مبتدع. فالأمة لا تجتمع على ضلال، لكن قد يكون الضلال موجوداً في بعض الأفراد، ولا يقصد من هذا النص نفس الضلال مطلقاً، وإنما بمعنى آخر، فقد تجد بعض الأمة ليسوا على الحق، بل على الضلال المبين، وقد يكونوا في ضلال في فهم النصوص ولا يرجعون إلى كلام أهل العلم، وإما في ضلال في استخدام دين الله للحصول على كرامة أو أموال أو وجاهة أو غير ذلك. وهذا أيضاً نوع ضلال. ولا يعني هذا الضلال أن الحق قد خفي والتبس على الأمة، بل الحق ظاهر عند غير هؤلاء، وهذا معنى (لا تجتمع أمتي على ضلالة)، أي: لا يعم فيها الضلال في وقت من الأوقات ولا في بلد من البلدان، بل لا بد من قيام أحد أبناء الملة بالحجة في كل زمان ومكان، ﴿لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَا مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ﴾ [الأنفال:٤٢]. قال: (فإن رأيت اختلافاً فعليك بالسواد الأعظم). وهذا الشق بالذات ضعيف، بل ضعيف جداً، وفي إسناده مناكير، وأما معناه فربما يكون صحيحاً، فإذا رأيتم اختلافاً فعليكم بالسواد الأعظم، والسواد الأعظم ليسوا عامة الناس ورعاع الناس، وإنما السواد الأعظم علماء الأمة؛ لأن بعضهم يتصور أن السواد الأعظم هم العوام، والعوام لا عبرة بهم ولا حكم لهم نهائياً، فالعوام شر القطيع، وإنما المقصود بالسواد الأعظم في النصوص هم السواد الأعظم من أهل العلم؛ لأنه لا يمكن أن يجتمع السواد الأعظم من العلماء على الضلال، بل قد يكون في أفراد العلماء، وأما في المجموع فلا. وفي حديث ابن مسعود: الحق ما عرف المسلمون، والباطل ما لم يعرفه المسلمون، أو بمعنى هذا الكلام. قال الشيخ الألباني وغيره من أهل العلم: (المسلمون) أي: علماؤهم.

стр. 135

حديث: (يد الله فوق الجماعة) وقال: (يد الله فوق الجماعة، فمن شذ لم يبال الله بشذوذه). وقوله: (يد الله فوق الجماعة) الأصل إجراء هذا النص على ظاهره وعدم تأويله، وإن أولته فلا بأس بذلك بشرط أن يكون الأصل إجراءه على ظاهره، ومن العلماء في زماننا من لم يتصور قول الله تعالى: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ [الفتح:١٠]، مع أنه من أهل السنة ويدعو إلى السنة، ولكنه كما يقولون: لكل جواد كبوة، وقال في قوله تعالى: ((يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ)) أي: قدرة الله فوق قدرتهم، وأن المراد باليد القدرة، ولا شك أن قدرة الله فوق قدرتهم، ولكن هذا لا يمنع إجراء النص على ظاهره، وأن يد الله فوق أيديهم. فقال: وكيف نفهم أن يد الله فوق أيديهم؟ فقلت له: كما تفهم أن السماء فوق الأرض بغير عمد، كما نقول: فلان فوق فلان، أي: في الرتبة والمنزلة والقوة والمكانة والعظمة والوجاهة، ويلزم من هذا أنه كان فوقه، فقوله تعالى: ((يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ)) أي: هي فوق خلقه، ولكن تثبت اليد لله على ما يليق بكمال الله . فوقف عند هذا وقال: أنا لا أتصور هذا النص إلا مؤولاً. وهو قد قضى حياته في نشر عقيدة السلف، فهذا يغفر له ذلك إن شاء الله بين يدي الله ؛ لأن الأصل فيه الاستقامة، وربما يكون قد قال هذا الكلام فيكم، أو أن أحداً منكم سمعه إن لم يكن كثير منكم سمعه، وأظنه إن شاء الله سيرجع. قال: (فمن شذ)، أي: من فارق الجماعة (لم يبال الله بشذوذه) وفراقه لهذه الجماعة.

стр. 136

حديث (من فارق الجماعة شبراً) [وعن علي ﵁ قال: من فارق الجماعة شبراً فقد نزع ربقة الإسلام من عنقه]، والربقة هي الحبل الذي فيه عقد، فكأن الإسلام كالحبل الذي فيه عقد، وفي الحديث: (تنقض عرى الإسلام عروة عروة، فيكون أوله نقضاً الحكم، وآخره الخشوع في الصلاة). ومن فارق الجماعة قيد شبر فقد نزع ربقة الإسلام من عنقه، وهذا الحديث محمول على الوعيد الشديد جداً لمن خالف جماعة الإمام. [وقال حذيفة: من فارق الجماعة شبراً فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه]. وهذا قول يؤيد قول علي ﵁. [وقال حذيفة: قال النبي ﵊: (من فارق الجماعة شبراً فارق الإسلام)]. وهذا الحديث فيه نظر، ففي أحد رواته ضعف يسير.

стр. 137

حديث: (إن الله أمر يحيى بن زكريا بخمس كلمات) [عن أبي الحارث الأشعري قال: قال رسول الله ﷺ : (إن الله أمر يحيى بن زكريا بخمس كلمات فذكر الحديث بطوله، قال رسول الله ﷺ : وأنا آمركم بخمس كلمات أمرني الله بهن)، أي: بخمس خصال وخمس واجبات. (بالجماعة، والسمع، والطاعة، والهجرة، والجهاد في سبيل الله). فالجماعة مأمور بها، وكذلك السمع والطاعة والجهاد في سبيل الله والهجرة، أي: الهجرة من بلاد الكفر إلى بلاد الإيمان، لا من مكة إلى المدينة؛ لأن الهجرة من مكة نسخت إلى يوم القيامة. [وقال النبي ﵊ في رواية أخرى: (أنا آمركم بخمس: بالسمع، والطاعة، والجماعة، والهجرة، والجهاد في سبيل الله، فمن خرج من الجماعة قيد شبر فقد خلع ربقة الإسلام من رأسه إلا أن يراجع)]، أي: إلا أن يرجع إلى الجماعة.

стр. 138

حديث: (خط رسول الله ﷺ خطاً) [عن عبد الله قال: (خط رسول الله ﷺ خطاً -أي: خطاً مستقيماً- وخط عن يمينه وعن شماله خطوطاً -أي: خطوطاً معوجة يميناً ويساراً- ثم قال: هذا صراط الله مستقيماً، وهذه السبل، على كل سبيل منها شيطان يدعو إليه)]. فصراط الله المستقيم هو هذا الخط الذي صوره ومثله النبي ﵊ بخط مستقيم، والانحراف عن هذا الخط يعني الانحراف عن الإسلام والهدى ومنهاج النبوة، فكلما انحرف المرء عن هذا الخط انحرف عن الإسلام، ويزيد انحرافه عن الإسلام حسب انحرافه عن هذا الخط؛ لأنه يبتعد عن الإسلام بقدر غلوه وتماديه في هذا السبيل الذي سلكه بعيداً عن صراط الله المستقيم. [ثم تلا ابن مسعود: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام:١٥٣]]. وجاء ذلك أيضاً عن ابن عباس وجابر بن عبد الله، فقد قال [جابر ﵁: (كنا جلوساً عند النبي ﷺ فخط خطاً هكذا أمامه -يعني: خطاً مستقيماً- فقال: هذا سبيل الله، وخطين عن يمينه وخطين عن شماله وقال: هذه سبل الشيطان، ثم وضع يده في الخط الأوسط، ثم قال هذه الآية: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [الأنعام:١٥٣])].

стр. 139

حديث: (من عمل لله في جماعة فأصاب تقبل الله منه) جاء في رواية [ابن عباس قال النبي ﵊: (من عمل لله في جماعة فأصاب تقبل الله منه)]، أي: من عمل لله وهو في داخل الجماعة تقبل الله منه، [(وإن أخطأ غفر الله له)] وبهذا تعلم بركة العمل في الجماعة. فلو أوكل إلى شخص معين أو اثنين أو ثلاثة أو أربعة العمل، فعمل هذا مجلة، وهذا انشغل بالخطابة، وهذا بكذا، فهؤلاء انشغلوا في المصلحة العامة للمسلمين، وهذا العمل صورته صورة عمل جماعي، فالعمل الجماعي على هذا النحو مشروع بلا خلاف بين أهل العلم، بل حتى الحيوانات والحشرات والدواب تعمل عملاً جماعياً، حتى النمل والنحل تعمل عملاً جماعياً، ولا يلزم أن يكون لها أمير معين من قبل الخليفة. فالعمل الجماعي الذي يكون لله لا يشترط له إمارة ولا بيعة ولا سمع ولا طاعة، فحينما يقوم واحد بأمر الدعوة مثلاً، ويتعاون مع غيره من الدعاة أو الشيوخ، فهذا عمل جماعي. وهذا لا يستلزم بالضرورة أنني أسمع وأطيع له، ولو أنه أميري لما كان يوجد شيء اسمه حر في هذه الحالة. ولو أن قاضياً تعين للقضاء فكان يذهب إلى المحكمة ويضع رجلاً على رجل ويقول: أنا لست قاضياً، ولن أحكم بين الناس، ولن أفصل في المنازعات؛ لم يصح هذا، بل يأثم عليه؛ لأن الذي عينه على القضاء هو الخليفة أو الأمير. ولو أنه حكم نفسه بين الناس ولم يتعين عليه التحكيم، بل الناس اضطروا إليه؛ فهذا التحكيم ليس ملزماً له، بخلاف القضاء، فالقضاء ملزم، وله سلطة تنفيذية، وأما هذا فبإمكانه أن يمتنع عن التحكيم من غير أن يأثم. فالعمل الجماعي إذا كان بصورة اتفاقية بين الناس لإتمام عمل مشروع كالدعوة إلى الله ، فلا بأس بذلك ولا حرج، وهذا العمل لا يستلزم أمر الإمام.

стр. 140

حكم الإمارة في السفر والإمارة في الحضر والنبي ﵊ يقول: (إذا كنتم ثلاثة في سفر فأمروا أحدكم). فإمارة السفر إمارة مسنونة ومشروعة، واختلف فيها أهل العلم هل هي واجبة أم مستحبة؟ والراجح أنها مستحبة، وهناك من قال: إنها واجبة؛ لورود النص بها، ولم يقس الحضر على السفر إلا اثنان من أهل العلم ابن تيمية في الفتاوى ثم الشوكاني، فقالا: الإمارة في الحضر جائزة قياساً على الإمارة في السفر، بل الإمارة في الحضر من باب أولى؛ لأن الإمارة في السفر تنتهي بانتهاء السفر، وأما الحضر فإنما دعت إليها ضرورة العمل إلى ما لا نهاية، ولم يوافقهم على ذلك أحد. ثانياً: إن الذين يركنون إلى كلام ابن تيمية ومن بعده كلام الشوكاني أصحاب هوى، فقد كانوا قبل أن يعلنوا أنهم جماعة يردون على ابن تيمية والشوكاني، وبعد أن أعلنوا أنهم جماعة قالوا في نهاية أمرهم بكلام ابن تيمية وكلام الشوكاني، وهذا يدل على وجود الهوى. ثالثاً: إن ابن تيمية ومن بعده الشوكاني قالا بجواز الإمارة في الحضر، وهم يقولون بوجوب الإمارة في الحضر، وشتان بين الجواز وبين الوجوب، فـ ابن تيمية والشوكاني لم يقولا بالوجوب، وإنما قالا بالجواز إذا دعت الحاجة والمصلحة إلى ذلك. والنبي ﷺ ما كان يربي أصحابه على ذلك، واليوم مثلاً نجد أهل مسجد معين يقولون: لا بد من الجلوس بعد صلاة الفجر في المسجد، والذي يتخلف يدفع جنيهاً، وهذا الجنيه يوضع في صندوق المسجد، أو يقولون: يلزم كل واحد فينا بأن يصلي الليلة في بيته، فإن لم يقم يعزر بدفع مبلغ كبير، أو بأن ينام على ظهره في المسجد ويرفع رجليه ويجلد عشر جلدات تعزيراً، والنبي ﵊ لم يكن يضرب من أجل هذا، ومن لم يكن له وازع من قلبه فلا خير فيه، والذي يسمع النص ولا يتأثر به ولا يعزم من داخله على التزامه فلن ينفع معه الضرب، وإن لم يقتنع تماماً بقولك فلن يقتنع به بعد الضرب، بل سيزداد منه بعداً، وهذه الطريقة التي يعملونها في المساجد هي طريقة في غاية النكارة، ولو سمع الصحابة بهذا لماتوا ضحكاً مما وقع بنا، فأنت ليس عليك إلا أنك تذكره، فإن كان من أهل الذكرى انتفع بها، ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الذاريات:٥٥]. فالذي ليس معه إيمان بالشيء ولا ينتفع بنصيحة فلا خير فيه، وأما أنك تعزره وتؤدبه ثم تهجره فلا، والنبي ﷺ كان يقول: (نعم الرجل عبد الله لو كان يقوم الليل). ولم يضربه أو يعلقه في المسجد وغير ذلك، فلما سمع عبد الله هذه الكلمة ما ترك قيام الليل لا في حضر ولا سفر، ولا في غزوة ولا حرب، فالحر تكفيه الإشارة، والعبد تقرعه العصا، وكان هذا في الماضي، وأما في هذا الوقت فالحر نفسه لا تقرعه العصا.

стр. 141

معنى العمل لله في الجماعة [قال ابن عباس: قال النبي ﵊: (من عمل لله في الجماعة فأصاب تقبل الله منه، وإن أخطأ غفر الله له)]. فقوله: (من عمل لله) يعني: أن يكون هذا العمل خالصاً. والسلف إما زمناً وإما معنى، يعني: أن السلف ﵃ عند الإطلاق نعني بهم أصحاب القرون الخيرية، وهم الصحابة والتابعون وأتباع التابعين والأئمة المتبوعون، فهؤلاء هم سلفنا، لكن كلمة (سلف) لها معنى آخر، وهو المنهج، يعني إما أن يكون سلفي الزمن وإما سلفي المنهج، فالسلف عند الإطلاق يعنون به سلفية الزمان الأول وسلفية المنهج، وليس كل من تقدم سلفياً، فالفرق الباطلة ظهرت في القرن الأول الهجري، مع أن النبي ﵊ يقول: (خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم). وهذا لا يعني أنهم من خير القرون، وإنما يعني أن جل أصحاب هذه القرون هم خير الناس، بخلاف من شذ عنهم وبخلاف من فارقهم، فقوله هنا ﵊: (خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم). هؤلاء سلفية الزمن والمنهج، ثم يأتي بعد ذلك سلفية المنهج، فـ ابن تيمية كان سلفياً وكذلك ابن القيم وابن نصر المروزي، وغيرهم من أهل العلم قديماً وحديثاً إلى يومنا هذا من الدعاة الذين لا علاقة لهم بهذه الجماعات الموجودة على الساحة، إلا الالتزام بالكتاب والسنة على نهج السلف الصالح، فهؤلاء سلفيو المنهج، وهم الجماعة سواء عرفتهم أو لم تعرفهم، وهم شيء واحد، وقد كان الواحد منهم -أي: في القرون الخيرية- يرسل السلام إلى صاحبه في المغرب وهو في المشرق؛ لأنه يعلم أنهما شيء واحد لاتحاد المنهج، وهذه هي في حقيقتها الجماعة. وقوله: (وإن أخطأ)، أي: في عمله لله في الجماعة (غفر الله له). ثم قال: [(ومن عمل لله في الفرقة؛ فإن أصاب لم يقبل الله منه، وإن أخطأ فليتبوأ مقعده من النار)]. وهذا كلام ابن عباس.

стр. 142

حديث النواس بن سمعان: (ضرب الله مثلاً صراطاً مستقيماً) [روى النواس بن سمعان عن النبي ﵊ قوله: (ضرب الله مثلاً صراطاً مستقيماً، وعلى جنبتي الصراط سور وأبواب مفتحة، وعلى الأبواب ستور مرخاة، وعلى باب الصراط داع يقول: يا أيها الناس! ادخلوا الصراط ولا تعوجوا -أي: لا تتبعوا هذه السبل- وداع يدعو من فوق الصراط، فإذا أراد فتح شيء من تلك الأبواب قال: ويحك لا تفتحه، فالصراط الإسلام، والسور هو حدود الله، والأبواب المفتحة هي محارم الله، وذلك الداعي على الصراط هو كتاب الله، وأما الداعي من فوق الصراط فواعظ الله في قلب كل مسلم)].

стр. 143

حديث معاذ: (إن الشيطان ذئب الإنسان كذئب الغنم) [عن معاذ بن جبل أن رسول الله ﷺ قال: (إن الشيطان ذئب الإنسان كذئب الغنم، يأخذ السيرة والقاصية والناحية، فإياكم والشعاب -أي: إياكم أن تتفرقوا في الشعاب- وعليكم بالجماعة والعامة والمسجد)]، أي: وعليكم بالجماعة والعامة والمسجد. [وقال عبد الله: يا أيها الناس! عليكم بالطاعة والجماعة، فإنها حبل الله الذي أمر به، وإن ما يكرهون في الجماعة خير مما يحبون في الفرقة]. وقصر الصلاة في موسم الحج في عرفة ومنى ومزدلفة يجوز حتى لأهل مكة وأهل منى، وهذه رخصة من الله ، وعثمان بن عفان ﵁ لما كان خليفة وصلى في مسجد الخيف في منى في موسم الحج، فأتم الصلاة، وترك هذه السنة مجتهداً ومتأولاً، فأنكر عليه عبد الله بن مسعود؛ لأنه حق يجب ظهوره، وبعد أن أنكر عليه صلى معه وأتم، وعثمان كان متأولاً، فأصر على تأويله، فقد كانت له أرض وأهل بمكة، فقال: أنا من أهل مكة، وظن أنه لا رخصة له لكونه من أهل مكة، فاستمر على ما يعتقد، ولما كان هو الإمام كان يلزم الناس أن يصلوا بصلاته ويتمون كما هي السنة كذلك، فلما أتم ابن مسعود خلف عثمان قيل له: يا أبا عبد الرحمن! ألا تدري أن السنة قصر الصلاة؟ قال: نعم، قال: لم صليت خلفه أربعاً؟ قال: الخلاف شر. ولو كان أحدنا مكان عبد الله بن مسعود لكان فضح عثمان على المنبر، ولألب عليه جميع المسلمين، ولانشق بجماعة وصلى بهم في ناحية من المسجد، ولكن عبد الله بن مسعود رغم وضوح الحق عنده إلا أنه خالف ما عنده من حق؛ لأنه لو صلى أربعاً لا تبطل صلاته، وما دام أنها لا تبطل فلنصل معه بدلاً من إحداث مشكلة، وتقسيم المسلمين فريقين في موسم الحج، فالاختلاف شر.

стр. 144

قول مجاهد في معنى آية: (ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله) [قال مجاهد: ﴿وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام:١٥٣] قال: البدع والشبهات]، أي: لا تتبعوا البدع والشبهات فتفرق بكم عن سبيل الله . [وقال أبو العالية: تعلموا الإسلام، فإذا تعلمتم الإسلام فلا ترغبوا عنه يميناً ولا شمالاً، وعليكم بالصراط المستقيم، وعليكم بسنة نبيكم والذي كان عليه أصحابه، وإياكم وهذه الأهواء التي تلقي بين الناس العداوة والبغضاء. فحدثت الحسن بذلك فقال: صدق والله ونصح -أي: صدق للأمة ونصح لها- فحدثت به حفصة بنت سيرين فقالت: يا بني! أنت حدثت بهذا محمداً، تعني: أخاها ابن سيرين؟ فقلت: لا. قالت: فحدثه إذاً]. [وقال الأوزاعي: حدثنا أبو عمار قال: حدثني جار كان لـ جابر بن عبد الله قال: قدمت من سفر فجاء جابر يسلم عليَّ، فجعلت أحدثه عن افتراق الناس وما أحدثوا، فجعل جابر يبكي ثم قال: سمعت النبي ﷺ يقول: (إن الناس دخلوا في دين الله أفواجاً، وسيخرجون منه أفواجاً)].

стр. 145

حديث ابن عمر: (من خلع يده من طاعة) وعن نافع وسالم عن عبد الله بن عمر قال: [جاء ابن عمر إلى عبد الله بن مطيع فلما رآه قال: ألا أحدثك بحديث سمعته من النبي ﷺ ؟ سمعته يقول: (من خلع يده من طاعة لقي الله يوم القيامة ولا حجة له، ومن مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية)]. وهذه البيعة هي بيعة الخليفة الأعظم، وليست بيعة هؤلاء، وقد قابلت رجلاً كبيراً -عليه رحمة الله- من علماء المسلمين الأجلاء، وكان من أفذاذ أهل العلم في الحديث والفقه، وله في الحديث والفقه مصنفات عظيمة جداً، وقلت له: يا شيخ! هل بايعت أحداً؟ قال: نعم، في رقبتي يا بني بيعة لفلان، قلت: ولما مات فلان هل بايعت من بعده؟ قال: لا.
следующие страницы →