Полный текст (1 366 стр.). Показаны 1226–1265 · переход к 1231.
стр. 1226
أثر سهل بن عبد الله التستري في إثبات القدر
وهناك نص مهم جداً لـ سهل بن عبد الله التستري، وهو يعتبر نصاً جامعاً فيما يتعلق بمسألة القدر.
قال: [قال سهل بن عبد الله التستري: ليس في حكم الله أن يملك علم الضر والنفع إلا الله -أي: ليس هناك نزاع في ذلك، فإن الله تعالى هو الذي يملك الضر والنفع- ولكن حكم العدل في الخلق إنكار فعل غيرهم من الضر والنفع، وهو حجة الله علينا، أمرنا بما لا نقدر عليه إلا بمعونته، ونهانا عما لا نقدر على تركه والانصراف عنه إلا بعصمته، وألزمنا بالحركة بالمسألة له المعونة على طاعته، وترك مخالفته في إظهار الفقر والفاقة إليه، والتبري من كل سبب واستطاعة دونه، فقال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [فاطر:١٥]، قال: فخرجت أفعال العباد في سرهم وظاهرهم على ما سبق من علمه فيهم، من غير إجبار منه لهم في ذلك أو في شيء منه -أي: أن أفعال العباد خيرها وشرها وقعت منهم على ما سبق في علم الله في الأزل قبل أن يخلق الخلق، من غير إجبار منه لهم، لا على فعل الطاعة ولا على فعل المعصية- ولا قسر ولا إكراه، ولا تعبد ولا أمر، بل بقضاء سابق ومشيئة وتخلية منه لمن شاء، كيف شاء، لما شاء، فله الحجة على الخلق أجمعين، فأفعال الخلق وأعمالهم كلها من الله مشيئة].
أي: أن الله تعالى شاء من فلان الطاعة، وشاء من فلان المعصية مشيئة كونية قدرية في باب المعصية، لن نرضاها ولا نحبها، لكن نؤمن بها أنها من عند الله ، وقد طرحنا السؤال من قبل: هل يجب الإيمان بالقضاء والقدر والرضا به؟
الجواب
يجب أن نؤمن بالقدر خيره وشره، لكن لا نرضى بالشر؛ لأن الله تعالى نهانا عنه، وحذرنا منه، ورتب عليه العقوبة في الدنيا والآخرة.
قال: [فأفعال الخلق وأعمالهم كلها من الله مشيئة، فيها معنيان: فما كان من خير فالله أراد ذلك منهم، وأمرهم به، ولم يكرهم على فعله، بل وفقهم له -إذاً: الطاعة ليس فيها إكراه، لكنها توفيق من الله- وأعانهم عليه، وتولى ذلك الفعل منهم وأثابهم عليه، وما كان من فعل شر فالله نهى عنه، ولم يجبر عليه، ولم يتول ذلك الفعل، بل أراد العبد به والتخلية بينه وبينه، وشاء كون ذلك قبيحاً فاسداً؛ ليكون ما نهى ولا يكون ما أمر، ويظهر العلم السابق فيه: (فمنهم شقي وسعيد)، فهو من الله مشيئة، ومن الشيطان تزيين، ومن العبد فعل].
فالشر من الله مشيئة، شاء الله تعالى لهذا الفعل القبيح الفاسد الشر أن يكون موجوداً في الكون مخلوقاً، فالله تعالى يشاء الخير والشر، ويقدر الخير والشر، ويأذن في حق الخير والشر، والشيطان يزين الشر، والعبد هو الذي يجترح ويقترف ذلك بجوارحه.
وأما الخير فالله تعالى أراده إرادة شرعية دينية، وأحبه وتولاه، وأثاب عليه في الدنيا والآخرة، ولم يجبر العبد عليه وإنما وفقه، وفي المقابل لم يجبر العبد على المعصية، لكن الله تخلى عنه، فزين له الشيطان الشر فاقترفته يداه.
стр. 1227
آثار عن السلف في القدرية
قال: [قال الحسن بن علي: قضي القضاء، وجف القلم، وأمور تقضى في كتاب قد خلا].
أي: جفت الأقلام وطويت الصحف.
قال: [وقال أبو حميد الخرساني -وكان مؤذن مسجد سماك، ومات شهيداً في سبيل الله غرقاً في البحر- بينما أنا في المنارة قبل أذان الصبح وأنا قاعد فخفقت رأسي، إذ مر رجلان في الهواء، فقال قائل لأحدهما: ما تقول في الذين يزعمون أن المشيئة إليهم؟ قال: أولئك الكفار، أولئك الكفار، أولئك هم وقود النار]، وهذه رؤية منامية.
قال: [وقال أبو داود بن أبي هند: اشتق قول القدرية من الزندقة، وهم أسرع الناس ردة].
قال: [قال ابن مسعود: المتقون سادة، والفقهاء قادة، ومجالستهم زيادة، ولا يسبق بطيئاً رزقه، ولا يأتيه ما لم يقدر له].
قال حماد بن زيد: سألت أبا عمرو بن العلاء عن القدر، فقال: ثلاث آيات في القرآن: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ * وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [التكوير:٢٨ - ٢٩]، ﴿فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا﴾ [المزمل:١٩]، ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الإنسان:٣٠]، وقال تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ * فَمَنْ شَاءَ﴾ [عبس:١١ - ١٢]-أي: فمن شاء الله- ﴿ذَكَرَهُ﴾ [عبس:١٢].
وعن إسحاق بن إبراهيم بن طلحة عن أبيه عن جده أنه قال: كان عبد الله بن جعفر وعمر بن عبيد الله في موكب لهما فذكروا القدرية، فقال ابن جعفر: هم والله الزنادقة، فقال عمر بن عبيد الله: إنما يتكلمون في القدر -أي: ليسوا زنادقة، فهم مسلمون، لكن يتكلمون في القدر- فقال عبد الله بن جعفر: هم والله الزنادقة].
стр. 1228
حكم العمل بالرؤى المنامية والإسرائيليات
والرؤى والمنامات لا يؤخذ منها اعتقاد، وإنما هي مبشرات أو محذرات، أي: محطات يقف عندها العبد، فإذا كانت خيراً يستبشر بها، وإن كانت شراً يتوقف عندها، ويحاول أن يراجع حساباته مع الله .
فالرؤى والمنامات لا يؤخذ منها شيء، لكن إذا وافقت الرؤية ما كان في واقع هذا الرأي، وكانت منضبطة على الأصول الشرعية فلا شك أنها تكون أقرب إلى الحقيقة؛ خاصة إذا كانت لها الشواهد والأدلة والأصول في الكتاب والسنة أو إجماع أهل العلم، وحينئذ يستأنس بها ويسترشد بها، ولا يقف المرء عندها، ولا يقول: إذاً سينزل بي كذا وكذا، أو سينالني من الخير أو الشر كذا وكذا؛ لأنه عند ذلك قد حول الرؤية إلى عقيدة عنده، وهي في الحقيقة استئناس ومبشرات فقط، أو تحذيرات للعبد، لذا لا يتوقف عندها، ولا تنبني عليها أحكام ولا أعمال.
وكذلك تلك الروايات التي تنقل من كتب أهل الكتاب من الإسرائيليات، والمعلوم أن هذه الكتب لا تمثل أحكاماً انفرادية عندنا، وإنما ما وافق منها ما كان عندنا قبلناه من باب الاستئناس، على أن يكون الأصل هو كتاب الله تعالى، وسنة النبي ﷺ ، وإجماع أمة الإسلام، وما كان من كتب أهل الكتاب يوافق هذه الأصول أخذنا به استئناساً لا تأصيلاً، وما خالفها نرده ولا نقبله، بل يغلب على الظن أنه من الكلام المحرف في كتب بني إسرائيل.
وما كان مسكوتاً عنه في كتب بني إسرائيل فإننا لا نقبله ولا نرده، أي: لا علاقة لنا به، لكننا لا نكذبه كما أننا لا نصدقه، وهذا باختصار حكم الإسرائيليات، وقد ذكرنا منها كثيراً، فهل رأيتم فيما ذكرنا شيئاً يخالف عقيدة أهل الإسلام في القدر؟ ما وجدنا شيئاً يخالف عقيدة أهل الإسلام في القدر.
стр. 1229
حديث العنقاء والحكم عليه
وإذا كان الأمر كذلك فحديث العنقاء يدور في هذا الفلك وفي هذا المضمار، والعبرة منه كالعبرة من غيره من النصوص، سواء في كتب السلف أو في كتب بني إسرائيل، وقد تحرف أو تصحف في كتاب ابن بطة حيث قال: حديث العقاد، وهو تصحيف، والصحيح: حديث العنقاء.
وعلى أية حال العنقاء أفضل وأحسن من العقاد، فإن العنقاء أفضل من عباس العقاد؛ وما لقب العقاد بهذا اللقب إلا لأنه كان يتعمد عقد مجلسه في ساعة صلاة الجمعة، فصالونه الأدبي الذي كان يعقده فيما يسمى الآن: بمحطة الإسعاف؛ كان يتعمد عقد هذا الصالون الأدبي في ساعة صلاة الجمعة، فكان تاركاً للصلاة ولصلاة الجمعة، والنبي ﵊ يقول: (من ترك صلاة الجمعة ثلاث مرات متواليات طبع الله على قلبه)، فكيف بمن تركها طيلة عمره؟! وحديث العنقاء يرويه داود بن أبي هند قال: [كانت العنقاء عند سليمان بن داود وكان سليمان قد علم كلام الطير، وسخرت له الشياطين، وأعطي ما لم يعط أحد، فذكر عنده القضاء والقدر، وكانت العنقاء حاضرة، فقالت العنقاء: وأي شيء هذا القضاء والقدر، ما يغني شيئاً، قيل لسليمان بن داود: إنه يولد بالمشرق جارية ويولد في المغرب غلام في يوم واحد وساعة واحدة، وأنهما يجتمعان على الفجور -الزنا- فقالت العنقاء: إن هذا لا يكون، وكيف يكون وهذا بالمغرب وهذه بالمشرق؟ فقال لها سليمان: إن ذلك يكون بالقضاء والقدر، قالت: لا أقبل ذلك]، وهذا الكلام لا يستقيم مع العقل.
وهناك شخص مجرم سوري ساكن في أمريكا، وأمريكا لا تنضح علينا إلا بالبلاء، واسمه: أنور إسحاق، وهو لا أنور ولا حتى هو إسحاق، وهو ينادي بالتجديد منذ أكثر من عشر سنوات، وهو إنسان جاهل أحمق غبي لا يعرف شيئاً، بل بمجرد أن تراه تلمح فيه الغباء؛ لأن هناك أناساً هكذا؛ أعمالهم تظهر على وجوههم، وهذه سنة، فعندما ترى شخصاً نصرانياً تشعر بأنك تنظر إلى رأس خنزير، وكذلك عندما ترى شخصاً يكتب المحاضرات وراءك تعرف إن كان هذا طالب علم أو طالب شيء آخر، فتميز الاثنين من بعض، وغير ذلك.
فهذا شكله -أستغفر الله العظيم- عليه الغباء، والعجب أنه يدخل في نقاش، وهو من الناس الهمج الرعاع الذين لا علاقة له بالعلم والأدب، وقد التقيت به منذ أربع سنوات هناك ينادي بالتجديد.
ولعلكم تذكرون أني قلت لكم من قبل: وما مظهر التجديد عندك؟ قال: أن يظهر في الأمة من يكذب القرآن ويكذب السنة، ثم نحكم بالرد عليه! فتصور أن هذا مظهر من مظاهر التجديد؛ إذ إنه يظهر في الأمة أناس يطعنون في القرآن ويطعنون في السنة، وهذا يعتبر عندهم مجدد، أرأيت إلى هذه الخيبة؟! وقد فوجئت بأنه كتب كتاباً وأنزله إلى الأسواق، وقد أتتني منه نسخة أمس البارحة، واسمه: جاهلية العنف، والصورة التي على الغلاف هي صورة البرج! واعلم أنه أغبى وأحقر وأقل مما تظن، ويقيناً أن هذا تلقفته الأيدي العابثة التي تعبث بالشرع، وفرصة أن وجدوا لهم ضالة في بقعة من بقاع الأرض، فيصير إنساناً معترضاً على كل شيء، فلا يوجد عنده شيء اسمه: علماء تفسير، ولا شراح أحاديث، ولا رواة للسنة، ولا مصنفين للسنة، وما بقي إلا أن يقول: ولا قرآن، ولا رواة للقرآن! ويرفض أي تفسير للقرآن أو السنة، فهذه السنة قد هدمها من أساسها، لكن القرآن كلام ربنا، فلا يتجرأ على ذلك، لكن هذا الرجل ذكر نموذجاً فقال: لا نريد هذا التفسير، وأخذ مسألة التقوى وأحضر تفسير فلان للتقوى، وفلان للتقوى، وترك تفسير هؤلاء كلهم، وقال: كل هذا كلام فارغ وتخريف ليس له أصل، وقال: أنا سافرت العالم كله، ودخلت مكتبات العالم في أوروبا وأمريكا والبلاد الإسلامية، وقابلت العلماء الكبار مثل الشيخ شحرور! والشيخ شحرور هذا هو رافع لواء الطعن في السنة في سوريا، وهو ليس شيخاً ولا شيئاً من هذا القبيل، وإنما هو رجل مهندس لا علاقة له بالشرع ولا بالدين، وشحرور له كتابات إن لم يكفر بها فعلى الأقل يسقط بها في الطامات، لكن على أية حال تصور أن هذا يقول: أنا قابلت الشيخ شحرور! وسألته عن القدر، فما أقنعني بشيء يشفي غليلي، فعلمت أن الهداية والظلام بيد العبد لا بيد الله! ويحضر لك بآيات من القرآن الكريم، ونحن متفقون على أنه ليس له علاقة بالسنة، فإما أن يأتي بأولها ويترك آخرها، أو يأتي بآخرها ويترك أولها، على عادة أهل البدع كما ذكرنا وكررنا ذلك.
وأنا متأسف أنني ذكرت هذا الكتاب، لكن أريد أن أقول لك: إن أهل البدع يعملون بجد في ضلالهم وعماهم، والله تعالى قد أعمى بصيرتهم وأراد لهم الشقاء والضلال، وأسأل الله تعالى أن يهديهم، فإن كان سبق في علمه أنهم لن يهتدوا فنسأل الله أن يأخذهم ويريحنا منهم.
وهذا الرجل ما جلس إلى رجل محترم من أهل العلم يشار إليه باتباع السنة، وإنما كل من لقيهم إما من أهل البدع، وإما جهال مغمورون لا علاقة لهم كذلك بمناظرات أهل البدع، والواضح أنه لم يق
стр. 1230
الأسئلة
стр. 1231
حكم الاحتفال بأعياد النصارى
السؤال
هل من التشبه أن يحتفل بعض المسلمين بأعياد النصارى، كعيد شم النسيم وغيرها من الأعياد؟
الجواب
ليس للمسلمين إلا عيدان اثنان: عيد الفطر وعيد الأضحى، أما شم النسيم فهو عيد النصارى وليس من أعياد المسلمين، وأنتم تعلمون أن الأعياد عبادة من العبادات، وعقيدة من العقائد، وليس من الأحكام الشرعية فقط، فمن شارك النصارى في هذا العيد فإنما يشاركهم في جزء من اعتقادهم.
وقد صنف الإمام الذهبي كتاباً رائعاً جداً أسماه: نهي الخسيس عن التشبه بأهل الخميس، وهذا العيد يسمى عندهم بـ: عيد الخميس، والذهبي سمى كتابه هذا بـ: نهي الخسيس، يعني: أن من شاركهم فهو خسيس في عقيدته.
وهذا باب عظيم جداً من أبواب الولاء والبراء، فاتقوا الله فلا تشاركوهم في شيء من أعيادهم قط لا بشم النسيم ولا بغيره، وإذا كان الأصل في البيض والكيك وغير ذلك الحل إلا أنه في هذا اليوم لا ينبغي للمسلم أن يتعمد شراءه؛ حتى لا يكون في هذا وجه من وجوه التشبه بهؤلاء.
كما أنه من البدع كذلك أن يخصص هذا اليوم بصيام أو قيام مخالفة لأهل الكتاب كما يزعم الزاعم، فيقول: إذا كان المشركون يحتفلون بشيء شركي من أعيادهم أو غير ذلك؛ فإنا نخالفهم بقيام الليل وصيام النهار! فهذا أيضاً بدعة، وإنما اجعل الأمور طبيعية جداً، فإذا كنت تصوم الإثنين والخميس وصيام ثلاثة أيام من الشهر فطبيعي: (إلا أن يكون صوم أحدكم فليصم)، لكن شخص طول عمره تارك للصيام وتارك للقيام، ثم يأتي في هذا اليوم بالذات ويقول: مخالفة للنصارى أنا أصوم! ومعاندة للنصارى أنا أقوم الليل! أو مخافة أن ينزل عذاب من السماء فيصيب الكل، فإذا نزل يدركني وأنا قائم أو أنا صائم! كل هذا من التخريف والبدع وإن قال بها من قال.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 1232
شرح كتاب الإبانة - ذكر الأئمة المضلين الذين أحدثوا الكلام في القدر
لقد بليت الأمة الإسلامية بأئمة مضلين أحدثوا في الأمة أقوالاً غريبة عنها، أدت إلى تفرقها وتشتتها، ومن أولئك أئمة القدرية، فقد افتتحوا باب ضلالة، وتكلموا بكل جهالة، فضلوا وأضلوا.
стр. 1233
ذكر الأئمة المضلين الذي أحدثوا الكلام في القدر
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.
أما بعد: قال المصنف رحمه الله تعالى: [الباب الثاني: ذكر الأئمة المضلين الذين أحدثوا الكلام في القدر، وأول من ابتدعه وأنشأه، ودعا إليه.
[عن شيخ أهل البصرة عبد الله بن عون بن أرطبان المزني الحافظ قال: أمران أدركتهما وليس بهذا المصر منهما شيء -أي: وليس في البصرة من هاتين البدعتين شيء-: الكلام في القدر، إن أول من تكلم في القدر رجل من الأساورة يقال له: سيسويه]، وفي رواية: سنسويه، وفي رواية: سوسن، وهو سوسن النصراني الذي أسلم ثم ارتد وتنصر مرة أخرى، ثم أخذه عنه معبد الجهني، ثم أخذه عن معبد غيلان الدمشقي.
فأول من تكلم في القدر رجل كان نصرانياً ثم أسلم ثم تنصر، فتكلم في القدر، وكان أستاذاً في الضلالة، ثم أخذه عنه معبد الجهني وهو من أهل البصرة، ثم أتى إليه غيلان وتعلم منه ذلك.
قال ابن عون في سنسويه: [وكان دحيقاً -يعني: إنساناً طريداً شريداً غير محترم، ولم يكن أحد يقبل عليه، وإنما كان إذا أتى إلى أهل مدينة طردوه عن المجلس، أو قاموا وتركوا له المجلس، فقد كان دحيقاً، أي: طريداً- وما سمعته قال لأحد دحيقاً غيره.
قال: فإذا ليس له عليه تبع إلا الملاحون -وهم أصحاب السفن].
يعني: أول من تكلم في القدر سوسن النصراني، وأول من اتخذ لدعوته أناساً لا حظ لهم من العلم، وبهذا يعلم أن أهل البدع دائماً إنما يتخذون لرواج بدعهم الجهلاء، وأما أهل العلم فيصعب جداً السيطرة عليهم، ولذلك اختار أهل الجهل بدينهم وبشريعتهم، فكان له فيهم تأثير عظيم.
[ثم تكلم فيه بعده رجل كانت له مجالسة -يعني: رجل كان يجالسه- يقال له: معبد الجهني، فإذا له عليه تبع.
ثم قال: وهؤلاء الذين يدعون المعتزلة].
стр. 1234
ترتيب الخلفاء في الأفضلية
[عن ابن عون قال: أدركت الناس وما يتكلمون إلا في علي وعثمان ﵄].
وقول ابن عون: (أدركت الناس) أي: أهل العلم لا يتكلمون إلا في التفضيل بين علي وعثمان، وأيهما أفضل؟ وهذه المسألة قد اختلف فيها السلف، يعني: حتى أهل السنة اختلفوا في هذه القضية في أول الأمر، ثم أجمعت الأمة على أفضلية عثمان على علي، وقد انعقد الإجماع إلى يومنا هذا، ولم يخالف في ذلك إلا الشيعة؛ لأن الشيعة ابتداء يكفرون عثمان بن عفان، كما يكفرون أبا بكر وعمر.
وقد انعقد الإجماع بغير خلاف في أحقية عثمان في الخلافة، وإنما الذي وقع بين أهل السنة الخلاف فيه هو في الأفضلية، وإمامة المفضول تجوز مع وجود الفاضل، حتى لا يقال: إذا كان علي أفضل من عثمان فلم تقدم عثمان في الخلافة؟ لأنا نقول: الخلافة إمامة، وإمامة المفضول تجوز مع وجود الفاضل، وإن كنا نعتقد اعتقاداً جازماً -كما انعقد على ذلك الإجماع بعد ذلك- أن الخلفاء الأربعة ترتيبهم في الأفضلية على نفس ترتيبهم في الخلافة.
стр. 1235
تلطف بعض الأئمة في الكلام
[قال ابن عون: أدركت الناس وما يتكلمون إلا في علي وعثمان ﵄؛ حتى نشأ ها هنا هني].
والهن: اسم لما يستقبح ذكره، وقديماً كانوا يقولون لنا في الإعدادية: الأسماء الخمسة، ويقولون: باب الأسماء الخمسة، وفي الحقيقة هي الأسماء الستة، ولكنهم كانوا يحجبون عنا اسماً من الأسماء الستة وهو: الهن؛ لأن (الهن) اسم لما يستقبح ذكره، وإن شئت فقل: هو اسم من أسماء الدبر، ولما لم يكن ذلك مناسباً لعقول الصغار حذفوه من الأسماء الستة، وقالوا: هي أسماء خمسة، وهي في الحقيقة أسماء ستة.
[قال ابن عون: حتى نشأ ها هنا هني حقير يقال له: سيسويه البقال، فكان أول من تكلم في القدر، قال حماد: فما ظنكم برجل يقول له ابن عون: هني حقير].
فـ ابن عون في الحقيقة كان إماماً في الفضل والعلم والورع والتقى، وكان يشار إليه بالبنان، وكان مشهوراً في زمانه وبعد زمانه بالإمامة والعلم، وكان عفيف اللسان جداً لا يكاد يتكلم في أحد مطلقاً، فما بالك أنه يتجرأ ويقول عن رجل: (هني حقير؟!) فهذا بمثابة رميه بالكفر، وهذا قد جرى من كثير من أهل العلم كالإمام أحمد بن حنبل، فقد كلامه في الرجل كالمسمار في الصاج لا يمكن أن يثنى عنه.
والإمام البخاري عليه رحمة الله يقول: إذا قلت في رجل ضعيف؛ فلا تحل الرواية عنه، وهذه الكلمة لم يستخدمها عامة النقاد، وإنما الضعيف عند النقاد ضعيف، ولكن إذا قال البخاري عن راو: ضعيف فلا تحل الرواية عنه؛ لأن الضعيف عند البخاري يساوي عند غير البخاري كذاب، ولكن الإمام البخاري كان عفيف اللسان جداً، وعلى أي حال هذه مصطلحات، ولكل ناقد مصطلحاته الخاصة.
стр. 1236
أول من تكلم في القدر
قال: [عن الأوزاعي قال: أول من نطق في القدر رجل من أهل العراق يقال له: سوسن -وربما يكون سيسويه أو سنسويه، وهو اسم فارسي معرب إلى سوسن - وقد كان نصرانياً فأسلم -أي: أثناء فتح العراق- ثم تنصر -أي: ارتد عن دين الإسلام- فأخذ عنه معبد الجهني -وبئس المعبد هو معبد الجهني -، وأخذ غيلان عن معبد]، أي: غيلان الدمشقي.
[وعن يونس بن عبيد قال: أدركت البصرة وما بها قدري إلا سيسويه، ومعبد الجهني، وآخر ملعون في بني عوانة].
وقوله: (وآخر معلون) هذا اللعن إنما جاء على حكم سابق عليه وهو التكفير، وإذا قرأت في كتاب أصول الاعتقاد للإمام اللالكائي في هذا الباب: باب أول من أنشأ بدعة القدر؛ لوجدت لعناً وسباً لـ سنسويه ومعبد الجهني وغيلان الدمشقي وسائر من تكلم في مسألة القدر وغيرها من مسائل الابتداع العظيمة، وقد أنكر علي بعض أهل العلم -ومنهم شيخنا الشيخ مصطفى محمد شيخ حلوان- أني لعنت معبداً في محاضرة من المحاضرات، وقال: لا يجوز لعنه، فأرسلت إليه بكتاب الإبانة لـ ابن بطة وكتاب أصول الاعتقاد للالكائي في نفس الباب، وقد سبه أكثر من عشرة من أهل العلم ولعنوه لعناً صريحاً بقولهم: لعنة الله على معبد، وقولهم: الملعون، وقولهم: معبد لعنه الله، وغير ذلك من ألفاظ اللعن المختلفة التي انصبت من سلف الأمة على هذا الرجل، ولا يلزم من اللعن الكفر، كما أنه لا يلزم من القتل الكفر، وربما يقتل الرجل لبدعة عظيمة ابتدعها طار شررها، وعظم خطرها في الأمة، فيقتل من باب المحافظة على الأمة، ولخطورة البدعة، لا لكونه كافراً.
وخالد بن عبد الله القسري ﵀ لما خطب خطبة عيد الأضحى نزل من على المنبر وقال: ضحوا أيها الناس! تقبل الله منا ومنكم، فإني مضح بـ الجعد بن درهم، فلما سئل خالد القسري عن الجعد بن درهم أكافر هو؟ قال: لا، مع أنه ذبحه ذبحاً كما تذبح الشاة في أصل المنبر والناس وفرة في هذا الوقف في صلاة العيد، وما أنكر عليه أحد؛ لبدعته العظيمة جداً والقصيرة جداً التي انتشرت في الناس، وجل السلف كفروا هؤلاء.
ثم إن سوسن قد ارتد واختار طريق الكفر، وأما معبد الجهني فعامة السلف على تكفيره، وعلى تكفير أئمة الضلال في كل بدعة من البدع، وفي كل فرقة من تلك الفرق.
قال ابن عون: أدركت البصرة وما بها أحد يقول هذا القول -أي: في القدر- إلا رجلان ما لهما ثالث معبد الجهني، وسيسويه، وكان محقوراً ذليلاً].
أي: كان طريداً لا يعبأ به أحد، [وهذه القدرية والمعتزلة كذبوا على الحسن -وهو إمام السنة الإمام الحسن بن أبي الحسن البصري أبي سعيد - ونحلوه ما لم يكن من قوله]، يعني: نسبوا إليه كلاماً ليس من قوله.
قال: [قد قاعدنا الحسن وسمعنا مقالته، ولو علمنا أن أمرهم يصير إلى هذا لو أثبتناهم عند الحسن ﵀، وليكون لأمرهم هذا غب -أي: خطر-، وإني لأظن عامة من أهل البصرة إنما يصرف عنهم النصر لما فيهم من القدرية].
يعني: أن النصر ليس حليف أهل البصرة لما فيهم من القول بالقدر، وهذا يدل على أن صاحب البدعة لا ينصر حتى يدع بدعته، وقد قال النبي ﵊: (إن الله احتجز التوبة عن كل صاحب بدعة حتى يدع بدعته).
стр. 1237
سبب انتشار القدرية
قال: [عن داود بن أبي هند قال: ما فشت القدرية بالبصرة حتى فشا من أسلم من النصارى]، أي: حتى انتشر من أسلم من النصارى، فقالوا بقولهم الذي كانوا يعتقدون في أيام نصرانيتهم.
وهكذا دخول كل غريب على الإسلام وبعيد عنه لا بد أن يحدث فيه أثراً سلبياً، وقد تكلمت من قبل عن خطورة ترجمة كتب فلاسفة اليونان في عصر المأمون في الدولة العباسية، فإنه لما ترجمت هذه الكتب دخل على الأمة من الفلسفة والمنطق والبدع والخرافات ما كانوا عنه في غنىً، وكان المأمون حسن القصد في ذلك، ولكن حسن القصد وحده دائماً لا يكفي.
стр. 1238
الحث على العقيدة الصحيحة وهي عقيدة الفطرة
قال: [عن أنس بن عياض قال: أرسل إلي عبد الله بن هرمز فقال: أدركت وما بالمدينة أحد يتهم بالقدر إلا رجل من جهينة يقال له: معبد، فعليكم بدين العواتق اللاتي لا يعرفن إلا الله ].
وكم من شخص من أئمة الضلال بعدما صال وجال وقرأ الكتب وصنف المصنفات؛ وهو على فراش الموت أيقن أن الحق في خلاف ما قال، فكانت وصيته لأبنائه ولتلاميذه وللأمة من بعده: أن عليكم بدين آبائكم وأمهاتكم.
وحقيقة الواحد منا يشعر أحياناً بأن أمه وجدته اللتين لا حظ لهما من العلم، ولم تجلسا إلى عالم، ولا سمعتا الخطب الرنانة، ولا درستا كتب السنة ولا غيرها؛ أصح اعتقاداً منه، وأعظم توكلاً على الله تعالى منه، فهذا هو أصل الدين المفطور والمركوز في فطر آبائنا وأجدادنا وأمهاتنا.
وقد كان الواحد منهم على فراش الموت يقول: دعوكم من قولي، فإني أبرأ إلى الله من كل قول قلته يخالف قول السلف، وعليكم بدين العجائز، أي: عليكم بدين كبار السن من الآباء والأمهات، وهذا اعتراف منهم بفرط ضلالهم، وأن من لم تتلوث فطرته من عامة الناس أحسن حالاً منهم.
стр. 1239
الضرر الذي أحدثه غيلان الدمشقي في الأمة
قال: [قال مكحول: حسيب غيلان الله -يعني: الله تعالى حسيبه، وهو الذي يحاسبه-؛ لقد ترك هذه الأمة في لجج مثل لجج البحار] أي: في الفتن والاختلافات أعظم من اضطراب أمواج البحر؛ وذلك بقوله في القدر.
[وعن ثابت بن ثوبان قال: سمعت مكحولاً يقول: ويحك يا غيلان! ركبت في هذه الأمة مضمار الحرورية -أي: طريق الحرورية، وهي فرقة ضالة من فرق الخوارج- غير أنك لا تخرج عليهم بالسيف -أي: والحرورية خرجوا على علي بن أبي طالب وعلى من أتى بعده بالسيف، فأنت أعظم خطراً على الأمة من الحرورية، غير أن الحرورية إنما خرجوا بالسيف وأنت لم تخرج بالسيف -والله لأنا على هذا الأمة منك أخوف من المزققين أصحاب الخمر]، أي: الذين يأخذون الخمر في الزق، والزق: وعاء من جلد يشرب فيه الخمر.
стр. 1240
خطورة الغزو الفكري
صنف أكثر من شخص في خطورة الفكر والغزو الفكري، وأن خطره أعظم من خطورة السيف والدبابة والطائرة، ولقد تنبه العدو مؤخراً إلى أن هذه الشعوب المؤمنة المسلمة وقت النزال والحروب العسكرية يجتمعون وتجتمع كلمتهم، وأن أهل الكفر والغرب لا قبل لهم بأبناء الإسلام حين النزال العسكري، فوضعوا أوزار الحرب وتركوا هذا اللون منها، وبحثوا بعد ذلك عن ألوان أخرى أشد فتكاً بأمة الإسلام من البندقية والطائرة والدبابة، وهذا هو الغزو الفكري، مع أن الغزو العسكري سريع التأثير جداً، وهو يقلب الحق باطلاً والباطل حقاً في لحظة واحدة، ولا يحتاج إلى وقت ودراسة، بخلاف الغزو الفكري فإنه يحتاج إلى وقت طويل جداً، والعدو أصبر على مراده من أبناء المسلمين.
فالانقلاب العسكري يقلب الدولة رأساً على عقب في لحظة واحدة، فبعد أن كانت علمانية تصبح مسلمة، وبعد أن كانت مسلمة تصبح علمانية في لحظة واحدة، فالتكتيك العسكري لا يحتاج إلى وقت، وإنما التكتيك الفكري هو الذي يحتاج إلى وقت.
ولو ناقشت رجلاً الآن في أي مسألة شرعية يقول لك: أنا منذ (٦٠) سنة أصلي وأصوم فكيف تأتي وتصحح لي قولاً قد أخذته عن آبائي وأجدادي؟ وهو في الحقيقة لم يأخذه عن آبائه وأجداده، ولكنه شرب السم في العسل، فهو يتصور أنه هنيء وهو رديء، ويتصور أنه حق وهو باطل، ويتصور أنه خير وهو شر، ولكنه تربى على أنه هنيء وخير وحق، فيصعب جداً زحزحته عما يعتقده إلا مع الصبر عليه وطول الوقت، أو فناء هذه الأجيال ونشوء أجيال أخرى تتربى على غير ما تربى عليه الآباء والأمهات.
فالغزو الفكري طويل الأمد، وعظيم التأثير؛ بخلاف الغزو الاقتصادي أو الغزو العسكري أو غير ذلك من الغزو السريع المؤقت.
стр. 1241
إهانة السلف لأهل البدع
قال: [عن عمرو بن دينار قال: بينما طاوس -وهو طاوس بن كيسان اليماني - يطوف بالبيت لقيه معبد الجهني، فقال له طاوس: أنت معبد؟ قال: نعم، قال: فالتفت طاوس إلى تلاميذه وقال: هذا معبد فأهينوه].
وهذه الإهانة أين كانت حول الكعبة، ولا يقال: كيف يهان رجل حول الكعبة مع حرمة الكعبة والمسجد؟ لأن المسجد مع حرمته له رسائل في الإسلام عظيمة وكبيرة جداً ومنها: إقامة الحدود، ومحاربة البدع، والمناظرات، وإرجاع المبطل عن باطله، وغير ذلك.
وعمرو بن عبيد المعتزلي والقدري كان من سادات أهل الضلال والبدع، [قال حماد بن زيد: كنت مع أيوب ويونس وابن عون -وهؤلاء الثلاثة من أئمة السنة- فمر بهم عمرو بن عبيد فسلم عليهم ووقف، فلم يردوا ﵇].
والعامة اليوم تقول: السلام حق الله، وما لنا والمبتدع سواء قدرياً أو غير ذلك.
стр. 1242
شؤم الاعتراض والكلام بغير علم
وفي يوم الإثنين الماضي لما كنت أنبه أن المشاركة في عيد شم النسيم هي مشاركة لأهل الخميس، وقد صنف الإمام الذهبي عليه رحمة الله كتيباً صغيراً قدر الكف لكنه مركز جداً في قضية الولاء والبراء، وسماه: نهي الخسيس عن التشبه بأهل الخميس، نهي الخسيس أي: من المسلمين الذي يتشبه بالنصارى، والأعياد بإجماع المسلمين ليست من الأحكام الشرعية وإنما هي من باب العقائد، وهذا عيد من أعياد النصارى، ولما قلت: لا يجوز لمسلم أن يشارك النصارى في هذا اليوم، وهذا عيد من أعيادهم؛ قام إلي رجلان أحدهما استنكر هذا القول جداً وقال: الأعياد ليست من العبادات، وهو قد تربى في أحضان أمريكا سبعة وعشرين عاماً، حتى تعلموا أن الذي يذهب إلى هناك وإلى دول أوروبا مهما حرص على التزامه لا بد أن يحصل له شيء من التفلت، والإنسان جزء من المجتمع، والإخوة في مصر جزء من المجتمع المصري، وبلايا المجتمع المصري يتلطخ بها الإخوة.
ولذلك من الخطأ العظيم جداً أن تقول لرجل من الناس أو أخ من الإخوة: كيف تفعل هذا؟ وأنت تفعله! وكونك علمت أن هذا الفعل لا ينبغي منه إذاً: فلا ينبغي منك أنت كذلك، ولا ينبغي للمدخن أن يقبل أن يدخن هو ولا يقبلها من أخ ملتح، فالتدخين حرام على الحليق وعلى الملتحي، فلم يقبله الحليق على نفسه ويستنكره على الأخ الملتحي ويقول: هذا شيخ؟! وإذا دخل شيخ السينما فكل الناس ينظرون إليه ويتلفتون شمالاً ويميناً ويقولون: كيف يدخل شيخ سينما؟! يعني: أنهم عارفون أن دخول السينما حرام؟ ويقولون: نعم دخول السينما حرام، فإذا سألتهم فلماذا دخلتم؟ يقولون: هذا شيخ، وقد يأتيه داخل السينما أكثر من مائة يلومونه مع أنهم أولى باللوم، وكل واحد منهم يقول: أنا لست شيخاً، وكأنه يقول: أنا لست مسلماً، ولست مطالباً بالحلال والحرام، بل كل شيء لدي جائز ومباح، فيكون هو الذي حكم على نفسه ولم يحكم عليه أحد.
وقام الثاني إلي وقال: أنا أختلف معك؛ لأن هذا عيد الفراعنة، قلت: ولو سلمنا أنه عيد فرعوني فهل يجوز الاحتفال به؟ وقصده أن الفراعنة هؤلاء قد آمنوا وتركوا الكفر، وأن الفرعنة أيضاً ليست كفراً، يعني: أن فرعون هذا كان مؤمناً، وهناك من يقول: إن فرعون كان مؤمناً، وقد صُنف في ذلك كتاب اسمه: إثبات إيمان فرعون، واستدل بقوله تعالى: ﴿آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرَائِيلَ﴾ [يونس:٩٠].
стр. 1243
الفرق بين الوعد والوعيد في كلام العرب
[قال الأصمعي: كنا عند أبي عمرو بن العلاء فجاء عمرو بن عبيد فقال: يا أبا عمرو! يخلف الله وعده؟ -يعني: هل يمكن أن يخلف الله وعده؟ - قال: لا، قال: أرأيت من وعده الله على عمل عقاباً؟] ولم يقل: أريت من توعده، وهناك فرق بين الوعد والوعيد، فالوعد لا يخلفه الله، وأما الوعيد فتحت مشيئة الله، فإذا توعد الله عبداً على فعل بعقاب فإما أن ينفذ فيه عقابه أو يعفو عنه، ونحن نقول: إن مرتكب الكبيرة يوم القيامة إذا لم يتب ولم يقم عليه الحد؛ أنه في مشيئة الله: إن شاء عذبه وإن شاء غفر له.
فهناك فرق بين الوعد والوعيد، والله لا يخلف الميعاد، أي: لا يخلف الوعد؛ لأن وعده لا يتخلف، وإنما إذا أوعد أو توعد الله عبداً على فعل شر فهو في مشيئته إن شاء أوقعه به، وإن شاء عفا وأصلح .
فهنا عمرو بن عبيد يقول لـ أبي عمر بن العلاء: هل يمكن أن يخلف الله وعده؟ قال: مستحيل؛ لأن الله قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ [آل عمران:٩].
قال له: [أرأيت لو أن الله وعد على عمل عقاباً، وهذا الكلام لا يجوز والأصل أن يقول: أرأيت لو أن الله توعد، فأتي عمرو بن عبيد من الخلط واللبس لديه بين الوعد والوعيد، ولذلك قال له: أرأيت من وعده الله على عمل عقاباً أليس هو منجزه له؟ فقال له أبو عمر: يا أبا عثمان من العجمة أتيت -أي: هذا ليس من كلام العرب، وهذا في اللغة لا يستقيم- لا يعد عاراً ولا خلفاً أن تعد شراً ثم لا تفي به، بل تعده فضلاً وكرماً، إنما العار أن تعد خيراً ثم لا تفي به].
يريد أن يقول له: إنه جاء في كلام العرب أن الواحد إذا وعد خيراً وفى به، ولو تخلف عن الوفاء بالخير والفضل والكرم لكان هذا عاراً في حق الآدمي، فما بالك بالله ؟! ولله المثل الأعلى، ومن وعد من الخلق شراً فعفا عنه عد ذلك من الكرم، ولا يقال: إنه أخلف الوعد، وهذا كما تقول لابنك: لو لم تذاكر لأضربنك، فلو لم يذاكر ولم تضربه فلن يقول لك: يا من وعدتني وأخلفت! يا من لست قادراً على تنفيذ قولك! بل يعد هذا من كرم أبيه وسماحته، ثم هو بعد ذلك يحاول أن يجتهد في أن يفي بما يرضي والده.
[فقال عمرو بن عبيد لـ أبي عمر بن العلاء: أهذا في كلام العرب؟ -يعني: الفرق بين الوعد والوعيد، وأن الوعد لا يتخلف والوعيد يتخلف موجود في لغة العرب؟ - قال: نعم، قال: أين هو؟ قال قول الشاعر: وإني وإن أوعدته أو وعدته لمخلف إيعادي ومنجز موعدي] فقوله: (وإني وإن أوعدته) أي: توعدته، (أو وعدته) أي: في الخير والفضل، (لمخلف إيعادي) يعني: سوف أتوعده وأخلف هذا الوعيد، (ومنجز موعدي) أي: منفذ وعدي؛ فهذا الفرق بين الوعد والوعيد موجود في كلام العرب، فالوعيد يتخلف أحياناً حسب المشيئة، وأما الوعد فلا يتخلف، وهذا فضل من الله وكرم.
стр. 1244
لا أسوة في الشر
كان الحسن البصري مبتلى بأهل البدع، فقد كان بصرياً، وأرض العراق أرض الفتن والبلايا خاصة البصرة والكوفة، والفتن فيها تموج موج البحر في كل زمان وفي كل عصر إلى اليوم.
أحدهم كان مشهوراً، واسمه على الكتب له وزنه، وقد بلغنا أنه لا يصلي، فجاء إلى الأردن سنة (١٩٨٥م)، والتقيت معه في مكة عند الشيخ سامي الأرناؤوطي حفظه الله، فقلت: يا فلان! بلغني عنك شيء قد غم كل من سمعه، قال: ادع لي ربنا يوفقني، قلت: وهل هذا الكلام صحيح؟ أنا أقول لك هذا الكلام لكي تكذب الخبر، فضحك، فقلت له: تضحك وأنت عالم وتارك للصلاة كيف ذلك؟! قال: أنا أحببت أن أتأكد أنها الصلاة، فقد يكون الأمر شيئاً آخر غير الصلاة.
فقال: يا شيخ! ادع لي، وكل إنسان مبتلى، وقد كان من السلف فلان وفلان وفلان لا يصلون، قلت له: لا أسوة في الشر، وقد ورد في ميزان الاعتدال في أسماء الرجال للإمام الذهبي ترجمة أحد الأعلام الكبار، وله مصنف في أصول الفقه في أربع مجلدات، فقال: ويغلب على الظن أنه كان تاركاً للصلاة، حتى كان ذلك محل نظر الطلاب، فاختلفوا فيه، فقال بعضهم: إنه يصلي وقال البعض الآخر: لا يصلي، فقالوا: إذا نام لطخنا قدمه بالحبر الأسود فننظر هل يذهبه ماء الوضوء أم لا؛ حتى نتيقن من دون أن نسأله؟ فبقي الحبر في قدمه يومين لم يذهب، وهذا بلاء عظيم جداً، ولكن لا أسوة في الشر وإن أجمع الناس جميعاً على ترك الصلاة والصيام والزكاة والحج، فلا يحل لمسلم قط أن يترك ذلك ويقول: فلان ترك كذا وفلان ترك كذا، وأنا كذلك أترك هذا، فهذا لا يجوز، وأنا في الحقيقة متأسف أني ذكرت ذلك.
وعمرو بن عبيد كان من رءوس البدع بعد واصل بن عطاء، ودائماً أهل البدع يجلسون مع بعضهم البعض حتى في الدرس، فالطيور على أشكالها تقع، في حين أن الأخ الذي يأتي إلى الدرس فقط يجلس يستمع إلى الدرس ولا يهمه من هو جالس عن يمينه وعن شماله، ومن ورائه ومن أمامه.
وكان في مجلس الشافعي جماعة من أهل اللغة العربية، وهؤلاء ما كانوا يأتون لكي يسمعوا العقيدة ولا السنة ولا الأحكام ولا الحلال والحرام، وإنما كانوا يأتون لكي يستمتعوا بجمال وروعة لسان الشافعي، فقد كان الشافعي في اللغة حجة، وهذا قول أشهر من أن يذكر، فكانوا يجلسون في آخر المسجد وفي آخر الخيمة لكي يستمتعوا بكلام الشافعي، ولكي يرووا الأدبيات والفصاحة والبلاغة واللغة والكلمات التي تخفى عليهم في اللغة العربية، وهؤلاء جاءوا لغرض معين، وأما الحلال والحرام فليس طريقهم، وهؤلاء مثل شخص يقول: كلما تتكلم في الإسناد أنام، وإذا تكلمت في المتن أستيقظ، أو مثل من يقول: أنا آتي بسبب كلمة واحدة وهي حلال أو حرام، ولما تتكلم في المسألة أبقى حريصاً على سماع الكلمة النهائية حلال أو حرام، ولذلك استوقفك إذا تعديتها وأقول لك: يا شيخ! هذه المسألة حلال أم حرام؟ وهو أمي لا يقرأ ولا يكتب، وهو صاحب حق فيما يطلب، فهو يقول: أنا أريد أن أعرف هل هذه المسألة حلال أم حرام، ثم تسأله عنها بعد عشرين سنة فيقول لك: أنت قلت في مسجد الرحمة في شارع الهرم سنة كذا: إنها حرام.
стр. 1245
رأي واصل بن عطاء في مرتكب الكبيرة
جاء الحسن البصري شخص يسأله: يا أبا سعيد! ما تقول في مرتكب الكبيرة، وتصور لو أن شخصاً يسألني الآن سؤالاً وقام كل أحد من الجالسين يجيب، فهذا ليس من أدب العلم، ولا من أدب المجلس مهما كان ضعفي؛ لأن السؤال موجه لي وأنا صاحب المجلس.
إذاً: أنا الذي أجيب أو أطلب الجواب من الحاضرين، فقام واصل بن عطاء وقال: لا هو مؤمن ولا هو كافر، بل هو في منزلة بين المنزلتين، ثم أشار إلى جماعته فقاموا وذهبوا إلى آخر المجلس، فقال الحسن ﵀: اعتزلنا واصل، فسميت هذه الفرقة بالمعتزلة إلى يوم القيامة، وهي من أعظم فرق الضلال في الأمة، وكان منشؤها في أوائل القرن الثاني الهجري على يد واصل، فهو أول من اعتزل، وأول من تكلم في مرتكب الكبيرة بكلام يخالف فيه كلام أهل السنة والجماعة.
стр. 1246
حال عمرو بن عبيد المعتزلي
[وغضب الحسن مرة على عمرو بن عبيد فعوتب فيه فقال: تعاتبوني في رجل رأيته -والله الذي لا إله إلا هو- في النوم يسجد للشمس من دون الله !] أي: أنه وثني.
[وعن ثابت البناني قال: رأيت عمرو بن عبيد فيما يرى النائم وهو يحك آية من المصحف].
والرؤى مبشرات أو منفرات، وهي لا يؤخذ منها عقائد، ونحن لا نحكم على عمرو بن عبيد من واقع رؤية رآها الحسن ولا أيوب ولا يونس ولا أحد من هؤلاء، لكن هذه منزلة هذا الرجل عند هؤلاء أهل الإيمان والشفافية المطلقة في الإيمان، وهم قد رأوه في النوم وصحت الأسانيد بذلك.
[قال مطر الوراق: لقيني عمرو بن عبيد فقال: إني وإياك لعلى أمر واحد -يعني: عمرو بن عبيد أراد أن يخدع مطراً - فقال له مطر: لا والله كذب عمرو، وإنما عنى: على الأرض]، أي: على كوكب الأرض، وهذا من المعاريض التي يستخدمها أهل العلم.
وجاء رجل أيضاً إلى الحسن البصري وقال له: يا إمام! لقد داينت فلاناً بدين وأنا أريده وهو يمنعني، فجاء الرجل إلى الحسن فقال الحسن: أعطه ماله، قال: سأدفعه له اليوم أو غداً.
فتبسم أبو سعيد فقيل له: ماذا فهمت؟ قال: فهمت أنه يقصد أنه سوف يدفعه له في الدنيا أو في الآخرة، فالمقصود باليوم الدنيا، وغداً الآخرة، فهؤلاء أئمة لا يمكن لأحد أن يضحك عليهم؛ لأن الله نور بصيرتهم.
وأول من تكلم في القدر هو سوسن الذي كان نصرانياً فأسلم ثم تنصر، ثم أخذ عنه معبد الجهني، وهو رجل من أهل البصرة، ثم أخذه رجل من دمشق يسمى غيلان الدمشقي، وهؤلاء هم أئمة هذه البدعة في القدر، وأما واصل بن عطاء وعمرو بن عبيد فإنهما إماما الاعتزال، وعمرو بن عبيد له كلام كذلك في القدر.
стр. 1247
ما أمر الناس به من ترك البحث والتنقير عن القدر والجدال والخوض فيه
قال: [الباب الثالث: ما أمر الناس به من ترك البحث والتنقير في مسائل القدر، والخوض والجدال فيه.
عن أبي ذر قال: (خرج رسول الله ﷺ على أصحابه وهم يتذاكرون شيئاً من القدر، فخرج مغضباً كأنما فقئ في وجهه حب الرمان، فقال: أبهذا أمرتم؟! أوما نهيتم عن هذا؟ إنما هلكت الأمم قبلكم في هذا، إذا ذكر القدر فأمسكوا، وإذا ذكر أصحابي فأمسكوا، وإذا ذكرت النجوم فأمسكوا)].
فهذه الثلاثة لا يحل لأحد أن يخوض فيها، والنجوم ليس لنا منها إلا معرفة الأوقات والشهور وحساب الزمان ومعرفة الطرق وغير ذلك، وأما استخدامها في السحر والعرافة والشعوذة فهذا شرك بالله .
وأما الصحابة ﵃ فنذكرهم بكل خير، ونتجاوز عن كل ما كان دون ذلك بينهم، فهم أولاً وآخراً بشر يجري عليهم ما يجري على البشر، وهم أفضل البشر على الإطلاق بعد الأنبياء والمرسلين، ومذهب أهل السنة عامة الإمساك عما شجر بين الصحابة، وعدم ذكر ذلك إلا لعالم يريد أن يذكر معتقد أهل السنة والجماعة في مثل هذا، ونعتقد أنه إذا كان قد بدر منهم شيء يشين في الظاهر فلهم من الفضل والعلم والعبادة والجهاد وغير ذلك أمثال الجبال مما يكفر ما قد ورد مما كان بينهم رضي الله تعالى عنهم أجمعين.
[وعن أبي هريرة قال: (خرج علينا رسول الله ﷺ ونحن نتنازع في القدر، فغضب حتى أحمر وجهه حتى كأنما فقئ في وجنتيه حب الرمان، ثم أقبل علينا فقال: أبهذا أمرتم؟! أم بهذا أرسلت إليكم؟! -وهذا سؤال استنكاري- إنما هلك من كان قبلكم حين تنازعوا في هذا الأمر -أي: في القدر- عزمت عليكم -أي: أوجبت عليكم- ألا تنازعوا فيه).
وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده - عمرو بن العاص - أن رسول الله ﷺ خرج على أصحابه وهم يتنازعون في القدر؛ هذا ينزع آية وذاك ينزع آية -يعني: هذا يأتي بآية يثبت فيها القدر، وذاك يأتي بآية ينفي فيها القدر- فقال النبي ﵊: (أبهذا أمرتم؟! أبهذا وكلتم؟! تضربون كتاب الله بعضه ببعض، انظروا ما أمرتم به فاتبعوه، وما نهيتم عنه فاجتنبوه)].
стр. 1248
ما جاء عن السلف في النهي عن الكلام في القدر
[وقال ابن أبزى: بلغ عمر أن ناساً تكلموا في القدر، فقام خطيباً وقال: يا أيها الناس! إنما هلك من كان قبلكم في القدر، والذي نفسي بيده لا أسمع برجلين تكلما فيه إلا ضربت أعناقهما -وكان عمر يأتي للأمر من جذوره، ﵁ فأمسك الناس حتى نبغت نابغة في الشام].
وهو غيلان.
[وعن سعيد بن جبير قال: جاء رجل إلى عبد الله بن عباس فقال: يا أبا عباس أوصني، فقال: أوصيك بتقوى الله وإياك وذكر أصحاب النبي].
فإذا ذكرت الخلاف بين معاوية ﵁ وعلي ﵁، وإذا كنت تعتقد هذا الشيء فينبغي أن تذكر جبال الطاعات والحسنات التي كانت لـ معاوية ولـ علي؛ [فإنك لا تدري ما سبق لهما من الفضل، وإياك وعمل النجوم إلا ما يهتدى به في بر أو بحر؛ فإنها تدعوا إلى كهانة]، يعني: أنها تؤدي بك إلى العرافة والكهانة والسحر، [وإياك ومجالسة الذين يكذبون بالقدر، ومن أحب أن تستجاب دعوته، وأن يزكى عمله ويقبل منه؛ فليصدق حديثه، وليؤد أمانته، وليسلم صدره للمسلمين].
[وعن أبي الخليل قال: كنا نتحدث عن القدر فوقف علينا ابن عباس فقال: إنكم قد أفضتم في أمر لم تدركوا غوره]، يعني: أن الذي يدخل ويتكلم في القدر فقل أن يرجع سالماً.
[وقال مسلم بن يسار في الكلام عن القدر: هما واديان عريضان -أي: القضاء والقدر- عميقان، يسلك الناس فيهما، لم يدرك غورهما -يعني: مهما سلكوا فيهما فلن يصلوا- فاعمل عمل رجل يعلم أنه لن ينجيه إلا عمله، وتوكل توكل رجل يعلم أنه لن يصيبه إلا ما كتب الله له].
وهذا كلام جميل ومريح.
[وقال زياد بن عمر القرشي عن أبيه: كنت جالساً عند ابن عمر فسئل عن القدر، فقال: شيء أراد الله ألا يطلعكم عليه -أي: هو شيء ستره الله عنكم، وهو سر الله في الخلق- فلا تريدوا من الله ما أبى عليكم] أو ما أخفى عنكم.
[وعن عبدة بن أبي لبابة قال: علم الله ما هو خالق، وما الخلق عاملون، -أي: أن الله تعالى علم قبل أن يخلق الخلق أنه سيخلق الخلق، وأنهم سيعملون الخير والشر- ثم كتبه -أي: كتب ذلك في اللوح المحفوظ- ثم قال لنبيه ﷺ : ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [الحج:٧٠]].
قال الشيخ ابن بطة ﵀: [فجميع ما قد رويناه في هذا الباب يلزم العقلاء الإيمان بالقدر -أي: أن الإيمان بالقدر واجب-، والرضا والتسليم لقضاء الله وقدره]، أي الرضا بقضاء الله وقدره الشرعي، وأما الكوني: فنحن نبغض ما يبغضه الله، ونحب ما يحبه الله.
قال: [وترك البحث والتنقير، وإسقاط لم وكيف وليت ولولا]، يعني: لا تقل: لماذا ربنا خلق هذا ولم يخلق هذا؟ ولم أثاب الله فلاناً؟ ولم قتل فلاناً؟ ولم أحيا فلاناً؟ فهذا لا يمكن أن يكون خطاباً مع الله ، فإن هذه كلها اعتراضات من العبد على ربه، ومن الجاهل على العالم معارضة، ومن المخلوق الضعيف الذليل على الخالق القوي العزيز، والرضا والتسليم طريق الهدى -أي: أن ترضى بما قضاه الله وقدره، وأن تسلم لله في أمره ونهيه، هذا طريق الهدى- وسبيل أهل التقوى، ومذهب من شرح الله صدره للإسلام، فهو على نور من ربه، فهو يؤمن بالقدر كله خيره وشره، وأنه واقع بمقدور الله، جرى بذلك العلم والقلم، ومن يعلم أن الله يضل من يشاء؛ ويهدي من يشاء فقد سلك سبيل الرشاد، ﴿لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء:٢٣]، وسأزيد من بيان الحجة عن الرسول ﷺ ، وصحابته، وعن التابعين وفقهاء المسلمين في ترك مجالسة القدرية، ومواضعتهم القول ومناظرتهم والإعراض عنهم، وقد تكلمنا في هذا من قبل].
يعني: قد تكلمنا ونقلنا نقولات عظيمة جداً عن السلف في عدم مناكحة القدرية، ومجالستهم ومناظرتهم، وعدم الصلاة خلفهم، وعدم عيادة مرضاهم، وعدم تشييع جنائزهم، ومقاطعتهم مقاطعة تامة؛ لما قاله النبي ﵊: (القدرية مجوس هذه الأمة).
стр. 1249
يشترط في المناظر لبيان الحق إجادة فن المناظرة
[عن الليث بن سعد المصري عن عبد الله بن عمر العمري قال: كنا نجالس يحيى بن سعيد -وهو الأنصاري - فينشر علينا مثل اللؤلؤ]، يعني: يحدثنا بحديث كاللؤلؤ، وهذا ثناء على يحيى بن سعيد عالم المدينة في العلم.
ولما ذهب الأعمش إلى المدينة -وكان في الكوفة- اجتمع الناس عليه، فقال أهل المدينة: من هذا؟ قالوا: هذا سليمان بن مهران الأعمش الكوفي، فقالوا: من هو؟ فقالوا: هذا عالم الكوفة، فقالوا: إذاً: نسمع من حديثه، فجلس الأعمش للتحديث فانبهر علماء المدينة بما عنده من العلم، وقالوا: هذا علم الكوفة؟ أي: هل أحد في الكوفة عنده هذا العلم؟ قال: [فإذا اطلع ربيعة -وهو ابن أبي عبد الرحمن صاحب الرأي- قطع يحيى الحديث؛ إعظاماً لـ ربيعة] وقد كان السلف لا يتحدثون في مجلس أو في قرية وهم يعلمون أن في القرية من هو أعلم منهم.
قال: [فبينما نحن يوماً عنده وهو يحدثنا فقال: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ [الحجر:٢١] قال له جميل بن بنانة العراقي وهو جالس معنا: يا أبا محمد! -يعني: يكلم يحيى بن سعيد - أرأيت السحر من تلك الخزائن؟ قال يحيى: سبحان الله! ما هذا من مسائل المسلمين -يعني: ما ينبغي للمسلم أن يسأل هذا السؤال- فقال عبد الله بن أبي حبيبة: إن أبا محمد ليس بصاحب خصومة، ولكن علي فأقبل].
يعني: أن يحيى بن سعيد رجل عالم، وليس من أصحاب الكلام الذي تذكرون؛ فتعال إلي، ودع أبا محمد يحيى بن سعيد الأنصاري، وهذا يدل على أن الرجل ربما يكون عالماً لكنه لا يجيد المناظرة مع أهل البدع، فقد يخدعه أهل البدع، فلا يستحضر ما عنده من علم، ولو استحضر لا يعرف يرتبه، فلا بد للمناظر أن يكون عالماً، والمناظرة فن.
وقد تمكن من هذا الفن في هذا الزمان الشيخ الألباني ﵀، وأكثر من يعجبني بعد الشيخ الألباني في المناظرة الشيخ محمد بن عبد المقصود، فإنه كالسبع يلتهم من أمامه، ولا يجادله إلا خاسر، وقد تجد الواحد يتكلم عن الشيخ محمد بن عبد المقصود بكلام غير مقبول؛ فإذا أتى أمامه طأطأ رأسه، وقد كان بالأمس يتكلم وهو رافع صوته، ولا يوجد أحد يرد عليه، فتراه يجلس على الكرسي أو تحت الكرسي ولا يريد أحداً أن يراه، ولا يتكلم بشيء أبداً، والشيخ جالس ينتظر أن يتكلم أي كلمة، ولكنه لا يريد أن يتكلم، ويقول: سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت.
قال: [إن أبا محمد! ليس بصاحب خصومة ولكن علي فأقبل، أما أنا فأقول: إن السحر لا يضر إلا بإذن الله، هذا الذي عندي، أفتقول أنت غير ذلك؟ فسكت فكأنما سقط عن جبل.
وقال رجل من الشيعة: قلنا لـ جعفر بن محمد ﵀: إن المعتزلة تنافرنا نفاراً شديداً -يعني: يناظرونا ويجادلونا حتى لا نقدر أن نتكلم معهم- فقل لنا شيئاً حتى نقاتلهم به -يعني: نغلبهم- فقال: اكتبوا: إن الله لا يطاع قهراً، ولا يعصى قسراً].
يعني: أن ربنا لا يقهر الطائع على طاعته، كما أنه لا يمكن أن يعصى بغير إرادته، ولكنها إرادة كونية قدرية، فإذا أراد الطاعة كانت، وإذا أراد المعصية كانت، فإذا عذب فبحق، وإن عفا فبفضل.
[قال أبو عمر: وسمعت أبا العباس ثعلباً يقول: قول الله : ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦] خصوص وليس عموماً، ولو كان عموماً لما كفر به أحد.
[وقال عمر بن محمد العمري: جاء رجل إلى سالم بن عبد الله فقال: رجل زنا، فقال سالم: يستغفر الله ويتوب إليه، فقال له الرجل: الله قدره عليه، فقال سالم: نعم.
ثم أخذ قبضة من الحصى فضرب بها وجه الرجل، وقال: قم] أي: يا مبتدع!
стр. 1250
كل شيء بقدر
قال: [وقال أبو هريرة: أتيت النبي ﷺ : (فقلت: إني رجل شاب وأنا أخاف على نفسي العنت، ولا أجد ما أتزوج به النساء، فائذن لي يا رسول الله! أن أختصي، قال: فسكت عني، فأعدت عليه فسكت عني أربع مرات، ثم قال: يا أبا هريرة! قد جف القلم بما أنت لاق، فاختص على ذلك أو ذر)].
أي: اختصي أو اترك الخصاء فما تفعله يا أبا هريرة! مكتوب في اللوح المحفوظ قبل أن يخلق الله السموات والأرض.
[وعن عبد الله بن مسعود قال: (قالت أم حبيبة زوج النبي ﷺ : اللهم متعني بزوجي رسول الله، وبأبي أبي سفيان، وبأخي معاوية، فقال النبي ﵊: قد سألت الله لآجال مضروبة، وأيام معدودة، وأرزاق مقسومة، فلن يعجل شيء قبل أجله، لو كنت سألت الله أن يعيذك من عذاب في النار، وعذاب في القبر؛ كان خيراً وأفضل)].
[عن الأصمعي قال: مر أعرابي -وكان فصيحاً فاضلاً، وكان من أهل الخير- بقوم من أهل القدر يختصمون ويتناظرون، فقيل له: ألا تنزل فتجري معهم؟ -يعني: ألا تنزل تتكلم معهم في مسألة القدر، وتنظر في أي فريق فيهم تجلس؟ - فقال: هذا أمر قد اشتجرت فيه الظنون، وتقاول فيه المختلفون، والواجب علينا أن نرد ما أشكل من حكمه إلى ما سبق من علمه].
هذا القول هو ختام مسألة القدر، وبذلك يكون قد تم كتاب القدر، ويليه الكتاب الثالث وهو: الكلام عن الجهمية.
وإن شاء الله تعالى إذا فرغنا من كتاب الإبانة نبدأ في كتاب آخر من كتب السنة، وهو موسوعة في السنة، جمع كل كتب السنة المصنفة والمخطوطة بفضل الله ، ويبلغ خمسة عشرة مجلداً، وهو من تصنيف محدثكم العبد الفقير إلى الله تعالى.
стр. 1251
الأسئلة
стр. 1252
حال الدكتور مصطفى محمود
السؤال
هل الدكتور مصطفى محمود من المعتزلة؟
الجواب
هو من المعتزلة تارة، ومن القدرية تارة، ومن الشيعة تارة، ومن الصوفية تارة، وكلما أعجبته فكرة أو مسألة في أي فرقة من فرق الضلال قال بها، إلا فرقة واحدة لا علاقة له بها وهي: فرقة أهل السنة والجماعة، وهذا يذكرني بقول ابن حبان في نوح بن أبي مريم، ونوح بن أبي مريم كان كذاباً، فقد أخذ القرآن الكريم وألف حديثاً ونسبه للنبي ﵊ وذكر فيه فضلاً لكل سورة من سور القرآن، فلما سئل عنه أبو حاتم قال: نوح الجامع جمع كل شيء إلا الخير، أي: أنه جمع الشر كله ولم يجمع من الخير شيئاً، وقوله هذا أولى به الدكتور مصطفى محمود.
стр. 1253
نصاب الذهب، وعياره المعتبر في النصاب
السؤال
هل نصاب الزكاة يكون إذا زاد عن خمسة وسبعين جرام ذهب؟ وهل عيار الذهب المعتبر في القياس هو واحد وعشرين أو أربعة وعشرين؟
الجواب
عيار الذهب المعتبر هو أربعة وعشرين؛ لأن هذا هو الذهب الخالص، والزكاة لا تجب إلا في الذهب الخالص إذا بلغ خمسة وثمانين جراماً؛ لأن الذهب -كما في الحديث- لا تجب فيه الزكاة إلا إذا بلغ عشرين مثقالاً، والمثقال الواحد أربعة جرامات وربع، وأربعة وربع في عشرين تصير خمسة وثمانين، فإذا كانت المرأة عندها مثلاً ذهب عيار سبعة عشر أو عيار واحد وعشرين فعليها أن تحسب العيار في مجموع ما عندها من جرامات على أربعة وعشرين، فيكون الناتج للجرام أربعة وعشرين، فتضيفه إلى ما عندها من أربعة وعشرين، فإذا بلغ مجموع ما عندها خمسة وثمانين جرام ذهب أو ما فوق فيجب فيه ربع العشر: اثنان ونصف في المائة.
стр. 1254
المصنفات في القدر
السؤال
هل كتاب الإبانة هو أصل ما صنف في باب القدر أم هناك مصنفات أخرى أفضل؟
الجواب
لا شك أنه أكثر استيعاباً، وهناك كتاب السنة للخلال، وكتاب السنة للإمام عبد الله بن أحمد بن حنبل، ولكن بتفاوت بينها في ذكر النصوص.
стр. 1255
معنى السنة الحسنة الواردة في حديث: (من سن في الإسلام سنة حسنة)
السؤال
قرأت حديثاً للنبي ﷺ معناه: (أن من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها، وأجر من عمل بها) إلى آخر الحديث، فما معناه؟
الجواب
هو حديث صحيح، والقرآن لا يفهم إلا بأسباب النزول، وكذلك السنة لا تفهم إلا بأسباب الورود، ولو نظرنا في المناسبة التي قيل فيها هذا الحديث لوجدنا أن القصة التي قيل فيها هي: أن قوماً أتوا إلى النبي ﷺ مجتابي النمار تعلوهم مناظر الجوع والكآبة والفقر، فلما رآهم النبي ﵊ غضب لذلك وحزن واغتم، فلمح ذلك في وجهه رجل من أصحابه، فقام إلى بيته فأتى بما عنده من طعام وغذاء، فلما رأى الصحابة ذلك تنبهوا وقام كل منهم إلى بيته، فأتى أحدهم بما عنده من طعام، وبما عنده من غذاء، وبما عنده من شراب ووضعوه في نطع -أي: قطعة من الجلد المفروشة- حتى أصبح كومة عظيمة، فحملوها حتى كادت أيديهم أن تكل، بل قد كلت، أي: عجزت عن حمل هذا المتاع الذي جمع من هنا وهناك، فحينئذ تهلل وجه النبي ﷺ وقال: (من سن في الإسلام سنة حسنة)، والذي سنها هو الأول الذي ذهب إلى بيته وفطن لمراد النبي ﵊.
وهذه السنة كانت مشروعة في الإسلام، فأصل الصدقة قد حث عليها القرآن وحثت عليها السنة، فقد قال النبي ﷺ : (من سن في الإسلام سنة حسنة كان له أجرها، وأجر من عمل بها من غير أن ينقص من أجورهم شيئاً)، وبالمقابل من سن في الإسلام سنة سيئة أو أحيا بدعة أميتت فعليه وزرها ووزر من عمل بها.
ويروى عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه لما جمع الناس على صلاة الليل والقيام والتهجد في رمضان على أبي بن كعب؛ نظر إليهم وقال: نعمت البدعة.
وقيام رمضان جماعة في المسجد سنة، وقد كان النبي ﵊ هو المشرع لها أصلاً، بدليل ما صح عنه أنه صلى أول يوم في بيته فصلى بصلاته الناس في المسجد، وفي اليوم الثاني ازداد الناس وكثروا حتى امتلأ المسجد، وفي اليوم الثالث لم يخرج النبي ﷺ إليهم؛ لأنه قد خرج في اليوم الثاني، وخرج في صلاة الفجر، وقال: (لقد علمت ما كان منكم)، أي: ولكني لم أخرج متعمداً؛ مخافة أن تفرض عليهم.
فالأصل فيها أنها سنة مؤكدة مستحبة، فالنبي ﵊ فعلها، وإن فعلها مرة فقد ثبت بذلك سنيتها واستحبابها، وكم من أمر مندوب فعله النبي ﷺ مرة لبيان استحبابه أو لبيان الجواز، وأبو بكر الصديق ﵁ لما كلم في هذا قال: والله ما كنت لأفعل شيئاً تركه النبي ﷺ ، وكان يصلي في بيته؛ لأن النبي ﷺ صلى في المسجد وخرج، وكان آخر الأمرين منه الترك فتركه أبو بكر.
وعمر اجتهد في هذه المسألة وخالف أبا بكر، فجمع الناس على صلاة القيام في المسجد، وقال: نعمت البدعة هي، وعلى فرض صحة هذا اللفظ عن عمر ﵁ فإنه لم يبتدع في دين الله شيئاً محدثاً جديداً، وإنما رجعت الأمة إلى الأمر الأول الذي شرعه النبي ﷺ أولاً.
فحينئذ لا يقال: إن عمر ابتدع في الدين، وإنما هو سن فيه سنة حسنة، ومعنى سنة حسنة أي: أن أصلها بإقرار الشرع، والبدع المذمومة هي التي أحدثت في الدين على غير مثال سابق، وليس لها دليل في الكتاب والسنة، ومع ذلك يراد بها التقرب إلى الله .
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم، وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.
стр. 1256
شرح كتاب الإبانة - كتاب الرد على الجهمية باب التعريف بالجهم والجهمية
الجهمية هي فرقة سميت بهذا الاسم نسبة إلى مؤسسها الجهم بن صفوان، وهي على رأس الفرق الضالة الهالكة؛ لأنها خالفت أهل الإسلام في أصول معتقدهم، وأصل هذه البدعة يعود إلى اليهود، وهذا شأن أكثر البدع أنها تعود إلى أمم الكفر من اليهود والنصارى والمجوس؛ الذين لم يستطيعوا مواجهة الإسلام بالسيف، فبثوا فيه الأفكار الضالة، والمعتقدات المنحرفة لإفساده.
стр. 1257
التعريف بالجهم والجهمية
إن الحمد لله تعالى، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.
أما بعد: فهذا هو الجزء الثالث من كتاب الإبانة، وكان الأول بعنوان: الإيمان، والثاني بعنوان: الرد على القدرية، والثالث بعنوان: الرد على الجهمية، ويحسن بنا قبل الدخول في هذا القسم أن نميز الجهمية عن أهل السنة والجماعة؛ لأن الجهمية على أغلب أقوال أهل العلم إنما هم فرقة من الفرق الضالة الهالكة التي قال فيها النبي ﵊: (افترقت اليهود إلى إحدى وسبعين فرقة، وافترقت النصارى إلى اثنتين وسبعين فرقة، وستفترق هذه الأمة إلى ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة)، فالجهمية على رأس هذه الفرق الهالكة الضالة؛ لأنها خالفت أهل السنة والجماعة في أصول معتقدهم، وكل شر لابد له من منشئ، ولابد له من مؤثر، ولابد له من رجل قال بقول عليك يخالف اعتقاد أهل السنة والجماعة، فكما أن المعتزلة لهم إمام في الاعتزال، والخوارج لهم إمامهم في مذهبهم، والشيعة لهم إمامهم، وغير ذلك من سائر الفرق، فكذلك الجهمية لهم إمام ينتسبون إليه وهو صاحب أصل هذا الضلال، وما من ساقطة في الأرض إلا ولها لاقطة كما قلنا من قبل مراراً، فما من أحد يقول قولاً إلا وله في الخلق أتباع مهما كان قوله.
والذي قرأ منكم أخبار يوم السبت في جريدة (أخبار اليوم) يعلم أن هناك رجلاً قد ادعى الألوهية وله أتباع كثر، وقد تسلح وتحدى العالم أجمع أن يقاتل ويفعل الأفاعيل؛ لأجل فرض إلهيته في الأرض، وهناك شخص قال: أنا نبي! فهذا الجهم إنما خرج على حين غفلة، فقد انتهز اضطراباً واختلافاً فخرج بأقواله، وغالباً إن لم يكن هذا أصل في أهل البدع أنهم لا ينشرون كلامهم علناً، وإنما يسلكون مسلك الدعوة الفردية، فيجلس معك على انفراد، ومع الآخر على انفراد، حتى إذا استقر له الأمر واستتب بدأ يعلن هذا هنا وهناك، ويبحث دائماً عن الشبهات ثم يلقيها على الناس الذين ليس عندهم جواب، ولذا فما من شبهة تلقى على قلبك ليس لها جواب إلا ولابد أن يتعلق شيء منها بقلبك، فيحسن بنا قبل الدخول في الرد على الجهمية أن نتعرف على الجهم الذي تنسب إليه هذه الفرقة، وعلى سيرته وتاريخه الطويل، وكيف خرج بهذه البدعة؟ وما هي أصول أفكاره التي خالف بها أهل السنة والجماعة؟ ثم ما هي فرقة الجهمية؟ وما هو كلامها؟ وما هي مخالفتها لأهل السنة والجماعة؟
стр. 1258
اسم وكنية الجهم بن صفوان
الجهمية تنسب إلى رجل يسمى: الجهم بن صفوان، وهو الذي أظهر هذا المذهب، ودعا إليه، وجادل من أجله، وتوسع في مسائله، حتى قال الإمام أحمد: إنه وضع دين الجهمية، وهذا يدل على أن أحمد عنده أن الجهمية لهم دين يختلف عن دين المسلمين، وإن كان هناك من الآراء التي دعا إليها الجهم قد سبق إليها، لكنه هو الذي أظهرها وتبناها وجمع لها الشبهات وغير ذلك، وقبل الحديث عن آرائهم نتعرف على مؤسس الجهمية.
اتفق كل من ترجم للجهم أن اسمه: الجهم بن صفوان، وكنيته: أبو محرز، ويقال له: الراسبي، فقد كان مولاً لبني راسب من الأزد.
стр. 1259
نسبة الجهم ولقبه
وكان الجهم من أهل خراسان، ودائماً يأتي البلاء من جهة العراق وخراسان ومرو وترمذ ونسا وإيران وغيرها، فهذه البقاع كلها بقاع شر وفساد، والتاريخ كله يقول: ما قامت بدعة إلا من العراق وإيران مروراً بهذه البلاد الفرعية، والقرى والنجوع كلها، فهي أرض قد امتلأت بالفتن قديماً وحديثاً، فكان الجهم من أهل خراسان، وينسب تارة إلى مدينة سمرقند، وتارة إلى مدينة ترمذ، فيقال له: السمرقندي أو الترمذي، ويقال له: الخراساني نسبة إلى الإقليم الكبير خراسان، وهذا لا يعني أن هذا الإقليم كله إقليم شر؛ فقد أخرج أئمة أفذاذاًَ من أئمة العلم والهدى، كالإمام الترمذي، والإمام النسائي، وعبد الله بن المبارك، والبخاري وغيرهم من أئمة العلم.
стр. 1260
نشأة الجهم وخروجه على بني أمية
أصل الجهم كان من مدينة بلخ، ثم انتقل منها إلى سمرقند وترمذ، ثم انتقل إلى الكوفة -ونزول شخص من أهل البدع في الكوفة فإنه يدل على أن الحرب ستبدأ من هناك ثم رجع إلى خراسان، وفي الكوفة التقى بشيخه الجعد بن درهم، ولا يعرف عن نشأة الجهم شيء في أيام صغره، فلا هو من بيت علم، ولا من بيت صلاح ودين وتقوى وعبادة، وإنما كانت شهرة الجهم بعد ظهوره بآرائه، وقتاله لبني أمية مع الحارث بن سريج، فقد كان الجهم قاضياً، وكاتباً، وخطيباً للحارث بن سريج الذي خرج على الأمير في دولة بني أمية في خراسان، وذلك في آخر دولة بني أمية، فكان الجهم يقرأ على الناس كتاباً فيه سيرة الحارث في الجامع والطرقات، فاستجاب له خلق كثير، ووقع القتال بين الحارث ونصر بن سيار أمير خراسان لبني أمية، فانهزم الحارث ومن معه، وأسر الجهم بن صفوان؛ لأنه كان تبعاً للحارث، وأحضر وأوقف بين يدي سلم بن أحوز والي الشرطة -أي: وزير الداخلية في هذه الأيام لدولة بني أمية- فقال له جهم: إن لي أماناً من أبيك، أي: إياك أن تقتلني أو تؤذيني فأنا صاحب أمان، فقال سلم: ما كان له أن يؤمنك -أي: ما كان لوالدي أن يؤمنك- ولو فعل ما أمنتك، ولو ملأت هذه الملاءة كواكب، وأنزلت عيسى بن مريم ما نجوت من يدي، والله لو كنت في بطني لشققت بطني حتى أقتلك، وأمر بقتله فقتل.
стр. 1261
الناحية العلمية عند الجهم بن صفوان
لم يكن الجهم من أهل الرواية للحديث، مع أن العصر الذي عاش فيه كان العلماء فيه متوافرين على تحمل الحديث وآثار الصحابة ومروياتهم، أي: أن العلم كان في قمة الانتشار والازدهار، لكنه ما طلب العلم يوماً ما، وما جلس العلماء السنة يوماً من حياته، وقد أعرض الجهم عن ذلك، وآثر علم الكلام والفلسفة على علم الحديث والسنة، ودائماً ننصح أبناءنا وتلاميذنا ألا يدخلوا أبداً كلية التجارة والتربية قسم الفلسفة والمنطق، أو علم الكلام أو غير ذلك، كما ننصحهم كذلك ألا يدخلوا قسم العقيدة، سواء في جامعة الأزهر أو في غيرها من الجامعات، أو الكليات المتخصصة كالآداب، بل ودار العلوم كذلك؛ لأنهم يعتقدون أن عقيدة الأشاعرة والماتريدية هي عقيدة أهل السنة والجماعة، مع أن الأشاعرة ليسوا من أهل السنة، ولا الماتريدية، فأهل السنة لهم خصائص وعلامات ومميزات يتميزون بها عن غيرهم، وقد دخلنا الأزهر ودرسنا عقيدة الأشاعرة فيه، ونافحنا عن عقيدة أهل السنة، وبيتنا أن هذه العقيدة الأشعرية ليست عقيدة أهل السنة والجماعة، والتي يدرسونها للطلاب على اعتبار أنها عقيدة أهل السنة والجماعة ما هي إلا خليط من عقيدة الأشاعرة والماتريدية، وهذا خلط للحقائق.
قال الذهبي: الجهم بن صفوان الضال المبتدع رأس الجهمية، هلك في زمان صغار التابعين، وما علمته روى شيئاً، لكنه زرع شراً عظيماً.
أي: زرع في الأمة شراً عظيماً.
وقال عبد العزيز بن أبي سلمة: إن كلام جهم صفة بلا معنى، وبناء بلا أساس، ولم يعد قط من أهل العلم.
ومما يدل على جهله بأحكام الشريعة ما روي أن جهماً سئل عن رجل طلق قبل أن يبني بها، فقال: عليها العدة، فخالف كتاب الله تعالى بجهله، قال الله سبحانه: ﴿فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ [الأحزاب:٤٩].
стр. 1262
مناظرة الجهم لقوم من الزنادقة وبيان عقيدته
وقال خلف بن سليمان البلخي: كان جهم من أهل الكوفة، وكان فصيحاً، ولم يكن له نفاذ في العلم -أي: أنه كان صاحب لسان لكنه ليس عالماً- فلقيه قوم من الزنادقة فقالوا له: صف لنا ربك الذي تعبده؟ فدخل البيت لا يخرج مدة من الزمان ثم خرج، فقال: هو هذا الهواء مع كل شيء! أي: أن الإله الذي يعبده إنما دخل في ذرات الهواء، وبالتالي فإله الجهم ليس هو إلهنا الذي استوى على العرش، وهذا نفس معتقد النصارى، فقد قام طالب وقال القسيس في كنيسة: أين الإله؟ فأتى ببعض السكر وأذابه في كوب من الماء، فقال القسيس للطالب: أين السكر؟ قال: في الماء، قال: وكذلك الرب في كل شيء! فعقيدة الجهم بن صفوان هي نفس عقيدة النصارى، بل ليس كل النصارى يعتقدون ذلك، وإنما وافق جل النصارى في إثبات أن الله تعالى في كل مكان، وهذا نفس قول الأشاعرة الذين قالوا: إن الله في كل مكان، وأما أهل السنة والجماعة فيثبتون العلو والفوقية والاستواء لله على عرشه، وهذا هو الحق الذي نطق به الكتاب وجاءت به السنة، وعمل به اعتقاداً وعملاً أئمة الدنيا من سلف الأمة، وما خالف في هذه القضية إلا خلف ليس له في ذلك سلف إلا سلف ضلالة وبدعة، والله تعالى على العرش استوى، بائن من خلقه، وقد سأل النبي ﷺ جارية صغيرة ترعى غنماً لا حظ لها من العلم فقال: (أين الله؟ قالت: في السماء، قال: من أنا؟ قالت: أنت رسول الله، قال: أعتقها فإنها مؤمنة).
وأعجب من ذلك منذ عدة سنوات أني دخلت الجمعية الشرعية الرئيسية؛ لأنهم كانوا يوزعون كتباً مجاناً، فذهبت لآخذ بعضها لتوزيعها على الطلاب، فلما رأى هيئتي ليست كهيئة الجمعية الشرعية قال: أنا أسألك سؤالاً واحداً: أين الله؟ قلت: على العرش، فتبرم وقال: هو في كل مكان، وفي أثناء نزاعنا دخل حمال كان ينزل بالكتب إلى تحت، فقلت له: ما اسمك؟ قال: محمد، قلت: يا محمد! أين الله؟ قال: في السماء، فقلت: حمال يفهم ما لا يفهمه زعماء في الجمعية الشرعية! فهذه عقيدتهم، فهم يقولون: الله تعالى في كل مكان، وليس الأمر كذلك، ولا دليل معهم قط، بل ناقشني زعيم وكبير من كبرائهم يرحمه الله ويعفو عنه، فقال: أنت الذي تقول: إن الله على العرش استوى؟! فهو جالس على الكرسي! ما رأيكم أن تلبسوا ربنا عمامة؟! فقلت: لا والله، الله تعالى هو الذي أثبت في كتابه أنه على العرش استوى، وجميع الأنبياء والمرسلين وأهل العلم الصادقين المخلصين العاملين بشرائع الله، وبدين الله الواحد يعتقدون ذلك، فلا عقيدتكم في القرآن، ولا في السنة، ولا في عقيدة الأنبياء، ولا في عقيدة سلف الأمة، وكفى بها مخالفة، فهذه عقيدة الجهم بن صفوان! وقال أبو معاذ البلخي: لم يكن للجهم علم ولا مجالسة لأهل العلم، فقيل له: صف لنا ربك؟ فدخل البيت لا يخرج كذا، ثم خرج بعد أيام فقال: هو هذا الهواء مع كل شيء، وفي كل شيء، ولا يخلو منه شيء! إذاً فالذي يقول: إن الله تعالى بذاته في كل مكان؛ يلزمه أن يقول: بأنه في أماكن القاذورات، وأماكن النجاسات والحمامات، وغير ذلك من البرك والمستنقعات المنتنة، وهذا قول يحمل بين طياته الكفر البواح، تعالى الله عما يقوله الملحدون علواً كبيراً.
وقد كان الجهم من أهل الجدل والخصومات كما سيتبين لنا بإذن الله تعالى.
стр. 1263
هلاك الجهم بن صفوان
قتل الجهم سنة ثمان وعشرين بعد المائة الهجرية، وكان قتله على يد سلم بن أحوز المازني على المشهور كما تقدم.
والإمام القاسمي كان له بعض الدفاع عن الجهم بن صفوان، فكان مما قال: إنما قتل الجهم لأمر سياسي لا لأمر ديني؛ لأنه كان مع الحارث بن سريج ضد دولة بني أمية، فخرج مع الخارجين على الإمام الحق في ذلك الزمان، فلما أسر قتله سلم بن أحوز المازني، فكان قتله لأمر سياسي لا لأمر ديني، وليس الأمر كذلك، ولا يمنع أن يكون قد جمع بين الأمرين، لكن أصل فكرة القتل انبنت على مخالفته الدينية، وكذلك لا يمنع أن يكون قتله لأمر سياسي، وإن كان قد أمر الخليفة هشام بن عبد الملك بقتله قبل ذلك لأمر ديني، وهو ما اشتهر عنه من شكه وتركه الصلاة أربعين يوماً، أي: أنه شك في وجود الإله لما سئل: صف لنا إلهك؟ فشك في إلهه فتوقف عن عبادته أربعين يوماً، ثم نفيه لصفات الرب واشتهار ذلك عنه، فكان ذلك سبباً قوياً في أن يأمر الخليفة هشام بن عبد الملك عامله على خراسان نصر بن سيار أن يقتله، ولكنه لم يظفر به، وإنما ظفر به سلم بن أحوز فقتله.
وقد أخرج ابن أبي حاتم عن صالح بن أحمد بن حنبل أنه قال: قرأت في دواوين هشام بن عبد الملك إلى نصر بن سيار عامل خراسان: أما بعد، فقد نجم -أي: ظهر- قبلك رجل يقال له جهم من الدهرية، فإن ظفرت به فاقتله.
إذاً كان قتله بسبب أنه يقول بقول الدهرية، وهذا أمر ديني لا أمر سياسي.
ومما يؤكد أن قلته بسبب ما صدر عنه من إنكار صفات الله تعالى: ما ذكره الحافظ ابن حجر في فتح الباري، قال: أخرج ابن أبي حاتم من طريق محمد بن صالح مولى بني هاشم قال: قال سلم حين أخذه: يا جهم؟ إني لست أقتلك لأنك قاتلتني -فهذا تصريح بأن القتل لم يكن لأمر سياسي- فأنت عندي أحقر من ذلك، ولكني سمعتك تتكلم بكلام أعطيت الله عهداً ألا أملكك إلا قتلتك، فقتله.
وقد جاء البيان عن سبب قتله له، فقد أخرج عن ابن أبي حاتم من طريق خلاد الطفاوي، قال: بلغ سلم بن أحوز -وكان على شرطة خراسان- أن جهم بن صفوان ينكر أن الله كلم موسى تكليماً، فقال له: أنت الذي تزعم أن الله لم يتخذ إبراهيم خليلاً، ولم يكلم موسى تكليماً؟ فسكت الجهم، فقام إليه سلم فقتله، إذاً أصل قتله كان لأمر ديني، ولو كان لأمر سياسي فلا بأس بذلك، لكن لابد من تقرير الحقائق.
وقال بكير بن معروف: رأيت سلم بن أحوز حين ضرب عنق جهم، فاسود وجه جهم.
نعم لابد أن يسود: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ [آل عمران:١٠٦]، قال ابن عباس: تبيض وجوه أهل السنة والجماعة، وتسود وجوه أهل البدع والضلالة.
ولهذا من إهانة الله لأهل البدع في حياتهم وبعد مماتهم أنهم ليس لهم ترجمة، ولو أردنا أن نقرأ ترجمة أحمد بن حنبل لوجدنا أنها في سير أعلام النبلاء جل المجلد الحادي عشر، حوالي أربعمائة أو خمسمائة صفحة، بل وفي ترجمته صنفت مجلدات وكتب أخرى؛ لأن الله أبى إلا أن يعلي ذكر أحمد في الدنيا والآخرة، وأما هؤلاء فقد أبى الله تعالى إلا أن يجعلهم في أسفل سافلين، فليس لهم ترجمة إلا ترجمة السوء والضلال، ترجمة اللعنة والغضب والسخط من الله ومن عباده.
стр. 1264
من شيوخ الجهم بن صفوان: الجعد بن درهم
أما شيخ الجهم بن صفوان فاسمه: الجعد بن درهم، وبئس الدرهم هو، وكان مولى من موالي بني مروان، وأصله من خراسان، لكنه سكن دمشق، وانتقل ببدعته من خراسان إلى دمشق، فبذر البذرة هناك، ثم رجع إلى الكوفة، فالتقى بـ الجهم في الكوفة، وكان الجعد بن درهم مؤدباً لآخر ملوك بني أمية وهو مروان بن محمد بن مروان، وكان يقال له: مروان الجعدي؛ لتقريبه للجعد بن درهم، فنسب إليه وبئس النسبة هي، كما كان له لقب آخر وهو: مروان الحمار.
قال الذهبي في الجعد: عداده في التابعين، مبتدع ضال.
وفي هذا دليل على أنه ليس كل التابعين أهل صلاح، بل منهم المبتدع، ومنهم الثقة، ومنهم الإمام في الهدى، ومنهم الإمام في الضلالة، وكل ما هنالك أنه رأى بعض الصحابة، والمعلوم أن التابعي: هو من لقي الصحابة أو بعضهم.
وذكر ابن عساكر في تاريخ دمشق: أن الجعد كان يتردد إلى وهب بن منبه، ووهب بن منبه إمام من الأئمة، فهو رجل هدى وتقوى وعلم، لكن كان يعاب عليه أنه كان ينظر في كتب السابقين، أي: في كتب اليهود والنصارى والصحف وغيرها، فوجد الجعد ضالته عند وهب، فكان يتردد إليه ويحمل عنه، وكان كلما راح الجعد إلى وهب اغتسل وهب وقال وهب: إن هذا الغسل أجمع للعقل، أي: كأن لقاء جعد كان يذهب بعقل وهب بن منبه، وكان يسأل وهباً عن صفات الله تعالى، فقال له وهب يوماً: ويلك يا جعد! أقصر المسألة عن ذلك، أي: لا تسأل عن هذا، واسأل عن الصلاة، والزكاة، والصيام، والحج، وأركان الدين، لكن هو أراد أن ينطلق ببدعته من هذا الباب، فقال وهب للجعد: إني لأظنك من الهالكين، لو لم يخبرنا الله في كتابه أن له يداً ما قلنا ذلك، وأن له عيناً ما قلنا ذلك، وأن له نفساً ما قلنا ذلك، وأن له سمعاً ما قلنا ذلك، وذكر الصفات من العلم والكلام وغير ذلك.
وكان هذا آخر كلام في الصفات؛ من أجل أن تنتهي الجولة مع الجعد بن درهم.
قال: والله لا نقول إلا بما قاله الله في كتابه، وما قاله الرسول في سنته، فلا تسألني عن شيء بعد ذلك.
ولما أقام الجعد بدمشق أظهر القول بخلق القرآن، أي: قال: هذا القرآن مخلوق وحادث، وأن الله لم يكن متكلماً فتلكم، ولم يكن عالماً فخلق لنفسه العلم، فعلم بعد أن كان غير عالم، وغير ذلك من بقية صفات المولى التي يمكن أن يتصف بها المخلوق، من العلم والكلام والقدرة وغير ذلك، فطلبه بنو أمية لما أظهر القول بخلق القرآن، فهرب وسكن في الكوفة -مأوى الضلال- وفيها لقيه الجهم بن صفوان وأخذ عنه مذهبه في التعطيل -أي: تعطيل الصفات عن الله ، وتعطيل الذات أن تتصف بالصفات- وقال بقوله في القرآن.
стр. 1265
سلسلة التجهم المظلمة
قال ابن تيمية عليه رحمة الله: إن الجعد أخذ بدعته وتلقاها عن أبان بن سمعان -انظر إلى هذه السلسلة السوداء- وأخذها أبان عن طالوت ابن أخت لبيد بن الأعصم الذي سحر النبي ﷺ .
إذاً الجهم عن الجعد عن أبان عن طالوت عن لبيد بن الأعصم، خمسة في سلسلة واحدة، لكنها ليست كسلسلة مالك عن نافع عن ابن عمر عن النبي ﷺ ، فهذه سلسلة الذهب، سلسلة اللؤلؤ والمرجان، أما تلك فسلسلة الضلال والبدع، وتصور أن يأتيك إسناد كهذا: حدثني الجهم، قال: حدثني الجعد، قال: حدثني أبان بن سمعان، قال: حدثني طالوت، قال: خالي لبيد بن الأعصم اليهودي!! ويغلب على ظني أنه ما أحدثت محدثة، ولا ابتدعت بدعة في الإسلام إلا وكان أصلها إما من اليهود، وإما من النصارى، وإما من المجوس، أي: لابد أن يكون لها جذور يهودية، أو نصرانية، أو مجوسية، وأتحدى أي رجل يأتيني ببدعة في الإسلام ليس له أصل من هذه الأصول الثلاثة.
следующие страницы →