← Акыда

Акыда · id 37436

شرح كتاب الإبانة من أصول الديانة

حسن أبو الأشبال الزهيري

Полный текст (1 366 стр.). Показаны 1191–1230 · переход к 1196.

стр. 1191

بيان مذهب عمر بن عبد العزيز ﵁ في إثبات القدر

стр. 1192

رسالة عمر بن عبد العزيز إلى من سأله عن القدر إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. وبعد: قال المصنف رحمه الله تعالى: [الباب الثاني في كتاب القدر هو: بيان مذهب أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز ﵀ في القدر، وسيرته في القدرية. قال سفيان الثوري: كتب عامل لـ عمر بن عبد العزيز إلى عمر يسأله عن القدر فكتب إليه: أما بعد -أي: بعد الحمد والثناء على الله، والصلاة والسلام على رسوله-: أوصيك بتقوى الله ، والاقتصاد في أمره -أي: التوسط، وهو درجة بين الإفراط والتفريط- واتباع سنة نبيه ﷺ ، وترك ما أحدث المحدثون بعدما جرت به سنته، وكفوا مؤنته، فعليك بلزوم السنة؛ فإنها لك بإذن الله عصمة -ما التزم أحد بالسنة إلا عصمته من كل بلية- ثم اعلم أنه لم يبتدع الناس بدعة إلا قد مضى قبلها ما هو دليل عليها أو عبرة فيها]. أي: ما من بدعة إلا وقد رأى الناس آثارها السيئة في حياتهم، وكان على قبحها وسوئها دليل من الكتاب أو السنة. قال: [فإن السنة إنما سنها من قد علم ما في خلافها من الخطأ والزلل، والحمق والتعمق، فارض لنفسك ما قد رضي به القوم لأنفسهم]. أي: ارض لنفسك أن تسلك في كل باب من أبواب الدين والشريعة ما قد رضيه أسلاف هذه الأمة لأنفسهم. قال: [فإنهم عن علم وقفوا -أي: توقفوا بعلم- وببصر نافذ قد كفوا، وهم على كشف الأمور كانوا أقوى وأقدر]. أي: هذا الخوض الذي يخوضه الناس اليوم فيما يتعلق بمسائل القدر، والأسئلة التي تنم عن زعزعة الإيمان في قلوب أصحابها؛ كان السلف -لو كانت هذه الأسئلة محمودة وممدوحة- هم أولى بطرحها على النبي ﷺ ، لكن لما كان هذا أمراً مذموماً كفوا عنه، وآمنوا به. قال: [وهم على كشف الأمور كانوا أقوى وأقدر، وبفضل ما كانوا فيه أولى، فإن كان الهدى ما أنتم عليه لقد سبقتموهم إليه]. أي: إن كان الهدى هو الذي أنتم عليه اليوم من الخوض فيما لا يعنيكم، فاعلموا أنكم على ملة هي أهدى من ملة محمد! وهذا مستحيل. كما قال عبد الله بن مسعود لأولئك الذين تحلقوا حلقاً في المسجد، وجعلوا على كل حلقة كبيراً لهم يلقي لهم الحصى، ويقول: سبحوا مائة، احمدوا مائة، كبروا مائة، فوقف على رءوسهم وقال: إما أنكم على ملة هي أهدى من ملة محمد، أو أنكم مفتتحو باب ضلالة. ولا شك أن الأولى مستحيلة؛ أن يخفي الله تعالى الهدى والحق والخير والنور عن نبيه وعن أصحابه نبيه ثم يظهره لنا، ثم هذا مخالف لأصل من أصول الدين، وهو: أن الأمة لا يمكن أن تجتمع على شر ولا ضلالة ولا باطل، فلأن يدعي رجل اليوم أنه قد وقف على خير وهدى قد حرمته الأمة على مدار أربعة عشر قرناً؛ لهو ضال مضل؛ لأن نتيجة هذا الكلام يهدم أصلاً من الأصول التي عليها اعتماد الإسلام، وهو أن الأمة لا يمكن أن تجتمع على شر ولا على ضلالة، كما أخبر النبي ﵊. قال: [فإن كان الهدى ما أنتم عليه لقد سبقتموهم إليه، ولئن قلتم: إنما حدث بعدهم؛ ما أحدثه إلا من ابتغى غير سبيلهم، ورغب بنفسه عنهم، فإنهم السابقون -والله تعالى قد مدح السابقين- فقد تكلموا فيه بما يكفي، ووصفوا منه ما يشفي، فما دونهم من مقصر، وما فوقهم من مجسر]. أي: إما أن يكون إنساناً مفرطاً جداً فيما كانوا عليه غير تابع لهم، وإما أن يكون إنساناً جريئاً جداً يرتكب مخالفة الهدي، ويتبع سبيل غير المؤمنين. قال: [قد قصر قوم دونهم فجفوا، وطمح عنهم أقوام -أي: رغب عنهم أقوام- فغلوا، وأنهم بين ذلك لعلى هدى مستقيم]. أي: أن طريق السلف بين الإفراط والتفريط، وبين التقصير والجسور، ولم تكن الجرأة والتبجح من طريقهم، وإنما كانوا يلتزمون عند حدود النقل.

стр. 1193

تواتر الشرع وكلام السلف في إثبات القدر قال: [كتبت تسأل عن الإقرار بالقدر -أي: أن عمر بن عبد العزيز قال لعامله: لقد كتبت إلي تسألني عن الإقرار بالقدر- فعلى الخبير بإذن الله وقعت -أي: أنك لا تجد أكفأ مني تسأله عن هذا، فأنا بإجابة هذا السؤال خبير- ما أعلم أحدث الناس من محدثة، ولا ابتدعوا من بدعة هي أبين أمراً ولا أثبت أثراً من الإقرار بالقدر -ليس هناك أعظم في الإسلام من بدعة القدرية-، لقد كان ذكره -أي: أمر القدر- في الجاهلية الجهلاء يتكلمون به في كلامهم وفي شعرهم، يعزون به أنفسهم على ما فاتهم -أي: من الخير-، ثم لم يزده الإسلام بعد إلا شدة، ولقد ذكره رسول الله ﷺ في غير حديث ولا حديثين قد سمعه منه المسلمون، فتكلموا به في حياته وبعد وفاته يقيناً وتسليماً لربهم، وتضعيفاً لأنفسهم أن يكون شيء لم يحط به علمه، ولم يحصه كتابه، ولم يمض فيه قدره، وأنه مع ذلك لفي محكم كتابه، فمنه اقتبسوه، ومنه تعلموه، ولئن قلتم: لم أنزل الله آية كذا؟ ولم قال الله كذا؟ لقد قرءوا منه ما قرأتم]. أي: إذا سألتم: ما معنى هذه الآية؛ على سبيل الاعتراض، أو على سبيل رد مسائل القدر، فتقولون: لم أنزل الله آية كذا؟ ولم قال الله كذا؟ ف الجواب أن السلف ﵃ قد قرءوا هذه الآيات التي تعتمدون أنتم عليها، وتحتجون أنتم بها، فهل كان موقفهم من هذه الآيات مثل موقفكم أنتم؟! الجواب لا. إذاً: فيسعكم ما وسع السلف، ولا يسعكم ما لم يسع السلف، فالسلف قرءوا هذه الآيات وهذه الأحاديث، فآمنوا بها وأمروها كما جاءت، ولم يخوضوا فيها بتأويل، ولم يصرفوها عن ظاهرها، بل آمنوا بها. قال: [لقد قرءوا منه ما قرأتم، وعلموا من تأويله ما جهلتم، وقالوا بعد ذلك كله بكتاب وقدر]. أي: أن كل ذلك مذكور في الكتاب الأول في اللوح المحفوظ، والله تعالى قد علمه وقدره. يعني: بعد أن قرءوا هذه الآيات، وعلموا تأويل وتفسير هذه الآيات؛ سلموا بعد ذلك لله تعالى في باب القدر، وقالوا: ما أصابنا إلا ما كتبه الله لنا من خير أو شر. قال: [وما قدر يكن، وما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، ولا نملك لأنفسنا نفعاً ولا ضراً]. أي: أن الذي يملك النفع والضر هو الله ؛ ولذلك سمى نفسه النافع الضار . قال: [ثم رغبوا بعد ذلك ورهبوا]. أي: بعد علمهم بهذا كله عبدوا الله تعالى بجناحين: جناح الخوف وجناح الرجاء، ولا حيلة للعبد أبداً في عبادته لله إلا بهذين الجناحين، فمن غلب عليه الخوف أيس من رحمة الله، ومن غلب عليه الرجاء فرط في جنب الله.

стр. 1194

موافقة عبد العزيز بن أبي سلمة لكلام عمر بن عبد العزيز في إثبات القدر وعبد العزيز بن أبي سلمة رحمه الله تعالى ذكر عنه نفس هذا الكلام الذي ذكر عن أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز، ولعله كلام أدخل بعضه في بعض، أو لعل عبد العزيز بن أبي سلمة حفظ كلام عمر بن عبد العزيز ﵀ فيما يتعلق بالقدر فأجاب به سائلاً سأله هو، ثم زاد عليه. قال: [ثم رغبوا مع قولهم هذا ورهبوا، وأمروا ونهوا]. أي: لم يتكلوا على قضية القدر، وإلا من كان يعتقد اعتقاد القدرية فإنه في نهاية أمره يقول بمذهب الجبرية وهو: تعطيل الأمر والنهي. وبالتالي فكل شيء مجبول ومجبور عليه العبد، إذاً: فلم نؤمر ولم ننه؟ ولا غرو إذ يقول أهل العلم: إن أعظم مفسدة للقدرية: إبطال الشريعة؛ لأن الشريعة قامت على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والذي يقول: بأن أفعال العباد أو أن العباد مجبورون مقهورون على أفعالهم لا حيلة لهم في ذلك؛ فلابد أنه يقول: لم الأمر إذاً؟! ولم النهي إذاً؟! وأما السلف فمع إيمانهم بهذه الآيات وعلمهم بتأويلها؛ إلا أنهم عبدوا الله تعالى رغبة ورهبة [وأمروا ونهوا، وحمدوا ربهم على الحسنة، ولاموا أنفسهم على الخطيئة، ولم يعذروا أنفسهم بالقدر -أي: لم يحتجوا بالقدر على المعصية- ولم يملكوها فعل الخير والشر -أي: ما قال واحد منهم: بيدي وبمشيئتي وإرادتي أن أفعل الخير والشر، وإنما رد ذلك كله إلى الله تعالى- فعظموا الله بقدره، ولم يعذروا أنفسهم به، وحمدوا الله على منه، ولم ينحلوه أنفسهم دونه، وقال الله تعالى: ﴿وَذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ﴾ [المائدة:٨٥]، وقال: ﴿بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾ [البقرة:٥٩]]، فلما ذكر الخير بين الله تعالى أن هذا الخير نال المؤمنين بما كانوا قد أحسنوا في الدنيا، فبين أن إحسان العباد في الدنيا يستوجب على الله أن يكرمه، وأن الله تعالى هو الذي أوجب ذلك على نفسه، ولم يوجبه عليه أحد، ومن أساء في الدنيا فإن الله تعالى يعاقبه في الآخرة بما كان عنده من فسق. [فكما كان الخير منه، وقد نحلهم عمله -أي: قد وهبهم ومن عليهم أن يعملوه- فكذلك كان الشر منه، وقد مضى به قدره . وإن الذين أمرتك باتباعهم في القدر لأهل التنزيل]. أي: أنه يقول له: أنا آمرك أن تتبع أهل العلم من أهل السنة والجماعة في فهمهم لباب القدر، لا أن تكون تابعاً للقدرية. قال: [الذين تلوه حق تلاوته -أي: الذين قرءوا القرآن كما أراد الله -فعملوا بمحكمه، وآمنوا بمتشابهه]، ولم يخوضوا فيه، ولم يصرفوه عن ظاهره، ولم يقولوا فيه: لم؟ وكيف؟ وإنما آمنوا به وأمروه كما جاء، [وكانوا بذلك من أهل العلم في الراسخين]. يعني: مع إيمانهم بالمتشابه، وإمرارهم له، وعدم الخوض فيه؛ كانوا من الراسخين في العلم. قال: [ثم ورثوا علم ما علموا من القدر وغيره من بعدهم -يعني: هكذا علم السلف بعضهم بعضاً، فالصحابة علموا التابعين، والتابعون علموا تابعي التابعين وهكذا- فما أعلم أمراً شك فيه أحد من العالمين أعلى ولا أفشى ولا أكثر ولا أظهر من الإقرار بالقدر، لقد آمن به الأعرابي الجافي، والقروي القاري، والنساء في ستورهن، والغلمان في حداثتهم، ومن بين ذلك من قوي المسلمين وضعيفهم، فما سمعه سامع قط فأنكره، ولا عرض لمتكلم قط إلا ذكره، لقد بسط الله عليه المعرفة، وجمع عليه الكلمة، وجعل على كلام من جحده النكرة -أي: النكارة- فما من أحد جحده ولا أنكره فيمن آمن به وعرفه من الناس إلا كأكلة رأس. فالله الله، فلو كان القدر ضلالة ما تكلم به رسول الله ﷺ ، ولو كانت بدعة ما علم المسلمون متى كانت، فقد علم المسلمون متى أحدثت المحدثات والبدع والمضلات. وإن أصل القدر لثابت في كتاب الله تعالى، يعزي به المسلمون بعضهم بعضاً في مصائبهم بما سبق منها في الكتاب عليهم، يريد بذلك تسليتهم -الله تعالى يسلي عباده الموحدين-، ويثبت به على الغيب يقينهم، فسلموا لأمره وآمنوا بقدره، وقد علموا أنهم مبتلون، وأنهم مملوكون غير مملكين ولا موكلين، قلوبهم بيد ربهم، لا يأخذون إلا ما أعطى، ولا يدفعون عن أنفسهم ما قضى، قد علموا أنهم إن وكلهم إلى أنفسهم ضاعوا، وإن عصمهم من شرها أطاعوا هم بذلك من نعمته عارفون، كما قال نبيه وعبده الصديق: ﴿وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ﴾ [يوسف:٣٣]-فبين يوسف ﵇ أن الذي يملك صرف الشر هو الله ﴿وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ [يوسف:٣٣]، وقال تعالى: ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [يوسف:٥٣]، فتبرأ إلى ربه من الحول والقوة، وباء مع ذلك على نفسه بالخطيئة، كانت لهم فيه أسوة، وكانوا له شيعة].

стр. 1195

رأي عمر بن عبد العزيز فيما يستحقه القدرية من العقوبة قال: [عن مالك بن أنس عن عمه أبي سهيل بن مالك قال: كنت أسير مع عمر بن عبد العزيز فقال: ما رأيك في هؤلاء القدرية؟ قال: أرى أن تستتيبهم -أي: تحبسهم ثلاثة أيام حتى يتوبوا فيها، ويرجعوا عن قولهم- فإن تابوا وإلا عرضتهم على السيف]. وهذه إشارة إلى قتلهم، يعني: فإن تابوا وإلا قتلوا. [فقال عمر بن عبد العزيز: وذلك رأيي، وتلك سيرة الحق فيهم. قال معن وقتيبة: قال مالك: وذلك أيضاً رأيي]، يعني: أرى أن يستتابوا، فإن تابوا وإلا قتلوا. [وقال عمر بن عبد العزيز: ينبغي لأهل القدر أن يوعز إليهم فيما أحدثوا من القدر -أي: يزجروا زجراً شديداً- فإن كفوا وإلا سلت ألسنتهم من أقفيتهم استلالاً]. يعني: يخرجون ألسنتهم من رقابهم بعد قتلهم، وهذا الكلام فيه إشارة إلى القتل. [وقال عمر بن عبد العزيز في أصحاب القدر: يستتابون، فإن تابوا وإلا نفوا من ديار المسلمين].

стр. 1196

مناظرة عمر بن عبد العزيز لغيلان الدمشقي وإظهار غيلان للتوبة وما آل إليه أمره [وعن محمد بن عمرو الليثي: أن الزهري حدثه قال: دعا عمر بن عبد العزيز غيلان القدري الدمشقي -وهذا زعيم القدرية- فقال: يا غيلان! بلغنا أنك تقول في القدر -أي: لك قول سيء رديء في القدر- فقال: يا أمير المؤمنين! إنهم يكذبون علي]. أي: أنه جبن عن الاعتراف بعقيدته أمام أمير المؤمنين، ثم يتهم غيره الذي تكلم بالحق ونقل الصدق إلى أمير المؤمنين بأنه كاذب يفتري عليه. [قال: يا أمير المؤمنين! يكذبون علي، فقال: يا غيلان! اقرأ علي يس، فقال: ﴿يس * وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ * إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ * عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [يس:١ - ٤]، حتى بلغ: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلالًا فَهِيَ إِلَى الأَذْقَانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ * وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ * وَسَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [يس:٨ - ١٠]]، وهذه الآية هي الشاهد، أي: أن الله علم منهم الكفر فكتبه عليهم. قال: [فقال غيلان: يا أمير المؤمنين! والله لكأني لم أقرأها قبل اليوم]. أرأيتم إلى النفاق؟! فهو يقول: لقد ذكرتني بالذي غاب عني، فأنا فعلاً كان عندي شك، لكن لما قرأت هذه الآية علمت أن الإيمان والكفر بيد الله ، وأن الخير والشر من عند الله، وأن الله علم ذلك في الأزل، وكتبه وقدره على العباد، ((وَسَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ))، فعلمت أن إيمان هؤلاء بيد الله، ولا يملكون لأنفسهم نفعاً ولا ضراً. ثم قال: [أشهدك يا أمير المؤمنين! أني تائب إلى الله مما كنت أقول في القدر]. أي: أنني قد تبت من شيء قلته واعتقدته! إذاً: هذا يرد به على قوله الأول: إنهم يكذبون علي يا أمير المؤمنين! فهو ابتداءً رد القول الذي قيل فيه بحق؛ رده بباطل وبافتراء وبهتان على الصادقين. ثم نافق وبين أنه لأول مرة يسمع هذه الآيات، بينما هو قد سمعها وقرأها مراراً، ووقف عندها، وله فيها تأويل غير سائغ ولا معتبر، لكنه خشي السيف. فقال: [إني تائب يا أمير المؤمنين! مما كنت قلته في القدر، فقال عمر: اللهم إن كان صادقاً فثبته -أي: فثبته على هذا الصدق واليقين- وإن كان كاذباً فاجعله آية للمؤمنين]. أي: عبرة وعلامة. قال: [فقال ابن عون: أنا رأيته مصلوباً على باب دمشق]. وهذه آية، فقد أصابته دعوة أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز. قال: [قال عمرو بن المهاجر: بلغ عمر بن عبد العزيز أن غيلان يقول في القدر، فبعث إليه فحجبه أياماً -أي: حبسه عنده أياماً- ثم أدخله عليه، فقال: يا غيلان! ما هذا الذي بلغني عنك؟ قال عمرو بن مهاجر: فأشرت إليه ألا يقول شيئاً، قال: فقال: نعم يا أمير المؤمنين! إن الله قال: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الإِنسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا * إِنَّا خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا * إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾ [الإنسان:١ - ٣]]. وهذا هو الشاهد: ((إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ))، فهو إما أن يختار الشكر، وإما أن يختار الكفر، وإما أن يختار الإيمان أو الكفر، فهذه مشيئتي، فأنا حر أختار الكفر فلا علاقة لله بي، أو أختار الإيمان فلا علاقة لله بي، ما على الله إلا أن يهديني السبيل، وأنا بعد ذلك أقبله أو أرده، هذا من عندي بغير إرادة الله وبغير مشيئة الله، هكذا فهم غيلان الدمشقي. [فقال له: اقرأ آخر السورة]. ونحن قد قلنا في الدرس الماضي: إن أهل البدع دائماً يحتجون بأول الآية ويتركون آخرها أو العكس، ولا يحتجون بآية كاملة. فقال عمر بن عبد العزيز: إذا كان الذي بدا لك من هذه الآية هو ما قلت فاقرأ آخر السورة، وآخر السورة ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا * يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [الإنسان:٣٠ - ٣١]. إذاً: فمشيئة العبد تابعة لمشيئة الله ، والأصل في ذلك هي مشيئة الله تعالى، وأن العبد لا يشاء شيئاً إلا وقد شاءه وقدره وأراده الله . قال: [ثم قال: ما تقول يا غيلان! قال: قد كنت أعمى فبصرتني -وهو خائف من القتل- وأصم فأسمعتني، وضالا

стр. 1197

منهج عمر بن عبد العزيز في مسألة كتابة أعمال العباد وقدر الله السابق وخطب عمر بن عبد العزيز فقال: يا أيها الناس! من أحسن منكم فليحمد الله -أي: من وفق للطاعة فليحمد الله تعالى على ذلك-، ومن أساء فليستغفر الله، ثم إذا أساء فليستغفر الله، ثم إذا أساء فليستغفر الله، ثم إذا أساء فليستغفر الله، مع أني قد علمت أن أقواماً سيعملون أعمالاً وضعها الله في رقابهم، وكتبها عليهم]. وهذا يدل على أن الخير والشر من عند الله . قال: [وعن عمر بن ذر قال: سمعت عمر بن عبد العزيز ﵀ يقول: لو أراد الله ألا يعصى لم يخلق إبليس]. لأن إبليس وراءه الشر، لكن الذي خلقه هو الله ؛ لأنه لا خالق غيره، ولا رب سواه، فهو رب كل شيء ومليكه، إذاً: أراد الله تعالى أن يعصى، ومعنى أراد أن يعصى: أنه لا يعصيه أحد إلا إذا أراد هو سبحانه وقوع هذه المعصية، وقدر هذه المعصية قدراً كونياً لا شرعياً دينياً. قال: [فقد فصل لكم وبين لكم ما أنتم عليه (بفاتنين) بمضلين، إلا من قدر له أن يصلى الجحيم]. قال: [وعن عمر بن عبد العزيز أنه كان يقول في دعائه: وإنك إن كنت خصصت برحمتك أقواماً أطاعوك فيما أمرتهم به، وعملوا لك فيما خلقتهم له؛ فإنهم لم يبلغوا ذلك إلا بك -أي: فإنهم لم يوفقوا إلى هذه الطاعة والعمل بالمشروع إلا بك -ولم يوفقهم لذلك إلا أنت، كانت رحمتك إياهم قبل طاعتهم لك]. يعني: أنت كتبت لهم الطاعة والرحمة قبل أن تخلقهم، وقبل أن يعملوا من الأعمال شيئاً.

стр. 1198

تحذير عمر بن عبد العزيز من القدرية والتفريق بين دعاتهم وعامتهم قال: [وقال عمر بن عبد العزيز: لا تغزوا مع القدرية؛ فإنهم لا ينصرون]. أي: أن القدرية إذا دخلوا في قتال لا ينصرهم الله ؛ لأنهم أعداؤه، وهم مجوس هذه الأمة كما أخبر الصادق المصدوق ﵊. وهذا يدل على أن تقوى الله ، والتزام السنة، واتباع الأنبياء وأتباع الأنبياء، عليها مدار النصر، وهم الذين يكتب لهم الغلبة والنصر، وأما أهل البدع والزندقة والإلحاد فإنهم لا ينصرون، وإن نُصروا لا يثبتون على هذا النصر؛ فسرعان ما ينحدر؛ لأنه لا أساس لهم يركنون إليه، ولا قاعدة متينة سليمة يستندون إليها. قال: [قيل لـ عمر بن عبد العزيز: إن قوماً ينكرون من القدر شيئاً، فقال عمر: بينوا لهم وارفقوا بهم حتى يرجعوا]. أي: أن الأصل في الدعوة أولاً: البيان والرفق؛ حتى يرجعوا عن مقالتهم السوء. قال: [فقال قائل: هيهات هيهات يا أمير المؤمنين! لقد اتخذوه ديناً يدعون إليه الناس، ففزع لها عمر، فقال: أولئك أهل أن تسل ألسنتهم من أقفيتهم -أي: آن أن يقتلوا- هل طار ذباب بين السماء والأرض إلا بمقدار؟!]. وهنا ملحظ عظيم جداً في هذا النص لأمير المؤمنين ﵁، وذلك لما قيل له: إن قوماً ينكرون شيئاً من القدر، قال: ادعوهم وبينوا لهم حتى يرجعوا عن هذه المقالة، قال قائل: يا أمير المؤمنين! هيهات، أي: هذا شيء بعيد جداً؛ لأنهم قد اتخذوا هذه النحلة ديناً وصاروا يدعون إليها الناس، فانتقل الأمر من الشبهة المجردة في قلوبهم إلى العقيدة الراسخة التي صارت ديناً، وخروجاً على جماعة المسلمين، فذكر أن الأمر هنا يختلف. لذلك فأهل السنة والجماعة دائماً في كل بدعة من البدع يفرقون بين دعاة البدعة وبين أتباع البدعة، فدعاة البدعة غالباً ما نجد أن أهل السنة والجماعة يكفرون الغلاة فيهم، كما كفر علماء العصر بالإجماع خميني إيران، ولا أعلم أحداً من أهل العلم المعتبرين تأخر عن تكفيره للخميني، وقد صنفت في ذلك رسائل، وسجلت في هذا التكفير أشرطة لأهل العلم: كالشيخ الألباني، والشيخ ابن باز، والشيخ ابن عثيمين، واللجنة الدائمة للإفتاء والدعوة والإرشاد في السعودية، فقد أصدرت بالإجماع فتوى بتكفير الخميني، وحيثيات التكفير كثيرة جداً، وليس هذا مكانها. وهؤلاء الذين كفروا الخميني لم يكفروا الشعب الإيراني، ولذلك لو قرأت في (سير أعلام النبلاء) في ترجمة معاوية بن أبي سفيان ﵁، وفي ترجمة علي بن أبي طالب ﵁ لوجدت كلاماً رائعاً جداً للإمام الذهبي. فقال: ما ذنب أناس ولدوا في الشام، ورضعوا حب معاوية؟! ومعلوم أن الذي رضع حب معاوية لابد أن يسب علياً، والذي نشأ في الكوفة ورضع حب علي وحب آل البيت يدفع الثمن بلعن وسب معاوية. يقول: ما ذنب هؤلاء، فهم قوم نشئوا هكذا، فما وجدوا مقالة أخرى، وإنما نشئوا لم يسمعوا إلا شيئاً واحداً، وهو تفضيل علي على معاوية، أو في الشام تفضيل معاوية على علي. يقول: ما ذنب هؤلاء إلا أن يتخصصوا في العلم ويطلبوا ذلك هنا وهناك، ويتبين لهم الحق فيصروا على ما هم عليه، ثم يصل بهم الأمر إلى مرحلة التنظير لهذا المذهب الباطل، والتنظير يعني: أن يكون هناك عالم متفنن في بدعته، فحيئذ لابد أنه قد قامت عليه الحجة؛ لأنه قد نظر في كتب الخصم فعلم الحق، لكنه أصر على بدعته، فحينئذ يكفر بهذا، وأما أتباع أهل البدع ورعاع أهل البدع فإنهم لا يكفرون.

стр. 1199

تأييد علماء السلف لهشام بن عبد الملك في قتله لغيلان الدمشقي قال: [وعن رجاء بن حيوة: أنه كتب إلى هشام بن عبد الملك: بلغني يا أمير المؤمنين! أنه وقع في نفسك شيء من قتل غيلان وصالح -وهو صالح الدمشقي]، وذلك لما أمر هشام بن عبد الملك بقتلهم وصلبهم ثم ندم بعد ذلك، فأرسل إليه رجاء بن حيوة وهو سيد من السادات، فقال: [فوالله لقتلهما أفضل من قتل ألفين من الروم]. يعني: لا تندم على قتل هؤلاء. قال: [وعن إبراهيم بن أبي عبلة قال: كنت عند عبادة بن نسي فأتاه رجل فأخبره أن أمير المؤمنين هشام قطع يد غيلان ولسانه وصلبه، فقال له: حقاً ما تقول؟ قال: نعم، قال: أصاب والله السنة والقضية ولأكتبن إلى أمير المؤمنين فلأحسنن له ما صنعه]. يعني: أنا سأكتب إليه كتاباً أحسن فيه فعله، وأمدحه على قتله لـ غيلان الدمشقي.

стр. 1200

باب ما روي عن جماعة من فقهاء المسلمين ومذهبهم في القدر قال: [باب: ما روي عن جماعة من فقهاء المسلمين ومذهبهم في القدر].

стр. 1201

أثر الأوزاعي: (القدرية خصماء الله) الإمام الأوزاعي رجل من أهل السنة، بل هو من كبار أهل السنة، وهو الذي قال: [القدرية خصماء الله في الأرض]. أي: أن القدرية ينازعون الله تعالى في القدر. [قال الليث بن سعد في المكذب بالقدر: ما هو بأهل أن يعاد في مرضه، ولا يُرغب في شهود جنازته، ولا تُجاب دعوته]. يعني: إذا دعاك فلا تُجبه.

стр. 1202

الآثار الواردة عن مالك بن أنس في القدر [وقال مالك بن أنس: ما أضل من يكذب القدر، لو لم تكن عليهم حجة إلا قول الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ﴾ [التغابن:٢]]. أي: قبل أن يخلقكم علم الله أن منكم الكافر، ومنكم المؤمن. [وعن مروان بن محمد قال: سألت مالك بن أنس عن تزويج القدري -أي: إذا تقدم إلي رجل يقول بالقدر ليتزوج ابنتي هل أزوجه؟ - قال: ﴿وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ﴾ [البقرة:٢٢١]]. يعني: أن القدري مشرك، ويكفينا في ذلك ما ثبت عن النبي ﵊ أنه قال: (القدرية مجوس هذه الأمة). [وعن محمد بن إسحاق الصاغاني قال: قرأت على أصبغ بن الفرج عن ابن وهب عن مالك سمعه، وسئل عن الصلاة خلف أهل البدع من القدرية، فقال مالك: ولا أرى أن يُصلى خلفهم -إذاً: لا نزوجهم ولا نصلي خلفهم- قال: وسمعته وسئل عن الصلاة خلف أهل البدع؟ فقال: لا، ونهى عنه]. أي: أنه نهى عن الصلاة خلف أهل البدع.

стр. 1203

حكم الصلاة خلف أهل البدع وقال رجل لبعض السلف: يا إمام! لقد صليت خلف رجل من أهل القدر، أو ممن ينكر القدر؟ قال: منذ كم وأنت تصلي خلفه؟ قال: منذ خمسين سنة، قال: أعد صلاتك منذ خمسين سنة! إنه شيء عجيب وعظيم جداً، ولذلك نجد كثيراً جداً من أهل البدع وهم أئمة للمسلمين، فمنهم الأشعري المؤول، ومنهم المعتزلي العقلاني، ومنهم القدري، ومنهم المرجئ، ومنهم الخارجي، ومنهم ومنهم، فيتحرج المرء أشد الحرج أن يصلي خلف أحد، لكن لابد أن تعلم أن هذا أيضاً يجرنا إلى بدعة الخوارج، وأنهم لا يصلون إلا خلف أنفسهم فقط، ومن أشر البدع كذلك أن تتعنت أنت في اختيار إمامك الذي لا تعرفه. فيدخل أحدهم مسجداً من المساجد -كما يفعله بعض أهل الحجاز ولعلهم تلقوه من أهل البدع في مصر- ثم يخترق الصفوف حتى يصل إلى الإمام فيسأله عن الصفات، ويسأله في القدر، ويسأله في تقديم النقل على العقل، ويسأله عدة أسئلة، فإذا أحسن الإمام الجواب صلى خلفه وإلا فلا، وهذه أيضاً بدعة. فإذا كنت تعلم يقيناً بغير بحث ولا تنقيب أن هذا الإمام من أهل البدع المكفرة فلا تصلي خلفه، وأما إذا كانت بدعته ليست مكفرة فهو فاسق بذلك، وأنت تعلمون أن الصلاة تصح على كل فاسق وخلف كل فاسق، كما قال أهل السنة والجماعة بجواز الصلاة خلف كل بر وفاجر، وعلى كل بر وفاجر. وأما الفجور الذي يؤدي به إلى الكفر فلا، لكن فجور يؤدي به إلى الفسق أو الظلم فحسب فالصلاة خلفه جائزة، وعليه كذلك جائزة، إلا لإمام يشار إليه بالبنان فيستحب ألا يصلى عليه؛ حتى يكون عبرة لأمثاله من الأحياء ألا يفعلوا فعله، ولا يصنعوا صنيعه. أما أن تتعنت وتسأل عن الإمام فهذا لم يكن عليه أهل السنة والجماعة، إذا كنت تعلم أنه من أهل البدع فابتعد عنه، وإذا كان أمره على الستر فلا يحل لك أن تسأل، وإنما صل وانصرف. وقد عانينا من أهل البدع في هذا الباب في مصر والشام سنوات عديدة في أوائل الثمانينات، فقد كان الواحد منهم وخاصة من أهل مصر يدخل مسجداً من مساجد الشام فلا يصلي خلف الإمام إلا أن يوجه إليه الأسئلة، حتى علم أئمة البدعة والضلالة في الأردن وسوريا ولبنان هذه الأسئلة فحفظوها، وحفظوا الجواب المريح، فإذا سئلوا في القبلة بعد الإقامة أجابوا بما يريح السائل، وهم يعتقدون غير ذلك، وكانت فتنة عظيمة جداً عمت البلاد في ذلك الوقت تقريباً منذ سنة (١٩٨٢م) أو (١٩٨٣م) حتى سنة (١٩٨٧م) حتى جاء الأمر من السماء بطرد هؤلاء من الشام؛ لأن أرض الشام أرض مباركة، فلا يكاد يظهر فيها مبتدع أو تظهر فيها بدعة إلا ويفضح الله تعالى أمرهم، ويشتت شملهم، وأبعدهم عن هذه الديار والأراضي المباركة.

стр. 1204

الآثار الواردة عن الثوري في القدر قال: [قال عبد الرحمن بن مهدي: سمعت سفيان وقد قال له رجل: يا أبا عبد الله! أجبر الله العباد على المعاصي؟ قال: ما أجبر، قد علمت أن ما عمل العباد لم يكن لهم بد من أن يعملوا]. فقوله له: ما أجبرهم. جواب ذكي، واعلم أن سفيان الثوري عاش في القرن الثاني الهجري، وكان يعيش في الكوفة، وقد امتلأت الكوفة بأهل البدع، وسفيان في هذا الميدان يكاد يكون لوحده يدعو إلى السنة، وكان في قمة الغضب والعصبية. وقد سئل الخليل بن أحمد من امرأة: لقد رأيت أهل العلم أحد الناس كلاماً، وأسرعهم غضباً، لم يا إمام؟ قال: لأن الحق معهم والباطل مع غيرهم، ومع هذا هم مصرون على باطلهم، رادون للحق الذي مع غيرهم. فهذا هو السر الذي يجعل أهل الحق دائماً في غضب وعصبية؛ لأنهم أصحاب حق، يرون العالم بأكمله في ضياع، والعالم كله ليس صاحب قضية، وهم يعلمون القضية، فلا شك أن هذا أمر يثير جداً حفيظتهم؛ لأنهم يعلمون الحق من الله ، ومن سنة النبي ﵊، فحيئذ يدخلهم من الهم والغضب والحزن ما الله به عليم. وأما غيرهم فلا يفكر ولا يعلمون شيئاً، وبالتالي لا غرض ولا هدف لهم، وأما أهل العلم الصادقون فلهم غرض ولهم هدف من هذه الحياة، ويعلمون سنن الله تعالى الكونية في الخلق. فقال: [أجبر الله العباد على المعاصي؟ قال: ما أجبرهم]. أي: إذا كنت تريد أن تعثرني فلن تستطيع؛ لأن الذي يقول: إن الله أجبر العباد على المعاصي ينفي قدرة العبد على الفعل، وينفي استطاعة العبد على الفعل، وينفي أن يكون للعبد مشيئة وإراده، مع أن الله أثبت أن له إرادة وأن له مشيئة، لكنها إرادة ومشيئة مندرجة تحت مشيئة الله ، قال: ما أجبرهم، لكن لابد أن تعلم أن أعمال العباد كلها في علم الله، وتمت بقدرة الله. والناظر في الكلامين -أي: في النفي والإثبات- يتصور أن النفي والإثبات شيء واحد، وبينهما فرق دقيق، وهو: نفي الجبر؛ لأن سفيان لو قال لهذا المبتدع: نعم جبر الله العباد على المعاصي؛ فلابد أن يكون السؤال التالي مباشرة: إذاً فلم يعذبهم؟ فهناك فرق بين الأمرين. قال: [قال بشر بن المفضل: رأيت سفيان الثوري في المنام، فقال لي: يا بشر! أنا مدفون هاهنا في وسط القدرية]. فتصور أن واحداً طول عمره مستمر في محاربة التبشير أو التنصير وهي التسمية الصحيحة، وحياته كلها يتنقل من بلد إلى بلد لمحاربة هذا المذهب الضال، وهذه الديانة الفاسدة، ثم في نهاية مطافه يموت في بلد من بلاد الكفر فيدفن في مقابر النصارى، بلا شك أن هذا أمر يعز عليه حتى بعد موته. فـ سفيان الثوري عليه رحمة الله عاش حياة طويلة يحارب أمرين اثنين: الأول: أهل الرأي، فيرد الناس إلى الأثر بدلاً من اتباع قول فلان وعلان، فهذه كانت قضية من قضايا سفيان الثوري في الكوفة؛ ولذلك مدرسة سفيان كلها في الكوفة تسمى مدرسة: الأثر أو مدرسة الحديث، ومدرسة الأحناف تسمى: مدرسة الرأي، فكان بين الأحناف وبين أهل الحديث ما الله به عليم من الفتن والمشاكل في الكوفة. الثاني: نبذ القدرية، وإظهار فساد هذا المذهب وبطلانه، ومع ذلك يختم به الأمر أن يدفن بين أقوام يتكلمون في القدر ويقولون بالقدر! فقال: يا بشر بن المفضل أبعد هذه الحياة الطويلة في حرب أهل البدع تدفنوني في وسط أهل القدرية؟! يعني: لا ينجو منهم لا حياً ولا ميتاً، كأنه أراد أن يقول ذلك.

стр. 1205

تكفير السلف لمن زعم أنه يستطيع أن يفعل في ملك الله ما لا يشاؤه الله قال: [قال أبو محمد الغنوي: سألت حماد بن سلمة وحماد بن زيد ويزيد بن زريع وبشر بن المفضل والمعتمر بن سليمان عن رجل زعم أنه يستطيع أن يشاء في ملك الله ما لا يشاء الله! فكلهم قال: كافر مشرك -أي: الذي يقول: أنا أستطيع ما لا يستطيعه الله، وأشاء ما لا يشاؤه الله؛ كافر مشرك- إلا معتمر بن سليمان التيمي قال: الأحسن بالسلطان استتابته، فإن تاب وإلا قتله]، ولو أن القدري استتابه الإمام ثلاثة أيام فلم يتب فقتله، أيكون هذا القتل ردة أم حداً؟ هذا قتل ردة وليس قتل حد.

стр. 1206

رد ربيعة الرأي على غيلان الدمشقي في عقيدته في القدر قال: [وعن سفيان قال: وقف غيلان على ربيعة]، وهو ربيعة بن أبي عبد الرحمن المعروف بـ ربيعة الرأي، وكان شيخاً للإمام مالك في المدينة، وقد ورد في ترجمته قصة طويلة أنكرها الإمام الذهبي في السير، ولا داعي لسردها، أي: في طريقة تربية الإمام، ولا داعي لسردها ما دامت باطلة، ويكفي في ردها بطلانها. قال: [وقف غيلان الدمشقي على ربيعة الرأي -وهو ربيعة بن أبي عبد الرحمن المدني - فقال: يا ربيعة! أنت الذي تزعم أن الله يحب أن يعصى؟ فقال ربيعة: ويلك يا غيلان! أنت الذي تزعم أن الله يعصى قسراً؟]. وللعلم هذا النص من أغلى النصوص عند أهل السنة والجماعة، فهي مناظرة تمت بكلمتين بين غيلان الدمشقي المبتدع القدري، وبين ربيعة بن أبي عبد الرحمن الرأي إمام السنة. قال غيلان: يا ربيعة! أنت الذي تزعم أن الله يحب أن يُعصى؟ أليست هذه المعصية تمت بقدر الله ، وبإرادة الله ، أم هناك أحد يستطيع أن يعصي الله تعالى قسراً ورغماً عن الله؟ أيستطيع أحد فعل ذلك؟ أيستطيع أحد أن يقول: أنا سأزني أو أقتل أو أسرق أو أشرب الخمر رضي الله أم أبى، شاء أم أبى، أيستطيع أحد أن يقول ذلك؟ لا، فالزنا بقدر، وشرب الخمر بقدر، والصلاة بقدر، والصيام بقدر، وكل ما يكون في الكون بقدر، علمه الله تعالى في الأزل، وكتبه في اللوح المحفوظ، سواء كان خيراً أو شراً، ولا يؤمن عبد حتى يؤمن بالقدر خيره وشره، وأن الخير والشر من عند الله . فهو يقول له: ألستم تقولو يا أهل السنة: ما من شر في الأرض إلا والله يحبه؟ وهذا الكلام خطأ، فنبعد كلمة: (يحب)، ونضع بدلها كلمة (يريد). والعجيب أنني وجدت هذا النص بهذا السياق هنا، وهو في كل كتب السنة: يا ربيعة أنت الذي تزعم أن الله أراد أن يعصى؟ وهو نص صحيح، وأنا أتصور أن هذا تصحيف في هذه النسخة، لأن هذا خطأ عظيم جداً، ولا يمكن لـ ربيعة أن يقع في هذا الخطأ العظيم. وفي الدرس الماضي سألت سؤالاً فقلت: لو أنك بقيت سنة وأنت تدرس القدر، وفهمت ما قلت لك فإنك ستجيب الجواب الصحيح، وقلت لك: هل يجب الإيمان بالقضاء والقدر والرضا به؟ فاختلطت أقوال الناس، فبعضهم قال: لا، وبعضهم قال: نعم، والجواب التفصيل: أما السؤال الأول: هل يجب الإيمان بالقضاء والقدر؟ ف الجواب نعم، يجب الإيمان بالقضاء والقدر خيره وشره، وأن كل ذلك من عند الله. وأما الرضا بالقدر فإننا نرضى بما قدره الله شرعاً، ولا نرضى بما قدره كوناً، فلا نرضى بالمعاصي؛ لأننا لو رضينا بالمعاصي فقد رضينا بما أسخط الله وبما سخطه الله، فالله تعالى أراد القتل، وأراد الزنا، والسرقة وسائر المعاصي، ومعنى كلمة (أراد) أي: أذن في وقوعها في الكون، وعلم أن هذا العبد عامل لها، مقترف لها، فكتب ذلك في اللوح المحفوظ، وأن العبد مدرك ذلك لا محالة، هذا معنى: أن الله تعالى أراد المعصية، أي: أذن في خلقها ووجودها في الكون. ولذلك ليست هي إرادة شرعية دينية، وإنما إرادة كونية قدرية، وبين الإرادة الشرعية الدينية والكونية القدرية عموم وخصوص، فكل إرادة شرعية دينية كونية قدرية، وليس كل إرادة كونية قدرية شرعية دينية، فالصلاة إرادة شرعية دينية ومع هذا هي كونية قدرية، فنحن نحب مِن قدر الله الذي وقع في الكون ما أراده ورضيه شرعاً، كالصلاة والصيام والزكاة والحج وغير ذلك، ونسخط ما وقع بإرادة الله تعالى في الكون من معاصي وكفر وفسق وظلم وغير ذلك من كبائر وصغائر، وإن كنا نؤمن أنه وقع بقدرة الله ، لكن نسخطه لأن الله تعالى سخطه وأبغضه، وحذر منه، ونهى عنه ورتب عليه العقوبات. قال: [يا ربيعة! أنت تزعم أن الله يريد أن يعصى؟!]. وكلمة: (يريد أن يعصى) أراد بها ربيعة أن الله أراد ذلك إرادة كونية قدرية، لا شرعية دينية. فقال ربيعة: [ويلك يا غيلان! وأنت الذي تزعم أن الله يعصى قسراً؟!] يعني: أيستطيع أحد أن يعصي الله رغماً عن الله؟ فلا يستطيع أحد أن يتحرك حركة ولا يسكن سكنة إلا بإرادة الله. فهذه المناظرة مناظرة عزيزة جداً تكتب بماء الذهب عند أهل السنة والجماعة.

стр. 1207

الأسئلة

стр. 1208

تحذير السلف من مجالسة أهل الأهواء والبدع وسماع كلامهم السؤال في الدرس الماضي كان الكلام على أن القدرية استغلوا كلام الحسن البصري في الوعظ في ترجيح مذهبهم في القدر، وقد تم إيضاحه والدفاع عن الحسن البصري، والسؤال هو: ما هو نص كلام الحسن البصري رحمه الله تعالى؟ الجواب إخفاء نص الحسن البصري عنك نعمة من نعم الله تعالى عليك، فلماذا تنقب عنه؟! وما الفائدة من أن تعلم ما قال الحسن؟ مع أنه قد مر بنا في الدرس الماضي كلام الحسن، لكني ما أردت أن نقف عنده حتى لا يعلق بقلب أحد ولا بذهن أحد شيء من البدعة، وأنا يحلو لي ألا أذكره أيضاً الآن، ويحلو لي أكثر ألا ترجع إليه. وقد ذكرنا من قبل وفي هذا الكتاب: أن أهل السنة والجماعة كانوا إذا رءوا أو سمعوا واحداً من أهل البدع يتكلم كانوا يضعون أصابعهم في آذانهم؛ حتى ينصرف أهل البدع. فهذا الإمام ابن سيرين فعل ذلك، فلما سئل عن سبب ذلك قال: القلب ضعيف! ومن هو محمد بن سيرين؟ إنه سيد التابعين في البصرة في زمانه، فهو لا يريد أن يسمع كلام أهل البدع؛ خشية أن يعلق في قلبه شيء من كلامهم، وأنت تريد أن تقتحم، فاتق الله ، فأنت لم تدرك معنى منهج أهل السنة والجماعة منذ أول الكتاب، ففر من أهل البدع ومن كلامهم فرارك من الأسد. وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.

стр. 1209

شرح كتاب الإبانة - باب جامع في القدر وما روي في أهله القدر سر من أسرار الله ، لا يعرفه ملك مقرب ولا نبي مرسل، وهو أحد أركان الإيمان الستة التي لا يصح إيمان العبد إلا بها، وقد ضل وزل فيه أقوام؛ لخوضهم فيما لا علم لهم به، وقد تصدى لهم سلف الأمة، فبينوا عوارهم، وكشفوا أستارهم، وبينوا المنهج الحق في هذا الباب.

стр. 1210

باب جامع في القدر وما روي في أهله إن الحمد لله تعالى، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. وبعد: قال المصنف رحمه الله تعالى: [فهذا الجزء الحادي عشر من كتاب الإبانة، وفيه ثلاثة أبواب: الباب الأول: باب جامع في القدر وما روي في أهله، وفيه حديث العنقاء مع سليمان، وما تلته من الأخبار والأفعال. الباب الثاني: ذكر الأئمة المضلين الذين أحدثوا الكلام في القدر، وأول من ابتدعه وأنشأه ودعا إليه. الباب الثالث: ما أمر الناس به من ترك البحث والتنقير عن القدر، والخوض فيه والجدال، وفيه حديث موسى وعزير وعيسى بن مريم عليهم الصلاة والسلام. الباب الأول: باب: جامع في القدر وما روي في أهله.

стр. 1211

إنكار السلف على من أحدث حدثاً في الدين قال: [وعن سليمان بن جعفر العدوي: أن النبي ﷺ قال: سيفتح على أمتي في آخر الزمان باب من القدر، فلا يسده شيء، ويكفيهم أن يقرءوا هذه الآية: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [الحج:٧٠]]. [وعن نافع قال: بينما نحن عند ابن عمر قعود إذ جاءه رجل فقال: إن فلاناً يقرأ عليك السلام؛ لرجل من أهل الشام، فقال ابن عمر: بلغني أنه قد أحدث حدثاً -أي: ابتدع بدعة- فإن كان كذلك فلا تقرأ ﵇، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: (سيكون في أمتي خسف ومسخ، وهي الزندقة والقدرية)]. والخسف والمسخ سيكون في أهل البدع لا في أهل السنة والجماعة. فقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالأَرْضِ﴾ [الحج:٧٠] هذا إثبات للمرتبة الأولى من مراتب القدر، ﴿إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ﴾ [الحج:٧٠] إثبات للمرتبة الثانية؛ أي: علم الله تعالى ما العباد عاملون، وما هم إليه صائرون، فكتب كل ذلك في اللوح المحفوظ، فهو عنده تحت العرش: ﴿إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [الحج:٧٠].

стр. 1212

ما من عبد قدر له أن يقبض في أرض إلا هيأ له الله بلوغها قال: [وعن ابن مسعود عن النبي ﷺ أنه قال: (إذا كان أجل عبد بأرض هيئت له الحاجة إليها)] أي: إذا كان انتهاء أجل العبد في الحجاز وهو مصري؛ هيئت له حاجته ويسر له السفر إلى بلاد الحجاز؛ حتى تقبض روحه هناك. وإذا كان رجل من أقصى الأرض وكتب له أن تقبض روحه في أدنى الأرض؛ فإنه لابد أن يصل إلى أدنى الأرض لتقبض روحه هناك، قال تعالى: ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ﴾ [لقمان:٣٤]، فليس بلازم أن المصري يموت في مصر، والحجازي يموت في الحجاز، والأمريكي يموت في أمريكا، والأوربي يموت في أوروبا، وإنما لكل نفس أجل في الزمان وأجل في المكان، فلابد من استيفاء المكان واستيفاء الزمان. ثم قال: [(حتى إذا بلغ أقصى أجله قبض، قال: فتقول الأرض يوم القيامة: رب! هذا عبدك كما استودعت)] أي: قد أديت الأمانة كما أمرتني أن تقبض روح العبد هاهنا في هذه البقعة. قال: [قال ابن مسعود: إذا قدر الله لنفس أن تموت بأرض؛ هيئت له إليها الحاجة]. قال: [وعن خيثمة قال: كان ملك الموت صديقاً لسليمان بن داود ﵉، فأتاه ذات يوم فقال: يا ملك الموت! تأتي أهل الدار فتأخذ أهلها كلهم وتذر الدويرة -أي: البيت الصغير جداً إلى جنب هذه الدار- إلى جنبهم لا تأخذ منهم! قال: ما أنا بأعلم بذلك منك، إنما أكون تحت العرش، فتلقى إلي صكاك فيها أسماء، أي: صحائف فيها أسماء- فجاء ذات يوم وعنده صديق له فنظر إليه ملك الموت فتبسم ثم ذهب -أي: جاء ملك الموت إلى سليمان وعنده رجل آخر فتبسم ملك الموت ثم انصرف- فقال الرجل: من هذا يا نبي الله؟ قال: هذا ملك الموت، قال: لقد رأيته يتبسم حين نظر إلي، فمر الريح فلتلقني بالهند، فأمرها؛ فألقته بالهند، قال: فعاد ملك الموت إلى سليمان فقال: أمرت أن أقبضه بالهند فرأيته عندك!]. قال: [وعن خيثمة قال: قال سليمان بن داود ﵊ لملك الموت: إذا أردت أن تقبض روحي فأعلمني، قال: ما أنا بأعلم بذلك منك، إنما هي كتب تلقى إلي فيها تسمية من يموت]، وهي تلك الصحائف.

стр. 1213

سابق علم الله في خلقه قال: [وعن عبد الله بن شقيق عن رجل قال: (قلت: يا رسول الله! متى خلقت نبياً؟ قال: إذ آدم بين الروح والجسد)]، أي: في الوقت الذي كان فيه آدم جسداً، وقبل أن تنفخ فيه الروح، فعلم الله تعالى في الأزل أنه سوف يخلق محمد بن عبد الله، وأنه سيكلفه الرسالة والنبوة، وآدم بين الماء والطين، أو بين الروح والجسد، لكن هذا لا يعني صحة ما يقولون: يا أول خلق الله! ونور عرش الرحمن! إذ إن كل هذه أشعار وأوراد شركية والعياذ بالله قال: [وعن ابن شقيق قال: (جاء أعرابي إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله! متى كنت نبياً؟ فقال الناس: مه -أي: ما هذا السؤال؟ إنه سؤال عجب لا ينبغي أن يوجه إلى النبي ﷺ ، وكلمة: (مه) كلمة تعجب واستغراب- فقال النبي ﵊: دعوه، كنت نبياً وآدم بين الروح والجسد)]، وهذا يدل على سابق علم الله في خلقه. قال: [وعن سليمان بن موسى قال: لما نزلت: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ﴾ [التكوير:٢٨]، قال أبو جهل لعنه الله: الأمر إلينا: إن شئنا استقمنا، وإن شئنا لم نستقم]، أي: أن الله تعالى ليست له مشيئة نافذة في الخلق، وإنما الخلق يشاءون ما شاءوا وما أرادوا، فإن شاءوا الهداية اهتدوا، وإن شاءوا الشقاوة شقوا، وإن شاءوا الغنى صاروا أغنياء، وإن شاءوا الفقر صاروا فقراء، هكذا قال أبو جهل، وهو يعتمد على قول الله تعالى: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ﴾ [التكوير:٢٨]، فجعل المشيئة إليه، فقال: الله تعالى جعل المشيئة إلينا، فإن شئنا استقمنا وإن شئنا ضللنا، إذاً فالهداية والضلالة بيد أبي جهل!! هكذا قال. قال: [فأنزل الله : ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [التكوير:٢٩]]. قال: [وعن الأعمش قال: استعان بي مالك بن الحرث في حاجة] أي: أن مالكاً بن الحرث أتى يستشفع بالإمام الأعمش عند صاحب الحاجة حتى يقضيها له. قال: [قال: فجئت وعلي قباء مخرق -عباءة مخرقة- فقال لي: لو لبست ثوباً غير هذا] أي: لا يصح أن تلبس هذا الثوب المخرق وندخل على العظماء، بل لابد أن تلبس أفضل ما عندك، وأحسن ما عندك، وتتهيأ للقاء هؤلاء الأفاضل. قال: [قال: قلت: امش، فإنما حاجتك بيد الله ]، فانظروا إلى هذا التوكل، إذ إن حاجته بيد الله لا بيد هذا الملك أو الزعيم أو السلطان أو الكبير، إنما هي بيد الله ، إن شاء أمضاها وإن شاء منع، لا معقب لحكمه ولا راد لقضائه ، فليس الثوب المخرق هو الذي يمنع، وليس الثوب الجديد هو الذي يجلب.

стр. 1214

بيان معنى الجور والظلم في كلام العرب قال: [وعن إياس بن معاوية قال: ما كلمت بعقلي كله من أهل الأهواء إلا القدرية -أي: ما استجمعت عقلي كله إلا مع القدرية- قلت: أخبروني عن الجور في كلام العرب ما هو؟ قالوا: أن يأخذ الرجل ما ليس له، قلت: فإن الله له كل شيء]. فإذا كان الظلم والجور في كلام العرب هو أن يأخذ الرجل ما ليس له، فهل إذا حرم الله تعالى عبداً من عباده الهداية ورزقه الشقاء والضلالة؛ هل يكون الله تعالى قد ظلمه؟ الجواب لا؛ لأن الهداية والضلال ملك لله ، يهدي من يشاء ويضل من يشاء ، فلا ظلم على أحد قط. قال: [وعن حبيب بن الشهيد قال: جاءوا برجل إلى إياس بن معاوية فقالوا: هذا يتكلم في القدر، فقال إياس: ما تقول؟ قال: أقول: إن الله قد أمر العباد ونهاهم -أي: أمرهم بالخير ونهاهم عن الشر- وأن الله لا يظلم العباد شيئاً، فقال له إياس: خبرني عن الظلم تعرفه أو لا تعرفه؟ قال: بلى أعرفه، قال: فما الظلم عندك؟ قال: أن يأخذ الرجل ما ليس له، قال: فمن أخذ ما له ظلم؟ قال الرجل: لا، قال: الآن عرفت الظلم]. أي: أن الله تعالى إذا أخذ من العباد نعمة أو منحهم نعمة فإنه لم يأخذ ما لهم، والكل يدور بين فضل الله تعالى وبين عدله .

стр. 1215

مناظرة الخليل بن أحمد مع رجل شك في القدر قال: [وجاء رجل إلى الخليل بن أحمد -وهو إمام كبير من أئمة اللغة، وله كتاب اسمه: العين، وهو من أعظم ما كتب في اللغة ومخارج الحروف- فقال للخليل بن أحمد: قد وقع في نفسي شيء من أمر القدر، فقال له الخليل: أتبصر من مخارج الكلام شيئاً -أي: هل تستطيع أن تبصر مخرج الحرف من الفم أو الشفتين أو اللسان أو الحلق؟ - قال: نعم، قال: فأين مخرج الحاء؟ قال: من أصل اللسان -أي: من أقصى اللسان- قال: فأين مخرج الثاء؟ قال: من طرف اللسان -الحاء في آخر اللسان من جهة الحلق، والثاء من طرف اللسان من جهة الفم- قال: فاجعل هذا مكان هذا وهذا مكان هذا، قال: لا أستطيع، قال: فأنت مدبَّر]، أي: أنت سائر بتدبير الله لك، والأمر لا علاقة له بمشيئتك وإرادتك، وإنما بمشيئة الله تعالى وإرادته.

стр. 1216

كلام لبعض السلف في القدر قال: [وعن الأصمعي قال: من قال: إن الله لا يرزق الحرام فهو كافر]؛ لأنه جعل في الرزق إلهاً آخر، وكأن الله تعالى يرزق الحلال، وهناك إله آخر يرزق الحرام، فلما كان الرزاق واحداً إذاً فهو الذي يرزق الحرام ويرزق الحلال. قال: [وعن أرطأة بن المنذر قال: ذكرت لـ أبي عون شيئاً من قول أهل التكذيب بالقدر، فقال: أما تقرءون كتاب الله: ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمْ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [القصص:٦٨]]. ثم قال: [وكتب أبو داود الديلي إلى سفيان الثوري: أما بعد: فما تقول في رب قدر علي هداي وعصمتي وإرشادي، فخذلني وأضلني، وحرمني الصواب، وأوجب علي العقاب، وأنزلني دار العذاب؛ أعدل علي هذا الرب أم جار؟ قال: فكتب إليه سفيان: أما بعد: فإن كنت تزعم أن العصمة والتوفيق والإرشاد وجب لك على الله فمنعك ذلك فقد ظلمك -أي: إذا كان هذا واجب لك عند الله، وواجب على الله أن يوفيك هذا، لكنه منعك وحرمك؛ فلا شك أن هذا ظلم، ومحال أن يظلم الله أحداً، وإن كنت تزعم أن ذلك من فضل الله؛ فإن فضل الله يؤتيه من يشاء، والله واسع عليم]. فهل هذا فضل من الله أم حق للعبد عند الله؟ لاشك أنه فضل من الله تعالى.

стр. 1217

مناظرة بين مجوسي وقدري قال: [وعن عمر بن الهيثم قال: خرجت في سفينة إلى الأبلة أنا وقاضيها هبيرة العديس، وصحبنا في السفينة مجوسي وقدري؛ قال: فقال القدري للمجوسي: أسلم -أي: انطق بالشهادتين- فقال المجوسي: حتى يريد الله -أي: إذا أراد الله لي الإسلام أسلمت- قال: فقال القدري: الله يريد، والشيطان لا يدعك]، أي: أن الله أراد منك الهداية والإسلام، لكن الشيطان هو الذي أضلك، هكذا أراد القدري أن يبلغ الرسالة للمجوسي. [فقال المجوسي: أراد الله وأراد الشيطان، فكان ما أراد الشيطان! هذا شيطان قوي]، أي: أنه أقوى من الله ، فانظروا إلى المجوسي هو أصح اعتقاداً من القدرية، فالمجوسي يوقن أن الهداية والضلال بيد الله، والقدري يقول: الهداية من عند الله والضلال من عند الشيطان أو من عند العبد.

стр. 1218

مناظرة بين أبي عصام العسقلاني وقدري قال: [وقال أبو صالح: قال رجل من القدرية لـ أبي عصام العسقلاني: يا أبا عصام أرأيت من منعني الهدى، وأوردني الضلالة والردى، ثم عذبني يكون لي منصفاً؟ قال أبو عصام: إن يكن الهدى شيئاً لك عنده فمنعك إياه؛ فما أنصفك، وإن يكن الهدى شيئاً هو له، فله أن يعطي من يشاء ويمنع من يشاء].

стр. 1219

بدعة عمرو بن عبيد أمام فطرة أعرابي قال: ووقف رجل على حلقة فيها عمرو بن عبيد القدري المبتدع، فقال: إني قدمت بلدكم هذا، وإن ناقتي سرقت، فادع الله أن يردها علي]، فهذا رجل أعرابي أتى من البادية وهو غريب في البصرة، فقال: يا عمرو بن عبيد! ادع الله لي أن يرد علي ناقتي فقد سرقت في بلدكم. [فقال عمرو بن عبيد: يا هؤلاء -يا طلاب يا تلاميذ- ادعوا الله لهذا الذي لم يرد الله أن تسرق ناقته فسرقت أن ترد عليه، فقال الأعرابي: لا حاجة لي بدعائك -أي: لا تدع لي- قال: ولم؟ قال: أخاف كما أراد ألا تسرق فسرقت؛ أن يريد أن ترد علي فلا ترد!]. لأن الشيطان حينئذ أقوى من الله في الإرادة والمشيئة عياذاً بالله، فهذا الأعرابي الذي أتى من البادية لا علم له بالعلوم الشرعية، وقد علم قضية القدر أكثر من عمرو بن عبيد الذي كان منظراً لمسائل القدر والقدرية، وهو سيد أهل البدع في زمانه.

стр. 1220

دعاء مطرف بن الشخير بأن يعصمه الله من شر ما تجري به الأقلام قال: [وكان مطرف بن عبد الله بن الشخير يدعو بهؤلاء الدعوات الخمس الكلمات: اللهم إني أعوذ بك من شر الشيطان -أي: ألجأ إليك وأتضرع إليك أن تعصمني من شر الشيطان- ومن شر السلطان، ومن شر ما تجري به الأقلام، وأعوذ بك من أن أقول حقاً هو لك رضى، أبتغي به حمد سواك، وأعوذ بك من أن أتزين للناس بشيء يشينني عندك، وأعوذ بك أن تجعلني عبرة لغيري، وأعوذ بك أن يكون أحد هو أسعد بما علمتني مني].

стр. 1221

ثمرة الفهم الصحيح للقدر قال: [وقال آدم: يا رب! أرأيت ما أتيت -أي: يا رب أترى ما قد اقترفته- أشيء ابتدعته من نفسي أم شيء قدرته علي قبل أن تخلقني؟ -ومعنى: قدرته: أي: علمته مني فكتبته- قال: بل شيء قدرته عليك قبل أن أخلقك، قال: فكما قدرته علي فاغفر لي]. فانظروا إلى الفهم الصحيح؛ فإنه لم يقل: فكما قدرته علي فلم تعذبني إذاً؟ وإنما قال: فاغفر لي. وأما حديث العنقاء ففي النفس منه شيء، وهو حديث طويل، وأفضل ألا أسرده، وإن كان المعنى في هذا الحديث يدور في فلك هذا الكلام الذي ذكرناه آنفاً، وسنذكره مستقبلاً بإذن الله تعالى.

стр. 1222

آثار عن السلف في بيان سابق علم الله في عباده قال: [وقال أبو سليمان الداراني: والله لقد أنزلهم الغرف قبل أن يطيعوه، وأدخلهم النار قبل أن يعصوه]، أي: أن الله تعالى علم أهل الجنة وعلم أهل النار، فأدخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار قبل أن يخلقهم، وهذا يدل على سابق علم الله الأزلي في الخلق. قال: [وقال أبو سليمان أيضاً: كيف يخفى على الله ما في القلب ولا يكون في القلب إلا ما ألقي فيه، فكيف يخفى عليه؟ وقال: أنا بمنزلة الحجر إن لم أحرك لم أتحرك]، أي: لابد أن يتصرف في الذي خلقني، وهو الله . قال: [وعن الخشني قال: ما في جهنم واد ولا دار ولا مغار ولا غل ولا قيد ولا سلسلة إلا اسم صاحبه عليه مكتوب قبل أن يخلق -أي: أن هذه العقوبات كلها مكتوب عليها أنه يغل بها فلان، ويسلسل بها فلان، ويقيد بها فلان- قال أحمد بن أبي الحواري: فحدثت به أبا سليمان فبكى، ثم قال: ويحك؛ فكيف به لو قد اجتمع عليه هذا كله، فجعل الغل في عنقه، والقيد في رجليه، والسلسلة في عنقه، وأدخل النار، وأدخل الدار، وجعل في المغار؟]. أي: فكيف بك لو اجتمع هذا كله عليك؟! نسأل الله السلامة والعافية. قال: [قال أحمد بن أبي الحواري لـ أبي سليمان الداراني: من أراد الحظوة -أي: الرفعة والمكانة- فليتواضع في الطاعة، وقال لي: ويحك وأي شيء التواضع؟ إنما التواضع في ألا تعجب بعملك، وكيف يعجب عاقل بعمله، وإنما يعد العمل نعمة من الله ينبغي أن يشكر الله عليها ويتواضع له، إنما يعجب بعمله القدري الذي يزعم أنه يعمل، فأما من زعم أنه يستعمل فكيف يعجب؟!]، فالله تعالى هو الذي قدر لك العمل، وأعانك عليه. قال الشيخ ابن بطة: [فكل ما قد ذكرته لكم يا إخواني رحمكم الله! فاعقلوه وتفهموه، ودينوا لله به، فهو ما نزل به الكتاب الناطق، وقاله النبي الصادق، وأجمع عليه السلف الصالح والأئمة الراشدون من الصحابة والتابعين، والعقلاء والحكماء من فقهاء المسلمين، واحذروا مذاهب المشائيم القدرية الذين أزاغ الله قلوبهم -فالله تعالى هو الذي يزيغ القلوب- فأصمهم وأعمى أبصارهم، وجعل على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقراً؛ حتى زعموا أن المشيئة إليهم، وأن الخير والشر بأيديهم، وأنهم إن شاءوا أصلحوا أنفسهم، وإن شاءوا أفسدوها، وأن الطاعة والمعصية إليهم، فإن شاءوا عصوا الله وخالفوه فيما لا يشاؤه ولا يريده؛ حتى ما شاءوا هم كان، وما شاء الله لا يكون، وما لا يشاءوه لا يكون، وما لا يشاؤه الله يكون. فإن القدري الملعون لا يقول: اللهم اعصمني -القدري لا يدعو بهذا قط، بل ينكر على من دعا بهذا- اللهم وفقني، ولا يقول: اللهم ألهمني رشدي، ولا يقول: ﴿رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا﴾ [آل عمران:٨]، ويقول: إن الله لا يزيغ القلوب، ولا يضل أحداً، ويجحد القرآن، ويعاند الرسول ﵊، ويخالف إجماع المسلمين، ولا يقول: لا حول ولا قوة إلا بالله -بل يقول: الحول والقوة بيديه- ولا يقول: ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، وينكر ذلك على من قاله، ويزعم أن المشيئة إليه، والحول والقوة بيديه، وأنه إن شاء أطاع الله وإن شاء عصى، وإن شاء أخذ وإن شاء أعطى، وإن شاء افتقر، وإن شاء استغنى. وينكر أن يكون الله خالق الشر، وأن الله شاء أن يكون في الأرض شيء من الشر، وهو يعلم أن الله خلق إبليس، وهو رأس الشر، وأن الله علم ذلك منه قبل أن يخلقه، والله تعالى يقول: ﴿مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ﴾ [الفلق:٢]-إذاً: هو الذي خلق الشر- وهو الذي يقول: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات:٩٦]-أي: من خير وشر- ويقول: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ﴾ [التغابن:٢]-إذاً: هو الذي خلق الإيمان وخلق الكفر- فالقدري يجحد هذا كله، ويزعم أنه يعصي الله قسراً، ويخالفه شاء أم أبى]. فهذا دين القدرية، وهو بلا شك كفر بواح.

стр. 1223

إعادة بعض السلف للصلاة خلف القدرية قال: [وقال معاذ بن معاذ: صليت أنا وعمر بن الهيثم الرقاشي خلف الربيع بن بزة -وهو سيد من سادات أهل البدع- قال معاذ: فأخبرني عمر بن الهيثم أنه حضرته الصلاة مرة أخرى، فصلى خلف الربيع بن بزة، قال: فقعدت أدعو، فقال: لعلك ممن يقول: اعصمني، قال معاذ: فأعدت تلك الصلاة بعد عشرين سنة. والربيع بن بزة من كبار مشائيم القدرية بالبصرة، وكان من العباد المجتهدين في هذا الخذلان، عصمنا الله وإياكم منه ومن كل بدعة].

стр. 1224

مسلك في المناظرة يقطع القدري قال: [وقال بعض العلماء: مسألة يقطع بها القدري -أي: إذا أردت أن تناظر قدرياً فاسلك معه هذا السبيل، فإنك إن سلكت معه هذا السبيل انقطعت حجته وانهزم- يقال له: أخبرنا؛ أراد الله من العباد أن يؤمنوا به ويطيعوه ولا يعصوه فلم يقدر، أم قدر فلم يرد؟ فإن قال: قدر فلم يرد، قيل له: فمن يهدي من لم يرد الله هدايته؟ وإن قال: أراد فلم يقدر، قيل له: لا يشك جميع الخلق أنك قد كفرت يا عدو الله!]، أي: أنه في كلا الحالين والأمرين ضلال مبين. فهل الهداية ملك للعبد عند الله، وواجبة في حق الله، وأن الله منعه حقه؟ لا شك أنه لا يقول بذلك، فإن قال بذلك فقد كفر، وإن قال: بأن الملك كله لله تعالى؛ فإن الله تعالى يهدي من يشاء ويضل من يشاء، فهذه حجة أقوى من حجة بعض العلماء التي نحن بصددها.

стр. 1225

إيمان أهل الجاهلية ومن بعدهم من الأعراب بالقدر قال: [وقال أحمد بن أبي الحواري: سمعت أبا سليمان الداراني يقول: أهل السماوات والأرضين من الملائكة المقربين والأنبياء المرسلين، ومن دونهم من الخليقة أعجز في حيلتهم، وأضعف في قوتهم من أن يحدثوا في ملك الله وسلطانه طرفة بعين، أو خطرة بقلب، أو نفساً واحداً من روع من لم يشأه الله لهم، ولم يعلمه منهم، ولقد أذعنت الجاهلية الجهلاء بالقدر]. أي: حتى أهل الجاهلية قبل بعثة النبي ﵊ كانوا يؤمنون بالقدر، وكذلك المجوسية يعلمون قضية القدر، وأما فرقة القدرية التي تنسب إلى الإسلام فليست أفهم من هؤلاء أصحاب الجاهلية والمجوس وعبدة البقر والأصنام، فإن القدرية أضل من هؤلاء جميعاً. قال: [ولذلك قال بعض الرجاز من أهل الجاهلية: يا أيها المضمر هماً لا تهم إنك إن تقدر لك الحمى تحم ولو علوت شاهقاً من العلم كيف يوقيك وقد جف القلم] أي: لابد أنه واقع بك ما كان مكتوباً في اللوح المحفوظ. قال: [وأتى علي بن أبي طالب رجل فشكا إليه تعذر الأشياء، والتياث الدهر عليه -اختلاطه عليه- فتمثل علي ﵁ بهذه الأبيات: فإن يقسم لك الرحمن رزقاً يعد لرزقه المقضي بابا وإن يحرمك لا تسطع بحول ولا رأي الرجال له اجتلابا فقصر في خطاك فلست تعدو بحليتك القضاء ولا الكتابا]. أي: ما كان مقضياً مكتوباً لك فسيأتيك، فتمهل في طلبه. قال: [وكتب الخليل بن أحمد إلى سليمان بن علي: أبلغ سليمان أني عنه في سعة وفي غنى غير أني لست ذا مال سحى بنفسي أني لا أرى أحداً يموت هزلاً ولا يبقى على حال فالرزق عن قدر لا العجز ينقصه ولا يزيدك فيه حول محتال وقال بعض الشعراء: هي المقادير فلمني أو فذرني إن كنت أخطأت فما أخطا القدر] وهذا شعر جاهلي، أي: إن كنت أخطأت فما أخطأ القدر، وانظر وقارن بين قول هذا الجاهلي وبين هذا الذي ينسب إلى الإسلام، والذي يقول قولاً قبيحاً، وشركاً وكفراً صريحاً. [وقال لبيد بن ربيعة] وهو صاحب إحدى المعلقات، وقد أسلم، وهو صاحب البيت المشهور: ألا كل شيء ما خلا الله باطل وكل نعيم لا محالة زائل فقال ابن عباس عندما سمع قوله: ألا كل شيء ما خلا الله باطل: صدق، ولما قال: وكل نعيم لا محالة زائل: قال: كذب، فنعيم الجنة لا يزول. ولبيد كان يقصد أن كل نعيم من نعيم الدنيا سيزول، فهو على قصده، والمعنى في بطن الشاعر كما يقولون، وهو صادق فيما أراد، لكن ابن عباس كان أدق منه. [قال لبيد: إن تقوى ربنا خير نفل وبإذن الله ريثي وعجل من هداه سبل الخير اهتدى ناعم البال ومن شاء أضل]. إذاً: الهداية والضلال بيد الله . قال: [وقال النابغة الذبياني -وهو شاعر جاهلي-: وليس امرؤ نائلاً من هواه شيئاً إذا هو لم يكتب]. أي: مهما يهوى المرء شيئاً فإنه لا يأخذه مادام أنه لم يكتب في اللوح المحفوظ. قال: [وهناك نص عن رجل يذكره الأصمعي، لكن هذا النص عندي فيه بعض الشيء، [قال الأصمعي: وقع الطاعون بالبصرة، فخرج أعرابي فاراً منه على حمار له- أي: يهرب من الطاعون- فلما صار في جانب البر سمع هاتفاً -أي: صوتاً من بعيد- يقول: لن يسيق الله على حمار والله لا شك إمام الساري فرجع الأعرابي إلى البصرة وهو يقول: قدر الله واقع حين يقضي وروده قد مضى فيه علمه وانقضى ما يريده وأخو الحرص حرصه ليس مما يزيده فأرد ما يكون إن لم يكن ما تريده وقال الفرزدق: ندمت ندامة الكسعي لما غدت مني مطلقة نوار وكانت جنة فخرجت منها كآدم حين أخرجه الضرار ولو منت بها كفي ونفسي لكان علي للقدر الخيار]. وهناك أشعار كثيرة في القدر لأهل الجاهلية وغيرهم.

стр. 1226

أثر سهل بن عبد الله التستري في إثبات القدر وهناك نص مهم جداً لـ سهل بن عبد الله التستري، وهو يعتبر نصاً جامعاً فيما يتعلق بمسألة القدر. قال: [قال سهل بن عبد الله التستري: ليس في حكم الله أن يملك علم الضر والنفع إلا الله -أي: ليس هناك نزاع في ذلك، فإن الله تعالى هو الذي يملك الضر والنفع- ولكن حكم العدل في الخلق إنكار فعل غيرهم من الضر والنفع، وهو حجة الله علينا، أمرنا بما لا نقدر عليه إلا بمعونته، ونهانا عما لا نقدر على تركه والانصراف عنه إلا بعصمته، وألزمنا بالحركة بالمسألة له المعونة على طاعته، وترك مخالفته في إظهار الفقر والفاقة إليه، والتبري من كل سبب واستطاعة دونه، فقال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [فاطر:١٥]، قال: فخرجت أفعال العباد في سرهم وظاهرهم على ما سبق من علمه فيهم، من غير إجبار منه لهم في ذلك أو في شيء منه -أي: أن أفعال العباد خيرها وشرها وقعت منهم على ما سبق في علم الله في الأزل قبل أن يخلق الخلق، من غير إجبار منه لهم، لا على فعل الطاعة ولا على فعل المعصية- ولا قسر ولا إكراه، ولا تعبد ولا أمر، بل بقضاء سابق ومشيئة وتخلية منه لمن شاء، كيف شاء، لما شاء، فله الحجة على الخلق أجمعين، فأفعال الخلق وأعمالهم كلها من الله مشيئة]. أي: أن الله تعالى شاء من فلان الطاعة، وشاء من فلان المعصية مشيئة كونية قدرية في باب المعصية، لن نرضاها ولا نحبها، لكن نؤمن بها أنها من عند الله ، وقد طرحنا السؤال من قبل: هل يجب الإيمان بالقضاء والقدر والرضا به؟ الجواب يجب أن نؤمن بالقدر خيره وشره، لكن لا نرضى بالشر؛ لأن الله تعالى نهانا عنه، وحذرنا منه، ورتب عليه العقوبة في الدنيا والآخرة. قال: [فأفعال الخلق وأعمالهم كلها من الله مشيئة، فيها معنيان: فما كان من خير فالله أراد ذلك منهم، وأمرهم به، ولم يكرهم على فعله، بل وفقهم له -إذاً: الطاعة ليس فيها إكراه، لكنها توفيق من الله- وأعانهم عليه، وتولى ذلك الفعل منهم وأثابهم عليه، وما كان من فعل شر فالله نهى عنه، ولم يجبر عليه، ولم يتول ذلك الفعل، بل أراد العبد به والتخلية بينه وبينه، وشاء كون ذلك قبيحاً فاسداً؛ ليكون ما نهى ولا يكون ما أمر، ويظهر العلم السابق فيه: (فمنهم شقي وسعيد)، فهو من الله مشيئة، ومن الشيطان تزيين، ومن العبد فعل]. فالشر من الله مشيئة، شاء الله تعالى لهذا الفعل القبيح الفاسد الشر أن يكون موجوداً في الكون مخلوقاً، فالله تعالى يشاء الخير والشر، ويقدر الخير والشر، ويأذن في حق الخير والشر، والشيطان يزين الشر، والعبد هو الذي يجترح ويقترف ذلك بجوارحه. وأما الخير فالله تعالى أراده إرادة شرعية دينية، وأحبه وتولاه، وأثاب عليه في الدنيا والآخرة، ولم يجبر العبد عليه وإنما وفقه، وفي المقابل لم يجبر العبد على المعصية، لكن الله تخلى عنه، فزين له الشيطان الشر فاقترفته يداه.

стр. 1227

آثار عن السلف في القدرية قال: [قال الحسن بن علي: قضي القضاء، وجف القلم، وأمور تقضى في كتاب قد خلا]. أي: جفت الأقلام وطويت الصحف. قال: [وقال أبو حميد الخرساني -وكان مؤذن مسجد سماك، ومات شهيداً في سبيل الله غرقاً في البحر- بينما أنا في المنارة قبل أذان الصبح وأنا قاعد فخفقت رأسي، إذ مر رجلان في الهواء، فقال قائل لأحدهما: ما تقول في الذين يزعمون أن المشيئة إليهم؟ قال: أولئك الكفار، أولئك الكفار، أولئك هم وقود النار]، وهذه رؤية منامية. قال: [وقال أبو داود بن أبي هند: اشتق قول القدرية من الزندقة، وهم أسرع الناس ردة]. قال: [قال ابن مسعود: المتقون سادة، والفقهاء قادة، ومجالستهم زيادة، ولا يسبق بطيئاً رزقه، ولا يأتيه ما لم يقدر له]. قال حماد بن زيد: سألت أبا عمرو بن العلاء عن القدر، فقال: ثلاث آيات في القرآن: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ * وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [التكوير:٢٨ - ٢٩]، ﴿فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا﴾ [المزمل:١٩]، ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الإنسان:٣٠]، وقال تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ * فَمَنْ شَاءَ﴾ [عبس:١١ - ١٢]-أي: فمن شاء الله- ﴿ذَكَرَهُ﴾ [عبس:١٢]. وعن إسحاق بن إبراهيم بن طلحة عن أبيه عن جده أنه قال: كان عبد الله بن جعفر وعمر بن عبيد الله في موكب لهما فذكروا القدرية، فقال ابن جعفر: هم والله الزنادقة، فقال عمر بن عبيد الله: إنما يتكلمون في القدر -أي: ليسوا زنادقة، فهم مسلمون، لكن يتكلمون في القدر- فقال عبد الله بن جعفر: هم والله الزنادقة].

стр. 1228

حكم العمل بالرؤى المنامية والإسرائيليات والرؤى والمنامات لا يؤخذ منها اعتقاد، وإنما هي مبشرات أو محذرات، أي: محطات يقف عندها العبد، فإذا كانت خيراً يستبشر بها، وإن كانت شراً يتوقف عندها، ويحاول أن يراجع حساباته مع الله . فالرؤى والمنامات لا يؤخذ منها شيء، لكن إذا وافقت الرؤية ما كان في واقع هذا الرأي، وكانت منضبطة على الأصول الشرعية فلا شك أنها تكون أقرب إلى الحقيقة؛ خاصة إذا كانت لها الشواهد والأدلة والأصول في الكتاب والسنة أو إجماع أهل العلم، وحينئذ يستأنس بها ويسترشد بها، ولا يقف المرء عندها، ولا يقول: إذاً سينزل بي كذا وكذا، أو سينالني من الخير أو الشر كذا وكذا؛ لأنه عند ذلك قد حول الرؤية إلى عقيدة عنده، وهي في الحقيقة استئناس ومبشرات فقط، أو تحذيرات للعبد، لذا لا يتوقف عندها، ولا تنبني عليها أحكام ولا أعمال. وكذلك تلك الروايات التي تنقل من كتب أهل الكتاب من الإسرائيليات، والمعلوم أن هذه الكتب لا تمثل أحكاماً انفرادية عندنا، وإنما ما وافق منها ما كان عندنا قبلناه من باب الاستئناس، على أن يكون الأصل هو كتاب الله تعالى، وسنة النبي ﷺ ، وإجماع أمة الإسلام، وما كان من كتب أهل الكتاب يوافق هذه الأصول أخذنا به استئناساً لا تأصيلاً، وما خالفها نرده ولا نقبله، بل يغلب على الظن أنه من الكلام المحرف في كتب بني إسرائيل. وما كان مسكوتاً عنه في كتب بني إسرائيل فإننا لا نقبله ولا نرده، أي: لا علاقة لنا به، لكننا لا نكذبه كما أننا لا نصدقه، وهذا باختصار حكم الإسرائيليات، وقد ذكرنا منها كثيراً، فهل رأيتم فيما ذكرنا شيئاً يخالف عقيدة أهل الإسلام في القدر؟ ما وجدنا شيئاً يخالف عقيدة أهل الإسلام في القدر.

стр. 1229

حديث العنقاء والحكم عليه وإذا كان الأمر كذلك فحديث العنقاء يدور في هذا الفلك وفي هذا المضمار، والعبرة منه كالعبرة من غيره من النصوص، سواء في كتب السلف أو في كتب بني إسرائيل، وقد تحرف أو تصحف في كتاب ابن بطة حيث قال: حديث العقاد، وهو تصحيف، والصحيح: حديث العنقاء. وعلى أية حال العنقاء أفضل وأحسن من العقاد، فإن العنقاء أفضل من عباس العقاد؛ وما لقب العقاد بهذا اللقب إلا لأنه كان يتعمد عقد مجلسه في ساعة صلاة الجمعة، فصالونه الأدبي الذي كان يعقده فيما يسمى الآن: بمحطة الإسعاف؛ كان يتعمد عقد هذا الصالون الأدبي في ساعة صلاة الجمعة، فكان تاركاً للصلاة ولصلاة الجمعة، والنبي ﵊ يقول: (من ترك صلاة الجمعة ثلاث مرات متواليات طبع الله على قلبه)، فكيف بمن تركها طيلة عمره؟! وحديث العنقاء يرويه داود بن أبي هند قال: [كانت العنقاء عند سليمان بن داود وكان سليمان قد علم كلام الطير، وسخرت له الشياطين، وأعطي ما لم يعط أحد، فذكر عنده القضاء والقدر، وكانت العنقاء حاضرة، فقالت العنقاء: وأي شيء هذا القضاء والقدر، ما يغني شيئاً، قيل لسليمان بن داود: إنه يولد بالمشرق جارية ويولد في المغرب غلام في يوم واحد وساعة واحدة، وأنهما يجتمعان على الفجور -الزنا- فقالت العنقاء: إن هذا لا يكون، وكيف يكون وهذا بالمغرب وهذه بالمشرق؟ فقال لها سليمان: إن ذلك يكون بالقضاء والقدر، قالت: لا أقبل ذلك]، وهذا الكلام لا يستقيم مع العقل. وهناك شخص مجرم سوري ساكن في أمريكا، وأمريكا لا تنضح علينا إلا بالبلاء، واسمه: أنور إسحاق، وهو لا أنور ولا حتى هو إسحاق، وهو ينادي بالتجديد منذ أكثر من عشر سنوات، وهو إنسان جاهل أحمق غبي لا يعرف شيئاً، بل بمجرد أن تراه تلمح فيه الغباء؛ لأن هناك أناساً هكذا؛ أعمالهم تظهر على وجوههم، وهذه سنة، فعندما ترى شخصاً نصرانياً تشعر بأنك تنظر إلى رأس خنزير، وكذلك عندما ترى شخصاً يكتب المحاضرات وراءك تعرف إن كان هذا طالب علم أو طالب شيء آخر، فتميز الاثنين من بعض، وغير ذلك. فهذا شكله -أستغفر الله العظيم- عليه الغباء، والعجب أنه يدخل في نقاش، وهو من الناس الهمج الرعاع الذين لا علاقة له بالعلم والأدب، وقد التقيت به منذ أربع سنوات هناك ينادي بالتجديد. ولعلكم تذكرون أني قلت لكم من قبل: وما مظهر التجديد عندك؟ قال: أن يظهر في الأمة من يكذب القرآن ويكذب السنة، ثم نحكم بالرد عليه! فتصور أن هذا مظهر من مظاهر التجديد؛ إذ إنه يظهر في الأمة أناس يطعنون في القرآن ويطعنون في السنة، وهذا يعتبر عندهم مجدد، أرأيت إلى هذه الخيبة؟! وقد فوجئت بأنه كتب كتاباً وأنزله إلى الأسواق، وقد أتتني منه نسخة أمس البارحة، واسمه: جاهلية العنف، والصورة التي على الغلاف هي صورة البرج! واعلم أنه أغبى وأحقر وأقل مما تظن، ويقيناً أن هذا تلقفته الأيدي العابثة التي تعبث بالشرع، وفرصة أن وجدوا لهم ضالة في بقعة من بقاع الأرض، فيصير إنساناً معترضاً على كل شيء، فلا يوجد عنده شيء اسمه: علماء تفسير، ولا شراح أحاديث، ولا رواة للسنة، ولا مصنفين للسنة، وما بقي إلا أن يقول: ولا قرآن، ولا رواة للقرآن! ويرفض أي تفسير للقرآن أو السنة، فهذه السنة قد هدمها من أساسها، لكن القرآن كلام ربنا، فلا يتجرأ على ذلك، لكن هذا الرجل ذكر نموذجاً فقال: لا نريد هذا التفسير، وأخذ مسألة التقوى وأحضر تفسير فلان للتقوى، وفلان للتقوى، وترك تفسير هؤلاء كلهم، وقال: كل هذا كلام فارغ وتخريف ليس له أصل، وقال: أنا سافرت العالم كله، ودخلت مكتبات العالم في أوروبا وأمريكا والبلاد الإسلامية، وقابلت العلماء الكبار مثل الشيخ شحرور! والشيخ شحرور هذا هو رافع لواء الطعن في السنة في سوريا، وهو ليس شيخاً ولا شيئاً من هذا القبيل، وإنما هو رجل مهندس لا علاقة له بالشرع ولا بالدين، وشحرور له كتابات إن لم يكفر بها فعلى الأقل يسقط بها في الطامات، لكن على أية حال تصور أن هذا يقول: أنا قابلت الشيخ شحرور! وسألته عن القدر، فما أقنعني بشيء يشفي غليلي، فعلمت أن الهداية والظلام بيد العبد لا بيد الله! ويحضر لك بآيات من القرآن الكريم، ونحن متفقون على أنه ليس له علاقة بالسنة، فإما أن يأتي بأولها ويترك آخرها، أو يأتي بآخرها ويترك أولها، على عادة أهل البدع كما ذكرنا وكررنا ذلك. وأنا متأسف أنني ذكرت هذا الكتاب، لكن أريد أن أقول لك: إن أهل البدع يعملون بجد في ضلالهم وعماهم، والله تعالى قد أعمى بصيرتهم وأراد لهم الشقاء والضلال، وأسأل الله تعالى أن يهديهم، فإن كان سبق في علمه أنهم لن يهتدوا فنسأل الله أن يأخذهم ويريحنا منهم. وهذا الرجل ما جلس إلى رجل محترم من أهل العلم يشار إليه باتباع السنة، وإنما كل من لقيهم إما من أهل البدع، وإما جهال مغمورون لا علاقة لهم كذلك بمناظرات أهل البدع، والواضح أنه لم يق

стр. 1230

الأسئلة
следующие страницы →