Полный текст (1 366 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
شرح كتاب الإبانة - ذكر افتراق الأمم وعلى كم تفترق هذه الأمة
الافتراق سنة ماضية في الأمم إذا ابتعدت عن شرع الله ونهجه، فقد افترق اليهود من قبل إلى فرق متناحرة متحاربة، ثم افترق بعدهم النصارى، وقد أخبر النبي ﷺ أن هذه الأمة ستفترق أعظم مما افترق اليهود والنصارى، وأنه لا نجاة من ذلك إلا بالتمسك بهديه ﷺ .
стр. 177
باب ذكر افتراق الأمم في دينهم وعلى كم تفترق هذه الأمة
الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
وبعد: قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب ذكر افتراق الأمم في دينهم، وعلى كم تفترق هذه الأمة، وإخبار النبي ﷺ لنا بذلك].
هذا الباب من أهم أبواب الاعتقاد، وهو ذكر افتراق هذه الأمة إلى ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة، كما أخبر بذلك النبي ﵊، وفي حديث معاوية بهذا السياق ﵁: (وإنه سيخرج في أمتي أقوام يهوون هوىً، فيتجارى بهم ذلك الهوى كما يتجارى الكلب بصاحبه، لا يدع منه عرقاً ولا مفصلاً إلا دخله).
وهذا الحديث من الأحاديث التي تجعل المؤمن على حذر ووجل من أن يكون في فرقة من هذه الفرق الضالة، وهذا يستلزم محاسبة العبد لنفسه دائماً، هل هو على منهاج أهل السنة والجماعة وهم الفرقة الناجية أو الطائفة المنصورة؟ أم أنه -من حيث لا يشعر- ضمن فرقة من هذه الفرق التي أخبر النبي ﵊ أنها في النار.
فاليهود افترقوا إلى إحدى وسبعين فرقة، والنصارى إلى اثنتين وسبعين فرقة، والمسلمون افترقوا إلى ثلاث وسبعين فرقة، وهذا بإخبار الصادق المصدوق ﷺ .
والناظر إلى هذا الحديث يقول: قال النبي ﵊: (افترقت اليهود إلى إحدى وسبعين، والنصارى إلى اثنتين وسبعين).
ثم لو توقف عند هذا الحد فسيقول: إن تكملة هذا الحديث هو أن المسلمين لا يفترقون قط؛ لأن المسلم الأصل فيه أنه ليس صاحب هوى، وإنما هو صاحب اقتداء واتباع، ولكن النبي ﵊ بين أن اتباع الأهواء في هذه الأمة أعظم من بقية الأمم، بل إن هذه الأمة تزيد فرقة عن أصحاب الأهواء والبدع في أمة اليهود والنصارى.
وقد جعل هذا الباب لبيان هذه الفرق الضالة وبعض علاماتها، والحكم عليها بأنها في النار، وسنتعرض لبيان مذهب الفرقة الناجية والطائفة المنصورة، وبيان بعض علاماتها وأماراتها، وأنها ما سميت أو وصفت بالناجية إلا لنجاتها من النار، وما نجت من النار إلا لاتباعها سنة النبي ﵊.
[قال الشيخ: قد كتبت في أول هذا الكتاب ما قصه الله علينا في كتابه من اختلاف الأمم، وتفرق أهل الكتاب، وتحذيره إيانا كذلك، وأنا أذكر الآن ما جاءت به السنة، وما أعلمنا نبينا ﷺ من كون ذلك؛ ليكون العبد على حذر من مجاراة هواه] أي: من إطلاق العنان لهواه، [ومتابعة بعض الفرق المذمومة، وكي يتمسك بشريعة الفرقة الناجية، فيعض عليها بنواجذه، ويضمها بجنبيه، ويلزم المواظبة على الالتجاء والافتقار إلى مولاه الكريم في توفيقه وتسديده ومعونته وكفايته، فإنا قد أصبحنا في زمان قل من يسلم له فيه دينه].
فـ ابن بطة يقول: إننا قد أصبحنا في زمان قل من يسلم له دينه، فما بالك لو أنه بعث في زماننا؟ قال: [والنجاة فيه متعذرة صعبة، إلا من عصمه الله وأحياه بالعلم]، ونحن دائماً نؤكد على قضية العلم.
فالعلم حياة للقلوب.
стр. 178
شرح حديث (ستكون فتن يصبح الرجل بها مؤمناً ويمسي كافراً)
قال: [عن أبي أمامة عن النبي ﷺ قال: (ستكون فتن يصبح الرجل بها مؤمناً ويمسي كافراً، إلا من أحياه الله بالعلم)].
هذا الحديث بهذه الزيادة: (إلا من أحياه الله بعلم) فيه ضعف، والمحفوظ: (ستكون فتن كقطع الليل المظلم، يصبح الرجل مؤمناً ويمسي كافراً، يبيع دينه بعرض من الدنيا)، أي: يبيع دينه بأقل القليل وأقل المتاع، وهذا في آخر الزمان.
وبعض أهل العلم حسن هذه الزيادة: (إلا من أحياه الله بالعلم).
وفتن آخر الزمان تتقلب فيها القلوب وتغلي كغليان الماء في القدر على النار، بحيث لا يستقر القلب على حال واحدة، فيصبح الرجل مؤمناً موحداً ويمسي على الكفر البواح الذي ليس بعده كفر، أو يصبح كافراً ويمسي مؤمناً.
وإذا علمت أن القلوب بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء، زادك هذا معرفة بشدة حاجتك إلى الله لأن يعصمك ويثبتك، والثبات على الإيمان أعظم من الإيمان نفسه، وأهم من الإيمان، ولذلك قال الله تعالى: ﴿إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ [محمد:٧]، ولو أن الله نصرنا ولم نذكره تعالى بعد هذا النصر لكان هذا سبب الهزيمة، ولا قيمة لنصر تعقبه هزيمة، ولكن النصر المؤزر الثابت الذي لا يتزعزع هو النصر الذي يدوم ويستمر.
وقد كانت غزوة بدر مثار الحديث والإعجاب في العالم إلى يوم القيامة، وغزوة أحد رغم أنها كلها نصر إلا أن مخالفة الرماة ﵃ لأمر النبي ﵊ ألحق الأذى والهزيمة بهم آخراً، ولهذا قال بعض أهل العلم: ليس في غزوة أحد أدنى هزيمة، لكن مخالفة النبي ﵊ من قبل الرماة تسببت في انهيار السهام عليهم من قمة الجبل -أي: جبل الرماة- مما أصاب النبي ﵊، وأصاب أصحابه الكرام في سفح الجبل.
فالدوام والثبات والاستمرار على النصر أولى من مجرد النصر الذي تعقبه هزيمة.
وقال النبي ﵊: (بادروا بالأعمال)، أي: أسرعوا بالأعمال الصالحة قبل قيام الساعة؛ لأنكم إذا كنتم في آخر الزمان ظهرت الفتن التي لا يصبر أمامها إلا من وفقه الله، ودليل ذلك: أنك تجد الرجل في معمعة الفتن يصبح مؤمناً ويمسي كافراً، وغيره يمسي كافراً ويصبح مؤمناً، وهكذا تقلب القلوب في هذا الزمان، ولذلك كان النبي ﵊ يستعيذ دائماً من الفتن.
قال الإمام ابن بطة: [جعلنا الله وإياكم ممن أحيانا الله تعالى بالعلم، ووفقه بالحلم، وسلمنا وإياكم من جميع الفتن ما ظهر منها وما بطن].
стр. 179
شرح رواية سعد بن أبي وقاص لحديث افتراق الأمة
قال: [وعن سعد بن أبي وقاص قال: قال رسول الله ﷺ : (إن بني إسرائيل افترقوا على بضع وسبعين ملة، ثم إن أمتي ستفترق على أو عن مثلها، كلها في النار إلا واحدة، وهي الجماعة)].
والفرقة الناجية هي الجماعة، وإذا علمنا أن هذه الأمة ستفترق إلى ثلاث وسبعين فرقة، وأن فرقة واحدة منها هي الناجية؛ فلنعلم أن هذه الفرقة الواحدة هم أهل السنة والجماعة، والطائفة المنصورة إما منهم وهو الراجح، أو أنهم هم هذه الطائفة أو هذه الفرقة بأسرها، وهذه الفرقة هم أهل الجنة؛ لقوله ﵊: (كلها في النار إلا واحدة)، أي: فهي في الجنة.
стр. 180
شرح رواية عبد الله بن عمرو لحديث افتراق الأمة
قال: [وعن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: قال النبي ﷺ : (ستفترق أمتي على ثلاث وسبعين ملة، كلها في النار إلا واحدة)]، ثم بين أن هذه الواحدة [(ما أنا عليه اليوم وأصحابي)].
وهذه تسمى الفرقة الناجية، وهي التي تمسكت بما كان عليه النبي ﷺ وأصحابه الكرام، فالنبي ﵊ بين المنهج الذي من سلكه كان من الجماعة، وهو ما كان عليه النبي ﵊ وأصحابه الكرام.
ولذلك يقول بعض أهل العلم: الإجماع المعتبر هو إجماع الصحابة؛ لأنهم معصومون بمجموعهم، ولأنه لم تظهر فيهم البدع، وإنما ظهرت فيمن أتى بعدهم.
وابن سيرين عليه رحمة الله كان يقول: ما ابتدع عالم قط، أي: أن البدعة إنما أتت من الجهال، فالجاهل بالله هو الذي أحدث الاختلاف في الدين، أو الاختلاف في الإلهية والربوبية، حتى أنكر ما هو معلوم من الدين بالضرورة، إما في ذات الله، أو في أسمائه وصفاته، وإما في النبوة والرسالة، بل حتى في الكعبة، فتجد بعض الفرق الضالة يقولون: نحن نؤمن بالله، ولكنا لا نعرفه، ونحن نؤمن بالرسول، وما دمنا لم نره فإنه لا يلزمنا اتباعه، إنما نؤمن به إذا لم نره، يعني: أنهم آمنوا به بمجرد النظر، ولكن هذا لا يلزمهم العمل بما أمروا به، هكذا يقولون، ويقولون: نؤمن بالقبلة والكعبة، ولكنا لا ندري أهي التي في مكة، أم في بلد غير مكة؟ وهؤلاء بلا شك كفار، وإن لم يكونوا كفاراً فلا أدري من يكون كافراً.
قال: (كلها في النار إلا واحدة، ما أنا عليه وأصحابي)، أو ما أنا عليه اليوم وأصحابي، فبين المنهج لهذه الفرقة الناجية، وأنهم المتمسكون بكتاب الله على مراد الله، وبسنة النبي ﵊ على مراد النبي ﷺ ؛ لأن الصحابة فهموا كلام الله على مراد الله، وفهموا كلام النبي ﵊ على مراد النبي ﵊، ولم يكن لهم أهواء ولا بدع.
стр. 181
إشكال حول عدالة الصحابة والجواب عليه
البعض يقول: كيف نحكم بعدالة الصحابة جميعاً، مع أنهم ينسون كما ينسى غيرهم من البشر ويبتدعون كما ابتدع من أتى بعدهم، بدليل أن البدع إنما ظهرت في زمن علي بن أبي طالب، بل وفي زمن عثمان؟ وأقول: إن نسيان الصحابة أقل ما يكون، ولذلك أجمع النقاد على أن الثقة يهم أحياناً، وأن الضعيف يتقن أحياناً، فإذا وافق الراوي الضعيف في روايته أحد الثقات دلت موافقته على أنه ضبط هذا الحديث وأتقنه.
وكذلك الثقة يهم أحياناً كما أن الضعيف يضبط أحياناً.
والنسيان في طبقة الصحابة أقل ما يكون، وهذا أمر لا يجرح العدالة ألبتة، وهذا بإجماع أهل العلم.
الأمر الثاني: إن القول بأن الصحابة قد ابتدعوا في دين الله ، والاستدلال على ذلك بظهور البدع في زمن علي بن أبي طالب، وفي زمن عثمان ﵄، كبدعة الخوارج والشيعة مثلاً، وهذه من أصول البدع بالإجماع، وقد ظهرت في الزمن الأول، وفي الحديث أن يحيى بن يعمر وحميد بن عبد الرحمن أتيا إلى مكة وقالا: لو لقينا أحداً من أصحاب النبي ﵊ نسأله عما ظهر في زمننا بالبصرة، قال: فوفق لنا عبد الله بن عمر ﵄ وهو يطوف بالكعبة، قال حميد: فاكتنفته أنا وصاحبي أحدنا عن يمينه والآخر عن يساره، فظننت أنه سيكل الكلام إلي، قلت: أبا عبد الرحمن! إنه قد ظهر قبلنا أناس بالبصرة يتقفرون العلم -وفي رواية: يتفقرون العلم- والمعنى: أنهم يطلبون العلم طلباً حثيثاً، ويتفقهون في العلم بأنفسهم لا على يد عالم، وإنما يطلبون دقائق المسائل، حتى استحقوا التعمق، يعني: كانوا في غاية التنطع في طلب العلم، فهم يطلبون دقائق المسائل ويتركون عظامها، ويقولون: إن الأمر أنف، وفي رواية: إنه لا قدر، وأن الأمر أنف.
قال: أوقد قالوها؟ يعني: هؤلاء قد ظهروا؟ قلنا: نعم، قال: فإذا لقيتهم فأخبرهم أني بريء منهم، وأنهم براء مني فهذه بدعة القدرية ظهرت على يد معبد الجهني في زمن الصحابة، لكن هذه الروايات لم تصرح أن هؤلاء المبتدعة هم من أصحابه ﵊، وليس في الرواية تصريح بأن البدعة وقعت في الصحابة، وإنما وقعت في التابعين ومن أتى بعدهم، والصحابة هم الذين تصدوا لنبذ هذه البدعة وقمعها، وبيان أنهم كانوا على غير ذلك، وبينوا معتقد أهل السنة والجماعة فيما يتعلق بكل بدعة على حدة.
والصحابة ﵃ معصومون في مجموعهم بعصمة الله تعالى لهم، كيف لا والله تعالى أحبهم ورضي عنهم ورضوا عنه، وكيف يرضى الله ﵎ عن قوم قد غيروا دينه وبدلوا؟ والنبي ﵊ يقول: (يذاد أناس عن الحوض فأقول: يا رب! أمتي أمتي، فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك -أي: ما بدلوا وما غيروا- فأقول: سحقاً سحقاً -أي: بعداً بعداً- لمن بدل بعدي).
فالتبديل والإحداث إنما ظهر في غير الصحابة، وإن كان هذا التغيير والنفاق قد ظهر في زمن الصحابة.
وأصول البدعة هي بدعة الخوارج، وقد ظهرت في زمن النبي ﵊، فقد أتى رجل وقال: (يا محمد! أعطني من مال الله، فإنه ليس من مالك ولا من مال أبيك، فقال النبي ﵊: أعطوا هذا الرجل حتى يرضى، ثم قال النبي ﵊: سيخرج من ضئضئي هذا من تحقرون صلاتكم إلى صلاتهم، وصيامكم إلى صيامهم، يقرءون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية).
والخوارج كلاب النار، كما جاءت بذلك الأخبار عن السلف ﵃.
فبعض البدع ظهرت في زمن النبي ﷺ وفي زمن عثمان وعلي ﵄ على جهة الخصوص، ولم تظهر في زمن أبي بكر؛ لانشغال أبي بكر بالردة، ولا في زمن عمر ﵁، فـ عمر قمع هذه الفتن كلها، وما استطاع أحد أن يظهر بدعته؛ لشدة عمر وقوته، فقد كان عمر يؤدب من يخرج عن الجادة بضربه على أم رأسه بالجريد والنعال، فلما علم المبتدعة بذلك كل دخل جحره، ولم يخرجوا إلا في فترات الضعف والوهن والتفرق والشتات والشذوذ، فزمن القوة حافظ لدين الأمة بأسرها، وزمن الضعف مهين لأفراد الأمة كلها.
وقال عبد الله بن عمرو: قال النبي ﵊: (ليأتين على أمتي ما أتى على بني إسرائيل مثلاً بمثل)، يعني: مثل التفرق الذي وقع في بني إسرائيل من اليهود والنصارى تماماً بتمام، وسواء بسواء.
قال: (حذو النعل بالنعل، فإن بني إسرائيل تفرقوا على اثنتين وسبعين فرقة أو ملة، قال: وإن أمتي ستفترق على ثلاث وسبعين ملة، كلها في النار إلا ملة واحدة، قيل: ما هي يا رسول الله؟! قال: ما أنا عليه اليوم وأصحابي)، أي: التمسك بالهدي الأول، ونحن نحفظ قول
стр. 182
شرح رواية معاوية بن أبي سفيان لحديث الافتراق
قال: [وعن معاوية بن أبي سفيان ﵄ وكذلك سعد بن أبي وقاص قالا: إن رسول الله ﷺ قال: (إن بني إسرائيل افترقت على إحدى وسبعين ملة، ولن تذهب الأيام والليالي حتى تفترق أمتي على مثلها، ألا وكل فرقة منها في النار إلا واحدة، وهي الجماعة).
وعن أبي عامر عبد الله بن يحيى قال: (حججت مع معاوية بن أبي سفيان، فلما قدمنا مكة أخبر بقاص يقص على أهل مكة من بني مخزوم، فأرسل إليه معاوية فقال له: أمرتك بهذا القصص؟ قال: لا، قال: فما حملك على أن تقص بغير إذني؟ قال: ننشر علماً علَّمَنَا الله.
فقال معاوية: لو كنت تقدمت إليك قبل مرتي هذه لقطعت منك طائفة -أي: لقطعت منك جزءاً- ثم قام حين صلى الظهر بمكة فقال: إن رسول الله ﷺ قال: إن أهل الكتاب افترقوا في دينهم على ثنتين وسبعين ملة، وإن هذه الأمة ستفترق على ثلاث وسبعين ملة يعني: الأهواء، وأنها كلها في النار إلا واحدة، وهي الجماعة.
وقال: إنه سيخرج في أمتي أقوام تتجارى بهم تلك الأهواء كما يتجارى الكلب بصاحبه فلا يبقى منه عرق ولا مفصل إلا دخله)]، أي: تدخل تلك الأهواء في جزء من أجزاء أبدانهم، حتى ما تدع عرقاً ولا مفصلاً إلا دخلته وتمكنت منه، ثم شبه النبي ﵊ هذه الأهواء بكلب عض إنساناً فدخل فيه أثر عضة الكلب، وهذا الداء يسمى الكلِب بكسر اللام، يصيب المعضوض بسبب عضة الكلب، وإذا تمكن هذا الداء من هذا الإنسان فلا يخرج منه إلا بالموت، ولذلك قال النبي ﵊: (تتجارى بهم تلك الأهواء)، أي: تدخل في كل أجزاء أبدانهم وعقولهم وأفكارهم وقلوبهم حتى تتمكن منها تمكن الكلِب من صاحبه، حتى يبدو منه في كل عرق ومفصل، أو لا يدع منه عرقاً ولا مفصلاً.
فهذه الأهواء والمحدثات في الاعتقاد -على جهة الخصوص- إذا تمكنت من العبد تمكناً على هذا النحو فإنه لا ينجو منها قط، إلا إذا شاء الله تعالى له النجاة، كما شاء الله تعالى نجاة بعض المتكلمين والفلاسفة وأصحاب المذاهب الهدامة والأفكار القبيحة الرديئة، كما هو الشأن في أبي الحسن الأشعري رحمه الله تعالى الذي تاب من أشعريته، وبقي أصحابه على أشعريتهم؛ ظناً منهم أن الأشعرية هم أهل السنة، وأن الأشعرية هي السنة، وليس الأمر كذلك، بل الأشعرية انحراف عن سنة النبي ﵊، وهي مناقضة لما كان عليه النبي ﵊ وأصحابه الكرام في العقيدة.
قال: [(وإنه سيخرج في أمتي أقوام تتجارى بهم تلك الأهواء كما يتجارى الكلِب بصاحبه، فلا يبقي منه عرق ولا مفصل إلا دخله، ثم قال معاوية: والله يا معشر العرب! لئن لم تقوموا بما جاء به محمد ﷺ ؛ لغيركم من الناس أحرى أن لا يقوم به)].
يعني: إذا تهاونا وتكاسلنا نحن العرب عن حمل دين الله ، وعن أن نأمر فيه بالمعروف وننهى فيه عن المنكر بشروطه المعروفة عند أهل العلم، وأن نحمل هذا الدين، ونغير به الأرض كلها؛ حتى يدخل هذا الدين في كل بيت وبر أو مدر؛ فمن يحمله؟ أيحمله العجم الذين لا يحسنون لغة العرب والقرآن؟ وقد اختار الله نبيه من العرب، واختار أصحابه من العرب، وقلَّ أن يكون أصحابه من العجم، مع أنه لا فرق بين عربي وعجمي، ولا أحمر ولا أبيض، ولا أسود ولا أبيض إلا بالتقوى، كما أخبر الله تعالى في كتابه، وأخبر النبي ﵊ في سنته.
فنشر هذا الدين يقع على عاتق العرب لأول وهلة، ولا مانع أن ينصر الله تعالى هذا الدين على يد رجل أعجمي، أو على يد مولى من الموالي لا على يد حر، وكل هذا إنما يتم بقدر الله وقدرته، لكن كلف العرب أولاً أن ينشروا دين الله ، فإذا هم نفروا عن ذلك فغيرهم أولى بهذا النفور.
стр. 183
شرح روايات أنس بن مالك لحديث افتراق الأمة
قال: [وعن أنس بن مالك في حديث طويل له ﵁ عن عمر قال: (تفرقت أمة موسى ﵇ على إحدى وسبعين ملة، منها سبعون في النار وواحدة في الجنة)].
وهذه الفرقة هم الذين تبعوا موسى في رسالته وفي شرعه حتى جاء عيسى ﵇، وحتى بعث محمد ﵊، ثم لا يقبل من أحدهم بعد ذلك اقتداءً بموسى؛ لأن موسى ﵇ لو كان حياً في زمن بعثة النبي ﵊ لما وسعه إلا أن يكون تابعاً لمحمد ﵊.
وكذلك النصارى فالفرقة الناجية منهم من كان تابعاً في حياته وفي حياة عيسى لعيسى ﵇، أي: في مدة بقاء عيسى مع بني إسرائيل، ونحن نعتقد أن عيسى حي رفعه الله تعالى إلى السماء، وأنه حي في السماء الآن، وسينزل في آخر الزمان.
قال: [(وتفرقت أمة عيسى على اثنتين وسبعين ملة: إحدى وسبعين ملة في النار، وواحدة في الجنة، وقال النبي ﵊: وتعلو أمتي على الفريقين جميعاً ملة واحدة)]، يعني: وتزيد أمتي في الافتراق على افتراق أمة اليهود وأمة النصارى بفرقة.
قال: [(ثنتان وسبعون ملة في النار، وواحدة في الجنة، قيل: يا رسول الله! من هم؟ قال: الجماعة).
قال يعقوب بن يزيد: كان علي بن أبي طالب إذا حدث بهذا الحديث عن رسول الله ﷺ تلا هذه الآية: ﴿وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ [الأعراف:١٥٩]، ثم يذكر في أمة عيسى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأَدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ * وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ﴾ [المائدة:٦٥ - ٦٦].
ثم ذكر في أمتنا: ﴿وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ [الأعراف:١٨١]].
[وعن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : (يا ابن سلام!)].
وابن سلام هو عبد الله بن سلام، وكان حبراً من أحبار اليهود في المدينة، قال: [(يا ابن سلام! على كم تفرقت بنو إسرائيل؟ قال: على إحدى وسبعين أو ثنتين وسبعين فرقة، كلهم يشهد على بعض بالضلالة)].
وهذه علامة وأمارة أصحاب الأهواء والبدع، فإنهم إذا اختلفوا كفّر بعضهم بعضاً، وضلَّل بعضهم بعضاً، وبدَّع بعضهم بعضاً، وفسَّق بعضهم بعضاً.
وأما أهل الحق فإنهم يخطئ بعضهم بعضاً، وهذا قد قرره شيخ الإسلام ابن تيمية ومن بعده ابن القيم وغير واحد من السلف، فقالوا: أهل البدع إذا اختلفوا قال أحدهم لصاحبه: أنت كافر، وأهل السنة إذا اختلفوا قال أحدهم لصاحبه: أنت مخطئ، وشتان ما بين هذا وذاك.
فإطلاق التكفير علامة على أن من قال ذلك مبتدع، إن لم يكن حكمه موافقاً للشرع.
وأصحاب الكبائر عند الخوارج كفار، وغلاة الخوارج يكفرون بالذنب، سواء كان صغيراً أم كبيراً، يعني: أدنى معصية يفعلها العبد يكفر بها عند غلاة الخوارج.
والمعتزلة لهم قول كذلك في مرتكب الكبيرة، فهم يقولون: مرتكب الكبيرة لا مؤمن ولا كافر، هذا حكمه في الدنيا، ولا أعرف كيف سيكون التعامل مع إنسان لم تبد هويته ولا يعلم أهو مؤمن أم كافر أم فاسق؟ وأما في الآخرة فإنهم يقولون: إنه مخلد في النار.
والخلود لا يكون إلا للكفار الأصليين، أو الذين طرأ عليهم الكفر، أي: الذين بدلوا دينهم وخرجوا من ملة الإسلام، وهم حكموا عليه في الدنيا بأنه ليس كافراً، وحكموا عليه في الآخرة بأنه مخلد في النار، فوصلوا إلى هذا التخبط، وهذا الكلام لا تصدقه عقول العجائز وصبيان الكتاتيب، ولذلك قال غير واحد من السلف: عليك بدين الصبي في الكُتَّاب والعجوز في البادية، واله عما سواهما، يعني: لا يضرك من خالفهما، وهذا الكلام أحرى أن يكتب بماء الذهب، وكلام السلف عصمة لكل أحد، بل هو حجة على كل أحد، فإذا انحرف الشخص فلينحرف ما شاء، فإنه لا عذر له بعد سماع هذه النصوص بين يدي الله إلا أن يأتي ربه بقلب سليم.
قال: [(يا ابن سلام! على كم تفرقت بنو إسرائيل؟ قال: على إحدى وسبعين أو ثنتين وسبعين فرقة، كلهم يشهد على بعض بالضلالة، قالوا: أفلا تخبرنا لو قد خرجت من الدنيا فتفرقت أمتك على هذا)].
يعني: يا رسول الله! قد أخبرناك عن بني إسرائيل، فأخبرنا أنت إذا متَّ وخرجت من الدنيا إلام تصير أمتك؟ [فقال النبي ﵊: (إن بني إسرائيل تفرقوا على ما قلت يا ابن سلام! وستفترق أمتي على ما افت
стр. 184
شرح رواية عوف بن مالك الأشجعي لحديث افتراق الأمة
قال: [وعن عوف بن مالك الأشجعي قال: قال رسول الله ﷺ : (تفترق أمتي على بضع وسبعين فرقة، أعظمها فتنة على أمتي قوم يقيسون الأمور برأيهم، فيحلون الحرام ويحرمون الحلال)].
وقوله: (قوم يقيسون الأمور برأيهم) يدل على مخالفة هذه الفرقة الضالة لفرقة الحق الناجية في أصول الدين لا في فروعه.
وهذه الفرق تخالف في الحلال والحرام، فتجعل الحرام حلالاً، وتجعل الحلال حراماً.
والتفرق لا بد أنه واقع في الأمة، ولا حاجة إلى إثبات ذلك من قبل النقل؛ لأن النقل ثابت لا محالة بطرق متعددة كثيرة، والواقع يقول: إن التفرق قد حصل ووقع بالفعل، فلو لم يرد نص بإثبات وقوع التفرق في الأمة لآمنا بوقوع التفرق؛ لأنه قد وقع في المجتمع.
فإذا أخبر النبي ﵊ بوقوع التفرق في الأمة فنقول: إن هذا من أعلام نبوته ﵊، فقد أخبر عن أمر غيبي سيكون فكان، وهذا يدل على أن ذلك من علامات نبوته ﵊.
الثانية: قوله ﵊: (كلها في النار)، والكفر لا يطلق على فرقة بأكملها، وإنما يغلب الكفر البواح على بعض الفرق، ونحن نحجم عن إطلاق لفظ الكفر على بعض الفرق، ولكن في الغالب غلاة الفرق كفار مارقون عن دائرة الإسلام، وأما عامة الفرق فإنه لا يحكم عليهم بالكفر حتى تظهر لهم الحجج والبينات.
والإمام الذهبي عليه رحمة الله يقول: والحمد لله أن عصمنا من هؤلاء وهؤلاء، وكنا في زمان غير زمانهم، يقصد زمن علي ومعاوية.
يقول: فما ذنب من نزل بالشام طفلاً رضيعاً على حب معاوية والمغالاة فيه، وذم علي ﵁، وما ذنب من نزل بالكوفة والبصرة طفلاً رضيعاً على حب علي ﵁ والمغالاة فيه، وعلى ذم معاوية ﵁، أي: أنهم كالغنم السائمة أينما قيدت انقادت، لا علم لهم ولا فقه، وليس لهم عقل يميزون به بين الحق والباطل.
فقوله ﵊: (كلها في النار) يقضي بأن جميع هذه الفرق في النار، ولا يلزم من دخولها النار الخلود فيها، إلا إذا كانوا قد مرقوا وخرجوا عن دائرة الإسلام فإنهم يخلدون، وأما غيرهم فإن دخلوها -وهم لا محالة داخلوها؛ لخبره ﵊ فلا يلزم من دخولهم الخلود، وإن جاء في بعض الروايات أنهم يخلَّدون في نار جهنم؛ فإن الخلود في لغة العرب محمول على المكث الطويل، لا دخولاً أبدياً سرمدياً.
وقوله: (كلها في النار) يلزم منه التفريق بين من كان كافراً وبين من كان عاصياً من أصحاب هذه الفرق، وكلهم يدخلون النار، ثم منهم من يخرج منها بعد أن يخلد فيها حيناً من الزمان، ومنهم من يمكث فيها أبداً، على حسب ما إذا كان قد كفر ببدعته أو لم يكفر ببدعته.
الثالثة: أن الفرقة لا يمكن أن تطلق على كل مبتدع، سواء كان واحداً أو جماعة أو طائفة من الناس، إلا إذا خالفت في الأصول والقواعد والكليات العامة للدين الإسلامي.
يعني: إذا خالف إنسان في فرع من فروع الشريعة فلا يقال: هو خارجي، أو شيعي، أو قدري، أو مرجئي، أو أشعري، ولا يقال ذلك إلا إذا خالف في أصل من أصول الشريعة، وكلية من كلياتها؛ فصارت هذه المخالفة علامة عليه وعلى منهجه وفكره، فهنا يستحق أن يلحق بإحدى هذه الفرق التي انتهج مخالفتها في هذه الكليات والقواعد العامة.
فإذا وافق شخص القدرية في بعض الفرعيات فإنه لا يكون قدرياً، وأما لو وافقها في الأصول العامة والكليات العظمى التي خالفت فيها هذه الفرقة أهل السنة والجماعة؛ فإنه يكون قدرياً، فبناء على مخالفتهم في هذه القواعد العامة والأصول الكلية استحقوا أن يكونوا فرقة ضالة، ولو وافقهم أحد في هذه الكليات والقواعد العامة يكون منهم.
إذاً: ليس كل من أحدث في الدين أو ابتدع بدعة في فرعية من الفرعيات يسمى فرقة، وإنما يعزر لأجل مخالفته أو يؤدب، وأما إلحاقه بالفرقة فلا.
стр. 185
منهج جماعة التكفير
جماعة التكفير في هذا الزمان خالفوا في الأصول العامة والقواعد الكلية للشريعة الإسلامية، فاستحقوا أن يكونوا خوارج كأجدادهم؛ لأنهم تبنوا أصول أسلافهم من الخوارج في سالف عهدهم، فهذه الطائفة أولى بها أن تلحق بتلك الفرقة الضالة، فمنهم من يكفر ببدعته، ومنهم العامي الذي لا يكفر ببدعته.
وقد انتشروا في هذا الزمان انتشاراً أنتم تعلمونه وتعلمون أماكنهم، وقد وجد هذا الفكر طريقه في وسط الأحياء الراقية.
وهذا الفكر لا يزال إلى الآن مستمراً في إحياء منهج الخوارج، وإن زعموا أنهم قد تابوا، ولو أنا قبلنا منهم ذلك، فإن عملهم ومسلكهم الأخلاقي ينبئ أنهم لم يتوبوا من هذا الفكر، وهم يجمعون أنفسهم الآن، وقد دخل غيرهم في وسطهم، وهم لا يزالون على تنطعهم الأول في اهتمامهم بالفرعيات، وشغل الناس بها، وهذه المعاصي الظاهرة التي لا تعد من الكبائر يجعلونها من أعظم الكبائر، حتى قال أحدهم: إن الالتزام بالزي الإسلامي لازم لكل مسلم قبل إيمانه بالله، ولا أدري كيف يصدر هذا الكلام من إنسان له عقل، فضلاً عن تبني ذلك، فهو يقول: الالتزام بالزي الإسلامي أسبق في الوجوب من الإيمان بالله ورسوله! فلو كان هناك كافر مثلاً فهل نطالبه بأن يلبس الثوب والعمامة؟ وهل هذا كلام مقبول؟ فهؤلاء يضربون بالنعال، ولا يوقفهم إلا عمر بن الخطاب ﵁، فهم قد بدءوا الآن يرفعون عقائرهم مرة أخرى، فلا بد من ضبطهم وإثبات عوارهم وفسادهم الأخلاقي والعقدي في المجتمع؛ حتى يحذر الناس منهم.
стр. 186
شرح أثر علي بن أبي طالب في افتراق الأمة
قال: [قال علي بن أبي طالب ﵁: لا تقوم الساعة حتى تكون هذه الأمة على بضع وسبعين ملة، كلها في الهاوية وواحدة في الجنة].
وقوله: (كلها في الهاوية) أي: في النار، (إلا واحدة)، وهي الجماعة، وهم أهل السنة، وهم الفرقة الناجية والطائفة المنصورة، وهم من كانوا على مثل ما كان عليه النبي ﷺ وأصحابه الكرام، وهذا يدل عليه قوله ﵊: (إلا واحدة)، وهذا يدل على أن الحق واحد غير متعدد، خاصة في هذه الأمور العامة الكلية التي أجمع أهل العلم باستنادهم على ثبوتها من دين الله ضرورة، والتي لا يسع المسلم الجهل بها.
فمن قال من الناس -مثلاً- إن الله لم يفرض الصلوات الخمس، وإنما هما صلاتان في الصباح والمساء فقد كفر بذلك، ومن قال إن الله تعالى أمرنا أن نصلي إلى الكعبة، ونحن قد آمنا بالكعبة، ولكن لا أدري أهي التي في مكة أم أنها كعبة غيرها فقد كفر؛ لأن هذا أمر معلوم من الدين بالضرورة، ولا يصح لأحد أن يدعي أنه يجهل ذلك، كمن يقول: أنا أعلم أن الله فرض علي صيام شهر في السنة، وهو شهر رمضان، ولكن لا أدري هل نحن في شهر رمضان أم لا؟ فهذا نعجز أمامه أن نثبت له أننا في رمضان.
وإذا كانت الشمس ساطعة وقال: أنا مؤمن بأن الله تعالى خلق الشمس، وأنها تشرق من المشرق، وتغرب في المغرب، لكني لا أدري هل هذه الشمس هي التي خلقها أم غيرها؟ وهو يقول هذا الكلام في الظهر، فكيف نثبت له أن هذه شمس؟ لن نستطيع إثبات ذلك؛ لأنه فقد بصره وبصيرته، وعلى أم عمرو السلامة.
فلو أنه نازع في أصل أصيل لا ينازع فيه أجهل الجاهلين فإنه لا حجة له عليه، وهذا يدل على أن الفرقة الناجية واحدة، وأن الحق الذي تستند إليه، والأصل الذي تتمسك به، والذي به نجت من النار ودخلت الجنة، هو كذلك واحد، وهو كلام الله وكلام الرسول ﵊ وإجماع أهل العلم.
فهم لا يجتهدون بعيداً عن القرآن والسنة وإجماع العلماء، ولا يتكلمون كلاماً من أهوائهم ثم يقولون: هذا كلامنا وهذا اجتهادنا، فالاجتهاد حتى يكون معتبراً مقبولاً لا بد أن يبنى على أصول صحيحة من كتاب الله ومن سنة الرسول ﷺ ، وإلا كيف نعرف أن هذا المجتهد أصاب أو أخطأ إلا برجوعه في اجتهاده إلى هذه الأصول الثلاثة، وموافقته الكتاب والسنة والإجماع، أو نعرف أنه أخطأ إلا بمخالفته للكتاب والسنة والإجماع.
فالخلاف نوعان: مذموم، واعتماده على الرأي.
وممدوح، واعتماده على المصادر الأصيلة في الإسلام، وهي الكتاب والسنة والإجماع.
فهذه الفرق فرق ضالة بإخبار النبي ﷺ أنها ضالة، وأن ضلالها يؤهلها إلى الدخول في النار، ثم منهم المخلد، وهو الكافر، ومنهم غير المخلد، وهو الفاسق.
والخلود في لغة العرب يعني: المكث الطويل، والمجموعة المخالفة لما كان عليه السلف لا يمكن إطلاق الفرقة عليهم إلا إذا خالفوا في الأصول العامة والقواعد الكلية، وأما إذا خالفوا في فرع أو فرعين أو ثلاثة أو أكثر من ذلك، فلا يستحقون اسم الفرقة.
وقال بعض أهل العلم: إذا بالغوا في مخالفتهم للفروع استحقوا اسم الفرقة؛ لتهديمهم بهذه الفروع معالم الشريعة، ولهذا الكلام وزن، يعني: يمكن أن يكون مقبولاً، لكن الكلام الذي لا نزاع عليه أنه إذا وقعت المخالفة في الأصول العامة والفرائض الكلية وكانت علماً على هذه الطائفة، استحقوا أن يكونوا فرقة.
стр. 187
الفرق بين الجماعة والفرقة
الذي أؤكد عليه أن الفرق قائم وضروري بين الفرقة والجماعة، أو الطائفة من الناس، وكثير من الناس يقولون: إن هذه الجماعات الدعوية التي أخذت على عاتقها واجب إصلاح المجتمع الإسلامي في الشرق والغرب بعد سقوط الخلافة الإسلامية على يد مصطفى كمال أتاتورك لعنه الله؛ فرق ضالة، وهذا الكلام في غاية الخطأ، وإن قال بعض أفراد هذه الجماعات ما قالته فرقة بعينها ألحق هذا الشخص بالفرقة الضالة التي تبنى هو أصولها، ولا أعتقد أن جماعة من هذه الجماعات الإصلاحية الدعوية على الساحة تتبنى مذهب الخوارج أو مذهب الاعتزال أو مذهب الإرجاء أو مذهب الرفض مثلاً، إلا الشيعة في إيران وغيرها.
والجماعة التي وردت في النصوص هي جماعة الإمام الأعظم، وأما اعتبار هذه الجماعات فرقاً، فهذا من أعظم الظلم؛ لأنه ليس ثمة جماعة من هذه الجماعات تبنت أصول إحدى الفرق الضالة.
стр. 188
أصول الفرق الضالة ومرجعها
هذه الفرق وإن كانت ثنتين وسبعين فرقة إلا أنها في أصلها ترد إلى أربع فرق أو خمس، وهي: الرافضة أو الشيعة، والخوارج، والجهمية، وبعضهم كـ عبد الله بن المبارك يقول: إن الجهمية ليسوا من فرق الضلالة، وإنما هم كفار أصليون، لا علاقة لهم بفرق الإسلام.
ولذلك لما سأله يوسف بن أسباط: ما هذه الفرق التي ذكرها ابن عمر في حديثه؟ قال: الروافض، والخوارج، والمرجئة، والمشبهة.
قال: يا أبا عبد الرحمن! لم تعد الجهمية؟ قال: وهل سألتني عن الكفار؟ إنما سألتني عن فرق الضلالة، وأما الجهمية فإنهم كفار.
فهذا تصريح من عبد الله بن المبارك -وهو إمام الأئمة وسيد العلماء في زمانه- بأن الجهمية أتباع الجهم بن صفوان ليسوا من أهل الإسلام، وإنما هم من فرق الضلالة؛ لأنهم من أول يوم مرقوا وخرجوا عن الإسلام بالكلية.
فمرد الفرق إلى هذه الأربع أو الخمس، ثم تفرقت كل فرقة منها إلى فرق متعددة، وبلغت كل فرقة منها فوق العشرين أو دونها، حتى أصبح مجموع هذه الفرق كما ذكر ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية عليه رحمة الله في كتاب الفتاوى قال: فهذه الفرق بلغت في صدرها الأول اثنتين وسبعين فرقة.
стр. 189
علامات الفرقة الناجية
الفرقة الناجية واحدة، ولها علامات وأمارات، فهم ليسوا أقواماً تحزبوا في أماكن وانحازوا فيها، وإنما استحقوا ذلك باتباعهم للسنة ونقدهم للبدعة ومحاربتهم لها، ونصرتهم للحق الذي كان عليه النبي ﵊ وأصحابه الكرام.
ولذلك قال سفيان لـ يوسف بن أسباط: يا يوسف! إذا سمعت برجل من أهل السنة في المشرق فأرسل إليه السلام، وإذا سمعت به في المغرب فأرسل إليه السلام؛ فإن أهل السنة قلة.
أي: فإن علماء السنة الداعين لها المستمسكين بها قلة.
ولذلك قال عنهم: (طائفة)، قال: (لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين، لا يضرهم من خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك).
ولذلك سموا بالجماعة، وسموا أهل السنة؛ لأنهم متمسكون بالسنة، خاصة في الاعتقاد، والسنة هنا لا تعني حديث النبي ﵊، وإنما هي في مقابلة البدعة في الاعتقاد، ولذلك يقولون: فلان سني وفلان بدعي وفلان على السنة وفلان على البدعة.
فالسنة عند إطلاقها في باب الاعتقاد أو كتب الاعتقاد تعني القيام على عقيدة النبي ﵊ وأصحابه الكرام، وسموا بالجماعة لأنهم اجتمعوا على هدف واحد.
стр. 190
من هم الفرقة الناجية والجماعة
اختلف أهل العلم من هم الجماعة؟ فقيل: هي جماعة الإمام الأعظم، أي: جماعة الخليفة ومن معه من الناس، وقيل: هي السواد الأعظم من الناس، وقيل: هي جماعة العلماء والمجتهدين، سواء كان معهم العامة أو ليس معهم العامة، وقيل: هي جماعة الصحابة على جهة الخصوص؛ لأنهم معصومون بعصمة الله لهم من الوقوع في إحدى هذه الفرق الضالة، فلما كانوا معصومين على هذا النحو الذي ذكرت استحقوا أن يكونوا هم الجماعة الذين تتمثل فيهم القدوة والأسوة بعد النبي ﵊، وقيل: هم من كانوا على الحق وإن قلوا، ولذلك يقول ابن مسعود: الجماعة أن تكون على الحق ولو كنت وحدك.
والنبي ﵊ بمجرد أن أرسله الله قبل أن يدخل أحد في دينه كان وحده هو الجماعة، وأحمد بن حنبل ﵁ ورحمه كان في زمانه وحده على الحق وهو جماعة، فقد كان الحكام والأمراء والعلماء وغيرهم من الكبار والصغار في زمن أحمد من المعتزلة، وقد حدا هذا ببعض أهل العلم أن يذهب إلى أحمد في بيته ويقول له: يا أحمد! أنت تقول: إن ما نحن عليه هو الباطل، وأن ما أنت عليه هو الحق، فلو كان ما نحن عليه هو الباطل فلِمَ أظهره الله على الحق؟ فقال أحمد: ومن قال لك بأنكم ظاهرون؟ ألا تدري أن الظهور هو انتقال القلوب من الحق إلى الباطل؟ قال: وقد انتقلت.
قال: ومن قال لك إنها انتقلت؟ أما أنا فقلبي مطمئن بالحق الذي هو عليه.
أي: يريد أن يقول له: ولو كانت القلوب كلها تحولت إلا قلباً واحداً فقط لم يتحول فإنه الحق، وإنه الجماعة.
وهذه الفتنة كانت في القرن الثالث، والإمام أحمد مات سنة (٢٤١هـ)، فهو يريد أن يقول له: أنا وحدي على الحق، ثم سرعان ما زال الباطل ولم يصمد أمام رجل واحد، والذي حارب المعتزلة في زمان أحمد هو الإمام أحمد فقط، والأمة كلها اعتبرت الإمام أحمد هو الذي كان على الحق في زمانه، والأمة بأسرها أو في مجموعها كانت معتزلة، ومع هذا ثبت الله ﵎ أحمد ﵀ حتى ظهر دين الله .
وقد جاءه شخص مشفق عليه يقول له: يا أحمد! قل هذه، وما الذي تخسره؟ فنظر أحمد إلى الآلاف التي وقفت في المشهد، وقال له: إن هذه المحابر تنتظر هذه الكلمة، يعني: تنتظر أن تزل قدم أحمد في هذا الموقف، فضحى أحمد بنفسه لأجل سلامة أمة، فاستحق أن يكون الصديق الثاني للأمة كما سماه بعض أهل العلم.
قال أحمد: فعبر رجل النهر ودخل علي، ولا أحد منهما يعرف الآخر، وفي طريقه إلى أحمد كان يسأل: أين أحمد؟ فدلوه على الإمام أحمد في السجن، حتى وصل إلى أحمد فقال: يا أحمد! اثبت؛ فإنك على الحق، وما هو والله إلا سوط واحد ولا تشعر بشيء بعده.
فالقضية قضية دين ودعوة وشرع، وقضية أن تذهب بنفسك وتبقى أمة وتعلو راية، فلا تكن أنت أول من يسقطها، ولا أول من يضيع العلم، ولا أول من يضيع الأمة، وأنت لو ذهبت فإنك تذهب إلى رب كريم.
أسأل الله ﵎ أن يتقبل مني ومنكم صالح الأعمال والأقوال، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
وصلى الله على نبينا محمد.
стр. 191
الأسئلة
стр. 192
مدى صحة الروايات الوارد فيها خصائص الفرقة الناجية
السؤال
ما صحة الروايات التي ذكرت في علامات الفرقة الناجية في أحاديث الافتراق؟
الجواب
معظم الزيادات التي وردت -وليست كل الزيادات- في حديث الافتراق في بيان الفرقة الناجية وما هم عليه زيادات ضعيفة، وأنا أقر بذلك، ولكن هذه الزيادات أجمعت الأمة على أنها من خصائص أهل السنة والجماعة.
стр. 193
التعريف بالماتريدية
السؤال
وجدت في أحد المساجد كتاباً عنوانه: تأويلات أهل السنة من الماتريدية في الأسماء والصفات، وهو كتاب كبير، فمن هم الماتريدية؟
الجواب
الماتريدية هم أتباع أبي منصور الماتريدي، والماتريدية والأشعرية هما فرقتان، ولكن أدخلت الماتريدية مع الأشعرية أو مع المئولة؛ لأن أصولهم تكاد أن تكون واحدة.
والأزهر الشريف يدرس الأشعرية والماتريدية على أنهما مذهب أهل السنة والجماعة، وهذا الكلام في غاية التدليس، فلم يكن أهل السنة والجماعة أشعرية في يوم من الأيام ولا ماتريدية، وإنما الأشعرية والماتريدية فرقتان من فرق الضلالة.
والله تعالى أعلم.
стр. 194
حكم إجابة المستحلف، وحال نوال السعداوي
السؤال
إذا استحلفك أحد بالله فهل ترد عليه؟
الجواب
ليس من السنة الاستحلاف، والاستحلاف في طلب مثل هذا محل نظر عند أهل العلم.
وعند ذكر أهل العلم تنزل الرحمات، وعند ذكر أهل المعاصي تتنزل اللعنات، وهذا مجلس علم، فإذا ذكرنا فيه الكفار والمجرمين فإن الله تعالى يحفظنا من اللعنات، حتى وإن كان بيننا شقي، فهم القوم لا يشقى بهم جليسهم.
ونوال السعداوي كتبت في الأسبوع الماضي مقالاً تبين فيه أن ختان الرجال ليس من الدين.
وأنا أرجو ممن نازع في ختان الإناث في السنوات الماضية والذين كانوا يقولون: لا داعي لمسألة ختان الإناث؛ لأن هذا إجرام، ويثبت ختان الرجال؛ أرجو منهم الرد عليها؛ لأنها منهم وهم منها، والرد المحلي أحسن من الرد الخارجي أو المستورد.
فأرجو من شيخ الأزهر ومن معه ممن حاربوا ختان الإناث أن يردوا على نفسهم وابنة عمهم نوال السعداوي.
ونوال السعداوي تتضايق جداً في هذا المقال وتقول: إنني أغضب غضباً شديداً حينما يقول لي شخص: يا حجة! ونحن والله لا نستحل أن نقول لها: يا حجة! حتى وإن حجت مراراً؛ لأنها لا علاقة لها بالإسلام، فكيف تحج؟ أو كيف يقبل منها حج؟ فهي مارقة خارجة، مستعدون لأن فـ نوال السعداوي ومن معها لا علاقة لهم بالإسلام ألبتة؛ لأنها قد أتت من الأقوال والأعمال ما يجعلنا نكفرها.
والله تعالى أعلم، وصلى الله على نبينا محمد.
стр. 195
شرح كتاب الإبانة - ذكر فرق الشيعة
تعد الشيعة من أوائل الفرق ظهوراً في تاريخ الإسلام، وقد كان لها أثر سيئ في تفريق وإضلال كثير من الناس، وقد وقف لها سلف الأمة بالمرصاد، فبينوا ضلالها، وحذروا الناس منها، وهي أكثر من ثلاثين فرقة، ومردها جميعاً إلى أصول ثلاثة: غلاة، وزيدية، وإمامية.
стр. 196
فرقة الخطابية من الشيعة ومعتقداتها
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم تسليماً كثيراً.
وبعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.
أما بعد: فلا يزال الكلام موصولاً عن الفرق التي ظهرت في الإسلام، وقد تكلمنا عن الفرقة الأولى وهي: الشيعة، وهي من أوائل الفرق ظهوراً، وبينا أن الشيعة إنما مردها جميعاً إلى أصول ثلاثة: فهم إما غلاة، وإما زيدية، وإما إمامية.
وتكلمنا عن بعض فرق غلاة الشيعة وقلنا: إن منها: السبئية أتباع عبد الله بن سبأ اليهودي الذي أظهر الإسلام.
ومنها: الكاملية، وهم أصحاب أبي كامل.
ومنها: البيانية، وهم أصحاب بيان بن سمعان.
ومنها: المغيرية، وهم أصحاب المغيرة بن سعيد.
ومنها كذلك: المنصورية، وهم أصحاب أبي منصور العجلي.
ومنها: الجناحية، وهم أصحاب عبد الله بن جعفر ذي الجناحين.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ومنها: الخطابية، وهم أصحاب أبي الخطاب الأسدي، واسمه: محمد بن أبي زينب الأجدع، مولى بني أسد، أبو إسماعيل، وقد قتله عيسى بن موسى والي الكوفة من قبل العباسيين في عام ١٤٣هـ.
وقد عزا أبو الخطاب الأسدي نفسه إلى أبي عبد الله جعفر الصادق، فلما علم منه جعفر الصادق غلوه في حقه تبرأ منه، فلما اعتزل عنه ادعى الأمر لنفسه، وهو نفس ما فعله من قبل أبو منصور العجلي]، أي: أنه لما يظهر غلوه يتبرأ منه الإمام، ثم يزعم أن الأمر لنفسه بعد ذلك.
وهؤلاء الخطابية يقولون: إن الأئمة أنبياء أو رسل، وهذه أول بلية من بلاياهم، وهم يقولون: إن أبو الخطاب إمام، إذاً فهو نبي، ويزعمون أن الأنبياء فرضوا على الناس طاعة أبي الخطاب، أي: أن الأنبياء تنبئوا بنبوة أبي الخطاب، ولذلك أمر كل نبي قومه بطاعة أبي الخطاب، بل يزيدون على ذلك ويقولون: إن الأئمة آلهة، وهذا الكلام لا يستغرب منهم؛ لأن الذي يغالي في الإمام لابد أنه يضعه في موضع العصمة، وبالتالي لابد أن يثبت له النبوة، ثم إذا ثبت لأحد النبوة عند هؤلاء الفرق الضالة فاعلم أنه لابد أن يصل إلى مرحلة ادعاء الإلهية.
كما يزعمون أن الحسنين ابنان الله تعالى! وأن جعفر الصادق إله، لكنَّ أبا الخطاب أفضل منه ومن علي، ويستحلون شهادة الزور لموافقيهم على مخالفيهم، والإمام بعد قتل أبي الخطاب هو معمر، ذهب إلى ذلك جماعة منهم، فعبدوا معمراً كما كانوا يعبدون أبا الخطاب، وقالوا -أي: المعمرية أتباع معمر خليفة أبي الخطاب -: إن الجنة هي نعيم الدنيا، والنار آلامها، أي: أنهم لا يؤمنون بالجنة والنار كما يؤمن أهل السنة، والدنيا عندهم لا تنتهي بقيام الساعة؛ لأنهم لا يؤمنون بالساعة، ولا يؤمنون بالبعث ولا بالنشور.
كما استباحوا المحرمات: من الخمر والسرقة والزنا وشرب الخمر وغير ذلك، وتركوا الفرائض من التوحيد والصلاة والصيام والزكاة والحج وغيرها من سائر الواجبات.
وقيل: إن الإمام بعد قتله هو بزيغ، ذهب إلى ذلك طائفة أخرى منهم، وقالوا -أي: البزيغية-: إن كل مؤمن يوحى إليه! أي: أن الوحي لا يزال ينزل على كل مؤمن، متمسكين في ذلك بقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [آل عمران:١٤٥]، أي: إلا بوحي من الله، فلا تموت عندهم نفس قط إلا إذا أوحى الله تعالى إليها، ولو أوحى إليها: أن موتي؛ فهذا نوع من أنواع الوحي.
وزعموا أن في أصحاب بزيغ من هو خير من جبرائيل وميكائيل! وإذا كان هذا في أصحاب بزيغ وهو الإمام الثالث في هذه الطائفة من الخطابية بعد أبي الخطاب ومعمر؛ فما بالكم بـ بزيغ كيف يكون حاله؟! وهم لا يموتون أبداً، فإذا بلغوا النهاية رفعوا إلى الملكوت، وعلى أي حال فهذا مصطلح عندهم ربما عم به البلاء؛ لكن البلاء عندما أوصلوا بـ بزيغاً إلى مرحلة الإلهية، وبزيغ قد مات، وهم الذين دفنوه، فكيف يدفن إله، ومن دون الإله يرفع إلى الأعلى؟! فهذا كلام كله تخبيط.
стр. 197
فرقة الغرابية من الشيعة ومعتقداتها
ومنها: الغرابية، ولقبوا بذلك لأنهم قالوا: كان محمد أشبه بـ علي من الغراب بالغراب، ومن الذباب بالذباب، وهذا مثل قبيح جداً؛ لأن الغراب عند العرب من الطيور الحقيرة، ولم يقولوا ذلك من فراغ، ولذلك ضربوا هذا المثل الحقير في مشابهة النبي ﵊ لـ علي بن أبي طالب، فقالوا: كان محمد أشبه بـ علي من الغراب بالغراب، والذباب بالذباب؛ لأنك لو أتيت بذبابتين أو غرابين فربما لا تكاد تميز بينهما.
كما قالوا: إن جبريل ﵇ أُمر أن ينزل بالوحي على علي، لكن لوجود الشبه بين علي ومحمد أخطأ جبريل فنزل على محمد.
ولذلك هم يتقربون إلى الله -بزعمهم- بسب صاحب الريش، ويعنون بصاحب الريش: جبريل ﵇، فهم دائماً يلعنون جبريل ﵇.
стр. 198
فرقة الذمية من الشيعة ومعتقداتها
ومنها: الذمية، ولقبوا بذلك لأنهم ذموا وسبوا وشتموا محمداً ﷺ ؛ لأن علياً هو الإله، وقد بعث من يدعو الناس إليه، فدعاهم إلى نفسه.
أي: هم يقولون: بإلهية علي بن أبي طالب، وأن علي بن أبي طالب -باعتباره إلهاً- هو الذي بعث محمداً ﵊؛ ليدل الناس عليه، لكنه دل الناس على نفسه، وبالتالي يكون محمداً قد غدر وخان إلهه وهو علي بن أبي طالب.
وقالت طائفة منهم بإلهيتهما، أي: بإلهية محمد وعلي، وأظن قائل هذا القول من فرق المعتزلة، ولهم في التقديم خلاف مشهور، أي: هما إلهان، لكن أيهما أكثر إلهية من غيره؟ فمنهم من قال: محمد، ومنهم من قال: علي.
وقال بعضهم بإلهية خمسة أشخاص، وهذه فرقة ثالثة داخل الفرقة الأولى، فقالوا بإلهية خمسة: محمد، وعلي، ثم الحسن، والحسين، وفاطمة ﵃.
كما يزعمون أن هؤلاء الخمسة شيء واحد، وأن الروح حالة فيهم بالسوية، أي: أن الروح الإلهية نزلت فتقسمت وتوزعت بين هؤلاء الخمسة بالسوية، فلا مزية لواحد منهم على الآخر، ولا يقولون: فاطمة؛ تحاشياً للأنوثة؛ ولأنهم يعتقدون أن الإله لا يكون أنثى، بل يعبرون عنها بأي رمز، ورموزهم في ذكر فاطمة كثيرة جداً.
فإذا كانوا يعتقدون أن الإله لا يكون أنثى، ويتحاشون عن ذكر الاسم ليقينهم بأنها أنثى، وأنها أم الحسن والحسين؛ فكيف يجعلونها إلهاً في الوقت نفسه؟!
стр. 199
فرقة الهشامية من الشيعة ومعتقداتها
ومنها: الهشامية، وهي من هذه الفرق الغالية الكافرة، وقد اتفقنا من قبل أن الغلاة من كل فرقة كفار، وعليهم تتنزل النصوص المطلقة التي وردت في السنة، وفي آثار السلف ﵃.
وهؤلاء هم أصحاب هشام بن الحكم وهشام بن سالم الجواليقي، وقد زعموا أن الله تعالى جسد، واتفقوا على ذلك، ثم اختلفوا، أي: اتفقوا على أنه جسد، لكنهم اختلفوا في كنه هذا الجسد، فهم قد اتفقوا على الكفر، ثم تفرع وتغلغل كل منهما في كفره.
يقول هشام بن الحكم: الله تعالى طويل، عريض، عميق، متساو طوله وعرضه وعمقه، وهو كالسبيكة البيضاء الصافية، ويتلألأ من كل جانب، وله لون وطعم ورائحة! تعالى الله عن قولهم علواً كبيراً.
وأقول هذا الكلام وأنا في منتهى الحزن، وغاية الغم والنكد أن يقول أحد ممن ينسب إلى الإسلام هذا الكلام، ولولا إجماع أهل العلم على أن ناقل الكفر ليس بكافر، وأن أئمة الدين وأعيان الشريعة إنما نقلوا إلينا مقالة هؤلاء الملاحدة الكفار؛ ما نقلنا إليكم كلمة واحدة من هذا.
وهذه الصفات المذكورة ليست غير ذاته تعالى، فهو تعالى يقوم ويقعد، ويتحرك ويسكن، وله مشابهة بالأجسام، ولولاها لم تدل عليه، ويعلم ما تحت الثرى بشعاع ينفصل عنه إليه! أي: أن الله تعالى لا يعرف ما تحت التراب إلا بشعاع ينبثق منه إلى هذا الذي تحت الثرى.
وهو سبعة أشبار بأشبار نفسه، مماس للعرش بلا تفاوت بينهما، على وجه لا يفضل أحدهما على الآخر، وإرادته تعالى حركة هي لا عينه ولا غيره، وإنما يعلم الأشياء بعد وقوعها وحدوثها لا قبل ذلك، وهم بهذا يتفقون مع القدرية.
وعلمه بالأشياء بعد كونها لا قبله بعلم لا قديم ولا حادث؛ لأنه صفة والصفة لا توصف، وكلامه صفة له لا مخلوقة ولا غير مخلوقة؛ لما مر.
والأعراض لا تدل عليه، وإنما تدل عليه الأجسام؛ لما عرفت من مشابهته إياها.
والأئمة عندهم معصومون دون الأنبياء، وحجتهم في ذلك: أن النبي يوحى إليه، ويتقرب به إلى الله، بخلاف الإمام فإنه لا يوحى إليه، فوجب أن يكون معصوماً، وكذلك: أن الله تعالى هو الذي تولى حفظ ورعاية النبي، وهذا بخلاف الإمام، فإنه للزوم عصمته لابد أن يكون له ملك السماء.
وقال هشام بن سالم الجواليقي: الله تعالى على صورة الإنسان له يد ورجل، وخمس حواس: أنف وأذن وعين وفم، وله وفرة سوداء -أي: شعر أسود- ونصفه الأعلى مجوف ونصفه الأسفل مصمت، إلا أنه ليس لحماً ودماً! وقائل هذا الكلام يكفر بلا خلاف عند أهل العلم.
стр. 200
فرقة الزرارية من الشيعة ومعتقداتها
ومنها: الزرارية، وهم أصحاب زرارة بن أعين، وهؤلاء قالوا: صفات الله تعالى حادثة، أي: أن الله تعالى كان ذاتاً بغير صفات، ثم اكتسب الصفات بعد ذلك، فلم يكن عليماً ثم صار عليماً، ولم يكن قادراً ثم صار قادراً، ولم يكن قديراً ثم صار قديراً، ولم يكن رازقاً ثم صار رزاقاً وهكذا، أي: أنها مستحدثه بعد أن لم تكن! تعالى الله عن قولهم العظيم علواً كبيراً.
وقبل حدوثها لم يكن لله تعالى حياة ولا علم ولا قدرة ولا سمع ولا بصر، فيلزم حينئذ ألا يكون حياً، ولا عالماً، ولا قادراً، ولا سميعاً، ولا بصيراً!
стр. 201
فرقة اليونسية من الشيعة ومعتقداتها
ومنها: اليونسية، وهم أصحاب يونس بن عبد الرحمن القمي، مولى آل يقطين، وهم من جهة الشيعة، وقد صنف لهم كتباً في ذلك، أي: في تشبيه الله ، وهو الذي قال: إن الله تعالى على العرش تحمله الملائكة، وهو أقوى من الملائكة، مع كونه محمولاً لهم!
стр. 202
فرقة الشيطانية أو النعمانية من الشيعة ومعتقداتها
ومنها: الشيطانية، وهم أصحاب محمد بن النعمان الملقب بـ شيطان الطاق.
وكذلك يسمون النعمانية؛ نسبة إلى صاحبهم محمد بن النعمان أبي جعفر الأحول الملقب بـ شيطان الطاق، ويلقبه الشيعة بمؤمن الطاق! فانظر إلى تحريف الشيعة، فالعالم كله يسمونه: شيطان الطاق، لكن لما كان شيعياً ومنظراً من منظري الشيعة سموه: مؤمن الطاق! وهو ليس مؤمناً.
وقد صنف كتباً جمة للشيعة منها: افعل لم فعلت، ومنها: افعل لا تفعل.
ويذكر في هذه الكتب أن كبار الفرق أربع: القدرية، ثم الخوارج، ثم العامة، ثم الشيعة.
وقال هذا الشيطان: إن الله نور غير جسماني، ومع هذا هو على صورة إنسان، وإنما يعلم الأشياء بعد وقوعها لا قبلها.
стр. 203
فرقة الرزامية من الشيعة ومعتقداتها
[ومنها: الرزامية، وهم أتباع رزام بن رزم، وهؤلاء ظهروا في خرسان في أيام أبي مسلم صاحب الدولة في ذلك الوقت، والذي كان على مذهب الكيسانية في الأول، ثم حاد إلى أبي العباس عبد الله بن محمد بن عباس وقلده أمره.
وهؤلاء قالوا: إن الإمامة بعد علي لـ محمد بن الحنفية، ثم لابنه عبد الله، ثم لـ علي بن عبد الله بن عباس، ثم لأولاده إلى المنصور، ثم حل الإله في أبي مسلم، وأنه لم يقتل، واستحلوا المحارم، وتركوا الفرائض]، واستحلالهم للمحارم لوحده كاف في الكفر؛ لأن أهل السنة متفقون على أن من أحل حراماً، أو حرم حلالاً متعمداً بعد قيام الحجة عليه؛ فإنه يكفر.
стр. 204
فرقة المفوضة من الشيعة ومعتقداتها
[ومنها: المفوضة، ولقبوا بذلك لأنهم يقولون: بأن الله تعالى فوض الخلق كله إلى محمد] أي: أن الله قال: يا محمد! أنا فوضتك في أن تخلق الدنيا وما فيها! [وقال بعضهم: بل فوض ذلك إلى علي] أي: أنهم متفقون على أن الله فوض أمر الخلق إلى غيره، لكن منهم من قال: إن هذا الغير هو محمد، ومنهم من قال: هو علي، والمهم أنهم ينفون عن الله تعالى صفة الخلق؛ لأنه لم يخلق، وإنما فوض الخلق إلى غيره من المخلوقين.
стр. 205
فرقة البدائية من الشيعة ومعتقداتها
ومنها: البدائية، أي: الذين جوزوا على الله البداء، والبداء مصطلح في غاية الأهمية نجده في كتب المتكلمين، كما تجد في كتب الأزهر إثبات الكلام النفساني لله ! فأنت رجل من أهل السنة تعلم أن الله تعالى يتكلم متى شاء، وكيف شاء، وبأي كلام شاء، ويتكلم المولى بحرف وصوت، لا ككلام البشر، ويتكلم بكيفية تليق بجلاله وكماله، فأنت تعلم هذا الأمر ومؤمن به.
بينما تقرأ في كتب الأزهر: أن الله تعالى يتكلم بكلام نفساني، فما معنى: أن الكلام نفساني؟ إن كنت لا تعلم معناها فستمرها كما هي، ثم بعد ذلك عندما تكون في موطن المسئولية ستعلمها الغير، وبهذا تكون قد أسهمت في نشر الباطل وأنت لا تدري أنه باطل.
القول بالكلام النفساني لله أمر في غاية البطلان والخذلان، وهو مصطلح عند الأشاعرة والماتريدية الذين يقولون: إن الله تعالى لا يتكلم بصوت ولا حرف، وأما أهل السنة فيعتقدون أن الله تعالى يتكلم بصوت وحرف، بينما الأشاعرة يقولون: لا يتكلم بصوت ولا حرف، وإنما هو كلام نفساني، أي: أن الكلام يدور في نفس الله ، مثل السر تماماً حينما يحيك في صدرك، ثم إن الله يطلع جبريل ﵇ على هذا الكلام النفساني فيعرفه جبريل، فإذا عبر عنه بالعبرانية كان توراة، وإذا عبر عنه بالسريانية كان إنجيلاً، وإذا عبر عنه بالعربية كان قرآناً، وهذا يعني في نهاية الأمر أن القرآن هذا كلام جبريل، وليس بكلام الله ! أرأيتم خطورة هذا المصطلح، ففي نهاية الأمر أن الله تعالى لا يتكلم، لكنه يدور في نفسه الشيء فيطلع عليه جبريل، ثم يعبر عنه جبريل من عند نفسه؛ لأن جبريل له شأن كبير، فهو يعرف كل اللغات، فإذا عبر بالعبرانية فهو التوراة، وإذا عبر بالسريانية فهو إنجيل، وإذا عبر بالعربية فهو قرآن.
وفي نهاية الأمر هذه الكتب السماوية من كلام جبريل لا من كلام الله ! والصواب: أن الله تعالى يتكلم بحرف وصوت، ويتكلم بما شاء، وكيف شاء، ومتى شاء، وأن كلام الله ﵎ لا ينفد ولا يفنى.
وأما أهل الباطل فإنهم يعتقدون أن الله تعالى لا يتكلم بحرف ولا صوت، وإنما له كلام نفساني.
وكذلك مصطلح: البداء، فإنك تجد بعض الفرق تجوُّز على الله البداء، أي: أن الله ﵎ يقول الشيء، ويأمر بالشيء، وينهى عن الشيء، ثم يعرض له ما كان جاهلاً به فيرجع عن أمره وينهى، فبعد أن نهى وهو يعلم أن هذا النهي فيه مصلحة للناس يبدو له بعد ذلك أن هذا النهي ليس فيه مصلحة للناس، بل فيه مفسدة، فيرجع عن نهيه، أي: أنه يفعل الشيء ثم يبدو له خلاف ما كان عليه في الأول، وهذا اتهام لله بأنه ليس عظيماً ولا قديراً ولا حكيماً.
والذين جوزوا البداء على الله هم من الفرق الضالة وليسوا من أهل السنة، ولا علاقة للنسخ ألبتة بالبداء، والنسخ محل نزاع بين أهل السنة، فمنهم من يقول به، ومنهم من لا يقول به، لكن الذي يقول به ليس من باب البداء على الإطلاق، وإنما هو باب آخر.
والبدائية لقبوا بذلك لأنهم جوزوا البداء على الله تعالى.
стр. 206
فرقة النصيرية من الشيعة ومعتقداتها
[ومنها: النصيرية والإسحاقية، وهم موجودون في بلاد المسلمين، وأقول هذا الكلام لأن هناك فرقاً معاصرة موجودة، فإن كانت ليست موجودة عندك فهي عند غيرك، وأنت تذهب لغيرك وغيرك يأتي إليك، ثم أليس في بلادنا شيعة؟! عندما كنت في السنة الثالثة في الجامعة كان لي أصحاب شيعة، إلى أن قامت ثورة الخميني الإسلامية، وفي أثناء الثورة وقع تحت يدي كتاب: الحكومة الإسلامية للخميني، وهو مجلد صغير، فقرأته فوجدت نصفه كفراً، فعلمت أن هذا الرجل كذاب، وأنه مجرم أفاك، وأن هذه الثورة ليست ثورة إسلامية، بل هي ثورة شيعية، ومزقته وحذرت منها وأنا في الجامعة، فلما حذرت منها إذا بهؤلاء الأصدقاء الشيعة قد انقلبوا علي رأساً على عقب، وكانوا قبل هذه الثورة إذا اعترضهم شيء في دينهم استفتوا رجلاً من أهل العلم من أهل السنة، ثم أجدهم يخالفون الفتوى ويعملون بمعكوسها، وهذا مذهب الإمامية، إذ إن الإمامية على خلاف في الأصول والفروع مع أهل السنة، ولذلك استفتي الخميني من قبل طلاب جامعة القاهرة، فقيل له: ماذا نصنع إذا اعترضنا شيء في أمر ديننا أو دنيانا؟ فقال: إذا اعترضكم شيء في أمر دينكم فاسألوا عنه أحد الناصبة، فـ الخميني والاثنا عشرية الإمامية يسمون أهل السنة الناصبة؛ لأننا بزعمهم ناصبنا علياً العداء، ونحن في الحقيقة نحب علياً ﵁، لكن بغير إفراط ولا تفريط.
فقال: إذا اعترضكم شيء في أمر دينكم فاسألوا عنه أحد الناصبة -أي: أحد أهل السنة- ثم اعملوا بخلاف قوله! إنه حقد دفين، هذا الخميني الذي كان يمدحه ويثني عليه الكثير هنا في مصر، بل إن أعظم محافظة فتنت بـ الخميني هي المنصورة؛ إذ إنها أكثر محافظة فيها شيعة بعد القاهرة، وأنتم تعلمون أن أئمة التشيع في مصر وجودهم في المنصورة بعد وجودهم في القاهرة، لكن ليس لهم انتشار في المنصورة كما هو انتشارهم في القاهرة.
والنصيرية موجودة في سوريا، والزيدية وجودهم في منطقة من اليمن، والاثنا عشرية وجودهم الأول في إيران، ثم في العراق، والعجيب أن الزيدية والاثنا عشرية انتشروا انتشاراً عظيماً جداً في جنوب الحجاز، أي: في جنوب المملكة العربية السعودية، وأصبح لهم قوة وصولة وجولة لا يقف أمامها ملك البلاد ولا غيره.
كما لابد أن تعلموا أن الأسرة الحاكمة منذ قديم الزمان في سوريا نصيرية، وحافظ الأسد أنا أعتقد أنه لا علاقة له لا بالنصيرية، ولا بالنصرانية، ولا باليهودية، ولا بالإسلامية، فهو كغيره من الناس لا علاقة له بهذا كله، لكن أنا أقصد بالنصيرية هناك في سوريا في الشام، وحافظ الأسد ينسب إليها شاء أم أبى، وكذلك ولده الذي يحكم البلاد الآن هو نصيري.
فانظر إلى عقيدة هؤلاء فقد قالوا: إن الله تعالى تجلى في علي، فإن ظهور الروحاني في جسد جثماني أمر لا ينكر، وهذه العقيدة هي التي سماها الصوفية: عقيدة الحلول والاتحاد، أي: أن روح الإله حالة في روح فلان، أو حلت في فلان حتى صار فلان هو الإله، والإله هو فلان، وهذا هو الاتحاد، فصار كل منهما يدل على الآخر.
أما في جانب الخير فكظهور جبريل في صورة البشر، وأما في جانب الشر فكظهور الشيطان في صورة الإنسان.
ثم قالوا: لما كان علي وأولاده أفضل من غيرهم، وكانوا مؤيدين بتأييدات متعلقة بباطن الأسرار قلنا: ظهر الحق في صورتهم، ونطق بلسانهم، وأخذ بأيديهم.
إذاً: فـ ابن حافظ الأسد عُين ملكاً أو رئيساً على هذه البلاد؛ لأن النصيرية يعتقدون أن روح الإله تحل في هذا الغلام؛ إذ إنه مؤيد بتأييدات السماء وبتأييدات الأرض.
وعليه فالذي اختاره عليهم هو الإله؛ لأن هذا معتقدهم، ومن هاهنا أطلقوا الآلهة على الأئمة، فهم يقولون: إذا حلت روح الإله في الإمام؛ مع اتحاد الإله والإمام باتحاد الروح فيهما؛ فلا بأس أن يكون الإمام إلهاً، ولذلك يقولون: من هاهنا أطلقنا الآلهة على الأئمة، ألا ترى أن النبي ﷺ قاتل المشركين؛ لأن هؤلاء شركهم ظاهر لا خفاء فيه، بل كانوا ينصبون له العداء، وأما المنافقون فإنهم أظهروا الإسلام، وشاركوا المسلمين في الأعمال الظاهرة، لكن علياً عرفهم فقاتلهم فقتلهم، وهذا يدل على أن علياً إله؛ لأنه يعلم السر وهو النفاق، وأما محمد فإنه ليس كذلك، بل عمل بالظاهر، فقالوا: إن محمداً حارب المشركين لظهور شركهم، وما استطاع أن يحارب المنافقين؛ لأنه لم يعلم النفاق فيهم، مع أن الله تعالى قد أطلعه على المنافقين بأسمائهم وأعيانهم وذواتهم، لكنهم ينكرون هذا كله.
وأن علياً قاتل المنافقين؛ لأنه عرفهم، وهذا يدل على أنه قد حلت فيه روح الإله، ولذلك يقولون: إن النبي ﵊ يعلم الظاهر والله تعالى يتولى السرائر، ويقولون: إن علياً يعلم السرائر.
فلا يعقل أن هذه
стр. 207
فرقة الإسماعيلية من الشيعة ومعتقداتها
[ومنها: الإسماعيلية، ولقبوا بذلك لإثباتهم الإمامة لـ إسماعيل بن جعفر الصادق، وهو أكبر أبناء جعفر الصادق، وقيل: لانتساب زعيمهم إلى محمد بن إسماعيل، وهؤلاء لقبوا بألقاب أخرى:
стр. 208
من ألقاب الإسماعيلية: الباطنية
[منها: الباطنية، وحي الباطنية في القاهرة، وحي الإسماعيلية موجودان إلى اليوم، وأنتم تعملون أن الإسماعيلية والباطنية والفاطمية يسكنون الحي إلى يومنا هذا، ولهم أحياء تحفهم ومساجد تأويهم، ولا يأذنون لأحد قط من أهل السنة أو من غيرهم أن يدخل هذه المساجد إلا هم، ولابد أن يتدين بدينهم، ولذلك حينما تذهب إلى حي هؤلاء الإسماعيلية لا يأذنون لك بالدخول إلا إذا كنت رجلاً منهم، وهؤلاء كاليهود تماماً، فقد اشتروا الدور والمحلات والشوارع والطرقات بأغلى الأثمان؛ حتى تكون لهم دولة واحدة، وهكذا أخذوا بهذه الطريقة ثمان حارات، وهدوا ست عشرة عمارة وبنوها كنيسة! والباطنية لقبوا بذلك لأنهم يعتقدون أن للقرآن ظاهراً وباطناً، وأن المراد باطنه لا ظاهره، وأن العمل بالظاهر يؤدي إلى ترك العمل بالباطن، وهو المراد، ويحتجون في ذلك بقول الله تعالى: ﴿فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ﴾ [الحديد:١٣]، مع أن الآية حجة عليهم وليست لهم.
стр. 209
من ألقاب الإسماعيلية: الحرامية
وكذلك يسمون بالحرامية؛ نسبة إلى إباحتهم المحارم والمحرمات، أي: أن الواحد منهم قد يقع على أي امرأة شاء سواء كانت من محارمه، أو ليست من محارمه بشكل عام، وكذلك إباحتهم المحرمات: من القتل، والسرقة، والزنا، وشرب الخمر، وكل هذا عندهم حلال، ولذلك سموا بالحرامية.
стр. 210
من ألقاب الإسماعيلية: السبعية
وسموا كذلك بالسبعية؛ لأنهم زعموا أن النطقاء بالشرائع سبعة أشخاص من الأنبياء، وهم: آدم، ونوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى، ومحمد عليهم الصلاة والسلام، ومحمد المهدي هو سابع النطقاء، أي: أن محمداً المهدي عندهم نبي من الأنبياء؛ لأنه ناطق بالشريعة، وبين كل اثنين من النطقاء سبعة أئمة يتممون شريعة النبي السابق، ولابد لكل عصر من سبعة بهم يهتدى في الدين.
стр. 211
مراتب الأئمة السبعة عند الشيعة الإسماعيلية
وهم متفاوتون في الرتب -وانتبه إلى قوله: متفاوتون في الرتب- فالإمام يؤدي عن الله تعالى، وهو غاية الأدلة إلى دين الله تعالى، فأحسن من يدلك على الله هو الإمام.
ثم بعد الإمام: الحجة، وانتبه إلى هذا الترتيب؛ حتى تعلم من أين أتى الإيرانيون بهذه الألقاب! فالشيعة قالوا: إن الخميني حجة -وهذا هو دينهم- وهو يؤدي عن الإمام؛ لأن الخميني اثنا عشري، وهو من أكابر علماء الشيعة بشهادة الألباني، وهذا من باب العدل في إثبات العلم له، لكن هل هو مجتهد؟ هذه قضية أخرى، فالثناء عن الرجل هو في باب واحد توغل فيه وهو علم الشيعة، أو علم التشيع.
وعلى أي حال فالحجة يكون بعد الإمام، وهو يؤدي عن الإمام، ولذلك نحن نعلم الآن أن الشيعة دائماً لهم إمام، وهم يحفظون إمامهم، وهو محمد بن الحسن العسكري الذي اختفى في سرداب سامراء وعنده من العمر أربع سنوات، وهذا هو الإمام الثاني عشر؛ لأنهم يتبعون الأئمة الاثني عشرية، وآخر الأئمة عندهم هو محمد بن الحسن العسكري الذي اختفى في سرداب سامراء بالعراق، وينتظرونه يوماً في كل عام بالخيل والطبول والزينة والبهرج وغير ذلك.
وإيران تعتقد أن الاتصال قائم بين الحجة -أي: الخميني - والإمام، فـ الخميني كان يؤدي عن الإمام.
وهم يقولون: صلاة الجمعة لا تجوز إلا خلف الحجة؛ لأنه يؤدي عن الإمام؛ لأن أصل المعتقد عندهم أن الجمعة تسقط عن الشيعي في غيبة الإمام، لكن إذا أدى عنه الحجة فلا بأس، وقبل هذا الحجة كان هناك كلب من الكلاب موجود اسمه: شاه إيران، وهو فعلاً شاة، حتى إن الشاة أنظف منه؛ لأن الشاة تؤكل وتحلب ويشرب لبنها، وأما هذا فكان مجرماً، وكان قبل وجود الخميني، والخميني كان مبعداً في فرنسا، وكان القائم على أمر الشيعة عموماً في إيران: شاه إيران، وهو لا يؤمن بالإمامة ولا بالحجة، بل لا يعرف أين يقف في الصف ليصلي.
ومصر بلد بابها وصدرها واسع ورحب، وهي ترحب بكل من يأتي إليها، ففيها الشيعي والشيوعي والملحد، يعني: فيها كل شيء، فإنا لله وإنا إليه راجعون.
ولذلك فمصر سوف تظل على ثغر إلى يوم القيامة، أعني موحدي مصر سيظلون على ثغر إلى يوم القيامة، وموقفهم هو الصمود أمام الباطل إلى قيام الساعة، فهذه منطقة حساسة جداً، ولذلك الطمع فيها بالليل والنهار، وأنت الوحيد الذي تعمل غصة في حلقهم، وكل ملل الكفر والإلحاد والزندقة ممكن أن يضعوا أيديهم في أيدي أي شخص، إلا أنت فلا تضع يدك إلا في يد من هو على شاكلتك، ولذلك أنت تسبب إزعاجاً كبيراً جداً، فمرة يسمونك بالمتطرف، ومرة يسمونك بالإرهابي، ومرة يسمونك بالأصولي، ومرة يقولون: إنك تريد أن تصل إلى السياسة وإلى السلطة، وأن تحكم البلد، وتريد، وتريد، وكل هذا وهم يعلمون ويفهمون جداً أنك في أول أمرك وآخره صاحب الشأن، وهم أعلم الناس بشأن هذه الدعوة.
فالحجة يؤدى عن الإمام، ويحمل علمه، ويحتج به.
الثالث من مراتبهم: ذو مطة، مط مطة من العلم، أي: من علم الحجة.
الرابع: داع أكبر، وهو يرفع درجات المؤمنين! مع أنه في الحقيقة لا يرفع الدرجات إلا الله .
الخامس: داع مأذون، أي: مأذون له في التصرف، فيأخذ العهود على المخالفين من أهل الظاهر، وقد قلت: إنهم يهتمون بالباطن؛ لأن الباطن هو المراد، وأما الظاهر في القرآن فغير مراد، وهذا يعني أن أهل الظاهر مخالفون لهم، فالداعي الآخر مهمته هي: أنه يأخذ العهود والمواثيق على أهل الظاهر المخالفين ليدخلهم في خدمة الإمام, أي: أن هذا دوره أن يعمل معك عهداً وميثاقاً.
والعهود والمواثيق كثيرة جداً في هذا الزمان، وأنا أتوقع أن العقود والمواثيق الآن يمكن أن تباع في السوبر ماركت خاصة عند الصوفية، وقد يأتي الواحد منهم فيقول لك: يا شيخ! أنا أعمل كيت وكيت، فتقول: هذا لا يجوز، فيقول لك: أنا لا أستطيع أن أرجع، فقد عاهدت، فتقول له: هل قال لك: المكان الفلاني لا تذهب إليه؟ هذا كذب، فيقول: أنا لو تركته فسيهلك أولادي وامرأتي وأبي وأمي، أرأيت إلى أين أوصله هذا؟! يعني: ما هو إلا خرقة في أيديهم يتصرفون فيه كيف شاءوا، وفي مثل هذه الحالات قد يستخدمون الجن، والسحر، والشعوذة وغير ذلك.
السادس: مكلب، وهو يستاهل هذا اللقب، وهو من ارتفعت درجته في الدين لكن لم يؤذن له في الدعوة، بل في الاحتجاج على الناس، فهو يحتج ويرغب إلى الداعي ككلب الصيد.
بمعنى: أنه لم يؤذن له في الدعوة العامة، بل يؤذن له في أنه يصطاد واحداً أو اثنين أو ثلاثة فيوصلهم إلى الإمام أو الشيخ، وهذه الألقاب لها سحر في القلوب، فلدى هذا الإمام والخليفة الراشد ألقاب كبيرة جداً، فحينما يسمعها الشخص يقول لك: إلى أين أذهب؟ فيقوم بأخذه ويذهب به إلى المأذون وهو الداعي، والذي سوف يقرأ عليه العهود والمواثيق، وبعد ذلك يسلمه إلى الذي فوقه، وهذا يسلمه إلى الذي فوقه وهكذا، فيكون عندهم درجات وترتي
стр. 212
من ألقاب الإسماعيلية: البابكية
ومن الألقاب المرادفة للإسماعيلية بعد الباطنية، والحرامية، والسبعية: البابكية، وهم أتباع بابك الخرمي.
стр. 213
من ألقاب الإسماعيلية: المحمرة
ومنها كذلك: المحمرة؛ للبسهم الأحمر في أيام بابك، أو لتسمية المخالفين لهم حميراً.
стр. 214
من ألقاب الإسماعيلية: القرامطة
وكذلك: القرامطة؛ لأن أول من دعا الناس إلى مذاهبهم رجل يقال له: حمدان قرمط، أو حمدان قرمطة، وهي إحدى قرى واسط بالعراق، وأصل دعوتهم إبطال الشرائع؛ لأن الغيارية -وهم طائفة من المجوس- راموا عند شوكة الإسلام تأويل الشرائع على وجوه تعود إلى قواعد أسلافهم؛ وذلك أنهم اجتمعوا وتذكروا ما كان عليه أسلافهم من الملك، وقالوا: لا سبيل لنا إلى دفع المسلمين بالسيف؛ لغلبتهم واستيلائهم على الممالك.
وهذا نفس الذي يصنعه اليهود الآن، حيث أيقنوا بأنه لا يمكن غلبة المسلمين بالسيف، وأن مواجهة المسلمين بالسيف سيجعل القاصي والداني يدافع عن دينه وعرضه ووطنه، فراموا إلى تغيير الشرائع عند ذلك، فغيروا وبدلوا دين المسلمين على أيدي أبناء لهم في بلاد المسلمين لا على أيديهم هم، وهذا وضع طبيعي جداً، ولذلك فما أشبه اليوم بالبارحة.
فقالوا: لكننا نحتال بتأويل شرائعهم إلى ما يعود إلى قواعدنا، ونستدرج به الضعفاء منهم.
ولذلك لا يمكن قط أن يدعوا العلماء، أي: لا يمكن لأي فرقة ضالة أن تدعو عالماً إلى دعوتها وإلى مذهبها، ودائماً تجد في أصول المبتدعة أنهم لا يدخلون بيتاً فيه سراج، ويقصدون بالسراج: العالم، وهذا أمر مشهور عند جماعة التبليغ، واسمحوا لي أن أفصح عن هذا.
فجماعة التبليغ يقولون: لا ندخل بيتاً فيه سراج، وإذا أتيت إلى جماعة التبليغ لوجدت أن من تعاليم الزعيم الأول الذي أسس هذه الجماعة وهو الكاندهلوي أنه يحذر أتباعه من أن يدخلوا بيتاً فيه سراج، ويقصد بالسراج: العالم؛ لأن العالم عنده من الحجج ما يستطيع بها أن يرد عليهم، وأن يثبت أن ما هم عليه ضلال.
فكذلك هؤلاء إنما يدعون الضعفاء، وهذا يوجب اختلافهم واضطراب كلمتهم، ورئيسهم في ذلك هو حمدان قرمط، ولهم في الدعوة مراتب، ولابد أن تدرك أن الذي بلغ مبلغاً عظيماً في الباطل لم يبلغه في يوم وليلة، وإنما تدرج في هذا الباطل درجة بعد أخرى، وسلماً بعد آخر، وفي كل درجة يمكث فترة من الزمان كفيلة باستمرار هذه الدرجة، ثم الإيمان بهذه الدرجة، أي: أن يصدق بما هو عليه، وإذا كان يعلم من قبل أنه باطل لكن بمكثه على الباطل فترة من الزمان يألفه، فإذا ألفه صدقه، وإذا صدقه دافع عنه، وإذا دافع عنه دعا إليه بعد ذلك.
ولذلك الباطل لا يمكن أن يستقر في القلب بين يوم وليلة، بل لابد من المكوث عليه فترة طويلة من الزمان؛ حتى يتأهل صاحبه إلى الدعوة إلى هذا الباطل.
стр. 215
مراحل الدعوة عند القرامطة
فالقرامطة -وإن شئت فقل: الباطنية والإسماعيلية- لهم في دعوتهم مراحل: المرحلة الأولى: مرتبة الرزق، وهو تفرغ حال المدعو من جهة حاجته إلى الدنيا، وهذه طريق للنصارى الآن يستخدمونه خاصة في دعوتهم، فيذهبون إلى كثير من الشعوب وهم يعلمون أن هذه الشعوب مطحونة جوعاً، في الوقت الذي تلقى فيه المواد الغذائية والسلع وغيرها في المحيطات والبحار، وتترك هذه الشعوب الجائعة فريسة في أيدي النصارى، فإذا طلبت هذه الشعوب -تحت وطأة الجوع- طعاماً وشراباً ذهب القساوسة وذهب النصارى إلى هناك، وبينوا بعد ذلك محاسن الدين النصراني، ومحاسن الشريعة النصرانية، وإثبات أن عيسى نبي الله ورحمة الله، أو رحمة السماء إلى الناس وغير ذلك، ثم يقدمون لهم الطعام والشراب باسم المسيح، أو باسم مريم أو يسوع أو غير ذلك، مع جهل هؤلاء المطبق في دين الله ، فانظر إلى الجهل ويجمع إليه الجوع! ويجمع إليه تقصير المسلمين في حق إخوانهم في جنوب أفريقيا، ويجمع في مقابله دعوة علماء النصرانية إلى دين النصرانية! وقد بلغني بأنه وجد في إحدى البلدان العربية أن قسيساً مد رغيفاً إلى رجل فلما أراد هذا الرجل أن يتناوله قال له: أتؤمن بعيسى؟ قال: نعم، قال: أتؤمن بمحمد؟ قال: نعم، قال: ليس الرغيف لك، يجب أن تقول: الإيمان بعيسى، والكفر بمحمد ﵊ في مقابل رغيف! وحتى في مصر يذهبون إلى بيوت الفقراء؛ فيقدمون لهم المساعدات والمعونات وغير ذلك.
المرحلة الثانية: ما يطلقون عليها بالأرض السبخة، أي: دعوة من ليس أهلاً لها، أي: أرض ميتة.
المرحلة الثالثة: مرحلة التأنيس، أي: استمالة كل واحد من المدعوين بما يميل إليه هواه وطبعه من رقص وخلاعة وغيرها، فإن كان يميل إلى الزهد زينوه في عينه وقبحوا نقيضه، وإن كان يميل إلى الخلاعة زينوها وقبحوا نقيضها؛ حتى يحصل له الأنس بهم، فإذا كان يشرب خمراً قالوا له: تعال إلى المسجد وكأس الخمر معك، وادخل المسجد بزجاجة الخمر.
ولذلك كتب بعض أهل العلم: أن مما يثبت أن الدخان حرام عند العامة: أن أحدهم لا يجرؤ أن يدخن في المسجد، ولو كان حلالاً زلالاً فما الذي يمنعه من أن يدخن في المسجد؟ وهذا قد يجده على زنا ولا يقول له: الزنا حرام، بل يقول له: عليك أن تفعل هذا على سطح المسجد، إي والله! لذا فالمهم عنده أنه يلم ويجمع، وليس من المهم التربية والتعليم، وغير مهم بناء الشخصية العلمية القوية التي تزلزل الجبال، لكن المهم بدل أن يكونوا اثنين أن يكونوا ألفاً، لكن هؤلاء الألف لا يثبتون عند أول صيحة.
المرحلة الرابعة: التشكيك في أركان الشريعة، فيقول له: ما قيمة هذا الكلام ((الم)) ((الر)) ((عسق))؟ لا يمكن أن يكون ديناً ولا قرآناً، ولا يمكن أن يكون هذا كلام ربنا ! والمدعو جاهل من الأصل فيصدق هذا الكلام، بل ويزيده تشكيكاً في دينه فيقول له: لم وجب قضاء صوم الحائض دون قضاء صلاتها؟ ولم وجب الغسل من المني دون البول مع أنهما يخرجان من سبيل واحد؟ ولم كان عدد الركعات بعضها أربعاً وبعضها ثلاثاً وبعضها اثنتين؟ إلى غير ذلك من الأمور التعبدية، فيشككونهم في هذه الأشياء، ويطوون الجواب عنهم؛ لتتعلق قلوبهم بمراجعتهم إياهم فيها، فيذهبون إليه ويقولون له: إذاً ما هو السبب؟ فيقول له: ليس هذا وقته، فلا يزال أمامك وقت، فانظر إلى هذا الكلام الفارغ! وربما يقول له: هذه المسألة كبيرة عليك! مع أنكم تعلمون أن البدوي كان يأتي من البادية وليس هناك رزق ولا تشكيك ولا تأنيس، فيدخل بجرأة على النبي ﵊ فيقول له: أين محمد؟ فيقول له: أنا محمد، فيقول له: أنا أريد أن أسألك عن كيت وكيت وكيت، والنبي ﵊ يجيبه بكلام مفهوم وواضح، ثم لا يستفسر منه عن شيء، وإنما يأخذ هذا الكلام ويذهب إلى قومه فيدعوهم بهذه الكلمات البسيطات.
لكن كلام هؤلاء الناس كلام فارغ، وقد استفادت منه جميع الطوائف والفرق حتى في العمل، فحينما تريد أن تذهب لتقابل رئيس مجلس إدارة أخرى فأول شيء تقابل الزبال، والزبال يعرف منك قضيتك من أولها إلى آخرها، فتقول له: أتيت إلى رئيس مجلس الإدارة في موضوع شخصي، وأنا صاحبه وأعرفه، فيقول لك: أنا آسف، أنت صاحبه، لكن هذا أيضاً للمصلحة، ثم يرفع الزبال قضيتك إلى رئيس الزبالين، ورئيس الزبالين يرفعها لعامل المطعم، وعامل المطعم يرفعها للسكرتير الأول، وبعد ذلك الثاني والثالث والرابع والنائب والذي فوق النائب، إلى أن تقول: حقيقة أنا أستقيل من هذه المصلحة، وقد قاربت أن تصل، لكنك قلت ذلك من الملل الذي أصابك.
وانظروا إلى الرجل الذي أتى فربط حماره بباب المسجد النبوي ودخل، وقبل أن يسلم أو يتكلم تنحى في المسجد وبال فيه، وبعد أن بال قال: أين محمد؟ قال: أنا، فقال: اللهم ارحمني ومحمداً ولا ترحم معنا أحداً، فهل مر هذا بمراحل؟ لم يمر على عمر أولاً، وعمر سلمه إلى أبي بكر، وأبو بكر يسلمه إلى النبي ﷺ ،
следующие страницы →