← Акыда

Акыда · id 37436

شرح كتاب الإبانة من أصول الديانة

حسن أبو الأشبال الزهيري

Полный текст (1 366 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

معنى العمل لله في الجماعة [قال ابن عباس: قال النبي ﵊: (من عمل لله في الجماعة فأصاب تقبل الله منه، وإن أخطأ غفر الله له)]. فقوله: (من عمل لله) يعني: أن يكون هذا العمل خالصاً. والسلف إما زمناً وإما معنى، يعني: أن السلف ﵃ عند الإطلاق نعني بهم أصحاب القرون الخيرية، وهم الصحابة والتابعون وأتباع التابعين والأئمة المتبوعون، فهؤلاء هم سلفنا، لكن كلمة (سلف) لها معنى آخر، وهو المنهج، يعني إما أن يكون سلفي الزمن وإما سلفي المنهج، فالسلف عند الإطلاق يعنون به سلفية الزمان الأول وسلفية المنهج، وليس كل من تقدم سلفياً، فالفرق الباطلة ظهرت في القرن الأول الهجري، مع أن النبي ﵊ يقول: (خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم). وهذا لا يعني أنهم من خير القرون، وإنما يعني أن جل أصحاب هذه القرون هم خير الناس، بخلاف من شذ عنهم وبخلاف من فارقهم، فقوله هنا ﵊: (خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم). هؤلاء سلفية الزمن والمنهج، ثم يأتي بعد ذلك سلفية المنهج، فـ ابن تيمية كان سلفياً وكذلك ابن القيم وابن نصر المروزي، وغيرهم من أهل العلم قديماً وحديثاً إلى يومنا هذا من الدعاة الذين لا علاقة لهم بهذه الجماعات الموجودة على الساحة، إلا الالتزام بالكتاب والسنة على نهج السلف الصالح، فهؤلاء سلفيو المنهج، وهم الجماعة سواء عرفتهم أو لم تعرفهم، وهم شيء واحد، وقد كان الواحد منهم -أي: في القرون الخيرية- يرسل السلام إلى صاحبه في المغرب وهو في المشرق؛ لأنه يعلم أنهما شيء واحد لاتحاد المنهج، وهذه هي في حقيقتها الجماعة. وقوله: (وإن أخطأ)، أي: في عمله لله في الجماعة (غفر الله له). ثم قال: [(ومن عمل لله في الفرقة؛ فإن أصاب لم يقبل الله منه، وإن أخطأ فليتبوأ مقعده من النار)]. وهذا كلام ابن عباس.

стр. 142

حديث النواس بن سمعان: (ضرب الله مثلاً صراطاً مستقيماً) [روى النواس بن سمعان عن النبي ﵊ قوله: (ضرب الله مثلاً صراطاً مستقيماً، وعلى جنبتي الصراط سور وأبواب مفتحة، وعلى الأبواب ستور مرخاة، وعلى باب الصراط داع يقول: يا أيها الناس! ادخلوا الصراط ولا تعوجوا -أي: لا تتبعوا هذه السبل- وداع يدعو من فوق الصراط، فإذا أراد فتح شيء من تلك الأبواب قال: ويحك لا تفتحه، فالصراط الإسلام، والسور هو حدود الله، والأبواب المفتحة هي محارم الله، وذلك الداعي على الصراط هو كتاب الله، وأما الداعي من فوق الصراط فواعظ الله في قلب كل مسلم)].

стр. 143

حديث معاذ: (إن الشيطان ذئب الإنسان كذئب الغنم) [عن معاذ بن جبل أن رسول الله ﷺ قال: (إن الشيطان ذئب الإنسان كذئب الغنم، يأخذ السيرة والقاصية والناحية، فإياكم والشعاب -أي: إياكم أن تتفرقوا في الشعاب- وعليكم بالجماعة والعامة والمسجد)]، أي: وعليكم بالجماعة والعامة والمسجد. [وقال عبد الله: يا أيها الناس! عليكم بالطاعة والجماعة، فإنها حبل الله الذي أمر به، وإن ما يكرهون في الجماعة خير مما يحبون في الفرقة]. وقصر الصلاة في موسم الحج في عرفة ومنى ومزدلفة يجوز حتى لأهل مكة وأهل منى، وهذه رخصة من الله ، وعثمان بن عفان ﵁ لما كان خليفة وصلى في مسجد الخيف في منى في موسم الحج، فأتم الصلاة، وترك هذه السنة مجتهداً ومتأولاً، فأنكر عليه عبد الله بن مسعود؛ لأنه حق يجب ظهوره، وبعد أن أنكر عليه صلى معه وأتم، وعثمان كان متأولاً، فأصر على تأويله، فقد كانت له أرض وأهل بمكة، فقال: أنا من أهل مكة، وظن أنه لا رخصة له لكونه من أهل مكة، فاستمر على ما يعتقد، ولما كان هو الإمام كان يلزم الناس أن يصلوا بصلاته ويتمون كما هي السنة كذلك، فلما أتم ابن مسعود خلف عثمان قيل له: يا أبا عبد الرحمن! ألا تدري أن السنة قصر الصلاة؟ قال: نعم، قال: لم صليت خلفه أربعاً؟ قال: الخلاف شر. ولو كان أحدنا مكان عبد الله بن مسعود لكان فضح عثمان على المنبر، ولألب عليه جميع المسلمين، ولانشق بجماعة وصلى بهم في ناحية من المسجد، ولكن عبد الله بن مسعود رغم وضوح الحق عنده إلا أنه خالف ما عنده من حق؛ لأنه لو صلى أربعاً لا تبطل صلاته، وما دام أنها لا تبطل فلنصل معه بدلاً من إحداث مشكلة، وتقسيم المسلمين فريقين في موسم الحج، فالاختلاف شر.

стр. 144

قول مجاهد في معنى آية: (ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله) [قال مجاهد: ﴿وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام:١٥٣] قال: البدع والشبهات]، أي: لا تتبعوا البدع والشبهات فتفرق بكم عن سبيل الله . [وقال أبو العالية: تعلموا الإسلام، فإذا تعلمتم الإسلام فلا ترغبوا عنه يميناً ولا شمالاً، وعليكم بالصراط المستقيم، وعليكم بسنة نبيكم والذي كان عليه أصحابه، وإياكم وهذه الأهواء التي تلقي بين الناس العداوة والبغضاء. فحدثت الحسن بذلك فقال: صدق والله ونصح -أي: صدق للأمة ونصح لها- فحدثت به حفصة بنت سيرين فقالت: يا بني! أنت حدثت بهذا محمداً، تعني: أخاها ابن سيرين؟ فقلت: لا. قالت: فحدثه إذاً]. [وقال الأوزاعي: حدثنا أبو عمار قال: حدثني جار كان لـ جابر بن عبد الله قال: قدمت من سفر فجاء جابر يسلم عليَّ، فجعلت أحدثه عن افتراق الناس وما أحدثوا، فجعل جابر يبكي ثم قال: سمعت النبي ﷺ يقول: (إن الناس دخلوا في دين الله أفواجاً، وسيخرجون منه أفواجاً)].

стр. 145

حديث ابن عمر: (من خلع يده من طاعة) وعن نافع وسالم عن عبد الله بن عمر قال: [جاء ابن عمر إلى عبد الله بن مطيع فلما رآه قال: ألا أحدثك بحديث سمعته من النبي ﷺ ؟ سمعته يقول: (من خلع يده من طاعة لقي الله يوم القيامة ولا حجة له، ومن مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية)]. وهذه البيعة هي بيعة الخليفة الأعظم، وليست بيعة هؤلاء، وقد قابلت رجلاً كبيراً -عليه رحمة الله- من علماء المسلمين الأجلاء، وكان من أفذاذ أهل العلم في الحديث والفقه، وله في الحديث والفقه مصنفات عظيمة جداً، وقلت له: يا شيخ! هل بايعت أحداً؟ قال: نعم، في رقبتي يا بني بيعة لفلان، قلت: ولما مات فلان هل بايعت من بعده؟ قال: لا.

стр. 146

حديث عرفجة: (إنها ستكون هنات وهنات) [وقال: عرفجة: قال النبي ﵊: (إنها ستكون هنات وهنات، فمن جاءكم يفرق بين جماعتكم فاضربوا عنقه كائناً من كان)]، يعني: إذا كان أمر الخليفة قائماً ومعه جماعة المسلمين، ثم ظهر شخص يقول: أنا خليفة، فاضربوا عنق الثاني كائناً من كان، وهذا عند العلماء بالإجماع، كما نقله النووي وابن عبد البر وغيرهما، أي: اضربوا عنقه إذا لم يندفع إلا بالقتل، أما إذا أمكن دفعه بغير القتل فادفعوه بغير القتل ويحرم عليكم قتله. يعني: إذا كان الخليفة قائماً وقد بويع له ثم أتى آخر يقول: أنا الخليفة، وإذا كنتم بايعتم فلاناً، ففلان وفلان وفلان بايعوني، فأنا كذلك خليفة، فيجب أن يرد هذا الرجل عن بدعته التي أتى بها، فإن رد بالترغيب والترهيب والتهديد وغير ذلك، فلا يحارب بغير هذا ولا يدفع بغيره، وإذا لم يمكن دفعه إلا بالقتل وجب على الخليفة الأول وجماعته قتله، وليس على أفراد الناس. نكتفي بهذا القدر. ونسأل الله تعالى أن يتقبل منا ومنكم صالح الأعمال والأقوال؛ إنه ولي ذلك والقادر عليه!

стр. 147

شرح كتاب الإبانة - ما أمر به من التمسك بالسنة والجماعة [١] الاعتصام بالسنة والتوحيد من أعظم النعم التي أنعم الله بها على عباده المسلمين، ففيه الفلاح والنجاة في الدنيا والآخرة، ولن تسعد الأمة المحمدية إلا بالاعتصام بالكتاب والسنة، والائتلاف وعدم الاختلاف، وترك محدثات الأمور والبدع والضلالات التي ليست من الإسلام في شيء.

стр. 148

فضل الاعتصام بالسنة إن الحمد لله تعالى، نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة. في الدروس الماضية تكلمنا عن ذم الفرقة والاختلاف، والأمر بالاتفاق والائتلاف من كتاب الله ومن سنة النبي ﷺ ، وقد تكلم شيخ الإسلام ابن تيمية عليه رحمة الله، قال في كتابه العظيم الممتع وهو ما طبع بعنوان: الفرقان بين الحق والباطل، وهو غير كتاب الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان؛ لكن الثاني مشهور أكثر من شهرة الأول، وكلاهما جزء قد استل من الكتاب الأم وهو: مجموع الفتاوى. قال ابن تيمية عليه رحمة الله في كتابه: (الفرقان بين الحق والباطل): فخير للمرء أن يلقى الله تعالى مؤمناً، ولو كان مبتدعاً من أن يلقاه على الكفر البواح. أولاً هذا الكلام لا يفهمه إلا ابن تيمية ومن مثله أو فوقه، كما أن هذا الكلام لا يقبله إلا من شرح الله تعالى صدره للحق. يقول ابن تيمية: بعض الشر أهون من بعض، فلأن يلقى الله تعالى رجل مسلم متشيع أو قدري أو معتزلي أو أشعري أو غير ذلك من أصحاب هذه الفرق، خير من أن يلقاه كافراً كفراً بواحاً، وهذا الكلام في غاية القبول، وابن تيمية يقول هذا الكلام في المرتبة الثانية، أما المرتبة الأولى فهي ما نقل عن أبي الأسود الدؤلي وميمون بن مهران وغير واحد من السلف أنهم قالوا: والله لا ندري أي النعمتين علينا أعظم: أن هدانا الله للإسلام، أم عصمنا في الإسلام إلى سنة وتوحيد. أي أن كثيراً من السلف قالوا: والله لا ندري أي النعمتين لله علينا أفضل من الثانية: أن من الله تعالى علينا بالإسلام فأسلمنا، أو أن الله عصمنا في الإسلام إلى سنة، فلم نزغ ولم ننحرف، نحن لا نعرف أي واحدة أعظم من أختها، هل الإسلام أعظم من الثبات على الحق، أو أن الثبات على الحق في الإسلام أعظم من الإسلام نفسه. فالذي يتكلم عنه ابن تيمية إنما هو في الرتبة الثانية، أما الرتبة الأولى فهي أن تكون مسلماً صاحب حق، وهذا الحق لا يعرف إلا من خلال قال الله وقال الرسول وقال الصحابة. أي: فهم الصحابة من قول الله شيئاً، ومن قول النبي ﷺ شيئاً. ولذلك كل الفرق الضالة والجماعات لا تخلو من انحراف عن النهج السديد في هذا العصر الراهن، والجماعات ليست فرقاً، لكن كل واحدة من هذه الجماعات انحرفت عن كتاب الله وعن سنة الرسول ﵊ ولو شيئاً يسيراً. أما هذه الفرق الضالة فقد انحرفت، بل وأبعدت بانحرافها إلى أقصى درجات الانحراف؛ ولذلك هي الفرق التي خالفت أصل الرسالة وأصل الشرع الذي جاء به الله تعالى من السماء على لسان رسوله الكريم، فهذه استحقت الوعيد بالنار، أما هذه الجماعات فعلى قدر انحرافها، إلا أننا نرجو الله تعالى أن يغفر لهذه الجماعات؛ لحسن ظنها ولجهدها المبذول في سبيل نصرة الإسلام على نهج النبي ﵊. أقول هذا مع إثبات الانحراف لهذه الجماعات، أو لمعظم هذه الجماعات؛ ولذلك فإن من سعادة المرء الناشئ ألا يرتبط بجماعة من هذه الجماعات، بل يرتبط بالكتاب والسنة، وإن ادعت كل جماعة أنها على الكتاب والسنة، لكن هيهات، مع قول الشاعر: وكل يدعي وصلاً لليلى وليلى لا تقر لهم بذاكا فكل يقول: إنا على الكتاب والسنة، وليست العبرة بادعائك الكتاب والسنة، أو بسيرك حقيقة وفق قول الله وقول الرسول، ولكن العبرة من الذي فهم قول الله وقول رسوله، هل فهم فهم الجماعة، أم فهم أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وأبي عبيدة بن الجراح وعبادة وسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل وغير هؤلاء من الصحابة ﵃. إذاً: العبرة ليست في اعتمادك على آية أو حديث، وإنما العبرة في اعتمادك على فهم السلف لهذه الآية ولهذا الحديث. ولذلك هذه الجماعات في لحظة صدق مع الله ، ولحظة صفاء فردي؛ لابد أن تراجع حساباتها من أول الأمر إلى آخره، فإن كانت صادقة مع الله ، فإنها ستراجع منهجها الذي أسست عليه، وأعتقد أن المناهج التي أسست عليها هذه الجماعات ووضعها زعماؤهم القدامى، تختلف عما عليه الجماعات الآن، فإن أي جماعة من هذه الجماعات قد وضع لها قائدها الأعظم ومؤسسها الأول نهجاً علمياً هو نهج سلفي لا محالة، لكن إذا نظرت إلى هذه الجماعات الآن وجدت أنها لا علاقة لها بالعلم لا من قريب ولا من بعيد، مع أن إمامها الأول إنما ابتغى أن تصل هذه الجماعة إلى ذروة العلم، ولكن من أتى بعده خالف نهجه شيئاً ف

стр. 149

باب ما أمر به من التمسك بالسنة والجماعة والأخذ بها وفضل من لزمها قال ابن بطة ﵀: [باب ما أمر به من التمسك بالسنة والجماعة والأخذ بها، -أي: بالسنة- وفضل من لزمها]، أي: لزم السنة وجماعة المسلمين.

стр. 150

حديث العرباض بن سارية: (أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة) [قال عبد الرحمن بن عمرو السلمي وحجر بن حجر الكلاعي: أتينا العرباض بن سارية ﵁، وكان من الذين أنزل الله فيهم: ﴿وَلا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنفِقُونَ﴾ [التوبة:٩٢]]، يعني: كان رجلاً فقيراً، ولكنه كان محباً للجهاد. فكان يذهب إلى النبي ﵊ ليحمله، -أي: ليجهزه للقتال- فيقول النبي ﵊: (لا أجد ما أحملكم عليه، اذهبوا إلى فلان لعله يحملكم، فيذهبون إليه فيحملهم، ثم يأتون إلى النبي ﵊ فيقولون له: قد حملنا فلان، فيقول النبي ﵊: الدال على الخير كفاعله، والدال على الشر كفاعله). قالا: [فدخلنا فسلمنا عليه فقلنا: أتيناك زائرين وعائدين]؛ لأنه كان مريضاً، [ومقتبسين] أي: متعلمين العلم، [فقال: (صلى بنا رسول الله ﷺ الصبح ذات يوم، ثم أقبل علينا)]، أي: بوجهه، وهذا من السنة لمن صلى إماماً بقوم أن يقبل عليهم بوجهه، ويستدبر القبلة. [قال: (ثم أقبل علينا فوعظنا موعظة بليغة ذرفت منها العيون -أي: دمعت دمعاً شديداً- ووجلت -أي: خشعت- منها القلوب، فقال قائل: يا رسول الله! كأنها موعظة مودع)] هذه الموعظة ليست على منوال المواعظ السابقة. [قال: (فكأنها موعظة مودع، فماذا تعهد إلينا؟ -ماذا تأمرنا وتوصينا؟ - فقال: أوصيكم بتقوى الله، والسمع والطاعة وإن كان عبداً حبشياً)]، وهذا مثال وإن كان محالاً إلا أنه ضربه للزوم الطاعة إن تولى الإمام، فقوله ﵊: (الأئمة -أي: الخلفاء- من قريش) معناه: أنه لا يجوز أن يتولى أمر المسلمين خليفة ليس قرشياً، وإذا دعت الضرورة إلى أن يتولى غير الإمام أمر المسلمين فلابد أن يكون حراً، لا أن يكون عبداً فضلاً عن عبد حبشي مجدع الأطراف، فالنبي ﵊ يقول: حتى وإن تولى عليكم عبد حبشي مع أنه محال، لكن إن تولى عليكم فاسمعوا له وأطيعوا، أو ربما يكون الإمام الذي بمعنى الخليفة هو الذي عين الوالي والأمير على مصر من الأمصار وكان عبداً. قال النبي ﵊: [(فإنه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافاً كثيراً)]، يعني: فتناً كثيرة وقتلاً وهرجاً، وبعد أن وصف الداء وصف ﵊ الدواء، فقال: [(فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، فتمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ)]، هذا أحد شقي العبادة، إذا ظهرت الفتن: (فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء) أي: تمسكوا بهديي وهدي الخلفاء الراشدين الذين هم أبو بكر وعمر وعثمان وعلي رغم أنف الرافضة ورغم أنف الشيعة، وصفهم النبي ﵊ بأنهم خلفاء راشدون مهديون، وأمرنا بالتمسك بسنتهم، وقد انعقد الإجماع على أن الخلفاء الراشدين إذا أجمعوا على مسألة أو على أمر من أمور الشرع فإجماعهم حجة كقال الله وقال رسوله ﵊. قال: [(وإياكم ومحدثات الأمور -أي: البدع في الدين- فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة)].

стр. 151

أقوال معاذ بن جبل في وجوب لزوم السنة وترك البدعة قال: [وعن أبي إدريس الخولاني قال: أدركت أبا الدرداء ووعيت عنه، وأدركت عبادة -أي: ابن الصامت - ووعيت عنه، وأدركت شداد بن أوس ووعيت عنه، وفاتني معاذ بن جبل، فأخبرني يزيد بن عميرة أنه كان يقول في مجلس يجلسه: الله حكم قسط -أي: عدل- تبارك اسمه، هلك المرتابون -أي: الشاكون في ذلك- إن من ورائكم فتناً يكثر فيها المال، ويفتح فيها القرآن، حتى يأخذه الرجل والمرأة، والحر والعبد، والصغير والكبير، فيوشك الرجل أن يقرأ القرآن فيقول: قد قرأت القرآن فما بال الناس لا يتبعوني؟ ثم يقول: ما هم بمتبعي حتى أبتدع لهم غيره]. انظروا، يعني: أنه ينتشر تيار العلم حتى يقرأ القرآن من لا يستحقه؛ لأنه ما قرأه إلا لأجل أن يتصدر به المجالس، أو يترأس به الناس، أو ليتشرف به الزمان، أو ليحصل بالقرآن على ملذات الدنيا وشهواتها، وأنتم تعلمون أن هذه الكراسي فتن، وهي التي حذر منها النبي ﵊، فقديماً كانت تعلم إمامة الرجل بعلمه وتقواه، فلم تكن هناك مناصب ولا كراسي ولا مسئوليات إدارية وغير ذلك، وإنما أعطي أحمد بن حنبل الإمام بعلمه وتقواه ﵀، وكذلك الشافعي وكذلك مالك وسفيان والبخاري ومسلم وغير واحد، بل هم ألوف مؤلفة في كل عصر من عصور سلفنا، كيف عرفت إمامة هؤلاء؟ هل لأنهم تولوا مشيخة الأزهر؟ أو لأنهم كانوا نواباً لرئيس الدولة، أو كانوا قضاة وأمراء؟ لم يكن من ذلك شيء، بل إنهم كانوا يفرون من ذلك فرارهم من الأسد، بل كانوا يعتبرون أن عملهم الذي كان سراً إذا ظهر على الناس كان ذلك من باب الرياء، وكان الواحد منهم إذا أراد أن يعمل لله عملاً أسره، فإذا اطلع عليه إنسان أخذ عليه العهود والمواثيق ألا يتكلم بهذا إلا بعد أن يموت إن أراد أن يتكلم، وبذلك كافأهم الله تعالى بحسن إخلاصهم بمن يبرز لنا بعد موتهم ما قدر رأوه من إخلاصهم وعملهم وعبادتهم. أما الآن فالرجل تُعرف إمامته كذلك بدينه وعلمه وتقواه وصلاحه، لكنه قد أبى قوم إلا أن يقتحموا أبواب السلاطين؛ تارة للرياسة، وتارة للرفعة، بزعمهم أن الرياسة والرفعة في طرق أبواب السلاطين، مع أن النبي ﵊ قال: (ومن اقترب من السلطان افتتن)، أي: وقع في الفتنة، فسار الواحد منهم على الجادة والاستقامة في قوله وعلمه وعمله، حتى إذا تولى منصباً من هذه المناصب الزائلة غيَّر دينه واتبع هواه، وانقلب على أهل الصحوة يسبها ويلعنها، ويدعي أن أهلها خوارج العصر. أقول: قد سمعنا من جل هؤلاء قبل تولي المناصب أننا خيرة الشباب، ولم تشهد العقود الماضية صحوة كما شهدها هذا العصر، وهذا بشهاداته وبشهادة المخلصين فيه إلى يومنا هذا، ولكن المنصب يغير القلوب ويغير النفوس؛ خاصة لمن أراد أن يحافظ على هذه المناصب. ويكفينا فخراً أن هذه الصحوة إنما هي محض فضل الله على هذه الأمة، فليس لأحد من البشر في هذا البلد فضل على هذه الصحوة، بل ابتداءً من شيوخ الأزهر السابقين إلى الشيخ الحالي لا يجرؤ واحد منهم وممن دونهم في هذه المناصب أن يدعي أن له فضلاً على الصحوة لا من قريب ولا من بعيد، بل استمدت هذه الصحوة قوتها وثباتها وتأييدها ونصرتها على أهل الباطل من الله أولاً، ثم من العلماء الربانيين العاملين لله بتقى، سواء كانوا من أهل البلد أو من خارج البلد، سواء كانوا رجالاً أو نساءً، سواء كانوا أمهات أو بنات، إنما وقف بجوار هذه الدعوة أناس من أهل العلم يريدون أن يعملوا لله ، لم تحركهم إلى ذلك شهرة ولا نسب ولا حسب، وإنما تحركوا بفضل الله لإعلاء راية الإسلام. إن أصحاب هذه المناصب من أهل العلم نحن نقر لهم بالعلم، ومن سلب العلم عنهم فإنما نطق بالباطل وأعان على الظلم، لكن الواحد منهم إذا دعي إلى محاضرة تثور حافظته ويجن جنونه إذا لم يحضر أحد لسماعه، فإذا دعي غيره من العاملين على الساحة حضر المئات بل الألوف واجتمعوا عليه؛ لما يعلمون من صدقه من قلوبهم، ولما علموا عليه من استقامة وحسن التزام. فالأمور لا تطلب بعلم فحسب، فإن مؤهلات القبول بيد الله ؛ ولذلك قال النبي ﵊: (إذا أحب الله عبداً أمر جبريل أن يحبه، ثم نادى جبريل في أهل السماء: إن الله يحب فلاناً فأحبوه، ثم يوضع له القبول في الأرض، وإذا أبغض الله تعالى فلاناً أمر جبريل أن يبغضه، ثم ينادي جبريل في أهل السماء: إن الله يبغض فلاناً فأبغضوه، ثم لا يوضع له القبول في الأرض). إذاً: القبول بيد الله ، ولا علاقة له بغير الله. قال: (قال: قد قرأت القرآن فما بال الناس لا يتبعوني؟) أي: ما بالهم لا يجتمعون علي وقد تعلمت القرآن وتعلمت تفسيره وتأويله وناسخه ومنسوخه وغير ذلك مما يختص بالقرآن الكريم. قال: (ثم يقول: ما هم بمتبعي حتى أبتدع

стр. 152

حديث علي بن أبي طالب: (المتمسك بدينه في الهرج له أجر مائة شهيد) قال: [ومن رواية علي بن أبي طالب ﵁ قال: قال النبي ﵊: (المتمسك بسنتي في دينه في الهرج -أي: في الاختلاط والفتن والقتل- له أجر مائة شهيد)]. وهذا الحديث وإن كان ضعيفاً إلا أنه يشهد له ما أخرجه مسلم من قوله ﵊: (العبادة في الهرج كهجرة إلي)، أي: العبادة في القتل والفتن تعادل في الثواب هجرة إلى النبي ﷺ ، أي: إلى الله : (فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله). قال: (العبادة في الهرج) ولم يقل: المشاركة في الهرج؛ ولذلك أنصح الشباب أنه لا يخلو عصر من العصور من فتن وخلافات وإشكاليات ومنازعات وخصومات بين الأكابر والدعاة والشيوخ، وربما يكون الحامل على ذلك الغيرة على دين الله ، وربما يكون الحامل على ذلك العزة بالإثم، وربما الحامل على ذلك الحسد، وربما يكون الحامل هو الإحراج من الإقرار بالخطأ وغير ذلك من الأسباب. ويقول ابن عباس: كلام الأقران يطوى ولا يروى، أي: كلام الأقران الذين هم في منزلة واحدة ورتبة واحدة من العلم، فإذا تكلم بعض أهل العلم في البعض الآخر فيجب عليك أن تطويه ولا ترويه، ولا تشهر به، ولا تعتبره حجة على الخصوم والأقران في الناحية الأخرى، وإنما يجب عليك ألا تلتفت لمثل هذا، بل خذ الحق من كل من جاء به، وإن كان يهودياً أو نصرانياً، ورد الباطل على كل من جاء به وإن كان إماماً من أئمة المسلمين. ولذلك يحدث لكثير من الشباب في هذا الزمان في هذا البلد وفي غيره؛ أنهم يتلقفون بعض السوءات والعورات التي تحدث من بعض الشيوخ، فيشعلونها ناراً وفتناً، ثم يشغلون أنفسهم بها، وهم بعد لم يتعلموا ما أوجب الله تعالى عليهم وفرض عليهم من صلاة وصيام وزكاة وحج وطهارة وغير ذلك. وبئس ما تشغل المرأة به نفسها حينما تقول: أنا لا أدري أي الناس على الحق: فلان أو فلان؟ وهي بعد لم تتعلم كيف تخرج من بيتها، ولا تعرف إذا غسلت ولدها ومست عورته ما الذي يجب عليها، وإذا سألتها في أصول دينها تقول: ليس هذا الآن مهماً، المهم الآن أن نعرف أي الفريقين على الحق، وأي الفريقين أحق بالأمن، عجيب! والناظر في كلام أهل العلم يرى عجباً؛ يرى أهل العلم عندما صنفوا كتبهم إنما قدموا في أول كتبهم شرائع الإسلام، تكلموا عن العلم والإيمان، ثم تكلموا عن التوحيد والإخلاص لله ، وتكلموا عن الطهارة والصلاة والصيام والزكاة والحج؛ والنكاح والطلاق، والرضاع والديون والكفارات، والأيمان، والنذور، وحينما ينتهون من ذلك قالوا: كتاب الفتن. لكن الشباب اليوم يبدءون من حيث انتهى أهل العلم، فهذا يدل على أن النهج الذي سلكه طلاب العلم الآن نهج غير سديد. يقول الإمام الذهبي نقلاً عن أبي علي الأبار أنه قال: نزلت بالأهواز يوماً فوجدت رجلاً قد حف شاربه، وأخذ عصاً في يده، واشترى كتباً، وتعين للفتوى أي: فرض على نفسه الفتوى، وقال للناس: الفتوى في حقي فرض عين، أرأيتم من الذي عينه؟ هو الذي عين نفسه، وللأسف الشديد أن الدعاة والشيوخ في هذا الزمان يعينهم تلاميذهم وأبناؤهم، بخلاف منهج السلف، فإن الواحد منهم ما كان يتكلم بشيء من العلم إلا إذا زكاه غير واحد من مشايخه، وممن تخرج هو على أيديهم ودرس عنده الكثير. أما اليوم فإن شباب الصحوة هم الذي يرفعون فلاناً ويخفضون آخر، أمور كلها معكوسة، ومع هذا تدعي الصحوة أنها صحوة السلفية، وأنها صحوة مباركة، نعم هي سلفية ومباركة في جوانب، ولكنها في جوانب أخرى لابد أن تراجع حساباتها من الآن قبل فوات الأوان. قال: (العبادة في الهرج كهجرة إلي)، ولذلك الصحابة ﵃ كانوا يسألون النبي ﷺ إذا حدثهم عن الفتن ماذا يفعلون، فيقول النبي ﵊: (كونوا أحلاس بيوتكم)، والحلس: هو الذي يكون ملازماً وملاصقاً لعقر داره، يعني: لا يكفيك تماماً أنك تقف أمام بيتك وتلصق ظهرك به، بل لابد أن تكون داخل البيت وفي أصغر مكان في البيت، وهذا للمبالغة في الابتعاد عن الفتن، ولزوم النهي عن الخوض فيها، أنسيتم قول النبي ﵊ في الفتنة: (كن عبد الله المقتول، ولا تكن عبد الله القاتل. قالوا: ماذا نصنع يا رسول الله؟! قال: كن كخير ابني آدم)، يعني: أنا بإمكاني أن أكون قاتلاً، فإذا دعا الأمر إلى القتل إما أن أكون قاتلاً أو مقتولاً ولا خيار ثالث لي، فعند ذلك أترك سبب الفتنة مكتوفة يداي حتى أقتل، فألقى الله تعالى كما لقيه أفضل ابني آدم حيث قال: ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ﴾ [المائدة:٢٩]، وأما أنا فلا أريد أن أكون من أصحاب النار. وهذا الكلام لا يكون إلا في الفتنة، أما في الأحوال العادية فقد شرع الشارع الدفاع عن النفس ودفع الصائل، وإذا كان

стр. 153

حديث أبي هريرة (من دعا إلى هدى) [قال أبو هريرة: إن رسول الله ﷺ قال: (من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئاً، ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه لا ينقص ذلك من آثامهم شيئاً)]. وهذا الحديث يساوي حديثه ﵊: (من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها لا ينقص ذلك من أجورهم شيئاً، ومن سن سنة سيئة -أي: في الإسلام-، فعليه وزرها ووزر من عمل بها لا ينقص ذلك من أوزارهم شيئاً). يتصور بعض الناس أن البدعة الحسنة هي السنة الحسنة، وأن البدعة إذا كانت حسنة فلا بأس بالتمسك بها والعمل بها والدعوة إليها. أقول: إذا كان هذا في أعمال الدنيا وليس في دين الله فيا حبذا ونعمت البدعة؛ ولذلك هذه المخترعات والمحدثات التي حدثت في عمارة الكون، إنما هي ضريبة العقل التي فرضها الله على عباده، أما بدعة الدين فإنها ضلالة، كما قال النبي ﵊: (وكل بدعة ضلالة)، أي: وكل بدعة في الدين ضلالة، وليست حسنة، بل فيها الوزر لمن ابتدعها ولمن سار عليها وهو يعلم أنها بدعة، وأنها ليست من دين الله . ولذلك يحتجون بقوله: (من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها). والحجة الثانية لهم قول عمر إن صح عنه: (نعمت البدعة). لما جمع الناس على صلاة التراويح بعد أن أذن النبي ﵊ للصحابة أن يجتمعوا للصلاة في الليلة الأولى والثانية؛ فلما كثروا في الثالثة دخل بيته وتركهم، ثم استمر الحال على صلاة التراويح في البيوت في زمن أبي بكر وفي نهاية زمن النبي ﵊، وردحاً من خلافة عمر، حتى جمعهم عمر على أبي بن كعب في مسجد النبي ﵊، فلما قيل له: إنها بدعة يا أمير المؤمنين! لم يفعلها قبلك أبو بكر الصديق. قال: نعمت البدعة، واحتج بقوله: (من سن في الإسلام سنة حسنة)، وهذا احتجاج صحيح وبعد نظر من أمير المؤمنين عمر ﵁. فإن مناسبة الحديث أن قوماً من مضر أتوا إلى النبي ﵊ في مسجده جياعاً قد أثر فيهم الجوع فلما رآهم ﵊ تغير وجهه؛ لِما رأى بهم من فقر وحاجة وجوع، فلمح النبي ﵊ ولم يصرح حفاظاً على شعور القوم، فعرف أحد أصحابه في وجهه الغضب والتغير؛ فقام إلى بيته فأتى بما عنده من طعام وملبس وخبز، ووضعه على النطع -أي: على شيء مفروش- بين يدي النبي ﵊، فلما رأى الصحابة تهلل وجه النبي ﵊ بصنيع صاحبهم قام كل منهم إلى بيته فأتى بما عنده، فوضعه في النطع وحملوه حتى كادت أيديهم أن تكل -أي: تعجز عن حمله- ويقول الراوي: بل قد كلت، أي: تعبت وعجزت عن حمل هذا النطع؛ لما اجتمع عليه من الطعام والشراب والملبس؛ فحينئذ قال النبي ﵊ مشيراً إلى أول من صنع ذلك: (من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها لا ينقص ذلك من أجورهم شيئاً، ومن سن في الإسلام سنة سيئة -أي: ابتدع فيه بدعة وهي سيئة- فعليه وزرها ووزر من عمل بها لا ينقص ذلك من أوزارهم شيئاً). إذاً: هل هذا الرجل الذي قام أولاً وأتى بما لديه من طعام وشراب قد ابتدع في الإسلام بدعة حسنة، أم أن أصل الصدقة قد جاء الحث عليها في الكتاب والسنة؟ الجواب هذا الشخص لم يأت من عنده بشيء، وكذلك عمر احتج بهذا الحديث وقال: نعمت البدعة؛ لماذا؟ لأنه أحيا سنة كانت في زمن النبي ﵊، ولم يأت هو بشيء من عنده، وإنما أحيا سنة موجودة في الإسلام على الحقيقة، (فمن سن في الإسلام): أي: من أحيا سنة في الإسلام جاءت في شرع الله ، فله أجر إحيائها، وأجر آثارها ومن تبعه فيها، ولا يتأثر أجر كل من تبعه، وفي هذا الحديث غنية.

стр. 154

إحداث أمر ليس من الدين مردود لا يقبله الشرع قال: [قالت عائشة ﵂: قال النبي ﵊: (من فعل في أمرنا ما لا يجوز فهو رد)، وفي رواية: (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد)]؛ فقوله: (من سن في الإسلام سنة حسنة) لابد أن تضبطها بهذا الحديث: (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد)؛ ولذلك قال النبي ﵊: (من أحدث حدثاً أو آوى محدثاً فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين). فقوله: (من أحدث حدثاً): أي: ابتدع في دين الله بدعة ضلالة في الاعتقاد، وصارت لها أصول، كأصول الخوارج، وأصول المعتزلة، وأصول المرجئة، وأصول الرافضة وغير ذلك من هذه الأصول القديمة. قوله: (أو آوى محدثاً): يعني: خبأه حتى لا يؤدب ولا يحاسب ويعاقب على ابتداعه في دين الله، فإن الذي يبتدع في دين الله كأنه يتهم الله تعالى بأنه لم يكمل الشرع ولم يتم نعمته، ويتهم النبي ﵊ بعدم البلاغ عن ربه. ولذلك الشافعي ﵁ ورحمه يقول: من ابتدع فاستحسن فقد شرع. أي: من ابتدع في دين الله ، واستحسن ما ابتدعه فقد قال للناس: هذا شرع فالزموه ولا تتركوه. ومن العجب العجاب أن هذا المجلس المسكين الذين يسمى بمجلس الأمة في بلد عربية إسلامية، أو مجالس الشعب، وإن شئت فقل: مجالس الشغب والتضييع، ومجالس الجهال أرباع المثقفين فيه الذين لا يعرفون كيف يتطهرون. إن ابن تيمية لا يزال باقياً في الدنيا، هو باق بعلمه ودينه وعدله، أما هؤلاء فلا يعرفون شيئاً عن دين الله ولا عن أئمة الدين سلفاً، ومع هذا تجدهم يشرعون، ويقدرون الأيام والشهور لما اخترعوه وابتدعوه وفجروا به وحادوا الله تعالى ورسوله، ظناً منهم أن ما قد أتوا به هو في غاية الحسن وفي غاية الروعة، ولا يدرون أن هذا عليهم حجة؛ لأن من شرع فاستحسن فقد كفر. فترى الواحد منهم يصلي ويصوم، ويأتي مجالس اللهو للراقصات والمغنيات واللاعبين والفئة الفاجرة في المجتمع. حديث عائشة ﵂: أن النبي ﵊ قال: (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد). قوله: (في أمرنا هذا): أي في ديننا وفي شرعنا، فلا يحل لأحد أن يُحدث في دين الله ما ليس منه، لابد من وضع هذا الحديث مع حديث النبي ﵊ الذي أخرجه البخاري ومسلم من حديث عمر ﵁ قال: قال النبي ﵊: (إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى) إلى آخر الحديث. هذان الحديثان يمثلان قطبي الرحى في قبول العمل عند الله : حديث يدعو إلى الإخلاص في القول والعمل، والثاني: يدعو إلى التحذير من الابتداع في دين الله . ومفهوم المخالفة هو الاستقامة على منهج الرسول ﵊، وعدم الانحراف عن دينه وشرعه وسنته، وهذا كله يجمعه قول الله : ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف:١١٠]، أي: إذا أراد أن يلقى الله تعالى على أحسن حال يجب عليه أمران: أن يعمل عملاً صالحاً، ولا يوصف العمل بالصلاح إلا إذا كان على منهاج النبوة، كما أنه لا يشرك بعبادة ربه أحداً، يعني: يكون مخلصاً في أداء هذا العمل المشروع المسنون، وألا يفعله إلا لله . إذاً: الإخلاص والمتابعة هما شرطا القبول عند الله .

стр. 155

حديث جابر في الأمر باتباع كتاب الله وهدي نبيه والتحذير من البدع قال: [عن جابر بن عبد الله قال: (خطب النبي ﷺ يوم الجمعة، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال على إثر ذلك، وقد علا صوته واشتد غضبه واحمرت وجنتاه، كأنه منذر جيش يقول: صبحكم أو مساكم)]، وهذا حاله ﵊ إذا خطب، خاصة إذا ذكر الجنة والنار، يعلو صوته، ويحمر وجهه، وتنتفخ أوداجه، وتحمر وجنتاه، كأنه منذر جيش يقول: (أنا النذير العريان) ويقول: (صبحكم أو مساكم) أي: صبحكم العدو أو مساكم العدو، يعني: أقبل عليكم العدو بكرة أو غدوة. ثم قال: [(بعثت أنا والساعة كهاتين، وأشار بإصبعيه السبابة والتي تلي الإبهام)] يعني: السبابتين أو السبابة والوسطى لتلاحقهما، وأنه لا فرق بينهما، وأنه ليس بعد السبابة إلا الوسطى، أو ليس بعد الوسطى إلا السبابة، وهذا يدل على أن النبي ﵊ هو خاتم الأنبياء، وأنه لا نبي بعده حتى تقوم الساعة، قال: (بعثت أنا والساعة كهاتين)، فبعد النبي ﷺ الساعة، وبالتالي هذا نص يؤكد لنا أنه ما من أحد ادعى النبوة إلا وهو كاذب، والنبي ﵊ يقول: (لا تقوم الساعة حتى يدعي ثلاثون أنهم أنبياء)، وفي رواية: (حتى يدعي ثلاثون من أمتي أنهم أنبياء). وأنتم تعلمون أن شبرا فقط فيها حوالي ثلاثين نبياً، والمعادي كان فيها من قبل ثلاث سنوات من يدعي النبوة، وأحمد صبحي منصور ادعى أنه نبي، وشيخه رشاد خليفة كان نبياً أولاً ثم ترقى حسب زعمه إلى أن أصبح إلها!! ولا يزال الأنبياء والآلهة في تقدم وفي كثرة، والنبي ﷺ يخبر عنهم أنه سيظهر ثلاثون شخصاً يدعون النبوة؛ ولذلك ظهر في عصر النبي ﵊ أنبياء كذبة، مثل الأسود العنسي ومسيلمة وغيرهما، وظهر في زمن التابعين وفي كل زمن وكل عصر، فعندما تعد المشاهير من هؤلاء الأنبياء ستجدهم ثلاثين أو ما يناهز الثلاثين، لكن غير المشاهير بالآلاف، بل إن شخصاً لو حفظ كلمتين يقول: أنا نبي. إذاً: إما أن نحمل ذكره ﵊ العدد في الرواية على مجرد الكثرة، مثلما تقول لصحابك: أين أنت يا أخي؟! قد أتيت إلى بيتك مائة مرة، في حين أنك أتيت إلى بيته ثلاث مرات أو أربع مرات، وإنما قلت هذا للكثرة، وهذا ليس من باب الكذب في شيء. فإما أن يكون قوله ﵊: (سيظهر في أمتي ثلاثون دجالون كذابون كلهم يدعي النبوة) على مجرد الكثرة ولا يقصد تحديد العدد، وإما أنه ﵊ قصد أن هؤلاء الثلاثين إنما هم الذين يذاع أمرهم وينتشر بين العامة والخاصة. الشاهد: قوله ﵊: (بعثت أنا والساعة كهاتين) وأشار بأصبعيه الوسطى والتي تليها يعني: السبابة. [ثم قال: (إن أفضل الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها)]، يعني: شر شيء أن تحدث في دين الله ما ليس منه [(وكل بدعة ضلالة)].

стр. 156

نصيحة عبد الله بن مسعود لأمة محمد بلزوم الجماعة وتقوى الله والصبر [عن أبي مسعود ﵁ قال: عليكم بتقوى الله وهذه الجماعة]، أي: جماعة الإمام الذي هو الخليفة، فعند إطلاق لفظ الجماعة في المصطلحات الشرعية، إنما يقصد بها جماعة الخليفة، فإذا لم يكن للمسلمين إمام ولا خليفة فيكون أئمة المسلمين علماءهم. قال: [فإن الله لا يجمع أمة محمد على ضلالة أبداً، وعليكم بالصبر]. أرأيت إلى الكلام الجميل؟ هذا الكلام والله دواء لما نحن فيه من داء، ولذلك هذه النصوص الشرعية لا تريد شخصاً يقرأ الكتاب بسرعة من أوله إلى آخره باسم أنه قرأ الكتاب فحسب، بل لابد أن تقف عند كل حرف خرج من في النبي ﵊ قرآناً كان أو سنة، حتى تأخذ العبر وتعرف الأحكام، وتتخلق بأخلاق القرآن وأخلاق السنة النبوية. هذا حديث لـ أبي مسعود. يقول: (عليكم بتقوى الله)؛ لأنها رأس الأمر، قال: (وهذه الجماعة). أي: الزموا جماعة الإمام وجماعة الخير ولا تخرجوا عليهم؛ لأنه لا يحل لأحد أن يخرج على جماعة الإمام، فمن خرج على إمامه مقدار شبر فمات على هذه الحال فميتته جاهلية، وفي الدرس الأول نبهت وقلت: لا يتصور شخص أن هذا الحديث يتنزل على الجماعات الموجودة على الساحة أبداً، هذا الحديث وغيره مما يتكلم عن جماعة المسلمين، إنما يتكلم عن جماعة الإمام الأعظم الخليفة. قال: (عليكم بتقوى الله وهذه الجماعة فإن الله لا يجمع أمة محمد على ضلالة أبداً، وعليكم بالصبر)، ولماذا الصبر؟ أليس معي تقوى الله ومعي الجماعة، فلم أصبر؟ مع أن أهل الجماعة مجمعون على أن الصبر لا يلزم الجماعة؛ وذلك لأنها جماعة قوية، وتستطيع أن تفتك بغيرها من جماعات وتكتلات الكفر، فلم أصبر إذاً؟ الصبر هنا في حالة عدم وجود الإمام، كما في حديث حذيفة بن اليمان أنهم قالوا: (فإن لم يكن لهم يا رسول الله! جماعة ولا إمام؟)، ماذا نعمل حينئذ؟ قال أبو مسعود: [وعليكم بالصبر حتى يستريح بر أو يستراح من فاجر]. أي: إذا تولى عليكم أحد وكان فاجراً فعليكم بالصبر، ومآله إما أن تستريح بإيمانك، وإما أن يريحك الله من فاجر. وقوله ﵊ في حديث آخر: (مستريح ومستراح منه. قالوا: يا رسول الله! ما مستريح وما مستراح منه؟ قال: إن العبد المؤمن إذا مات استراح من الدنيا ونصبها وتعبها، وإن العبد الفاجر إذا مات استراح منه البلاد والعباد والشجر والدواب)، فليس هناك أمر ثالث، هما أمران فقط، فالمطلوب مني الصبر، بدلاً من أن تدخل معه في معركة، ونهاية هذه المعركة خسران، هذا هو الواقع، وليس الواقع فحسب، بل هذا اعتقادنا من واقع دراستنا لأهل الكفر، ولو لم يكن في الأمر نص وارد، لكفانا الواقع المر الذي تمر به الأمة. فالصبر في حال الضعف من أعظم العبادات لله ، أما إذا كنت في حال القوة فالجهاد من أعظم العبادات التي يتقرب بها المرء إلى مولاه؛ رفعاً لراية التوحيد وكلمة الله .

стр. 157

حديث: (عمل قليل في سنة) قال: [قال سعيد بن جبير في قول الله تعالى: ﴿وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى﴾ [طه:٨٢]، قال: لزم السنة والجماعة]، (وَعَمِلَ صَالِحًا): أي: على منهاج النبوة، ((ثُمَّ اهْتَدَى)): أي بانخراطه في جماعة المسلمين والسواد الأعظم مع الناس. [وعن الحسن البصري ﵀ قال: قال النبي ﵊: (عمل قليل في سنة خير من كثير في بدعة)]، وهذا الحديث من جهة الرفع غير صحيح، وإنما ثبت موقوفاً من قول ابن مسعود ﵁ وغيره من الصحابة: (عمل قليل في سنة خير من اجتهاد كثير في بدعة). ولذلك يقول النبي ﵊: (أحسن العمل أدومه وإن قل) يعني: ما داوم عليه صاحبه وإن كان قليلاً، شخص تأتيه الجلالة والنشوة في ليلة من الليالي فيقول: أنا من هذه الليلة سأقوم الليل، ثم يمسك المصحف بيده، ويصلي ثمان ركعات أو إحدى عشرة ركعة، يقرأ في كل ركعة نصف جزء أو ربع جزء، وبعد ذلك في الفجر لا يستطيع أن يتحرك ولا يتكلم، فإذا به ينام وهو ساجد، وتفوته صلاة الصبح وصلاة الظهر وصلاة العصر، ويوقظونه بعتلة بعد العصر! إنما كان يكفيك حينئذ ركعتان ثم ركعتان ثم ركعتان حتى تتعود على ذلك. في كلية التجارة تقول منكراً: أربع سنوات في سنة؟! فإذا كان هذا التدرج في عمل الدنيا، فمن باب أولى أن يكون التدرج في عمل الآخرة؛ حتى يكتب لك الاستخلاف وأسباب النجاح، أما أن تقفز السلم قفزة واحدة فلابد أن تقع في الأرض، ثم لا يهيأ لك قفز السلم مرة أخرى في حياتك نهائياً؛ فخير العمل أدومه وإن قل. ولذلك قال غير واحد من السلف: (عمل قليل في سنة)، أي: المحافظة على السنة وإن كان بقدر يسير (خير من أن تكون رأساً في البدعة)، يعني: عندما تكون تابعاً لسنة خير من أن تكون متبوعاً في بدعة، لكن ضعاف النفوس ومرضى القلوب لا يستريحون حتى يتصدروا في المجالس، ولذلك حذر النبي ﷺ من ذلك أشد تحذير. قال: (من تعلم العلم ليجادل به العلماء، أو يماري به السفهاء، أو ليتصدر به المجالس، فالنار النار) يعني: مصيره إلى النار. فيا حسرة عبد عمل فيما يراه الناس عملاً صالحاً، فتراه يطحن نفسه بالليل والنهار ولكنه غير مخلص في هذا العمل، ثم لا يكون له في الدنيا ولا في الآخرة حظ من هذا العمل. عبد لا يكاد يغمض له جفن؛ لأنه يعمل عملاً الأصل فيه أنه لله فيعمله لغير الله، لكنه يوهم العامة أن هذا العمل لله، ثم لا يكتب له القبول في الأرض، ولا يستر عليه يوم القيامة، بل يفضحه الله على رءوس الخلائق. هذه مصيبة كبيرة، إذ يحدث هذا الشخص فتنة في الدين، ومشاكل مع أبيه وأمه، ومشاكل مع الإخوة، ومشاكل مع الشيوخ والعلماء والدعاة، لم يترك أحداً إلا وآذاه، كل هذا من أجل أن يشار إليه بالبنان. يقول: أنا رجل صاحب دين، أمار بالمعروف نهاء عن المنكر، والله يعلم ما هو فاعل، إذ لا يخفى عليه سر ، يؤتى به يوم القيامة بعد التعب والنصب في الدنيا فلا يجد له عملاً ألبتة، فلم التعب في الدنيا؟ إن أبا علي الأبار تعين للفتيا واشترى كتباً، وحف الشارب، وكأنه يقول: اسألوني، فقالوا له: ماذا تقول في أصحاب الحديث، الذين هم الطائفة الناجية المنصورة؟ قال: ليسوا بشيء، ولا يساوون شيئاً! سبحان الله! لا يهدأ له بال حتى يغتاب كل أحد؛ ليقال: فلان عالم، فلان رئيس، فلان زعيم، وهذا كله من الغدر بالنفس، فالمرء يغدر بنفسه، وإذا غدر بغيره ينصب له لواء يوم القيامة على رءوس الأشهاد، ويقال: هذه غدرة فلان، فما بالكم بالذي يغدر بنفسه، ويمكر بنفسه ويظلم نفسه؟!

стр. 158

حديث: (لا يقبل قول إلا بعمل) قال: [قال النبي ﵊: (لا يقبل قول إلا بعمل، ولا يقبل قول وعمل إلا بنية، ولا يقبل قول وعمل ونية إلا بإصابة السنة)] أي: بموافقة السنة والتمسك بها والعمل عليها، وهذا حديث كذلك من جهة الرفع غير صحيح، ولكنه قول الفقهاء، وقول أئمة الدين قاطبة، إن الله لا يقبل قولاً إلا بعمل، ولا يقبل عملاً إلا بنية، ولا يقبل قولاً وعملاً ونية إلا بموافقة السنة. إذاً: إخلاص، وقول، وعمل، ومتابعة للسنة على منهاج النبوة، فلابد من طلب العلم على أصول موافقة لمنهج السلف، يتبع هذا العلم العمل؛ لأن من لم يعمل بما يعلم لم ينفعه علمه. الرابعة: أن يكون هذا العمل على هدي النبوة، ويقصد به: العمل الصالح. [وقال ابن مسعود: إني سمعت الرسول ﷺ يقول: (وشر الأمور محدثاتها، وإن كل بدعة ضلالة)].

стр. 159

حديث سفيان الثقفي: (قل آمنت بالله ثم استقم) قال: [وعن سفيان الثقفي ﵁ قال: (قلت: يا رسول الله! قل لي في الإسلام قولاً لا أسأل عنه أحداً)] يعني: قل لي قولاً واحداً لا تكثر علي، وهذا القول يكون جامعاً للخير مانعاً لدخول الغير فيه. [فقال النبي ﵊: (قل: آمنت بالله ثم استقم)]. فقوله: (قل: آمنت بالله) يشتمل على العمل والإخلاص، (ثم استقم) على منهاج النبوة. هذا الحديث من أقل الأحاديث مبنى وأعظمها معنى، هذا الحديث يشبه فاتحة الكتاب، فأنتم تعلمون أن فاتحة الكتاب شملت الدين كله، ومن لم يعلم ذلك فعليه بكتب ابن تيمية وابن القيم، فهما من أعظم النعم على هذه الأمة، فإنه من تمسك بكتب شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم لكفى ذلك طلباً للعلم الشرعي، فإنك عندما تقرأ لـ ابن تيمية وابن القيم مهما كانت بك من بلايا ورذائل ونقائص تزال بإذن الله، فإن الآفات الموجودة في الأمة كلها مردها إلى أمرين: شبهة وشهوة، والشبهة تزال بالعلم، ولذلك إذا اعترتك شبهة وذهبت إلى شخص ليزيلها لا يزيلها، لكن إذا ذهبت إلى عالم أزالها، وإذا اعترتك شهوة فإنك تزيلها بسؤال أهل العلم وبتقواك وورعك، إذاً: الأمور كلها والأمراض كلها مردها ومدارها على أهل العلم، إما شبهة وتزال بجواب أهل العلم، وإما شهوة وزوالها بالتقوى والورع. فهذا ابن تيمية ليس له توسع في السياسة، فهو رجل من أهل العلم فقط، ومع ذلك تعرفون موقفه من التتار، وكان رجلاً شديداً، بل لم تنجب الأمة في الشدة بعد عمر إلا ابن تيمية. والعجيب أن كل من صنف في ابن تيمية ممن عاصره أو ممن أتى بعده قال: ما تكلم ابن تيمية في فن أو في علم من العلوم إلا وقال السامع أو القارئ: لا يحسن هذا الرجل إلا هذا الفن، يعني: بلغ الغاية في كل فن، وكان ابن تيمية إذا تكلم في الزهد والرقائق صدع القلوب. وأنتم تعلمون أنه إذا ذكر الوعظ والزهد ولغة القلوب فزعيم ذلك ابن القيم، وابن القيم إنما استقى ذلك من شيخه ابن تيمية. فإذا كان مرد الآفات كلها في دين الله إلى الشبهة والشهوة، فإنما يكفيك وحسبك من دينك وعلمك وورعك أن تقرأ لهذين الإمامين الجليلين ابن تيمية وابن القيم. [قال: (قل لي يا رسول الله! في الإسلام قولاً لا أسأل عنه أحداً بعدك. قال: قل: آمنت بالله ثم استقم)]. [وقال سلام بن مسكين: كان قتادة إذا قرأ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ [فصلت:٣٠] قال: إنكم قد قلتم: ربنا الله]. إن قتادة من أئمة أهل البصرة في زمن التابعين، كان إذا تلا هذه الآية: ((إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا))، يقول لأصحابه: إنكم تقولون: ربنا الله. إذاً: لم يبق إلا الاستقامة، وهذا كان منهجاً لأهل العلم عليهم رحمة الله. يذكر أن إسماعيل بن عياش ضحك طالب في مجلسه، وكان لا يسمح أن يضحك طالب في مجلس العلم، فقال إسماعيل للطالب: أتضحك وأنت تطلب العلم؟ فقال الطالب: إن الله تعالى هو الذي أضحك وأبكى، فقال إسماعيل: إن كنت قد ضحكت فابك، لماذا تأخذ من الآية الضحك فقط؟ ونحن نوقن أن الله تعالى هو الذي أضحك، لكنه كذلك هو الذي أبكى، فلم يبك الرجل، قال: إما أن تبكي وإلا فلن أحدثكم شهراً، فكان البكاء صعباً، إذ كيف يجمع بين الضحك والبكاء في مجلس واحد؟ فحين لم يستطع البكاء قام إسماعيل بن عياش وما دخل مجلس العلم -وكان يحضره ثلاثون ألفاً- إلا بعد مرور شهر. فأول شيء الأدب ثم العلم، وكم من إنسان تعلم العلم ولم يتعلم الأدب فلم ينتفع أحد بعلمه، كما يقول الحسن البصري ﵀: نحن إلى قليل من الأدب أحوج منا إلى كثير من العلم. وقيل للشافعي: كيف شهوتك للأدب؟ قال: أسمع بالحرف منه فأود لو أن كل جوارحي آذان فتنعم به. قيل: كيف طلبك إياه؟ قال: طلب المرأة المضلة ولدها وليس لها غيره. يعني: امرأة لديها ولد فتاه وضاع، كيف تطلبه هذه المرأة؟ لابد أنها تطلبه بجنون. فكذلك الشافعي ﵀ هو سيد المؤدبين في زمانه، يسمع بالحرف من الأدب فيرحل له الأقطار في طلبه، ولذلك كتب الله ﵎ له الذكر والثناء الحسن الجميل في الدنيا والآخرة. يقول الشافعي: كنت أهاب أن أقلب الورقة في مجلس مالك مخافة أن أؤذيه بصوت تقليب الورقة. أما الآن فالطالب يظل يقلب في الكتاب ويسأل الذي بجانبه: اشرح لي كلام الشيخ، وبعد ذلك يرد على الشيخ ويفاجئه بالفصاحة التام

стр. 160

الأسئلة

стр. 161

جماعة أنصار السنة والفرق الثلاث والسبعون السؤال بعض الناس تعتقد أن جماعة أنصار السنة المحمدية كأي فرقة من الفرق الثلاث والسبعين؟ الجواب من أين أتيت بهذا؟ الذي أعتقده أن جماعة أنصار السنة المحمدية وجماعة الجمعية الشرعية، والسلفيين، من أقرب الجماعات للحق، وكلنا فينا ضعف ونقص يجبره الله تعالى ويغفره، لكن في جماعة أنصار السنة المحمدية الحق، وما ظهرت هذه الجماعات إلا لما رأت أن البدعة تنتشر في الأمة، فقامت هذه الجماعات تنظيمياً للدعوة إلى الخير. إنك اليوم إذا أردت أن تخطب في المسجد الفلاني، يقال لك: هل معك رخصة؟ فمن أجل انطلاقة الدعوة كان لابد للدعاة من رزق، فقامت الجمعية الشرعية، وجماعة أنصار السنة المحمدية وغيرها من الجمعيات القريبة للحق أو التي على الحق مع ضعف فيها، لكن هذا الضعف ليس من شر وفساد في الاعتقاد الصحيح، لكن هناك بعض الخلل، وبعض الناس يذكر بعض فروخ العلمانية في هذه الجمعيات، لكن ليس هذا هو النهج العام لهذه الجمعيات، مع أنك تجد الآن في جماعة أنصار السنة المحمدية من يقول: إن حديث الذباب الذي رواه البخاري في الصحيح كلام لا أصل له، وعندما تذكر له حديث الذبابة كأن عقرباً لدغته، فيقول: هذا الحديث مكذوب، فعندما تحاول إقناعه يصول ويجول معك، ومرد صولته وجولته إلى العقل. أما الجمعية الشرعية فبعض الزعماء فيها يذهبون إلى التأويل، لكن ليس هذا نهجاً عاماً للجماعة، وأنتم تعلمون أن رواد الجمعية الشرعية خاصة في أيامنا هذه من الشيوخ والدعاة بل وعامة المصلين، إنما هم على اعتقاد السلف الصحيح، فالدنيا تغيرت. فالذي يقول: إن جماعة أنصار السنة المحمدية فرقة من الفرق؛ يلزمه أن يتوب إلى الله . وأذكر أن هناك بعض الشيوخ أو الدعاة قالوا: إن الجمعية الشرعية وجماعة التبليغ فرقتان ناريتان، فقلت: لا حول ولا قوة إلا بالله! هذا كلام لا يصدر إلا من إنسان فقد عقله، أما أن يصدر من إنسان له عناية بالعلم وله اتصال بواقع الأمة فإنه إنسان من أساسه لا يمكن أن يكون من أهل العلم، وشيء غريب أن ينسب نفسه للعلم أو ينسبه الغير إلى أهل العلم. فعلى أية حال هذه الجماعات سلاح ذو حدين: فيها وجه خير، وكل جماعة منها تقف على ثغرة من ثغور الإسلام. أما وجه الشر: فهي أن هذه الجماعات تدعو في الغالب إلى نفسها، لا تدعو إلى الله ؛ ولذلك أثمرت هذه الدعوة تشدداً ومعاداة بين كل جماعة وأختها. وهذا هو الوجه القبيح، وإني لأسأل الله تعالى في نومتي كما أسأله في قومتي أن يجمع وأن يؤلف بين قلوب المسلمين تحت راية واحدة، وهي راية النبي ﷺ .

стр. 162

حكم التسمية قبل الوضوء وحكم نسيانها السؤال ما حكم التسمية قبل الوضوء، وماذا علي لو نسيتها وتذكرتها في أثناء الوضوء، أو بعد الوضوء؟ الجواب بعض الناس يتصور أنه لو نسي التسمية في أول الوضوء وتذكرها في أثنائه أو بعده قال: باسم الله أوله وآخره، فالرد عليه: أن هذا ليس طعاماً، وإنما هي عبادة من العبادات، والنبي ﵊ يقول: (لا صلاة لمن لا وضوء له، ولا وضوء لمن يذكر اسم الله عليه)، اتفق جمهور أهل العلم على أن التسمية في أول الوضوء سنة، وليست واجبة، وهذا القول الراجح، ومن نسيها فلا حرج عليه. سبحانك اللهم وبحمدك، نشهد أن لا إله إلا أنت، نستغفرك ونتوب إليك.

стр. 163

شرح كتاب الإبانة - ما أمر به من التمسك بالسنة والجماعة [٢] كلام السلف ﵃ في لزوم السنة والجماعة، والمحافظة على ما كان عليه رسول الله ﷺ وصحابته من السنة كثير، وهو يدل على أهمية ذلك، وأنه عصمة من الزلل، والناظر في كلامهم رضوان الله عليهم يجد أنه يشهد له كتاب الله وسنة رسوله ﷺ .

стр. 164

تابع باب ما أمر به من التمسك بالسنة والجماعة والأخذ بها، وفضل من لزمها إن الحمد لله تعالى، نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة. لا يزال الكلام موصولاً عن فضل الجماعة ولزوم السنة، وذكرنا في الدروس الماضية بيان ذلك من كتاب الله ومن سنة النبي ﵊، وموعدنا في هذه الليلة مع ذكر بعض النصوص لبعض السلف رضي الله تعالى عنهم أجمعين في أهمية لزوم ذلك، والناظر في كلام السلف ﵏ -خاصة الصحابة منهم- يعلم علماً يقينياً أنه ما من قائل تكلم في هذا الباب بكلمة إلا ولها أصل يشهد له من كتاب الله أو من سنة النبي ﵊، وهكذا شأن من عاين الأمر معاينة وعاش معه سنوات كثيرة، ولذلك الواحد منا إذا عاش عيشة معينة أدبية أو نفسية أو غير ذلك يتأثر بها مع مرور الوقت. فالصحابة ﵃ لكثرة وطول ملازمتهم للنبي ﵊، ولما كانت السنة وحياً من عند الله كاد السلف أن ينطقوا بالوحي، وكادوا أن يكونوا أنبياء، لأنهم اعتادوا لسنوات طويلة ألا يتكلموا إلا بوحي السماء قرآناً أو سنة، ولذلك تجد كلام الصحابة أشبه بكلام النبي ﵊، ويُشتاق لكل قول من كلامهم في لزوم السنة وأهميتها.

стр. 165

حديث: (كان قتادة إذا تلا قوله تعالى: (إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا)) فهذا قتادة وهو سيد من سادات التابعين [كان إذا تلا قول الله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ [فصلت:٣٠]] أي: شهدوا وأقروا بربوبية الله ، وبأنهم مربوبون لله ، ((ثُمَّ اسْتَقَامُوا)): على ما أقروا به. [قال: إنكم قد قلتم: ربنا الله. فاستقيموا على أمر الله]. أي: إذا كنتم أقررتم بالربوبية والألوهية؛ لأن الإقرار بالربوبية إذا جاء منفرداً شمل معه الإلهية، وإذا كان الإقرار بالإلهية منفرداً شمل معه الربوبية، أما إذا ذكر الإلهية والربوبية في نص أو في دليل فإن لكل واحد منها مدلولاً، فالإلهية لها مدلول والربوبية لها مدلول آخر، كما في قول الله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة:٢]، فهذه الآية قد شملت الإلهية كما في قوله: ((الْحَمْدُ لِلَّهِ))، والربوبية كما في قوله: ((رَبِّ الْعَالَمِينَ))، فهذه الآية قد تكلمت عن الإلهية وعن الربوبية في آن واحد، أما إذا قال العبد: (الحمد لله) فإنه قد أقر بالإلهية والربوبية على السواء، وإذا قال: ربنا الله، فإنه أقر بالربوبية والإلهية كذلك، وهذا في معنى قولهم: الإلهية والربوبية إذا اجتمعا افترقا، وإذا افترقا اجتمعا، وهذا كالإيمان والإسلام والإحسان. قال: [إنكم قد قلتم: ربنا الله. فاستقيموا على أمر الله وطاعته وسنة نبيكم، وامضوا حيث تؤمرون]، أي: استمسكوا بالعمل حيث قد أمرتم. قال: [فالاستقامة]-أي: فاستقامة المرء على الإسلام [أن تلبث على الإسلام]- أي: أن تقر وأن تعمل بالإسلام [والطريقة الصالحة، ثم لا تمرق منها] أي: لا تخرج من الإسلام، ولا من طريقته الصالحة، [ولا تخالفها ولا تشذ عن السنة، ولا تخرج عنها، فإن أهل المروق من الإسلام] أي: أهل الردة والخروج عن الإسلام، [منقطع بهم يوم القيامة]. أي: منقطع بهم آخر الانقطاع، فلا يصلون إلى الله . قال: [ثم إياكم وتصرف الأخلاق]، أي: وابتعاد أخلاقكم عن أخلاق نبيكم، [واجعلوا الوجه واحداً، والدعوة واحدة، فإنه بلغنا أنه من كان ذا وجهين وذا السانين كان له يوم القيامة لسانان من نار]. هكذا قال قتادة ﵀، وهو من سادات التابعين، وتربى على يد أنس بن مالك.

стр. 166

أثر ابن عباس: (عليك بالاستقامة) [قال عثمان بن حاضر الأزدي: دخلت على ابن عباس فقلت: أوصني]. وأنتم تعلمون منزلة ابن عباس فهو من بيت النبوة، وهو ابن عم النبي ﷺ ، وأبوه من كبار أصحابه ﵊، وهو عم النبي ﵊، وهو ممن بذل الغالي والرخيص في سبيل نصرة الإسلام والإيمان، وابن عباس هو ربيب بيت النبوة، وقد دعا له النبي ﵊ فقال: (اللهم علمه التأويل، وفقهه في الدين)، (علمه التأويل) أي: تفسير القرآن الكريم بمعرفة معانيه وأسراره وحكمه. [قال عثمان بن حاضر لـ ابن عباس: أوصني. قال: عليك بالاستقامة، اتبع ولا تبتدع]. قوله: (عليك بالاستقامة) أي: الاستقامة على أمر الإسلام، وعلى أخلاقه وآدابه وعقائده. قال: اتبع أي: اتبع ذلك كله، ولا تبتدع من عند نفسك شيئاً، فإن من ابتدع في دين الله شيئاً، فكأنما اتهم الله بالنقص في شرعه وعدم كماله، واتهم النبي ﵊ أنه ما بلغ عن ربه .

стр. 167

أثر الزهري: (الاعتصام بالسنة نجاة) [وعن الزهري قال: كان من مضى من علمائنا يقولون: الاعتصام بالسنة نجاة]، والزهري من فقهاء المدينة، فإما أن يقول هذا عن متأخري أصحاب النبي ﵊، أو عن كبار التابعين، كما كان يروي عن أنس بن مالك، ويقرأ عن كبار التابعين، وأي رواية عن الزهري يرويها عن بعض أهل العلم، فيقول: كان من مضى من علمائنا، فمعناه أنها عن الصحابة أو كبار التابعين يقولون: (الاعتصام بالسنة نجاة). أي: التمسك والاستمساك بحبل الله المتين وبسنة نبيه الأمين نجاة من كل هلكة. وحبل الله تعالى هو كتابه الكريم، وهو وحي السماء إلى الخلق أجمعين، فهذا الكتاب له طرفان، طرف بيد الله ، وطرف بأيدي الموحدين، كما جاء ذلك في رواية عن النبي ﵊. قال: [الاعتصام بالسنة نجاة، والعلم يقبض قبضاً سريعاً]، أي: يرفع رفعاً سريعاً، وتكلمنا في دروس مضت وفي خطب مختلفة أن قبض العلم لا يكون برفع العلم، وإنما يكون بقبض العلماء، فقبض العلماء علامة على نهاية الزمان، وقرب الساعة، وبئست هذه العلامة للناس، وبئس قوم يموت علماؤهم ويبقون هم بلا علم وبلا علماء، كيف يعيشون والعلماء هم منارات الهدى في كل عصر وفي مصر؟ فإذا مات عالم في قرية فأشبه بموت القرية بأسرها، وأنتم تعلمون أن العالم في القرية ينفع أهل القرية في أرواحها وفي عقيدتها، وفي الأخذ بنواصيها إلى الله، فهو كعين تنبع لهم بالماء وتغذيهم؛ لأن العالم يغذي الأرواح والقلوب، ويقيم الأفكار والعقول على كتاب الله وعلى سنة النبي ﵊، بخلاف الدنيا فإنها تغذي الأبدان، وشتان ما بين الجنتين. قال: [والعلم يقبض قبضاً سريعاً، فنعش العلم ثبات الدين والدنيا، وذهاب العلم ذهاب ذلك كله]. وعن الزهري قال: الاعتصام بالسنة نجاة، والعلم يقبض قبضاً سريعاً، فنعش العلم ثبات الدين، وذهاب ذلك كله ذهاب العلماء.

стр. 168

قول ابن مسعود (الاقتصاد في السنة خير من الاجتهاد في البدعة) [وقال عبد الله: الاقتصاد في السنة خير من الاجتهاد في البدعة]. وهذا كلام لا يقوله إلا إنسان قد عايش الوحي، ولهذا الكلام عدة معانٍ، يشهد لذلك قوله ﵊: (خير العمل أدومه وإن قل)، والصحابة رضوان عليهم لا يتكلمون بكلام إلا ولكلامهم أصل في كتاب الله أو في سنة نبيه ﵊، فقول ابن مسعود قد قاله غير واحد، ولكنه أول من قال هذا، قال: (الاقتصاد في السنة خير من الاجتهاد في البدعة)، يعني: تداوم على العمل القليل الخيري المستقيم الصالح وإن كان قليلاً، كما في قوله ﵊: (لا يحقرن أحدكم من المعروف شيئاً ولو أن تلقى أخاك بوجه طليق)، فهذا في مقدور كل إنسان أن يفعله، ومع هذا لا يفعله كثير من الناس، وأبناء الصحوة لا يفعلون هذا، بل كثير منهم يجيد العلو ووسائله، مع أن النبي ﵊ أولى بذلك لو كان عملاً صالحاً، لكنه كان يتهلل فرحاً لأصحابه ويستبشر لقدوم غائبهم، وغير ذلك من أخلاقه العالية ﵊. يذكر أن أعرابياً كان يأتي من البادية ومعه طعام، فيهديه للنبي ﵊، وكان إذا دخل على النبي ﵊ يستقبله بالبشر والترحاب، وذات يوم أتى هذا الأعرابي بغير ما كان يتزود به في كل مرة، فاستحيا أن ينزل على النبي ﵊؛ فنزل في سوق المدينة، وكان النبي ﵊ في السوق، فعرف الرجل، فأتى من خلف ظهره ووضع يديه على عينيه، وقال: (من يشتري العبد؟) وهو ليس عبداً، بل هو حر، فعرف هذا الأعرابي صوت النبي ﵇، قال: (يا رسول الله! إذاً: يجدني كاسداً) أي: لن يربح من ورائي شيئاً قال: (لا والله بل رابحاً) فبكى هذا الأعرابي فرحاً بلقاء النبي ﵊، وبممازحته له ﵊، وأنتم تعلمون أن النبي ﵊ كان يضاحك النساء والرجال على السواء، وهو من هو في منزلته، وهذا في حقنا يجوز مع من تكون محرماً له، أما من لم تكن كذلك فلا يحل لأحد مخافة الوقوع في الفتنة إلا للنبي ﵊. قال: الاقتصاد في السنة خير من الاجتهاد في البدعة، أي: أن تكون تابعاً لغيرك في لزوم سنة، خير لك من أن تكون رأساً في البدعة. هذا التفسير الثاني، الأول: ألا تحقر من المعروف شيئاً، وأن تداوم على العمل الصحيح الصالح وإن قل، والتفسير الثاني: لأن تكون تابعاً في الحق خير لك من تكون رأساً في الباطل، فحين نرى إنساناً مغموراً على التزام السنة خير من أن يتشبه بـ واصل بن عطاء وهو رأس الاعتزال، وأنتم تعلمون أن الخميني رأس في البدعة، فهل تريد أن تكون في منزلة الخميني رأساً في الشيعة، أم تريد أن تكون إنساناً مغلوباً مقهوراً وقد رزقت الحفاظ على السنة والعمل بالسنة، وإن لم يسمع بك أحد؟ أتريد أن تكون رأساً في البدعة أو أن تكون تابعاً في الحق؟ بلا شك أن تكون تابعاً في الحق. وهكذا كان السلف ﵃، كانوا يلتزمون بالسنة في كل حياتهم، حتى قال ابن المبارك إن استطعت ألا تحك قفاك إلا بأثر فافعل، فتصور أن السنة أقيمت إلى هذا الحد، ألا يتحرك أحدنا بحركة ولا يقرأ القرآن، ولا يفعل شيئاً إلا ومعه دليل من الكتاب والسنة وأقوال الصحابة، فالعلة من الاتباع هو العصمة، أن يعصم الإنسان نفسه من الزلل، ويعصم نفسه من الزيغ والانحراف؛ لأن كلام الله وكلام رسوله وكلام الصحابة ﵃ ليس فيه زيغ ولا انحراف، بل قد أتى بالحكمة من جميع الجوانب، فمن تمسك به فهو عن الزلل والانحراف أبعد، وإذا انحرف الإنسان عن كتاب الله وسنة رسوله وهدي السلف رضي الله تعالى عنهم أجمعين، فإنه سريع إلى الوقوع في الانحراف والابتعاد عن الخير.

стр. 169

أثر عمر بن الخطاب: (أيها الناس إنه لا عذر لأحد بعد السنة) [قال الأوزاعي: بلغني أن عمر بن الخطاب قال: أيها الناس! إنه لا عذر لأحد بعد السنة في ضلالة ركبها، ولا في هدى تركه، حسبه ضلالة، فقد بينت الأمور، وثبتت الحجة وانقطع العذر]، هذا الكلام لو صح عن عمر -وهو غير صحيح- لاحتاج إلى مجلدات في شرح هذه الكلمات، ولكنه لم يقل: قال عمر، وإنما قال: بلغني أن عمر بن الخطاب، وهذا القول روي بلاغاً، والبلاغ منقطع، وهو علة في عدم ثبوت النص، لكن هب أنه ثبت من طريق آخر عن عمر ﵁، فمعناه العام: أن السنة قد ظهرت ظهوراً يجب على كل أحد أن يطلبها إن لم تذهب إليه، وهناك فرق بين مجتمع العلم فيه غالب، وبين مجتمع العلم فيه غير غالب، فلو أن شخصاً في السعودية الآن أو قطر أو الكويت أو غيرها من بلاد الإسلام يقول: أنا لا أدري أن الصلاة فرض من فرائض الإسلام، فهل يقبل منه ذلك؟ هل يقبل من أحد يسمع الأذان في اليوم خمس مرات أن يقول: أنا لا أدري ما الصلاة، أو لا أدري ما الزكاة؟ الجواب لا يقبل منه في بلاد الإسلام، إنما يقبل من إنسان في بلاد الكفر قد أسلم حديثاً، وهو لا يعرف الصلاة ولا الصيام ولا الزكاة ولا غير ذلك من فرائض وشرائع الإسلام، أما إنسان في بلاد الإسلام فقد قامت عليه الحجة بظهور السنة في كل هذا، فلا عذر له حينئذ.

стр. 170

وصية عمر بن عبد العزيز لبعض عماله: (أوصيك بتقوى الله والاتباع وعدم الابتداع) [وقال سفيان: إن عمر بن عبد العزيز كتب إلى بعض عماله] أي: بعض طلابه وأنصاره: [أوصيك بتقوى الله]، وهكذا كانت وصية الله للأنبياء والمرسلين، وهي وصية الأنبياء بلغتهم وأخلاقهم. قال: [أوصيك بتقوى الله، والاقتصاد في أمره]. أي: أخذ الدين شيئاً فشيئاً؛ لأن من أخذ العلم جملة فاته جملة، ولابد أن تعلم أن هذه سنة الله تعالى في طلب العلم، شخص الآن يأتي يريد أن يحصل على شهادة من شهادات الدنيا، يصبر على الدراسة في الجامعات والمدارس عشرين عاماً حتى يحصل عليها، وبعد أن يحصل عليها ربما لا تنفعه، ومع هذا تجده صابراً محتسباً، وربما صابراً غير محتسب، وفي طلب العلم الشرعي ربما يطلب العلم شهراً أو شهرين ثم يتطرق إليه الملل والنفرة، وإذا أشكل عليه علم من العلوم تجده ينصرف عنه بكليته ولا يختاره ولا يدرسه، كعلم أصول الفقه، أو علوم اللغة، أو علم مصطلح الحديث، فهذه علوم جافة تحتاج إلى تفصيل، فهب أنه رزق بأستاذ أو بشيخ لا يحسن التفصيل فتجده ينصرف ولا يثبت، وهو في الجامعة يدرس مواد لا قبل له بها ولا طاقة، ومع هذا يصبر عليها؛ لأنه قد وضع نصب عينيه أن يحصل على بكالوريوس كذا، ولا سبيل له إلى الحصول عليه إلا أن يصبر على المر في سنوات دراسته. إذاً: فعلوم الشرع أولى بذلك كله، ولا سيبل لك إلى الاستقرار في العلم الشرعي إلا بطلب السهل والعسير، والصبر عليهما على السواء. فقال: أوصيك بتقوى الله، والاقتصاد في أمره. أي: أن تأخذه شيئاً فشيئاً. شخص يقول لك الآن: أن لا أفهم شيئاً من الحديث، فإنه يقول: عن وعن وعن ما هذا؟ فحتى أصل إلى قائل القول أكون قد نسيت الأول، ثم تجده ينصرف إلى أصول الفقه، فيجد أن هذا العلم هو عبارة عن طلاسم وكلام غير مفهوم، وهو أشبه بالسحر، هكذا يعبر عن علم أصول الفقه، ثم يتركه وينصرف إلى علم الاعتقاد، فيجد الشيخ الذي يدرس المادة يدخل في تفصيلات وفرعيات الفلاسفة، فيقول: لا يمكن أن يكون هذا ديناً، ثم ينتقل إلى العلم الرابع والخامس، ثم ينتقل من المسجد إلى الشارع، ومن الشاعر إلى المقاهي، ومن المقاهي إلى النساء، ومن النساء إلى الخمور وهكذا، لابد أن ينتهي به الأمر إلى الانحراف؛ لأنه لم يصبر ولم يحتسب في أمر الله، بل لابد أن يأخذ العلم قليلاً قليلاً. ولذلك يقول الإمام الزهري: العلم نتف -يعني: قليلاً قليلاً- فمن رامه جملة -أي: فمن طلبه دفعة واحدة- فاته جملة. فالذي يحفظ عشر آيات في اليوم أو خمس آيات يستطيع أن يحفظ في الغد مثلها، ويستطيع أن يحفظ بعد الغد مثلها، ويتقن الآيات في كل يوم ولا ينساها، أما من يحفظ ربع جزء أو ربعين أو ثلاثة أرباع أو نصف جزء أو جزءاً فإنه سرعان ما ينساه في الغد وفي الباكر مباشرة، فإذا أراد أن يحفظ شيئاً آخر وضم محفوظ اليوم إلى محفوظ الأمس وكان قدراً كبيراً لا يستطيع أن يحفظ بعد الغد جملة مستكثرة كما كان يحفظ في الأمس أو قبل الأمس. فالعلم لابد أن يؤخذ قليلاً قليلاً، وقد ثبت عن كثير من السلف أنه حفظ القرآن في ثلاثة أشهر، بل قد جاء عن بعض السلف أنهم حفظوا القرآن من قراءتين -أي: من مراجعتين- أو ثلاث مراجعات عن ظهر قلب، لكن هدي السلف ليس كذلك، فإن الصحابة ﵃ كانوا يحفظون العشر الآيات، ثم لا يتجاوزونها حتى يعلموا ما فيها من أحكام وآداب وأخلاق ويعملون بكل هذا، ثم ينتقلون إلى عشر آيات أخريات، هذا منهج السلف في طلب العلم، أما من جلس مجلساً وقد شعر بنشاط وحيوية فيريد أن يحفظ ثلاثة أرباع أو أربعة أرباع من سورة البقرة في يوم واحد، فإنك فقط لو سألته عن معنى آية لا يعرفها، ولا يحل له أن يتكلم في معناها بغير علم مما ورد من كلام المفسرين، ثم هو في اليوم الثاني يكسل أن يراجع هذه الآيات، لماذا يكسل؟ لأنه قد أنهك نفسك بالأمس، فلم تبق عنده قدرة ولا طاقة ولا قوة كما كانت عنده بالأمس، فالعلم يا إخواني! نتف يؤخذ شيئاً يسيراً فشيئاً يسيراً؛ حتى يتمكن المرء من علمه. ولذلك يذكر عن الشعبي والأوزاعي وغيرهما أنهم كانت تعقد لهم مجالس الحديث بالآلاف المؤلفة، حتى إنه كان يحضر للواحد منهم ثلاثون ألفاً، فيحدث بالحديث والحديثين والثلاثة، فإذا قيل له: حدثنا بالرابع أو الخامس، يقول: لا والله. لقد أكثرت عليكم، تصور أن ثلاثين ألفاً أو أربعين ألفاً يحضرون مجلس العلم، ثم لا يقومون منه إلا بثلاثة أحاديث، هل هذا قليل؟! الجواب ليس قليلاً، فقد كان الواحد من الصحابة يرحل للحديث الواحد من المدينة إلى مصر، ومن المدينة إلى الشام. قال: [أوصيك بتقوى الله والاقتصاد في أمره، واتباع سنة رسوله ﷺ ، وترك ما أحدث المحدثون بعده فيما قد جرت به سنته، وكفوا مئونته، واعلم أنه لم يبتدع إنسان بدعة إلا قدم قبلها ما هو دليل عليها وعبرة فيها]، إلا قدم عليها دليلاً أنها بدعة وأنها ليست من دين الله، [فعليك بلزوم السنة، فإنها لك بإذن الله عصمة، واعلم أن من سن السنن قد

стр. 171

تفسير سعيد بن جبير لقوله تعالى: (وعمل صالحاً ثم اهتدى) [وعن سعيد بن جبير في قوله تعالى: ﴿وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى﴾ [طه:٨٢]، قال: لزم السنة والجماعة]. ((عَمِلَ صَالِحًا)) أي: لزم السنة، ((ثُمَّ اهْتَدَى)) أي: إلى التمسك بالجماعة وعدم الخروج عليها. [وعن الضحاك في قوله تعالى: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى﴾ [طه:٨٢]، قال: استقام] أي: على الإيمان والعمل الصالح بعد التوبة.

стр. 172

أثر عطاء الخراساني: (ثلاث لا تنفع اثنتان دون الثالثة) [وعن حسان بن عطية أنه سمع عطاء الخراساني يقول: ثلاث لا تنفع اثنتان دون الثالثة]، يعني: أن الأمر يلزم فيه ثلاث أشياء ولا يكفي شيئان، بل لابد من اجتماع الثلاث، إذا اختلت واحدة فإن الاثنتين لا تنفعان صاحبهما، قال: [الإيمان والصلاة والجماعة]، ونحن قد ذكرنا معظم الكلام الذي ورد عن السلف ﵃: أن الصلاة من الإيمان، وأن تارك الصلاة مارق عن الإسلام، أما من يترك الصلاة بالكلية فإنه مارق عن الإيمان والإسلام.

стр. 173

أثر ابن مسعود: (عليكم بالعلم قبل أن يقبض) [وقال ابن مسعود: عليكم بالعلم قبل أن يقبض، وإياكم والتنطع والتبدع والتعمق، وعليكم بالعتيق]. وهذه وصية جامعة. قال: (عليكم بالعلم قبل أن يقبض)، أي: قبل أن يموت العلماء، و (إياكم) أسلوب تحذير، و (عليكم) أسلوب حث. قال: (وإياكم والتنطع) وأنتم تعلمون أن النبي ﷺ دعا على المتنطعين فقال: (هلك المتنطعون ثلاثاً)، والتنطع: هو التعمق والتكلف فوق الحد، ودائماً أنا أقول لكم: إن العزيمة والشدة يحسنهما كل أحد، أما الرخصة فلا يحسنها إلا فقيه، (والنبي ﵊ ما خير بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثماً)، فهذا هو استخدام الرخصة في محلها، فالنبي ﵊ يستخدم العزيمة في موطن يحتاج إلى عزيمة، ويستخدم الرخصة في موطن يحتاج إلى الرخصة، أما أن تستخدم العزيمة دائماً في كل وقت وحين فإن هذا أمر ينخرط عقده ولا يصل. أي: لا يصل بصاحبه إلى الله . وانظر إلى أي إنسان مستقيم دائماً تأخذه العزيمة بالعزيمة، وفجأة تراه نازلاً إلى الهاوية، اصعد يا فلان! يقول لك: لا أستطيع، لقد تعبت؛ لكن من أخذ في أمره بالرفق، وكلف نفسه من العمل ما يطيق لابد أنه سيستمر؛ لأن هذه سنة الله في الكون وفي الخلق، فمن سعادة المرء أن يوفق لشيخ أو عالم يأخذ بيديه ويعلمه منهجية السلف في العلم والعمل؛ لأن العمل يحتاج إلى جهد، فإذا بذل العبد مجهوداً فوق طاقته انقطع به الطريق. قال: (وإياكم والتنطع والتبدع) أي: والابتداع، (والتعمق)، وهو بمعنى: التنطع، (وعليكم بالعتيق) والعتيق: القديم، يعني: إذا حزبك أمر فليس لك من عاصم إلا الوحي، ولا يوصف الوحي بأنه قديم، وإنما يقصد به الأمر الأول، أي: عليك بالأمر العاصم من كل قاصمة وزلة وانحراف، فإذا نزل بك أمر فلا تطلب رأي فلان ولا علان، بل اطلب حكم الله تعالى وحكم الرسول ﵊؛ لأن هذا هو الأمر الأول العاصم من كل فتنة. [وقال محمد: كانوا لا يختلفون عن ابن مسعود في خمس]، أي: خمس أمور كانوا يروونها عن ابن مسعود، وكأن هذه وصية ابن مسعود دائماً لأصحابه؛ حتى وردت عنه بالتواتر أنه كان يقول: [إن أحسن الحديث كتاب الله]، وهذه المسألة من جهة العقل ليست محسومة، فعندنا في هذا الزمان من يعترض على الله بعقله، وكأنه يقول بلسان حاله: كلامي أحسن من كلام الله، أليس هذا حاصلاً؟ حال العلمانيين والمنافقين الموجودين الآن على صفحات الجرائد والمجلات والصحف أنهم يعترضون على كلام الله ، وعلى كلام رسوله ﵊، فإذا كان الاعتراض على آية من كتاب الله يقولون: أنتم لا تفهمونها فهماً صحيحاً، ومن هو ابن كثير هذا؟ ومن هو الطبري؟ ومن القرطبي؟ ثم بعد ذلك يطعنون في كتب المفسرين، وكلامهم هم فقط هو الصحيح، ومنظورهم للآية هو المنضبط، هكذا يزعمون ويدعون، وهم يعلمون في قرارة أنفسهم بأنهم منافقون: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ [النمل:١٤]، وهم يعلمون أن الأمة لا يمكن أن تجتمع على ضلالة، فلا يعقل أن معنى الآية يخفى على الأمة ألفاً وأربعمائة وخمسين سنة ويظهر لواحد من هؤلاء الكلاب الموجودين في هذا الزمان، وإلا فالأمة في ضلال منذ ألف وأربعمائة سنة، والعلماء فيها لم يكن لهم قيمة ولا مذهب، ولم يفهموا هذه الآيات، بل خبطوا فيها خبط عشواء، وهذا كلام لا يقوله إلا إنسان قد فقد عقله أو فقد قلبه، أو فقد قلبه وعقله على السواء مع الله ، فخرج من الإيمان بالكلية خاصة إذا كان يقصد ذلك، أما إذا كان يردد كلام هؤلاء عن جهل فهو على خطر عظيم، فهو إذاً على خطر في الحالين. قال: [إن أحسن الحديث كتاب الله، وخير السنة سنة محمد ﷺ ، ولا خلاف على ذلك، وشر الأمور محدثاتها]، أي: محدثات الأمور وبدع الأمور في دين الله . وهذا بلاء. قال: [وإن أكيس الكيس التقى]. أفضل الأعمال أن يأتي العبد تقياً لله . قال: [وإن أحمق الحمق الفجور]، سواء في القول أو العمل أو الاعتقاد. هكذا حفظ أصحاب ابن مسعود عنه هذا الحديث.

стр. 174

خطبة ابن مسعود: (إن أصدق الحديث كلام الله) [وعن إياس]، وهو ابن معاوية بن قرة المزني القاضي المشهور، وهو من سادات التابعين، يروي [عن عبد الله بن مسعود أنه كان يقول دائماً في خطبته: إن أصدق الحديث كلام الله، وأوثق العرى كلمة التقوى، وخير الملل ملة إبراهيم، وأحسن القصص هذا القرآن]. وهذا نهج المذكرين والوعاظ لو يعلمون صدق هذا الكلام وروعته، وهو كلام ابن مسعود سادس ستة في الإسلام، فهو من المسلمين الأوائل. والمعروف أن في القرآن عشرات القصص والأمثال، وكذلك السنة قد امتلأت بالقصص والأمثال، والقصص تجد طريقها لقلوب الناس، خاصة قلوب العامة، بل تجد طريقها في قلوب العامة والخاصة، والقصص مسلية، لكنها ذكرت في القرآن والسنة للعبرة والعظة وتقريب المقال وغير ذلك، فيا ليت الوعاظ يلتزمون قصص القرآن الكريم وقصص سنة النبي الأمين ﵊. والناظر في قصص القرآن وقصص السنة يجد أنها قد تصل إلى أكثر من (٣٠٠) قصة، فلو أن كل واعظ انشغل بقصة من القصص فعلمها للناس، واستخرج منها العظات والفوائد والنكات، وأنزلها على واقع المسلمين اليوم، وطاف بها البلدان؛ لكان في هذه القصص الخير الكثير، لا كما يطوف بالقصص الصوفية والأولياء ويطوفون بالكلام الذي قد ورد في كتب الموضوعات والخرافيات وغيرها، وللأسف الشديد أن وعاظنا يرددون هذا الكلام على مسامع العامة؛ حتى صرنا أشبه بسلفية صوفية كما هو مصطلح أحد الزعماء الكبار. يقول: دعوتنا سلفية صوفية. كيف تكون سلفية صوفية؟! إن النار والجنة لا يمكن اجتماعهما قط؛ لأنه إما أن تؤثر السلفية في الصوفية فتستقيم، وإما أن تؤثر الصوفية في السلفية فتنحرف، أما اجتماعهما فمحال؛ فكيف تكون الدعوة موصوفة بأنها سلفية تارة وصوفية تارة أخرى؟! إلا أن يكون المراد بالصوفية الزهد، ولذلك حملناها على أصل معناها الذي وضعت له في مصطلح الصوفية. فقوله: [إن أصدق الحديث كلام الله وأوثق العرى كلمة التقوى، وخير الملل ملة إبراهيم، وأحسن القصص هذا القرآن، وأحسن السنن سنة محمد ﵊، وأصدق الحديث ذكر الله، وخير الأمور عزائمها، وشر الأمور محدثاتها، وأحسن الهدي هدي الأنبياء، وأشرف القتل موت الشهداء]، يعني: أحسن القتل هو أن تموت شهيداً في ساحة القتال، أسأل الله أن يرزقنا وإياكم الشهادة في سبيله. قال: [وأغر الضلالة الضلالة بعد الهدى]، يعني: أسوأ الضلالة الضلالة بعد الهدى، فالإنسان الذي نشأ في ضلالة هو أقل قبحاً ممن عرف الهدى ثم انحرف عنه، وفي الغالب أن من خالط الإيمان بشاشة قلبه لا يترك الإيمان رغبة عنه. قال: [وأغر الضلالة الضلالة بعد الهدى، وخير العلم ما نفع]. يعني: أنفع العلم وأحسن العلم ما ينفعك في دنياك وآخرتك. قال: [وخير الهدى ما اتبع]، أي: خير الهدى اتباع النبي ﵊، [وشر العمى عمى القلب]. كما قال تعالى: ﴿فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج:٤٦]، فشر العمى عمى القلب، ويتبعه عمى العقل، أما عمى البصر فربما يمدح المرء لأنه أعمى البصر، ولو لم يكن تمني البلاء مذموماً في الشرع لتمنى المخلصون الذين يتأذون بالمعاصي العمى؛ لأن المرء الآن لا يكاد ينظر في شرق ولا غرب ولا فوق ولا تحت إلا وتقع عيناه على ما يغضب الله ، فهذا أمر يحمل على طلب العمى في هذا الزمان، لولا أنا قد نهينا عن تمني البلاء، والعمى بلاء، فالمرء ربما يغبط على بلاء قد نزل به وإن كان عمى في بصره. ثبت في الأثر أن صحابياً أصيب بالعمى، فلما جاء إلى النبي ﵊ يطلب منه أن يدعو له بذهاب البلاء عنه قال النبي ﵊: (إن شئت صبرت ولك الجنة، وإن شئت دعوت لك. قال: يا رسول الله! بل أصبر)، وقال النبي ﵊: (من أصيب في حبيبتيه فصبر فليس له جزاء إلا الجنة)، والحبيبتان: هما العينان، أي: من أصابه العمى في عينيه فصبر على هذا واحتسب الأجر عند الله فله الجنة. قال: (وشر العمى عمى القلب). فعمى القلب وعمى العقل التابع لعمى القلب من أعظم الأمراض الفتاكة بالشخص التي تودي به إلى جهنم والعياذ بالله، لكن إذا كان أعمى البصر، وقلبه قد عمر بالإيمان والتوحيد فهذا شيء عظيم جداً، أما أن يعمى القلب عن معرفة الحق فلا يكاد يميز بين الحق والباطل، بل ربما زعم أن الحق باطل وأن الباطل حق، بل ذهب يدعو إلى الباطل وينحرف عن الحق؛ فهذا منتهى العمى ومنتهى الضلالة. وأنتم تعلمون أن ابن مسعود في مسجد الكوفة الكبير كان يذكر الناس عشية كل خميس، ثبت في صحيح البخاري في كتاب العلم: (أن أصحاب ابن مسعود قالوا له: يا أبا عبد الرحمن! إنا نحب كلامك فهلا ذكرتنا في كل يوم؟ فقال: إن النبي ﵊ كان يتخولنا بالموعظة مخافة السآمة علينا) ي

стр. 175

أثر ابن مسعود: (أنه كان يذكر كل عشية خميس) قال: [إن ابن مسعود: كان يذكر كل عشية خميس، فيحمد الله ويثني عليه ويقول: إن أحسن الحديث كلام الله، وأحسن الهدي هدي محمد، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وشر الرواية رواية الكذب]، يعني: شر الحديث الكذب فيه، [وسمعته يقول: يا أيها الناس! عليكم بالطاعة]، والطاعة هنا لأولياء الأمور وللعلماء. قال: [عليكم بالطاعة والجماعة، فإنها حبل الله الذي أمر به، وإن ما تكرهون في الجماعة خير لكم مما تحبون في الفرقة]. فانظر إلى الكلام الجميل: (إن ما تكرهون في الجماعة) أي: في جماعة الإمام والخليفة خير لكم مما تحبونه حين تفرقكم. قال: [وإن الله لم يخلق في هذه الدنيا شيئاً إلا وقد جعل له نهاية ينتهي إليه]. لابد. أخرج البخاري في كتاب الأدب في باب إثبات تواضع النبي ﵊ حديث أنس: (أن دابة النبي ﵊ القصواء لم تسبقها دابة قط، فجاء رجل من الأعراب بدابته، وقال له: يا رسول الله! تسابقني؟ قال: أسابقك)، انظر النكتة التي استفادها البخاري من هذا الحديث، فبوب هذا الحديث: باب إثبات تواضع النبي ﵊؛ لأنه وهو نبي ورسول رضي أن يسابق أعرابياً أتى من البادية، مع أن هذه القصواء لم تسبقها ناقة ولا جمل ولا حمار (قال له: يا رسول الله! تسابقني؟ قال: أسابقك، فسبقه الأعرابي. فقال الصحابة: خلأت -عضبت- القصواء، فقال النبي ﷺ : لا تقولوا هذا، ما بلغ شيء تمامه إلا نقص)، أي: ما من شيء يرتفع إلا ومصيره النزول. انظر في نفسك حيث كنت جنيناً، ثم وليداً رضيعاً، ثم طفلاً، ثم صبياً، ثم شاباً، ثم رجلاً فتياً قوياً، وبعدما تصبح فتياً قوياً يبدأ العد التنازلي مرة أخرى، كان هناك عد تصاعدي، واختلف أهل العلم في هذا، فمنهم من قال: يبدأ النزول بعد سن الأربعين، ومنهم من قال: يبدأ بعد سن الخمسين، ومنهم من قال: بعد سن الستين، فأياً كان اعتبر أن صفوة قوتك وشبابك من أربعين إلى الستين، وبعد الستين يبدأ العد التنازلي السريع لا محالة، ففي قوتك تفعل ما تشاء من خير أو شر، لكن الإنسان الذي بلغ تمام قوته، ثم بدأ ينزل بعد ذلك على حتفه، لابد أن يعمل ألف حساب لهذا اليوم الذي ينزل فيه، ولابد أنه نازل مهما طال به الزمان وعاش، وقد أعجبني جداً كتاب رجل سماه: انتبه فقد بلغت الأربعين، (ولقد أعذر الله إلى امرئ بلغه الستين)، يعني: تكون فاجراً، تكون زانياً، تكون سارقاً، تكون قاتلاً، ليس لك في ذلك عذر واحد، فالله ﵎ مد في عمرك وأقام عليك الحجة منذ ستين عاماً، ولا زلت مصراً على المعصية؟ إنك على خطر عظيم جداً بين يدي الله . فقال ابن مسعود: [وإن الله لم يخلق في هذه الدنيا شيئاً إلا وقد جعل له نهاية ينتهي إليها، ثم يزيد وينقص إلى يوم القيامة، وإن هذا الإسلام اليوم مقبل]. والإسلام قادم لا محالة، والإسلام باق إلى قيام الساعة، لكنه يخبو أحياناً ويظهر أحياناً، حسب تمسك أهله به، والعاقبة للتقوى. قال: [وإن هذا الإسلام اليوم مقبل، ويوشك أن يبلغ نهايته، ثم يدبر وينقص إلى يوم القيامة، وآية ذلك أن تفشو الفاقة]، يعني: علامات ذلك أن يكثر الفقر بين الناس؛ لبخل الأغنياء، وتركهم لأداء زكاة أموالهم وعموم الصدقات. قال: [وتقطع الأرحام]. فمن منا أيها الإخوة يعرف رحمه ويعرف نسبه؟ الجواب قليل جداً، حتى واصل الرحم فينا يصل من وصله ويقطع من قطعه، وليس هذا هو الوصل، بل إن الواصل من يصل من قطعه، أما ذاك الذي يقال له: صل أخاك فيقول: الذي يأتي إلي أذهب إليه، والذي لا يأتي إلي لا آتي إليه، فلا أحد أحسن من أحد، وهذا من مصطلحات الجاهلية التي كانت قبل بعثة النبي ﵊ نقولها نحن اليوم، فنحن في جاهلية عظيمة جداً، وأمثلنا وأحسنا من يصل أباه، أمه، أخاه، عمته، خالته، فإنه يصل المحارم دائماً، وهل هؤلاء فقط هم المحارم؟ الجواب لا، بل هم أعظم من هؤلاء بكثير، فهناك صلة رحم عامة وهناك صلة رحم خاصة، وليس هذا وقت تفصيل ذلك. قال: [وآية ذلك أن تفشو الفاقة، وتقطع الأرحام حتى لا يخشى الغني إلا الفقر]. الغني يخشى أن يخرج الزكاة ويفتقر، مع أنه يعطي الفقراء مقابل حق الله وحق الفقراء والمساكين في ذلك الذي فرضه الله عليه. قال: [حتى لا يخشى الغني إلا الفقر، ولا يجد الفقير من يعطف عليه، وحتى إن الرجل ليشكو إلى أخيه وابن عمه، وجاره غنيُّ لا يعود عليه بشيء]، يعني: الواحد يكون له ابن عم وابن خال في بلد أخرى، فيقول له: يا ابن عمي! أنقذني ويا ابن أخي! أرسل لي خبزاً آكله، وجاره الذي ساكن بجواره المأمور بألا ينام وجاره جائع، والمأمور بأنه إذا طبخ لحماً أن يكثر المرق ويتعاهد الجيران، لا يعطيه شيئاً، فالواحد منا محتاج إلى صدقة تأتيه من بلدان بعيدة أو أماكن بعيدة، وجاره الذي فرض الشارع عليه حق الجوار، وأمره ألا ينام إلا

стр. 176

شرح كتاب الإبانة - ذكر افتراق الأمم وعلى كم تفترق هذه الأمة الافتراق سنة ماضية في الأمم إذا ابتعدت عن شرع الله ونهجه، فقد افترق اليهود من قبل إلى فرق متناحرة متحاربة، ثم افترق بعدهم النصارى، وقد أخبر النبي ﷺ أن هذه الأمة ستفترق أعظم مما افترق اليهود والنصارى، وأنه لا نجاة من ذلك إلا بالتمسك بهديه ﷺ .

стр. 177

باب ذكر افتراق الأمم في دينهم وعلى كم تفترق هذه الأمة الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. وبعد: قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب ذكر افتراق الأمم في دينهم، وعلى كم تفترق هذه الأمة، وإخبار النبي ﷺ لنا بذلك]. هذا الباب من أهم أبواب الاعتقاد، وهو ذكر افتراق هذه الأمة إلى ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة، كما أخبر بذلك النبي ﵊، وفي حديث معاوية بهذا السياق ﵁: (وإنه سيخرج في أمتي أقوام يهوون هوىً، فيتجارى بهم ذلك الهوى كما يتجارى الكلب بصاحبه، لا يدع منه عرقاً ولا مفصلاً إلا دخله). وهذا الحديث من الأحاديث التي تجعل المؤمن على حذر ووجل من أن يكون في فرقة من هذه الفرق الضالة، وهذا يستلزم محاسبة العبد لنفسه دائماً، هل هو على منهاج أهل السنة والجماعة وهم الفرقة الناجية أو الطائفة المنصورة؟ أم أنه -من حيث لا يشعر- ضمن فرقة من هذه الفرق التي أخبر النبي ﵊ أنها في النار. فاليهود افترقوا إلى إحدى وسبعين فرقة، والنصارى إلى اثنتين وسبعين فرقة، والمسلمون افترقوا إلى ثلاث وسبعين فرقة، وهذا بإخبار الصادق المصدوق ﷺ . والناظر إلى هذا الحديث يقول: قال النبي ﵊: (افترقت اليهود إلى إحدى وسبعين، والنصارى إلى اثنتين وسبعين). ثم لو توقف عند هذا الحد فسيقول: إن تكملة هذا الحديث هو أن المسلمين لا يفترقون قط؛ لأن المسلم الأصل فيه أنه ليس صاحب هوى، وإنما هو صاحب اقتداء واتباع، ولكن النبي ﵊ بين أن اتباع الأهواء في هذه الأمة أعظم من بقية الأمم، بل إن هذه الأمة تزيد فرقة عن أصحاب الأهواء والبدع في أمة اليهود والنصارى. وقد جعل هذا الباب لبيان هذه الفرق الضالة وبعض علاماتها، والحكم عليها بأنها في النار، وسنتعرض لبيان مذهب الفرقة الناجية والطائفة المنصورة، وبيان بعض علاماتها وأماراتها، وأنها ما سميت أو وصفت بالناجية إلا لنجاتها من النار، وما نجت من النار إلا لاتباعها سنة النبي ﵊. [قال الشيخ: قد كتبت في أول هذا الكتاب ما قصه الله علينا في كتابه من اختلاف الأمم، وتفرق أهل الكتاب، وتحذيره إيانا كذلك، وأنا أذكر الآن ما جاءت به السنة، وما أعلمنا نبينا ﷺ من كون ذلك؛ ليكون العبد على حذر من مجاراة هواه] أي: من إطلاق العنان لهواه، [ومتابعة بعض الفرق المذمومة، وكي يتمسك بشريعة الفرقة الناجية، فيعض عليها بنواجذه، ويضمها بجنبيه، ويلزم المواظبة على الالتجاء والافتقار إلى مولاه الكريم في توفيقه وتسديده ومعونته وكفايته، فإنا قد أصبحنا في زمان قل من يسلم له فيه دينه]. فـ ابن بطة يقول: إننا قد أصبحنا في زمان قل من يسلم له دينه، فما بالك لو أنه بعث في زماننا؟ قال: [والنجاة فيه متعذرة صعبة، إلا من عصمه الله وأحياه بالعلم]، ونحن دائماً نؤكد على قضية العلم. فالعلم حياة للقلوب.

стр. 178

شرح حديث (ستكون فتن يصبح الرجل بها مؤمناً ويمسي كافراً) قال: [عن أبي أمامة عن النبي ﷺ قال: (ستكون فتن يصبح الرجل بها مؤمناً ويمسي كافراً، إلا من أحياه الله بالعلم)]. هذا الحديث بهذه الزيادة: (إلا من أحياه الله بعلم) فيه ضعف، والمحفوظ: (ستكون فتن كقطع الليل المظلم، يصبح الرجل مؤمناً ويمسي كافراً، يبيع دينه بعرض من الدنيا)، أي: يبيع دينه بأقل القليل وأقل المتاع، وهذا في آخر الزمان. وبعض أهل العلم حسن هذه الزيادة: (إلا من أحياه الله بالعلم). وفتن آخر الزمان تتقلب فيها القلوب وتغلي كغليان الماء في القدر على النار، بحيث لا يستقر القلب على حال واحدة، فيصبح الرجل مؤمناً موحداً ويمسي على الكفر البواح الذي ليس بعده كفر، أو يصبح كافراً ويمسي مؤمناً. وإذا علمت أن القلوب بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء، زادك هذا معرفة بشدة حاجتك إلى الله لأن يعصمك ويثبتك، والثبات على الإيمان أعظم من الإيمان نفسه، وأهم من الإيمان، ولذلك قال الله تعالى: ﴿إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ [محمد:٧]، ولو أن الله نصرنا ولم نذكره تعالى بعد هذا النصر لكان هذا سبب الهزيمة، ولا قيمة لنصر تعقبه هزيمة، ولكن النصر المؤزر الثابت الذي لا يتزعزع هو النصر الذي يدوم ويستمر. وقد كانت غزوة بدر مثار الحديث والإعجاب في العالم إلى يوم القيامة، وغزوة أحد رغم أنها كلها نصر إلا أن مخالفة الرماة ﵃ لأمر النبي ﵊ ألحق الأذى والهزيمة بهم آخراً، ولهذا قال بعض أهل العلم: ليس في غزوة أحد أدنى هزيمة، لكن مخالفة النبي ﵊ من قبل الرماة تسببت في انهيار السهام عليهم من قمة الجبل -أي: جبل الرماة- مما أصاب النبي ﵊، وأصاب أصحابه الكرام في سفح الجبل. فالدوام والثبات والاستمرار على النصر أولى من مجرد النصر الذي تعقبه هزيمة. وقال النبي ﵊: (بادروا بالأعمال)، أي: أسرعوا بالأعمال الصالحة قبل قيام الساعة؛ لأنكم إذا كنتم في آخر الزمان ظهرت الفتن التي لا يصبر أمامها إلا من وفقه الله، ودليل ذلك: أنك تجد الرجل في معمعة الفتن يصبح مؤمناً ويمسي كافراً، وغيره يمسي كافراً ويصبح مؤمناً، وهكذا تقلب القلوب في هذا الزمان، ولذلك كان النبي ﵊ يستعيذ دائماً من الفتن. قال الإمام ابن بطة: [جعلنا الله وإياكم ممن أحيانا الله تعالى بالعلم، ووفقه بالحلم، وسلمنا وإياكم من جميع الفتن ما ظهر منها وما بطن].

стр. 179

شرح رواية سعد بن أبي وقاص لحديث افتراق الأمة قال: [وعن سعد بن أبي وقاص قال: قال رسول الله ﷺ : (إن بني إسرائيل افترقوا على بضع وسبعين ملة، ثم إن أمتي ستفترق على أو عن مثلها، كلها في النار إلا واحدة، وهي الجماعة)]. والفرقة الناجية هي الجماعة، وإذا علمنا أن هذه الأمة ستفترق إلى ثلاث وسبعين فرقة، وأن فرقة واحدة منها هي الناجية؛ فلنعلم أن هذه الفرقة الواحدة هم أهل السنة والجماعة، والطائفة المنصورة إما منهم وهو الراجح، أو أنهم هم هذه الطائفة أو هذه الفرقة بأسرها، وهذه الفرقة هم أهل الجنة؛ لقوله ﵊: (كلها في النار إلا واحدة)، أي: فهي في الجنة.

стр. 180

شرح رواية عبد الله بن عمرو لحديث افتراق الأمة قال: [وعن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: قال النبي ﷺ : (ستفترق أمتي على ثلاث وسبعين ملة، كلها في النار إلا واحدة)]، ثم بين أن هذه الواحدة [(ما أنا عليه اليوم وأصحابي)]. وهذه تسمى الفرقة الناجية، وهي التي تمسكت بما كان عليه النبي ﷺ وأصحابه الكرام، فالنبي ﵊ بين المنهج الذي من سلكه كان من الجماعة، وهو ما كان عليه النبي ﵊ وأصحابه الكرام. ولذلك يقول بعض أهل العلم: الإجماع المعتبر هو إجماع الصحابة؛ لأنهم معصومون بمجموعهم، ولأنه لم تظهر فيهم البدع، وإنما ظهرت فيمن أتى بعدهم. وابن سيرين عليه رحمة الله كان يقول: ما ابتدع عالم قط، أي: أن البدعة إنما أتت من الجهال، فالجاهل بالله هو الذي أحدث الاختلاف في الدين، أو الاختلاف في الإلهية والربوبية، حتى أنكر ما هو معلوم من الدين بالضرورة، إما في ذات الله، أو في أسمائه وصفاته، وإما في النبوة والرسالة، بل حتى في الكعبة، فتجد بعض الفرق الضالة يقولون: نحن نؤمن بالله، ولكنا لا نعرفه، ونحن نؤمن بالرسول، وما دمنا لم نره فإنه لا يلزمنا اتباعه، إنما نؤمن به إذا لم نره، يعني: أنهم آمنوا به بمجرد النظر، ولكن هذا لا يلزمهم العمل بما أمروا به، هكذا يقولون، ويقولون: نؤمن بالقبلة والكعبة، ولكنا لا ندري أهي التي في مكة، أم في بلد غير مكة؟ وهؤلاء بلا شك كفار، وإن لم يكونوا كفاراً فلا أدري من يكون كافراً. قال: (كلها في النار إلا واحدة، ما أنا عليه وأصحابي)، أو ما أنا عليه اليوم وأصحابي، فبين المنهج لهذه الفرقة الناجية، وأنهم المتمسكون بكتاب الله على مراد الله، وبسنة النبي ﵊ على مراد النبي ﷺ ؛ لأن الصحابة فهموا كلام الله على مراد الله، وفهموا كلام النبي ﵊ على مراد النبي ﵊، ولم يكن لهم أهواء ولا بدع.
следующие страницы →