← Акыда

Акыда · id 37436

شرح كتاب الإبانة من أصول الديانة

حسن أبو الأشبال الزهيري

Полный текст (1 366 стр.). Показаны 1156–1195 · переход к 1161.

стр. 1156

حكم تلاوة ورد الرابطة قبل صلاة المغرب السؤال وما حكم تلاوة ورد يسمى الرابطة، يفعله بعض الملتزمين قبل صلاة المغرب كل يوم؟ الجواب أنا أشعر أن هذا منهج المتصوفة، وليس من الملتزمين، ثم ما هو ورد الرابطة؟ فالأوراد المشروعة هي التي جاءت في الكتاب والسنة.

стр. 1157

حكم تصرف المستأجر بالعين المؤجرة إذا أذن المؤجر السؤال استأجر رجل مع شريك له محلاً تجارياً منذ عشر سنوات، ثم دفع أحدهما للآخر مبلغاً من المال وأصبح هو المستأجر بمفرده، ثم أنفق على هذا المحل حوالي عشرة آلاف جنيه، فهل يجوز أن يعطي هذا المحل لمستأجر جديد ويأخذ مالاً مقابل هذا مع علم صاحب العقار؟ الجواب إذا أذن في ذلك صاحب العقار وإلا فلا.

стр. 1158

حكم استعمال العقاقير الطبية لمنع نزول الحيض عند أداء العمرة السؤال امرأة تريد أن تذهب إلى أداء العمرة، وهي تعلم أنها أثناء العمرة سوف تكون حائضاً، فماذا تفعل: هل تذهب أم لا؟ مع العلم أنها إذا لم تذهب الآن لا تتوفر لها ظروف أخرى للسفر؟ الجواب تذهب وتأخذ عقاقير طبية تمنع نزول الدورة؛ حتى تؤدي العمرة.

стр. 1159

معنى كلام شيخ الإسلام: من قال بحصول الإيمان الواجب بدون فعل شيء من الواجبات السؤال ما معنى قول شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى في المجلد السابع في كتاب الإيمان: من قال بحصول الإيمان الواجب بدون فعل شيء من الواجبات؛ سواء جعل فعل تلك الواجبات لازماً له أو جزءاً منه؛ كان مخطئاً خطأً بيناً، وهذه بدعة الإرجاء؟ الجواب هذا الكلام جميل جداً، وحاصل ذلك: أنه إذا كان الإيمان قولاً وعملاً فكذلك الردة تكون بالقول وبالعمل، وهذا شرحه يطول، وأظن أننا قد تكلمنا فيه مراراً لما كنا نتكلم عن الجزء الأول والثاني من كتاب الإبانة.

стр. 1160

حكم من يصلي ويسب أمه السؤال رجل يصلي ويسب أمه، ويسب جدته ويضربها، ويغيظ إخوته، فهل تقبل صلاته؟ وكيف يمنع من ذلك؟ الجواب إذا كان هذا الرجل يصلي ويصوم لكنه يسبُّ أمه التي لا دخول له الجنة إلا بها وبرضاها، وكذلك يسبُّ جدته ويضربها ويغيظ إخوته هذا إنسان سيئ الخلق، وينبغي أن يؤدب بالطريقة اللائقة.

стр. 1161

حكم العمل في شركة سياحة السؤال أعمل محاسباً في شركة سياحة، مع العلم أنني كنت لا أعمل لفترة طويلة ولم أجد عملاً غيره، فهل مرتبي حلال أم ماذا؟ الجواب مسألة الحل والحرمة متعلقة بنوع العمل الذي تعمله، أو بالعمل الذي تقوم به الشركة، وشركات السياحة على ألف لون في العمل، فهل هذه الشركة تقوم بالعمل السياحي المشروع المأذون فيه شرعاً، أم أنها غير ذلك؟

стр. 1162

حكم الاستخارة في الحضور لأحد المشايخ الذي يحذر من بعض العلماء السؤال هل يجوز الاستخارة في الحضور لأحد المشايخ وهو يحذر من بعض الشيوخ، ويقول: إنهم ليسوا من أهل السنة، وأنا لا أعرف من هو على الحق؛ لأني لا زلت مبتدئاً في الالتزام؟ الجواب لا يا أخي! احذر ممن حذرك منهم، فإنهم أهل السنة وليسوا بخوارج.

стр. 1163

حكم حلق اللحية لمن كان في الجيش السؤال أنا شاب ملتح وسأذهب إلى الجيش إن شاء الله تعالى، فهل أحلق لحيتي أم ماذا؟ الجواب لا خيار لك، فهذا أمر مفروض علينا وعليكم.

стр. 1164

الرد من زعم أن أمريكا هي المسيح الدجال السؤال لماذا لا تكون أمريكا هي المسيح الدجال، خاصة وأن قسوتها وفتنتها بدأت في أفغانستان، أي: في المنطقة التي تنبأ الرسول ﷺ بظهوره وسطوعه وخروجه منها، وأن بعض المفسرين الإسلاميين الكبار من علماء الأزهر الشريف سبق وأن أكدوا أن المسيح الدجال ليس بالضرورة أن يكون رجلاً من لحم ودم، بل من الجائز أن يكون ظاهرة أو قوة؟ الجواب هذا كلام باطل، وحتى لو قال الأزهريون ذلك فهو كلام باطل، والمسيح الدجال له أوصاف وعلامات، وهو من لحم ودم، فقد يكون ابن صياد وقد يكون غيره، وهذه المسألة محل نزاع: هل المسيح الدجال هو ابن صياد المذكور في صحيح مسلم في كتاب الفتن أم غيره، هذا محل نزاع بين أهل العلم، فلا نجزم بواحد من القولين، والعلم عند الله تعالى. ويؤسفني جداً أني سمعت بعض المشايخ في أحد الأشرطة يقول: أمريكا هي المسيح الدجال، فسألته: لم؟ قال: لأن المسيح الدجال ليس شخصاً، وإنما هو قوة عظمى، واحتج بكلام بعض علماء الأزهر الذين ماتوا، فقلت له: هم قد أفضوا إلى بارئهم، ولا شك أن كلامهم خطأ.

стр. 1165

حكم تخصيص علي بن أبي طالب بعبارة: كرم الله وجهه السؤال عند ذكر الإمام علي يقال كرم الله وجهه دون باقي الصحابة، لم ذلك؟ الجواب نحن لا نوافق على ذلك، فـ علي بن أبي طالب وأهل بيته من الصحابة، وحكمهم كبقية الأصحاب، فيقال عنهم: ﵃.

стр. 1166

حكم العمل في الإدارة العامة للأمن المركزي السؤال يقول: أعمل محاسباً مدنياً في الإدارة العامة للأمن المركزي، مع العلم أني جاهدت حتى انتسبت إلى هذا العمل بلحيتي، فهل يجوز العمل هناك؟ الجواب نعم يجوز.

стр. 1167

الحكم على حديث: (عمار بيت المقدس خراب يثرب) السؤال ( عمار بيت المقدس خراب يثرب)، هل هذا حديث؟ وهل هو صحيح؟ الجواب نعم، وكأن المعنى: أن علامة خراب يثرب -أي: المدينة- سيوافق عمارة بيت المقدس.

стр. 1168

حكم الجمع بين الظهر والعصر والمغرب السؤال أعمل في الوردية الليلية؛ ولذلك أجمع الظهر والعصر، وأحياناً المغرب، فهل هذا حلال أم حرام؟ وما الحل؟ الجواب جمع الظهر والعصر والمغرب ليس مشروعاً ولا مسنوناً، بل المشروع جمع الظهر والعصر في وقت أحدهما، والمغرب والعشاء في وقت أحدهما، وأما أن تجمع ثلاثة فروض فلا وألف لا، فلو أنك فصلت السؤال لفصلنا الجواب.

стр. 1169

حكم التحدث تلفونياً بين الرجل وخطيبته السؤال ما حكم التحدث بين الرجل وخطيبته في التلفون، هل هو خلوة غير شرعية؟ الجواب بلا شك أنه ليس خلوة، لكنه كلام مع أجنبية لغير ضرورة.

стр. 1170

المبرر للحملة الشعواء ضد كتاب هرمجدون السؤال هل هناك مبرر للحملة الشعواء ضد كتاب هرمجدون ومؤلفه، رغم اعتماد المؤلف في كتابه على أحاديث معظمها في الصحيح، وعلى بعض الآثار للإمام نعيم بن حماد شيخ البخاري، والتي قد حدث الكثير منها بالفعل، فما القول الفصل في هذا الأمر؟ الجواب الحقيقة طرح السؤال بهذا الأسلوب يدل على سوء أدب الكاتب أو السائل. أما كتاب هرمجدون فليس بأفضل من كتبه السابقة، فهو كتاب قد امتلأ بالتزوير الشرعي والتاريخي للأحداث والنصوص الشرعية، فمؤلفه قد حشد وجيش الجيوش في أول الصفحات؛ حتى لا ينتقده أحد، وهذا ليس منهجاً علمياً ولا أدبياً، ثم ذهب يمدح نعيم بن حماد بما يخالف به جماهير النقاد من حكمهم على نعيم بن حماد بأنه ضعيف في الرواية، ولكنه يبرز نعيم بن حماد دائماً ويقول: وهو شيخ البخاري، وما معنى قوله: شيخ البخاري؟ يعني: لا يكون ضعيفاً، وقد حدث البخاري عن كل الثقات، وليس في مشايخه أحد من الضعفاء، وهذا غير صحيح، فـ نعيم بن حماد عند جماهير النقاد ضعيف، وهو القول المعتمد، ولا يحتج بروايته خاصة إذا انفرد. ثم هذه المخطوطات وهذه المصادر التي اعتمد عليها الكاتب أو المؤلف أين هي في عالم الكتب وعالم التوثيق؟ لا ندري، ويقول: المخطوط عندي، فأقول: ماذا تصنع به؟! لمَ لمْ تخرجه إلى الوجود؟ ثم إن هذا المخطوط مداره على نعيم بن حماد، ويذكر فيه حديثاً طويلاً جداً للنبي ﵊ يبين فيه أحداث آخر الزمان، فيأخذ من الصدام أنه صدام، ويأخذ من السادات أنه أنور السادات، ويأخذ من الناصر أنه عبد الناصر! وهو بهذا قد ظلم مبارك؛ لأنه لم يذكره مع هذه الإنجازات العظيمة، ولا حتى بالشر فضلاً عن الخير، فلم يذكره بشيء. ثم إن النبي ﵊ لم يتكلم إلا عن مصر فقط، فلم تكن هناك دولة من دول الإسلام إلا مصر فقط، وكان الناقص في هذا المخطوط أن يأتي بعناوين وتلفونات هؤلاء الرؤساء، هذا ما نقص هذا المخطوط! فهذا كلام سخيف وبارد جداً، ولا أتصور أن عاقلاً يكتب هذا الكلام. وللأسف الشديد أن هذه الكتب لها من يهتم بها كثيراً؛ لخلو هؤلاء من التأصيل العلمي، بل أكثر من ذلك، ولا أريد أن أستفيض في هذا.

стр. 1171

الحكم على حديث: (من لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم) السؤال ( من لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم)، هل هذا حديث صحيح؟ الجواب هذا الحديث ضعيف.

стр. 1172

حكم المظاهرات الجماهيرية السؤال في جامعة الأزهر هناك بعض الشباب يسمون بجند النصر المنشود، يشددون على قضية فلسطين عند دعوة بعض الشباب الذين يدعونهم، وأكثرهم لا يصلون، فهل طريقتهم في الدعوة صحيحة؟ الجواب جيل النصر المنشود في جامعة الأزهر أو في غير جامعة الأزهر هم جيل المظاهرات، ونحن نعتقد اعتقاداً جازماً أن المظاهرات عمل غير مشروع، ولا مستند لها في الشرع لا من كتاب ولا من سنة، ولا حتى في فعل السلف، فليس عليها أي دليل، هذا من جهة الشرع. ومن جهة الواقع وقياس المصلحة والمفسدة؛ هذه المظاهرات ليس من ورائها أي مصلحة، فلم تحقق شيئاً، فالأمة لها الآن فوق الخمسين سنة تتظاهر، فماذا أثمرت من مصالح عامة أو خاصة هذه المظاهرات؟ ليس هناك أي مصلحة. وأما المفسدة فهناك مفاسد كثيرة جداً، وآخرها موت اثنين من المتظاهرين في الإسكندرية، فلحساب من ولمصلحة من؟ هذا أمر ينبغي الوقوف عنده، وهذا مخالف لقاعدة: (درء المفسدة مقدم على جلب المصلحة)، فما بالك وليس هناك مصلحة! ثم الأصل الثالث وهو: من المتظاهر؟ شاب ماجن فاسق مطارد للبنات تارك للصلاة والصيام محاد لله ورسوله، وكذلك الفتاة، حتى في المظاهرات نفسها تجد الولد يأخذ البنت فوق كتفه وهو يظاهر! فماذا نصنع بهؤلاء؟! أنا أريد أن أعرف ماذا تريدون؟ هو حماس وعاطفة فقط، والله تعالى يقول: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [الحج:٤١]، فالجهاد ليس مطلوباً لذاته، وإنما هو مطلوب لأجل أن نحقق العبودية الكاملة لله ، فلماذا تظاهر وأنت تارك للصلاة والصيام، وأنت إنسان فاجر في أقواله وأفعاله، ولو رأيته في الأيام العادية لوجدته قاعداً في أحضان ثلاث أو أربع من البنات، وفي المظاهرات نفسها ترتكب أشياء كثيرة من ذلك، فماذا تريد من المظاهرة يا بني؟ هذا تشويش. ولذلك قلَّ أن نجد واحداً منكم في مظاهرة؛ لأنها لو كانت طاعة لكنا نحن أولى الناس بهذه الطاعة، ومهما ترتب عليها من نتائج فهي طاعة ويكفي، فمجيئنا نصلي في المسجد مغامرة، وكذلك قعودنا في هذه الدروس مغامرة أيضاً، فلو كانت هذه المظاهرات مشروعة لغامرنا فيها وليحصل ما يحصل، لكن لما كان اعتقادنا أنها غير مشروعة فلا مشاركة لنا فيها، ولا موافقة لنا عليها، فهذا عمل غير مشروع. والجهاد لا يراد لذاته، وإنما يراد للتمكين في الأرض الذي يؤدي إلى عبودية الله ﵎ العبودية الحقة، وهؤلاء لا لهم علاقة بالعبودية، ولا بالصلاة والصيام، وهم شباب تافه جداً، لكن كوننا ننكر على هؤلاء الشباب أفعالهم غير المنضبطة على أصول الشرع؛ كذلك ننكر الطريقة الهمجية جداً التي تقابل بها تلك المظاهرات، فننكر على الطرفين، ولا بد من فتح مائدة المفاوضات، ولماذا مائدة المفاوضات ليست فاضية ودائماً مشغولة، ويقابل هؤلاء بالقنابل المسيلة للدموع، وأحياناً بضرب النار؟! مع أن القانون يقول: إن ضرب النار في المظاهرات لازم يكون تحت الرجلين، فما الأمر الذي جعل ضرب النار يكون في الصدر وما قابله؟! وهل يأمن الذين تصدوا لهذه المظاهرات أن يقابلوا من هؤلاء الشباب بمثل أعمالهم فتكون هناك مجزرة دموية؟ ومن المستفيد منها في النهاية؟ فهذا أمر لا نوافق عليه ألبتة لا من هنا ولا من هناك. وأريد أن أقول لك: لا تفترض فرضاً نظرياً، فأنت تقول: ربما يكون فيها تأثير؟ فأقول: هل هذا التأثير وليد اليوم، أم أنه نتج من تتبع العادات؟ فالأمة لها خمسون سنة تتظاهر فماذا عملت؟ ومن الذي استجاب لها؟ فلم تثمر إلا الحنظل، وبعد كل مظاهرة نجد الثمرة مرَّة، فلماذا لا نتعلم؟ إن الحكومات الإسلامية لا تحترم شعوبها، ولا تحترم شعور الشعوب، ولا أعراف الشعوب، ولا أخلاق الشعوب أبداً، هؤلاء في واد والحكومات في واد آخر، ولا يوجد أي ثمرة حصلت نهائياً على مدار الخمسين سنة إلا ثمار الحنظل المر، فعلى الأقل نستفيد من التجارب السابقة. وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.

стр. 1173

شرح كتاب الإبانة - ما روي في الإيمان بالقدر والتصديق به عن جماعة من التابعين الإيمان بالقدر خيره وشره من أركان الإيمان، وقد أطبق التابعون على إثبات القدر خيره وشره من الله، وأنه لا يكون إلا ما يريد ، فهو الفعال لما يريد، خلافاً للقدرية الذين يزعمون أنهم يخلقون أفعالهم من خير وشر، فقد جعلوا أنفسهم خالقين مع الله تعالى، مع أنه سبحانه هو خالق الخير والشر، وإرادته للخير إرادة شرعية، وإرادته للشر إرادة كونية قدرية، فهو يقدر الكفر كوناً ولا يرضاه شرعاً .

стр. 1174

باب ما روي في الإيمان بالقدر والتصديق به عن جماعة من التابعين الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، صلى الله عليه، وعلى آله وصحبه ومن والاه. وبعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد صلى الله وعليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة. قال المصنف رحمه الله تعالى: [الجزء العاشر من كتاب (الإبانة) وهو الثالث من كتاب القدر] وذكر فيه الإمام ثلاثة أبواب: قال: [باب ما روي في الإيمان بالقدر، والتصديق به عن جماعة من التابعين، وقول ابن سيرين، وسعيد بن جبير، ومجاهد، ومحمد بن كعب القرظي، ووهب بن منبه، وطاوس اليماني، ومكحول، وعكرمة، وعطاء، وقتادة وغيرهم. الباب الثاني: بيان مذهب عمر بن عبد العزيز ﵀ في القدر، وسيرته في القدرية، وفيه رسالة لـ عبد العزيز بن الماجشون. الباب الثالث: باب فيما يروى عن جماعة من فقهاء المسلمين ومذهبهم في القدر، وقول الأوزاعي].

стр. 1175

نسبة القدرية القول بالقدر إلى الحسن البصري وبطلان ذلك قال: [الباب الأول: باب ما روي في الإيمان بالقدر، والتصديق به عن جماعة من التابعين. اعلموا رحمكم الله! أن القدرية أنكروا قضاء الله وقدره، وجحدوا علمه ومشيئته، وليس لهم فيما ابتدعوه ولا في عظيم ما اقترفوه كتاب يؤمونه] يعني: ليس معهم دليل من الكتاب على إثبات مذهبهم. ثم قال: [ولا نبي يتبعونه، ولا عالم يقتدون به، وإنما يأتون فيما يفترون بأقوال من أهوائهم مخترعة، وفي أنفسهم مبتدعة، فحجتهم داحضة -أي: ذاهبة لا قيمة لها- وعليهم غضب، ولهم عذاب شديد، يشبهون الله بخلقه، ويضربون لله الأمثال، ويقيسون أحكامه بأحكامهم -أي: أحكام الله تعالى بأحكام العباد-، ومشيئته بمشيئتهم، وربما قيل لبعضهم: من إمامك فيما تنتحله من هذا المذهب الرجس النجس؟ فيدعي أن إمامه في ذلك هو الحسن بن أبي الحسن البصري ﵀، فيضيف إلى قبيح كفره وزندقته أن يرمي إماماً من أئمة المسلمين، وسيداً من ساداتهم وعالماً من علمائهم بالكفر، ويفتري عليه البهتان، ويرميه بالإثم والعدوان؛ ليحسن بذلك بدعته عند من قد خصمه وأخزاه. وأنا أذكر من كلام الحسن ﵀ في القدر، ورده على القدرية ما يسخن الله به عيونهم، ويظهر للسامعين قبيح كذبهم إن شاء الله تعالى وبه التوفيق]. أي: أن أهل البدع دائماً يتشبثون بقول لرجل من أهل السنة، وهذه سمة وعلامة تميز أهل البدع دائماً: أنهم لا يركنون في الغالب في مواجهة الخصم إلى علمائهم؛ لأنهم يعتقدون أننا لا نعتبر علماءهم، فمثلاً: لو أراد شيعي أن يحاججنا في مسألة من مسائل النزاع لا يحتج بكلام أئمته، وإنما يحتج بكلام لإمام معتبر عندنا، وهذا المبتدع إما أن يكون فهم الكلام فهماً غير مراد، وإما أن يكون هذا النص عن إمامنا غير ثابت، وإما أشياء أخرى. ولذلك إذا كان هناك نص في البخاري يدعو إلى محبة أهل البيت، فالشيعة يتشبثون جداً بهذا النص، ويلزموننا أن نكون وإياهم سواء في محبة أهل البيت، بدليل ما قد ورد في البخاري عندنا من وجوب محبة أهل البيت، نعم، نحن نحب أهل البيت، ونتقرب إلى الله بحبهم؛ فهم عترة النبي ﷺ ، وقد أمرنا بحبهم واتباعهم ما داموا على الكتاب والسنة، فالشيعة يحتجون بهذا. ودائماً نقول لهم: لم تحتجون بحديث في البخاري؟ يقولون: لأنه كتاب معتمد عندكم، إذاً: إذا كان معتمداً عندنا فنحن الذين نحتج به لا أنتم، وإذا جاز لكم أن تحتجوا بما عندنا من أدلة؛ فإما أن تحتجوا بما في البخاري كله، وإما ألا تركنوا إلى دليل يوافق هواكم. ولذلك من شأن أهل البدع أنهم ينتقون من كلام الخصم ما يوافق هواهم، ويغضون الطرف عن بقية كلامه، حتى وإن كان مناقضاً لما قد يحتج به الخصم، أو صاحب البدعة. ظهر من الحسن البصري عليه رحمة الله كلام يفهم على وجهين، فقد تكلم في القدر بكلام محتمل، يعني: له وجه حسن ووجه غير حسن، وجه يوافق القدرية، ووجه يوافق أهل السنة فيما يتعلق بمسألة في القدر. وإذا كان كلام الإمام الحسن البصري يفهم على وجهين فإنه يصار لما صرح به مراراً وتكرارً على جهة الإثبات، فهو له كلام في إثبات القدر لا نهاية له، وكلام محتمل يحتمل النفي ويحتمل الإثبات، فكلامه الذي يحتمل وجهين لا بد أن يحمل على كلامه الذي يحتمل وجهاً واحداً. فأهل البدع احتجوا بكلام للحسن يحتمل وجهين، والقاعدة العلمية تقول: إذا كان الكلام يحمل عدة معان ولا مرجح ولا قرينة؛ فحينئذ هذا الموطن موطن نزاع ينبغي اعتباره واحترامه، لكن إذا كان الكلام يحتمل عدة معان، ولي كلام آخر ليس له إلا معنى واحد، فلا بد أن يحمل كلامي الغامض على كلامي الصريح الواضح. هذه جزئية من الدفاع عن الإمام. الجزئية الثانية: أنه قد ثبت بالنص الصريح الصحيح أن الحسن قال هذا الكلام في وقت غضب، ولا شك أن الرجل إذا قال كلاماً في وقت الغضب فإنه لا يدرك معناه، أو لا يقصد المراد منه ظاهراً، وهذا الكلام معفو عنه، ولذلك قال الأعرابي الذي فقد راحلته في الصحراء ثم وجدها: (اللهم أنت عبدي وأنا ربك)، فهل يحق لأحد أن يتشبث بهذا؟ لا، فكذلك لا يحق لأهل البدع أن يتشبثوا بكلام الحسن البصري عليه رحمة الله إمام البصرة في زمانه، وسيد معظم من سادات التابعين؛ لا يحل لهم أن يحتجوا بكلامه، وإلا لو جاز لهم أن يحتجوا بهذا لقلنا لهم: يجب عليكم أن تحتجوا ببقية كلامه، فلماذا انتقيتم منه هذا النص فحسب، بل له في القدر ما يزيد على مائة نص، فلم تحتجون بواحد وتنسون بقية هذا العدد؟ لا شك أن الحامل على ذلك هو مرض قلوبهم. الأمر الثالث: أن الحسن قال ذلك في موعظة، وليس في مجلس علم، ليس في مجلس تقرير المسائل العلمية بأدلتها الشرعية من الكتاب والسنة، وإنما قال ذلك في مجلس وعظ، وذلك في مكة، والمعلوم أن مجالس الوعظ يتساهل فيها المرء في الوعيد الشديد، ويتعدى ربما الحد أو الخط ا

стр. 1176

أقوال الحسن البصري في إثبات القدر قال: [عن حميد قال: كان الحسن يقول: لأن أسقط من السماء إلى الأرض أحب إلي من أن أقول: إن الأمر في يدي أصنع به ما شئت]، وهذا نص يبين اعتقاد الحسن أن الأمور كلها بيد الله . [وقال: من كذب بالقدر، فقد كذب بالقرآن]. والمعلوم أن من كذب بالقرآن فقد كفر. [وعنه قال في قول الله تعالى: ﴿وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ [هود:١١٩] قال: خلق هؤلاء للجنة وهؤلاء للنار]. أي: قبل أن يخلقهم علم ما هم عاملون، وما هم إليه صائرون، فجعل قسماً من خلقه في النار، وجعل قسماً من خلقه في الجنة قبل أن يخلقهم. قال: [وعن منصور بن عبد الرحمن قال: كنت مع الحسن، فقال لي رجل إلى جنبه: سله عن قوله تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا﴾ [الحديد:٢٢]، قال: فسألته عنها فقال: ومن يشك في هذا؟ ما من مصيبة بين السماء والأرض إلا في كتاب من قبل أن تبرأ النسمة] أي: من قبل أن يخلق الله تعالى فاعلها، علمها فكتبها، فهي عنده في كتاب مكنون وفي رق منشور. قال: [وعن قرة بن خالد قال: سمعت رجلاً يسأل الحسن عن قول الله تعالى: ﴿وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ [هود:١١٨ - ١١٩] قال: خلقهم للاختلاف] أي: لاختلاف مصائرهم: فهذا في الجنة وذاك في النار. [وقال حميد: قال رجل للحسن: يا أبا سعيد! من خلق الشيطان؟ قال: سبحان الله! وهل خالق غير الله؟ الله خلق الشيطان، والله خلق الخير، والله خلق الشر فقال الشيخ: قاتلهم الله كيف يكذبون على هذا الشيخ؟!] يعني: كيف يفتري القدرية الكذب على هذا الإمام الذي لم يقل يوماً من الأيام: إن الله تعالى لم يخلق الشر؟! [وقال ابن المبارك: جالست الحسن ثنتي عشرة سنة، فما سمعته يفسر شيئاً من القرآن إلا على إثبات القدر. وعن يونس وحميد قالا: كان تفسير الحسن كله على الإثبات. وعن منصور بن ذازان قال: سألت الحسن ما بين (الحمد لله رب العالمين) إلى (قل أعوذ برب الناس) ففسره على الإثبات]. يعني: سألته عن القرآن كله من أوله إلى آخره فما فسره إلا على جهة إثبات القدر. [وقال حميد: كان الحسن يقول: لأن أسقط من السماء أحب إلي من أن أقول: الأمر بيدي، ولكن أقول: إذا أذنب أحدكم ذنباً فلا يحملنّ ذنبه على ربه، ولكن يستغفر الله ويتوب إليه] يعني: لا يحل لأحد أن يحتج بالقدر على المعصية، وهذا الكلام قررناه من قبل، وقلنا: الاحتجاج بالقدر يكون على المصائب التي تنزل بالعبد دون المعايب التي تصدر منه. قال: [وقال كثير بن زياد: سألت الحسن عن هذه الآية: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ﴾ [الزمر:٦٠] قال: هم الذين يقولون: الأشياء إلينا: إن شئنا فعلنا، وإن شئنا لم نفعل] يعني نحن لنا مشيئة، ولا علاقة لله تعالى بأفعال العباد. [وعن يونس بن عبيد عن الحسن في قول الله تعالى: ﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا * قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ [الشمس:٨ - ١٠] قال الحسن: قد أفلحت نفس أتقاها الله، وقد خابت نفس دساها الله]. يعني: الذي يلهم النفس تقواها وفجورها ويزكيها ويدسيها هو الله . قال: [وعن يحيى بن كثير العنبري قال: كان قرة بن خالد يقول لنا: يا فتيان لا تغلبوا على الحسن؛ فإنه كان رأيه السنة والصواب]. يعني: لا يضحك عليكم أحد ويقول: إن الحسن كان قدرياً، بل كان في باب القدر من أهل السنة، فلا يفتننكم أحد في هذا الإمام. قال: [وقال عوف: سمعت الحسن يقول: من كذب بالقدر فقد كذب بالإسلام، إن الله قدر خلق الخلق بقدر، وقسم الأرزاق بقدر، وقسم البلاء بقدر، وقسم العافية بقدر، وأمر ونهى]. فمن يقول: إن الأمور كلها بيديه لا بد أنه سيبطل الأمر والنهي، ومن يقول: إن الله تعالى ما شاء الشر وما أذن في خلقه وإيجاده؛ فلا بد أنه يصل في نهاية الأمر إلى أن الأمر والنهي في الكتاب والسنة لا قيمة لهما. قال: [وعن ربيعة بن كلثوم قال: سأل رجل الحسن ونحن عنده، فقال: يا أبا سعيد أرأيت ليلة القدر أفي كل رمضان هي؟ قال: إي والله الذي لا إله إلا هو إنها ل

стр. 1177

احتجاج أهل الباطل بالمتشابه والمحتمل من كلام العلماء والرد عليهم في ذلك وهناك جماعة مبتدعة من الجماعات العاملة على الساحة لو أتيتهم وقلت لهم: إن عملكم هذا غير مشروع، ولا دليل عليه من الكتاب والسنة؛ قالوا: الشيخ ابن باز أفتى بمشروعية هذا العمل. نقول لهم: هل تأخذون بكلام الشيخ ابن باز كله وبفتاواه كلها؟ لا، ونقول: لم لم يردوا إلى عالم من علمائهم؟ لأنهم يعلمون أنهم لا عالم عندهم ابتداء، ولكنهم يقولون: عندنا علماء، لكن حين النقاش والنزاع والمناظرة يعجزون أن يثبتوا أن في جماعتهم عالماً. والعجيب كيف يكون هذا العمل صحيحاً وليس له رجل من أهل العلم يحله ويجيزه لهم؟! وأنا لا أتصور أن جماعة تحترم عقلها وتحترم منهجها لا يكون من بين أبنائها علماء، وبدل العالم عشرة وعشرون ومائة، لكنهم يحتجون بكلام رجل معتبر عندنا، ولا يحتجون بكلامه كله؟ وإنما يحتجون بكلام مشتبه يحتمل الرأي والرأي الآخر لهذا الإمام. وأذكر أنه في عام (١٩٨٣م) ذهب بعض الطلبة يسأل الشيخ ابن باز عن حكم عمل الجماعة الفلانية؟ قال: لا يدخل الجنة إلا سلفي. وهذا كقول النبي ﵊: (لا تدخل الجنة عجوز). قال: لا يدخل الجنة إلا سلفي، ثم هرعت إليه الجماعة، وقالوا: يا شيخ بلغنا أنك قلت كذا وكذا؟ قال: نعم أنا قلت هذا، قالوا: كيف، نحن لسنا سلفيين؟ قال: ألا تحبون السلف؟ قالوا: نعم، نحن نحب السلف، قال: هل يسعكم مخالفة السلف في العقيدة؟ قالوا: لا، لا يسعنا، بل لا بد أن نكون على مذهبهم في الاعتقاد، قال: أليس تتبعونهم فيما أحلوا وفيما حرموا؟ قالوا: نعم، نتبعهم، قال: إذاً: أنتم سلفيون. هذه هي شهادة الشيخ، وقالها مداعبة، فيحتجون بها علينا ويقولون بمشروعية العمل الذي هم فيه، ودائماً يحيلون هذا الكلام للشيخ ابن باز. والشيخ ابن باز ﵀ يذكرنا بالإمام البخاري؛ فقد كان لطيف العبارة جداً، ولطيف النقد إلى أقصى حد، فما دام يرى احتمال العمل، وأنه يمشي ولا بأس به، وله من جوانب الخير الشيء الكثير؛ كان يترفق جداً في نقد العمل، فقال هذه الكلمة التي تحتمل معان متعددة، فهم قد يحتجون بها أو يحتجون به. قال: [كذب على الحسن ضربان من الناس: قومُ القدر رأيهم، فهم يريدون أن ينفقوا بذلك رأيهم. وقوم في قلوبهم له حسد وبغض، يقولون: ليس من قوله كذا وكذا، وليس من قوله كذا وكذا]. فينتقون من كلام الحسن كلاماً يوافق أهواءهم. قال: [وعن خالد الحذاء قال: قدمت من سفر فإذا هم يقولون: قال الحسن: كذا وكذا، فأتيته فقلت: يا أبا سعيد، أخبرني عن آدم خلق للسماء أم للأرض؟ قال: بل للأرض، قلت: أرأيت لو اعتصم فلم يأكل من الشجرة، قال: لم يكن منه بد، قلت: أخبرني عن قوله تعالى: ﴿مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ * إِلَّا مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ﴾ [الصافات:١٦٢ - ١٦٣]، قال: إن الشياطين لا يفتنون بضلالتهم إلا من أوجب الله له ذلك]. يعني: الشياطين لا تضل أحداً إلا إذا كتب الله تعالى له الضلال من قبل في الأزل. ثم قال: [وعن داود قال: سألني بلال عن قول الحسن في القدر: فقلت: سمعت الحسن يقول: ﴿قِيلَ يَا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلامٍ مِنَّا وَبَرَكَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [هود:٤٨] قال: نجّى الله نوحاً والذين آمنوا معه وأهلك الممتعين، فجعلت أستقريه الأمم -أي: أمة أمة، ونبياً نبياً- قال بلال: وما أراه إلا كان حسن القول في القدر]. يعني: ما أجاب إلا بإجابة موافقة لكلام الصحابة والتابعين في القدر. [وعن حمزة بن دينار قال: عوتب الحسن في شيء من القدر فقال: كانت موعظة فجعلوها ديناً]. انظر هذا الكلام الجميل، فالكلام الذي فيه شيء من التجوز في الموعظة لا نتوقف عنده، وإنما يكون غرض الواعظ أن يعظ الناس في باب من الأبواب، والموعظة تكون في الغالب ارتجالية خاصة عند السلف، فما كانوا يحتاجون إلى ما نحتاج إليه نحن اليوم من الإعداد والحفظ والمدارسة، أو المراجعة والسؤال والجواب وغير ذلك، كان الواحد منهم إذا جاء إلى مجلس مثل هذا ليعظ في باب من الأبواب، كما كان ابن الجوزي يفعل، كانت بغداد كلها تجتمع له، فيقولون: يا إمام عظنا والملوك والأمراء والسلاطين وكل أصحاب الوجاهات والهيئات موجودون، فكان يقيم واحداً من مجلسه فيقول له: اضرب بيتاً من الشعر -وانظر إلى براعة ابن الجوزي - فيضرب بيتاً فينسج ابن الجوزي على قافية هذا البيت أي: على آخر حرف في البيت ينسج موعظة عظيمة شعراً أو نثراً لبعض الوقت، لا يخطئ هذه القافية. وهذا لا يوجد في هذا الزمان، لكن قد يق

стр. 1178

إثبات السلف أن القدرية تكذب على الحسن في نسبة مذهبها إليه ثم قال: [وعن ابن عون قال: كنت أسير في الشام فناداني رجل من خلفي، فالتفت فإذا هو رجاء بن حيوة، فقال: يا ابن عون! ما هذا الذي يذكرون عن الحسن؟ قلت: إنهم يكذبون على الحسن كثيراً]. [وعن ابن عون قال: لو ظننا أن كلمة الحسن تبلغ ما بلغت؛ لكتبنا برجوعه كتاباً، وأشهدنا عليه شهوداً -حتى يبرأ الحسن من هذه الكلمة- ولكنا قلنا كلمة خرجت لا تحمل]. يعني: نحن تصورنا أن هذه الكلمة كلمة يسيرة، ولا أحد يتوقف عندها؛ لما ينقضها من نصوص عدة لنفس الإمام، وما كنا نتصور أنها تبلغ الآفاق، وهذا أمر ملاحظ بيننا تجد الواحد لما يقعد يتكلم كلاماً صحيحاً لا أحد يقول له شيئاً، وعندما يقول كلمة واحدة فيها غلط وخطأ ترى من ينشرها ويشيعها بين الناس من المنصورة ومن البحيرة ومن سنغافورة، فلماذا الإخوة المستمعون ما نبهوه. إذاً فالخطأ في المحاضرة أو عند الأسئلة كان بإمكان أحد السامعين للخطأ أن يقول لي: هل يجب علينا الإيمان بالقضاء والقدر والرضا به أم لا؟ فقد أكون أخطأت فهم السؤال. فالإيمان بالقضاء والقدر والرضا به واجب، ولكننا لا نرضى بالقدر الكوني، فمن القضاء ما هو قضاء شرعي، ومنه ما هو قضاء كوني، أو قدر شرعي ديني مبني على المحبة والرضا، وقدر قدري كوني، وهذا في باب المعاصي، فهل نحب المعاصي ونرضاها؟ لا. إذاً: الإجابة المحكمة: أننا نؤمن بالقضاء والقدر، والإيمان به واجب، وهو ركن من أركان الإيمان. وأما الرضا فنحن نرضى بالقضاء الشرعي، ولا نرضى بالقضاء الكوني في باب المعاصي؛ لأن المعاصي يبغضها الله ؛ ولذلك قال ابن عون: [لو ظننا أن كلمة الحسن تبلغ ما بلغت لكتبنا برجوعه كتاباً، وأشهدنا عليه شهوداً، ولكنا قلنا كلمة خرجت لا تحمل، وكان ابن عون يقول: بيننا وبينكم حديث الحسن]. أي: مجالس التحديث العلمي التي كان الحسن يحدث فيها، وليس إذا طلعت منه كلمة في مجالس الوعظ نجعلها ديناً ونحتج بها، لا، بيننا وبينكم كلامه العلمي المؤصل في مجالس التحديث، وأما دون ذلك فلا. ثم قال: [وقال أبو هلال: رفعت إلى حميد بن هلال وأيوب وهما قاعدان عند باب عمرو بن مسلم فذكرا الحسن وفضله، فقال حميد: لوددت أنه أسهم على أهل البصرة غرم كثير يؤخذون به وأن الحسن لم يتكلم بتلك الكلمة] يعني: التي طار بها أهل البدع. [قال سفيان: سمعت أبي - وكان ثقة - عن العلاء بن عبد الله بن بدر قال: دخلت على الحسن وهو جالس على سرير هندي فقلت: وددت أنك لم تتكلم في القدر بشيء، فقال: وأنا وددت أني لم أكن تكلمت فيه بشيء]. ألا يكفي هذا النص الصحيح على اعتبار أنه تكلم بكلام خالف فيه أهل السنة؟ ألا يكفي هذا برجوعه وتوبته، إذاً فلماذا نحتج بكلام مخالف للأصول بعد التوبة. [قال حماد بن زيد: سمعت أيوب يقول: إن قوماً جعلوا غضب الحسن ديناً. وعن المبرك عن الحسن في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ﴾ [الأعراف:١٧٩] قال: خلقنا]. [وعن الحسن في قوله تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء:٢٣] قال: عهد ربك ألا تعبدوا إلا إياه. وعن عاصم الأحول قال: سمعت الحسن يقول: من كذب بالقدر فقد كذب بالحق -قال ذلك مرتين-، إن الله قدر خلقاً، وقدر أجلاً، وقدر بلاءً، وقدر مصيبة وقدر معافاة، وقدر معصية] يعني: قدر تقديراً كونياً قدرياً لا تقديراً شرعياً. ثم قال: [فمن كذب بشيء من القدر؛ فقد كذب بالقرآن]. [وعن خالد الحذاء قال: قدم علينا رجل من أهل الكوفة، وكان مجانباً للحسن لما كان بلغه عنه في القدر، حتى لقيه فسأله رجل أو سئل الحسن في حضرة الكوفي عن قول الله تعالى: ﴿وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ [هود:١١٨ - ١١٩]، قال الحسن: لا يختلف أهل رحمة الله، (ولذلك خلقهم) قال: خلق أهل الجنة للجنة، وخلق أهل النار للنار، فكان الرجل يذب عن الحسن]. فالكلمة السابقة إما أن تكون صدرت من الحسن في مكة كما جاء في بعض الروايات، وإما في البصرة حيث موطنه ومنزله، فطارت إلى الكوفة فسمعها رجل من أهل السنة في الكوفة، ولما سئل الحسن في حضرته، وتكلم بكلام منضبط في القدر؛ كان هذا الكوفي بعد ذلك يدفع عنه كل من ينال من عرض

стр. 1179

مناظرة بين رجل من أهل السنة مثبت للقدر وغيلان الدمشقي القدري [وعن غالب بن عبيد الله العقيلي عن الحسن قال: اختلف رجل من أهل السنة وغيلان الدمشقي في القدر، فقال: بيني وبينك أول رجل يطلع من هذه الناحية، قال: فطلع أعرابي قد طوى عباءة فجعلها على عاتقه، فقالا للرجل: قد رضينا بك فيما بيننا، قال: قد رضيتما؟ قالا: نعم، قال: فطوى كساه وربعه ثم جلس عليه، ثم قال: اجلسا بين يدي، فقال للسني: تكلم فتكلم، ثم قال لـ غيلان تكلم فتكلم، قال: قد فهمت قولكما -يعني: قد فهمت أصل الخلاف الذي بينكما- فأيداني بثلاث حصيات، قال: فصفهن بين يديه وفرق بينهن، ثم قال للسني: قلت أنت: لا يدخل الجنة أحد إلا برحمة الله، ولا يزحزحه من النار إلا برحمة الله؟ قال: نعم. ثم قال لـ غيلان: قلت أنت: لا يدخل الجنة إلا بعمله، ولا يدخل النار أحد إلا بعمله؟ قال: نعم، قال: فهذا رجل قال: لا أعمل خيراً قط ولا شراً قط، ولا أدخل هذه ولا هذه أفمتروك هو بلا جنة ولا نار]. يعني: أنت قلت: يدخل الجنة والنار فقط بالعمل، وهذا يقول: يدخل الجنة بفضل الله تعالى ورحمته، فقال لـ غيلان: الرجل لا يعمل خيراً ولا يعمل شراً، فإذا كان دخول الجنة والنار متعلقاً بالعمل إذاً فهذا لا يدخل الجنة ولا يدخل النار، فأين سيذهب؟! ثم قال: [وقد قال الله : ﴿فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ﴾ [الشورى:٧]؟! فقال غيلان: لا، فقال لـ غيلان: قم مخصوماً؛ فقال الحسن: ذلك هو الخضر ﵇]. يعني: أن الرجل الذي كان يقضي بينهما هو الخضر ﵇، سواء كان الخضر أو غير الخضر فهذه مسألة نزاع، وإذا قلنا هو الخضر فسنتوصل بعد ذلك إلى مسائل أخرى متعلقة بـ الخضر، لكن ابق على ما أنت عليه ولا تخرج عن ذلك، واعتقد أنه الخضر إذا كنت تعتقد ذلك، أو أنه غير الخضر، سواء كان ذلك في مجال الإثبات والتدقيق العلمي صحيحاً أو غير صحيح، فهذا غير مهم الآن. قال: [وقال الحسن: جف القلم، ومضى القضاء، وتم القدر بتحقيق الكتاب، وتصديق الرسل، وسعادة من عمل واتقى، وشقاوة من ظلم واعتدى، وبالولاية من الله للمؤمنين، وبالتبرئة من الله للمشركين].

стр. 1180

ما روي عن مطرف بن عبد الله بن الشخير في القدر قال: [وعن مطرف بن عبد الله بن الشخير قال: نظرت في بدء الأمر ممن هو -يعني: في أصل الخليقة بخيرها وشرها ممن هو- فإذا هو من الله، ونظرت على من تمامه؛ فإذا تمامه على الله، ونظرت ما ملاكه؛ فإذا ملاكه الدعاء]. يعني: إذا كان ابتداء الأمر وانتهاؤه من الله بخيره وشره؛ فنحن لا نملك إلا الدعاء أن يصرف الله عنا البلاء والشر، وأن يرزقنا الخير. [عن مطرف قال: ليس لأحد أن يصعد فوق بيت فيلقي نفسه، ثم يقول: قدر لي]؛ لأن هذا من باب الاحتجاج بالقدر على المعصية. [ولكنا نتقي ونحذر، فإن أصابنا شيء؛ علمنا أنه لن يصيبنا إلا ما كتب لنا]، وهذا كلام جميل وقوي. [وعنه قال: لو كان الخير في كف أحدنا ما استطاع أن يفرغه في قلبه، حتى يكون الله هو الذي يفرغه في قلبه. وعنه قال: إن الله لم يكل الناس إلى القدر وإليه يصيرون]، لذلك كان النبي ﵊ دائماً يقول لأصحابه الذين يسألونه: (يا رسول الله، أترى ما نحن عاملون ألشيء مضى وانتهى، أم لشيء أنف؟ قال: بل لأمر قد فرغ منه، جف به القلم، وطويت به الصحف، قالوا: يا رسول الله، فلم العمل إذاً؟ فقال: اعملوا فكل ميسر لما خلق له). فقوله: (إن الله لم يكل الناس إلى القدر، وإليه يصيرون) أي: يصيرون إلى ما قدر وكتب في اللوح المحفوظ، وهم عاملون بعلم الله السابق الجلي.

стр. 1181

ما روي عن محمد بن سيرين في القدر قال: [عن محمد بن سيرين قال: إذا أراد الله بعبد خيراً جعل له واعظاً من قبله يأمره وينهاه. وقال ابن سيرين: ما ينكر هؤلاء أن يكون الله علم علماً جعله كتاباً]. يعني: ليس بمستغرب إثبات علم الله تعالى الأزلي، ولا بد من إثبات علم الله؛ لأن من أنكر هذه المرتبة ورد علم الله، وقال: إن الله تعالى لا يعلم الأشياء إلا بعد وقوعها؛ فقد خرج من الملة. ويلزم من ذلك إثبات أن الله تعالى علم في الأزل كل ما يعمله العاملون، فكتبه عليهم، وسجله في صحائفهم، فما هي الغرابة في هذا، ألا تثبتون علم الله وأنه أزلي سابق على خلق الخلق؟ بلى، ألا تثبتون أن الله تعالى علم ما العباد عاملون، وما هم إليه صائرون قبل أن يخلقهم، فكتب ذلك في اللوح المحفوظ، فهو عنده تحت العرش؟ فإما أن تقولوا: إن الله لم يكن عالماً ثم علم، وإما أن تقولوا: إن الله تعالى عليم وعلمه أزلي ليس مخلوقاً ولا حادثاً؛ لأن صفات الله تعالى كلها غير مخلوقة، فحينئذ نقول: إن الله تعالى في باب القدر علم ما العباد عاملون، فكتبه في اللوح المحفوظ ليس ظلماً للعباد؛ لأن الله لا يظلم الناس شيئاً، ولكن الله تعالى علم أن عبده فلاناً بعد إرسال الرسل وإنزال الكتب وتمييزه بالعقل عن بقية الحيوانات والمخلوقات، وتركيب الهدى والضلال فيه والخير والشر؛ علم أنه إذا عرض عليه الخير يأنف منه ويمقته ويقدم على الشر، فلما علم الله تعالى أن عبده هذا سيختار الشر مع قيام الحجة عليه؛ كتب ذلك عليه، فلا غرابة ولا ظلم حينئذ. [وقال ابن سيرين: يجري الله الخير على يدي من يشاء، ويجري الشر على يدي من يشاء] أي: أن الخير والشر بمشيئة الله تعالى، وأن الله تعالى شاء الشر، وأذن في وجوده وخلقه، وأن المرتكب لذلك والعامل والمباشر والمكتسب للشر والخير بجوارحه هو العبد. [وعن عثمان البتي؛ قال: دخلت على ابن سيرين فقال لي: ما يقول الناس في القدر؟ قال: فلم أدر ما رددت به عليه، قال: فرفع شيئاً من الأرض فقال: ما يزيد على ما أقول لك مثل هذا، إن الله إذا أراد بعبد خيراً وفقه لمحابه وطاعته، وما يرضى به عنه، ومن أراد به غير ذلك اتخذ عليه الحجة، ثم عذبه غير ظالم له]. يعني: من أراد به شراً أقام عليه الحجة بالكتب والرسل وبالعقل المميز، ثم أهلكه بعد ذلك غير ظالم له.

стр. 1182

ما روي عن سعيد بن جبير في القدر قال: [عن سعيد بن جبير في قول الله تعالى: ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ﴾ [الأعراف:٢٩] قال: كما كتب عليكم تكونون؛ فريقاً هدى وفريقاً حق عليهم الضلالة]. يعني: كما كتب عليكم في الأزل تكونون؛ إن خيراً فخير وإن شراً فشر. قال: [وعنه في قوله تعالى: ﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ [الشمس:٨] قال: ألزمها فجورها وتقواها. وعنه في قوله: ﴿يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾ [الأنفال:٢٤] قال: يحول بين المؤمن والكفر، وبين الكافر والإيمان. وفي قوله: ﴿أُوْلَئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتَابِ﴾ [الأعراف:٣٧] قال: ينالهم ما كتب عليهم من شقوة أو سعادة، من خير أو شر].

стр. 1183

ما روي عن مجاهد بن جبر المكي في القدر [عن مجاهد بن جبر المكي في قوله تعالى: ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ﴾ [الفجر:٢٧] قال: الراضية بقضاء الله، التي علمت أن ما أصابها لم يكن ليخطئها، وما أخطأها لم يكن ليصيبها. وعنه في قوله: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:٣٠] قال: علم من إبليس المعصية وخلقه لها، وعلم من آدم الطاعة وخلقه لها. وفي قول الله تعالى: ﴿فِطْرَةَ اللَّهِ﴾ [الروم:٣٠] قال: الدين والإسلام، ﴿لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ [الروم:٣٠] قال: لدينه. وعنه في قوله تعالى: ﴿وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ [الأنعام:١١٧] قال: بمن قدر له الهدى والضلالة قبل أن يخلقهم. وعن مجاهد في قوله: [﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ﴾ [يس:١٢] قال: في أم الكتاب]. و (كل) نكرة في سياق الإثبات فتفيد العموم، (وكل شيء) أي: من خير وشر، وطاعة ومعصية، وهدى وضلال، وإيمان وكفر، كل ذلك في أم الكتاب مكتوب قبل أن يخلق الله تعالى الخلق. قال: [وعن مجاهد في قوله: ﴿وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ﴾ [الإسراء:١٣] قال: ما من مولود إلا في عنقه ورقة مكتوب فيها: شقي، أو سعيد. وعن مجاهد في قوله تعالى: ﴿وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِنْ دُونِ ذَلِكَ هُمْ لَهَا عَامِلُونَ﴾ [المؤمنون:٦٣] قال: لهم أعمال لا بد لهم أن يعملوها] أي: خطايا من دون تلك الكبائر هم لها عاملون. [وعن حميد بن قيس الأعرج قال: صليت إلى جنب رجل يتهم بالقدرية، فلقيت مجاهداً فأعرض عني، فقلت له، فقال: ألم أرك صليت إلى جنب فلان؟ قلت: إنما ضمتني وإياه الصلاة] أي: أنا لم أعرف أنه بجانبي، وإنما هذا بسبب الصلاة.

стр. 1184

ما روي عن محمد بن كعب القرظي في القدر قال: [عن محمد بن كعب القرظي قال: الخلق أدق شأناً من أن يعصوا الله طرفة عين فيما لا يريد]. يعني: أن الخلق منذ آدم إلى قيام الساعة لو اجتمعوا على أن يعصوا الله تعالى بمعصية لم يأذن فيها ما قدروا على ذلك، وهذا معناه: أن المعاصي لا تكون إلا بقدر الله ، وأنه أرادها إرادة كونية قدرية، وليست إرادة شرعية دينية؛ لأن الله تعالى يبغض المعاصي، ولا يأذن سبحانه أن يكون في الكون إلا ما أراد من خير أو شر، فلو أراد إنسان أن يطيع الله تعالى طاعة لم يأذن الله بها لا يستطيع أن يفعلها مع أنها طاعة. فمثلاً: لو ذهبت في قضاء حاجة أخيك وأنت في غاية الحماس، ولكن الله تعالى كتب في اللوح المحفوظ أن هذه الطاعة وهذه الخطوات لا تتم؛ فسيبعث الله لك أي شيء يصرفك عن هذه الطاعة؛ لأن الله لم يأذن بها مع أنها طاعة. والشر كذلك؛ يذهب الإنسان من هنا إلى هناك لأجل ارتكاب معصية معينة، ولكن الله تعالى بعزه وسلطانه وجبروته ما أراد أن تقع هذه المعصية فيصرفه عنها، وإذا أراد الله تعالى أن تكون منك المعصية قدرها عليك، ويسر لك أسبابها؛ لأنه علم أزلاً أنك ستختار هذا الطريق، وليس في هذا أدنى احتجاج بالقدر على المعصية أبداً، ولا يقول قائل: ربنا هو الذي قدرها علي. قال: [وعن ابن وهب قال: قال رجل لـ محمد بن كعب القرظي: ما أبعد التوبة! قال: فتبسم، قال: بل ما أحسن التوبة وأجملها] يعني: كان عليك أن تقول: ما أحسن التوبة لا ما أبعد التوبة؛ لأن معنى قولك: (ما أبعد التوبة) أنك أنت الذي تملك التوبة، يعني: إذا كنت أريد أن أتوب أتوب، وإذا ما أريد أن أتوب لم أتب، لا؛ التوبة بيد الله ، والذي بيد الله لا يصح وصفه بالبعد. [فقال الرجل: أرأيت إن قمت من عندك فأتيت المنبر فعاهدت الله عنده ألا آتي الله بمعصية أبداً، قال: فمن أعظم ذنباً منك، أو أعظم جرماً منك إذا تأليت على الله ألا ينفذ فيك أمره]. أي: كأن يقول شخص: أقسم بالله ثلاثاً لا أعصي الله أبداً، فما يدريك بذلك؟! وقد كان الشيخ الألباني يقول بعد كل خطبة جمعة: قولوا ورائي: تبنا إلى الله، وندمنا على ما فعلنا، وعزمنا على ألا نفعل. فأنت مطلوب منك أن تستغيث وتجأر إلى الله بالدعاء أن يحول بينك وبين المعصية، أما أن تحلف بينك وبين الله ألا تأتيه بمعصية أبداً فإذاً هو لمن يغفر؟ ومن يرحم؟ ويتوب على من؟ فستعطل كثير من أسمائه وصفاته، وإلا فالمعصية تقع بقدر الله، والطاعة تقع بقدر الله ، لكن الله تعالى يعاقب على المعصية، ويثيب على الطاعة. ومعنى كونه قدر المعصية أي: أذن في خلقها وإيجادها، ولكنه يبغضها ويكرهها ويحذر منها، ورتب عليها العقوبات المناسبة، فلكل معصية عقوبة تناسبها؛ حتى لا يأتي شخص ويقول: ألست تقول: إن كل شيء بقدر؟ فأنا زنيت وسرقت وقتلت وشربت الخمر، فلماذا تضربونني وتعذبونني على ذلك؟ كما حصل في زمن أمير المؤمنين عمر ﵁ لما شرب شارب الخمر، فقال له عمر: ما الذي حملك على ذلك وأمر بضربه؟ قال: يا أمير المؤمنين! أتضربني على أمر قدره الله علي؟! قال: نعم نضربك بقدر الله. يعني: الذي قدر عليك المعصية أيضاً قدر عليك العقوبة. قال: [قال محمد بن كعب القرظي: قال رسول الله ﷺ ذات يوم وهو على المنبر بيده اليمنى، قال: (هذا كتاب بأسماء أهل الجنة وأسماء آبائهم وأنسابهم، مجمل عليهم لا يزاد فيهم ولا ينقص منهم، قال: ثم قبض يده اليمنى ومد اليسرى فقال: هذا كتاب الله بأسماء أهل النار وأسماء آبائهم وأنسابهم، مجمل عليهم لا يزاد فيهم ولا ينتقص منهم، وليعمل أهل السعادة بعمل أهل الشقاء حتى يقال: كأنهم هم هم، بل هم هم، ثم يستنقذهم الله قبل الموت ولو بفواق ناقة، حتى يسلك بهم طريق أهل السعادة، وليعمل أهل النار بعمل أهل السعادة حتى يقال: كأنهم هم، بل هم هم، ثم يسلك بهم ولو بفواق ناقة طريق أهل الشقاوة، والشقي من شقي بقضاء الله، والسعيد من سعد بقضاء الله، والأعمال بالخواتيم)]. يعني: لا أحد منا يضمن على الله تعالى الجنة، ولكن يجتهد المرء قدر طاقته في طاعة الله ، والذي يختم له به هو في علم الله، وكم من إنسان عمل بطاعة الله دهراً من عمره، ثم ارتد قبل موته ومات على الردة، وكم من إنسان حارب الله تعالى ورسوله، وأراد الله تعالى له الهداية قبل موته بأيام أو بلحظات؛ فتاب وآمن، وربما لم يصل ولم يصم ولم يزكِ، تاب ومات فصار من أهل الجنة وكأنه لم يعمل شراً قط، بل نطق بشهادة التوحيد ومات على ذلك، فإذا كانت الأعمال بالخواتيم، وكلنا مرهونون بعلم الله ، وعلم الله تعالى نافذ لا محالة في الخلق؛ فعلينا بملاك الأمر وهو الدعاء والتضرع أن يجعلنا الله تعالى وإياكم من أهل السعادة، ولا يجعلنا من أهل الشقاوة. ثم قال: [عن محمد بن كعب القرظي قال: كانت الأقوات قبل الأجساد -يعن

стр. 1185

ما روي عن وهب بن منبه في القدر قال: [وعن وهب بن منبه قال: إني لأجد فيما أقرأ من كتب الله وفي التوراة: إني أنا الله لا إله إلا أنا خالق الخلق، خلقت الخير وخلقت من يكون الخير على يديه، فطوبى لمن خلقت الخير أن يكون على يديه، وإني أنا الله لا إله إلا أنا خالق الخلق، خلقت الشر وخلقت من يكون الشر على يديه، فويل لمن خلقت الشر أن يكون على يديه]. هذا النص موجود في التوراة، فقد كان ﵀ كثير الرواية من الكتب السابقة. [وعنه قال: الكتب بضع وتسعون كتاباً -يعني: الكتب السماوية التي نزلت من السماء بضع وتسعون كتاباً- قرأت منها بضعاً وسبعين كتاباً، فوجدت في كل كتاب منها: من يزعم أن إليه شيئاً من المشيئة فقد كفر]. يعني: أن هذا أمر متفق عليه بين الخلائق، ولم يخالف في ذلك إلا المجوس ومن بعدهم من القدرية. [وعن يزيد الخرساني قال: بينما أنا ومكحول إذ قال: يا وهب بن منبه! أي شيء بلغني عنك في القدر؟ قال: عني؟ قال: نعم، فقال: والذي كرم محمداً بالنبوة لقد قرأت من الله اثنين وسبعين كتاباً، منه ما يسر ومنه ما يعلن، ما منه كتاب إلا وجدت فيه: من أضاف إلى نفسه شيئاً من قدر الله فهو كافر بالله، فقال مكحول: الله أكبر]. يعني: أن هذا أمر متفق عليه بين جميع الشرائع.

стр. 1186

ما روي عن طاوس بن كيسان اليماني في القدر قال: [عن طاوس اليماني قال: اجتنبوا الكلام في القدر؛ فإن المتكلمين فيه يقولون بغير علم] أي: هذا مسلك خطير جداً، والكلام فيه بحساب دقيق جداً؛ فحين تكلم الحسن البصري، وكذلك مكحول حمل أهل البدع كلامهما في القدر على حسب أهوائهم، ولم يلتفتوا إلى ما جاء عنهما من الإثبات للقدر. [وعن ابن طاوس عن أبيه في قول الله تعالى: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ [النساء:٧٩] قال: وأنا قدرتها عليك]. أي: وما أصابك من سيئة فمن نفسك كذباً واختلاقاً، ومن الله خلقاً وإيجاداً؛ ولذلك قال: (وأنا قدرتها عليك).

стр. 1187

ما روي عن مكحول الشامي في القدر قال: [وعن أيوب قال: سمعت مكحولاً يقول لـ غيلان: لا تموت إلا مفتوناً] أي: غيلان الدمشقي، وسيأتي الكلام عن هذا. قال: [وعن محمد بن عبد الله الشعيثي قال: سمعت مكحولاً يقول: بئس الخليفة كان غيلان لمحمد ﷺ على أمته من بعده]. أي: بئس ما خلف غيلان الدمشقي محمداً ﵊ على قومه وأمته. ثم قال: [وحلف مكحول لا يجمعه وغيلان سقف بيت إلا سقف المسجد، وإن كان ليراه في أسطوان من أسطوانات السوق فيخرج منه]. يعني: كان مكحول إذا رأى غيلان يمشي في السوق يرجع من السوق ويخرج منه. قال: [قال أبو داود السجستاني: كان غيلان نصرانياً. عن إبراهيم بن مروان قال: قال لي أبي: قلت لـ سعيد بن عبد العزيز: يا أبا محمد! إن الناس يتهمون مكحولاً بالقدر، قال: كذبوا، لم يكن مكحول بقدري. وعن الأوزاعي قال: لم يبلغنا أن أحداً من التابعين تكلم في القدر إلا هذين الرجلين: الحسن، ومكحول، فكشفنا عن ذلك فإذا هو باطل]. يعني: افتراء وكذب على الحسن ومكحول. قال: [وقال الأوزاعي: لا نعلم أحداً من أهل العلم نسب إلى هذا الرأي إلا الحسن، ومكحول، ولم يثبت ذاك عنهما. قال أبو مسهر: كان سعيد بن عبد العزيز يبرئ مكحولاً ويدفعه عن القدر].

стр. 1188

ما روي عن عكرمة وعطاء الخراساني وقتادة وغيرهم في القدر قال: [عن عكرمة في قول الله تعالى: ﴿وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لا يَرْجِعُونَ﴾ [الأنبياء:٩٥] قال: لا يرجعون إلى التوبة. وعن عطاء الخراساني في قول الله تعالى: ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الأَرْضُ مِنْهُمْ﴾ [ق:٤] قال: من عظامهم وجلودهم، وذلك كتاب حفيظ. وعن قتادة في قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾ [الأنعام:١٨] قال: حكيم في أمره، خبير بخلقه. وعن سعيد بن أبي عروبة قال: جاء رجل إلى قتادة فقال: يا أبا الخطاب ما تقول في القدر؟ فقال: رأي العرب أعجب إليك أم رأي العجم؟ قال: بل رأي العرب، قال: إن العرب لم تزل في جاهليتها وإسلامها تثبت القدر، ثم أنشده بيتاً من شعر. قال أبو داود: وحدثت عن الأصمعي عن وهيب عن داود بن أبي هند قال: اشتقت القدرية من الزندقة، وأهلها أسرع شيء ردة، هكذا قال الأصمعي. وقال زياد بن يحيى الحساني: ما فشت القدرية بالبصرة حتى فشا من أسلم من النصارى]. وإن كنا نفرح بكل من يأتي بأسباب العتق من النار، لكن لنعلم أن البلايا والفتن ما ظهرت في الأمة إلا من كثرة من دخل في الدين من المجوس واليهود والنصارى وغيرهم؛ فمعظم الشر كان منهم.

стр. 1189

ما روي عن زيد بن أسلم وأبي صالح وسعيد بن عبد العزيز وأبي حازم في القدر قال: [عن زيد بن أسلم قال: والله ما قالت القدرية كما قال الله، ولا كما قالت الملائكة، ولا كما قال النبيون، ولا كما قال أهل الجنة، ولا كما قال أهل النار، ولا كما قال أخوهم إبليس. قال الله : ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [التكوير:٢٩]. وقال الملائكة: ﴿سُبْحَانَكَ لا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا﴾ [البقرة:٣٢]. وقال شعيب: ﴿وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا﴾ [الأعراف:٨٩]. وقال أهل الجنة: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾ [الأعراف:٤٣]. وقال أهل النار: ﴿رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا﴾ [المؤمنون:١٠٦]] أي: التي كتبتها علينا في اللوح المحفوظ. ثم قال: [وقال أخوهم إبليس: ﴿رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي﴾ [الحجر:٣٩]]، فإبليس يعترف بأن الغواية بيد الله ، والقدري يقول: لا، نحن إذا شئنا أغوينا، وإذا شئنا أرشدنا، يعني: أن الغواية بأيدينا. قال: [عن أبي العالية في قوله: ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ﴾ [الأعراف:٢٩] قال: عادوا إلى علمه فيهم، ألم تسمع إلى قول الله تعالى: ﴿فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ﴾ [الأعراف:٣٠]. وعن أبي صالح في قوله: ﴿يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتَابِ﴾ [الأعراف:٣٧] قال: نصيبهم من العذاب] أي: العذاب المذكور في الكتاب. [وعن سعيد بن عبد العزيز: لما نزلت: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ﴾ [التكوير:٢٨] قال وأبو جهل لعنه الله: الأمر إلينا] أبو جهل مع أنه فصيح أضله الله وأعماه عن المراد، والله يقول: ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف:٢٩]، فظاهر الآية أن الله يخيرنا بين الإيمان والكفر، لكن ليس هذا هو المراد، بل المراد من ذلك التهديد والوعيد، فالحق واضح والباطل واضح، فالذي يريد أن يختار يختار، مع أنه لا يختار إلا بقدر. قال: [لما نزلت: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ﴾ [التكوير:٢٨] قال أبو جهل: الأمر إلينا إن شئنا استقمنا، وإن شئنا لم نستقم، فنزلت: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [التكوير:٢٩]]. فأهل البدع أخذوا أول الآية وتركوا آخرها، فنقول لهم: إما أن تأخذوا آخرها مع أولها، وإما أن تتركوا النص كله، وقد صنف في قضايا الإيمان والكفر في هذا الزمان أناس، ولم ينصفوا فيما كتبوا؛ فإنهم أخذوا من الآيات ومن أقوال أهل العلم ما يوافق مذهبهم الذي يذهبون إليه، وهذه هي طريقة أهل البدع، مع أن هؤلاء الكتاب ليسوا من أهل البدع. قال: [عن أبي حازم قال: إن الله علم قبل أن يكتب، وكتب قبل أن يخلق]. أي: علم سبحانه ما العباد عاملون، وما هم إليه صائرون، فالعلم والكتابة أسبق من العمل والعامل لها، علم سبحانه ذلك بالعلم الأزلي السابق. ثم قال: [فمضى الخلق على علمه وكتابه]. يعني: جرى من الخلق أعمال الخير والشر التي علمها الله تعالى منهم، فكتبها في اللوح المحفوظ. [وعن الحسن بن محمد بن علي قال: لا تجالسوا أهل القدر. وقال حماد: ولا أعلمني إلا قد سمعته من ثابت مراراً أن الحسن بن علي كان يقول: قضي القضاء، وجف القلم، وأمور تقضى في كتاب قد خلا]. يعني أن كل الذي يعمله العباد ما هو إلا ترجمة عملية لعلم الله السابق، وكتابة هذا العلم في اللوح المحفوظ. أقولي قولي هذا، وأستغفر الله تعالى لي ولكم. وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.

стр. 1190

شرح كتاب الإبانة - مذهب عمر بن عبد العزيز في القدر وسيرته في القدرية لقد حفلت كتب العقيدة الإسلامية بذكر عقائد الأمة والسلف رحمهم الله تعالى في أهل الأهواء والبدع، وذلك لكشف عوارهم، وبيان فساد وبطلان مذهبهم، حتى يحذر المسلمون من ذلك الضلال فلا يقعوا فيه، وحتى يصير دين الله صافياً نقياً، لا يعكره دخيل، ولا يلصق به ما ليس منه.

стр. 1191

بيان مذهب عمر بن عبد العزيز ﵁ في إثبات القدر

стр. 1192

رسالة عمر بن عبد العزيز إلى من سأله عن القدر إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. وبعد: قال المصنف رحمه الله تعالى: [الباب الثاني في كتاب القدر هو: بيان مذهب أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز ﵀ في القدر، وسيرته في القدرية. قال سفيان الثوري: كتب عامل لـ عمر بن عبد العزيز إلى عمر يسأله عن القدر فكتب إليه: أما بعد -أي: بعد الحمد والثناء على الله، والصلاة والسلام على رسوله-: أوصيك بتقوى الله ، والاقتصاد في أمره -أي: التوسط، وهو درجة بين الإفراط والتفريط- واتباع سنة نبيه ﷺ ، وترك ما أحدث المحدثون بعدما جرت به سنته، وكفوا مؤنته، فعليك بلزوم السنة؛ فإنها لك بإذن الله عصمة -ما التزم أحد بالسنة إلا عصمته من كل بلية- ثم اعلم أنه لم يبتدع الناس بدعة إلا قد مضى قبلها ما هو دليل عليها أو عبرة فيها]. أي: ما من بدعة إلا وقد رأى الناس آثارها السيئة في حياتهم، وكان على قبحها وسوئها دليل من الكتاب أو السنة. قال: [فإن السنة إنما سنها من قد علم ما في خلافها من الخطأ والزلل، والحمق والتعمق، فارض لنفسك ما قد رضي به القوم لأنفسهم]. أي: ارض لنفسك أن تسلك في كل باب من أبواب الدين والشريعة ما قد رضيه أسلاف هذه الأمة لأنفسهم. قال: [فإنهم عن علم وقفوا -أي: توقفوا بعلم- وببصر نافذ قد كفوا، وهم على كشف الأمور كانوا أقوى وأقدر]. أي: هذا الخوض الذي يخوضه الناس اليوم فيما يتعلق بمسائل القدر، والأسئلة التي تنم عن زعزعة الإيمان في قلوب أصحابها؛ كان السلف -لو كانت هذه الأسئلة محمودة وممدوحة- هم أولى بطرحها على النبي ﷺ ، لكن لما كان هذا أمراً مذموماً كفوا عنه، وآمنوا به. قال: [وهم على كشف الأمور كانوا أقوى وأقدر، وبفضل ما كانوا فيه أولى، فإن كان الهدى ما أنتم عليه لقد سبقتموهم إليه]. أي: إن كان الهدى هو الذي أنتم عليه اليوم من الخوض فيما لا يعنيكم، فاعلموا أنكم على ملة هي أهدى من ملة محمد! وهذا مستحيل. كما قال عبد الله بن مسعود لأولئك الذين تحلقوا حلقاً في المسجد، وجعلوا على كل حلقة كبيراً لهم يلقي لهم الحصى، ويقول: سبحوا مائة، احمدوا مائة، كبروا مائة، فوقف على رءوسهم وقال: إما أنكم على ملة هي أهدى من ملة محمد، أو أنكم مفتتحو باب ضلالة. ولا شك أن الأولى مستحيلة؛ أن يخفي الله تعالى الهدى والحق والخير والنور عن نبيه وعن أصحابه نبيه ثم يظهره لنا، ثم هذا مخالف لأصل من أصول الدين، وهو: أن الأمة لا يمكن أن تجتمع على شر ولا ضلالة ولا باطل، فلأن يدعي رجل اليوم أنه قد وقف على خير وهدى قد حرمته الأمة على مدار أربعة عشر قرناً؛ لهو ضال مضل؛ لأن نتيجة هذا الكلام يهدم أصلاً من الأصول التي عليها اعتماد الإسلام، وهو أن الأمة لا يمكن أن تجتمع على شر ولا على ضلالة، كما أخبر النبي ﵊. قال: [فإن كان الهدى ما أنتم عليه لقد سبقتموهم إليه، ولئن قلتم: إنما حدث بعدهم؛ ما أحدثه إلا من ابتغى غير سبيلهم، ورغب بنفسه عنهم، فإنهم السابقون -والله تعالى قد مدح السابقين- فقد تكلموا فيه بما يكفي، ووصفوا منه ما يشفي، فما دونهم من مقصر، وما فوقهم من مجسر]. أي: إما أن يكون إنساناً مفرطاً جداً فيما كانوا عليه غير تابع لهم، وإما أن يكون إنساناً جريئاً جداً يرتكب مخالفة الهدي، ويتبع سبيل غير المؤمنين. قال: [قد قصر قوم دونهم فجفوا، وطمح عنهم أقوام -أي: رغب عنهم أقوام- فغلوا، وأنهم بين ذلك لعلى هدى مستقيم]. أي: أن طريق السلف بين الإفراط والتفريط، وبين التقصير والجسور، ولم تكن الجرأة والتبجح من طريقهم، وإنما كانوا يلتزمون عند حدود النقل.

стр. 1193

تواتر الشرع وكلام السلف في إثبات القدر قال: [كتبت تسأل عن الإقرار بالقدر -أي: أن عمر بن عبد العزيز قال لعامله: لقد كتبت إلي تسألني عن الإقرار بالقدر- فعلى الخبير بإذن الله وقعت -أي: أنك لا تجد أكفأ مني تسأله عن هذا، فأنا بإجابة هذا السؤال خبير- ما أعلم أحدث الناس من محدثة، ولا ابتدعوا من بدعة هي أبين أمراً ولا أثبت أثراً من الإقرار بالقدر -ليس هناك أعظم في الإسلام من بدعة القدرية-، لقد كان ذكره -أي: أمر القدر- في الجاهلية الجهلاء يتكلمون به في كلامهم وفي شعرهم، يعزون به أنفسهم على ما فاتهم -أي: من الخير-، ثم لم يزده الإسلام بعد إلا شدة، ولقد ذكره رسول الله ﷺ في غير حديث ولا حديثين قد سمعه منه المسلمون، فتكلموا به في حياته وبعد وفاته يقيناً وتسليماً لربهم، وتضعيفاً لأنفسهم أن يكون شيء لم يحط به علمه، ولم يحصه كتابه، ولم يمض فيه قدره، وأنه مع ذلك لفي محكم كتابه، فمنه اقتبسوه، ومنه تعلموه، ولئن قلتم: لم أنزل الله آية كذا؟ ولم قال الله كذا؟ لقد قرءوا منه ما قرأتم]. أي: إذا سألتم: ما معنى هذه الآية؛ على سبيل الاعتراض، أو على سبيل رد مسائل القدر، فتقولون: لم أنزل الله آية كذا؟ ولم قال الله كذا؟ ف الجواب أن السلف ﵃ قد قرءوا هذه الآيات التي تعتمدون أنتم عليها، وتحتجون أنتم بها، فهل كان موقفهم من هذه الآيات مثل موقفكم أنتم؟! الجواب لا. إذاً: فيسعكم ما وسع السلف، ولا يسعكم ما لم يسع السلف، فالسلف قرءوا هذه الآيات وهذه الأحاديث، فآمنوا بها وأمروها كما جاءت، ولم يخوضوا فيها بتأويل، ولم يصرفوها عن ظاهرها، بل آمنوا بها. قال: [لقد قرءوا منه ما قرأتم، وعلموا من تأويله ما جهلتم، وقالوا بعد ذلك كله بكتاب وقدر]. أي: أن كل ذلك مذكور في الكتاب الأول في اللوح المحفوظ، والله تعالى قد علمه وقدره. يعني: بعد أن قرءوا هذه الآيات، وعلموا تأويل وتفسير هذه الآيات؛ سلموا بعد ذلك لله تعالى في باب القدر، وقالوا: ما أصابنا إلا ما كتبه الله لنا من خير أو شر. قال: [وما قدر يكن، وما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، ولا نملك لأنفسنا نفعاً ولا ضراً]. أي: أن الذي يملك النفع والضر هو الله ؛ ولذلك سمى نفسه النافع الضار . قال: [ثم رغبوا بعد ذلك ورهبوا]. أي: بعد علمهم بهذا كله عبدوا الله تعالى بجناحين: جناح الخوف وجناح الرجاء، ولا حيلة للعبد أبداً في عبادته لله إلا بهذين الجناحين، فمن غلب عليه الخوف أيس من رحمة الله، ومن غلب عليه الرجاء فرط في جنب الله.

стр. 1194

موافقة عبد العزيز بن أبي سلمة لكلام عمر بن عبد العزيز في إثبات القدر وعبد العزيز بن أبي سلمة رحمه الله تعالى ذكر عنه نفس هذا الكلام الذي ذكر عن أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز، ولعله كلام أدخل بعضه في بعض، أو لعل عبد العزيز بن أبي سلمة حفظ كلام عمر بن عبد العزيز ﵀ فيما يتعلق بالقدر فأجاب به سائلاً سأله هو، ثم زاد عليه. قال: [ثم رغبوا مع قولهم هذا ورهبوا، وأمروا ونهوا]. أي: لم يتكلوا على قضية القدر، وإلا من كان يعتقد اعتقاد القدرية فإنه في نهاية أمره يقول بمذهب الجبرية وهو: تعطيل الأمر والنهي. وبالتالي فكل شيء مجبول ومجبور عليه العبد، إذاً: فلم نؤمر ولم ننه؟ ولا غرو إذ يقول أهل العلم: إن أعظم مفسدة للقدرية: إبطال الشريعة؛ لأن الشريعة قامت على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والذي يقول: بأن أفعال العباد أو أن العباد مجبورون مقهورون على أفعالهم لا حيلة لهم في ذلك؛ فلابد أنه يقول: لم الأمر إذاً؟! ولم النهي إذاً؟! وأما السلف فمع إيمانهم بهذه الآيات وعلمهم بتأويلها؛ إلا أنهم عبدوا الله تعالى رغبة ورهبة [وأمروا ونهوا، وحمدوا ربهم على الحسنة، ولاموا أنفسهم على الخطيئة، ولم يعذروا أنفسهم بالقدر -أي: لم يحتجوا بالقدر على المعصية- ولم يملكوها فعل الخير والشر -أي: ما قال واحد منهم: بيدي وبمشيئتي وإرادتي أن أفعل الخير والشر، وإنما رد ذلك كله إلى الله تعالى- فعظموا الله بقدره، ولم يعذروا أنفسهم به، وحمدوا الله على منه، ولم ينحلوه أنفسهم دونه، وقال الله تعالى: ﴿وَذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ﴾ [المائدة:٨٥]، وقال: ﴿بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾ [البقرة:٥٩]]، فلما ذكر الخير بين الله تعالى أن هذا الخير نال المؤمنين بما كانوا قد أحسنوا في الدنيا، فبين أن إحسان العباد في الدنيا يستوجب على الله أن يكرمه، وأن الله تعالى هو الذي أوجب ذلك على نفسه، ولم يوجبه عليه أحد، ومن أساء في الدنيا فإن الله تعالى يعاقبه في الآخرة بما كان عنده من فسق. [فكما كان الخير منه، وقد نحلهم عمله -أي: قد وهبهم ومن عليهم أن يعملوه- فكذلك كان الشر منه، وقد مضى به قدره . وإن الذين أمرتك باتباعهم في القدر لأهل التنزيل]. أي: أنه يقول له: أنا آمرك أن تتبع أهل العلم من أهل السنة والجماعة في فهمهم لباب القدر، لا أن تكون تابعاً للقدرية. قال: [الذين تلوه حق تلاوته -أي: الذين قرءوا القرآن كما أراد الله -فعملوا بمحكمه، وآمنوا بمتشابهه]، ولم يخوضوا فيه، ولم يصرفوه عن ظاهره، ولم يقولوا فيه: لم؟ وكيف؟ وإنما آمنوا به وأمروه كما جاء، [وكانوا بذلك من أهل العلم في الراسخين]. يعني: مع إيمانهم بالمتشابه، وإمرارهم له، وعدم الخوض فيه؛ كانوا من الراسخين في العلم. قال: [ثم ورثوا علم ما علموا من القدر وغيره من بعدهم -يعني: هكذا علم السلف بعضهم بعضاً، فالصحابة علموا التابعين، والتابعون علموا تابعي التابعين وهكذا- فما أعلم أمراً شك فيه أحد من العالمين أعلى ولا أفشى ولا أكثر ولا أظهر من الإقرار بالقدر، لقد آمن به الأعرابي الجافي، والقروي القاري، والنساء في ستورهن، والغلمان في حداثتهم، ومن بين ذلك من قوي المسلمين وضعيفهم، فما سمعه سامع قط فأنكره، ولا عرض لمتكلم قط إلا ذكره، لقد بسط الله عليه المعرفة، وجمع عليه الكلمة، وجعل على كلام من جحده النكرة -أي: النكارة- فما من أحد جحده ولا أنكره فيمن آمن به وعرفه من الناس إلا كأكلة رأس. فالله الله، فلو كان القدر ضلالة ما تكلم به رسول الله ﷺ ، ولو كانت بدعة ما علم المسلمون متى كانت، فقد علم المسلمون متى أحدثت المحدثات والبدع والمضلات. وإن أصل القدر لثابت في كتاب الله تعالى، يعزي به المسلمون بعضهم بعضاً في مصائبهم بما سبق منها في الكتاب عليهم، يريد بذلك تسليتهم -الله تعالى يسلي عباده الموحدين-، ويثبت به على الغيب يقينهم، فسلموا لأمره وآمنوا بقدره، وقد علموا أنهم مبتلون، وأنهم مملوكون غير مملكين ولا موكلين، قلوبهم بيد ربهم، لا يأخذون إلا ما أعطى، ولا يدفعون عن أنفسهم ما قضى، قد علموا أنهم إن وكلهم إلى أنفسهم ضاعوا، وإن عصمهم من شرها أطاعوا هم بذلك من نعمته عارفون، كما قال نبيه وعبده الصديق: ﴿وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ﴾ [يوسف:٣٣]-فبين يوسف ﵇ أن الذي يملك صرف الشر هو الله ﴿وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ [يوسف:٣٣]، وقال تعالى: ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [يوسف:٥٣]، فتبرأ إلى ربه من الحول والقوة، وباء مع ذلك على نفسه بالخطيئة، كانت لهم فيه أسوة، وكانوا له شيعة].

стр. 1195

رأي عمر بن عبد العزيز فيما يستحقه القدرية من العقوبة قال: [عن مالك بن أنس عن عمه أبي سهيل بن مالك قال: كنت أسير مع عمر بن عبد العزيز فقال: ما رأيك في هؤلاء القدرية؟ قال: أرى أن تستتيبهم -أي: تحبسهم ثلاثة أيام حتى يتوبوا فيها، ويرجعوا عن قولهم- فإن تابوا وإلا عرضتهم على السيف]. وهذه إشارة إلى قتلهم، يعني: فإن تابوا وإلا قتلوا. [فقال عمر بن عبد العزيز: وذلك رأيي، وتلك سيرة الحق فيهم. قال معن وقتيبة: قال مالك: وذلك أيضاً رأيي]، يعني: أرى أن يستتابوا، فإن تابوا وإلا قتلوا. [وقال عمر بن عبد العزيز: ينبغي لأهل القدر أن يوعز إليهم فيما أحدثوا من القدر -أي: يزجروا زجراً شديداً- فإن كفوا وإلا سلت ألسنتهم من أقفيتهم استلالاً]. يعني: يخرجون ألسنتهم من رقابهم بعد قتلهم، وهذا الكلام فيه إشارة إلى القتل. [وقال عمر بن عبد العزيز في أصحاب القدر: يستتابون، فإن تابوا وإلا نفوا من ديار المسلمين].
следующие страницы →