Полный текст (1 366 стр.). Показаны 1261–1300 · переход к 1266.
стр. 1261
الناحية العلمية عند الجهم بن صفوان
لم يكن الجهم من أهل الرواية للحديث، مع أن العصر الذي عاش فيه كان العلماء فيه متوافرين على تحمل الحديث وآثار الصحابة ومروياتهم، أي: أن العلم كان في قمة الانتشار والازدهار، لكنه ما طلب العلم يوماً ما، وما جلس العلماء السنة يوماً من حياته، وقد أعرض الجهم عن ذلك، وآثر علم الكلام والفلسفة على علم الحديث والسنة، ودائماً ننصح أبناءنا وتلاميذنا ألا يدخلوا أبداً كلية التجارة والتربية قسم الفلسفة والمنطق، أو علم الكلام أو غير ذلك، كما ننصحهم كذلك ألا يدخلوا قسم العقيدة، سواء في جامعة الأزهر أو في غيرها من الجامعات، أو الكليات المتخصصة كالآداب، بل ودار العلوم كذلك؛ لأنهم يعتقدون أن عقيدة الأشاعرة والماتريدية هي عقيدة أهل السنة والجماعة، مع أن الأشاعرة ليسوا من أهل السنة، ولا الماتريدية، فأهل السنة لهم خصائص وعلامات ومميزات يتميزون بها عن غيرهم، وقد دخلنا الأزهر ودرسنا عقيدة الأشاعرة فيه، ونافحنا عن عقيدة أهل السنة، وبيتنا أن هذه العقيدة الأشعرية ليست عقيدة أهل السنة والجماعة، والتي يدرسونها للطلاب على اعتبار أنها عقيدة أهل السنة والجماعة ما هي إلا خليط من عقيدة الأشاعرة والماتريدية، وهذا خلط للحقائق.
قال الذهبي: الجهم بن صفوان الضال المبتدع رأس الجهمية، هلك في زمان صغار التابعين، وما علمته روى شيئاً، لكنه زرع شراً عظيماً.
أي: زرع في الأمة شراً عظيماً.
وقال عبد العزيز بن أبي سلمة: إن كلام جهم صفة بلا معنى، وبناء بلا أساس، ولم يعد قط من أهل العلم.
ومما يدل على جهله بأحكام الشريعة ما روي أن جهماً سئل عن رجل طلق قبل أن يبني بها، فقال: عليها العدة، فخالف كتاب الله تعالى بجهله، قال الله سبحانه: ﴿فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ [الأحزاب:٤٩].
стр. 1262
مناظرة الجهم لقوم من الزنادقة وبيان عقيدته
وقال خلف بن سليمان البلخي: كان جهم من أهل الكوفة، وكان فصيحاً، ولم يكن له نفاذ في العلم -أي: أنه كان صاحب لسان لكنه ليس عالماً- فلقيه قوم من الزنادقة فقالوا له: صف لنا ربك الذي تعبده؟ فدخل البيت لا يخرج مدة من الزمان ثم خرج، فقال: هو هذا الهواء مع كل شيء! أي: أن الإله الذي يعبده إنما دخل في ذرات الهواء، وبالتالي فإله الجهم ليس هو إلهنا الذي استوى على العرش، وهذا نفس معتقد النصارى، فقد قام طالب وقال القسيس في كنيسة: أين الإله؟ فأتى ببعض السكر وأذابه في كوب من الماء، فقال القسيس للطالب: أين السكر؟ قال: في الماء، قال: وكذلك الرب في كل شيء! فعقيدة الجهم بن صفوان هي نفس عقيدة النصارى، بل ليس كل النصارى يعتقدون ذلك، وإنما وافق جل النصارى في إثبات أن الله تعالى في كل مكان، وهذا نفس قول الأشاعرة الذين قالوا: إن الله في كل مكان، وأما أهل السنة والجماعة فيثبتون العلو والفوقية والاستواء لله على عرشه، وهذا هو الحق الذي نطق به الكتاب وجاءت به السنة، وعمل به اعتقاداً وعملاً أئمة الدنيا من سلف الأمة، وما خالف في هذه القضية إلا خلف ليس له في ذلك سلف إلا سلف ضلالة وبدعة، والله تعالى على العرش استوى، بائن من خلقه، وقد سأل النبي ﷺ جارية صغيرة ترعى غنماً لا حظ لها من العلم فقال: (أين الله؟ قالت: في السماء، قال: من أنا؟ قالت: أنت رسول الله، قال: أعتقها فإنها مؤمنة).
وأعجب من ذلك منذ عدة سنوات أني دخلت الجمعية الشرعية الرئيسية؛ لأنهم كانوا يوزعون كتباً مجاناً، فذهبت لآخذ بعضها لتوزيعها على الطلاب، فلما رأى هيئتي ليست كهيئة الجمعية الشرعية قال: أنا أسألك سؤالاً واحداً: أين الله؟ قلت: على العرش، فتبرم وقال: هو في كل مكان، وفي أثناء نزاعنا دخل حمال كان ينزل بالكتب إلى تحت، فقلت له: ما اسمك؟ قال: محمد، قلت: يا محمد! أين الله؟ قال: في السماء، فقلت: حمال يفهم ما لا يفهمه زعماء في الجمعية الشرعية! فهذه عقيدتهم، فهم يقولون: الله تعالى في كل مكان، وليس الأمر كذلك، ولا دليل معهم قط، بل ناقشني زعيم وكبير من كبرائهم يرحمه الله ويعفو عنه، فقال: أنت الذي تقول: إن الله على العرش استوى؟! فهو جالس على الكرسي! ما رأيكم أن تلبسوا ربنا عمامة؟! فقلت: لا والله، الله تعالى هو الذي أثبت في كتابه أنه على العرش استوى، وجميع الأنبياء والمرسلين وأهل العلم الصادقين المخلصين العاملين بشرائع الله، وبدين الله الواحد يعتقدون ذلك، فلا عقيدتكم في القرآن، ولا في السنة، ولا في عقيدة الأنبياء، ولا في عقيدة سلف الأمة، وكفى بها مخالفة، فهذه عقيدة الجهم بن صفوان! وقال أبو معاذ البلخي: لم يكن للجهم علم ولا مجالسة لأهل العلم، فقيل له: صف لنا ربك؟ فدخل البيت لا يخرج كذا، ثم خرج بعد أيام فقال: هو هذا الهواء مع كل شيء، وفي كل شيء، ولا يخلو منه شيء! إذاً فالذي يقول: إن الله تعالى بذاته في كل مكان؛ يلزمه أن يقول: بأنه في أماكن القاذورات، وأماكن النجاسات والحمامات، وغير ذلك من البرك والمستنقعات المنتنة، وهذا قول يحمل بين طياته الكفر البواح، تعالى الله عما يقوله الملحدون علواً كبيراً.
وقد كان الجهم من أهل الجدل والخصومات كما سيتبين لنا بإذن الله تعالى.
стр. 1263
هلاك الجهم بن صفوان
قتل الجهم سنة ثمان وعشرين بعد المائة الهجرية، وكان قتله على يد سلم بن أحوز المازني على المشهور كما تقدم.
والإمام القاسمي كان له بعض الدفاع عن الجهم بن صفوان، فكان مما قال: إنما قتل الجهم لأمر سياسي لا لأمر ديني؛ لأنه كان مع الحارث بن سريج ضد دولة بني أمية، فخرج مع الخارجين على الإمام الحق في ذلك الزمان، فلما أسر قتله سلم بن أحوز المازني، فكان قتله لأمر سياسي لا لأمر ديني، وليس الأمر كذلك، ولا يمنع أن يكون قد جمع بين الأمرين، لكن أصل فكرة القتل انبنت على مخالفته الدينية، وكذلك لا يمنع أن يكون قتله لأمر سياسي، وإن كان قد أمر الخليفة هشام بن عبد الملك بقتله قبل ذلك لأمر ديني، وهو ما اشتهر عنه من شكه وتركه الصلاة أربعين يوماً، أي: أنه شك في وجود الإله لما سئل: صف لنا إلهك؟ فشك في إلهه فتوقف عن عبادته أربعين يوماً، ثم نفيه لصفات الرب واشتهار ذلك عنه، فكان ذلك سبباً قوياً في أن يأمر الخليفة هشام بن عبد الملك عامله على خراسان نصر بن سيار أن يقتله، ولكنه لم يظفر به، وإنما ظفر به سلم بن أحوز فقتله.
وقد أخرج ابن أبي حاتم عن صالح بن أحمد بن حنبل أنه قال: قرأت في دواوين هشام بن عبد الملك إلى نصر بن سيار عامل خراسان: أما بعد، فقد نجم -أي: ظهر- قبلك رجل يقال له جهم من الدهرية، فإن ظفرت به فاقتله.
إذاً كان قتله بسبب أنه يقول بقول الدهرية، وهذا أمر ديني لا أمر سياسي.
ومما يؤكد أن قلته بسبب ما صدر عنه من إنكار صفات الله تعالى: ما ذكره الحافظ ابن حجر في فتح الباري، قال: أخرج ابن أبي حاتم من طريق محمد بن صالح مولى بني هاشم قال: قال سلم حين أخذه: يا جهم؟ إني لست أقتلك لأنك قاتلتني -فهذا تصريح بأن القتل لم يكن لأمر سياسي- فأنت عندي أحقر من ذلك، ولكني سمعتك تتكلم بكلام أعطيت الله عهداً ألا أملكك إلا قتلتك، فقتله.
وقد جاء البيان عن سبب قتله له، فقد أخرج عن ابن أبي حاتم من طريق خلاد الطفاوي، قال: بلغ سلم بن أحوز -وكان على شرطة خراسان- أن جهم بن صفوان ينكر أن الله كلم موسى تكليماً، فقال له: أنت الذي تزعم أن الله لم يتخذ إبراهيم خليلاً، ولم يكلم موسى تكليماً؟ فسكت الجهم، فقام إليه سلم فقتله، إذاً أصل قتله كان لأمر ديني، ولو كان لأمر سياسي فلا بأس بذلك، لكن لابد من تقرير الحقائق.
وقال بكير بن معروف: رأيت سلم بن أحوز حين ضرب عنق جهم، فاسود وجه جهم.
نعم لابد أن يسود: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ [آل عمران:١٠٦]، قال ابن عباس: تبيض وجوه أهل السنة والجماعة، وتسود وجوه أهل البدع والضلالة.
ولهذا من إهانة الله لأهل البدع في حياتهم وبعد مماتهم أنهم ليس لهم ترجمة، ولو أردنا أن نقرأ ترجمة أحمد بن حنبل لوجدنا أنها في سير أعلام النبلاء جل المجلد الحادي عشر، حوالي أربعمائة أو خمسمائة صفحة، بل وفي ترجمته صنفت مجلدات وكتب أخرى؛ لأن الله أبى إلا أن يعلي ذكر أحمد في الدنيا والآخرة، وأما هؤلاء فقد أبى الله تعالى إلا أن يجعلهم في أسفل سافلين، فليس لهم ترجمة إلا ترجمة السوء والضلال، ترجمة اللعنة والغضب والسخط من الله ومن عباده.
стр. 1264
من شيوخ الجهم بن صفوان: الجعد بن درهم
أما شيخ الجهم بن صفوان فاسمه: الجعد بن درهم، وبئس الدرهم هو، وكان مولى من موالي بني مروان، وأصله من خراسان، لكنه سكن دمشق، وانتقل ببدعته من خراسان إلى دمشق، فبذر البذرة هناك، ثم رجع إلى الكوفة، فالتقى بـ الجهم في الكوفة، وكان الجعد بن درهم مؤدباً لآخر ملوك بني أمية وهو مروان بن محمد بن مروان، وكان يقال له: مروان الجعدي؛ لتقريبه للجعد بن درهم، فنسب إليه وبئس النسبة هي، كما كان له لقب آخر وهو: مروان الحمار.
قال الذهبي في الجعد: عداده في التابعين، مبتدع ضال.
وفي هذا دليل على أنه ليس كل التابعين أهل صلاح، بل منهم المبتدع، ومنهم الثقة، ومنهم الإمام في الهدى، ومنهم الإمام في الضلالة، وكل ما هنالك أنه رأى بعض الصحابة، والمعلوم أن التابعي: هو من لقي الصحابة أو بعضهم.
وذكر ابن عساكر في تاريخ دمشق: أن الجعد كان يتردد إلى وهب بن منبه، ووهب بن منبه إمام من الأئمة، فهو رجل هدى وتقوى وعلم، لكن كان يعاب عليه أنه كان ينظر في كتب السابقين، أي: في كتب اليهود والنصارى والصحف وغيرها، فوجد الجعد ضالته عند وهب، فكان يتردد إليه ويحمل عنه، وكان كلما راح الجعد إلى وهب اغتسل وهب وقال وهب: إن هذا الغسل أجمع للعقل، أي: كأن لقاء جعد كان يذهب بعقل وهب بن منبه، وكان يسأل وهباً عن صفات الله تعالى، فقال له وهب يوماً: ويلك يا جعد! أقصر المسألة عن ذلك، أي: لا تسأل عن هذا، واسأل عن الصلاة، والزكاة، والصيام، والحج، وأركان الدين، لكن هو أراد أن ينطلق ببدعته من هذا الباب، فقال وهب للجعد: إني لأظنك من الهالكين، لو لم يخبرنا الله في كتابه أن له يداً ما قلنا ذلك، وأن له عيناً ما قلنا ذلك، وأن له نفساً ما قلنا ذلك، وأن له سمعاً ما قلنا ذلك، وذكر الصفات من العلم والكلام وغير ذلك.
وكان هذا آخر كلام في الصفات؛ من أجل أن تنتهي الجولة مع الجعد بن درهم.
قال: والله لا نقول إلا بما قاله الله في كتابه، وما قاله الرسول في سنته، فلا تسألني عن شيء بعد ذلك.
ولما أقام الجعد بدمشق أظهر القول بخلق القرآن، أي: قال: هذا القرآن مخلوق وحادث، وأن الله لم يكن متكلماً فتلكم، ولم يكن عالماً فخلق لنفسه العلم، فعلم بعد أن كان غير عالم، وغير ذلك من بقية صفات المولى التي يمكن أن يتصف بها المخلوق، من العلم والكلام والقدرة وغير ذلك، فطلبه بنو أمية لما أظهر القول بخلق القرآن، فهرب وسكن في الكوفة -مأوى الضلال- وفيها لقيه الجهم بن صفوان وأخذ عنه مذهبه في التعطيل -أي: تعطيل الصفات عن الله ، وتعطيل الذات أن تتصف بالصفات- وقال بقوله في القرآن.
стр. 1265
سلسلة التجهم المظلمة
قال ابن تيمية عليه رحمة الله: إن الجعد أخذ بدعته وتلقاها عن أبان بن سمعان -انظر إلى هذه السلسلة السوداء- وأخذها أبان عن طالوت ابن أخت لبيد بن الأعصم الذي سحر النبي ﷺ .
إذاً الجهم عن الجعد عن أبان عن طالوت عن لبيد بن الأعصم، خمسة في سلسلة واحدة، لكنها ليست كسلسلة مالك عن نافع عن ابن عمر عن النبي ﷺ ، فهذه سلسلة الذهب، سلسلة اللؤلؤ والمرجان، أما تلك فسلسلة الضلال والبدع، وتصور أن يأتيك إسناد كهذا: حدثني الجهم، قال: حدثني الجعد، قال: حدثني أبان بن سمعان، قال: حدثني طالوت، قال: خالي لبيد بن الأعصم اليهودي!! ويغلب على ظني أنه ما أحدثت محدثة، ولا ابتدعت بدعة في الإسلام إلا وكان أصلها إما من اليهود، وإما من النصارى، وإما من المجوس، أي: لابد أن يكون لها جذور يهودية، أو نصرانية، أو مجوسية، وأتحدى أي رجل يأتيني ببدعة في الإسلام ليس له أصل من هذه الأصول الثلاثة.
стр. 1266
نسبة الجعد ومذهبه وهلاكه
وكان الجعد من أهل حران -وهي بلد ابن تيمية الحراني الشامي السوري- وتصور أن حران تنبت هذا الجعد، وتنبت شيخ الإسلام ابن تيمية الذي تعيش الأمة في كنفه، وفي بحر علمه في هذه الأيام، وقد سألني أستاذ في كلية اللغة العربية منذ أسبوع تقريباً فقال: أنا أريد أن أعرف لماذا كل الجماعات الإسلامية معتمدة على ابن تيمية في هذه الأيام، وأظهرت علم ابن تيمية في هذه الأيام؟ قلت: هذا رزق ابن تيمية، فمع سنه وعلمه ومكانته وجهاده الطويل إلا أنه كان أقرب للشباب من سائر علماء زمانه، وتكلم بكلام معتمداً على الكتاب والسنة، وحارب الفلاسفة، وحارب التتار، وحارب بسيفه وقلمه، وحارب جميع المعتقدات، ورد على الفرق الضالة، وقال كلاماً لا يمكن لأحد قبله ولا بعده أن يقوله، فكان إماماً فذاً، وهو جدير وخليق أن يكون مجتهداً مطلقاً، وهذا معظم من ترجم لـ ابن تيمية، قال هذا الكلام: هو جدير أن يكون مجتهداً مطلقاً، وابن تيمية عليه رحمة الله في مسائل الفكر والسياسة الشرعية على جهة الخصوص، والرد على الخصوم والفلاسفة، وجهاده للصوفيين، وجهاد سائر فرق الضلال؛ كانت له ميادين كل ميدان منها تهلك فيه أمة من العلماء، فكان رجلاً بمعنى الكلمة، أي: أن هذا الرجل لم يسبقه في قوته إلا عمر ﵁، وابن تيمية جدير بالاحترام والتبجيل، ولذلك كتب الله تعالى له في قلوب المؤمنين الذكر الجميل والثناء الحسن.
كان الجعد من أهل حران، وكان فيها خلق كثير من الصابئة والفلاسفة، وكانوا يسمون: صابئة الإسلام وصابئة الشرك، والعلماء صنفوا الصابئة على نوعين: صابئة كانت تابعة لإبراهيم ﵇، وصابئة كانت مشركة تعبد الأصنام في زمن إبراهيم ﵇، وكان في حران خلق كثير من الصابئة والفلاسفة بقايا أهل دين النمرود والكنعانيين، وكانت الصابئة -إلا قليل منهم- إذ ذاك على الشرك، وعلماؤهم هم الفلاسفة، وإن كان الصابئ قد لا يكون مشركاً بل مؤمناً بالله واليوم الآخر، لكن كثيراً منهم كانوا كفاراً أو مشركين، وكانوا يعبدون الكواكب ويبنون لها الهياكل، ومذهب النفاة من هؤلاء في الرب أنه ليس له إلا صفات سلبية أو إضافية أو مركبة منهما، أي: مركبة من السلبية والإيجابية.
ولما أظهر الجعد مقالة التعطيل حبسه أمير العراق خالد بن عبد الله القسري، ثم خرج به في يوم عيد الأضحى وخطب خالد في الناس، فقال في خطبته: أيها الناس! ضحوا تقبل الله ضحاياكم، فإني مضح بـ الجعد بن درهم، إنه زعم أن الله لم يتخذ إبراهيم خليلاً، ولم يكلم موسى تكليماً، تعالى الله عما يقول الجعد علواً كبيراً، ثم نزل فذبحه في أصل المنبر، وكان ذلك بفتوى أهل زمانه من التابعين، وقصة قتله مشهورة ذكرها أهل التراجم ودونها السلف في كتبهم، ولم ينكر على خالد القسري أحد من أهل العلم، بل أثنوا عليه خيراً، لكن في هذا الوقت دع واحداً يقوم على ضال من هؤلاء، أو مبتدع من هؤلاء ربما تكون بدعته أخطر من بدعة الجعد بن درهم؛ فيقتله على الملأ، والنساء تنظر في التلفاز، لقالوا: حرام، لماذا هذه القسوة؟! هل الدين هكذا؟! وهل الإسلام هكذا؟! هل النبي قال هكذا؟! بينما العلماء أثنوا على ما قام به خالد القسري.
قال الدارمي: ذبحه خالد بواسط -أي: بمدينة واسط في العراق- يوم عيد الأضحى، على رءوس من حضر من المسلمين، لم يعبه به عائب، ولم يطعن عليه طاعن، بل استحسنوا ذلك من فعله وصوبوه.
قال: ابن القيم عليه رحمة الله في كتاب النونية في العقيدة: ولأجل ذا ضحى بجعد خالد القسري يوم ذبائح القربان إذ قال إبراهيم ليس خليله كلا ولا موسى الكليم الداني شكر الضحية كل صاحب سنة لله درك من أخي قربان أي: يثني على خالد القسري أنه ذبح الجعد بن درهم؛ لأنه زعم أن الله لم يكلم موسى تكليماً، ولم يتخذ إبراهيم خليلاً، وقد شكره كل صاحب سنة.
стр. 1267
كلام العلماء في بيان ضلال الجهمية وكفرهم
قال: ابن تيمية: اتفق سلف الأمة وأئمتها على أن الجهمية من شر طوائف أهل البدع، حتى أخرجهم كثير عن الثنتين والسبعين فرقةن وذكروا أن قوله أشر من قول اليهود والنصارى.
أي: قول الجعد بن درهم أشر من قول اليهود والنصارى، فرجل قوله شر من قول اليهود والنصارى الذين حكم الله تعالى بكفرهم في كتابه، إذاً يكون كفره أعظم من كفر اليهود والنصارى، فلماذا إذاً نصفه بأنه كان داعية للكتاب والسنة؟ لأن الإمام القاسمي للأسف الشديد قال: كان الجعد داعية إلى الكتاب والسنة! وهذه زلة عظيمة جداً من القاسمي.
قال الإمام القاسمي: وكان الجعد داعية إلى الكتاب والسنة، مجتهداً في الصفات خاصة، هكذا قال القاسمي، لكن ليس للجاهل أن يجتهد، وإنما الاجتهاد وقف على أهل العلم، وليس كل أهل العلم لهم هذا الحق وهذا الحظ، بل الاجتهاد له أهله، بأركان وشروط.
قال القاسمي: له أجر المجتهدين المخطئين! والخطأ في العقيدة أمر مردود، ولهذا نهى السلف عن مذهب الجهمية، وحذروا من سلوك سبيلهم، وشددوا في ذلك.
قال الإمام البخاري: ما أبالي أصليت خلف الجهمي والرافضي الشيعي، أو صليت خلف اليهودي والنصراني! فلا يسلم عليهم، ولا يعادون إذا مرضوا، ولا يناكحون، ولا يشهدون، ولا تؤكل ذبائحهم.
أي: أنهم كفار؛ لأن هذه أحكام الكفار.
وقال البخاري أيضاً -وانتبه فقد كان البخاري متلطفاً جداً في العبارة- فقال: إذا قلت عن أحد: ضعيف، فلا تحل الرواية عنه.
أي: أن الذي يقول عنه غيره: كذاب وضاع يقول عنه الإمام البخاري: ضعيف، وتصور أن الإمام البخاري يقول هذا كله-: نظرت في كلام اليهود والنصارى والمجوس، فما رأيت أضل في كفرهم منهم -أي: من الجهمية- وإني لأستجهل من لا يكفرهم إلا من لا يعرف كفرهم.
أي: أنه يقول: إن كلام الجهمية أشر من كلام اليهود والنصارى والمجوس، وليس ذلك بعجب، وإنما العجب ممن عرف كلامهم ولا يكفرهم، إلا أن يكون إنساناً لا يعرف ماذا يعني الكفر؟ وماذا يعني الإيمان؟ ولا شك فالجاهل ليس مطلوباً منه أن يظهر أحكام الكفر، أو التفسيق أو التبديع، بل هذا تعد منه، وإنما له أن يقلد أهل العلم والمجتهدين.
وقال ابن المبارك: إنا لنحكي كلام اليهود والنصارى، ولا نستطيع أن نحكي كلام الجهمية.
وللدارمي كلام عظيم جداً، بل له كتاب اسمه: الرد على الجهمية، قال: وصدق ابن المبارك، فإن من كلامهم في تعطيل صفات الله تعالى ما هو أوحش من كلام اليهود والنصارى.
أي: إذا قرأه إنسان يشعر بوحشة في صدره ربما لا يشعرها إذا نظر في التوراة أو الإنجيل.
وذكر سعيد بن عامر الضبعي الجهمية فقال: هم أشر قولاً من اليهود والنصارى، قد اجتمع اليهود والنصارى وأهل الأديان مع المسلمين على أن الله على العرش.
أي: أن عقيدة اليهود والنصارى والمسلمين أصلاً أن الله تعالى مستو على العرش، لكن الجهمية هم أول من أحدث أن الله تعالى ليس على العرش، وقالوا: ليس على شيء.
وقد كفر السلف جهماً ومن قال بقوله في الله، وفي صفاته، وفي القرآن، وكتبهم مملوءة بذلك.
стр. 1268
أهم آراء جهم
стр. 1269
نفيه لأسماء الله تعالى
آراء الجهم هي آراء الجعد بن درهم، وآراء الجعد بن درهم هي الأصول التي اعتمدت عليها الجهمية، ولم يصنف الجعد بن درهم ولا الجهم بن صفوان كتاباً في معتقدهم، ولكن العلماء ناظروا الجعد وناظروا الجهم فصنفوا أصول المخالفات بين الجهمية وأهل السنة والجماعة، ومن هذه المخالفات: نفي الأسماء والصفات، فأول شيء اعتمد عليه دين الجهمية أنهم جردوا ذات الإله من الأسماء والصفات، فقالوا: ذات بلا صفة وبلا اسم، ولابد أن تعلموا أن الذي ينفي الصفات والأسماء إنما ينفي القرآن كله؛ لأن القرآن أثبت الأسماء وأثبت الصفات، فالذي ينفي عن الذات الأسماء والصفات كأنما ينكر القرآن الكريم، فكثير ممن كتب عن مذهب جهم يذكرون أنه يقول بنفي الصفات، ولم يتعرضوا لمذهبه في الأسماء إلا القليل، ولكن الجهم في الحقيقة ينكر الأسماء والصفات، فلا يسمي الله باسم من الأسماء التي يمكن أن يسمى به المخلوق كالحي؛ لزعمهم أن هذه الصفة مشتركة بين الخالق والمخلوق، فالمخلوق موصوف بالحياة لأنه حي، وكذلك المولى موصوف بالحياة لأنه حي.
فقالوا: لا يمكن أن يستقيم هذا؛ لأننا إذا قلنا بذلك فقد شبهنا الخالق بالمخلوق، فنفى الجهم عن الله اسم الحي، والعالم، والسميع، والبصير، وغير ذلك من الأسماء، قال: لأن المخلوقين يتسمون بهذه الأسماء، واشتراك الخالق مع المخلوق في هذه الأسماء يوجب التشبيه، أي: أن يكون المخلوق كالخالق، والعكس بالعكس، لكنه يسميه: المحيي، المميت، الموجب، الفاعل، الخالق؛ لأن هذه الصفات لا تطلق على العباد ولا على المخلوقين، ويسميه القادر، لكن العبد يوصف بأنه قادر، وعند الجهم بن صفوان والجعد بن درهم ليس قادراً؛ لأنه مجبور في جميع أفعاله، لذلك يقولون: الفاعل الحقيقي لأفعال العباد هو الله، والعبد ما هو إلا صورة تجرى عليه تلك الأفعال والأقوال، فهم الذين يقولون بفكرة الجبر، أي: أن الإنسان مجبور في أقواله وأفعاله، فينفون عن العبد الإرادة والمشيئة بالكلية، فلا إرادة ولا مشيئة ولا قدرة له على الأفعال والأقوال أبداً، وإنما الفاعل الحقيقي لذلك كله هو الله ، والعبد ما هو إلا صورة، ولذلك يقولون: بفناء الجنة والنار، فالدوام عندهم مستحيل.
стр. 1270
نفيه لصفات الله تعالى
وأما مذهبه في الصفات: فهو ينفي الصفات عن الله تعالى؛ لأن إثباتها يقتضي التشبيه كما هو مذهبه في كثير من الأسماء، وقال ابن تيمية: أصل قول الجهم هو نفي الصفات.
أي: العمدة الذي يعتمد عليه مذهب الجهم: هو نفيه لصفات المولى .
ولـ أبي الحسن الأشعري كلام في ذلك، وهو قد تاب من بدعته، حيث إنه تربى في حجر أبي علي الجبائي شيخ الاعتزال في ذلك الزمان، وكان زوجاً لأم أبي الحسن الأشعري، فتربى أبو الحسن في حجر أبي علي الجبائي صغيراً، فرضع من أدب الاعتزال حتى صار منظراً في الاعتزال، وحتى قيل: أفلس المعتزلة لما اعتزلهم أبو الحسن، وصار له مذهب سيئ كذلك في مذهبه الجديد وهو المذهب الأشعري، فلم يكن للمعتزلة في ذلك الزمان منظر قوي وفصيح وبليغ يقيم الحجة على الخصم كما كان في أيام أبي الحسن.
وأبو الحسن ﵀ انخلع كذلك من مذهبه الثاني وتاب منه على المنبر أمام الملأ، وقال: أخرج من كلامي كما أخرج هذا السيف من غمده، وسل سيفه من غمده على المنبر، وتوبته مذكورة عند كل من ترجم له إلا أهل البدع؛ فإنهم يخفون هذه التوبة، بل قد صنف أبو الحسن كتباً في عقيدة أحمد بن حنبل، وعقيدة أهل السنة على مذهب أهل السنة، مع أنه قد أخطأ في مسألة أو مسألتين بعد توبته، وذلك أن للبدعة رواسب، وآتوني بصاحب بدعة في هذا الزمان تاب من بدعته إلا وله رواسب، كأن يدعو إلى مذهب التكفير والهجرة مثلاً وقد تاب منذ عشرين عاماً فلا بد أن لديه رواسب.
وصاحب البدعة نشيط، وصاحب السنة خامل للأسف الشديد، فـ أبو الحسن الأشعري صنف كتاب الإبانة في أصول الديانة بعد توبته، وتأتي تكلم الأشاعرة فيقولون لك: نسبة الإبانة لـ أبي الحسن نسبة مشكوك فيه، وكذلك كتابه: مقالات الإسلاميين، وهو كتاب رائع جداً وممتاز، لكن لا يجوز لأحد من طلبة العلم الصغار أن ينظر فيه؛ لأنه أصعب من كتب أهل الكتاب، والذي يقرأ فيه وليست عنده أرضية متينة قوية في باب الاعتقاد فلابد أنه سيزل؛ لأنه سيفهم الأمور خطأ، وأما كتاب الإبانة فسهل جداً ويسير، ويصح أن يكون مقدمة في علم الاعتقاد للطلاب، لكن أيضاً لا أحب ذلك؛ لأجل أن هذه العقيدة لم تكن واضحة وضوح الشمس في رابعة النهار كعقيدة الإمام أحمد بن حنبل، وعلى أية حال هو معذور في مسألة أو مسألتين أخطأ فيهما، وقد قال: فإن يكن خطأ فمني ومن الشيطان، وإن كان صواباً فمن الله ، وهو توفيق الله وهدايته، يهدي من يشاء، فيكفي أنه قال: وإن كان خطأ مني فإني أبرأ إلى الله منه، وأصير فيه إلى عقيدة الإمام أحمد بن حنبل، والأئمة كلهم يقولون: لا يحل لأحد أن يقبل قولنا ما لم يعلم من أين أخذنا؟ فالتقليد والتعصب للمذهب بدعة وضلالة مع ظهور الدليل في مخالفة قول الإمام، وكل يتبرأ من قوله إذا كان قوله مخالفاً للكتاب والسنة، وليس لأحد حجة ولا عذر أن يقول: أنا حنفي أو شافعي أو مالكي أو غير ذلك؛ لأن هؤلاء تبرءوا من أخطائهم، ولابد أنهم يخطئون؛ لأنهم بشر، وكل الناس يؤخذ من قوله ويرد إلا النبي ﷺ .
والكلام عن الأشاعرة سيأتي معنا بإذن الله، وأنا لا أريد أن أسبق الأحداث، لكن على أية حال متأخرو الأشاعرة مثل الشيعة، فتقول للشيعة: الأئمة الاثنا عشرية تبرءوا منكم، والبراءة ثابتة في النص الصحيح، فيقول لك: تبرأ هؤلاء تقيه! فتقول لهم: لكن علي بن أبي طالب أثنى على عمر وأثنى على أبي بكر وأثنى على عثمان وقال: ما أنا إلا رجل من المسلمين، قالوا: قال ذلك تقيه! فنقول: لكن أنتم شرطكم في الإيمان: أن يكون شجاعاً مقداماً، والتقية تتنافى مع الشجاعة، يقول لك: نعم علي بن أبي طالب كان أشجع الخلق، لكنه قال ذلك تأدباً وتواضعاً! فنقول: لكن أنتم تكفرون أبا بكر وعمر، فكيف يحترم علي رجلاً كافراً ويتأدب معه؟! ألا يستحق القتل؟ لأنهم قالوا في كتبهم: لو كان أبو بكر -قال هذا الكلب الهالك الخميني -وعمر في زماننا، ثم يقول: ومعاذ الله أن يذكرا على لساني! -أي: أنه أطهر من أنه يذكر أبا بكر وعمر - ما وسعني إلا قتلهما.
قال أبو الحسن: قال جهم: إن علم الله محدث هو أحدثه، أي: لم يكن ثم كان، فمن الذي علمه؟ قالوا: هو الذي خلق علم نفسه، ثم اختلفت الأخبار عن الجهم: متى خلق الله العلم؟ هل خلقه في الأزل، أم خلقه بعد العمل، أم في أثناء العمل، أم قبيل العمل؟ قال بكل قول من هذه الثلاثة إلا أن يكون علم الله أزلياً، قال: ليس علمه أزلياً، بل علمه حا
стр. 1271
الإيمان عند الجهمية
ولهم كلام في الإيمان، فقد قالوا: الإيمان عند الجهمية هو المعرفة بالله فقط، فما دام الرجل يعرف بقلبه أن الله تعالى موجود؛ فهذا كاف، وإن نطق الكفر بلسانه، أو ترك جميع الأركان والفرائض ما ضره شيء من ذلك! لأن الأصل في الإيمان عندهم معرفة القلب.
إذاً تعريف الإيمان عند الجهمية لابد وأن يدخل فيه إبليس، أليس إبليس يعرف الله تعال؟ بلى، وهل إبليس أنكر ربوبية الله ؟ أبداً ما أنكرها، بل أقرها في القرآن مراراً وتكراراً، فإبليس مؤمن، ولذلك ما استحت الجهمية أن يحكموا لإبليس ولفرعون بالإيمان، ثم صنفوا رسائل وذكروا كلاماً فيما يتعلق بالرد على الناصبة -أي: أهل السنة- مع أنهم هم الذين يناصبونهم العداء في إثبات إيمان فرعون وإثبات إيمان إبليس، فالإيمان عندهم هو المعرفة بالله فقط، والكفر هو الجهل بالله.
قال جهم: من أتى بالمعرفة -المعرفة تختلف عن العلم- ثم جحد بلسانه لم يكفر بجحده؛ لأن العلم والمعرفة لا يزولان بالجحد.
مثل أن يأتي شخص فيقول لك: تعرف النظرية الفلانية؟ تقول له: نعم أعرفها، لكن لو أنك جحدت النظرية بعد إقرارك بمعرفتها فلا يستلزم أنك فعلاً قد جهلت هذه النظرية، ولذلك يقولون: الذي يقر بالربوبية والإلهية ثم جحد بعد ذلك؛ فهذا الجحود لا يؤثر على المعرفة.
وقال: الإيمان لا يتبعض، أي: لا ينقسم إلى عقد بالقلب، وقول باللسان، وعمل بالأركان، ولا يتفاضل أهله فيه، أي: لا يزيد مؤمن على مؤمن، بل كل المؤمنين في ذلك سواء، سواء في ذلك الملائكة أو البشر أو الجن أو سائر المكلفين، فكلهم في مسألة الإيمان على مرتبة واحدة، فإيمان الأنبياء وإيمان الأمة على نمط واحد؛ إذ المعارف لا تتفاضل، وهذا غير صحيح؛ فعموم المعارف عند أهل السنة وليست المعرفة بالله فقط تتفاضل، فليست معرفة زيد بالله كمعرفة عمر.
стр. 1272
قول الجهمية بالجبر، وإنكارهم الشفاعة والكرسي والاستواء وغير ذلك
ولهم قول كذلك بالجبر، وأنه لا فعل لأحد في الحقيقة إلا لله وحده؛ إذ إنه هو الفاعل الحقيقي، والعبد مسلوب الإرادة، مسلوب المشيئة، ولذلك من الظلم أن يعذب في الآخرة هكذا يقولون، وهذا بعض ما أنكر الجهم، فقد أنكر أن يكون الله تعالى على العرش، وأنكر أن يكون لله تعالى كرسي، وأنكر أن يكون الله تعالى في السماء دون الأرض، وأنكر أن يكون لله تعالى وجه وسمع وبصر ويد، وأنكر أن الله استوى إلى السماء، وأنكر أن الله تعالى يتكلم أو أنه كلم موسى تكليماً، وأنكر أن الله تعالى ينزل إلى السماء الدنيا، وأنكر النظر إلى الله تعالى، وأن يكون لله حجاب، وأنكر أن ملك الموت يقبض الأرواح، وأنكر عذاب القبر، وأنكر منكراً ونكيراً، وأنكر الميزان، وأنكر الكرام الكاتبين، وأنكر الشفاعة.
فانظروا حتى لا تتصوروا أن الكلام عن الجهمية كلام ليس له قيمة وليس له داعي في هذا الزمن؛ إذ إن التوحيد منتشر، والإسلام منتشر، ومصرنا أحسن بلد في العالم، ونحن الحمد الله جيدين! لا، نحن لسنا جيدين، فقد صنفت كتباً في إنكار الميزان والصراط وعذاب القبر وإنكار الشفاعة، فهذه أصول من أصول الجهمية، فهناك أستاذ في جامعة الأزهر أنكر الصراط والميزان والحساب؛ لأن هذه كلها معنويات، ثم يتهكم بعد ذلك ويقول: عليهم أن يثبتوا هل للميزان كفة أم كفتان؟ وإذا كان له كفتان فهل يكون مثل ميزان الدنيا؟! إذاً ونحن قائمون من قبورنا وقادمون على الله نأخذ معنا البطاطس والطماطم من أجل أن نوزنها! فهو يتهكم ويسخر، مع أنه أستاذ في جامعة الأزهر! كما أنكر الجهم الشفاعة، وأنكر أن قوماً يخرجون من النار، وأنكر أن الجنة والنار مخلوقتان، وزعم أنهما تفنيان بعد خلقهما.
стр. 1273
مناظرة الجهم لقوم من السمنية
وقد ناظر جهم قوماً من السمنية الدهرية المجوسية الذين جحدوا الإله، وهذه المناظرة تبين بعض آراء جهم، وهي مناظرة كبيرة مشهورة، قال السمني لـ جهم: نناظرك؛ فإن ظهرت حجتنا عليك دخلت في ديننا، وإن ظهرت حجتك علينا دخلنا في دينك، قالوا له: أنت تزعم أن لك إلهاً؟ قال الجهم: نعم، فقالوا له: فهل رأيت إلهك؟ قال: لا، قالوا: فهل سمعت كلامه؟ قال: لا =مع أن من كلام الله القرآن الكريم- قالوا: فشممت له رائحة؟ قال: لا، قالوا: فوجدت له حساً؟ قال: لا، قالوا: فوجدت له مجساً؟ قال: لا، قالوا: فما يدريك أنه إله؟! ولولا أن الله تعالى حكى في القرآن مقالة الكافرين ما تجرأت على أن أقول حرفاً واحداً من هذا، وما نذكرها إلا على سبيل فضحهم وبينان ضلالهم.
فعند ذلك تحير الجهم، وتحيره دليل على جهله واغتراره بالله ، فلم يدر من يعبد أربعين يوماً، ثم إنه استدرك حجة مثل حجة الزنادقة والنصارى، وذلك أنه جلس أربعين يوماً يفكر ماذا يقول لهؤلاء القوم؟ ومثل ذلك أن زنادقة النصارى يزعمون أن الروح الذي في عيسى هو روح الله من ذات الله، فإذا أراد أن يحدث أمراً دخل في بعض خلقه فتكلم على لسان خلقه، فيأمر بما يشاء وينهى عما يشاء، وهو روح غائبة عن الأبصار، فاستدرك الجهم حجة مثل هذه الحجة، فقال للسمني: ألست تزعم أن فيك روحاً؟ قال السمني: نعم، قال: فهل رأيت روحك؟ قال: لا، قال: فهل سمعت كلامه؟ قال: لا، قال: فهل وجدت له حساً؟ قال: لا، قال: فكذلك الله لا يرى له وجه، ولا يسمع له صوت، ولا يشم له رائحة، وهو غائب عن الأبصار، ولا يكون في مكان دون مكان.
стр. 1274
الآيات التي بنى عليها الجهم أصل مذهبه
وذكر الإمام أحمد أن الجهم بنى أصل كلامه على ثلاث آيات تشتبه معانيها على من لا يفهمها: الأولى: آية نفي الإدراك، قال الله تعالى: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ﴾ [الأنعام:١٠٣]، وقلنا من قبل في هذه الآية: إن الإدراك يعني الإحاطة والشمول.
الثانية: آية نفي المثل؛ لينفي بها الصفات، ويجعل من أثبتها مشبهاً.
قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١]، وقد أخذنا في الكلام عن القدرية: أنه ما من صاحب بدعة إلا ويحتج بأول الآية ويترك آخرها، أو يحتج بآخرها ويترك أولها، فمثلاً: هذه الآية كلها توحيد لله : ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١]، فقوله تعالى: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) أي: لا تشبهه الأشياء ولا تماثله، وليس له في الأشياء والمخلوقات مثيل ولا شبيه ولا ند ولا كفؤ، ثم أثبت أنه السميع البصير، فسمعه يختلف عن أسماع الأشياء، وبصره يختلف عن أبصار الأشياء، إذاً هو سميع بسمع يليق بجلاله، وبصير ببصر يليق بجلاله؛ لأنه ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١]، فأهل السنة يحتجون بأول الآية وآخرها، وأهل البدعة يحتجون ببعض الآية ويتركون البعض الآخر.
الثالثة: قوله تعالى: ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَوَاتِ وَفِي الأَرْضِ﴾ [الأنعام:٣]، فقالوا: ما دام في الأرض فهو في الأرض بذاته، وما دام في السماء فهو في السماء كذلك، وهو ما بين السماء والأرض، حتى في الأراضين السبع، لكن كل هذا يقولون: بذاته، وهذا الذي جعل أهل السنة والجماعة يقولون: إن الله بذاته مستو على العرش، فلم يكونوا يقولون: بذاته في أول الأمر، لكن لما تطرق المبتدعة إلى القول في الذات اضطر أهل السنة والجماعة أن يقولون: بالذات كذلك، فأهل السنة والجماعة يقولون دائماً: الله على العرش استوى، ولا يقولون بذاته ولا بغير ذاته، وإنما يسكتون عن هذا؛ لأن الله تعالى قال: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥]، لكن لما قالت المبتدعة: هو في كل مكان بذاته؛ قال أهل السنة: لا، بل هو بذاته على العرش، وبعلمه وسمعه وإحاطته ورعايته في جميع الخلق، ومع جميع الخلق، فمعيته معية علم وسمع وبصر وإحاطة ورعاية وقيومية وغير ذلك من سائر صفاته وأسمائه ، فلم يكونوا يقولون: بالذات أولاً؛ لأن الأدلة ليس فيها ذكر للذات، وما كانوا يتمنون أن يلجئوا لمثل هذا، وإنما ألجأهم واضطرهم إلى ذلك الرد على أهل البدع.
стр. 1275
الأسئلة
стр. 1276
معنى الاستواء في قوله تعالى: (الرحمن على العرش استوى)
السؤال
قال تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥]، فنؤمن ونشهد بذلك، لكن ما معنى الاستواء؟
الجواب
الاستواء له في اللغة عدة معانٍ، وكل معنى من هذه المعاني إنما يفهم من السياق، فإذا كان متعلقاً بالله فمعناه: العلو والارتفاع، ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥]، أي: علا وارتفع، وقد حاضرنا مراراً وتكراراً في هذه الجزئية بالذات، وسيأتي معنا إن شاء الله في الرد على الجهمية عند الكلام على فوقية الله تعالى وعلوه على عرشه.
стр. 1277
بيان عقيدة علماء دار العلوم
السؤال
عفواً، ليست عقيدة أهل الفلسفة الإسلامية في دار العلوم عقيدة أشعرية، بل هي عقيدة أهل السنة والجماعة، ويحفل هذا القسم بعلماء سلفيين نافحوا ودافعوا عن العقيدة الصحيحة، مثل الشيخ: مصطفى حلمي، والدكتور: حسن الشافعي.
الجواب
لا يا أخي! وإذا قبلت ذلك في الدكتور مصطفى حلمي؛ فأنا متأسف جداً أن أقبل هذا في الدكتور حسن الشافعي، فإن كتبه موجودة بين أيدينا، فتارة يصير إلى مذهب الخوارج، وتارة إلى الشيعة، وتارة إلى المعتزلة، ومعظم أقواله هي أقوال الأشاعرة، بل يرى كل شيء إلا أن يرى سلفياً أمامه، وإذا كان هذا موطن خلاف بيني وبينك فتفضل، وأنا عندي كتب الأستاذ حسن الشافعي وقد درسني، وأنا أعلم أنه ليس موجوداً في هذه البلاد، لكنه قد درسني في الدراسات العليا في دار العلوم وقال كلاماً في غاية الغرابة في وجود أخي الدكتور جمال السنوتي، والدكتور أكرم أستاذ موجود حي يرزق، والأستاذ الشيخ: محمد عارف السجوري في أنصار السنة وهو معنا، وبقية الدفعة لا أذكرها الآن.
قال الدكتور حسن الشافعي: أما قول مالك: الاستواء معلوم فأنا أوافقه على ذلك، والكيف مجهول أنا أوافقه على ذلك، فقلت له: يا دكتور حسن! ما معنى الكيف مجهول؟ فأقسم بالله الذي في السماء أنه قال: الكيف مجهول على الله! فقلت: كيف يجهل الله تعالى ذاته؟ قال: إما أن تسكت وإما أن تخرج من المحاضرة، فقلت: بل أخرج، فخرجت فتلقاني من هو شر منه أحمد شلبي، فقال: اهدأ يا رجل! وأخذني إلى المكتبة، وقال لي: أنت لم تر آخر الأبحاث؟ فقلت له: لا، فقال لي: آخر الأبحاث في عيسى بن مريم، قلت له: وماذا فيها؟ قال: ألم تسمع أن الأبحاث الحديثة أثبتت أن عيسى قد قتل، قلت له: هذه أبحاثك، وأنت لا يأتي منك إلا كل شر، فوقف وانتفض، قلت له: إذا تكلمت كلمة سأرد عليك، فجلس يصيح، وأنا إذا أردت أن أنسحب من قولي فأنسحب منه فعلاً؛ لأنني متأكد أن معظم أساتذة ودكاترة العقيدة في دار العلوم الآن سلفية وأفاضل جداً، ويكفي وجود الدكتور مصطفى حلمي بالقسم، وهذا دين لا يحابى فيه أحد، ورغم بعض الزلات للدكتور مصطفى حلمي التي وافق فيها الأشاعرة، لكن الرجل محب للسلف وعقيدة السلف، فإذا أخطأ في شيء فأظن أنه أخطأ فيه بغير علم، والله تعالى يعفو عنا وعنه.
стр. 1278
من صفات الدجال أنه أعور
السؤال
هل من المحتمل أن يكون الرجل الذي ادعى الألوهية هو المسيح الدجال؟
الجواب
لا؛ لأنه ليس بأعور، وإنما هو أعور القلب.
стр. 1279
حكم الصلاة في مكان أهله أشاعرة
السؤال
هل تجوز الصلاة في مسجد الجمعية الشرعية بعد أن عرفنا أنها تقول بقول الأشاعرة؟
الجواب
نعم تجوز.
والسؤال هذا ما كان ينبغي طرحه، يقول: من علماء الجمعية الشرعية من صنف كتاباً في العقيدة وسماه: هذه عقيدتنا، وإذا بها عقيدة الأشاعرة، وأنا يا إخواني لم آت بهذا من عندي، وكتاب (الدين الخالد) للشيخ: محمود خطاب السبكي، انظر إلى المجلد الأول في العقيدة ففيه عقيدة الأشاعرة، وإن كنا نعتقد أن معظم القائمين على الجمعية الشرعية أيضاً إخوة سلفيون، لكن أصل منهج الجمعية أشعري، والعجيب أنهم لا يريدون أبداً أن يتخلوا عن هذا.
стр. 1280
حكم التجارة بالعملة
السؤال
هل يجوز التجارة بالعملة؟
الجواب
نعم، هي جائزة شرعاً محرمة قانوناً.
стр. 1281
حكم تكفير الجماعات
السؤال
هل يجوز تكفير الجماعات كجماعات الشيعة؟
الجواب
جماعات الشيعة أو الخوارج أو المعتزلة أو القاديانية أو الجهمية الأمر فيها يحتاج إلى تفصيل، فغلاة هذه الفرق أقرب إلى الكفر منهم إلى الإيمان، وأما عامة هذه الفرق فلا يكفرون إلا من نقض أصلاً عظيماً من أصول الإيمان.
стр. 1282
نفي بعض الفرق لأسماء الله وصفاته لا يستلزم الخلود في النار
السؤال
هل القدرية والأشاعرة والجهمية والفرق التي نفت الصفات والأسماء مخلدون في النار؟
الجواب
الأمر يحتاج إلى تفصيل، ولا يلزم كون هذه الفرق ليست من أهل السنة والجماعة أنهم كفار، بل هم من أهل القبلة، ولذلك نسبهم النبي إلى أمته، فقال: (وستفترق هذه الأمة إلى ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار)، ولا يلزم من دخولهم النار الخلود فيها، ونحن قبل أن نبدأ في شرح كتاب ابن بطة تكلمنا عن حديث افتراق الأمة بكلام طويل في محاضرات عدة، وفصلنا بعض التفصيل، وربما يكون لنا ختام في نهاية الكتاب بذكر الكلام العام في هذه الفرق، وفي الدعاة إليها، وفي أتباعهم.
стр. 1283
حكم استعمال السبحة
السؤال
هل يجوز استعمال المسبحة أم هي بدعة؟
الجواب
الذي أعتقده جواز استخدامها، وأنها ليست بدعة، وإن كنت لا أحب ذلك؛ لأنها صارت علامة على أهل البدع، فالذي يراك بمسبحة وأنت ماش في الشارع تسبح بها يعتقد أنك صوفي، فهي صارت علامة على أهل البدع، وكم من أمور مباحة يتركها الرجل مخالفة الوقوع في التهمة.
وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.
стр. 1284
شرح كتاب الإبانة - نبذة عن تاريخ الجهمية وأعلامها
لقد بلغ النبي ﷺ البلاغ المبين، حتى ترك الناس على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، فكان الدين كاملاً والسنة قائمة، إلى أن خلفت خلوف فابتدعت في دين الله ما ليس منه، وحرفوا وبدلوا، وكان من أوائلهم ظهوراً فرقة الجهمية المارقة، التي تكلمت في الدين، وعطلت ونفت أسماء الله وصفاته، ولقد بين السلف ﵏ ضلالهم وزيغهم، وحذروا من سلوك سبيلهم واعتقاد ما يعتقدون من الباطل والضلال.
стр. 1285
ظهور البدع في الدين
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن والاه.
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
في الدرس الماضي تكلمنا عن الجهم بن صفوان وعن شيخه الجعد بن درهم، وفي الجملة تكلمنا عن سلسلة أهل النار التي هي سلسلة مشايخ الجهم بن صفوان الذي هو زعيم الجهمية، وأن أصل بدعة التجهم إنما نشأت في الإسلام عن طريق سوسن النصراني العراقي والذي كان شيخاً للجعد بن درهم، وأصل هذه البدعة هو لبيد بن الأعصم، ذاك اليهودي الذي سحر النبي ﷺ ، فوعدنا أن نتكلم عن مذهب الجهمية.
إذا كنا في الدرس الماضي تكلمنا عن الجهم الذي هو مؤسس هذا المذهب، فالكلام في هذه الليلة وما يتلوها بإذن الله تعالى عن الجهمية.
لقد بعث الله تعالى محمداً ﷺ بالهدى ودين الحق؛ ليخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم، فبلغ البلاغ المبين، وأوضح للناس المنهج القويم الذي يجب أن يسيروا عليه في هذه الحياة، حتى يلقوا ربهم ﵎، فتركهم ﵊ على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها أحد بعده إلا هالك، وبالتالي لم يكن هناك خلاف ولا اختلاف في زمن النبي ﵊، فما كان من شيء ينشأ عند الصحابة إلا ويبادرون بسؤال النبي ﵊؛ فيقيمهم على الجادة.
فهؤلاء الذين سول ووسوس لهم الشيطان في ذات الله -لأن أعظم البدع المتعلقة بذات الله أو بأسمائه وصفاته- أتوا إلى النبي ﵊ وقالوا: (يا رسول الله! إن أحدنا لتحدثه نفسه بالشيء لأن يخر من السماء أحب إليه من أن يتكلم فيه) ومع هذا لم ينقلوا أصل الوسوسة للنبي ﵊، وإنما فهم ﵊ ما عنه يتحدثون، فقال: (ذاك صريح الإيمان) أي: خوفكم أن تتلفظوا به يدل على إيمانكم الكامل والتام، ثم قال ﵊: (إن الشيطان يأتي أحدكم فيقول: من خلق الجبال؟ من خلق الأنهار؟ من خلق السموات؟ من خلق الأرض؟ فتقولون: الله، فيقول: هذا الله خلق كل شيء، فمن خلق الله؟!)، هذا هو عين الوسوسة التي حذر منها النبي ﷺ وبين العلاج فقال: (فإذا بلغ الشيطان منكم ذلك المبلغ فاستعيذوا بالله وانتهوا -أي: جاهدوا أنفسكم ألا يستقر هذا الوسواس في قلوبكم- وقولوا: آمنا بالله ورسوله)، فهذه ثلاث علاجات حددها النبي ﵊.
إن الشيطان قد جثم على صدور أهل البدع والأهواء من بعد النبي ﵊، مع أن أصول هذه البدع قد ظهرت بوادرها في زمنه ﵊ كالخوارج مثلاً، فالخوارج جاء زعيمهم وهو التميمي المعروف، فقال للنبي ﵊ وهو يقسم الغنائم: اعدل يا محمد! هذه قسمة ما أريد بها وجه الله.
فقال النبي ﵊: (ويحك! ومن يعدل إذا لم أعدل؟ ثم ولى الرجل فقال النبي ﵊: يخرج من ضئضئ هذا - أي: من صلب هذا ومن ظهره- أناس تحقرون صلاتكم إلى صلاتهم، وصيامكم إلى صيامهم، يقرءون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية).
فهذا كان أصل الخوارج، وهذا الرجل هو جدهم الأكبر وأبوهم الأعظم.
انظر إلى قوله ﵊ في وصف أهل البدع أنهم من أشد الناس اجتهاداً في العبادات: (تحقرون صلاتكم إلى صلاتهم) أنتم يا أهل السنة! ويا معشر الصحابة! إذا رأيتموهم في حال عبادتهم احتقرتم صلاتكم وصيامكم وزكاتكم وقراءتكم للقرآن، ولذلك ينطلي على كثير من العامة بدع المبتدعين إذا رأوهم قد تنسكوا وتمسحوا بمسوح أهل العبادة والزهاد، ويقولون: كيف ذلك؟ هذا الرجل يصلي ويصوم ويزكي، بل ويحج كل عام، ومتصدق جواد ينفق على الفقراء والأيتام، وإذا رأيته في قيام الليل فحدث ولا حرج، بل وفي الجهاد وغير ذلك! إن المنافقين كانوا يجاهدون مع النبي ﵊ وهم من أهل النار، وكان يعرضون أنفسهم لبريق السيف مع نفاقهم، فليست العبادة دليلاً على صلاح العابد، بل ربما يكون من أعبد الناس، وقلبه أقسى من الحجارة، ويأتي بنواقض الإسلام كلها.
وهذا رجل آخر -وهو من الخوارج كذلك- كان يجمع الناس فيجعلهم حلقاً في المسجد، فيجعل على كل حلقة أميراً وكبيراً يلقي لهم الحصى، فيقول: كبروا مائة، سبحوا مائة، احمدوا مائة، فلما رأى ذلك أبو موسى الأشعري -وكان ذلك في الكوفة- قال: أتيت إلى ابن مسعود ﵁ فانتظرت على باب بيته حتى خرج قال: ما شأنك يا أبا موسى؟! قلت: رأيت شراً، قال: هل أنكرت؟ قلت: لا، فجاء عبد الله بن مسعود
стр. 1286
تبليغ النبي ﷺ الرسالة وفي مضمونها الأمر بالاتباع والنهي عن الابتداع
لقد ترك النبي ﵊ الأمة على المحجة البيضاء ناصعة البياض لا اختلاف فيها ولا تفرق ولا تشرذم، ولم يتركنا ونحن في حاجة إلى معرفة شيء من أمر ديننا إلا بمستجدات الحياة التي لها أصول في كتاب الله، وفي سنة النبي ﵊، إما بها تلحق أو عليها تقاس، والفقه متجدد في كل زمان ومكان، ولذلك أصوله في الكتاب والسنة، أما أن تجد لكل حادثة في حياة الناس نصاً يخصها في الكتاب والسنة فلا، فإنما الكتاب أصول وعمومات بينته وشرحته وفصلته وقيدته السنة المطهرة، وعلى هذين الأصلين انبثق الإجماع، ومن الإجماع كان قياس الفرع على الأصل لاتحاد العلة، وهذا حال الناس إلى أن تقوم الساعة.
أما النبي ﵊ فقد ترك هذه الأمة لا ينقصها شيء، وقد تلقى الصحابة ﵃ ما جاء به الصادق المصدوق ﷺ بالقبول والتسليم بغير لم؟ ولا كيف؟ ما سمعنا واحداً يقول للنبي النبي ﵊: لم كذا يا رسول الله؟ وكيف كذا يا رسول الله؟ بل آمنوا بما ذكره الله تعالى من نصوص الأسماء والصفات للرب ﵎ خاصة، وأثبتوها كما جاءت، واتفقوا على إقرارها وإثباتها والإيمان بها وإمرارها مع فهم معانيها، فانظر إلى هذا القيد: (مع فهم معانيها)، حتى لا نقع فيما وقع فيه أهل البدع من تأويل أو تفويض للمعنى، وإنما نفهم المعاني كما نثبت الحقائق، ومع نفي العلم بكيفيتها نثبت حقيقة الصفة، وننفي العلم بكيفية هذه الصفة؛ لأنه لا يعلم كيفيتها إلا الله ، فقد وصف الله تعالى نفسه بصفات، وسمى نفسه بأسماء، وأخبر عن نفسه بأفعال، فأخبر أنه يحب ويكره، ويمقت ويغضب، ويسخط ويجيء ويأتي، وينزل إلى السماء الدنيا، واستوى على العرش، وأن له علماً وحياة وقدرة وإرادة وسمعاً وبصراً ووجهاً، كل ذلك من الصفات الخبرية وغير الخبرية أثبتها الله تعالى لنفسه.
وأن له يدين، وأنه فوق عباده، وأن الملائكة تعرج إليه، وتنزل بالأمر من عنده، وأنه قريب من عباده، وأنه مع المحسنين ومع المتقين، ومع الصابرين، وأن السموات مطويات بيمينه، ووصفه رسوله ﵊ بأنه يفرح ويضحك، وأن قلوب العباد بين أصبعين من أصابع الرحمن ﵎.
كل ذلك قد آمن به الصحابة ومن بعدهم التابعون بغير أن يسألوا: كيف يده يا رسول الله؟! وكيف وجهه يا رسول الله؟! وكيف نفسه يا رسول الله؟! وكيف سمعه؟ وكيف إرادته؟ وكيف مشيئته؟ وإنما آمنوا بذلك كله على الوجه اللائق بالله .
فوصفه الصحابة بهذه الصفات الكاملة من غير تشبيهه بأحد من خلقه، ولا تعطيل له عن صفاته، ولا تمثيل له بغيره، ولا تأويل وصرف عن ظاهر هذه النصوص، آمنوا بذلك، وفروا من الابتداع في الدين، وأعظم الابتداع ما كان في أصل الدين، وفي ذات الإله وفي أسمائه وصفاته، وأمروا بالاقتداء لا الابتداع.
قال ابن مسعود ﵁: إنا نقتدي ولا نبتدي.
هذا ابن مسعود وهو سادس ستة في الإسلام -أي: من كبار الصحابة، ومن المهاجرين الأوائل- قال: إنا نقتدي ولا نبتدي، أي: لا ننشئ أمراً جديداً، وإنما نقتدي بالنبي ﵊، ولا نتبع أمراً من عند أنفسنا.
قال: ونتبع ولا نبتدع، أي: نتبع النهج القويم الذي جاء به النبي ﵊ ولا نبتدع في دين الله.
قال: (ولن نضل) لن: لنفي الحاضر والمستقبل، قال: (ولن نضل ما تمسكنا بالأثر) أي: ما دمنا قد تمسكنا بقال الله وقال الرسول، كما قال ابن القيم عليه رحمة الله: العلم قال الله قال رسوله قال الصحابة ليس بالتمويه ما العلم نصبك للخلاف سفاهة بين الرسول وبين قول فقيه هكذا قال ابن القيم يحدد أصول العلم الشرعي.
لما سألني أحد السائلين المتفلسفين عن حكم الاحتفال بمولد النبي ﵊ قلت: أليس أصل العلم الكتاب؟ قال: بلى.
ومن بعده السنة؟ قال: بلى.
ومن بعده الإجماع؟ قال: بلى.
قلت: هل جاء الاحتفال بمولده ﵊ في القرآن؟ قال: لا.
في السنة؟ قال: لا.
هل احتفل النبي ﷺ بميلاده؟ قال: لا.
احتفل الصحابة بميلاده؟ قال: لا.
التابعون؟ قال: لا.
هل أقرهم النبي ﷺ على شيء من ذلك؟ قال: لم يقع منهم شيء من ذلك حتى يقر أو يثبت.
قلت: لو كان خيراً هل يصح أن يحجبه الله عن نبيه والصحابة الكرام ويظهره لنا؟ قال: مستحيل.
قلت: إذاً: قد أجبت.
قال: أنا ما أجبت.
قلت: أنت قلت: هذا بدعة وحرام؛ لأن الحرام هو فعل ما لم يكن في القرآن ولا في السنة، ولا أجمع عليه العلماء خاصة الصحابة ﵃، فقال: لكن هذا شيء لابد لنا منه، قلت: هذه مقولة المبتدعة في كل زمان يقولون هذا، ويقولون: ما الضرر من هذا إنما يذكرنا هذا بالنبي ﷺ ، ومنتهى البلاء أن تتذكر النبي ﷺ يوماً في كل عام مع أنك لا تنسى أباك، ولا تنسى أمك ولا صاحبك، بل ربما تستيقظ من النوم قبل ميعادك لتنظر في وجه صاحبك؛ لفرط محبتك له، فهل
стр. 1287
خطر كتب اليونان والفرس على عقيدة المسلمين
ثم دخل الشر بعد ذلك لما ترجمت كتب اليونان في زمن العباسيين، وكتب الفرس؛ لأن الفرس كانوا أصحاب حضارة، واليونان كانوا أصحاب حضارة، فلما ترجمت كتب حضارة الفرس وحضارة اليونان إلى الإسلام، دخلت الفلسفة والثقافات الغربية على المسلمين، فأفسدت عليهم أمر دينهم، واشتغل بعضهم بدراستها لاعتقادهم أنها تزيدهم معرفة ويقيناً، في الوقت الذي أعرضوا فيه عن كتاب الله .
فلو أخرجنا مثلاً من الأمثلة لوجدنا أن طه حسين أعمى البصر والبصيرة، ذهب ليدرس الفلسفة الغربية في فرنسا، ورجع بالشك في كل ثوابت الإسلام وأصوله، حتى قال: لابد من الشك في كتاب الله حتى نصل إلى الحقيقة، وبكل وقاحة أثبت هذا في كتابه، بل في بعض كتبه قال: لابد من الشك، وكان اتخاذ الشك مصدراً أساسياً لتعطيل العلوم عنده، فكان مذهب التعطيل والشك دائماً في كل النصوص الشرعية وفي الإجماع، وأنكر كثيراً من الأصول الشرعية.
ثم أعلن ولده من بعده تقريباً سنة (١٩٨٨م) تنصره في الكنيسة العظمى في باريس، فكان تعليق المشايخ وأهل العلم: وماذا تنقمون على ابن طه حسين إذا كان هو شر خلف لشر سلف، فهو قد سار على نهج أبيه؟ ولكن هناك تلميع لمثل هذه الشخصيات حتى تكون القدوة في بلاد المسلمين، إذ كانوا يضيفون عليهم ألقاباً عظيمة جداً مخيفة ومهولة، بحيث لا يقدر الواحد أن يخترق هذا الجدار من هذا الأدب العربي، ومن يستطيع أن يتكلم كلمة واحدة مع عميد الأدب العربي؟ وهكذا الإمامة لفلان الفلاني، والكاتب الإسلامي الكبير، والمفكر الإسلامي الكبير، وهكذا كل من سار على نهج هؤلاء المستشرقين وأتوا إلى هذه البلاد وصاروا على نهجهم، ثم اتخذوا لهم أذناباً في هذه البلاد عندما فارقوا بلاد الإسلام، فبقي بيننا من يتكلم بألسنتنا ويدين ظاهراً بديننا، وهو أطعن لنصوص الشرع، وأبعد الناس عن دين الله .
قصص في كل زمان ومكان تتم بمشيئة الله ؛ لأنه لا يكون في الكون إلا ما أراد وقدر ، لما ترجمت هذه الدراسة اعتقدها الدارسون، واعتقدوا أنها تزيدهم علماً ومعرفة ويقيناً في الوقت الذي أعرضوا فيه عن كتاب الله وسنة رسوله، وزهدوا فيهما، فعند ذلك دخلت عليهم الشبه والضلالات، عندما يكون الإنسان حصيلته من الثقافة الغربية مذهلة، ورصيده من الإيمان صفراً أو فوق الصفر بشيء يسير؛ لاشك أن الشبه والضلالات تدخل عليه، واستغل ذلك أعداء الإسلام من اليهود والفرس واليونان وغيرهم، فأخذوا في ترويج باطلهم مستخدمين في ذلك من لم يتشبع بعلم الكتاب والسنة، ومن لم يدخل الإيمان في قلبه ممن دخل الإسلام؛ ليطعنه في صميم عقيدته، وكانت بعض مقالات الضلالات قد ظهرت ذيولها في أواخر عصر الصحابة كما قلنا من قبل.
ولكنها كانت محصورة في نطاق ضيق، وكانت في مسائل محدودة يسيرة، ثم استفحل الشر، وانتشر بعد ذلك بعد أن ترجمت كتب الضلال، وتطورت الخلافات وتعددت علوم الفلسفة والكلام.
إن أقسام العقيدة في الجامعات الآن يسمونها: قسم الفلسفة، أو قسم علم الكلام، حتى تعلموا أن هذه التسمية نفسها تسمية غربية لا تسمية شرعية، فعلم الكلام أو المتكلمين، أو قسم الفلسفة، كل هذه مصطلحات غربية لا علاقة للإسلام بها.
стр. 1288
المنهجية التي سلكها علماء السلف في الرد على طوائف الضلال والانحراف
وانبرى علماء السلف لما انتشر الفساد؛ للرد على طوائف الضلال، وبيان الحق من الباطل، وكشف الشبه، والتحذير من الخروج عن منهج النبي ﷺ وصحابته الكرام.
وحثوا على الالتزام بما كان عليه النبي ﷺ وأصحابه، فقد قال أبو العالية الرياحي: تعلموا الإسلام؛ لأنك لو تعلمت الإسلام استرحت وعرفت الحق من الباطل، والخير من الشر، والضلال من الهدى، وما سلمت رقبتك لآحاد الناس، وإنما الأمر كما قال العلماء: اعرف الحق تعرف أهله، إن الدين لا يعرف بالرجال ولا بالمناصب ولا بالوجاهات ولا بالزعامات ولا بالإمارة، إنما الدين بمعرفته ومعرفة أبنائه وأهله المخلصين العاملين.
إن الدين لا يعرف بالرجال، وإنما يعرف الرجال بالدين، فالدين هو القاضي والحاكم في الناس، وليس الناس يحكمون في دين الله .
قال: تعلموا الإسلام، فإذا تعلمتموه فتعلموا القرآن، فإذا تعلمتموه فتعلموا السنة.
إذاً: الخطوة الأولى: دخولك في الإسلام.
الثانية: أن تتعلم القرآن بعد الإيمان؛ ولذلك قال عبد الله بن عمر: كنا نتعلم الإيمان أولاً، فإذا نزل القرآن ازددنا به إيماناً.
إذاً: توحيد الله تعالى هو أهم شيء؛ لأن الإسلام هو النطق بالشهادتين واعتقادهما، والعمل بمقتضاهما، ولكن الصحابة الأوائل لما نطقوا بكلمة التوحيد في أول بعثة النبي ﵊ كان لهم من الإيمان والكمال والتمام فيه ما لهم بغير عمل؛ لأنه لم تنزل الأعمال حينئذ، فلم تشرع الصلاة ولا الصيام ولا الزكاة ولا الحج، ولا الأمر بالمعروف؛ لأن النبي ﷺ كان مأموراً أن يدعو سراً، فلم يكن هناك شيء من العمل في أول الأمر، ومع هذا كانوا في كمال الإيمان وتمامه؛ لأن هذا هو المفروض عليهم في ذلك الوقت.
فلما أتوا به كاملاً كانوا على درجة عالية من كمال الإيمان والإسلام، فقوله: (تعلموا الإسلام) أي: تعلموا توحيد الله، تعلموا الإيمان الحق بالله تعالى وأسمائه وصفاته وأفعاله، والإيمان بالأنبياء والكتب، واليوم الآخر والقدر خيره وشره، وغير ذلك من مسائل الإيمان، والتي منها: الغيب، وغيره.
فإذا تعلمتم هذا واستقر الإيمان في قلوبكم، فتعلموا القرآن؛ لأن القرآن مع هذه الأرض الصالحة الطيبة ينفع، ﴿وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًا﴾ [الأعراف:٥٨] والتقدير: لا يخرج منه إلا نكداً.
فإذا كانت الأرض صالحة والإيمان قد استقر في القلب، فحينئذ لا يسمع القلب آية من كتاب الله إلا وينتفع بها، يقف عندها فيقول: ما المراد من هذه الآية؟ وما المطلوب مني؟ وما الواجب؟ فلا يمر بآية إلا ويعمل بها؛ ولذلك جاء عن الصحابة أنهم كانوا يتعلمون القرآن عشر آيات عشر آيات، يحفظونها علماً وعملاً واعتقاداً، ولا يتعدونها إلا إذا عملوا بمقتضاها، فازدادوا بهذا العمل إيماناً؛ لأن الإيمان يزيد بالعمل -أي: بالطاعة- وينقص بالمعصية، فحينئذ قال: تعلموا الإسلام، فإذا تعلمتموه فتعلموا القرآن، فإذا تعلمتموه فتعلموا السنة، فإن سنة نبيكم صراط مستقيم.
وإياكم وهذه الأهواء المؤذية -أي: البدع والأهواء والضلالات والانحرافات عن سنة النبي ﷺ .
إياكم وإياهم- فإنها تلقي بين الناس العداوة، وعليكم بالأمر الأول العتيق، أي: سنة النبي الأمين ﷺ .
وقال الإمام مالك: إياكم والبدع.
قيل: يا أبا عبد الله! وما البدع؟ قال: أهل البدع الذين يتكلمون في أسماء الله وصفاته.
أي: على جهة النفي أو التأويل أو التحريف أو التمثيل، أما الذي يتكلم في أسماء الله وصفاته على سبيل الإثبات اللائق بالله فهم أهل السنة والجماعة.
قال: أهل البدع هم الذين يتكلمون في أسماء الله وصفاته وكلامه -أي: ينفون عن الله تعالى أنه يتكلم- وعلمه وقدرته، ولا يسكتون عما سكت عنه الصحابة والتابعون لهم بإحسان.
стр. 1289
قول الإمام الأوزاعي في لزوم السنة وترك البدعة
وقال الإمام الأوزاعي عالم الشام: اصبر نفسك على السنة -يعني: ألزم نفسك على اتباع السنة- وإن كان يخفى عليك شيء منها ففوض أمرها إلى الله ، فليس بلازم أن تفهم كل شيء، ومن من الناس يفهم حتى في مجال عمله كل شيء، الذي يقتات منه في كل يوم، ويمارسه في كل يوم عدة ساعات، تخفى عليه مسائل في عمله، فمن باب أولى أن يسكت عما لم يفهمه فيما يتعلق بأمور الغيب، ويؤمن به كما جاء ويمره إمرار الكرام إيماناً وإقراراً وإثباتاً على ما يليق بالله تعالى بكماله وجلاله، فصبر نفسك على السنة، وقف حيث وقف القوم.
وإذا قلنا: (قف حيث وقف القوم) فإن القوم هم النبي ﷺ وأصحابه الكرام، والتابعون لهم بإحسان الذين ساروا على نفس الخط ونفس النهج، الذين لم يختلفوا في صفات ذاته ﵎، صفات الذات من اليد والعين والساق والقدم وغير ذلك.
أو الخبرية: كالمجيء والإتيان، والغضب والرضا والسخط، وغير ذلك من الصفات فهذه الصفات هل قرأها الصحابة في كتاب الله أم لا؟
الجواب
قرءوها، وقرأها النبي ﷺ ، وقرأها التابعون، فإن قيل: هل نحن أحسن من هؤلاء؟
الجواب
لا.
السؤال الثاني: هل النبي ﷺ سأل ربه: كيف عينك؟ كيف قدمك؟ كيف تنزل إلى السماء الدنيا؟ كيف استويت على العرش؟ الجواب: لا.
فإن قيل: هل يعرف النبي ﷺ ذلك؟ الجواب: لا.
لا يعرفه ملك مقرب ولا نبي مرسل، لا يعرفه إلا الله، أي: لا يعرف كيفية ذاته وصفاته إلا هو .
ولذلك لم يثبت أن واحداً من الأنبياء أو المرسلين أو الحواريين أو الأصحاب أو آحاد الناس ومن سار على نهجهم ورضي بمنهجهم أنه سأل عن الكيف مطلقاً، وإنما آمن به، وأمره كما جاء، وما خاض فيه بشيء من ذلك.
وهذا يدل على أن الذي خاض سلك سبيلاً غير سبيل المؤمنين، وغير سبيل المرسلين، فهو من أهل الضلال والبدع؛ لأن الأنبياء والمرسلين ما تركوا خيراً إلا وقد دلوا أممهم عليه، وخيرهم نبينا ﵊، فما ترك شيئاً فيه خير لنا وصلاح لنا ونفع لنا وتقريب إلى الله وإلى جنته إلا وقد أمرنا به وحثنا عليه، وما ترك شيئاً فيه شر لنا، وفساد لنا، وإبعاد لنا عن ربنا، وإدخال لنا في النار إلا وقد نهانا عنه ﵊.
قال: اصبر نفسك على السنة، وقف حيث وقف القوم، وقل فيما قالوا، إذا تكلموا في شيء فتكلم فيه؛ لأنهم عن علم تكلموا، فلا بأس أن تتكلم بما تكلموا به، وكف عما كفوا -الذي أمسكوا عنه يجب عليك الإمساك عنه- واسلك سبيل سلفك الصالح، فإنه يسعك ما يسعهم، ولو كان خيراً ما خصكم الله تعالى به دون أسلافكم.
لو قلنا: ناهيكم عن نصوص الشرع، لو وزناها بالمنطق والعقل لقلنا: لا يمكن أن يخفي الله خيراً على نبيه ويظهره لنا! هذا مستحيل، والقول بذلك يلزم منه: أن الأنبياء ما عرفوا الحق وما عرفوا الخير، وإن كانوا قد عرفوه وما بلغوه إلى أممهم فقد خانوا الله وخانوا الرسالة، إذاً: الرسل والأنبياء بلغوا البلاغ المبين، وأقاموا الحجة على سائر الخلق أجمعين، فلو كان الخوض في الصفات خيراً لما أخفاه الله على نبيه وأصحاب نبيه، ثم يبلغ الله به من بعدهم، والقائل بهذا يلزمه أن يقول: إن النبي ﷺ ومن بعده إلى يومنا هذا أجمعوا على الضلال، والأمة معصومة من ذلك.
قال: ولو كان خيراً ما خصصتم به دون أسلافكم، وإنه لم يدخر عنهم خير خبئ لكم دونهم في فضل عندكم.
أنتم لستم أفضل منهم، وهم أصحاب محمد ﵊ اختارهم الله وبعثه فيهم.
стр. 1290
قول أبي حنيفة فيما أحدثه الناس من الأعراض والأجسام
وقال نوح بن أبي مريم.
وهو أبو عصمة المروزي القرشي هذا كذاب ووضاع، وهو الذي وضع في فضل سور القرآن سورة سورة، وضع حديثاً في فضل كل سورة، والحديث الواحد عبارة عن كراسة أو (كشكول)، وهذا لا يمكن أن يقوله النبي ﵇، فإن أعظم خطب النبي ﵊ هي خطبة حجة الوداع، وخطبة فتح مكة، ولا تبلغ ثلاث صفحات.
لكن عندما يأتي شخص في هذا الوقت بدفتر كامل ويقول: هذا دعاء أربعة من الصحابة، فلا شك أن هذا الكلام ليس من دين الله أبداً، فالدين قال الله قال رسوله قال الصحابة، وليس هذا منه أبداً، فقد كثرت هذه الأوراق في هذه الآونة الأخيرة، حيث يأتي في ذيلها أو في عقبها تحذير ووعيد شديد، ثم يتبع هذا الدعاء أو الحديث سبع وسبعون أمراً، منها: قد يحرق الله لك مرادك، ويحرق لك ابنك، وأنت ليس لك في ذلك فائدة؛ لأنه ليس فيه من علم ابن تيمية عليه رحمة الله شيء، فإن ابن تيمية إذا ذكرنا اسمه فذكره كفاية، كما قال سفيان الثوري: عند ذكر الصالحين تتنزل الرحمات.
وكان ابن تيمية يناقش الصوفية الرفاعية، وهم من شر الخلق، وشر الناس ابتداعاً في الدين، وفاقوا حد التصوف بحدود كثيرة متناهية؛ حتى كان الواحد منهم يمسح بدنه بشحم الثعبان أو بنوع معين من الشحوم لا يتأثر هذا الشحم بالنار، كشحم الضفدع والثعبان، وكلاهما عجيبان، ثم يدخلون في النار ولا تضرهم، فقال ابن تيمية: ندخل النار نحن وأنت فمن أكلته النار فهو على الباطل، ومن نجا من النار فهو على الحق.
ولما وقفوا على النار قال ابن تيمية: يغتسل كل منا قبل دخول النار؛ لأن الماء يزيل هذا الشحم.
فرفضوا الاغتسال، فرفض ابن تيمية أن يدخل النار؛ لأنهم رفضوا أصل التحدي.
وفي رواية: أنه دخل النار وخرج منها ولم يحترق، ولما دخلوا هم أحرقتهم النار؛ لأنه صاحب حق، وقد كان أعلم الناس في زمانه بالله ، فإن العلم الخشية، والعلم علمان: علم بالأحكام من الحلال والحرام، وعلم بالله وهو الخشية والرجاء.
والرجاء بعد العمل لا قبل العمل، فإن الرجاء قبل العمل غرور واغترار بالله تعالى، أما بعد العمل فهو رجاء صحيح في الله .
قال نوح الجامع، وهو نوح بن أبي مريم الذي يعرف بـ نوح الجامع، وقد لقب بـ الجامع؛ لأنه جمع كل شيء إلا الخير، جمع الشر كله.
قال نوح: قلت لـ أبي حنيفة: ما تقول فيما أحدث الناس من الكلام في الأعراض والأجسام؟ الأعراض: كل ما هو معنوي من إثبات النفس لله ، والأجسام: هي الجوارح من إثبات اليد والعين والساق وغير ذلك من صفات ذاتية له .
قال: ما تقول فيما أحدث الناس من الكلام في الأعراض والأجسام؟ فقال: هي مقالات الفلاسفة، أي: من منهج الفلاسفة، وليس من منهج النبي ﷺ ولا أصحابه الكرام.
ثم قال له: يا نوح! عليك بالأثر وطريق السلف، وإياك وكل محدثة، فإنها بدعة.
أي: كلام الفلاسفة والمتكلمين كله بدعة حتى ما وافق منه الشرع، فإنه لا يجوز لأحد المسلمين أن يحتج به، وإنما يحتج بما جاء في الشرع؛ لأن هذا هو الطريق الحقيقي الذي يستجلب رضا الله ، فهذا أبو حنيفة ﵀ ينصح نوحاً الجامع بسلوك سبيل السلف، والتزام الأثر، وسلوك ما كان عليه النبي ﵊ من نهج وأصحابه الكرام.
стр. 1291
جواب الإمام مالك على من سأله عن الكلام والتوحيد
وسأل رجل إسماعيل الرياحي المزني عن شيء من الكلام فقال: إني أكره هذا -أنا أكره الخوض في هذه المسائل- بل أنهى عنه كما نهى عنه الشافعي، فلقد سمعت الشافعي يقول: سئل مالك عن الكلام والتوحيد، فقال مالك: محال أن نظن بالنبي ﷺ أنه علم أمته الاستنجاء ولم يعلمهم التوحيد.
محال أن يقول النبي ﷺ لهم: توضئوا كذا وصلوا كذا، وزكوا كذا وصوموا كذا، ولم يعلمهم الإيمان بالله وتوحيده في الأسماء والصفات وتوحيد الذات وتوحيد الأفعال، محال أن النبي ﷺ ترك ذلك وعلمهم كيف يتوضئون وكيف يصلون؛ لأن هذه العبادة كلها لا تصح إلا بعد صحة التوحيد وصحة الاعتقاد، فكيف ينطق النبي ﷺ بالفرع ويترك الأصل؟ ومن خلال هذا الكلام نعلم أنه لم يرد عن النبي ﷺ وأصحابه أنهم خاضوا في شيء من ذاته أو صفاته أو أسمائه، إذاً: يسعنا ما وسعهم، فلما لم يتكلموا في توحيد الله وفي أسمائه وصفاته وآمنوا بها وأخذوها كما جاءت فإنه يلزمنا ما لزمهم، ويحرم علينا الخوض فيه كما كان يحرم عليهم الخوض فيه.
قال: محال أن نظن بالنبي ﷺ أنه علم أمته الاستنجاء، ولم يعلمهم التوحيد، والتوحيد ما قاله النبي ﷺ ، قال: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله)، فهذا هو أصل الأصول، فالله سبحانه لا يقبل من أحد ديناً إلا بهاتين الشهادتين: لا إله إلا الله، محمد رسول الله: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ﴾ [آل عمران:١٩] ولا يسمى العبد مسلماً إلا إذا أتى بهاتين الشهادتين ظاهراً وباطناً عند الله ، وأما عند الخلق فيأتي بهما ظاهراً، وإن كان هناك نفاق في قلبه فله حكم الإسلام في الدنيا، وأما في الآخرة فإنه عند الله كافر، ومن المخلدين في النار؛ لقول الله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ [النساء:١٤٥]، وما عصم الدم والمال والأعراض حقيقة إلا بهذه الكلمة.
стр. 1292
مناظرة الشافعي لبشر المريسي وإخباره بأنه لن يفلح لأنه مبتدع ضال
دخل بشر المريسي -وهو سيد من سادات أهل البدع والضلال- على الإمام الشافعي، فقال الشافعي لـ بشر: أخبرني عما تدعو إليه.
وهذه المناظرات يا إخواني! وإن كانت تنتهي بكلمتين أو ثلاث إلا أنها مقنعة لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد.
قال الشافعي لـ بشر: أخبرني عما تدعو إليه.
أكتاب ناطق -يعني هل تستند فيما تقول إلى كتاب الله أو سنة قائمة -حجتك فيما تقول قال الله قال الرسول- ووجدت عن السلف البحث فيه والسؤال؟ ومعلوم أن بشراً سيجيب كما يجيب أهل الضلال؛ لأنه مبتدع فهو يقولها بلسان الحال، فيجيب عن أسئلة هذا مفادها.
قال: لا، إلا أنه لا يسعنا خلافه.
فهو يعلم أن المرد والملجأ دائماً إلى كتاب الله وإلى سنة الرسول وإلى الصحابة ﵃، لكن إن قيل له: فلم تسأل عن شيء لم يسأل عنه الصحابة؟ قال: لأنه أمر ضروري لابد لنا منه، ولا يسعنا السكوت عنه، فإن قيل له: أليس ما وسع السلف يسعك؟ لا شك أن الجواب عنده: لا، بدليل أنه تكلم وقال: هو أمر ضروري لنا؛ فقال الشافعي: أقررت بنفسك على الخطأ، يعني: أنت حكمت على نفسك أنك مخطئ؛ لأن ما أتيت به إنما هو قول اتبعته وأتيت به من عند نفسك لا من عند الله .
قال: فأين أنت عن الكلام في الفقه والأخبار تواليك الناس عليه فتترك هذا؟ قال بشر: لي نبذ فيه، وهكذا شغل بشر نفسه بما حرم الله عليه أن يشتغل به.
قال: فلما خرج بشر من عند الشافعي قال الشافعي: لا يفلح.
فهو من الخاسرين الهالكين لا يمكن أن ينال الفلاح أبداً.
стр. 1293
قول الإمام أحمد في الحارث المحاسبي
وكتب الإمام أحمد إلى عبيد الله بن يحيى بن خاقان قال له: لست بصاحب كلام.
أي: إذا كنت أرسلت إلي بشيء من هذا تريد أن أناظرك فيه وأجادلك فاعلم أني لست بصاحب كلام، ولا أحسنه ولا أجيده.
هذا الباب للإمام أحمد بن حنبل، لما كان يسأل في شيء لم يكن عنده فيه نص عن النبي ﷺ وأصحابه قال: أنا لا أفهم هذا ولا أعرفه، فاسأل أحداً غيري عن هذا، وليس معنى (لا علم لـ أحمد به): أنه يعجز عن الرد، ولكن أحمد كان ينزه لسانه وسمعه أن يسمع شيئاً من تلك الفلسفات.
أضرب لكم مثالاً: الحارث المحاسبي رجل له كلام متين جداً في الزهد وفي محاسبة النفس وغيرها، وله كتاب اسمه: التوهم، لو قرأه أحد لأيقن أنه هالك، حتى وإن كان أعبد الناس، وكان في مجلسه الآلاف؛ فقالوا لـ أحمد بن حنبل: ما تقول في الحارث؟ قال: لا أعرفه.
أي: لا أعرف عنه شيئاً، وأصم أذني عن سماع كلامه، فقالوا: يا إمام! لابد لك من أن تسمع كلامه، قال: إذا دعوتموه فآذنتموني سمعت كلامه من خلف الستار أو الجدار، فدعوه في الليل في بيت أحدهم، فلما جاء أحمد وسمع الحارث، سمع أصحاب الحارث لـ أحمد نشيجاً وبكاءً حتى أشفقوا عليه، فلما قدموا على أحمد وجدوا أنه قد بل الثرى بدموعه تأثراً من كلام الحارث، فلما قالوا له: يا أحمد! ما تقول في الحارث؟ قال: لا تسمعوا منه حرفاً واحداً.
إن أحمد ﵁ فهم كلام الحارث ومن أين جاء به، وما مراده بهذا الكلام فتأثر منه، وله أن يتأثر، بل لـ أحمد أن يطلع على كتب أهل الكتاب، وكتب الفلاسفة واليونانيين والفرس والترك والروم، لكن ليس لآحاد الأمة ذلك.
إن ابن تيمية عليه رحمة الله درس كتب الفلاسفة ورد عليهم بمنطقهم، لكن لا يجوز لآحاد الأمة أن يدرس ما درسه ابن تيمية، فإن كثيراً من الطلاب دخلوا ودرسوا علم الفلسفة والمنطق فكانوا نقمة وحرباً على دينهم؛ لأنهم تعلموا التجرؤ على كتاب الله وعلى سنة الرسول ﵊ باعتبارهما كتباً من الكتب قابلة للنقل، وقابلة للتجريح وللأخذ والرد.
هكذا تعلموا؛ لأن هذا أصل في الفلسفة.
فاعتبار كتاب الله تعالى من آحاد الكتب وبأنه لا فرق بين كتاب الله وبين غيره من الكتب اعتقاد معروف عند الفلاسفة.
قال الإمام أحمد: لست بصاحب كلام، ولا أرى الكلام في شيء من هذا إلا ما كان في كتاب الله، فإن كنت تريد أن تناقشني فائتني بقول الله، أو بحديث رسول الله ﷺ ، فأما غير ذلك فإن الكلام فيه غير محمود أبداً.
وللأسف الشديد من المفكرين الإسلاميين اليوم من يريد أن يناقش الغربيين بمنهج الغربيين؛ ويقول: لأنهم كفار، ولا يريدون أن يسمعوا القرآن والسنة، ويرفضون الاحتجاج به، سبحان الله! هم يرفضون الاحتجاج بالقرآن والسنة، وأنت تقبل الاحتجاج بهذا الكلام التافه السخيف.
ذات مرة تأخر خطيب عن الخطبة، فاضطر أحد الحاضرين أن يصعد، وليس أهلاً لذلك، لكنه قال كلمة عجيبة جداً، قال: لابد أن تطبقوا شرع ربنا، وكل واحد يلتزم بشرع ربنا، لأنه لا يمكن أبداً أن يستوي شرع ربنا مع شرع أبيه وأمه.
هكذا قال! سبحان الله! قال كلمة أجمل فيها، وتذكرت أن أحد أصحاب النبي ﵊ جاء إليه وقال: (يا رسول الله! إني أقول: اللهم أدخلني الجنة وأعذني من النار) ولم يأت بدليل على قوله.
قال: (أما دنددنتك ودندنة معاذ فإني لا أحسنها، فقال النبي ﵊: حولها ندندن) يعني: نحن ندعو الله ، ونصل في نهاية الأمر إلى ما وصلت إليه، ونتمنى ما تتمناه أنت.
فهذا الرجل أجمل ما قاله الدعاة منذ عشرات ومئات السنين في كلام مختصر جداً.
قال: لست بصاحب الكلام، ولا أرى الكلام في شيء من هذا إلا ما كان في كتاب الله أو في حديث رسول الله ﷺ ، فأما غير ذلك فإن الكلام فيه غير محمود.
إذا كان الله تعالى غنياً عن إيمان المؤمنين وإسلام المسلمين، فمن باب أولى أن الله تعالى غني عن العالمين، والله هو الغني الحميد، الغني عن جميع الخلق مؤمنهم وكافرهم، فإن طاعة الطائعين لا تنفعه، ولا معصية العاصين تضره ؛ لأنه الغني بذاته عن عباده وعن خلقه، فهؤلاء من أئمة الأمة ينهون عن الخوض في علم الكلام والتعدي في الأسئلة، فأهل البدع يقولون: نحن ننزه الله تعالى عما تنزهونه، يقولون: نحن ننزه الله أن يكون له يد، وأن يكون له رجل وساق وعين ووجه ونفس وغير ذلك، وننزهه أن يضحك ويغضب ويسخط ويرضى ويأتي ويجيء؛ لأن الله ليس بعقل ولا جسم، ولا لون، ولا له عين، ولا أذن ولا سمع يتكلم به، ولا لسان وليس
стр. 1294
شرح قاعدة النفي المجمل والإثبات المفصل لأسماء الله وصفاته
إن من منهج أهل السنة والجماعة: أنك تثبت لله تعالى الكمال تفصيلاً، وتنفي عنه النقص إجمالاً، فمنهج أهل السنة النفي المجمل، والإثبات المفصل.
هذه قاعدة تتعلق بالأسماء والصفات.
وشرح هذه القاعدة: أن الله تعالى قال: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١] هذا نفي مجمل، لأنه قال: ((لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ))، فأنا نفيت عن الله مشابهته للأشياء كلها من جميع المخلوقات، فهو يختلف عن جميع المخلوقات، ولا شيء منها يماثله ولا يكافئه ولا يشبهه .
فالنفي المجمل دليله: ((لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ))، والإثبات المفصل دليله: ﴿هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ﴾ [الحديد:٣].
فهو الله الواحد الأحد الفرد الصمد، وغير ذلك من أسماء الله تعالى وصفاته، أما إثبات ما لله إجمالاً، ونفي ما ليس له تفصيلاً، فهو منهج المجرمين المبتدعين من الجهمية وغيرهم، يقولون: الله تعالى ليس بذات، ولا عرض ولا جسم، ولا له أنف ولا أذن ولا عين، ويظنون أنهم بذلك ينزهون الله.
ولو دخلت على ملك من ملوك الدنيا فهل ستقول له: أيها الملك! أنا أؤمن أنك لست حماراً ولا كلباً ولا خنزيراً ولا قطاً سبعاً! فهذا الأسلوب في حق المخلوقين مرفوض، بخلاف قولك له: أنت ملك عادل، وليس في ملوك الدنيا أعدل منك، فهذا أسلوب مدح ولا شك، وتقول: وعدلك قد ظهر في كيت وكيت وكيت، وهذا إثبات على سبيل التفصيل، وتقول: وباعد الله بينك وبين أهل السوء، فهذا نفي مجمل وإثبات مفصل، فالمنهج يا إخواني! مع المخلوقين منهج محمود، النفي المجمل والإثبات المفصل، وهو منهج أهل السنة والجماعة في إثبات الكمال لله تفصيلاً، ونفي النقص عنه .
إن لأهل السنة والجماعة خمساً وعشرين قاعدة، كانت سبباً لعصمة أهل السنة والجماعة من أن يقعوا في بدعة من البدع على طول التاريخ وعرضه.
أما أئمة المسلمين فهم ينهون عن الخوض في علم الكلام من العرض والجوهر والجسم، والتعدي في البحث والسؤال عما لم يرد عن سلف الأمة، فلابد من التسليم والاتباع، وترك التكلف والتعمق فيما فيه خطر على القلوب من الزيغ والضلال.
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.
وصلى الله على نبينا محمد.
стр. 1295
شرح كتاب الإبانة - مذاهب ودرجات الجهمية والاختلاف بينها
الجهمية فرق ضالة منحرفة، كثير من عقائدها مأخوذ عن اليهود والنصارى، وهي تجتمع في النفي والتعطيل لأسماء الله وصفاته وأفعاله وما ينبغي له من الطاعة والعبادة، والجهمية على درجات؛ فأشدهم وأشنعهم الجهمية الغالية النفاة، ثم المعتزلة، الذين أثبتوا الأسماء ونفوا الصفات، ثم الصفاتية الذين لم يثبتوا إلا بعض الصفات ونفوا أكثرها.
стр. 1296
حكم أهل السنة والجماعة على الجهمية وتقسيمهم لهم إلى درجات
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أما بعد: في الدروس الماضية تكلمنا عن مؤسس فرقة الجهمية وهو الجهم بن صفوان، وذكرنا طرفاً من شيوخه، ويحلو للإنسان أن يسميها سلسلة أهل النار، وتكلمنا في المحاضرة الأخيرة عن طرف من تاريخ الجهمية.
وقد أطلق أهل السنة وعلماء السنة لقب الجهمية على الذين ينفون أسماء الله تعالى وصفاته.
فمعتقد الجهمية متعلق دائماً بالأسماء والصفات، والجهمية ليسوا جميعاً على درجة واحدة، وليسوا مذهباً واحداً فبينهم اختلافات، فالجهمية فرقة أساسية كبيرة، تفرقت فيما بينها إلى فرق داخلية، وهذا شأن أي فرقة من الفرق؛ ولذلك كثير من أهل العلم لما تعرض لشرح حديث النبي ﵊ في افتراق الأمة ذكر من الفرق فرقتين وثلاث فرق وأربع فرق خطأً؛ لأن هؤلاء جميعاً يدخلون تحت مسمى الشيعة مثلاً، فالشيعة فرقة أساسية افترقت فيما بينها إلى ثلاث: غلاة، وإمامية، وزيدية، فهو عد الغلاة فرقة، والزيدية فرقة، والإمامية فرقة، وفي الحقيقة أن هؤلاء جميعاً فرقة واحدة، وكذلك فرق الجهمية الفرعية التي تندرج في نهايتها تحت فرقة واحدة وهي الجهمية ظن بعض أهل العلم أنها كذلك فرق، فجعل فرق الأمة أكثر من مائتي فرقة، وهذا خطأ، ويصطدم مع حديث النبي ﵊، وإنما الخطأ في فهم من تصور أن الفرع الذي انبثق من الأصل في داخل الفرقة الواحدة يعد فرقة لوحدها؛ ولذلك فالجهمية درجات:
стр. 1297
الجهمية الخالصة الغالية (النفاة)
الدرجة الأولى من الجهمية: هم الذين يسميهم العلماء: الغلاة أو الجهمية الغالية، وقولنا: الغالية، من الغلو، أي: المغالية في تجهمها، وهم الذين ينفون أسماء الله تعالى وصفاته، يجردون ذات الله من كل اسم ومن كل صفة، ويقولون: الله بلا أسماء وبلا صفات.
وأحياناً يريدون أن يحسنوا وجههم القبيح، فيقولون: لله أسماء لكنها ليست مرادة، ولله صفات ولكنها ليست مرادة، ولهم فلسفات سنتعرف عليها بإذن الله تعالى.
ولذلك يقول الشيخ هنا: وهم أشر درجات الجهمية، وهم الذين ينفون أسماء الله تعالى وصفاته، وإن سموه بشيء من الأسماء الحسنى قالوا: هو مجاز، فهو في الحقيقة عندهم ليس بحي، ولا عالم ولا قادر ولا سميع ولا بصير ولا متكلم، ولا يتكلم، فحقيقة قولهم: أنهم لا يثبتون شيئاً لله.
إذا أردت أن تنظر إلى حقيقة قولهم فلا بد أن تعلم أنهم ينفون عن الله تعالى الأسماء والصفات مطلقاً.
قال: ولكنهم يدفعون عن أنفسهم الشنعة بما يقرون في العلانية، فإذا قيل لهم: فمن تعبدون؟ -هل تعبدون رباً لا اسم له ولا صفة له- قالوا: نعبد من يدبر أمر هذا الخلق، فإذا قيل لهم: فهذا الذي يدبر أمر هذا الخلق هل هو مجهول لا يعرف بصفة؟ قالوا: نعم.
فإذا قيل لهم: هذا الذي يدبر هو الذي كلم موسى؟ قالوا: لم يتكلم ولا يتكلم- ثم عللوا بأن الله تعالى لا يتكلم ولن يتكلم بقولهم: لأن الكلام لا يكون إلا بجارحة.
يعني: الكلام لا يكون إلا بلسان وفم ولهاة، والله تعالى منزه عن ذلك.
إذاً: فقد آلة الكلام فلا يتكلم، إذ كيف يتكلم والعقلاء قد علموا أن المتكلم لا بد له من جارحة يتكلم بها، ونقول: هذا في حق المخلوقين، أما في حق الخالق فإن القياس منتفٍ، فالله تعالى يتكلم بحرف وصوت، ويتكلم بما شاء وكيف شاء ومتى شاء، وما زال كلام الله ﵎ قائماً، ولا زال الله تعالى متصفاً بالكلام لا ينتفي عنه ذلك ، وصفة الله تعالى ليست مخلوقة أياً كانت هذه الصفة، الكلام أو غير الكلام، ولكنهم يقولون: لا بد للمتكلم من جارحة، مع أن الله تعالى في القرآن أخبر أن بعض مخلوقاته يتكلم بغير جارحة، كقوله تعالى عن السماوات والأرض: ﴿َقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا -أي: تكلمتا السماوات والأرض- أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ [فصلت:١١].
إذاً: السماوات والأرض تكلمتا بغير جارحة، أم أن للأرض لساناً وفماً ولهاة، وللسماوات لساناً وفماً ولهاة؟ هل أحد منا يعتقد أن للأرض لساناً أو فماً أو لهاة؟ لا أحد يعتقد ذلك، ومع هذا أثبت الله تعالى أن السماوات والأرض تكلمتا.
وقال الله تعالى: ﴿وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ﴾ [الرعد:١٣]، من من الناس يعلم أن الرعد له لسان يسبح به؛ لأن التسبيح لا يكون إلا بجارحة؟ وغير ذلك من مخلوقات الله تعالى، وكذلك الجبال، هل رأى أحد منا جبلاً له لسان، أو بحراً له لسان؟ إن الله ﵎ سخر الجبال مع داود يسبحن والطير، هل الطير له لسان يسبح به ويتكلم كما نتكلم؟ إذاً: لا يلزم دائماً لكل متكلم أن يتكلم بجارحة، وإذا كان هذا في حق بعض المخلوقين فما بالك بالخالق ، فهو قادر على أن يتكلم كيفما شاء وبما شاء.
قالوا: والجوارح عن الله منتفية.
نقول: نعم.
الجواح عن الله منتفية.
قال الشيخ: وإذا سمع الجاهل قولهم يظن أنهم من أشد الناس تعظيماً لله تعالى.
الجاهل يقول: هؤلاء ما أرادوا إلا تنزيه المولى أن يكون شبيهاً بمخلوقاته أو مثيلاً لمخلوقاته، ولكن عند النظر والتدقيق يتبين أن هؤلاء ليسوا معظمين لله ، وإنما هم معطلون لأسماء الله ولصفاته.
قال: وقد أفصح عن هذا المذهب رجل منهم يسمى ابن الإيادي.
أخطأ شيخ الإسلام ابن تيمية، وربما لا يكون هو الذي أخطأ حينما الناسخ لكتابه هو الذي أخطأ أنه قال: ابن الأباري، وابن الإيادي وابن الأباري في الرسم شيء واحد، وهو أقرب إلى التصحيف.
فالذي يقرأ عن تاريخ الفرق سواء كان في كتاب موسوعة الفتاوى لـ شيخ الإسلام أو في درء تعارض العقل والنقل، أو في كتاب منهاج السنة لـ ابن تيمية يجد ابن الأباري، وفي الحقيقة ليس هناك أحد بهذا الاسم، إنما هو ابن الإيادي، فالصواب: أنه ابن الإيادي.
قال: وكان ابن الإيادي ينتحل قول الجهمية، فزعم أن البارئ عالم، قادر، سميع، بصير في المجاز لا في الحقيقة.
يعني: أن الله ﵎ عالم مجازاً، وكلمة (مجاز) تنفي العلم الحقيقي عن الله ؛ لأن المجاز ضد الحقيقة، فإذا قلنا: إن الله تعالى عالم مجازاً لا حقيقة؛ لزمنا أن نقول: إن الله تعالى بذاته ليس عالماً، وإنما أودع علمه بعض مخلوقاته؛ ولذلك الجهمية أخذوا كتاب الله وسنة النبي ﵊ من أوله إلى آخره، كلما مروا على اسم أو صفة جعلوه مجازاً لا ح
стр. 1298
المعتزلة
أما الدرجة الثانية من درجات الجهمية: فهم المعتزلة، وهم الذين تبنوا مذهب الجهمية أو شيئاً منه؛ ولذلك ربما تجد في الشخص الواحد متناقضات وأضداداً في عقيدته لا تدري كيف كان ذلك منه! ولكن ربما لانحرافه عن طريق السلف عاقبه الله بأن جعل في عقله الأضداد، حتى يحيره في حياته، وقد شاهدنا في هذا الزمان كثيراً من أهل العلم لا نظر له في الكتب ولا يحسن أن يفتح الكتب فضلاً عن أن يفهم ما فيها، قد شاهدناه يقرأ في الباب الواحد كلاماً للمعتزلة، فإذا أعجبه قصه من الكتاب وألصقه في كتاب آخر يريد إخراجه، فإذا قرأ في نفس الباب كلاماً للجهمية أعجبه وضعه تحت الكلام الأول، وللخوارج تحت الكلام الأول، وللمرجئة تحت الكلام الأول، فيجمع في مسألة واحدة بين عدة عقائد، إلا عقيدة أهل السنة والجماعة.
وللأسف الشديد بعض هذه الكتب يدرس الآن في بعض معاهد إعداد الدعاة هنا وهناك.
فالمعتزلة فرقة لا علاقة لهم في الأصل بالجهمية؛ إذ إن المعتزلة فرقة أسسها واصل بن عطاء المعتزل البصري في زمن الإمام الحسن البصري، وقصة الاعتزال معروفة، وتاريخ واصل معروف، وربما لو تسنى لنا دراسة مذهب المعتزلة لتعرفنا عليه أكثر من ذلك.
والجهمية كما علمتم من المحاضرتين السابقتين لهم مؤسس ولهم أصول ثابتة يتكئون عليها، ولهم إنكارات ونفي للأسماء والصفات، فهم يعتمدون في أصل دعوتهم على خمسة أسس، فحينئذ مذهب المعتزلة في أصله له أصول يتكئ عليها، وينافح عنها، هذه الأصول -وإن كانت في الظاهر أصول الجهمية- تخالف الجهمية.
стр. 1299
أصول المعتزلة
أما أصول المعتزلة فهي خمسة: الأصل الأول: التوحيد.
هذا أصل أصيل يتكئ عليه أهل الاعتزال، والذي يسمع أن كلمة التوحيد أصل من أصول المعتزلة يقول: لماذا تنكرون على المعتزلة؟ أنتم تدعون إلى التوحيد وهم يدعون إلى التوحيد؟ بل حتى صار التوحيد شعاراً من شعارهم، لكن التوحيد عند المعتزلة إنما هو إبطال الصفات؛ بزعمهم أنهم ينزهون الله عن أن يكون شبيهاً بمخلوقاته، فيقولون: الله تعالى ليس له يد، ولا ساق ولا وجه، وليس له نفس، ولا يغضب ولا يسخط ولا يفرح ولا يضحك، قالوا: لأن هذا كله لا يصدر إلا من المخلوق، والخالق منزه عن ذلك، فنحن نوحده في ذاته أن يكون شبيهاً بمخلوقاته، هذا هو التوحيد عندهم، والتوحيد عندهم فيه كلام كثير.
لكن على أية حال: إذا علمت أن هذا هو التوحيد عند المعتزلة فاعلم أن هذا عند أهل السنة إنما هو نفي وتعطيل، وقد سمى المعتزلة هذا النفي وهذا التعطيل لصفات الله تعالى توحيداً، ولا مشاحة في الاصطلاح، فكل إنسان يصطلح لنفسه مصطلحاً، ويفعل لنفسه ما يشاء، لكن أهل السنة والجماعة إنما ينظرون إلى معنى هذه المصطلحات، يقولون: نحن نتفق معكم في نفي المماثلة ونفي المشابهة، لكننا نثبت الأسماء والصفات وأنتم تنفونها، وتظنون أن التوحيد لا يكون إلا بالتعطيل، ونحن لا نقول بالتعطيل، وإنما نقول بالتوحيد الذي هو إثبات ما أثبته الله تعالى لنفسه وما أثبته له رسوله الكريم ﷺ على المعنى اللائق بالله ، دون استلزام مشابهته بالمخلوقات؛ لأن المخلوقات فيما بينها مختلفة في هذه الأسماء والصفات، فلو قلنا: للحمامة جناح، ولليمامة جناح، وللعصفور جناح، ولكل طائر جناح، ولجبريل ﵇ جناح، فهذه كلها أشياء مخلوقة تطير، وتطير بأجنحتها، لكن هل جناح العصفور كجناح جبريل؟
الجواب
لا.
إذاً: العصفور يتفق مع جبريل في مجرد الاسم، أما الكنه والحقيقة فشتان وهيهات، وكذلك الله تعالى له يدان وله عينان وله نفس، ويضحك ويغضب ويسخط وغير ذلك من صفاته الخبرية التي أخبر بها، وصفاته الذاتية التي أخبر بها ، وأخبر بها رسوله، وكذلك شتان بين ضحك المولى وضحك المخلوقات، حتى الحيوانات فيما بينها تضحك وتغضب وتبكي وتحزن، وليس حزنها كحزن بعضها البعض، ولله المثل الأعلى .
فالمعتزلة فضلاً عن أصولهم الخمسة تجهموا، أي: مالوا إلى مذهب الجهمية، فصاروا يضبطون أصولهم الخمسة على مذهب الجهمية ويخالفون الجهمية في بعض المسائل، لكن المعتزلة في نهاية أمرها أشربت مذهب الجهمية، وكثير من الناس يقول: هذا معتزلي جهمي، أو هذا جهمي معتزلي، وفي الحقيقة أن كل معتزلي جهمي وليس كل جهمي معتزلياً، وهنا نقول: بين الجهمية والاعتزال عموم وخصوص، فكل معتزلي قد أشرب منهج التجهم، وليس كل جهمي يقبل مذهب الاعتزال.
قال: الدرجة الثانية: هم تجهم الاعتزال، أو المعتزلة الجهمية.
قال: وهم الذين يقرون بأسماء الله الحسنى -هناك النفاة لا يقرون بهذا، لكن هؤلاء يقرون بأسماء الله الحسنى في الجملة، وكلمة (في الجملة) لها معنى، فقد قلنا بالأمس: إن مذهب أهل السنة والجماعة في إثبات الأسماء الصفات على سبيل التفصيل والإجمال من باب أولى، فأهل السنة والجماعة إذا أرادوا إثبات الأسماء والصفات أثبتوها تفصيلاً، والذي يثبت تفصيلاً من باب أولى أنه يثبت إجمالاً، وإذا أرادوا أن ينفوا عن الله تعالى صفة النقص نفوها إجمالاً.
إذاً: نفي النقص عن الله عند أهل السنة والجماعة يكون إجمالاً، ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١].
أما إثبات الأسماء والصفات لله فيكون على سبيل التفصيل؛ ولذلك بينها الله تعالى إجمالاً، قال: ﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف:١٨٠] ثم أثبت الله ﵎ في كتابه وأثبت رسوله في سنته ﵊: (إن لله تسعة وتسعين اسماً مائة إلا واحداً من أحصاها دخل الجنة)، فهذا إثبات لأسماء الله تعالى وصفاته على سبيل التفصيل، خلافاً للمعتزلة الذين يثبتون الكمال إجمالاً، وينفون النقص تفصيلاً، فيقولون: ليس الله تعالى بذات ولا جسم، ولا طويل ولا قصير، ولا أبيض ولا أسود، وغير ذلك.
مع أن هذا الكلام لا يصلح أن يكون منهجاً للمخلوقين، فلو أردت أن تمدح واحداً أو ملكاً أو شريفاً أو وجيهاً، فلا يصح منك أن تقول له: لست حماراً ولا كلباً ولا خنزيراً ولا غبياً ولا كيت وكيت وإنما تأتي بإثبات المدح مباشرة، فإذا كان هذا لا يصح في حق المخلوقين فمن باب أولى أنه منكر في حق المولى .
فهؤلاء المعتزلة الجهمية يقرون بأسماء الله الحسنى إجمالاً، لكن ينفون عنه صفاته، وهم أيضاً لا يقرون بأسماء الله كلها على الحقيقة، بل يجعلون كثيراً منها على المجاز، وهؤلاء هم الجهمية المشهورون، وهم الذين اعتنى العلماء بالرد عليهم.
ولذلك معظم ردود ابن بطة عليه رحمة الله في هذا الجزء الخاص
стр. 1300
الصفاتية
إذاً: الدرجة الأولى: النفاة الغالية، والدرجة الثانية هم المعتزلة الجهمية، أي: المعتزلة الذين أشربوا منهج الجهمية، وأصل الرد على هذه الطائفة من بين الطوائف الثلاث.
أما الدرجة الثالثة فهم الصفاتية، وهم: المثبتون المخالفون للجهمية، وكلمة (المثبتون) عند الإطلاق تعني: أنهم يثبتون الأسماء والصفات في الجملة، والنفاة: هم الذين يعطلون الأسماء والصفات كذلك في الجملة، فهؤلاء هم الصفاتية، والصفاتية تعني: أنهم يثبتون الصفات في الجملة، وهم بذلك مخالفون للجهمية وللمعتزلة الجهمية.
قال: لكن هذه الدرجة فيهم نوع من التجهم، كالذين يقرون بأسماء الله وصفاته في الجملة، لكن يردون طائفة من الأسماء والصفات الخبرية أو غير الخبرية، ويتأولونها كما تأول الأولون صفاته كلها.
يعني: يقولون: نحن نثبت الصفات، فنقول: يد الله فوق أيديهم، لكن المراد باليد: القوة، فهم أثبتوا الصفة لكنهم أولوها، وهذا التأويل باطل.
وإذا كان بعض الشر أهون من بعض، فهل هؤلاء الصفاتية الذين يثبتون الصفات ويؤولونها على غير ظاهرها المراد منها أقرب إلى الحق أم النفاة الذين لا يثبتون أسماء ولا صفات؟ وللتقريب نقول: هل الذي يموت كافراً كفراً بواحاً لم يدخل في الإسلام قط يكون كالشيعي أو القدري يوم القيامة مع أن كليهما شر؟
الجواب
بعض الشر أهون من بعض، والذي لا يصدق كلامي هذا يقرأ لشيخ الإسلام ابن تيمية الفرقان بين الحق والباطل، فقد قال: لأن يموت الرجل جهمياً أو قدرياً أو شيعياً أو مرجئاً أو أشعرياً خير له من أن يأتي ربه كافراً كفراً بواحاً لم يدخل الإسلام.
هذا قول الإمام ابن تيمية شيخ الصحوة منذ زمانه، وإن شاء الله تعالى يكتب له ذلك إلى يوم القيامة.
والعجيب أن ابن تيمية رجل واحد في الأمة، وهو الذي يقود الأمة الآن إلى قيام الساعة، أو إلى وقتنا هذا على الأقل، فأي شخص من الناس إذا التزم بحث عن كلام ابن تيمية وابن القيم، وكأن الله تعالى لم يخلق علماء قبله؛ لأن العلماء قبله كانوا مصنفين ومؤصلين ومقعدين لهذه المسائل التي أخذها ابن تيمية وفهمها فهماً جيداً موافقاً لمنهج السلف، فنشرها هنا وهناك بالقول والعمل، وكان مجاهداً حقاً؛ إذ لا خلاف في شجاعته وجهاده الأعداء المبطلين في الداخل والخارج في ذلك الوقت؛ ولذلك كتب له القبول، وربما يكون سر هذا القبول الإخلاص، فكم من عالم جليل عنده من العلم ما ليس عند غيره ولم يكتب له شيء من ذلك.
إذاً: هؤلاء يثبتون الصفات لكن يؤولونها, ويحلو لنا أن نقول: إن هؤلاء من طرف خفي هم الأشاعرة، والماتريدية، فهم يثبتون الأسماء ويثبتون الصفات، لكن يقولون: ليس المراد من الصفة ظاهرها وإنما لا بد من التأويل، وابن تيمية عليه رحمة الله يقول: وهؤلاء هم أقرب الناس لأهل السنة.
ولا يعني ذلك: أنهم أهل سنة، لا والله بل هم أهل بدعة، بدليل أنهم درجة من درجات الجهمية، لكننا إذا قارناهم بالنسبة للمعتزلة الجهمية لكانوا هم أقرب الناس إلى الحق، لكن لا يعني هذا: أنهم أصابوا الحق، بل هم بعيدون عن الحق، لكنهم بالنسبة لغيرهم من أهل النفي الأصلي الكلي أو الاعتزال التجهمي هم أقرب الناس إلى الحق، ولم يصيبوا الحق بعد، فهم الصفاتية الذين يثبتون الصفات، فبلا شك أن الذي يثبت الصفة ويؤولها خير من الذي لا يثبتها، وكلاهما شر، وهذا كما قال النبي ﵊: (المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير)، لكن لا يمكن أن يستوي الخيران، فكذلك هنا: كلاهما شر لكن شتان بين المثبت والنافي، والذي نفى نفى بزعمه تنزيهاً لله ، والذي أول الصفة قال: قال تعالى: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ [الفتح:١٠]، هل الله له يد؟ أستغفر الله، لا.
اليد: هي القوة؛ لأننا نثبت لله القوة، والطرف الآخر يقول: ليس الله تعالى بسميع ولا عليم ولا حي ولا قادر ولا قوي، فينفون الاسم والصفة في آن واحد، فكأنهم في نهاية الأمر يذهبون إلى أن الله عدم، تعالى الله عن قولهم علواً كبيراً! فالله تعالى ذات، ولا بد لكل ذات من صفات، حتى هذه الورقة التي بين يدي، إذا أردنا أن نصفها نقول: مستطيلة وبيضاء، وفيها كلام مكتوب بالأزرق، ورقة جديدة أو ورقة قديمة، فهذه كلها صفات لهذه الذات، فكل ذات لها صفات، وهذا أمر مستقر في عقول العقلاء أنه لا يمكن أن يكون هناك ذات إلا بصفات، فالعجيب أن الجهمية الغالية ينازعون في أن الله تعالى ذات، والذي يقول منهم: له ذات يقول: له ذات بلا صفات، وإذا أثبتنا الصفات فإنما نثبتها على سبيل المجاز لا الحقيقة، وهو في حقيقة الأمر إلحاد وزندقة؛ لأنه يلزمهم أن يقولوا: إن الله تعالى ليس متصفاً بصفات على الحقيقة، إذاً: هو ذات عدمية، ولا يمكن أن يكون هناك شيء اسمه ذات عدمية، فلا بد أن يقولوا في نهاية قولهم: إن الله تعالى عدم، خلافاً للمغالين في الإثبات أو في التشبيه أو ف
следующие страницы →