Полный текст (1 366 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
وجوب طاعة النبي ﷺ والتحذير من عصيانه
[قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ [النساء:١٣ - ١٤]].
مقابلة أهل الطاعة بأهل المعصية، وجزاء الصالحين بجزاء العاصين، فإن أطاع فله الجنة خالداً فيها، وإن عصى وتعدى حده فله النار خالداً فيها كذلك.
ثم قال: [وقال: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا﴾ [النساء:١٠٥].
أي: بما يوافق الواقع الذي يعيشه العالم، فهذا الكتاب نزل بالحق لتحكم به يا محمد بين الناس بما أراك الله.
قال العلماء: إن الله أنزل كتابه، وجعل لنبيه البيان، وأرسل نبيه وجعل لأهل العلم اجتهاداً، فلا غنى عن الرسول ﵊ ولا عن سنته، كما أنه لا غنى لعامة الناس عن أهل العلم الذين يستنبطون من كلام الله ، وكلام النبي ﵊ باجتهادهم، وبالأدوات التي ملكوها من الحِكَم والعظات والأحكام والفوائد من كلام الله ، ومن كلام رسوله الكريم ﷺ ؛ ليهلك من هلك عن بينة، ويحيا من حي عن بينة.
ثم قال: [وقال الله : ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلاغُ الْمُبِينُ﴾ [المائدة:٩٢]].
أي: ليس على الرسول إلا البلاغ، فإن توليتم عن طاعته وطاعة رسوله ﷺ ، فإن الله ﵎ يجازي من تولى بتوليه أن يصليه جهنم.
ثم قال: [وقال: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال:١]]، فجعل شرط الإيمان هو طاعة النبي ﵊.
ثم قال: [وقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ [الأنفال:٢٤]].
فالحياة الحقيقية هي حياة الإيمان، ولا إيمان إلا بطاعة الرسول ﵊.
стр. 72
الأمر بطاعة الله ورسوله والتحذير من التنازع والاختلاف
قال: [وقال تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ [الأنفال:٤٦]].
أي: لا تضربوا الكتاب بالسنة، ولا تضربوا السنة بالكتاب، كما لا تتنازعوا في كتاب الله ، فتضربوا آياته بعضها ببعض، وتضربوا سنة النبي ﵊ بعضها ببعض؛ لأن الكتاب والسنة خرجا من مشكاة واحدة، وهي مشكاة الوحي، وإذا كانت المشكاة واحدة، فليس هناك تعارض ولا تفرق؛ لأنه: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾ [النساء:٨٢]، فلما لم يكن فيه اختلاف قليل ولا كثير، دل على أنه من عند الله ، فوجب الرجوع إليه وعدم التنازع فيه، فالنتيجة المترتبة على التنازع والنزاع: ﴿وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ [الأنفال:٤٦] أي: تذهب قوتكم.
стр. 73
من شعار أهل الإيمان والفلاح السمع والطاعة لله ولرسوله ﷺ
قال: [وقال الله : ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [النور:٥١]].
هذا شعار أهل الإيمان، بخلاف شعار بني إسرائيل الذين قالوا: سمعنا وعصينا.
انظر إلى أهل الجحود والنكران وإلى أصحاب الإيمان، هؤلاء قالوا: سمعنا، وهؤلاء كذلك قالوا: سمعنا، فكل منهم سمع، ولكن شتان بين سماع هؤلاء وسماع هؤلاء، فبنو إسرائيل ما زادوا في كلام الله على مجرد السمع بآذانهم، فأعقبهم الله عصياناً وجحوداً؛ لأنهم لم يتقبلوا كلام الله بالقبول الحسن: ﴿قَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ﴾ [البقرة:٩٣]، فختم الله على قلوبهم بالكفر، أما أهل الإيمان فقالوا: (سمعنا) أي: سماع إجابة، كقولك في الصلاة: سمع الله لمن حمده، مع أن الله تعالى يسمع من حمده ويسمع من لم يحمده، يسمع كل شيء من إيمان وكفر، فما فائدة قولك: سمع الله لمن حمده؟ أي: استجاب الله دعاء من دعاه، فسماع المولى في قولك: سمع الله لمن حمده، أي: سماع إجابة، وكذلك المؤمنون إنما يقولون: (سمعنا وأطعنا) أي: أجبنا الله إلى قوله، وأجبنا الرسول ﵊ إلى قوله كذلك.
إذاً: سماع أهل الإيمان سماع إجابة، بمجرد أن تسمع الأمر والنهي تمتثل اعتقاداً وقولاً وعملاً، هذا هو الإيمان، فالإيمان قول وعمل، عمل بالقلب والجوارح، وقول باللسان.
أما عمل القلب فإنه الإيمان والتصديق، وأما عمل الجوارح فأن تظهر نتيجة الإيمان القلبي على الجوارح، فيصلي ويصوم ويزكي ويحج، ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر وغير ذلك من امتثال الأمر واجتناب النهي، ويسبق هذا كله نطق اللسان، بعد أن يشهد العبد أنه قد آمن بالله ورسوله.
стр. 74
عدم الرضا بحكم الشرع واللجوء إلى حكم القوانين خلل في الاعتقاد
قال: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [النور:٥١].
الواحد منا أحياناً لا يرضى بحكم المحكم في الغالب، وإنما يرضى بقضاء القاضي رغماً عن أنفه، فالفرق بين القاضي والحكم في هذه القوانين الوضعية، أن حكم القاضي ملزم للخصمين شاءا أم أبيا، والقاضي يملك صفة التنفيذ على الخصمين شاءا ذلك أم أبيا.
ولا بد أن تعلم قبل هذا أن القاضي ربما وافق قضاؤه حكمَ الله وربما خالف، وهو في كل الأحوال ملزم له، وفي غالب الأحوال أنه مخالف لحكم الله ، خاصة في ظل هذه القوانين الوضعية التي هي زبالات عقول البشر، أما المحكم فإنه في الغالب إما أن يكون ارتضاه الخصمان من باب العادة، وإما يكون قد ارتضاه الخصمان امتثالاً لحكم الله : ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾ [النساء:٣٥]، يعني: يأتي شيخ أو رجل من أهل العلم يرتضيه الخصمان حَكَمَاً بينهما، يقضي بينهما بما أنزل الله وبما قضى به رسوله ﵊، فالرجل العالم يجتهد ما استطاع إلى ذلك سبيلاً، فلو وافق حكمه حكم الله فلا بد أنه يرضي أحد الخصمين ولا يرضي الآخر، فيتنكب هذا الخصم الطريق؛ لأنه يعلم أن حكم هذا الحاكم أو المحكم لا يملك قوة التنفيذ، فيرفضه، وهو يعلم أن هذا هو كلام الله، وأن هذا هو حكم الله، فمن فعل ذلك فليعلم أنه داخل تحت قول الله : ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [النساء:٦٥]؛ لأنه رضي بحكومة هذا المحكم رجاء أن يصل إلى أمر يرضيه هو لا أمر الشرع.
فمهمة القاضي والمحكم إظهار حكم الله وإظهار حكم الرسول ﷺ ، لكن القاضي في هذا الزمان يزيد عن المحكم أنه يملك سلطة التنفيذ، لكن المحكم لا يملك هذا، ولذلك يستهين به الخصوم، مع أنه عند الله أولى من هذا القاضي الجاهل بكلام الله والجاهل بكلام الرسول ﵊، وهؤلاء الناس إنما يرضون بحكمه إذا وافق هواهم، فهؤلاء ما أطاعوا الله في هذا التحكيم، وما أطاعوا رسوله الكريم ﷺ ، فويل لهم ثم ويل لهم.
ومع هذا ينتقلون من عند هذا المحكم إلى القاضي، وربما حكم القاضي بنفس ما حكم به المحكم، لكن لا يجرؤ واحد منهما أن يقول: إن هذا الحكم لا يعجبني؛ لأنه يعلم أن الحبس مصيره، ويعلم أن القتل مصيره، ويعلم ما يملكه القاضي من سلطة تنفيذية، فما بالنا لا نرضى بحكومة أهل العلم، وبقضاء أهل العلم، وبفصل أهل العلم في المنازعات؟! ولماذا نلجأ إلى هذه القوانين الباطلة الزائفة المستوردة من هنا وهناك، ولا نلجأ إلى أصحاب الدين وأصحاب المنهج السليم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه؟! لماذا لا تقبل أنت حكومة العالم الذي يقضي في قضيتك التي ربما تبقى في المحاكم عشرات السنوات؟ لماذا لا تقبل حكم المحكم العالم بكتاب الله وسنة رسوله في مجلس واحد؟ متى يكون هذا الكلام واقع الناس وحياة الناس وقلوب الناس، ودين الناس؟ أنتم تعلمون ما نحن فيه من ذل وهوان، ورب السماء والأرض ما هذا إلا بسبب البعد عن كتاب الله وعن سنة الرسول ﷺ ، فأنا لا أخاطب الفساق ولا الفجار، وإنما أخاطب أهل المساجد وأهل الصلاة، وأصحاب اللحى، وصاحبات النقاب هذه البلايا فينا قبل غيرنا، فمتى نرجع؟ نحن الشيوخ والعلماء وطلاب العلم متى نرجع أولاً قبل الناس إلى الله ؟ وحذار أن تتصور أنني أخاطب الفجرة أو الفساق، أو المجرمين، وإنما أخاطب نفسي أولاً ثم أخاطبك بعد ذلك: متى العودة إلى الله ؟ لا بد أن تعلم أن هذا خلل في العقيدة، فلا تظن أن هذا خلل في المسلك أو في المنهج، هذا -والله- خلل في الاعتقاد، فأنت موقوف ومسئول، والله تعالى يسألك ليس بينك وبينه ترجمان، يوم أن تنظر أيمن منك فلا ترى إلا ما قدمت، وتنظر أشأم منك فلا ترى إلا ما قدمت، ثم تنظر تلقاء وجهك فلا ترى إلا النار، والله قادر على أن يقذف جميع عباده في النار ولا يبالي: ﴿لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء:٢٣].
الله ﵎ لا يخاف عاقبة الأمور، لا أحد يلومه: لم ألقيت عبادك في النار، والله لا يظلم الناس مثقال ذرة، فإذا أدخلك الجنة فبفضله، وإذا أدخلك النار فبعدله، وراجع عملك ثم حاسب نفسك: هل تستحق الجنة بما قدمت من عمل؟ لا والله، ليس أحد منا يستحق الجنة بعمله، وإنما الجنة بفضل الله ورحمته، ولذلك إذا قذفك في النار مهما كنت عابداً فليس بظالم لك، فقدم اليوم ما ترجوه غداً، واحذر اليوم ما تهرب منه غداً.
стр. 75
طاعة الله ورسوله سبب حصول العبد على الفوز والرحمة والهداية
قال: [قال: ﴿وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ [النور:٥٢].
وقال تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [النور:٥٦].
وقال: ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ﴾ [النور:٥٤]].
فالهداية في طاعة الرسول ﵊، (وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا): وعد وبشارة منه سبحانه.
стр. 76
أمر الله بلزوم الأدب معه ﷺ عند مناداته
قال: [وقال الله تعالى: ﴿لا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذاً فَلْيَحْذَرْ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور:٦٣]].
أي: لا تقولوا: يا محمد يا محمد يا محمد، كما يقول بعضهم لصاحبه: يا محمد، يا إبراهيم، يا زيد، يا عمرو، ولكن ليكن دعاؤكم الرسول ﷺ بما لقبه ونسبه إليه الله : (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ)، (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ)، قال: ﴿لا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ [النور:٦٣].
أذكر بهذه المناسبة وإن كان الأمر فيه جهالة، لكن هذا رجل لطيف جداً لا يقصد أي شيء من كلامه؛ لأنه أقل من أن يقصد أي شيء بكلامه، سمعته والله بأذني رأسي، وهو رجل بسيط يقول: اللهم صل على سيدنا محمد أفندي رسول الله، فقلت: من أين أتيت بأفندي؟ قال: نحن نقول عن السيد الفلاني: يا أفندي، والنبي ﵊ أحسن من هؤلاء الناس كلهم، وأولى بهذه الألقاب وهذه المصطلحات! فالرجل لا يقصد شيئاً، لكنه في نفسه يعظم ويبجل ويوقر النبي ﷺ فوق هذا الرجل.
لكن على أية حال دعنا نستفيد من هذا الرجل البسيط الذي رأى أن يعظم النبي ﷺ بما يعظم به الناس، أيهما أحسن هذا الرجل أم الملاحدة أصحاب الشهادات وأصحاب حملة الدكتوراه، الذين يقولون على النبي ﷺ ، بل على دينه وقرآنه وشرعه قولاً شنيعاً، بل يسبون الذات الإلهية؟ هل الأحسن والأفضل هذا الذي يخاطب النبي ﷺ باجتهاده بلفظ: أفندي وأستاذ وغير ذلك، أم هؤلاء المجرمون الملاحدة؟ هذا الرجل أفضل.
قال تعالى: ﴿لا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور:٦٣].
أتى شخص من أهل المدينة إلى الإمام مالك ليسأله قال له: أنا أريد أن أحرم بالعمرة أو الحج، فهل أحرم من ذي الحليفة أم من المسجد النبوي؟ قال: لا، ميقات أهل المدينة ذو الحليفة، اذهب إلى ذي الحليفة وأحرم من هناك، قال: يا إمام إنما هي خطوات، فهل أحرم من المسجد؟ فقال الإمام: إني أخشى عليك الفتنة، قال: أي فتنة في ذلك؟ قال: أما قرأت قول الله : ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور:٦٣].
انظروا إلى فقه الإمام مالك كيف يرى الفتنة، ولذلك أنت حينما تذهب إلى المسجد النبوي ستجد آلاف الناس محرمة، وهذا خطأ، إنما الإحرام لأهل المدينة ومن مر بها من ذي الحليفة.
стр. 77
عدم التزام أمر الله وأمر رسوله يوجب الوقوع في الضلال البعيد
قال: [وقال الله : ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧١].
وقال: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب:٣٦]].
يعني: إذا قضى الله في قضية معينة، أو قضى الرسول ﷺ في قضية معينة؛ فلا خيار لك، ويلزمك أن تقول: سمعنا وأطعنا، هذا إذا كنت مؤمناً، أما إذا كنت غير ذلك فافعل ما بدا لك، والله ﵎ هو الذي سيحاسبك.
стр. 78
معنى التقدم بين يدي الله ورسوله وموقف الصحابة من الأمر بعدم التقدم
قال: [وقال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُوا اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ﴾ [الممتحنة:٦].
وقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [الحجرات:١]].
التقدم بين يدي الله: هو أن ترى غير ما أمرك به الله، وهو أن يحكم الله تعالى في قضية بحكم ثم أنت لا ترى هذا الحكم، وترى رأياً آخر يخالف حكم الله ، وكذلك أن يحكم النبي ﵊ في قضية ما بحكم السماء، ثم أنت لا ترى ما حكم به النبي ﵊، بل تذهب فتحكم فيها برأيك وهواك، فهذا تقدم بين يدي الله ورسوله.
والصحابة ﵃ قد ضربوا أروع الأمثلة لما نزلت هذه الآية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ﴾ [الحجرات:١ - ٢].
كان ثابت بن قيس بن شماس جهوري الصوت بطبيعة الخلقة التي خلقه الله تعالى عليها، كان صوته عالياً جداً، كان إذا تكلم أسمع الناس كلها، فإذا تكلم في مجلس النبي ﵊ علم الناس أن المتكلم هو ثابت بن قيس بن شماس، فظن ثابت بن قيس أن هذه الآية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾ [الحجرات:٢] نزلت في شأنه؛ لأن صوته عال.
فقوله: ﴿لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ﴾ [الحجرات:٢] أي: لا ترفعوا أصواتكم عليه، وتجهروا عليه بالقول: ﴿أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ﴾ [الحجرات:٢]، فلما سمع ثابت بن قيس هذه الآيات لزم بيته وقال: أنا من أهل النار، أنا قد حبط عملي، أنا الذي نزلت فيّ هذه الآية، ولذلك تفقده النبي ﵊ عدة أيام كما كانت عادته ﵊، فلما لم يره سأل عنه، فأخبروه بما كان من أمره، قال: (اذهبوا إليه وبشروه بالجنة).
إذاً: المقصود أن ترى أنت غير حكم الله وترى غير حكم النبي ﵊، لكن عمل الصحابة بظاهر هذه الآية.
وقد جاء عن أبي بكر الصديق أنه قال بعد نزول هذه الآيات: [(يا رسول الله لا أكلمك إلا كأخي السرار)، يعني: كمن يحدث أخاه سراً.
وأما عمر فكان النبي ﵊ يستبينه في الكلام مرة ومرتين وثلاثاً؛ لأن عمر يتكلم بصوت يتكلف فيه الخفض، حتى يقول له النبي ﵊: ماذا تقول يا عمر؟ فيعيد عمر إعادة غير مسموعة، فيستعيده النبي ﵊.
إذا كان هذا موقف الصحابة من مجرد التلفظ مع الطاعة، فما بالكم بمن يهجم على الله وعلى رسوله ﵊؟ شتان بين زمان الصحابة وزماننا، وقلوبهم وقلوبنا، وطاعتهم وانقيادهم وطاعتنا وانقيادنا.
стр. 79
اقتران طاعة الرسول ﷺ بطاعة الله واتباعه بمحبة الله
قال: [قال: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ وَمَنْ يَتَوَلَّ يُعَذِّبْهُ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [الفتح:١٧].
وقال تعال: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى * مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى * وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى﴾ [النجم:١ - ٥]].
وهذا يدل على أن ما نطق به النبي ﵊ وحي وإن كانت سنة.
ثم قال: [وقال: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر:٧].
وقال تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَإِنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلاغُ الْمُبِينُ﴾ [التغابن:١٢]].
أي: ليس عليه إلا البلاغ البين الواضح الذي لا خفاء فيه.
ثم قال: [وقال: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُولِي الأَلْبَابِ الَّذِينَ آمَنُوا قَدْ أَنزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْرًا * رَسُولًا يَتْلُوا عَلَيْكُمْ آيَاتِ اللَّهِ مُبَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ [الطلاق:١٠ - ١١].
في آيات أخرى نظائر لهذه الآيات كلها قد قرن الله طاعة رسوله ﷺ بطاعته، ووصلها بفريضته، وجعل أمره كأمره، وتعقبها بالوعيد الشديد، والزجر والتهديد لمن حاد عن أمره أو خرج عن طاعته، أو وجد في نفسه حرجاً من قضيته، أو ابتدع في سنته، ولقد دلنا مولانا الكريم على طريق محبته، وأرشدنا إلى سبيل هدايته، بأقصد المذاهب، وأقرب المسالك، حين أعلمنا أن محبة الله هي في متابعة نبيه ﷺ ، حين قال: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [آل عمران:٣١]].
يقول الحسن البصري: ما ابتلي الناس بمثل بلائهم بهؤلاء، يعني: هذه الآية أعظم اختبار ومحك لمن ادعى أنه يحب الله، فإن من زعم أنه محب لله لا بد من النظر في متابعته للنبي ﵊، فإن كان حقاً متبعاً للنبي ﷺ فهو صادق في زعمه المحبة، وإن كان تنكب طريق الطاعة والاقتداء بالنبي ﵊ فهو كاذب في ادعائه المحبة لله .
إذاً: قوله: (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ) ما هي العلامة؟ (فَاتَّبِعُونِي) أي: اتبعوا النبي ﵊، فإذا كان الاتباع والانقياد والذل والخضوع لله أحبكم الله ، وغفر لكم إنه هو الغفور الرحيم.
ثم قال: [فمن اتبع رسوله في سنته أورثه ذلك محبة الله بكسبه البصيرة في إيمانه، فيما أحكمه في قلبه ولسانه، وبالمغفرة والرضوان في ميعاده.
وسئل سهل بن عبد الله التستري عن شرائع الإسلام، فقال: قال العلماء في ذلك وأكثروا، ولكن نجمعه كله بكلمتين: ﴿مَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر:٧]] فالرجل هنا يسأل عن شرائع الإسلام، ما هي؟ وكيف هي؟ وماذا نفعل؟ وماذا نصنع إلى آخره؟ فقال: تكلم العلماء في شرائع الإسلام بكلام كثير وعرفوه وبينوه، ولكني أجمع كل ما قيل في شرائع الإسلام بكلمتين اثنتين: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر:٧] فبين أن شرائع الإسلام إنما هي في طاعة الرسول ﵊.
ثم قال: [ثم نجمعه كله في كلمة واحدة: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء:٨٠] فمن يطع الرسول في سنته فقد أطاع الله في فريضته].
стр. 80
باب ذكر ما جاءت به السنة من طاعة رسول الله والتحذير من طوائف يعارضون سنن رسول الله بالقرآن
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب ذكر ما جاءت به السنة من طاعة رسول الله ﷺ والتحذير من طوائف يعارضون سنن رسول الله ﷺ بالقرآن].
أي: هذا الباب فيه ذكر ما جاء في سنة النبي ﵊ من لزوم طاعته والاقتداء به، بعدما بدأنا بذكر بعض الآيات التي حثت وأمرت باتباع النبي ﵊ وطاعته، وأن طاعته هي من طاعة الله ، فسأحشد ذلك بباب من السنة يبين نفس المعنى.
قال رحمه الله تعالى: [وليعلم المؤمنون من أهل العقل والعلم أن قوماً يريدون إبطال الشريعة] وفي الحقيقة ابن بطة يخاطبكم أنتم، يخاطب أصحاب الصحوة وأهل الشريعة وأصحاب الدين، ويبين لهم خطر الملاحدة، وما أكثرهم في زماننا، فاعتبر أن هذا الكلام رسالة موجهة لك: [وليعلم المؤمنون من أهل العقل والعلم أن قوماً يريدون إبطال الشريعة ودروس آثار العلم والسنة] أي: يريدون أن يمحوا آثار السنة من قلوب الخلق.
стр. 81
وصف ابن بطة للمعارضين للسنة ومقارنتهم بأهل زماننا
قال: [فهم يموهون على من قل علمه وضعف قلبه، بأنهم يدعون إلى كتاب الله ويعملون به] يعني: صاحب الهوى والبدعة يزعم أنه أفهم لكتاب الله ممن يدعوه إلى بدعته وباطله، وأعرف بسنة النبي ﵊ منه، ثم هو بعد ذلك يرى أنك على الخطر المبين.
قال: [وهم من كتاب الله يهربون، وعنه يدبرون، وله يخالفون، وذلك أنهم إذا سمعوا سنة رويت عن رسول الله ﵊ رواها الأكابر عن الأكابر، ونقلها أهل العدالة والأمانة، ومن كان موضع القدوة والأمانة، وأجمع أئمة المسلمين على صحتها، أو حكم فقهاؤهم بها، عارضوا تلك السنة بالخلاف عليها، وتلقوها بالرد لها، وقالوا لمن رواها عندهم: تجد هذا في كتاب الله ؟].
يقول لك: أعطني أصل هذه الرواية في كتاب الله، لا يكفي أن تكون هذه الرواية في البخاري ومسلم! والعجيب أن الذي يناقشون بهذا هم أحط خلق الله وأسفل خلق الله، لكن الواحد منهم يظهر بمظهر المدافع عن كتاب الله، فيقول: أنا أعرف أن هذا الحديث في البخاري ومسلم، لكن هل البخاري معصوم؟ وهل مسلم معصوم؟ نقول: ليست القضية متعلقة بشخص البخاري ومسلم، القضية متعلقة بأمة أجمعت على تلقي هذا بالقبول، فأنت مضطر اضطراراً أن تقول حين رفضك لهذه الرواية: إن الأمة منذ أربعة عشر قرناً أجمعت على الضلالة، وتخالف بذلك قول النبي ﵊: (لا تجتمع أمتي على ضلالة).
ويقول لك: لا، هذا ليس حديثاً؛ لأنه ليس في البخاري ومسلم، وهو منذ قليل يقول: إن البخاري ومسلماً ليسا معصومين.
المهم أن هؤلاء الملاحدة يريدون دروس السنة ومحوها من قلوب الخلق، لا يرقبون في مؤمن إلّاً ولا ذمة، لا علاقة لهم لا بالكتاب ولا بالسنة، ولا بالإيمان ولا بالرسول، لكنهم لا يجرءون مع ما يرونه من قتل من يرفع عقيرته في هذا الزمن، لا يجرءون أن يقولوا للناس ويريحونا: نحن منافقون، أو نحن كفار.
لا يجرءون أن يقولوها؛ لأنهم يعلمون أن بعض الشباب يتربص بهم.
إذاً: فهذه الأفكار الشيطانية ربما انطلت على الجهال والصبيان والبسطاء، لكنها لا تنطلي على أهل العلم، ولذلك لم تنطل على ابن بطة، فيقول حاكياً عنهم ثم يرد عليهم: [وهل نزل في هذا القرآن؟ وائتوني بآية من كتاب الله حتى أصدق بهذا.
فاعلموا رحمكم الله أن قائل هذه المقالة إنما ترقق عن صبوح] الصبوح هو السكر غدوة، تجد الشخص مثلاً بدلاً من أن يشرب حليباً يشرب خمراً، فيسكر على الريق؛ لأنه إذا سكر هذى، وإذا هذى افترى، فيقول: هذه مقولة من شرب الخمر في أول نهاره، فهؤلاء أناس ملاحدة لا يدرون ما يخرج من رءوسهم من فرط عنادهم وكفرهم.
فقوله: (إن قائل هذه المقولة إنما ترقق) أي: تكلم بها (عن صبوح)، أي: عن سكر.
وهذا بلاء يتعرض له الأطباء النفسيون، يريد أن يوصل العلاج بأي شكل لمريضه، وربما يكون عند المريض خجل، أو انطواء، أو غير ذلك من الأمراض، فيقوم الدكتور يقول لأهل المريض: اتركوه عندي يومين أو ثلاثة فيعطيه حقنة بنج ويسجل كل كلامه، قل لي: ما الذي أغضبك؟ أبوك أغضبك، أمك أغضبتك، امرأتك أغضبتك، ابنك أغضبك.
ما هي القضية؟ ويظل معه حتى يعرف أصل العارض، ويفيق بعد ذلك هذا المريض، فعندما يكون الطبيب قد عرف المرض يبدأ يعرّف المريض أساس العلة المعروفة لديه.
حدثني بهذا طبيب نفساني، قال: إنما يسلك الأطباء النفسانيون هذا المسلك لمعرفة المرض الذي لا يمكن الوصول إليه بطريقة السلم بين الدكتور وبين المريض.
стр. 82
الرد على المعارضين للسنن بآيات قرآنية لا تتبين إلا بالسنة
ثم قال: [ويُسر خبيئاً في اربغاء يتحلى بحلية المسلمين، ويضمر على طوية الملحدين، يظهر الإسلام بدعواه، ويجحده بسره وهواه، فسبيل العاقل العالم إذا سمع قول هذه المقالة أن يقول له: يا جاهلاً بالحق خبيثاً في الباطن، يا من خُطِّئ به طريق الرشاد وسبيل أهل السداد، إن كنت تؤمن بكتاب الله، وأنه منزل من عند الله، وإن ما أمرك الله به وما نهاك عنه فرض عليك قبوله، فإن الله أمرك بطاعة رسوله وقبول سنته؛ لأن الله إنما ذكر فرائضه وأوامره بخطاب أجمله، وكلام اختصره وأدرجه، دعا خلقه إلى فرائض ذكر أسماءها، وأمر نبيه بأن يبين للناس معانيها، ويوقف الأمة على حدود شرائعها ومراتبها.
فقال ﵎: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل:٤٤]].
هذه أوامر مجملة بينها بأوصافها وعددها وهيئاتها وغير ذلك النبي ﵊، فلو تركنا النبي ﷺ بلا بيان، لم يستطع أحد منا أن يعبد ربه، إذاً: لا بد من طاعة الرسول ﵊.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فربنا ﵎ هو المنزل، ونبينا ﷺ هو المبين، قال الله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة:٤٣].
وقال: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ [آل عمران:٩٧]].
من منا يستطيع أن يحج بغير بيان وتفصيل؟ ولذلك لما حج النبي ﵊ قال: (خذوا عني مناسككم) يعني: اعرفوا كيف أحج من أجل أن تحجوا مثلي، وإلا فمن حج على غير نهج النبي ﵊ فحجه يدور بين البطلان والفساد، أو يجبر بدم عند مخالفة الواجب أو غير ذلك.
ثم قال: [وقال تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة:١٩٦].
وقال: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة:١٨٣]]، من كان يعرف أن يصوم من غير بيان أحكام الصيام؟ يعني: لو أتيت في هذا الوقت إلى واحد في بلاد الكفر أسلم على يديك، فتقول له: أنت ما دمت قد أسلمت، فربنا قد فرض عليك الزكاة في المال، وأمرك بالصلاة وبالصيام وبالحج، ولم تشرح له كيفية أداء تلك العبادات، فهل يستطيع أن يؤدي طاعة من هذه الطاعات؟ هو لا يعرف كيف يبدأ الصيام وكيف ينتهي، ما الذي يفسده وما الذي يصلحه، وأي الأشهر هو؟ وهل هو شهر أو شهران أو ثلاثة في السنة؟ أم هل هو السنة كلها أو بعضها؟ لا يعرف شيئاً، وكذلك في كل أمر من هذه الأوامر، فلا يمكن الاستغناء عن الرسول ﵊.
ثم قال: [فلو عارضك من هو في الزيغ هالك، وقال لك: إن الصلاة التي دعاني الله إلى إقامتها إنما هي صلاة في عمري -أي: صلاة واحدة في العمر كله- أو صلاة واحدة في كل يوم، أو عارضك في إحدى الصلوات الخمس، فقال: إن صلاة الظهر ركعتان، أو صلاة العصر ثلاث ركعات، أو قال لك: إن التي تسر القراءة فيها من صلاة النهار سبيلك أن تجهر به، وما تجهر به في صلاة الليل والفجر سبيلك أن تخافت به، أو قال لك: إن الله تعالى قال: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة:٩]، فقال: إنما أمرني الله بالسعي والذكر، وليس تجب علي صلاة، وإنما أذكر الله بلساني وأنصرف، أو قال لك: إن الصلاة يوم الجمعة أربع ركعات كسائر الأيام، مثل: صلاة الظهر من غير خطبة، وإلا فأوجدني للخطبة وصلاة الركعتين، والجهر فيهما بالقراءة في كتاب الله موضعاً].
يعني: أعطني دليلاً على أن صلاة الجمعة هذه لها خطبة من كتاب الله .
[أو قال لك: إن الله أمرني بالزكاة، وإنما تجب على من معه ألف دينار في عمره مرة واحدة دينار واحد.
أو قال لك قائل: إنما الزكاة في الذهب والورق ولا زكاة في الحبوب ولا البهائم، أو كيف تعطى الزكاة من البهائم والأنعام؟ أو قال آخر: إن الخيل والبغال والحمير والإماء والعبيد والعقارات والسفن والثياب الفاخرة والجواهر، واليواقيت التي يتزين بها الناس ويتجملون بها من نفيس الأموال وخطير العقد والأملاك فلم لا تؤدى زكاتها؟].
يعني: لماذا لا تخرج عنها زكاة، لأن الشرع لم يفرض عليه فيها زكاة؛ لأنها استعمال شخصي.
[أو قال قائل: إني أحج بلا إحرام، ولا أخلع ثيابي، ولا أجتنب شيئاً مما يجتنبه المحرمون، ولا أمتنع من جماع النساء، وأستعمل الطيب، ولا آتي الميقات، ويجزيني طواف واحد وسعي واحد، والعمرة التي ذكرها الله إنما هي الصلاة أصليها أو هدية أهديها.
أو قال لك: إن الجمار لا أرميها.
أو عارضك في شهور رمضان، وقال: إنما فرض على النبي ﵊ وأصحابه، فقال: إن الشهر الذي فرض صيامه إنما هو رمضان الذي أنزل فيه القرآن]، وهذه هي حجة الملاحدة في الزمن القديم، استدل
стр. 83
نماذج وقصص تحكي واقع من لا يؤمن بالسنة ويدعي الإيمان بالقرآن فقط
جاءني منذ ثلاثة أيام رجل برسالة تحكي قصة طبيب بيطري، وهذه الرسالة معي أتى بها هذا الرجل من مدينة (٦ أكتوبر)، جاء بها وهو مفزوع يقول: أدركني، هذا طبيب بيطري تزوج أخت امرأته، طلق زوجته الأولى ثم تزوج أختها في اليوم الثاني من طلاق الأولى.
وأنتم تعلمون أن هذا حرام؛ لأن الرجل إذا طلق المرأة فأراد أن يتزوج من كان يحرم عليه أن يجمع بينها وبين زوجته الأولى، فلا يحل له أن ينكحها إلا بعد انقضاء عدة الأولى، وهذه التي يسميها الفقهاء: عدة الرجل.
فنكح أختها في اليوم الثاني من طلاقها، فأرادت أختها الأولى أن تكيد لها فاحتالت على الرجوع لزوجها، فرجعت، وهم الآن يقيمون في شقة واحدة، يبيت هذا الكلب عند هذه ليلة وعند تلك ليلة، وناقشه أكثر من شيخ في حرمة هذا -كما لو كنا جالسين في أمريكا أو في لندن، لا يوجد حل- يقول لهم هذا الرجل: أعطوني من القرآن حرمة هذا، لا يقول لي واحد: سنة، أنا لا أعترف بالسنة، وإنما أعترف بالقرآن المقطوع بتواتره.
نقول لهذا: هذا الكلام لأهل العلم، هل تعلم ما معنى متواتر وآحاد؟ وما الذي يركب في العقل والذي لا يركب؟ فلا يزال هذا الأمر إلى الآن قائماً، وإذا وصل كلامي هذا إلى (البوليس) فأنا مستعد أن أذهب معهم إلى العنوان الذي معي، وأصحب معي بعض الدعاة الذين نهوه عن هذا الحرام.
وهذا أخ تزوج أخته عند المأذون، ثم لما سحبا إلى الشرطة قالت البنت ببجاحة شديدة: لا يمكن أن أتخلى عنه؛ فإنني أحبه بجنون.
أقول: هذا يدل أولاً على نهاية العالم، وقرب الساعة، ثم إن هذا ربما يكون بأدنى مخالفة للنبي ﵊، والله أنا أتوقع أن هذا بسبب أن الأب لم يفصل بينهما في المضجع منذ سن العاشرة، والنبي ﵊ يقول: (علموهم الصلاة لسبع، واضربوهم عليها لعشر، وفرقوا بينهم في المضاجع)، لماذا نفرق بينهم في المضاجع؟ لماذا الولد ينام في مكان والبنت تنام في مكان؟ لأن الشيطان أقوى منهما، خاصة في هذا الزمان الذي اختلطت فيه المحارم واختلط فيه الحابل بالنابل.
وهذا طالب يقول لزميله: لماذا التعب يا أخي، تطلب هذه فتأبى عليك وتطلب هذه فتأبى عليك؟ لماذا لا تذهب لأختك؟ أختك تجلس معك في البيت وأنت في مأمن من أعين الناس.
هذا هو الجيل المثقف، وأنتم تعرفون الوزير المثقف الذي جاء يهدم أبناءنا ويخرب التعليم، ويحذف مادة الشريعة الإسلامية التي يسمونها: التربية الدينية، وهذه تسمية خاطئة منافية للعقيدة الإسلامية، بل لا بد من تسميتها: التربية الشرعية الإسلامية، لا الدين فقط، دين ماذا؟! فالنصارى لهم دين، واليهود لهم دين، والمجوس لهم دين، فهذا تمييع لأمر الإسلام وشرائعه، على يد عميل يهودي، ومعظم هؤلاء السادة والقادة يهود، تربوا على أيدي اليهود في بلاد الغرب، ثم أتوا إلى هذه البلاد ليفعلوا بها الأفاعيل، فهؤلاء يصنعون بأبناء الأمة ما لم تقدر اليهود والنصارى أن تصنع، يريدون أن يخربوا، بل قد خربوا عقائد المسلمين شباباً ورجالاً، وشيوخاً ونساء، كباراً وصغاراً؛ بالتعليم تارة، والطب تارة، والزراعة تارة وكل مناحي الوزارات إنما تولاها من ليس بأهل، والأمر كما قال النبي ﵊: (إذا ضيعت الأمانة فانتظروا الساعة، قالوا: وما ضياعها يا رسول الله؟ قال: إذا وسد الأمر إلى غير أهله).
أسأل الله تعالى لي ولكم العافية في الدين والدنيا والآخرة.
اللهم تقبل منا أعمالنا الصالحة، وتجاوز عن سيئاتنا، إنك ولي ذلك والقادر عليه.
وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.
стр. 84
الأسئلة
стр. 85
بيان المعتقد الصحيح في رفع عيسى ﵇
السؤال
ما هو المعتقد الصحيح في رفع عيسى ﵇؟
الجواب
اعتقاد أهل السنة والجماعة فيما أعلم في هذه القضية: أن عيسى ﵇ لم يمت، وإنما رفعه الله إليه، فعيسى حيٌّ في السماء، ليست حياته كحياة الأنبياء في قبورهم، ولا حياة الشهداء في قبورهم، وإنما هي حياة حقيقية كما نحيا نحن؛ لأنه لم ينتقل من حال إلى حال، بل رفع في حياته الدنيوية إلى الله إلى السماء، وسينزل في آخر الزمان.
ولقد أخبرني رجل وهو من علية القوم، ومن حاملي الشهادات المتعددة، ويحرص كل الحرص على أن يذكر شهاداته ورحلاته العلمية، والمؤتمرات التي حضرها، أخبرني بأن عيسى قد مات.
وذات مرة في كلية دار العلوم قال الدكتور أحمد شلبي أستاذ التاريخ: أتدري يا بني نتيجة الأبحاث العلمية المتعلقة بعيسى؟ قلت له: هل يحتاج عيسى إلى بحث علمي أم بحث شرعي؟ قال: لا، أبحاث علمية أثبتت أن عيسى مات، ولم يرفع إلى السماء! قلت: يا دكتور، هذا البحث العلمي أنت الذي سيحكم به؟ قال: نعم يا بني.
قلت له: يا دكتور، انظر ما تقول، فإن هذا مخالف لما جاء في الكتاب والسنة، قال: لا، بل متفق معهما تمام الاتفاق.
قلت له: بيِّن لي.
قال: والله يا بني عندي الآن مؤتمر، ففي وقت آخر إن شاء الله.
ثم التقيت به أربع مرات بعد ذلك ليحدثني عن تفصيل ذلك، وأنا أكفر بكلامه، وأؤمن بكلام الله ، ولكنه في كل مرة كان يهرب، حتى التقيت به بمكتبه أنا وأحد الصحفيين أتى يسجل معه لقاء، فتنحيت بهذا الصحفي وقلت له: الدكتور يقول: كيت وكيت وكيت، وأنت لو حققت معه في هذه القضية ستصبح صحفي عصرك، وتصبح أنت صاحب السبق فيها، وبينت له خطورة الأمر، وقلت له: انتبه! فإنك ستذكر على كل لسان.
فقال: لا، أنا كنت قد أتيت لمهمة أخرى، والمهمة هذه مضبوطة تحتاج إلى آيات من القرآن وأحاديث من السنة، فاكتبها لي أعرضها عليه، فجلسنا في المكتب المجاور، وأخرجت له الآيات والأحاديث مكتوبة، ودخلت معه إلى الدكتور، ففوجئ بأن الصحفي تبنى القضية ويريد أن يسترسل معه، فقال له: لا، نبقى في التاريخ الإسلامي المعروف عند الناس بالطريق الإسلامي، فقال له الدكتور: هذه مسألة متعلقة بالأنبياء والنبوة وغير ذلك، فاجعلها في وقت لاحق.
قال: بل اليوم، فقال: يا بني هذه المسألة أنا أعددت فيها بحثاً سأدفعه إليك، فتفضل معي في سيارتي وأنا أعطيك بحثي، المهم خرج الدكتور من الكلية من أجل أن يدفع البحث للصحفي، ثم اتصل بي الصحفي، وقال: لم يكن لديه بحث ولا شيء من هذا نهائياً، فالرجل أقسم لي بالله أن البحث مكتمل وقد كتب النتيجة النهائية التي توصل إليها أن عيسى مات.
نقول: اعلم أن هذه ليست عقيدة معظم النصارى، فمعظم النصارى يعتقدون أن عيسى رفع وهو حي، فتقول له: أنت تعبد من؟ يقول لك: عيسى، تقول له: أنتم تقولون إن عيسى مات، وهل هناك إله يموت وبعد ما يموت أيضاً نعبده؟ يقول لك: لا، أنا أعتقد أن عيسى حي.
فهو نصراني ويعتقد أن عيسى حي، هل يتصور أن إنساناً كبيراً مثل الدكتور لم يصل إلى معتقد بعض النصارى أو جمهور النصارى، فهذا بلاء عظيم تمر به الصحوة، ومضروبة في قلبها ممن سموا دعاة، أو رسموا في الرسم العام أنهم علماء أو متخصصون أو غير ذلك، فهذا بلاء عظيم جداً.
نسأل الله تعالى العافية.
стр. 86
شرح كتاب الإبانة - ذكر ما جاءت به السنة من طاعة الرسول ﷺ
لقد جاءت الأحاديث الكثيرة في السنة توجب طاعة الرسول ﷺ ، وتعتبرها من طاعة الله ، ومن تنكب طريق الطاعة فقد تنكب طريق الجنة، إذ إن الجنة مرهونة بطاعة النبي ﵊.
стр. 87
ذكر ما جاءت به السنة من طاعة الرسول ﵊
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.
وبعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة.
أما بعد: فلا يزال الكلام في طاعة النبي ﵊ موصولاً من خلال سنته بعد أن سردنا كثيرا ًمن الآيات التي تأمر بطاعته ﵊، وتبين هذه الآيات أن طاعة النبي ﵊ طاعة لله ؛ لأنه لا يتكلم من عند نفسه، وإنما يتكلم بوحي من السماء.
وفي هذه الآثار والأحاديث التي سنسردها شاهد قوي جداً لتلك الآيات في لزوم طاعته ﵊، ومن تنكب طريق الطاعة لا بد أنه تنكب طريق الجنة، فإن الجنة مرهونة بطاعة النبي ﵊، وهي أقرب إلى أحدنا من شراك نعله، وكذلك النار أقرب إلى أحدنا من شراك نعله.
فالله إنما خلق الخلق وجعلهم قسمين خلق النار وقسم لها قسماً من خلقه، وقال: يا أهل النار! خلود بلا موت، وخلق الجنة وجعل لها قسماً من خلقه، وقال: يا أهل الجنة! خلود بلا موت.
والله لو قذف العباد جميعاً في النار لكان ذلك بعدله ، ولو شاء أن يدخلهم جميعاً الجنة لجعلهم مؤمنين أولاً، ولكن لا تستقيم الحياة إذا كان كل الناس كفاراً أو كلهم مؤمنين، ولذلك قال الله تعالى: ﴿وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الأَرْضُ﴾ [البقرة:٢٥١]، فلا بد من الدفع، ولا بد من الجهاد، ولا بد من القتال؛ وهذا يستلزم أن يكون الناس فريقين: فريقاً مؤمناً، وفريقاً كافراً.
أما الكافر فإن الله تعالى أعد له النار، وأما المؤمن فإن الله تعالى أعد له الجنة، وجعل له منزلاً في النار إذا عصى، ورتب ذلك على مشيئته؛ فإن شاء عفا، وإن شاء أخذ عباده بذنوبهم.
والباب الذي نتكلم عنه في هذه الليلة هو تتمة وتكملة لما بدأناه في الدرس الماضي من وجوب طاعة النبي ﵊، وأن من عصاه دخل النار كما أخبر ﵊: (كل الناس يدخل الجنة إلا من أبى، قالوا: ومن يأبى يا رسول الله؟ -أي: من الذي يرفض أن يدخل الجنة؟ - قال: من أطاعني دخل الجنة، ومن عصاني فقد أبى) أي: أبى أن يدخل الجنة، إذ إنه حكم على نفسه بالطرد من رحمته ، وبالتالي استحق أن يدخل النار.
стр. 88
حديث أبي رافع (لا ألفين أحدكم متكئاً على أريكته)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [عن عبيد الله بن أبي رافع عن أبيه يبلغ به النبي ﷺ قال: (لا ألفين أحدكم متكئاً على أريكته، يأتيه الأمر من أمري مما أمرت به أو نهيت عنه فيقول: لا أدري! ما وجدنا في كتاب الله اتبعناه)].
في هذا الحديث يحذر النبي ﵊ أصحابه من قوم سيظهرون من بعدهم، فهو يحذرهم أن يكون هذا فيهم، أو في القرون الخيرية؛ فقال: احذروا أن أجد أحدكم متكئاً على أريكته، والأريكة هي الكرسي الوثير العظيم؛ ولذلك أتى في إحدى طرق الحديث: (لا ألفين أحدكم متكئاً على أريكته شبعاناً)، أي: إنسان عنده تخمة، يعيش في النعيم، ويغص في نعم الله ، وجالس على الكرسي، ويضع رجلاً على رجل، فتقول له: أنت على معصية، فيقول لك: أين الدليل؟ فتقول له: قال النبي ﵊ كذا وكذا، فيقول لك: لا تقل قال النبي كذا وكذا، فهذه سنة قد دخلها التحريف، فإما أن تأتيني بنص من كتاب الله، وإلا فلا حاجة لي في نصيحتك، ويزعم أنه مسلم، ويزعم أنه متبع، وهو يكذب بالوحي؛ ولذلك يقول لك: دعني من النبي وأقواله، فإن الأصل عندي أن الحل والحرمة في كتاب الله وإلا فلا، ولذلك دعا النبي ﵊ على أمثال هؤلاء، والذي يقول هذا إما أن يكون منافقاً جاحداً زنديقاً، يتستر بقوله: ما كان في كتاب الله اتبعناه، وإما أن يكون جاهلاً يردد ألفاظ هؤلاء وكلمات هؤلاء وهو لا يدري أنها عين الكفر، فهو جاهل يقلد غيره، سمع الناس يقولون: لا شفاعة؛ فقال: لا شفاعة، سمع الناس يقولون: لا كيت ولا كيت ولا كيت من دين الله ؛ فسلك نفس المسلك، يقول مثلاً: لا عقاب، يقول: لا عذاب قبر، أي: أن القبر لا عذاب فيه ولا نعيم، وحتى يقول: إن الناس إذا ماتوا لا يبعثون! لماذا؟ لأنه سمع هذه المقالات تردد، وأدلتها في كتاب الله ، يقول الله تعالى: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام:٣٨]، فكل ذكر في كتاب الله ، لكن من الذي يستنبط الفهم من كتاب الله ؟ لا بد أن يكون هناك علماء أجلاء مخلصون، ودعاة إلى الله على علم وهدى وبصيرة ونور؛ حتى يعلموا ويربوا عامة الأمة، لكن عامة الأمة -للأسف الشديد- تركوا بيوت الله ، وتركوا مجالس العلم، وانشغلوا بالصحف والمجلات؛ وبالتالي فإنهم يتلقون دينهم عن هؤلاء الملاحدة، فما ذنب الدعاة إذاً؟ وما ذنب العلماء إذاً؟ إننا نقول: إن هؤلاء المثقفين أو أرباع المثقفين إنما أئمتهم الصحفيون، وهؤلاء الصحفيون أئمة ضلالة، وهؤلاء تبع وأتباع لهم، وسيأتي بعضهم لبعض بالتبرئة يوم القيامة، فيتبرأ كل واحد من صاحبه يوم القيامة، فإذا كانوا أخلاء وأصدقاء في الدنيا فإنهم أعداء في الآخرة: ﴿الأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف:٦٧]، فأهل التقوى لهم مسلك ومشرب واعتقاد يخالف هؤلاء.
قال ﵊: (لا ألفين أحدكم متكئاً على أريكته)، انظر إلى هذا التصوير النبوي، وكأنه يقول لهم: احذروا أن أرى واحداً منكم متكئاً على كرسيه، فيأتيه الأمر والنهي مما أمرت أنا به، أو نهيت أنا عنه، فيقول: دعنا من كلام النبي ﵊؛ فإنه قد دخله التحريف، ودخله الضعف، والرواة فيهم ضعف وخلل وغير ذلك، وإنما نتمسك بكتاب الله ! من الذي نقل إلينا كتاب الله؟ ومن الذي نقل إلينا سنة النبي ﵊؟ إنهم الرواة بدءاً بالصحابة ﵃، وانتهاءً بهؤلاء الأجلاء العظماء الذين حافظوا على نقل كتاب الله، وحافظوا على تدوين سنة النبي ﵊، فهم هم نفس الرواة، فإذا كنت تنكر السنة من باب أنه قد دخلها الضعف والزيغ والتحريف؛ فلزاماً عليك أن تنكر القرآن؛ لأن الذي حمل القرآن هو الذي حمل السنة، فلم تنكر هذا وتعتمد ذاك؟ ثم بناء على كلامك فإن القرآن قد دخله تحريف، ودخله الزيغ، ودخله التصحيف، مع أن الله هو الذي تكفل بحفظ وحيه وحفظ دينه، فقال: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر:٩]، فالذي يحفظ كلام الله هو الله ، والذي حفظ كلام الرسول ﵊ هو الله كذلك؛ ولذلك تجد في تفسير هذه الآية: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ﴾ [الحجر:٩] أن كثيراً من المفسرين قالوا: بأن الذكر هو القرآن والسنة، وعلم الجرح والتعديل وعلم العلل وغيرها من العلوم التي تخدم السنة النبوية ما هي إلا نوع من أنواع حفظ الله لهذا الوحي وهذا الدين، فالذي يزعم أن السنة قد دخلها التحريف نقول له: أنت مفتر وكافر، إلا أن تكون جاهلاً، فلم لم تقل هذا في القرآن؟ لأنه يعلم أنه إن قاله في القرآن كفر بإجماع أهل العلم؛ ولذلك فهو يحترز من هذا، فيذهب للطعن في سنة النبي ﵊.
ولذلك فالنبي صلى الله عليه وسلم
стр. 89
حديث المقدام بن معدي كرب (ألا إني أوتيت الكتاب)
[وعن المقدام بن معدي كرب ﵁ عن النبي ﷺ قال: (ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه، إلا أن يوشك شبعان على أريكته يقول: عليكم بالقرآن فما وجدتم فيه من حلال فأحلوه، وما وجدتم فيه من حرم فحرموه، ألا لا يحل الحمار الأهلي وذكر الحديث).
أحياناً الواحد يستشعر معنى هذا الكلام، وذلك عندما تذهب مثلاً إلى شخصية كبيرة جداً، وربما تكون هذه الشخصية عندها دكتوراه في الشريعة، أو لا يزال يحضر الدكتوراه، ومعه ليسانس في الشريعة الإسلامية، أو في علوم السنة أو غير ذلك، وتجده طويلاً وعريضاً في بدنه، بل قد تجد أن ارتفاع بطنه حوالي متر ونصف، فتقول له: السنة، فيقول لك: لا، سنة ماذا؟ أنا حضرت ماجستير في السنة، تقول لي: السنة؟! خذها واشبع بها، ويرد روايات في البخاري ومسلم، ويقول لك: هذا الذي تسمعه أهو كلام دخل مخك؟! فتقول له: هل العيب في السنة أم في عقلي أنا؟ فيقول لك: لا بد من اتفاق النقل مع العقل، أقول له: صحيح، لكن اتفاق النقل مع العقل السليم، وليس العقل الخرف كحالتك، فيقول لك: أتصدق أن النبي ﷺ سُحر؟ وقد كان هناك شخص يناقشني في سحر النبي ﵊، فقلت له: عيب، الحديث في البخاري، وتلقته الأمة بالقبول، ولم يتعرض له أحد من أئمة الإسلام بالنقد، والأمة مجمعة على صحة الحديث، فيقول لك: هذا كلام فارغ! فهل إجماع الأمة كلام فارغ والنبي ﷺ يقول: (لا تجتمع أمتي على ضلالة)، فهل الأمة لها ألف وأربعمائة سنة مجمعة على ضلالة، وأنت يا مغفل أدركت الحقيقة بزعمك؟ فيقول لك: دعنا من ذلك الحديث، هل أنت مصدق حديث الذبابة الذي في البخاري؟ فهو يعرف أنه في البخاري، فأقول له: نعم، وفي النهاية تضطر أن تقول له: إن الطب أثبت فعلاً أنه في أحد جناحي البعوض داء وفي جناحها الآخر دواء؟ فيقول لك: غير معقول، أين قال هذا الطب؟ فتقول له: قد بحث في مكان كذا، فيقول لك: إذاً أنا آمنت فعلاً.
يعني: أنت لا تؤمن إلا إذا بحث! والنبي والصحابة والعلماء والرواة، بل الأمة بأكملها لا تكفي! إلا قول طبيب من لندن أو من أمريكا أو من فرنسا أو من أي مكان آخر! ثم وهو يتحدث معك يجلس على الكرسي وبطنه أمامه، فهذا هو الذي صوره النبي ﵊ بقوله: (لا ألفين أحدكم متكئاً على أريكته شبعان)، أي: عنده تخمة في بطنه وفي عقله، فيقول لك: لا نقبل السنة! فنقول له: إذاً ماذا تريد؟! إن معظم المثقفين معتزلة من حيث لا يدرون أنهم معتزلة، وعامة الأمة مرجئة من حيث لا تريد أن تكون كذلك، فإذا قلت لواحد من الأمة: صل، يقول لك: يا رجل! صلاة ماذا؟ أهم شيء القلب، هذا القلب في منتهى النظافة! ونسي أو لم يعلم أن النبي ﵊ قد كفره، وقد يقول: وأمر النبي ﷺ بإخراج الزكاة تقليل للمال، والله لم يأمر بذلك، فينكر القرآن والسنة من حيث لا يريد هو أن ينكر، لكنه الإرجاء.
قال: [وقال المقدام: قال النبي ﵊: (أوتيت الكتاب وما يعدله)]، أي: السنة، ثم قال: [(يوشك شبعان على أريكته يقول: بيننا وبينكم هذا الكتاب، فما كان فيه من حلال أحللناه، وما كان فيه من حرام حرمناه، وإنه ليس كذلك)]، والضمير في الحديث يقول أهل العلم: يعود على الكتاب، وقال بعضهم: يعود على القائل، وهو الأقرب من قول أهل العلم.
قال: (وإنه ليس كذلك)، أي: وإن الأمر ليس كما يزعم هذا الزاعم أنه متمسك بالكتاب؛ لأن من تمسك بالكتاب لزمه أن يتمسك بالسنة، فإما أن يؤمن بهما، وإما أن يكفر بهما.
стр. 90
أثر عمران بن حصين في أن السنة مبنية لمجمل القرآن
قال: [قال حبيب بن أبي نضلة المالكي: لما بني هذا المسجد مسجد الجامع، قال: وعمران بن حصين جالس، فذكروا عنده الساعة، فقال رجل من القوم: يا أبا نجيد إنكم لتحدثوننا أحاديث ما نجد لها أصلاً في القرآن].
وعمران بن حصين صحابي، وانظر إلى هذا التابعي كيف يتجرأ عليه، ويقول له: يا أبا نجيد! أنتم تحدثون بأحاديث لا نجد لها أصلاً في كتاب الله ، فيلزمكم المخرج؟ قال: [فغضب عمران وقال للرجل: قرأت القرآن؟ قال: نعم، قال: فهل وجدت فيه صلاة المغرب ثلاثاً، وصلاة العشاء أربعاً، والغداة ركعتين، والأولى أربعاً، والعصر أربعاً؟ قال: فممن أخذتم هذا الشأن؟ ألستم عنا أخذتموه؟ -يعني: ألستم أخذتم هذا عنا نحن معشر الصحابة؟ - وأخذناه عن نبي الله ﵊، وعنا أخذتموه، أو عمن أخذتم في كل أربعين درهماً درهم؟ وفي كذا وكذا شاة كذا وكذا، ومن كذا وكذا بعير كذا وكذا، أوجدتم هذا في القرآن؟ قال: لا، قال: فعمن أخذتم هذا؟ ألستم عنا أخذتموه، وأخذناه عن نبي الله ﷺ ، وأخذتموه عنا؟ قال: وهل وجدتم في القرآن: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج:٢٩]؟ وجدتم طوفوا سبعاً، واركعوا خلف المقام ركعتين؟ هل وجدتم هذا في القرآن؟ عمن أخذتموه: ألستم أخذتموه عنا، وأخذناه عن النبي ﵊، وأخذتموه عنا؟ قالوا: بلى.
قال: فوجدتم في القرآن: لا جلب ولا جنب ولا شغار في الإسلام؟ أوجدتم هذا في القرآن؟ قالوا: لا.
قال عمران: فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: (لا جلب ولا جنب ولا شغار في الإسلام).
قال: أوما سمعتم الله تعالى قال لأقوام في كتابه: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ * قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ * وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ﴾ [المدثر:٤٢ - ٤٤] حتى بلغ: ﴿شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ [المدثر:٤٨].
قال حبيب: أنا سمعت عمران يقول: الشفاعة نافعة دون من يسبِّحون]، وفي رواية أخرى تشهد لها الرواية السابقة: [عن عمران أنه قال لرجل: إنك امرؤ أحمق، أتجد في كتاب الله الظهر أربعاً لا تجهر فيها بالقراءة؟ ثم عدد عليه الصلاة والزكاة ونحوها، ثم قال له: أتجد هذا في كتاب الله مفسراً؟ إن كتاب الله أحكم ذلك، وإن السنة تفسر ذلك].
قوله: (إن كتاب الله أحكم ذلك).
أي: أجمله، فقال: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة:٤٣]، فهذا إجمال، لكن عدد الصلوات، كيفية الصلاة، الجهر فيها، هيئاتها، الدخول فيها والخروج منها، ما يبطلها وما يفسدها؛ كل هذا إنما ورد في السنة، فأنتم إذا اكتفيتم بالقرآن أتقدرون أن تصلوا؟ إذا اكتفيتم بالقرآن أتحسنون الزكاة؟ أتحسنون الصيام؟ أتحسنون كيت وكيت وكيت مما أجمله القرآن؟
الجواب
لا، إذاً إنما أخذتم ذلك كله عن النبي ﵊.
стр. 91
حديث ابن مسعود في لعن الواشمات بآية من كتاب الله
قال: [وعن علقمة بن قيس قال عبد الله: لعن الله الواشمات والمستوشمات، والمتنمصات، والمتفلجات للحسن المغيرات خلق الله].
واللعن هو الطرد من رحمة الله ، فهو على هلكة؛ ولعن الفعل يدل على أنه كبيرة؛ ولذلك من علامات الكبيرة أن يأتي لعن أو وعيد شديد أو إقامة حد في الدنيا، فكل هذه من علامات الكبيرة.
والواشمة: هي التي تصنع الوشم، وذلك كالعلامات الخضراء التي تكون في البدن من كحل أو غيره، فتجد الواحد يرسم على ذراعه أو على صدره قلب حبيبته مثلاً، ويكتب اسمها، ثم بعد هذا يطلقها، فيريد التخلص من هذا الوشم؟ فيحرق نفسه من أجل أن يذهب هذا الوشم، وقد حدث هذا الأمر، ولما قابلته قلت له: ألا تعلم أن هذا حرام؟ قال: لم أكن أعلم أنه حرام، فقلت له: بل هو حرام، فقال: سبحان الله، ما أحلى هذه السنة! قلت له: كيف؟ قال: هذه البنت أنا أسرت بحبها سبع سنين، وفي الأخير تزوجتها بشق الأنفس، وبعد أن تزوجتها بثلاثة شهور طلقتها، ولو دفعوا لي مال قارون لا يمكن أرجعها، وأنا أريد أن أتخلص من هذا الوشم نهائياً، لكن كيف؟ قلت له: اذهب للذي صنع لك هذا الوشم فهو الذي يزيله، قال لي: أنا لا أريد أي شيء يذكرني بها، قلت له: وأنا ماذا أعمل لك؟ ليس عندي أكثر من هذا، فاذهب لتميط هذا الأذى عنك، وتستغفر ربك؛ فعلمت بعد عدة أشهر من لقائي به أنه قد انتحر بالنار حرقاً، وترك رسالة يحث فيها الشباب على أن هؤلاء البنات نصابات، وأن الواحدة ليس لها وفاء وعهد، لذا يمكن أن تحب عدة أشخاص في وقت واحد، فهو ينصح شلته وأصحابه من الانجرار خلف البنات.
فالوشم هو: التأثير في البدن بتغيير بعض المواضع، بل بعضهم يكتب عنوانه على بدنه: فلان بن فلان الفلاني! وهذا من أكبر ما يرضي الشيطان، ولذلك عباد الشيطان الذين ظهروا -أبناء علية القوم- أبدانهم كلها من فوق إلى تحت مرسوم فيها رسومات وكاريكاتير أشبه بالشياطين، وعناوين وكلمات مقطعة وحروف ملخبطة، وحالتهم كلها لخبطة في لخبطة؛ لأن هذا كله من وحي الشيطان.
فـ عبد الله بن مسعود قال: (لعن الله الواشمة والمستوشمة)، والواشمة هي الفاعلة لذلك، والمستوشمة هي التي طلبت أن يفعل بها ذلك.
قال: (والمتنمصات)، والنمص هو ترقيق الحواجب، وللأسف الشديد أنه لا يزال إلى الآن، بل قد تجد المنقبات اللاتي يجلسن معنا الآن في المسجد يفعلن ذلك، فهذه نصيحة لهن ولغيرهن بأن هذا الفعل حرام، فلا تستحي المرأة أن تظهر بحاجب عريض، ولا ترققه بالحلاوة أو بالفتلة أو بغير ذلك، وكل هذا إنما هو مجلبة للعن ومطردة للرحمة، والمرأة الفاعلة لذلك إذا كانت عالمة فهي مستحقة للعن، وإذا كانت جاهلة وعلمت فيلزمها أن تتوب إلى الله .
قوله: (والمتفلجات) له حكاية أخرى.
لذا فإن المرأة قد تكون لها أسنان كبيرة، وبالذات القواطع التي في بداية الفم، وهذا شيء يضايقها، فتزيد أن تظهر بأحسن مظهر وأجمل مظهر، كـ عمر الشريف، فتقوم بالتفريق بين السنتين، وهذا فن قائم بذاته في أمريكا وأوروبا، ففي أمريكا تجد محلات لو ترجمت ما هو مكتوب عليها وجدته: محلات التفلج، يعني: هم يعلمون أن هذا تفلج.
فتظهر المرأة وما بين السنين مقطوع ومجوف، وأول ما تفتح فمها تضحك لك بضحكة عريضة تشلك وتشل قلبك؛ لأنه فعلاً هو هذا الذي في الحديث: (والمتفلجات للحسن)، يعني: أنها لا تفعل هذا إلا لأجل أن تظهر بمظهر حسن، وأنت ستبقى تنظر إليها إلى أن تختفي عن الأنظار، والعملية كلها ما هي إلا دقائق أو أقل من دقيقة، يعني: عندما تظهر واحدة جميلة في الشارع، فإن هذه الواحدة الجميلة هي امرأتك، ومع امرأتك ما معها؛ ولذلك قال النبي ﵊: (إذا نظر أحدكم إلى امرأة فأعجبته فليأت أهله؛ فإن معها مثل الذي معها)، أليس هذا حديث النبي ﵊؟ فالرجل هو الرجل، وإن تعددت الأشكال والألوان، والمرأة هي المرأة وإن تعددت الأشكال والألوان، فلا فرق بين رجل وآخر، ولا بين امرأة وأخرى إلا بتقوى الله .
فأنت حينما تنظر إلى امرأة على هذا النحو من الحسن والجمال، جاهد نفسك لحظة، وصوب نظرك إلى الأرض، امتثالاً لأمر الله : ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ [النور:٣٠]، و (يَغُضُّوا) فعل مضارع على اعتبار استمرار الغض، فالآن الشياطين تملأ الشوارع، يميناً وشمالاً وفوق وتحت، فماذا تعمل؟ تستمر في غض بصرك، وما هي إلا ثوان وهي خلف ظهرك.
فيأتي شخص ويقول: أنا متعلق بها جداً، فهي حتى بعدما تمر ينظر إليها، فأنت قد أصابتك مصيبة، وتحتاج إلى أن تعالج قلبك بالدعاء وقيام الليل والتقرب إلى مولاك ، فأنت لا يمكن أبداً أن تتقرب إلى الله ويضيعك، بل الله أشد تقرباً لعباده من تقرب العباد إليه.
ولذلك قال في الحديث القدسي: (إذا تقرب إلي عبدي شبراً تقربت منه ذراعاً، وإذا تقرب مني ذراعاً تقربت منه با
стр. 92
اتباع ابن عمر لآثار النبي ﵊ في الأمور الاعتيادية
قال: [وعن عبد الله بن عمر أنه كان يتبع أمر رسول الله ﷺ وآثاره وحاله وأفعاله ويهتم به].
حتى الأفعال الجبلية، فقد كان النبي ﷺ إذا بال في مكان يحرص عبد الله بن عمر أن يبول في نفس المكان، وإذا جلس واستظل بظل شجرة يحرص عبد الله بن عمر أن يستظل بظل تلك الشجرة؛ تبركاً بآثاره ﵊.
قال: [وعن نافع قال: كان ابن عمر إذا مر بشجرة بين مكة والمدينة أناخ عندها، ثم صب في أصلها إداوة من ماء، وإن لم تكن إلا تلك الإداوة معه، قال: وقال نافع: وأرى أن النبي ﵊ فعله ففعله].
يعني: أن ابن عمر لم يكن معه إلا قربة ماء واحدة، والطريق طويل بين مكة والمدينة، لكنه رأى النبي ﵊ في نفس المكان عند أصل هذه الشجرة قد سقى الشجرة بإداوة من ماء كانت معه؛ فأراد عبد الله بن عمر أن يصنع نفس الصنيع، مع أن الطريق طويل وربما يعطش، لكن اتباع آثاره ﵊ أحب إليه من هذا، وهذا منتهى الإيمان: (لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده وأهله وماله والناس أجمعين)، والرواية هذه من طريقين أو من حديثين.
قال: [وعن نافع قال: كان ابن عمر يتتبع آثار رسول الله ﵊ فيصلي فيها، حتى إن النبي ﷺ نزل تحت شجرة فكان ابن عمر يصب تحتها الماء حتى لا تيبس].
قال: [وعن مجاهد قال: كنا مع ابن عمر في سفر، فمر بمكان فحاد عنه، فسئل: لم فعلت ذلك؟ قال: إني رأيت رسول الله فعل هذا ففعلت].
قال: [وعن عاصم الأحول قال: كان ابن عمر إذا رئي في طريق، كأنه ذكر كلمة من شدة اتباعه لأثر رسول الله ﷺ ، فإن قيل له: إن النبي ﷺ لصق بالحائط لصق]، أي: إذا قيل لـ عبد الله بن عمر: إن النبي ﷺ وضع رأسه على هذا الجدار فإنه يضع رأسه على هذا الجدار.
وأنتم تعلمون أن من السنة لزق البطن والصدر بالملتزم الذي بين الحجر الأسود والباب.
[وإن قيل له: قعد قعد، وإن قيل له: مشى مشى] شدة اتباع.
[قال الشيخ ابن بطة: والله هذه أفعال العقلاء -يعني: أفعال عبد الله بن عمر - والمؤمنين، وأخلاق الأئمة الهادين المهديين الراشدين المرشدين، الذين من اقتفى آثارهم فاز ونجا ورشد واهتدى، ومن تفيأ بظلهم لم يظمأ ولم يضح، ومن خالفهم ضل وغوى، وغضب عليه رب السماء؛ فنعوذ بالله من الشقاوة والعماء، ومن الضلالة بعد الهدى].
قال: [وكان عبد الله بن عمر يحفظ ما يسمع من رسول الله ﵊، وإذا لم يحضر سأل من حضر عما قال رسول الله وفعل].
وهذه سنة، أي: أنك عندما تغيب عن درس يوم تذهب إلى صاحبك وترتب معه في المسجد، فتقول له: اليوم الذي لا أحضر فيه يا فلان تحضر أنت فيه، واليوم الذي أنا أحضر فيه تذهب وتشتغل فيه، وقد جاء في كتاب العلم عند البخاري: أن عمر بن الخطاب كان له جار من الأنصار يتناوبان العلم، فـ عمر بن الخطاب يذهب يوماً ويأتي بطعامه وطعام جاره، والجار يحضر مجلس النبي ﵊، ثم يظل في الليل يعلم عمر ما قال النبي ﷺ وما صنع، وفي اليوم الثاني يذهب الأنصاري إلى المعاش والرزق والسوق والتجارة، فيتكسب له ولـ عمر، وعمر يجلس في مجلس النبي ﵊، وفي الليل بعد العشاء يأتي يعلمه عمر: النبي قال، النبي عمل، النبي أمر، النبي نهى، النبي شرح.
قال عمر: كنت أنا وجار لي من الأنصار نتناوب الحضور في مجلس النبي ﵊.
فانظر إلى عبد الله بن عمر، هذا الشبل من ذاك الأسد، فقد كان إذا فاته مجلس ذهب إلى رفقائه الذين حضروا؛ ليسمع منهم ما فاته من النبي ﵊.
قال: [وإذا لم يحضر سأل من حضر عما قال رسول الله وفعل، وكان يتتبع آثار رسول الله ﵊ في كل مسجد صلى فيه].
يعني: أنه كان يصلي في نفس المكان الذي صلى فيه النبي ﷺ .
قال: [وكان يعترض براحلته في كل طريق].
لأن النبي ﷺ كان يتخذ راحلته سترة، وكذلك كان عبد الله بن عمر، فقد كان يركب الدابة أو الحمار في السفر، فتحضره الصلاة فينزل، فيعرض الحمار ويتخذه سترة له.
قال: [كان يعرض براحلته في كل طريق مر بها رسول الله ﵊، فيقال له في ذلك، فيقول: أتحرى أن تقع راحلتي على بعض أخفاف راحلة رسول الله ﵊].
أرأيتم كيف يكون الاتباع؟! وليس هو فقط، وليس من أجل أ
стр. 93
أثر أبي بكر الصديق (لست تاركاً شيئاً)
[وعن عائشة قالت: إن أبا بكر ﵁ قال: لست تاركاً شيئاً كان رسول الله ﷺ يعمل به إلا عملت به، وإني لأخشى إن تركت شيئاً من أمره أن أزيغ].
أرأيتم أبا بكر ﵁؟ مع أن أبا بكر لا يمكن أن يزيغ؛ لأنه مبشر بالجنة، ومحكوم له بأنه من أئمة الهدى، بل هو أعظم إمام من أئمة الهدى بعد الأنبياء، يعني: لا يمكن أن يزيغ ولا يضل ولا يخرف، فإن هذا كان بعيداً عنه تماماً؛ لأن النبي ﷺ قال: (فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين)، وكل هذه الأوصاف أوصاف للخلفاء، ومع هذا فهو يخشى الزيغ والضلال إن ترك سنة صغيرة من السنن الجبلية التي لسنا مطالبين بها.
[قال الشيخ: هذا يا إخواني الصديق الأكبر يتخوف على نفسه الزيغ إن هو خالف شيئاً من أمر نبيه ﵊، فماذا عسى أن يكون من زمان أضحى أهله يستهزئون بنبيهم وبأوامره، ويتباهون بمخالفته، ويسخرون من سنته، نسأل الله عصمة من الزلل، ونجاة من سوء العاقبة].
ابن بطة يقول هذا الكلام وهو في زمن بقية السلف!
стр. 94
تحري سنة رسول الله ﷺ ولزومها عصمة من الضلال
قال: [وعن سعيد بن جبير قال في قول الله تعالى: ﴿وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى﴾ [طه:٨٢]، قال: لزم السنة] أي: سنة النبي ﵊ التي عليها جماعة المسلمين.
قال: [وعن يزيد بن أبي عبيد قال: رأيت سلمة بن الأكوع يصلي من وراء الصندوق].
وسلمة بن الأكوع من أجلة الصحابة ومن عظمائهم، وله آثار عظيمة جداً في مقاتلة المشركين، يعني: كان جيشاً لوحده، وآثاره عظيمة جداً في الصحيحين.
قال: [فقلت له: ما لي أراك تصلي هاهنا؟ قال: إني رأيت رسول الله ﷺ يتحرى هذا المكان].
أي: يصلي في هذا المكان بالذات، فأنا أتحراه كما تحراه النبي ﵊.
قال: [وعن عمر بن عبد الرحمن بن مظعون قال: (لما دَفن رسول الله ﷺ عثمان بن مظعون وسوى عليه التراب كانت صخرة قريبة من القبر، فقال النبي ﵊: هاتوا هذه الصخرة، فثقلت على القوم، فقام النبي ﵊ فأخرجها بيده حتى انتهى بها إلى رأس القبر فأثبتها رسول الله)].
يعني: أقامها عند رأسه.
قال: [وقال: وكان أهل المدينة يضعون ذلك على قبورهم، حتى كانت إمارة مروان، فإنه أمر بتسوية القبور، قال: فأزيلت الصخرة عن مكانها، فجاء ابن عمر مغضباً، فقال: ويحك يا مروان! أزلت شيئاً وضعه رسول الله بيده؟] وظل بـ مروان حتى أرجع مروان الحجر إلى مكانه، وكان مروان أميراً وخليفة، ومع هذا يقوم إليه عبد الله بن عمر فيأمره وينهاه إلى أن أرجع الحجر إلى مكانه.
стр. 95
أثر سعيد بن جبير (رسول الله أعلم بكتاب الله)
قال: [وعن سعيد بن جبير أنه حدث عن النبي ﵊ حديثاً، فقال رجل: إن الله تعالى قال في كتابه كذا وكذا].
أي: أن سعيد بن جبير يحدث عن النبي ﵊ بحديث، فيقوم آخر ويقول: الظاهر أنه بين الآية والحديث تعارض، فيقوم سعيد بن جبير ويغضب غضباً شديداً، قال: [فقال: ألا أراك تعرض لحديث رسول الله بكتاب الله، ورسول الله أعلم بكتاب الله].
أي: أنا أرى أنك تضرب كتاب الله بسنة رسوله، مع أن الرسول ﷺ الذي نقل إلينا هذا القرآن هو الذي قال هذا الحديث، وهو أدرى بكتاب الله وأعلم بكتاب الله منا، فليس هناك تعارض ولا تضارب بين القرآن والسنة.
وإذا كان هناك تعارض ولا بد؛ فإما أن يكون الخلل في السند الذي رويت به سنة النبي ﵊، أو يكون الخلل في عقولنا نحن.
стр. 96
أثر عبد الرحمن بن يزيد أنه رأى محرماً عليه ثيابه فنهاه
قال: [وعن عبد الرحمن بن يزيد أنه رأى محرماً عليه ثيابه فنهى المحرم].
أي: أن شخصاً محرماً في الحج كان يلبس الملابس العادية، فنهاه أن يلبس إلا ملابس الإحرام.
قال: [فقال: ائتني بآية من كتاب الله بنزع ثيابي.
فقرأ عليه: ﴿مَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر:٧]].
стр. 97
أثر عمر بن الخطاب (سيأتي أناس يجادلونكم)
قال: [وعن عمر بن الخطاب ﵁ قال: سيأتي أناس يجادلونكم بشبهات القرآن، فجادلوهم بالسنن؛ فإن أصحاب السنن أعلم بكتاب الله].
أسمعتم هذا الكلام الجميل؟! سيأتي إليك شخص ويقول لك: القرآن، فقال: هؤلاء أهل الرأي وأصحاب الهوى، فإذا قالوا مثل ذلك؛ فعليكم بالسنن وأهل السنن؛ فإنهم أعلم بكتاب الله .
وعن مكحول قال: القرآن أحوج إلى السنة من السنة إلى القرآن.
أي: دائماً القرآن يأتي بالمجملات والكليات والقواعد العامة، وهذه محتاجة إلى تحليل وتفسير وتفصيل، ونجد كل هذا في السنة.
إذاً: القرآن بحاجة إلى البيان؛ ولذلك أتى الأمر ببيان القرآن للنبي ﵊: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل:٤٤].
فهنا النبي ﵊ يقوم بمهمة البيان والتبليغ عن ربه، كما أن هذا البيان يكون أحياناً بالشرح والتفسير، وحمل المطلق على المقيد، وتفصيل المجمل وغير ذلك.
إذاً: القرآن أحوج إلى السنة من السنة إلى القرآن؛ لأن بعض الناس يستعظم جداً هذا اللفظ مع أنه صحيح.
ولذلك [قال يحيى بن أبي كثير] وأحمد بن حنبل من بعده: [السنة قاضية على الكتاب، وليس الكتاب قاضياً على السنة].
стр. 98
أثر حسان بن عطية (كان جبريل ﵇ ينزل على النبي بالسنة)
قال: [وعن حسان بن عطية قال: كان جبريل ﵇ ينزل على النبي ﵊ بالسنة كما ينزل عليه بالقرآن، فيعلمه إياها كما يعلمه القرآن.
وقال قتادة في قول الله تعالى: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ﴾ [الأحزاب:٣٤]، قال: القرآن والسنة].
والأمر في الآية موجه لزوجات النبي ﵊ بالدرجة الأولى، ثم لسائر الأمة بالتدبر والتذكر والحفظ والتلاوة، والعمل بما يتلى من كتاب الله ومن سنته ﵊.
стр. 99
امتناع عمران بن حصين عن الحديث بسبب معارضة بشير بن كعب
قال: [وعن حجير بن أبي الربيع أنه سمع عمران بن الحصين يقول: قال النبي ﵊: (الحياء خير كله، فقال بشير بن كعب: إن منه ضعفاً ومنه وقاراً لله)].
فقال له بشير بن كعب: لا، فأحياناً يكون الحياء ضعفاً، ومنه وقار لله، أي: أن هذا ليس بحياء شرعي ممدوح، وإنما هذا ضعف وخور.
فمثلاً: لو أن متبرجة ارتدت النقاب بعد أن سمعت الشيخ يتكلم عن الحجاب والجنة والنار وغير ذلك، ثم قالت: أنا أستحي من الناس! وماذا سيقول عني الجيران؟ من هذه الطالعة والنازلة بالنقاب؟! فهذه المرأة تترك الحجاب حياء من الناس.
هل هذا يسمى حياءً؟ العرف سماه حياء، أما الشرع فلا يسمي هذا حياء، فالشرع حين تكلم عن الحياء إنما تكلم عن الحياء الشرعي، وأن الحياء خير كله.
[ثم قال عمران: والله لا أحدثكم بحديث اليوم].
أي: عقوبة لكم أن تحرموا اليوم من درس العلم، وهذا الكلام كان عليه أئمة السلف، فقد كان مجلس إسماعيل بن عياش لا يسمع به صوت، ولا يبرى فيه قلم، ولا يلتفت فيه أحد لأخيه، فإن التفت فيه أحد قام وتركهم، وكان يحضر مجلسه آلاف من الطلاب، وفي رواية: أن إسماعيل تهيأ للدرس، فلما جلس سمع رجلاً يضحك، قال: من الضاحك؟ قال الضاحك: أنا، قال: أتطلب العلم وأنت تضحك؟ فقال: وما لي لا أضحك؟ أليس الله هو الذي أضحك وأبكى؟ -أرأيتم الفلسفة- قالوا: أنت ضحكت وربنا يضحك ويبكي، فأنت ضحكت وبقي منك البكاء فلم لا تبك؟! ثم قام إسماعيل وقال: والله لا أحدثكم شهراً.
فتصور أنه بسبب سوء أدب وقلة حياء واحد يُحرم الآلاف من العلم ومن سماع كلام النبي ﵊ لمدة شهر كامل، وهذه عقوبة.
стр. 100
بعض الآثار الواردة في من عارض حديث النبي بعقله
قال: [وعن عبادة بن الصامت أنه خرج مع رجل إلى أرض الروم، فنظر إلى الناس وهم يتبايعون كسرة الذهب بالدنانير، وكسرة الفضة بالدراهم.
فقال: يا أيها الناس! إنكم تأكلون الربا].
مع العلم أن عبادة بن الصامت مشهور في الصحابة بشدته وغلظته في الدعوة إلى الله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فهنا قال لهم: يا أيها الناس! إنكم تأكلون الربا، [سمعت النبي ﷺ يقول: (لا تبايعوا الذهب إلا مثلاً بمثل، لا زيادة بينهما ولا نظرة)].
قوله: (لا زيادة)، يعني: لا تفاضل، (ولا نظرة)، يعني: لا نسيئة، فلا بد من التقابض في المجلس.
قال: [فقال رجل: لا أرى الربا يكون في هذا إلا ما كان من نظرة].
أي: أنه يقول له: يا عبادة! أتيتنا البارحة، ثم أنت اليوم تقول: إننا نتعامل بالربا، كم عمرك يا عبادة؟ ثلاثون أو أربعون؟ نحن نتعامل بهذه المعاملة من قبل خمسين سنة فما أدراك أنت؟ وكأنك تحدث والدك بالضبط، تقول له: يا أبت! لا يصح أن تصلي بهذه الطريقة، إنك بهذا تنقر الصلاة نقر الغراب، وتقعي في صلاتك كإقعاء الكلب، فيقول لك: وما شأنك بي؟ أبسبب أنك حضرت في مسجد أهل السنة درسين أو ثلاثة تأتي وتقول: إن الصلاة كلها خاطئة، أتأتي تعلمني ولي خمسون سنة وأنا أصلي ولا أحد قال لي هذا الكلام؟! قال: [فقال رجل: لا أرى الربا يكون في هذا إلا ما كان من نظرة.
فقال عبادة: أحدثك عن رسول الله وتحدثني عن رأيك، لئن أخرجني الله لا أساكنك بأرض لك عليَّ فيها إمرة.
فلما قفل لحق بالمدينة -أي: لما رجع إلى البلد رجع إلى المدينة- فقال له عمر ﵁: ما أقدمك يا أبا الوليد؟ فقص عليه القصة، فقال: ارجع إلى أرضك وبلدك، ولا إمرة له عليك].
وهذا يدل على أن السائل كان مع معاوية.
والراوي لم يذكر أنه معاوية، مع أنها مفهومة، لكنه لم يذكره تأدباً.
وفي رواية البخاري: [ارجع إلى أرضك وبلدك ولا إمرة له عليك؛ فقبح الله أرضاً لست فيها وأمثالك].
أي: أن أرضاً ليس فيها شخص من أمثالك يأخذ علمك؛ كادت هذه الأرض أن تهلك.
قال: [وعن عطاء بن يسار: (أن رجلاً باع كسرة من ذهب أو ورق -فضة- بأكثر من وزنها، فقال له أبو الدرداء: سمعت رسول الله ﷺ ينهى عن مثل هذا إلا مثلاً بمثل، فقال الرجل: ما أرى بمثل هذا بأساً.
فقال أبو الدرداء: من يعذرني من فلان، أحدثه عن رسول الله ويخبرني عن رأيه؟! لا أساكنك بأرض أنت بها، ثم قدم أبو الدرداء على عمر بن الخطاب ﵁ فذكر ذلك له، فكتب عمر بن الخطاب إلى الرجل: أن لا تبيع ذلك إلا مثلاً بمثل وزناً بوزن)].
هل تعرفو هذه المخالفات يا إخواني؟! نحن في زمان نتمنى أن تكون معاصينا متمثلة في ذلك، يعني: بعد ضياع الحكم وضياع الدين والشريعة بأكملها نتمنى أن تكون معاصينا على قدر ما أنكره الصحابة فيما بينهم، إي والله! وذلك مصداقاً لقوله ﵊: (لا يأتي زمان إلا والذي بعده شر منه).
قال: [عن الأعرج قال: سمعت أبا سعيد الخدري يقول لرجل: (أتسمعني أحدث عن رسول الله ﵊ أنه قال: لا تبيعوا الدينار بالدينار والدرهم بالدرهم إلا مثلاً بمثل، ولا تبيعوا منها عاجلاً بآجل، ثم أنت تفتي بما تفتي؟! والله لا يؤويني وإياك ما عشت إلا المسجد).
أي: لا يمكن أن أجتمع بك في مكان إلا في المسجد؛ لأنه لا فكاك لي من حضور الجماعة وأنت تحضر الجماعة، أما أن أجتمع معك في قافلة أو في رحلة أو غير ذلك، فلا يمكن أبداً.
قال: [وعن عبد الله بن مغفل ﵁ قال: (نهى النبي ﵊ عن الخذف)]، والخذف كنا نفعله قديماً ونحن نرعى الغنم، فنأتي بالعصا الطويلة التي نسوق بها الغنم، وننظر من الذي سيوصلها أبعد من الآخر؟ الذي يحرز مائة متر أو ثلاثمائة متر، وهذا الخذف قد نهى عنه النبي ﵊ بقوله: (فإنه يفقأ العين ولا ينكأ العدو)، يعني: أن الخذف لا يذهب عنك العدو، بل قد يأتي في عين أخيك فيقلعها؛ فنهى النبي ﵊ عن الخذف، [وقال: (إنها لا تصطاد صيداً، ولا تنكأ عدواً، ولكنها تفقأ العين، وتكسر السن).
فقال رجل لـ عبد الله بن مغفل: وما بأس هذا؟ فقال: إني أحدثك عن رسول الله وتقول هذا! والله لا أكلمك أبداً].
стр. 101
تعقيب المؤلف على الآثار الواردة في وجوب طاعة الرسول
[قال الشيخ ابن بطة: فاعتبروا يا أولي الأبصار، فشتان بين هؤلاء العقلاء السادة الأبرار الأخيار، الذين ملئت قلوبهم بالغيرة على إيمانهم، والشح على أديانهم، وبين زمان أصبحنا فيه وناس نحن منهم، وبين ظهرانيهم، هذا عبد الله بن مغفل صاحب رسول الله ﵊، وسيد من ساداتهم، يقطع رحمه، ويهجر حميمه، حين عارضه في حديث رسول الله ﵊، وحلف أيضاً على قطيعته وهجرانه وهو يعلم ما في صلة الأقربين وقطيعة الأهلين.
وعبادة بن الصامت وأبو الدرداء سماه رسول الله ﵊ حكيم هذه الأمة، وأبو سعيد الخدري يظعنون عن أوطانهم -يعني: يرحلون عن أوطانهم- وينتقلون عن بلدانهم، ويظهرون الهجرة لإخوانهم؛ لأجل من عارض حديثاً واحداً من أحاديث النبي ﵊، وتوقف عن استماع سنته، فيا ليت شعري! كيف حالنا عند الله ونحن نلقى أهل الزيغ والضلال في صباحنا والمساء، يستهزئون بآيات الله، ويعاندون سنة رسول الله ﵊ حائدين عنها وملحدين فيها، سلمنا الله وإياكم من الزيغ والزلل].
стр. 102
ذكر طاعة الرسول في القرآن في ثلاثة وثلاثين موضعاً
[قال الفضل بن زياد: سمعت أبا عبد الله أحمد بن حنبل يقول: نظرت في المصحف فوجدت فيه طاعة رسول الله في ثلاثة وثلاثين موضعاً، ثم جعل يتلو: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور:٦٣]، وجعل يكررها ويقول: وما الفتنة الشرك، لعله أن يقع في قلبه شيء من الزيغ؛ فيزيغ قلبه فيهلكه، وجعل يتلو هذه الآية: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ [النساء:٦٥].
قال: وسمعت أبا عبد الله يقول: من رد حديث النبي ﷺ ؛ فهو على شفا هلكة.
قال الشيخ: فالله الله إخواني! احذروا مجالسة من قد أصابته الفتنة؛ فزاغ قلبه، وعميت بصيرته، واستحكمت للباطل نصرته، فهو يتخبط في عشواء، ويعشو في ظلمة أن يصيبكم ما أصابهم؛ فافزعوا إلى تواب كريم فيما أمركم به من دعوته، وحضكم عليه من مسألته، فقولوا: ﴿رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ [آل عمران:٨]].
قال: [قال رجل لـ مالك بن أنس: أحرم من مسجد النبي ﵊ أو من ذي الحليفة؟ فقال له: بل من ذي الحليفة.
فقال الرجل: فإني أحرمت أنا من مسجد رسول الله ﷺ ، فقال مالك: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور:٦٣]].
قال: [قال أبو مجلز: قلت لـ ابن عمر: إن الله قد أوسع، والبر أفضل من التمر].
أي: إن الله أمرنا بأن نوسع على أنفسنا وعلى عيالنا والفقراء، ولكن الأمر ورد بالتمر، قال: والبر أفضل من التمر.
قال: [فقال: إن أصحابي سلكوا طريقاً فأنا أحب أن أسلكه].
أي: إن أصحابي -وهم كبار الصحابة- سلكوا طريق إخراج التمر؛ فأنا أحب إخراج التمر.
стр. 103
أثر عمر بن عبد العزيز (لا أرى لأحد منكم مع سنة رسول الله رأياً)
قال: [وعن عمر بن عبد العزيز أنه كتب إلى الناس: لا رأي لأحد مع سنة رسول الله ﷺ ].
أي: أول ما تسمعوا الحديث فقولوا: سمعنا وأطعنا، فلا أحد منكم يعارض الحديث بالرأي، ويعارض النقل بالرأي.
стр. 104
أثر مكحول (السنة سنتان)
قال: [وقال مكحول: السنة سنتان: سنة الأخذ بها فريضة وتركها كفر، وسنة الأخذ بها فضيلة وتركها إلى غير حرج.
قال الشيخ: وأنا أشرح لكم طرفاً من معنى كلام مكحول يخصكم ويدعوكم إلى طلب السنن التي طلبها والعمل بها فرض، والترك لها والتهاون بها كفر.
فاعلموا رحمكم الله أن السنن التي لزم الخاصة والعامة علمها، والبحث والمسألة عنها والعمل بها؛ هي السنن التي وردت تفسيراً لجملة فرض القرآن مما لا يعرف وجه العمل به إلا بلفظ ذي بيان وترجمة، كما قال تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة:٤٣] وقال: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ﴾ [البقرة:١٩٦]، وقال: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ [البقرة:١٨٣]، وقال: ﴿وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [البقرة:٢١٨]، وقال: ﴿فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ﴾ [النساء:٣] وقال: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة:٢٧٥].
فليس أحد يجد سبيله إلى العمل بما اشتملت عليه هذه الجمل من فرائض الله دون تفسير الرسول ﵊].
وهذا من سنن الفرض الذي من تركه كفر، بخلاف سنن العادة، أي: ما كان من خاصة الجبلة التي خلق الله عليها الخلق.
نكتفي بهذا القدر، سائلين الله أن يتقبل منا ومنكم صالح الأعمال والأقوال؛ إنه ولي ذلك والقادر عليه.
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله.
стр. 105
شرح كتاب الإبانة - ذكر ما نطق به الكتاب بلزوم الجماعة والنهي عن الفرقة
حث القرآن الكريم على لزوم الجماعة ونهى عن الفرقة والاختلاف، وحذرنا من سلوك سبيل الأمم السابقة في اختلافها وتفرقها، وأعلمنا الله سبحانه أنه ما اختلف الذين من قبلنا إلا من بعد ما جاءهم العلم بغياً بينهم وحسداً.
стр. 106
باب ذكر ما نطق الكتاب نصاً بلزوم الجماعة والنهي عن الفرقة
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب: ذكر ما نطق به الكتاب نصاً في محكم التنزيل بلزوم الجماعة والنهي عن الفرقة].
هذا باب جديد ذكر فيه الآيات التي أمرت بالتزام الجماعة، والآيات التي نهت عن التفرق وترك الجماعة.
كما أنه أمر بذلك فيما جاء عن النبي ﵊ من الأمر بلزوم الجماعة وترك الفرقة، والأمر بالاعتصام بالكتاب والسنة ولزوم جماعة المسلمين.
قال: [أما بعد: فاعلموا يا إخواني وفقنا الله وإياكم للسداد والصواب، وعصمنا وإياكم من الشتات والانقلاب! أن الله قد أعلمنا باختلاف الأمم الماضين، وأنهم تفرقوا واختلفوا فتفرقت بهم الطرق حتى صار بهم الاختلاف إلى الافتراء على الله ، والكذب عليه والتحريف لكتابه، والتعطيل لأحكامه والتعدي لحدوده.
وأعلمنا تعالى أن الشيء الذي يكون سبباً في الفرقة بعد الألفة، والاختلاف بعد الائتلاف، هو شدة الحسد من بعضهم لبعض، وبغي بعضهم على بعض، فأخرجهم ذلك إلى الجحود بالحق بعد معرفته، وردهم البيان الواضح بعد صحته، وكل ذلك وجميعه قد قصه الله علينا، وأوعز فيه إلينا، وحذرنا منه أن نقع فيه، وخوفنا من ملابسته، ولقد رأينا ذلك في كثير من أهل عصرنا، وطوائف ممن يدعي أنه من أهل ملتنا.
وسأتلو عليكم من نبأ ما قد أعلمناه مولانا الكريم، وما قد علمه إخواننا من أهل القرآن وأهل العلم وكتبة الحديث والسنن.
وما يكون فيه إن شاء الله تعالى بصيرة لمن علمه ونسيه، ولمن غفله أو جهله، ويمتحن الله به من خالفه وجحده، بألا يجحده إلا الملحدون، ولا ينكره إلى الزائغون، قال الله ].
يبدأ الآن في سرد الآيات التي تأمر بالائتلاف وتنهى عن الاختلاف والتفرق والتشرذم، وقد يتبادر إلى الذهن أن هذه الجماعة المقصود بها: هي جماعة الإخوان، أو هي جماعة التكفير، أو الجماعات الإسلامية، أو جماعة الجهاد.
كل هذا خبط عشواء، فإن إنزال هذه الأدلة على هذه الجماعات الكائنة القائمة على الساحة الآن أمر غير رشيد، ولم يفهمه أحد من السلف، ولا من المعاصرين من أهل العلم، ولم يقل بذلك إلا بعض أصحاب هذه الجماعات.
يقول النبي ﵊: (عليكم بالجماعة)، فتظن أن هذه الجماعة هي جماعتك التي تتجه إليها، أو تسمعه ﷺ يقول: (من فارق الجماعة قيد شبر فمات فميتته جاهلية).
فتقول: لابد لي من جماعة أنضم إليها وأوافقها، وأسمع وأطيع لها، وإلا فميتتي ميتة جاهلية.
والصواب أن هذه الآيات وهذه الأحاديث التي أمرت بلزوم جماعة المسلمين، تعني بالجماعة جماعة الإمام الأعظم، جماعة الخليفة الذي عينه المسلمون وعينه أهل الحل والعقد، هذا الخليفة وهذا الإمام الأعظم هو الذي يعين الولاة والأمراء والسلاطين، فهذا الخليفة هو الرجل الذي أمرنا بأن من أتى بعده ينازعه قاتلناه حتى قتلناه.
وما يفعله كل جماعة من الجماعات القائمة تجاه هذه الآيات والأحاديث، أمر يدعو إلى الحيرة والشتات والفرقة، مع أن الأصل الدعوة إلى الاعتصام بالكتاب والسنة، والدعوة إلى الائتلاف وترك الاختلاف، ولكنك لو أنزلت هذه الآيات والأحاديث على كل جماعة أو على جماعة بعينها من هذه الجماعات؛ فإن كل الجماعات الإسلامية بعيدة عن هذه الآيات والأحاديث؛ فأين الحق وأين الباطل إذاً؟ ولذلك منتهى الكلام سيأتي معنا عند التعرض لذكر الأوامر والنواهي في سنة النبي ﵊ بلزوم الجماعة وترك الاختلاف.
стр. 107
قوله تعالى: (كان الناس أمة واحدة)
[قال الله تعالى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [البقرة:٢١٣]].
هذه الآية من آيات سورة البقرة، وقد تكلم عنها الحافظ ابن كثير كلاماً رائعاً ممتعاً، وخير من يتكلم عن الاجتماع وترك الفرقة هو الحافظ ابن كثير، كما يتكلم عنه كذلك ابن تيمية عليه رحمة الله.
فيقول الحافظ ابن كثير في تفسير هذه الآية نقلاً عن ابن عباس: كان بين نوح وآدم عشرة قرون كلهم على شريعة من الحق فاختلفوا، فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين.
وأنتم تعلمون أن آدم هو أول نبي بعث، أما نوح فهو أول رسول بعث.
يقول ابن عباس: كل أصحاب تلك القرون كانوا على الحق وعلى توحيد الله الذي جاء به آدم حتى اختلفوا، فلما اختلفوا أرسل الله الرسل مبشرين ومنذرين، فكان أول من أرسل نوحاً.
ولـ ابن عباس قول ثان، وهو: أن الناس بين آدم ونوح كانوا على الضلال المبين وترك التوحيد، حتى أرسل الله إليهم نوحاً ليدلهم على التوحيد.
والرأي الأول أرجح.
وقال قتادة في قول الله : ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ [البقرة:٢١٣] قال: كانوا على الهدى جميعاً، أي: كانوا أمة واحدة على التوحيد والإيمان الصادق.
ولهذا قال تعالى: ﴿وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ﴾ [البقرة:٢١٣]-أي: مع المرسلين- ﴿لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾ [البقرة:٢١٣]، أي: من بعد ما قامت الحجج عليهم، وما حملهم على ذلك إلا البغي من بعضهم على بعض، أي أن الحسد هو السبب الذي جعل بعضهم يبغي على بعض، وما أتاهم الحسد إلا بعد أن قامت عليهم الحجج بإرسال المرسلين وإنزال الكتب عليهم؛ ولذلك يقول ابن عباس ﵄: الحسد بين أهل العلم -وفي رواية قال: الغيرة بين العلماء- أشد منها بين السيوف في أغمادها.
فإذا دب الحسد بين قوم لابد أن يبغي بعضهم على بعض؛ ولذلك ثبت في الحديث أن النبي ﵊ قال: (دب إليكم داء الأمم قبلكم الحسد، لا أقول: إنها حالقة الشعر، ولكنها حالقة الدين).
والراجح في هذا الحديث أنه حديث حسن.
وعن أبي هريرة ﵁ في قوله: ﴿فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة:٢١٣] قال النبي ﷺ : (نحن الآخرون الأولون).
أي: نحن آخر الأمم، ونحن أول الأمم بعثاً يوم القيامة ودخولاً الجنة.
وإذا كنا في تعداد الرسل والأمم فنحن آخر أمة، أما من جهة البعث والحساب والجزاء ودخول الجنة فنحن أول الأمم.
قال: (نحن الآخرون الأولون يوم القيامة، نحن أول الناس دخولاً الجنة بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا -يعني: غير أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا- وأوتيناه من بعدهم، فهدانا الله لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه، فهذا اليوم الذي اختلفتم فيه هدانا الله له، فالناس لنا فيه تبع وغداً لليهود، وبعد غد للنصارى) وهذا اليوم يوم الجمعة.
ثم اختلفوا في يوم يتخذونه لأنفسهم؛ فاختلفوا اختلافاً عظيماً جداً، فاستقر رأيهم -أي: رأي اليهود- على اتخاذ السبت، واستقر رأي النصارى على اتخاذ الأحد، ولكن الله هو الذي تولى هداية هذه الأمة ليوم عظيم وهو يوم الجمعة؛ ولذلك يقول النبي ﵊: (يوم الجمعة هو خير يوم طلعت عليه الشمس، فالناس لنا فيه تبع، غداً لليهود وبعد غد للنصارى).
ثم يبين النبي ﵊ فضائل هذا اليوم: أولاً: فيه صلاة الجمعة، وهي مجمع ومحشر لجميع المسلمين المكلفين.
الأمر الثاني: فيه خلق آدم.
الثالث: فيه مات آدم.
الرابع: فيه تقوم القيامة، وغير ذلك من فضائل هذا اليوم التي عددها شيخ الإسلام ابن القيم، وكذلك الإمام السيوطي من بعده في رسالة مستقلة.
وقال ابن وهب: عن عبد الله بن زيد بن أسلم عن أبيه في قوله تعالى: ﴿فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة:٢١٣] قال: اختلفوا في يوم الجمعة، فاتخذ اليهود
стр. 108
قوله تعالى: (تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض)
وقال الإمام ابن بطة: [وقال الله تعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ [البقرة:٢٥٣]].
فالذي كلم الله هو موسى ﵇، ونبينا ﵊ في ليلة المعراج أيضاً كلم ربه.
قال: ﴿وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ﴾ [البقرة:٢٥٣]، وهذا يعرف بحديث المعراج، وأن الله ﵎ جعل في كل سماء من السموات السبع أنبياء معينين، وهذا يدل على مراتب الأنبياء، وأنهم كذلك درجات.
قال: ﴿وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾ [البقرة:٨٧]، أي: بجبريل ﵇، (وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ)، أي: الذين جاءوا من بعدهم (مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ) أي: الحكمة والكتب السماوية، (وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا)، يعني: بعد أن جاءتهم البينات اختلفوا، فقامت عليهم الحجج وانتشر فيهم العلم، فاختلفوا من بعد ذلك، ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا﴾ [البقرة:٢٥٣]، أي: لو أراد ربك ألا يقتتلوا لفعل، ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ [البقرة:٢٥٣].
стр. 109
قوله تعالى: (إن الدين عند الله الإسلام)
[وقال تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلاَّ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمْ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ وَمَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [آل عمران:١٩]]، ولابد أن تعلم أن كل نبي ورسول أرسله الله إنما أرسل بالإسلام؛ ولذلك الدين المشترك بين جميع الأنبياء والمرسلين هو الأمر بعبادة الله وحده وترك الشرك.
فما من نبي أرسله الله ولا رسول إلا أمر أمته بأن يعبدوا الله مخلصين له الدين، وهذا هو أصل الإسلام الذي أرسل الله به الأنبياء والمرسلين.
стр. 110
قوله تعالى: (إن الذين فرقوا دينهم)
[وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [الأنعام:١٥٩]].
قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا﴾ أي: أحزاباً وجماعات وطوائف، فلست منهم يا محمد! في شيء، إن الله لن يحاسبك على تفرق اليهود، ولا على تفرق النصارى كما قال ﵊: (افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، والنصارى على اثنتين وسبعين فرقة، وستفترق هذه الأمة إلى ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة).
فهذه الأمة صارت فرقاً وشيعاً وأحزاباً، هل النبي ﵊ سبب في ذلك؟ لا؛ لأنه قد حذر من الفرقة والاختلاف، وأمر بالاعتصام والائتلاف، ولكن هذه الأمة ركبت ما ركبه اليهود والنصارى والأمم السابقة من التفرق والتشرذم والاختلاف، فلما كان بهم شبه منهم وكان الأولون في النار؛ أخبر النبي ﵊ من اتخذ الفرقة والتشيع والتشرذم في شريعته ﵊؛ أنهم سيجازون بدخول النار؛ ولذلك قال: (كلها في النار إلا واحدة).
وفي صحيح البخاري: عن النبي ﷺ يقول: (نحن معاشر الأنبياء أبناء علات وديننا واحد)، يعني: وإن اختلفت أمهاتنا فلا يختلف ديننا: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ﴾ [آل عمران:١٩].
فما من رسول إلا وقد أرسل بالإسلام، وإن اختلفت أمهاتهم، هذا أسود وذاك أبيض، هذا أحمر وهذا أصفر، هذا أعجمي وهذا عربي كلهم على اختلاف ألوانهم وأشكالهم، ومنازلهم ومراتبهم؛ إلا أنهم متفقون على وحدة الدين، وهي الأمر بعبادة الله تعالى وحده.
فقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾ [الأنعام:١٥٩] أي: يا محمد! لا تخف ولا ترتجف، فهؤلاء لا يمتون إليك ولا تمت أنت إليهم ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ﴾ [الأنعام:١٥٩] أي: حسابهم على الله، فإنهم سيموتون ثم يبعثهم الله ، ﴿ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [الأنعام:١٥٩] من التفرق والشيع.
следующие страницы →