← Акыда

Акыда · id 37436

شرح كتاب الإبانة من أصول الديانة

حسن أبو الأشبال الزهيري

Полный текст (1 366 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

مراتب الأئمة السبعة عند الشيعة الإسماعيلية وهم متفاوتون في الرتب -وانتبه إلى قوله: متفاوتون في الرتب- فالإمام يؤدي عن الله تعالى، وهو غاية الأدلة إلى دين الله تعالى، فأحسن من يدلك على الله هو الإمام. ثم بعد الإمام: الحجة، وانتبه إلى هذا الترتيب؛ حتى تعلم من أين أتى الإيرانيون بهذه الألقاب! فالشيعة قالوا: إن الخميني حجة -وهذا هو دينهم- وهو يؤدي عن الإمام؛ لأن الخميني اثنا عشري، وهو من أكابر علماء الشيعة بشهادة الألباني، وهذا من باب العدل في إثبات العلم له، لكن هل هو مجتهد؟ هذه قضية أخرى، فالثناء عن الرجل هو في باب واحد توغل فيه وهو علم الشيعة، أو علم التشيع. وعلى أي حال فالحجة يكون بعد الإمام، وهو يؤدي عن الإمام، ولذلك نحن نعلم الآن أن الشيعة دائماً لهم إمام، وهم يحفظون إمامهم، وهو محمد بن الحسن العسكري الذي اختفى في سرداب سامراء وعنده من العمر أربع سنوات، وهذا هو الإمام الثاني عشر؛ لأنهم يتبعون الأئمة الاثني عشرية، وآخر الأئمة عندهم هو محمد بن الحسن العسكري الذي اختفى في سرداب سامراء بالعراق، وينتظرونه يوماً في كل عام بالخيل والطبول والزينة والبهرج وغير ذلك. وإيران تعتقد أن الاتصال قائم بين الحجة -أي: الخميني - والإمام، فـ الخميني كان يؤدي عن الإمام. وهم يقولون: صلاة الجمعة لا تجوز إلا خلف الحجة؛ لأنه يؤدي عن الإمام؛ لأن أصل المعتقد عندهم أن الجمعة تسقط عن الشيعي في غيبة الإمام، لكن إذا أدى عنه الحجة فلا بأس، وقبل هذا الحجة كان هناك كلب من الكلاب موجود اسمه: شاه إيران، وهو فعلاً شاة، حتى إن الشاة أنظف منه؛ لأن الشاة تؤكل وتحلب ويشرب لبنها، وأما هذا فكان مجرماً، وكان قبل وجود الخميني، والخميني كان مبعداً في فرنسا، وكان القائم على أمر الشيعة عموماً في إيران: شاه إيران، وهو لا يؤمن بالإمامة ولا بالحجة، بل لا يعرف أين يقف في الصف ليصلي. ومصر بلد بابها وصدرها واسع ورحب، وهي ترحب بكل من يأتي إليها، ففيها الشيعي والشيوعي والملحد، يعني: فيها كل شيء، فإنا لله وإنا إليه راجعون. ولذلك فمصر سوف تظل على ثغر إلى يوم القيامة، أعني موحدي مصر سيظلون على ثغر إلى يوم القيامة، وموقفهم هو الصمود أمام الباطل إلى قيام الساعة، فهذه منطقة حساسة جداً، ولذلك الطمع فيها بالليل والنهار، وأنت الوحيد الذي تعمل غصة في حلقهم، وكل ملل الكفر والإلحاد والزندقة ممكن أن يضعوا أيديهم في أيدي أي شخص، إلا أنت فلا تضع يدك إلا في يد من هو على شاكلتك، ولذلك أنت تسبب إزعاجاً كبيراً جداً، فمرة يسمونك بالمتطرف، ومرة يسمونك بالإرهابي، ومرة يسمونك بالأصولي، ومرة يقولون: إنك تريد أن تصل إلى السياسة وإلى السلطة، وأن تحكم البلد، وتريد، وتريد، وكل هذا وهم يعلمون ويفهمون جداً أنك في أول أمرك وآخره صاحب الشأن، وهم أعلم الناس بشأن هذه الدعوة. فالحجة يؤدى عن الإمام، ويحمل علمه، ويحتج به. الثالث من مراتبهم: ذو مطة، مط مطة من العلم، أي: من علم الحجة. الرابع: داع أكبر، وهو يرفع درجات المؤمنين! مع أنه في الحقيقة لا يرفع الدرجات إلا الله . الخامس: داع مأذون، أي: مأذون له في التصرف، فيأخذ العهود على المخالفين من أهل الظاهر، وقد قلت: إنهم يهتمون بالباطن؛ لأن الباطن هو المراد، وأما الظاهر في القرآن فغير مراد، وهذا يعني أن أهل الظاهر مخالفون لهم، فالداعي الآخر مهمته هي: أنه يأخذ العهود والمواثيق على أهل الظاهر المخالفين ليدخلهم في خدمة الإمام, أي: أن هذا دوره أن يعمل معك عهداً وميثاقاً. والعهود والمواثيق كثيرة جداً في هذا الزمان، وأنا أتوقع أن العقود والمواثيق الآن يمكن أن تباع في السوبر ماركت خاصة عند الصوفية، وقد يأتي الواحد منهم فيقول لك: يا شيخ! أنا أعمل كيت وكيت، فتقول: هذا لا يجوز، فيقول لك: أنا لا أستطيع أن أرجع، فقد عاهدت، فتقول له: هل قال لك: المكان الفلاني لا تذهب إليه؟ هذا كذب، فيقول: أنا لو تركته فسيهلك أولادي وامرأتي وأبي وأمي، أرأيت إلى أين أوصله هذا؟! يعني: ما هو إلا خرقة في أيديهم يتصرفون فيه كيف شاءوا، وفي مثل هذه الحالات قد يستخدمون الجن، والسحر، والشعوذة وغير ذلك. السادس: مكلب، وهو يستاهل هذا اللقب، وهو من ارتفعت درجته في الدين لكن لم يؤذن له في الدعوة، بل في الاحتجاج على الناس، فهو يحتج ويرغب إلى الداعي ككلب الصيد. بمعنى: أنه لم يؤذن له في الدعوة العامة، بل يؤذن له في أنه يصطاد واحداً أو اثنين أو ثلاثة فيوصلهم إلى الإمام أو الشيخ، وهذه الألقاب لها سحر في القلوب، فلدى هذا الإمام والخليفة الراشد ألقاب كبيرة جداً، فحينما يسمعها الشخص يقول لك: إلى أين أذهب؟ فيقوم بأخذه ويذهب به إلى المأذون وهو الداعي، والذي سوف يقرأ عليه العهود والمواثيق، وبعد ذلك يسلمه إلى الذي فوقه، وهذا يسلمه إلى الذي فوقه وهكذا، فيكون عندهم درجات وترتي

стр. 212

من ألقاب الإسماعيلية: البابكية ومن الألقاب المرادفة للإسماعيلية بعد الباطنية، والحرامية، والسبعية: البابكية، وهم أتباع بابك الخرمي.

стр. 213

من ألقاب الإسماعيلية: المحمرة ومنها كذلك: المحمرة؛ للبسهم الأحمر في أيام بابك، أو لتسمية المخالفين لهم حميراً.

стр. 214

من ألقاب الإسماعيلية: القرامطة وكذلك: القرامطة؛ لأن أول من دعا الناس إلى مذاهبهم رجل يقال له: حمدان قرمط، أو حمدان قرمطة، وهي إحدى قرى واسط بالعراق، وأصل دعوتهم إبطال الشرائع؛ لأن الغيارية -وهم طائفة من المجوس- راموا عند شوكة الإسلام تأويل الشرائع على وجوه تعود إلى قواعد أسلافهم؛ وذلك أنهم اجتمعوا وتذكروا ما كان عليه أسلافهم من الملك، وقالوا: لا سبيل لنا إلى دفع المسلمين بالسيف؛ لغلبتهم واستيلائهم على الممالك. وهذا نفس الذي يصنعه اليهود الآن، حيث أيقنوا بأنه لا يمكن غلبة المسلمين بالسيف، وأن مواجهة المسلمين بالسيف سيجعل القاصي والداني يدافع عن دينه وعرضه ووطنه، فراموا إلى تغيير الشرائع عند ذلك، فغيروا وبدلوا دين المسلمين على أيدي أبناء لهم في بلاد المسلمين لا على أيديهم هم، وهذا وضع طبيعي جداً، ولذلك فما أشبه اليوم بالبارحة. فقالوا: لكننا نحتال بتأويل شرائعهم إلى ما يعود إلى قواعدنا، ونستدرج به الضعفاء منهم. ولذلك لا يمكن قط أن يدعوا العلماء، أي: لا يمكن لأي فرقة ضالة أن تدعو عالماً إلى دعوتها وإلى مذهبها، ودائماً تجد في أصول المبتدعة أنهم لا يدخلون بيتاً فيه سراج، ويقصدون بالسراج: العالم، وهذا أمر مشهور عند جماعة التبليغ، واسمحوا لي أن أفصح عن هذا. فجماعة التبليغ يقولون: لا ندخل بيتاً فيه سراج، وإذا أتيت إلى جماعة التبليغ لوجدت أن من تعاليم الزعيم الأول الذي أسس هذه الجماعة وهو الكاندهلوي أنه يحذر أتباعه من أن يدخلوا بيتاً فيه سراج، ويقصد بالسراج: العالم؛ لأن العالم عنده من الحجج ما يستطيع بها أن يرد عليهم، وأن يثبت أن ما هم عليه ضلال. فكذلك هؤلاء إنما يدعون الضعفاء، وهذا يوجب اختلافهم واضطراب كلمتهم، ورئيسهم في ذلك هو حمدان قرمط، ولهم في الدعوة مراتب، ولابد أن تدرك أن الذي بلغ مبلغاً عظيماً في الباطل لم يبلغه في يوم وليلة، وإنما تدرج في هذا الباطل درجة بعد أخرى، وسلماً بعد آخر، وفي كل درجة يمكث فترة من الزمان كفيلة باستمرار هذه الدرجة، ثم الإيمان بهذه الدرجة، أي: أن يصدق بما هو عليه، وإذا كان يعلم من قبل أنه باطل لكن بمكثه على الباطل فترة من الزمان يألفه، فإذا ألفه صدقه، وإذا صدقه دافع عنه، وإذا دافع عنه دعا إليه بعد ذلك. ولذلك الباطل لا يمكن أن يستقر في القلب بين يوم وليلة، بل لابد من المكوث عليه فترة طويلة من الزمان؛ حتى يتأهل صاحبه إلى الدعوة إلى هذا الباطل.

стр. 215

مراحل الدعوة عند القرامطة فالقرامطة -وإن شئت فقل: الباطنية والإسماعيلية- لهم في دعوتهم مراحل: المرحلة الأولى: مرتبة الرزق، وهو تفرغ حال المدعو من جهة حاجته إلى الدنيا، وهذه طريق للنصارى الآن يستخدمونه خاصة في دعوتهم، فيذهبون إلى كثير من الشعوب وهم يعلمون أن هذه الشعوب مطحونة جوعاً، في الوقت الذي تلقى فيه المواد الغذائية والسلع وغيرها في المحيطات والبحار، وتترك هذه الشعوب الجائعة فريسة في أيدي النصارى، فإذا طلبت هذه الشعوب -تحت وطأة الجوع- طعاماً وشراباً ذهب القساوسة وذهب النصارى إلى هناك، وبينوا بعد ذلك محاسن الدين النصراني، ومحاسن الشريعة النصرانية، وإثبات أن عيسى نبي الله ورحمة الله، أو رحمة السماء إلى الناس وغير ذلك، ثم يقدمون لهم الطعام والشراب باسم المسيح، أو باسم مريم أو يسوع أو غير ذلك، مع جهل هؤلاء المطبق في دين الله ، فانظر إلى الجهل ويجمع إليه الجوع! ويجمع إليه تقصير المسلمين في حق إخوانهم في جنوب أفريقيا، ويجمع في مقابله دعوة علماء النصرانية إلى دين النصرانية! وقد بلغني بأنه وجد في إحدى البلدان العربية أن قسيساً مد رغيفاً إلى رجل فلما أراد هذا الرجل أن يتناوله قال له: أتؤمن بعيسى؟ قال: نعم، قال: أتؤمن بمحمد؟ قال: نعم، قال: ليس الرغيف لك، يجب أن تقول: الإيمان بعيسى، والكفر بمحمد ﵊ في مقابل رغيف! وحتى في مصر يذهبون إلى بيوت الفقراء؛ فيقدمون لهم المساعدات والمعونات وغير ذلك. المرحلة الثانية: ما يطلقون عليها بالأرض السبخة، أي: دعوة من ليس أهلاً لها، أي: أرض ميتة. المرحلة الثالثة: مرحلة التأنيس، أي: استمالة كل واحد من المدعوين بما يميل إليه هواه وطبعه من رقص وخلاعة وغيرها، فإن كان يميل إلى الزهد زينوه في عينه وقبحوا نقيضه، وإن كان يميل إلى الخلاعة زينوها وقبحوا نقيضها؛ حتى يحصل له الأنس بهم، فإذا كان يشرب خمراً قالوا له: تعال إلى المسجد وكأس الخمر معك، وادخل المسجد بزجاجة الخمر. ولذلك كتب بعض أهل العلم: أن مما يثبت أن الدخان حرام عند العامة: أن أحدهم لا يجرؤ أن يدخن في المسجد، ولو كان حلالاً زلالاً فما الذي يمنعه من أن يدخن في المسجد؟ وهذا قد يجده على زنا ولا يقول له: الزنا حرام، بل يقول له: عليك أن تفعل هذا على سطح المسجد، إي والله! لذا فالمهم عنده أنه يلم ويجمع، وليس من المهم التربية والتعليم، وغير مهم بناء الشخصية العلمية القوية التي تزلزل الجبال، لكن المهم بدل أن يكونوا اثنين أن يكونوا ألفاً، لكن هؤلاء الألف لا يثبتون عند أول صيحة. المرحلة الرابعة: التشكيك في أركان الشريعة، فيقول له: ما قيمة هذا الكلام ((الم)) ((الر)) ((عسق))؟ لا يمكن أن يكون ديناً ولا قرآناً، ولا يمكن أن يكون هذا كلام ربنا ! والمدعو جاهل من الأصل فيصدق هذا الكلام، بل ويزيده تشكيكاً في دينه فيقول له: لم وجب قضاء صوم الحائض دون قضاء صلاتها؟ ولم وجب الغسل من المني دون البول مع أنهما يخرجان من سبيل واحد؟ ولم كان عدد الركعات بعضها أربعاً وبعضها ثلاثاً وبعضها اثنتين؟ إلى غير ذلك من الأمور التعبدية، فيشككونهم في هذه الأشياء، ويطوون الجواب عنهم؛ لتتعلق قلوبهم بمراجعتهم إياهم فيها، فيذهبون إليه ويقولون له: إذاً ما هو السبب؟ فيقول له: ليس هذا وقته، فلا يزال أمامك وقت، فانظر إلى هذا الكلام الفارغ! وربما يقول له: هذه المسألة كبيرة عليك! مع أنكم تعلمون أن البدوي كان يأتي من البادية وليس هناك رزق ولا تشكيك ولا تأنيس، فيدخل بجرأة على النبي ﵊ فيقول له: أين محمد؟ فيقول له: أنا محمد، فيقول له: أنا أريد أن أسألك عن كيت وكيت وكيت، والنبي ﵊ يجيبه بكلام مفهوم وواضح، ثم لا يستفسر منه عن شيء، وإنما يأخذ هذا الكلام ويذهب إلى قومه فيدعوهم بهذه الكلمات البسيطات. لكن كلام هؤلاء الناس كلام فارغ، وقد استفادت منه جميع الطوائف والفرق حتى في العمل، فحينما تريد أن تذهب لتقابل رئيس مجلس إدارة أخرى فأول شيء تقابل الزبال، والزبال يعرف منك قضيتك من أولها إلى آخرها، فتقول له: أتيت إلى رئيس مجلس الإدارة في موضوع شخصي، وأنا صاحبه وأعرفه، فيقول لك: أنا آسف، أنت صاحبه، لكن هذا أيضاً للمصلحة، ثم يرفع الزبال قضيتك إلى رئيس الزبالين، ورئيس الزبالين يرفعها لعامل المطعم، وعامل المطعم يرفعها للسكرتير الأول، وبعد ذلك الثاني والثالث والرابع والنائب والذي فوق النائب، إلى أن تقول: حقيقة أنا أستقيل من هذه المصلحة، وقد قاربت أن تصل، لكنك قلت ذلك من الملل الذي أصابك. وانظروا إلى الرجل الذي أتى فربط حماره بباب المسجد النبوي ودخل، وقبل أن يسلم أو يتكلم تنحى في المسجد وبال فيه، وبعد أن بال قال: أين محمد؟ قال: أنا، فقال: اللهم ارحمني ومحمداً ولا ترحم معنا أحداً، فهل مر هذا بمراحل؟ لم يمر على عمر أولاً، وعمر سلمه إلى أبي بكر، وأبو بكر يسلمه إلى النبي ﷺ ،

стр. 216

معاني المصطلحات الشرعية عند القرامطة وحين يصلون إلى مرتبة اليقين يأخذون بالإباحة، والحث على التحلل من الدين، وتأويل الشرائع، فيقولون: الوضوء هذا عبارة عن موالاة الإمام! ولا ينكر النصوص الواردة في الكتاب والسنة؛ لأنه لا يستطيع ذلك، لكن يؤولها ويصرفها عن معناها المراد، ويقول لك أيضاً: التيمم عبارة عن الأخذ من المأذون عند غيبة الإمام الذي هو الحجة. والصلاة: عبارة عن الناطق الذي هو الرسول ﵊؛ بدليل قوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ [العنكبوت:٤٥]، فيقول: الصلاة التي نصليها تتكلم! فتقول له: لا، فيقول لك: هنا نص على أن الصلاة تتكلم؛ لأنها تنهى، والذي ينهى هو الرسول، إذاً فالصلاة هي الرسول ﷺ ، ((إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ))، أي: إن الرسول ينهى عن الفحشاء والمنكر. والاحتلام: عبارة عن إفشاء سر من أسرارهم إلى من ليس من أهله، بغير قصد منه. والغسل: عبارة عن تجديد العهد، أي: يكتب عهداً جديداً وعقداً جديداً. والزكاة: عبارة عن تزكية النفس بمعرفة ما هم عليه من الدين. والكعبة: عبارة عن النبي ﵊. والباب: عبارة عن علي. والصفا: هو النبي، والمروة: هو علي. والميقات: هو الإيناس، أي: الأنس. والتلبية: إجابة المدعو. والطواف بالبيت سبعاً: هو موالاة أئمتهم السبعة، وآخرهم محمد المهدي. والجنة: هي راحة الأبدان عن التكاليف، أي: من الصلاة والصوم والزكاة. والنار: مشقتها، أي: مشقة التكاليف.

стр. 217

شرح كتاب الإبانة - ترك السؤال عما لا يعني الدخول فيه [١] لقد أمر الشارع الحكيم بترك السؤال عما لا يعني، وترك البحث والتنقير والتنقيب عما لا يضر جهله ولا ينفع العلم به، وكان السلف الصالح من الصحابة ومن بعدهم يكرهون الكلام فيما لا فائدة فيه، والسؤال عما لم يقع، وكانوا ينهون عن ذلك، بل كانوا يحذرون ممن يفترض الأسئلة التي لم تقع، ومن مجالسته، وذكروا أن من المسائل مسائل لا يجوز للسائل أن يسأل عنها، ولا للمسئول أن يجيب عنها.

стр. 218

باب ترك السؤال عما لا يعني الدخول فيه والبحث والتنقير عما لا يضر جهله ولا ينفع علمه إن الحمد لله تعالى، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. وبعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة. عودة إلى ما بدأناه من المحاضرات فيما يتعلق بمسائل الإيمان من كتاب (الإبانة) لـ ابن بطة وكنا قد شرحنا مواضيع من كتابه في بعض المحاضرات؛ لإلقاء الضوء على أصول بعض الفرق، وهذا الكتاب تناول أصول الفرق الضالة. وموضوع اليوم هو من أخطر الموضوعات التي تمس العمل الإسلامي، والساحة الدعوية، فهو من الموضوعات التي ينبني عليها العمل، والتي يجب أن يتخلق بها السائر إلى الله ، وكذا طالب العلم، بل وكل مسلم عليه أن يتخلق بهذه الأصول التي سنتعرض إليها. قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب ترك السؤال عما لا يعني]. يعني: إذا كان الأمر لا يعنيك فينبغي عليك أن تترك السؤال عنه؛ لأن هذا من حسن إسلامك وإيمانك. ثم قال: [والبحث والتنقير عما لا يضر جهله، ولا ينفع علمه]. يقول أهل العلم في بعض الأمور: العلم به لا ينفع، والجهل به لا يضر، فلم تبحث عنه، وتنقب وتضيع العمر فيه، وتترك ما قد فرض الله عليك معرفته، تترك الصلاة، والصيام، والزكاة، والحج وغير ذلك، ثم تبحث في أدق المسائل التي لا يحاسبك الله عليها يوم القيامة؟! ثم قال: [من قوم يتعمقون في المسائل، ويتعمدون إدخال الشكوك على المسلمين] يعني: سواء حرصت على ذلك لنفسك، أو حرصت على صحبة من تخلق بهذا الخلق. وهذا الباب يحذر من عدة مسائل: المسألة الأولى: السؤال عما لا يعني. المسألة الثانية: التحذير من التنقير والتنقيب عما لا يضر جهله، ولا ينفع العلم به. المسألة الثالثة: التحذير من صحبة قوم يتعمقون ويتشدقون في دين الله ، فإما أن تكون أنت الذي تصنع ذلك فتنتهي بنهي الله تعالى ورسوله لك، وإما أن تنتهي عن صحبة قوم تخلقوا بهذا الخلق. إذاً: فهذه المسائل الثلاث من أعظم ما يمكن أن يتخلق به طالب العلم في هذا الزمن، وإلا ضاع وقته.

стр. 219

أسباب خروج الناس عن السنة والجماعة إلى البدعة والشناعة قال: [اعلموا إخواني! أني فكرت في السبب الذي أخرج أقواماً من السنة والجماعة]. أي: فكرت وتدبرت في الأسباب التي أخرجت أقواماً من عداد أهل السنة والجماعة، وأدخلتهم في عداد أهل البدع. قال: [واضطرهم إلى البدعة والشناعة، وفتح باب البلية على أفئدتهم، وحجب نور الحق عن بصيرتهم، فوجدت ذلك من وجهين] يعني: هناك سببان أديا بهؤلاء الأقوام إلى ترك الحق، والتنافس في الباطل. قال: [أحدهما: البحث والتنقير وكثرة السؤال عما لا يعني، ولا يضر العاقل جهله، كما أنه لا ينفع المؤمن فهمه]. أي: النهي عن كثرة السؤال فيما لا يعني، وأما إذا كان السؤال مبناه على الفهم والعلم والعمل فلا حرج فيه شرعاً، بل هو واجب، يقول الله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل:٤٣]، بل يشرع كذلك للعالم أن يسأل عما يعلمه إذا كان القصد نشر العلم وبثه في الناس. قال: [والآخر: مجالسة من لا تؤمن فتنته، بل وتفسد القلوب صحبته]، فلست فقط منهياً عن فساد قلبك أو تجنبك للفتنة، بل أنت مطالب أيضاً أن تجتنب أهل الأهواء بألا تصاحبهم، ولا تقترب منهم، بل تفر منهم فرارك من الأسد؛ لغلبة الفتنة، وانتصار الشر، وغلبة الفساد، وربما أثر عليك في قلبك فوقعت في المحذور.

стр. 220

قول النبي: (اتركوني ما تركتكم)، ونهيه عن كثرة المسائل والاختلاف على الأنبياء قال: [وسأذكر في هذين الوجهين ما يكون فيه بلاغ لمن قبل النصيحة، وكان بقلبه أدنى حياء إن شاء الله]. فيبدأ ﵀ بحديث أبي هريرة الذي أخرجه مسلم قال: [قال النبي ﷺ : (اتركوني ما تركتكم)] , وهذا الخطاب في عمومه موجه للأمة كلها، وليس خاصاً بأصحاب النبي ﵊. قال: [(اتركوني ما تركتكم)] يعني: لا تجادلوني ولا تخاصموني ولا تسألوني حتى أبادركم بالعلم. قال: [(اتركوني ما تركتكم؛ فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة مسائلهم، واختلافهم على أنبيائهم، فما نهيتكم عنه فاجتنبوه، وما أمرتكم به فاعملوا منه ما استطعتم)]. وجاء في الحديث: (قام رجل إلى النبي ﵊ -لما فرض الله الحج- فقال: يا رسول الله أفي كل عام؟ فسكت النبي ﵊، فأعاد عليه ثانية: يا رسول الله آلحج كل عام؟ فسكت، حتى أعادها عليه ثلاثاً، فقال النبي ﵊: لو قلت نعم لوجبت، ولو وجبت لما استطعتم) يعني: لو رددت عليك بالإيجاب لكان الحج واجباً على كل مسلم في كل عام، والمعلوم قطعاً أن أحداً لا يقدر على ذلك، والحج فرض في العمر مرة، وما دون ذلك فهو نافلة. ثم قال: [وقال النبي ﵊: (ذروني ما تركتكم)] يعني: إذا لم أحدثكم بشيء ابتداءً فلا تحدثوني وتنازعوني وتخاصموني وتحاجوني فيه؛ لأن هذا كان سبب هلاك الأمم من قبلكم: كثرة مسائلهم، واختلافهم على أنبيائهم، فسبب هلاك بني إسرائيل وسبب ضلالهم: أن الله شدد عليهم لما شددوا على أنفسهم. فمثلاً: قصة البقرة، فقد فرض الله تعالى على بني إسرائيل أن يذبحوا بقرة، ثم سألوا عن هيئة البقرة، ولون البقرة، وصفات البقرة، ولو سكتوا من أول الأمر لكان يجزئهم ذبح أي بقرة، ولكنهم شددوا وتعنتوا حتى اختار الله لهم بقرة واحدة لا مثيل لها، فبحثوا عنها ونقبوا عنها وتعبوا أيما تعب، ولما وصلوا إلى البقرة المعلومة المعينة المذكورة بأماراتها وأوصافها غالى صاحبها أيما مغالاة في ثمنها، فوقعوا في مشقة أخرى؛ لأنهم لم يسمعوا ويطيعوا من أول الأمر، بل جادلوا وكثرت أسئلتهم.

стр. 221

النهي الشرعي في مقدور كل إنسان تطبيقه بخلاف الأمر قال: [قال النبي ﵊: (اتركوني ما تركتكم؛ فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة مسائلهم، واختلافهم على أنبيائهم، فما نهيتكم عنه فاجتنبوه، وما أمرتكم به فائتوا منه ما استطعتم)] وهذا يدل على أن النهي الشرعي في مقدور كل إنسان؛ لأنه لم يستثن منه شيئاً ﷺ ، وإنما قال: (فاجتنبوه) بخلاف الأمر، فإن الأمر أحياناً يكون أكبر من قدرة المكلف، وأحياناً يكون في مقدوره، ولذلك قال ﵊: (وما أمرتكم به فائتوا منه ما استطعتم) ولم يقل: فائتوه كما قال في النهي: (فاجتنبوه)، ولم يقل في النهي: فاجتنبوا منه ما استطعتم، وإنما قال: (فما نهيتكم عنه فاجتنبوه) أي: للدلالة على أن النهي في مقدور كل إنسان أن يبتعد عن المعاصي والمنهيات، وأما الأوامر فقد أمرنا النبي ﵊ أن نصلي قياماً، وأمرنا الله أن نصلي قياماً: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة:٢٣٨]، وهذا يدل على أن القيام في الصلاة واجب في الفرض على المكلف، وأما إذا عجز عن القيام لعلة أو مرض أو غير ذلك؛ جاز له أن يصلي قاعداً، أو على جنب، أو مستلقياً حسب قدرته؛ لأن القيام ليس بمقدوره، وهو من باب الأوامر. قال: [وفي رواية عند مسلم وأحمد قال النبي ﵊: (ذروني ما تركتكم؛ فإنما هلك من كان قبلكم بسؤالهم)]، وهناك: (بكثرة مسائلهم، واختلافهم على أنبيائهم). وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال النبي ﵊: (ذروني ما تركتكم؛ فإنما هلك من كان قبلكم بسؤالهم، واختلافهم - أي: على أنبيائهم-، فإذا أمرتكم بشيء فخذوا به، وإذا نهيتكم عن شيء فانتهوا)].

стр. 222

بيان أن أعظم المسلمين جرماً من سأل عن شيء فحرم من أجل مسألته قال: [عن عامر بن سعد بن أبي وقاص ﵀ عن أبيه سعد ﵁ قال: قال النبي ﵊: (إن من أعظم المسلمين جرماً رجل سأل عن شيء ونقر عنه لم يكن نزل فيه -أي: لم ينزل فيه قرآن ولا وحي-، فحرم من أجل مسألته)]. أي: أعظم الناس جرماً رجل يتنطع ويسأل، ويتعمق في قضية لم ينزل فيها تشريع، فينزل التشريع بتحريم هذه المسألة لأجل سؤاله، وإلا فالحرام ما حرمه الله في كتابه، وما حرمه رسوله ﵊ في سنته، والحلال ما أحله الله في كتابه، وما أحله النبي ﵊ في سنته، وما سكت عنه فهو عفو، فاقبلوا من الله عافيته، فلا تسألوا عن أشياء سكت عنها الشرع، إن تسألوا عنها وتجحفوا في المسألة وبدت لكم تسؤكم؛ وذلك بأن تحرم عليكم، فتقعون في الحرج والمشقة؛ بسبب أنكم تعمقتم وتنطعتم، ودخلتم فيما لا يعنيكم، وسألتم عما لم تكلفوا بالسؤال عنه. قال الخطابي في كتاب (معالم السنن): (هذا في مسألة من يسأل عبثاً وتكلفاً فيما لا حاجة به إليه، دون من سأل سؤال حاجة وضرورة) يعني: أن الذي يسأل للتعلم والعمل لا حرج عليه في ذلك، وهو مأمور بذلك، وأما الذي يسأل تكلفاً وتنطعاً فهذا هو المعني بهذا النهي.

стр. 223

النهي عن الاستعجال بالبلية قبل نزولها، فإن العجلة تشتت السبل قال: [وعن معاذ قال: قال النبي ﷺ : (لا تعجلوا بالبلية قبل نزولها؛ فإنكم إن لم تفعلوا لم ينفك المسلمون فيهم من إذا قال سدد، أو من إذا قال وفق، وإنكم إن عجلتم تشتت بكم السبل هاهنا وهاهنا)]. هذا الحديث وإن كان ضعيفاً إلا أن بعض أهل العلم قد حسنه، ولو اتفقنا على تضعيفه لقلنا كان عليه العمل في زمن الصحابة ومن بعدهم، وهذا الحديث ظاهره يقضي بأن المرء لا يسأل عن الشيء حتى يكون ويقع، أما أن يفترض المرء ويتصور أمراً لم يقع بعد، ثم يتكلف المسألة وسؤال أهل العلم هنا وهناك، كأن يقول: هب أن أمراً حصل وكان كيت وكيت، فماذا يكون الجواب؟ ألم تعلموا أن معظم الشر والبلاء الذي دخل في كتب الفقه وغيرها إنما هو من: أرأيت أرأيت، أرأيت لو كان كذا، ماذا يكون؟ وأرأيت لو كان كذا، ماذا يكون؟ ولكن أهل السنة والجماعة متفقون على ألا يتكلموا في أمر إلا إذا نزل وصار واقعاً، فإذا صار واقعاً قيض الله له من يجتهد فيه، وإذا قيض له من يجتهد فيه سدده الله تعالى ووفقه.

стр. 224

تحليف السلف للسائل عن وقوع المسألة من عدمه قال: [وعن الصلت بن راشد قال: سألت طاوساً -وهو ابن كيسان - عن مسألة فقال لي: أكانت؟] يعني: أوقعت هذه المسألة التي تسأل عنها أم هو فرض جدلي فرضته أنت؟ [قلت: نعم -أي: أنها وقعت- قال: آلله؟ قلت: آلله] أقسم عليه عما إذا كانت هذه المسألة قد وقعت أو لم تقع، حتى أقسم أنها قد وقعت، قال طاوس: [إن أصحابنا أخبرونا عن معاذ بن جبل أنه قال: أيها الناس! لا تسألوا عن البلاء قبل نزوله، فيذهب بكم هاهنا وهاهنا، وإنكم إن لم تسألوا لم تفتنوا؛ فإنه لا ينفك أن يكون في المسلمين من إذا قال وفق، أو من إذا قال سدد].

стр. 225

بيان أن التنطع والتعمق مهلكة لصاحبه قال: [عن ابن مسعود ﵁ قال: قال النبي ﵊: (هلك المتنطعون، هلك المتنطعون، هلك المتنطعون)]. قال الخطابي: (المتنطع: هو المتعمق في الشيء، المتكلف للبحث عنه على مذهب أهل الكلام الداخلين فيما لا يعنيهم، الخائضين فيما لا تبلغه عقولهم). يعني: كأن يسأل شخص عن دقيقة من دقائق المسائل التي لا ينبغي أن تخطر على بال أحد، ومع هذا هو غير متفقه في أصول دينه، لا في أصول الإسلام: من توحيد وصلاة وصيام وزكاة وحج، ولا في أصول الإيمان: من الإيمان بالله وأسمائه وصفاته وأفعاله، ولا الإيمان بملائكته والأنبياء، والجنة والنار، والقدر خيره شره، فيترك هذا كله ولا يسأل فيه شيئاً، ولم يتعلم الواجب والفرض الذي يضره جهله في أصول الدين في الإسلام والإيمان، ثم هو يبحث عن دقيقة من الدقائق، ويشغل حياته كلها بهذه الدقيقة، ويتنطع فيها. فمثلاً: لو دخل شخص الآن المسجد وهو لا يعرف شيئاً عن صلاة، ولا عن صيام، ولا زكاة، ولا أي شيء، فأول ما دخل سمع الشيخ يتكلم عن دار الإيمان ودار الكفر، فمن حين خرج من هذه الخطبة جعل حياته كلها بحثاً عن دار الإيمان ودار الإسلام ودار الكفر، وتقابله بعد سنة أو بعد عشر سنوات أو بعد عشرين سنة وهو لا زال قائماً يبحث في أول موضوع سمعه مع أول دخلة دخلها بيتاً من بيوت الله ، هل ينفع هذا الكلام؟! هو يبحث عن دقيقة لا تعنيه أصلاً؛ لأنه قدم ما حقه التأخير، وأخر ما حقه التقديم، بل الذي أخره هو يجهله تماماً، ويتصور أنه غير مكلف بالبحث عنه، وهو الذي يبنى عليه العمل، وهو الذي يسأل عنه يوم القيامة. فقوله: (هلك المتنطعون) هذا خبر من النبي ﵊ الصادق المصدوق: أن كل من تنطع في دين الله فهو هالك. ومعنى كلمة: (هلك) أي: انقطع به الطريق، ولذلك ما وجدنا متشدداً في دين الله إلا ولا بد أنه ينقطع، وهذا مصداق قوله ﵊: (ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه) يعني: كل من تنطع في الدين وتعمق فيه على غير ما ذكر؛ فلا بد أن يغلبه الدين وأن يرده، فإن كان من أهل التوفيق والسداد رده إلى أصل الديانة والحنيفية السمحة، وإن كان من أهل التعنت لا بد أن يبتلى. وقد حدثني رجل عن آخر أنه رافق المتنطعين منذ عشر سنوات وزيادة وإلى الآن لم يهلك ولم ينقطع، حتى أخبرني صاحبه منذ ثلاثة أيام أنه ترك صحبة فلان، قلت: ولم؟ قال: لأنه يقول بضلال كل العلماء والشيوخ والدعاة على الساحة إلا ثلاثة، وهؤلاء الثلاثة هم فعلاً من أهل العلم، لكنهم على أية حال مغمورون؛ لأنهم لا يحبون الظهور، وهم من أهل العلم والحجة حقاً نحسبهم كذلك ولا نزكيهم على الله. وأما الحكم على جميع الشيوخ والدعاة والعلماء على الساحة بالضلال، وأنهم ليسوا من أهل الأصول ولا من أهل العلم على الحقيقة؛ فهذا بلا شك تنطع وغلو، بل هو غرور وكبر، حتى ذكر عن واحد من أكابر أهل العلم ممن ألان الله له النصوص الشرعية كما ألان الحديد لداود ﵇، يقول هذا الغبي الأحمق: جلوسي على المقهى أحب إلي من بقائي في درس الشيخ محمد عبد المقصود. فأقول: إن هذا الشخص إن شاء الله تعالى ليس أهلاً لحضور درس الشيخ ولا غيره، وإنما محله بإذن الله تعالى في المستقبل أن يبيع كتبه كما باع غيره كتبه، فقد سبقه المتنطعون والهلكى فباعوا مكتباتهم المجلد بجنيه واحد، وبلغ من حماقتهم أنهم باعوا من الكتاب الذي يضم عدة مجلدات مجلداً أو مجلدين، فهم ما باعوا الكتاب كله وإنما فرقوه في البيع، فرق الله تعالى شملهم.

стр. 226

قلّة المسائل التي سألها الصحابة للنبي حتى قبض قال: [وعن ابن عباس قال: ما رأيت قوماً كانوا خيراً من أصحاب رسول الله ﷺ ، ما سألوه إلا عن ثلاث عشرة مسألة حتى قبض -أي: حتى قبض النبي ﵊، كلهن -أي: كل هذه المسائل الثلاث عشرة- في القرآن: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة:٢١٧]. ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ﴾ [البقرة:٢١٩]. ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى﴾ [البقرة:٢٢٠]. ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ﴾ [البقرة:٢٢٢]]. إلى آخر مسائل الصحابة للنبي ﵊، وقد ذكرها الله في القرآن على سبيل الجواب للأمة المباركة إلى قيام الساعة؛ لتنتفع بها، وليظهر الحكم في هذه المسائل من الحل والحرمة، والآداب والأحكام وغير ذلك. ولم يذكر الراوي أكثر مما ذكر هنا، والمسائل في القرآن معروفة مشهورة.

стр. 227

بيان حديثي: (إن الله كره لكم ثلاثاً)، و (نهى النبي عن الأغلوطات) قال: [وعن المغيرة بن شعبة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إن الله كره لكم ثلاثاً: قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال)]، فهذه الثلاث يكرهها الله . [وعن عيسى بن يونس قال: حدثني الأوزاعي عن عبد الله بن سعد عن الصنابحي عن معاوية بن أبي سفيان: (أن النبي ﷺ نهى عن الأغلوطات). قال عيسى بن يونس: الأغلوطات ما لا يحتاج إليه من كيف وكيف]. يعني: البحث والتنقير عن مسائل لم يكلف المرء بالبحث عنها، أو الخصومات في الدين. وبعض أهل العلم يسمي الأغلوطات: الخصومات في الدين، والمجادلات والمنازعات والاشتباكات التي تدور بين الشباب في مسائل لا علم لهم بها. ومن أعجب الأعاجيب أن اثنين يختلفان في مسألة، وفي وجه الحق والصواب فيها، فيتبنى هذا رأياً والآخر يتبنى رأياً آخر، وكلا الرأيين ليسا من آراء أهل العلم، فيحتكمان إلى ثالث ليس من أهل العلم! فلا يردان الأمر إلى كتاب الله ، ولا إلى سنة النبي ﵊، ولا إلى اجتهاد أهل العلم، وإنما يتحاكمان إلى من هو أجهل منهما، فيكثر الخلاف؛ ولذلك يقول ابن حزم: لو سكت الجاهل لقل الخلاف. وذلك أن الجاهل يأبى وتأبى عليه نفسه الأمارة بالسوء إلا أن يتكلم فيما لا يعنيه، وخاصة في دين الله . [عن عبادة بن نسي قال: (تذاكروا عند معاوية المسائل، فرد بعضهم على بعض -يعني: رد بعضهم على بعض حتى ارتفعت أصواتهم- فقال: ألم تسمعوا أن رسول الله ﷺ نهى عن الأغلوطات؟!). وعن الصنابحي عن رجل من أصحاب النبي ﷺ قال: (نهى رسول الله ﷺ عن الأغلوطات). قال الأوزاعي: شداد المسائل وصعابها].

стр. 228

ضرورة التأهل العلمي عند الدخول في المناظرات والجدال وهناك مدرس كبير جداً يسمونه: فيثاغورس؛ باعتبار أن عنده رياضة عقلية فذة، فيسمونه باسم عالم كبير من علماء الرياضة فيثاغورس، قابلني وقال: أنا متخصص في مقارنة الأديان منذ اثني عشر عاماً، قلت: هل درست الدين الإسلامي؟ قال: نعم، قلت: ثم اليهودية والنصرانية؟ قال: نعم، قلت: ربنا يفتح علينا وعليك بالخير. فلقيني بالأمس فقال: الدكتور الفلاني يقول: إن الإمام البخاري صنف صحيحه من ست عشرة نسخة كنسخ التوراة والإنجيل، فكيف نرد عليه. فقلت له: وهل عنده أسئلة أخرى؟ قال: نعم، السؤال الثاني: قال: إن حديث الذبابة الذي أخرجه البخاري يغلب على راويه النكارة، قلت: والثالث؟ حتى عد سبعة أسئلة. منها: إنكار شفاعة إبراهيم ﵇ بالذات، قلت لماذا إبراهيم ﵇؟ قال: لأن إبراهيم صرح بأنه كذب ثلاث كذبات، قلت: غيره من الأنبياء صرح بمثل هذا، فلم منعت إبراهيم من الشفاعة بالذات؟! قلت له: لقد أخبرتني آنفاً أنك عالم كبير في مقارنة الأديان، فكيف تخفى عليك مثل هذه المسائل؟ ولو أن قسيساً في الكنيسة تناظر معك وألقى عليك هذه الأسئلة فماذا ترد عليه؟ قال: أنا ما عندي خبر غير هذا، قلت: إذاً ستفتضح حجتك أمام العالم في المناظرة، فتكون بذلك قد أفسدت على نفسك، وأوقعت المسلمين في الفتنة والحرج بانتصار هذا القسيس عليك، أليس كذلك؟ فسكت. فقلت له: إنما مثلك كمثل رجل دخل المسجد فحرص أن يصلي الظهر أربعاً، والعصر أربعاً، والمغرب ثلاثاً، والعشاء أربعاً، والصبح ثنتين، ولا علاقة لك في دين الله فيما لا يعنيك، كما أنه يحرم عليك أن تنظر في كتب أهل الكتاب، فخاصمني وامتنع عن محادثتي إلى يومنا هذا، وأنا من الأمس إلى اليوم قد ألقيت ﵇ ثلاث مرات في المسجد المجاور لبيتي فلم يرد علي السلام! فهل مثل هذا ينفع أن يفرض نفسه على الأمة أنه عالم كبير في مقارنة الأديان؟! مثل هؤلاء السفهاء الذين في الجامعات يسمونهم: دكاترة وفقهاء في الأديان، وعلم الفلسفة، والمنطق، فيقدمون دراسة هذه العلوم على دراسة كتاب الله ، ويزعمون أن دراسة هذه المواد إنما هي مفاتيح لكتاب الله ، وهؤلاء المفتونون المجرمون آل بهم الأمر إلى محاربة الله تعالى ورسوله جهاراً نهاراً.

стр. 229

ذم السلف لمن يجيء بشرار المسائل قال: [قال الحسن: شرار عباد الله يتبعون شرار المسائل؛ يعمون بها عباد الله . وقال: إن شرار عباد الله قوم يجيئون بشرار المسائل؛ يعيبون بها عباد الله]. يعني: يعيبون بها أهل العلم، كأن يأتي إنسان ويسأل عما لا يعنيه، ويتعمد إحراج المسئول. قال: [قال أحمد بن جناب المصيصي: سألت عيسى بن يونس عن قول الله : ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ﴾ [الرحمن:٢٦]، فإن الحور العين يمتن، قال: فغضب عيسى من ذلك غضباً شديداً، فقال: لقد بعثرنا الحديث بعثرة ما بعثرها أحد -يعني: جمعنا الحديث جمعاً من كل قطر ومصر- ما بقي كوفي ولا بصري ولا مدني ولا مكي ولا حجازي ولا شامي ولا جزري إلا وقد لقيناه وسمعنا منه، ما سمعنا أحداً قط يسأل عن مثل هذا. ثم قال: ما لكم ومجالسة أهل الأهواء ومحادثتهم؟]. أي: لماذا تجالسونهم وتتحدثون معهم؟ وكثير من الناس جرته الحمية في مجالسة أهل الأهواء، ثم يقع في نفس الهوى وفي نفس البلية، فمثلاً: يريد أن يجلس مع جماعة التكفير أو أي جماعة على بدعة معينة؛ ليتعرف على مداخل ومخارج البدعة، فنقول له: هل أعدت لكل بدعة دليلاً ينقض هذه البدع؟ وهؤلاء لا يعرفون شيئاً من دين الله شيئاً إلا ما ظنوا أنهم قد عقلوه من بدعتهم، فإذا بهذا الشخص يجلس أمام مناظرهم ومجادلهم فيلقي عليه الشبهة ثم الشبهة ثم الشبهة، وهو لا علم له أصلاً بدين الله ، ولكن أخذته العاطفة والحمية أن يناظر أهل البدع؛ حتى يردهم بزعمه عن بدعتهم، فإذا به بعد إلقاء الشبهات عليه، وعدم قدرته على رد هذه الشبهات؛ يشربها هو، ويشربها قلبه، ثم يتذبذب ويتشكك، فيلقون عليه بالشبهات الأخرى والحجج المتكررة التي لا جواب عنده على واحد منها، ثم إذا هو يرجع وقد شك فيما كان عليه من الحق، وأيقن بما قد سمعه من شبهات. فنقول لهذا وأمثاله: أنت لا زلت بعد في بداية طلبك للعلم، ولست مطالباً بالمناظرة والمجادلة مع هؤلاء، وإنما المجادلة والمناظرة تكون من أهل العلم الأثبات لا من طلاب العلم المبتدئين في العلم.

стр. 230

ذم السلف لمن يجالس أهل الأهواء فيتيه ثم يطلب من يجادله ليهديه قال: [قال ابن وهب: سمعت مالكاً يقول: كان ذلك الرجل إذا جاءه بعض هؤلاء أصحاب الأهواء يسأله قال: أما أنا فعلى بينة من ربي] يعني: مالك ﵀ يحكي عن نفسه، لكنه يتورع أن يقول: أنا المعني، ولذا فقد جاء في غير كتاب أنه مالك، وفي رواية أنه ابن سيرين. ولا مانع بتعدد الحوادث وأن السؤال وجه لـ مالك، ووجه لـ ابن سيرين. فأتى رجل إلى مالك ليناظره في ربه، ويجادله في إلهه، [فقال مالك: أما أنا فعلى بينة من ربي -أي: لا أحتاج إلى مناظرة ومجادلة-، وأما أنت فشاك، فاذهب إلى شاك مثلك فخاصمه. وقال: يلبسون على أنفسهم، ثم يطلبون من يعرفهم ويهديهم] يعني: هم الذين يوقعون أنفسهم في الشك والحيرة والتيه، ثم هم بعد ذلك يأتون فيسألون لأجل الهداية وغير ذلك. [وعن سالم بن أبي حفصة قال: إن من قبلكم بحثوا ونقروا حتى تاهوا] يعني: تكلفوا البحث والتنقير عما لا يعنيهم حتى وقعوا في التيه والحيرة.

стр. 231

تقسيم يحيى بن معاذ الرازي الناس إلى خمس طبقات، ومنها المتعمقون في الدين قال: [وقال يحيى بن معاذ الرازي -وكلامه جميل أشهى من عسل النحل-: الناس خمس طبقات، فاجتنب أربعاً والزم واحدة]. لكن الإمام ابن بطة اختصر كلامه اختصاراً شديداً جداً، حتى إنه لم يذكر الطبقة التي يؤمر العبد بالتزامها، وهم أهل السنة والجماعة. وأما الأربع التي أمر يحيى بن معاذ باجتنابها فلم يذكر منها ابن بطة إلا طبقة واحدة فقال: [والطبقة الرابعة: هم المتعمقون في الدين، الذين يتكلمون في العقول، ويحملون الناس على قياس أفهامهم، قد بلغ من فتنة أحدهم، وتمكن الشك من قلبه: أنك تراه يحتج على خصمه بحجة قد خصمه بها، وهو نفسه من تلك الحجة في شك]. يعني: أن هذا الشاك هو نفسه غير مؤمن بهذه الحجة، ولذلك إذا أتاه شاك آخر بحجة هي أقوى من حجته تحول إليها، وترك حجته السابقة التي قد خصم بها خصمه وانتصر عليه، قال عمر بن عبد العزيز: من جعل دينه خصومات أكثر التحول. يعني: يتحول من دليل إلى دليل؛ لأنه لا يعتقد دليلاً واحداً، بل كلما رأى أن هذا الدليل أحسن وأجمل وأطيب من غيره تحول إليه. قال: [وهو نفسه في تلك الحجة في شك، ليس يعتقدها ولا يجهل ضعفها، ولا ديانة له فيها، إن عرضت له من غيره حجة هي أوثق منها انتقل إليها، فدينه محمول على سفينة الفتن، يسير بها في بحور المهالك، يسوقها الخطر، وتسوسها الحيرة، وذلك حين رأى عقله أملى بالدين، وأضبط له، وأغوص على الغيب] يعني: دائماً يعتمد على عقله في التنقيب عن أمور الغيب التي لم يكلف بالبحث عنها. ثم قال: [وأبلغ لما يراد من الثواب من أمر الله إياه، ونهيه وفرائضه الملجمة للمؤمنين عن اختراق الشذوذ، والتنقير عن غوامض الأمور، والتدقيق الذي قد نهيت هذه الأمة عنه؛ إذ كان ذلك سبب هلاك الأمم قبلها، وعلة ما أخرجها من دين ربها، وهؤلاء هم الفساق في دين الله المارقون منه، التاركين لسبيل الحق، المجانبون للهدى، الذين لم يرضوا بحكم الله في دينه حتى تكلفوا طلب ما قد سقط عنهم طلبه، ومن لم يرض بحكم الله في المعرفة حكماً لم يرض بالله رباً، ومن لم يرض بالله رباً كان كافراً، وكيف يرضون بحكم الله في الدين وقد بين لنا فيه حدوداً، وفرض علينا القيام عليها، والتسليم بها، فجاء هؤلاء بعد قلة عقولهم، وجور فطنهم، وجهل مقاييسهم يتكلمون في الدقائق، ويتعمقون، فكفى بهم خزياً سقوطهم من عين الصالحين، يقتصر فيهم على ما قد لزمهم في الأمة من قالة السوء، وألبسوا من أثواب التهمة، واستوحش منهم المؤمنون، ونهى عن مجالستهم العلماء، وكرهتهم الحكماء، واستنكرتهم الأدباء، شكاكون جاهلون، ووسواسون متحيرون، فإذا رأيت المريد يطيف بناحيتهم فاغسل يدك منه ولا تجالسه]. يعني: إذا رأيت المبتدئ يطوف حولهم، ويحضر مجالسهم؛ فاغسل يدك منه، واعلم أنه لا خير فيه، فطالب العلم إذا ذهب عند المبتدع وصاحب هوى فاغسل يدك منه لا من صاحب البدعة؛ فإن هذا أمره مفروغ منه، ولكن اغسل يدك من ذلك الذي يحرص على مجالسته، واعلم أنه لا خير فيه.

стр. 232

ذكر بعض المسائل التي لا يجوز للسائل أن يسأل عنها، ولا للمسئول أن يجيب عنها قال: [قال ابن شبرمة: من المسائل مسائل لا يجوز للسائل أن يسأل عنها، ولا للمسئول أن يجيب فيها]. كان السلف ﵃ إذا ذكر القدر أمسكوا، وإذا ذكر النجوم أمسكوا، وإذا ذكر أصحاب النبي ﵊ أمسكوا، وهذه أمور متفق عليها، فما كان أحد من أصحاب النبي ﵊ يتكلم في القدر قط، ولم يثبت أن صحابياً تكلم في القدر، وكل ما هنالك إذا سئل أحدهم عن القدر قال: إن الله على كل شيء قدير، فكل قارئ للقرآن يقرأ هذا، وكل مطلع في سنة النبي ﷺ يطلع على هذا، ولم يفسروا ويؤصلوا ويقعدوا لنا مسائل القدر التي كتبت فيها هذه الكتب التي لا نهاية لها، وإنما كانوا يؤمنون بالقدر خيره وشره، وأن كل ذلك من عند الله، كما جاء ذلك في تعريف الإيمان في غير ما حديث: (وأن تؤمن بالقدر خيره وشره) أي: أنه من عند الله ، وأن الله على كل شيء قدير. فالسلف خاصة الصحابة ما زادوا في القدر عن هذه الكلمات اليسيرات، ولو أنك أتيت الآن بأكابر المثقفين لنازعك في القدر أيما منازعة، وخاصمك فيه أيما مخاصمة، حتى يقول القائل: إذا كان الله تعالى قد قدر علي هذا العمل فلم يعذبني؟ وإذا كان الله تعالى قد كتب لي الجنة فلم العمل إذاً؟ لا بد أن يصل الأمر بمثقفي العصر إلى هذه المشكلة؛ لأن أسلافهم من القدريين ومن السالكين على غير هدى قد وجهوا هذه الأسئلة لسلف الأمة، ولذلك كان الصحابة إذا ذكر القدر أمسكوا، مع إيمانهم الجازم بأن كل شيء من عند الله، وأن الله تعالى كتب كل شيء من الخير والشر. قوله: (وإذا ذكر الصحابة أمسكوا) أي: إذا ذكر الصحابة بما دار بينهم من خلاف؛ أمسكوا، وعلموا أن السنة في ذلك حب الصحابة أجمعين، والترضي عنهم أجمعين، وأن الله ﵎ غفر لهم ورضي عنهم، كما حذرنا النبي ﵊ في سنته في الصحيحين وغيرهما من الكلام فيهم وسبهم، وبين أن أحدنا لو أنفق مثل أُحد ذهباً ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه إلى آخر فضائل الصحابة في كتاب الله ، وفي سنة النبي ﵊. لكن هؤلاء لا بد أن ينشروا الفتن التي دارت بين معاوية وعلي بن أبي طالب ﵄، ولا بد من الخوض في هذا، بل يخرج بعض من لا يفهم أمور الدعوة، ولا يفهم قدرات الخلائق على استيعاب هذا الأمر، فينشر على مسامع العامة ما دار بين أصحاب النبي ﵊، وقد أمرنا بالسكوت والترضي عنهم.

стр. 233

الشيعة في مصر وآخر الأمر أن الشيعة عليهم من الله ما يستحقون يريدون نشر التشيع في مصر، والتشيع لا يمكن قط أن يستقيم مع أخلاق المصريين وسلوكهم؛ لأن التشيع قام على سب الصحابة ولعنهم، والمصريون في الأصل لا يتفقون مع هذه الدعوة، أنتم تعرفون المصريين لو أن حماراً أو كلباً دفن في قبر، وقيل لهم: هذا المدفون هو رجل صالح لعبدوه؛ فقلوب المصريين جبلت على حب الصالحين وخاصة الصحابة، فتأتي وتقول للمصري: أبو بكر عليه لعنة الله، أو عمر عليه لعنة الله؛ فلا يستقيم هذا معه قط؛ ولذلك تجد دعوة الشيعة قديماً وحديثاً لم تلق رواجاً في مصر. ومنذ عشر سنوات أو يزيد قليلاً ظهر هذا الكلب الذي يدعى حسن شحاتة، وهو إمام مسجد الجامعة في مقابلة الجامعة الجديدة، وقال ما قال في شأن الصحابة، خاصة في أبي بكر وعمر وعثمان وعائشة ﵃، قال كلاماً هو كفر بواح، ثم تألب الرأي العام والصحافة وغير ذلك في ذلك الوقت على هذا الكلب، وسجن مدة من الزمان، لكن لوساطة بعض الوجهاء الشيعة في لبنان قام بعضهم بزيارة لمصر خاصة لإخراجه من السجن، وخرج هذا الكلب، وأنا على يقين أن الحكومة المصرية تخشى التشيع، وتخاف من ظهوره وانتشاره في مصر؛ لأن الشيعة في إيران شكيمتهم قوية جداً. والدرس الذي تلقاه صدام حسين من خميني إيران وشعب إيران لا يمكن أن تنساه الحكومة المصرية، ولا غيرها من الحكومات. والآن تهاونت الحكومة المصرية مرة أخرى بعد أن أخذت موقفاً حاسماً منذ عشر سنوات فيما يتعلق بظهور الشيعة في مصر خاصة في المنصورة، فمنبع التشيع هو في المنصورة، وإن شئت فقل: المنصورة في المرتبة الثانية بعد حي شبرا في القاهرة. وللأسف الشديد ظهرت مجلة في مصر من عدة أشهر، هذه المجلة اسمها: أهل البيت، وأهل البيت -يعلم الله- أنهم بريئون جميعاً ممن ينتسب إليهم من الشيعة. فهذه المجلة إنما تتقرب إلى مولاها بزعمها بتكفير أبي بكر وعمر وعثمان، وردة عائشة ﵂، واتهامها بالفاحشة، وأن حادثة الإفك ليست حادثة وهمية، بل هي حادثة حقيقية، وأن عائشة حقاً وقعت في الزنا، هكذا قالوا، ولا تزال هذه المجلة تصدر على قدم وساق في كل شهر مرة على مسمع ومرأى من الحكومة المصرية، فلم لا تقوم الحكومة المصرية بمصادرة هذه المجلة ومعاقبة القائمين عليها؟ ماذا تنتظر؟ هل تنتظر أن يستفحل الأمر ولا يمكن علاجه؟! فكل ثلم يبدأ بعفن. كل الحوادث مبداها من النظر ومعظم النار من مستصغر الشرر هل تنتظر الحكومة حتى يكون الشيعة في مصر بالملايين؟ إن شاء الله لا يكونون كذلك، لكن ولو كان واحداً فلابد من حربه، أما سمعتم أن صبيغاً الذي كان يتكلم ويتعمق ويتنطع في زمن عمر بن الخطاب ﵁؛ لما سأل عن الذاريات والمرسلات وغير ذلك نظر عمر في وجهه فعلم أنه متنطع لا يقصد التعلم، فجلده وضربه، وقال: والله لو كنت حالقاً لضربت عنقك. وربما يأتي هذا الدليل معنا في هذا الباب لأنه من مظانه. إذاً: فهناك من المسائل مسائل لا يجوز للسائل أن يسأل عنها، كما لا يجوز للمسئول أن يجيب فيها، بل إذا سئلت في مسألة فقل: أثم هي؟ أوقعت؟ فإذا كانت قد وقعت فإن الله تعالى يسدد ويعين المجتهد في القضاء فيها أو الإفتاء فيها، وإذا لم تكن قد وقعت فيجب عليك أن تنهى السائل عن ذلك؛ لأن هذا ليس هو منهج السلف ولا منهج أهل السنة.

стр. 234

ضرورة الكف عما كف الشرع عنه، وعدم الخوض فيه قال: [مر القاسم بن محمد بقوم يتكلمون في القدر، فقال: انظروا ما ذكر الله تعالى في القرآن فتكلموا فيه، وما كف عنه فكفوا] أي: لا تذكروا القَدَرَ إلا بالقَدْرِ المذكور في كتاب الله لا تزيدوا عليه، ولا تخوضوا فيه؛ لأن هذا القول يؤدي إلى الحيرة، والتيه، والضلال والابتداع في دين الله ما لم ينزل به سلطاناً. قال: [وقال ابن وهب: سمعت مالكاً يقول: قال رجل: لقد دخلت في هذه الأديان كلها فلم أر شيئاً مستقيماً]. يعني: كأن هذا الرجل يقول: دخلت في القدرية والمعتزلة والمرجئة وغير ذلك من الفرق الكبار في زمن مالك فلم أر شيئاً منها مستقيماً. [فقال رجل من أهل المدينة من المتكلمين: فأنا أخبركم لم ذلك؟ -أي: لم دخل هذا الرجل في كل الأديان ولم ير شيئاً منها قط مستقيماً- قال: لأنك لا تتقي الله، فلو كنت تتقي الله جعل الله لك من أمرك مخرجاً]. أي: نور بصيرتك، وهداك إلى معرفة الحق، والله تعالى يقول: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْواهُمْ﴾ [محمد:١٧]، فالمهم أن يعقدوا قلوبهم على الهدى ويحبوه، ويبذلوا المهج في سبيل الوصول إليه، ثم الله تعالى يوفقهم لذلك بعلمه صدق نيتهم، أما من كان يتنطع ويتعمق ولا يريد الوصول إلى الحق؛ فإن الله ﵎ يضله، ويجعله يتيه في ظلمات الضلال هنا وهناك.

стр. 235

بيان النبي أن الله تعالى سكت عن أشياء من غير نسيان رحمة بنا فلا نبحث عنها قال: [وعن أبي ثعلبة قال: قال النبي ﷺ : (إن الله فرض فرائض فلا تضيعوها، وحد حدوداً فلا تعتدوها، ونهى عن أشياء فلا تنتهكوها، وسكت عن أشياء من غير نسيان لها رحمة لكم؛ فلا تبحثوا عنها، ثم تلا قول الله : ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مريم:٦٤])]. هذه الأشياء التي سكت الله عنها لا نتكلف نحن السؤال فيها؛ لأن الله ﵎ لما تركها تركها لنا من باب العفو، ومن باب المباحات، فمن فعلها كان له ذلك، ومن لم يفعلها فلا حرج عليه، فأما أن تتكلف البحث عنها، ومعرفة الحكم فيها؛ فإن هذا الأمر يسبب الحرج لصاحبه.

стр. 236

آثار عن السلف في ردهم الافتراضات في الأسئلة، والسؤال عما لم يكن قال: [وعن مسروق قال: سألت أبي بن كعب عن مسألة، فقال لي: أكانت؟ قلت: لا، قال: فأجمنا حتى يكون] أجمنا أي: أرحنا، والاستجمام بمعنى الراحة. قال: [فأجمنا حتى يكون، فإذا كان اجتهدنا رأينا]. يعني: لك أن تأتي بسؤالك الذي وقع، ولا تسأل عن غيره؛ لأنك منهي عن هذه الطريقة الجاهلية، فسؤالك الذي ينبني عليه العمل في سلوكك إلى الله أنت مكلف به فقط دون سواه. قال: [وعن طاوس قال: قال عمر بن الخطاب ﵁: لا تسألوا عن أمر لم يكن؛ فإن الأمر إذا كان أعان الله عليه، وإذا تكلفتم ما لم تبلوا به وكلتم إليه]. يعني: يتخلى الله تعالى عنكم، ويكلكم إلى هذا، وربما أصبتم وربما خالفتم. قال: [وعن خارجة بن زيد بن ثابت قال: سئل زيد بن ثابت عن شيء فقال: أكان هذا؟ فقيل: لا، فقال: دعه حتى يكون؛ فإنما هلك من كان قبلكم بأنهم قاسوا ما لم يكن بما قد كان، حتى تركوا دين الله . وعن إبراهيم النخعي قال: كانوا لا يسألون إلا عن حاجة. وعن الشعبي قال: سل عما كان، ولا تسأل عما لم يكن ولا يكون].

стр. 237

من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه قال: [عن أبي هريرة قال: قال النبي ﵊: (من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه)] يعني: من أصول الإسلام أن تترك كل شيء لا يعنيك من أمر الدين أو الدنيا؛ لأنه ليس كل أمر الدين أنت مكلف به.

стр. 238

التمادي في الأسئلة والافتراضات قد يؤدي بالإنسان إلى السؤال عمن خلق الله قال: [وقال النبي ﵊: (لا يزال الناس يتساءلون حتى يقولوا: هذا الله خلق كل شيء، فمن خلق الله؟)]. يعني: إذا كنت ممن يسأل كثيراً فلا بد أن تصل إلى عين هذا السؤال ( هذا الله خلق كل شيء، فمن خلق الله؟) ولا بد أن تعلم أنك أضعف من أصحاب النبي ﵊ وأقل إيماناً؛ ولذلك حاك في قلوبهم وصدورهم هذا السؤال [ ( قالوا: يا رسول الله إن أحدنا لتحدثه نفسه بشيء لئن يخر من السماء أحب إليه من أن يتكلم به، قال النبي ﵊: أو قد فعلها؟ -يعني: أو قد غلبكم عليها الشيطان؟ - ذاك محض الإيمان)] أي: تحرجكم أن تتكلموا بهذا الكلام دليل على إيمانكم، ولكن النبي ﷺ قال: [(وإن الشيطان يأتي أحدكم فيقول من خلق كذا؟ من خلق كذا؟ من خلق كذا؟ فتقولون: الله، فيقول الشيطان: هذا الله خلق كل شيء فمن خلق الله؟ قال: فإذا بلغ الشيطان منكم ذلك المبلغ فاستعيذوا بالله وانتهوا، وقولوا: آمنا بالله ورسوله)]. يحدد ﵊ علاج شبه الشيطان بالاستعاذة بالله من الشيطان، والانتهاء، ومجاهدة النفس؛ حتى لا يستقر هذا الخاطر في القلب، بل يمر على القلب مروراً ولا يستقر فيه، ولا يتمكن منه، ثم بقولك: آمنت بالله ورسوله؛ لأن الشيطان يفر إذا سمع هذا الشيء. فبين ﵊ الجواب لهذا السؤال وعلاجه. وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 239

شرح كتاب الإبانة - ترك السؤال عما لا يعني الدخول فيه [٢] لقد جاءت النصوص من الكتاب والسنة وأقوال السلف بترك السؤال عما لا يعني الدخول فيه، لكن العجب لقوم حيارى تاهت عقولهم في بنيات الطريق، وتركوا ما قدمه الله في وحيه، وافترضه على خلقه، وتعبدهم بطلبه، وأمرهم بالنظر فيه والعمل به، وأقبلوا على ما لم يجدوه في كتاب ناطق، ولا تقدمهم فيه سلف سابق، فشغلوا به أنفسهم، وفرغوا له آراءهم، وجعلوه ديناً يدعون إليه، ويعادون من خالفهم عليه، وهؤلاء هم الزائغون الذين يجب الحذر منهم.

стр. 240

تابع باب ترك السؤال عما لا يعني الدخول فيه والبحث والتنقير عما لا يضر جهله ولا ينفع علمه الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه، وعلى آله وسلم تسليماً كثيراً. وبعد. فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. لا يزال الكلام في الباب الذي بدأناه في الدرس الماضي موصولاً وهو: باب ترك السؤال عما لا يعني، والبحث والتنقير عما لا ينفع علمه، ولا يضر جهله، والتحذير من قوم يتعمقون في المسائل، ويتعمدون إدخال الشكوك على المسلمين.

стр. 241

جلد عمر ﵁ لصبيغ وأمر الناس بهجرانه قال المصنف رحمه الله تعالى: [قال أبو عثمان النهدي: إن رجلاً كان من بني يربوع يقال له: صبيغ سأل عمر بن الخطاب ﵁ عن الذاريات، والنازعات، والمرسلات أو عن بعضهن، فقال له عمر: ضع عن رأسك -يعني: اكشف لي رأسك- فوضع عن رأسه فإذا له وفيرة -أي: لمة من الشعر- فقال: لو وجدتك محلوقاً لضربت الذي فيه عيناك -أي: لقطعت رأسك- قال: ثم كتب إلى أهل البصرة: ألا تجالسوه، أو قال: كتب إلينا ألا تجالسوه، قال: فلو جلس إلينا ونحن مائة لتفرقنا عنه]. طاعة لولي الأمر الذي يحكم البلاد الإسلامية. [وعن السائب بن يزيد أنه أتى عمر ﵁ فقال: يا أمير المؤمنين إنا لقينا رجلاً سأل عن تأويل القرآن، فقال عمر: اللهم مكني منه، فبينما عمر ذات يوم جالساً يغدي الناس إذ جاءه رجل عليه ثياب فتغدى، حتى إذا فرغ قال: يا أمير المؤمنين ﴿وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا * فَالْحَامِلاتِ وِقْرًا﴾ [الذاريات:١ - ٢]، فقال عمر: أنت هو؟ -أي: أنت الذي يسأل عن المتشابه- فقام إليه وحسر عن ذراعيه، فلم يزل يجلده حتى سقطت عمامته، فقال: والذي نفس عمر بيده لو وجدتك محلوقاً لضربت رأسك، ألبسوه ثيابه واحملوه على قتب -أي: على قتب البعير- ثم أخرجوه حتى تقدموا به بلادكم، ثم ليقم خطيباً -أي: ثم ليقم هو فيكم خطيباً- ثم ليقل: إن صبيغاً كان برأيه كيت وكيت وكيت، وفعل به أمير المؤمنين كيت وكيت وكيت، فلم يزل وضيعاً -أي: صبيغ - في قومه حتى هلك، وكان سيدهم].

стр. 242

تعليق المؤلف على فعل عمر مع صبيغ قال الشيخ ابن بطة: [وعسى ضعيف القلب، قليل العلم من الناس إذا سمع هذا الخبر وما فيه من صنيع عمر ﵁؛ أن يتداخله من ذلك ما لا يعرف وجه المخرج عنه]. هنا يجلي ابن بطة ﵀ حقيقة أمر صبيغ ويقول: إن المستمع لما وقع في القضية من أمير المؤمنين ربما يقول: هذا ظلم، فلماذا يضرب عمر صبيغاً وصبيغ لم يعد كونه سائلاً عن آيات في كتاب الله ؟ فهل الذي يتفقه في دين الله يقابل بالإنكار والضرب والإهانة والحمل على قتب بعير بغير جرم؟! إن الذي فعله أمير المؤمنين ظلم لا يليق بمقام الخلافة، فالمؤلف يريد أن يزيل الإشكال الذي يدور في ذهن ورأس المستمع لهذه القصة، فبين ﵀ حقيقة الأمر وأن صبيغاً لم يكن سائلاً متفقهاً، وإنما كان يسأل سؤال المتعنت، ولذلك صبيغ لم يعهد عليه أنه سأل عما ينفعه من العلم، وإنما يسأل عن المتشابهات. والنبي ﵊ يقول: (إذا سأل أحدهم عن المتشابهات -أي: في كتاب الله فأولئك الذين سمى الله، فاحذروهم). فقوله: (فأولئك الذين سمى الله) أي: الذين يسألون عن متشابه القرآن، ويتركون الفرائض والأركان التي لا يسعهم جهلها، فهؤلاء هم الزائغون الذين ذكرهم الله تعالى في مطلع سورة آل عمران، فاحذروهم. فـ عمر لما بلغه أن صبيغاً بالبصرة إنما يسأل عن المتشابهات فحسب؛ دعا عمر الناس لتناول الطعام عنده، فقام إليه رجل بعد أن فرغ من الطعام يسأله عن المتشابهات، فقال: أنت هو؟ أي: الذي بلغني خبرك، فقام إليه عمر وضربه؛ لا لأنه يسأل عن العلم أو عن تفسير القرآن، وإنما لأنه يسأل عن المتشابهات ويترك المحكمات. قال ابن بطة: [لعل أحدكم إذا سمع هذا الخبر دخل في نفسه شيء مما فعله أمير المؤمنين بـ صبيغ، فيكثر هذا من فعل الإمام الهادي العاقل رحمة الله عليه، فيقول: كان جزاء من سأل عن معاني آيات من كتاب الله أحب أن يعلم تأويلها لا أن يوجع ضرباً، وينفى ويهجر ويشهر به!] يعني: أهذا جزاء من طلب العلم؟! هكذا ربما دخل في نفس السامع. ثم قال ﵀: [وليس الأمر كما ظن السائل الذي لا علم عنده، ولكن الوجه فيه غير ما ذهب إليه الذاهب، وذلك أن الناس كانوا يهاجرون إلى النبي ﷺ في حياته، ويفدون إلى خلفائه من بعد وفاته رحمة الله عليهم أجمعين؛ ليتفقهوا في دينهم، ويزدادوا بصيرة في إيمانهم، ويتعلموا علم الفرائض التي فرض الله عليهم]. يعني: هذه كانت رحلة الناس من أقطار الأرض إلى النبي ﵊، وإلى الخلفاء الراشدين، وإلى أئمة العلم في الدين؛ لأجل أن يتعلموا أصول الدين، وما لا يسعهم جهله؛ لأن هذا هو الذي خاطبهم الله به في كتابه، وسار عليه سلف الأمة. ونحن نقول كلمة أحرى بنا أن نقف عندها مرات ومرات، خاصة في زمن كادت أن تهدم فيه الثوابت، وتزعزع فيه المحكمات، وتصير في قلوب العامة من المتشابهات، بل بعض المحرمات. نقول: إننا نؤمن بما آمن به النبي ﵊، وأصحابه الكرام، على فهم السلف، وكلمة: (على فهم السلف) هي كلمة تحتاج منا إلى وقفه، فهي كلمة عظيمة جداً، ولذلك لا يسعنا قط أن نقول بشيء أو أن نعمل شيئاً، أو أن نعتقد في دين الله شيئاً إلا وقد آمن به واعتقده السلف، وعمل به السلف، ومن عمل بغير ذلك أو اعتقد غير ذلك فإنما يعتقد ويعمل على غير ما كان عليه سلف هذه الأمة. فتمسك السلف بشيء إنما هو عصمة لمن أتى بعدهم، فالسلف لم يسألوا عن هذه المتشابهات، وإنما آمنوا بها وأمروها كما جاءت بغير سؤال، وإن بدا منهم سؤال فإنما سألوا عنه للتعلم والتفقه في كلام الله ، وفي كلام النبي ﵊، وأما أن يسأل الشخص عن شيء على سبيل التعنت والإحراج وغير ذلك؛ فهذا الشخص لا بد أنه مريض لا يصلح لطلب العلم. ولذلك خشي الأئمة من السلف ومن أتى بعدهم من وجود أمثال هؤلاء في وسط العامة؛ لأنهم بإشاعة هذه المتشابهات لا بد أنهم يفسدون دين العامة، ولذلك عمل السلف ﵃ على استئصال شأفة هؤلاء، فـ صبيغ كان يسأل عن هذه المتشابهات، فضربه عمر بالجريد على رأسه حتى سال منه الدم، حتى قال صبيغ يعلنها صراحة: يا أمير المؤمنين والذي نفس صبيغ بيده لقد ذهب الذي كان في رأسي. فهذا صبيغ يعترف أنه لم يكن يسأل تعلماً، وإنما سأل من باب إشاعة الشبهات، وزعزعة الثوابت في قلوب العامة، وجعل ما هو ركن ركين في دين الله ليس ركناً في قلوب العامة. قال: [فلما بلغ عمر ﵁ قدوم هذا الرجل المدينة، وعرف أنه سأل عن متشابه القرآن، وعن غير ما يلزمه طلبه مما لا يضره جهله، ولا يع

стр. 243

سبب قول عمر: (لو وجدتك محلوقاً لضربت الذي فيه عيناك) ثم قال: [فإن قلت: فإنه قال: لو وجدتك محلوقاً لضربت الذي فيه عيناك] أي: لقطعت رأسك، وهذا بلا شك قتل، وأنتم تعلمون أن القتل محرم، وأن المرء لا يزال في فسحة من دينه ما لم يسفك دماً حراماً، فلماذا عمر ﵁ هم بذلك؟ ولما حجم عن قتله؟ هل لأنه ذو شعر؟ [أومن حلق رأسه يجب عليه ضرب العنق؟] الجواب لا، ولكن هذا كلام له مغزى وله أدلة سمعها عمر ﵁ من النبي ﵊. قال: [فإني أقول لك: من مثل هذا أتي الزائغون، وبمثل هذا بلي المنقرون، الذين قصرت هممهم، وضاقت أعطانهم عن فهم أقوال الأئمة المهديين، والخلفاء الراشدين، فلم يحسوا بموضع العجز من أنفسهم، فنسبوا النقص والتقصير إلى غيرهم]. وهذا موجود في كل زمان ومكان، تجد الواحد منا إذا عجز عن فهم نص نسب النقص إلى النص، وإذا عجز عن فهم فعل إمام من أئمة العلم والهدى والدين أو قوله سارع وبادر إلى الإنكار عليه، وذم قوله وفعله، بل ربما نسبه إلى الجهل، وتطاول عليه بما هو أبعد وأكثر من ذلك، وليس الأمر كذلك. ثم قال: [وذلك أن عمر ﵁ كان قد سمع النبي ﷺ يقول: (يخرج قوم أحداث الأسنان -أي: صغار السن- سفهاء الأحلام)]. يعني: يتصدرون الناس زعماً منهم أنهم ذوو أحلام، وذوو أسنان، وهم في الحقيقة ليسوا كذلك. ثم قال: [(يقولون من خير قول الناس)] يعني: يتكلمون بأحسن الكلام وأجمله. ثم قال: [(يقرءون القرآن لا يجاوز حناجرهم)] أي: لا يؤمنون بالقرآن، وإلا لو آمنوا بكتاب الله لآمنوا به كله محكمه ومتشابهه. ثم قال: [(يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية)] يعني: يخرجون من الإسلام بعد أن دخلوا فيه كما يخرج السهم من الرمية. ثم قال: [(من لقيهم فليقتلهم؛ فإن في قتلهم أجراً عند الله)] فالذي حكم عليهم بالقتل هو النبي ﵊، قال: من لقي هؤلاء الذين ذكرت علامتهم فليقتلهم، ومن قتلهم فأجره على الله . قال ﵀: [وفي حديث آخر: قال ﵊: (طوبى لمن قتلهم، وطوبى لمن قتلوه)]. (طوبى لمن قتلهم) لأنه من أعظم الجهاد، (وطوبى لمن قتلوه) لأنه جاهدهم، فتمكنوا منه فقتلوه، فهو عند الله شهيد. [(قيل: يا رسول الله! ما علامتهم؟ قال: سيماهم التحليق)] يعني: هم يحلقون رءوسهم، وهذه علامة لهم. ثم قال: [فلما سمع عمر ﵁ مسائله -أي مسائل صبيغ - فيما لا يعنيه كشف رأسه] أي: كشف عمر رأس صبيغ؛ ليهتدي عمر أهو من الذين وصفهم النبي ﵊ بتلك العلامات: أنهم أحداث الأسنان، سفهاء الأحلام، يقرءون القرآن لا يجاوز حناجرهم، سيماهم حلق الرءوس. فقوله: ﷺ : (سيماهم التحليق) هذه هي العلامة الوحيدة الظاهرة، أي: أمارتهم بين الناس أنهم يحافظون على حلق رءوسهم بالموسى. فلما جيء بـ صبيغ بين يدي عمر، وكان يسأل عن متشابه القرآن، قال عمر: لعله ممن حذرنا النبي ﵊ منهم، وبين لنا أماراتهم وعلاماتهم، فلما ضربه كشف عن رأسه، فلو وجده محلوق الرأس لقتله؛ لأن النبي ﷺ قال: (طوبى لمن قتلهم)، ولو قتله عمر فإنه يكون مأجوراً؛ لقوله ﵊: (فإن في قتلهم أجراً عند الله ، لكنه رأى أنه لم يكن ممن وصف النبي ﵊.

стр. 244

انتفاع صبيغ بتأديب عمر ﵁ له فلم يلتحق بالخوارج حين ظهروا قال: [فلما سمع عمر ﵁ مسائله فيما لا يعنيه كشف رأسه؛ لينظر هل يرى العلامة التي قالها رسول الله ﷺ ، والصفة التي وصفها، فلما لم يجدها أحسن تأديبه؛ لئلا يتغالى به في المسائل إلى ما يضيق صدره عن فهمه، فيصير من أهل العلامة الذين أمر النبي ﷺ بقتلهم، فحقن دمه -أي: لم يقتله؛ لأنه ليس بصاحب علامة- وحفظ دينه بأدبه، رحمة الله عليه ورضوانه. ولقد نفع الله صبيغاً بما كتب له عمر في نفيه]. لأن عمر نفاه إلى البصرة، وقال: هذا صبيغ يا أهل البصرة لا بد أن يقوم فيكم خطيباً، فيفضح نفسه على الملأ، ويقول: كان برأسي كيت وكيت وكيت، حتى أدبني أمير المؤمنين وفعل بي كذا وكذا وكذا، ولا زال صبيغ وضيعاً حتى مات بعد أن كان شريفاً. ثم قال: [فلما خرجت الحرورية -وهي فرقة عظيمة من فرق الضلالة- قالوا لـ صبيغ: إنه قد خرج قوم يقولون كذا وكذا]. يعني: ذهب أصحاب السوء إلى صبيغ وقالوا: يا صبيغ لقد ظهرت فرقة تسمى: الحرورية -نسبة إلى مكان يسمى: حروراء، وهم خوارج، فهل لك يا صبيغ أن تلحق بهم، وأن تصير رأساً فيهم كما كنت رأساً من قبل؟ فانظر إلى رد صبيغ ماذا قال. قال: [فقال: هيهات، نفعني الله بموعظة الرجل الصالح أمير المؤمنين عمر ﵁] يعني: نفعه الله تعالى بما أدبه به أمير المؤمنين؛ ولذلك قال: هيهات هيهات لقد نفعني الله بموعظة الرجل الصالح أمير المؤمنين. قال: [وكان عمر قد ضربه حتى سالت الدماء على وجهه، أو رجليه أو على عقبيه. ولقد صار صبيغ لمن بعده مثلاً وتردعة لمن نقر وألحف في السؤال].

стр. 245

تحذير أبناء الصحوة من الاهتمام بالمتشابهات اعلم أن الصحوة الإسلامية فيها مئات من مثل صبيغ، ولذلك هذا الكلام إن لم نستفد منه فلا قيمة له إذاً، فكثير من أبناء الصحوة يسألون ويلحفون في المسألة، وهذه المسألة الجهل بها لا يضر، والعلم بها لا ينفع، وإذا سألته في أصول دينه علماً وعملاً ستجده صفر اليدين، وإنما أدخل نفسه في مسألة لا تعنيه، وهذا كمن أراد أن يقفز النهر قفزة واحدة فسقط فيه، أو من أراد أن يقفز من الأرض إلى السطح فوقع على أم رأسه، فاندك في الأرض فمات؛ لأنه رام شيئاً وسلك له سبيلاً غير السبيل المستقيم، وأما سبيل طلاب العلم فإنهم يصلون إلى العلم شيئاً فشيئاً، حتى يصلوا في نهاية المطاف إلى دراسة المتشابهات بعد الإيمان بها، حتى يردوا ويذبوا عن دين الله . وأما أن يأتي إنسان في أول الطريق فيسأل عن المتشابه ولا علم له بالمحكم، فمن يكون هذا؟ أو يأتي طالب علم مبتدئ فيسأل عن مسائل الخلاف والفروع المختلف فيها، وهو بعد لم يعرف مسائل الإجماع، والمسائل المجمع عليها ينكر أهل العلم أشد الإنكار على من لا يعرفها، ومن تصدى لغيرها قبل بحثها، وقبل الوقوف عليها، ومعرفة أصلها وأدلتها، فهو يسأل عن الفروع وهو بعد لم يتعلم الأصول، ويسأل عن الخلاف وهو بعد لم يتعرف على محل الاتفاق عند أهل العلم، كل هذا خلط وخبط عشواء في طريق الطلب، فينبغي أن يتنزه عنه طالب العلم. وبعض الطلاب يسألون عن مسائل كثيرة، وإذا لقيته هذا العام تجده يسأل عن مسائل كان يسأل عنها منذ أربع أو خمس سنوات، ففي أول دروسنا في مسجد التوحيد كان بعض الطلاب لا يحلو له إلا أن يسأل عن المتشابهات، أو عن الخلافيات، أو عن الفرعيات الدقيقة جداً، فإذا سئل عن مسائل في أصول العلم والأمور المتفق عليها والمجمع عليها بين أهل العلم تجده لا يعرف عنها شيئاً، ولا يعرف أصلاً هل هي من دين الله أو ليست من دين الله؟ أقول: إذا كان البحث في هذه المسائل واجباً فإنما هو واجب على أهل العلم المتبحرين فيه، وأما أنت كطالب علم مبتدئ فإن هذا لا يسعك، وليس من أمرك. فمثلاً: الطفل الرضيع لو أطعمته أمه لحماً -وهو طعام، ولا يختلف أحد أنه طعام- فإنه يقتله، وكذلك هذه المسائل المتشابهات التي لا علم لك بها، ولست أهلاً لها إنما تقتلك ولا تنفعك، مع أنها علم، لكن الله جعل لكل شيء قدراً، فهذه المسائل إنما يهتم بها أهل العلم الكبار، وأما أنت فلا. والدفاع عن دين الله واجب على كل مسلم، لكن كل على قدره، فهل أنت مطالب الآن أن تتصدى لفرقة من فرق الضلالة دفاعاً عن دين الله ؟ الجواب لا، وأنك إذا فعلت ذلك أفسدت في دين الله ، بل ربما تكون سبباً قوياً في ظلم الظالمين، وأنا على يقين أنك ستنهزم أمام أصحاب الضلالة؛ لأنك لا تعرف مواطن الشبه التي يثيرونها عليك، وبالتالي إذا ألقيت عليك شبهة واثنتان وثلاث وأربع ولم يأت منك جواب مقنع، أو لم يأت منك جواب أصلاً على هذه الضلالات والانحرافات والشبه؛ اغتر العامة بكلام زعيم المبتدعة، فصدقوا كلامه، ووقع في قلوبهم أنه على الحق، فكنت فتنة للعامة بسبب الجهل، أو بسبب أنك تصديت لمسألة لم تتأهب لها بعد. إذاً: فاعلموا أن العلم مراتب، ولكل مرتبة أهلها. [وعن القاسم بن محمد: أن رجلاً جاء إلى ابن عباس فسأله عن الأنفال، فقال ابن عباس: كان الرجل ينفل الفرس وسرجه، فأعاد عليه السائل، فأجابه ابن عباس بنفس الجواب، فأعاد عليه ثالثة، فأعاد ابن عباس الجواب عليه ثالثة، فقال ابن عباس: تدرون ما مثل هذا؟ هذا مثل صبيغ الذي ضربه عمر ﵁، أما لو عاش عمر لما سأل أحد عما لا يعنيه]. والآن تجد الواحد لأول مرة يدخل المسجد، ولا يعرف عن دينه أي شيء، ثم يتوجه إلى المحاضر ويقول له: أنا أريد أن أعرف الفرق بين الإخوان المسلمون والجماعة الإسلامية والجهاد، والتوقف والتبين، والسلفيين وغير ذلك. نقول لهذا: أنت لا تعرف كيف تصلي، والأصل أن تتعلم كيف تصلي، وكيف تتوضأ، فتجد كثيراً ممن يتوضأ يقدم ويؤخر، ويزيد وينقص، ويخبط في أصل العبادة، وهذا الأمر وجدناه وأنتم تجدونه هنا، وهو كثير جداً في بلاد الغرب، فمثلاً: في أمريكا وأوروبا تجد المسلم لا يعرف كيف يتوضأ، ولا يعرف كيف يصلي، ويتعثر في أصول دينه، ومع ذلك تجد لحيته طولها ربع متر، وتراه يلبس العمامة، ويمشي في الشارع ومعه دفتر وقلم، وكلما قابل شخصاً ملتحياً أخرج القلم وفتح الصفحة وسأله، وهو لا يعرف أن الذي يسأله هو أيضاً أجهل منه، يقول له: أنا أريد أن أعرف ما هو الفرق بين الجماعة الفلانية وبين الجماعة العلانية؟ وما هي أخطاؤهم؟ وما هو الصواب الذي عندهم؟ فهو يقلب في الصفحات ويكتب الملاحظات، وفي الأخير يقول له: بعد أن استفدنا منك الفوائد العظيمة هذه اكتب لنا كلمة في هذا الدفتر من أجلي، فالمسئول مجهول، والسائل أجهل منه، فالقضية كلها ليس

стр. 246

موقف الصحابة والسلف ممن يسألون فيما لا ينفع قال: [قال علي بن أبي طالب يوماً: سلوني عما شئتم]. ويجوز للعالم المتبحر أن يصدر منه ذلك إذا تفرس في وجه الحاضرين أسئلة أو رسالة. قال: [سلوني عما شئتم، فقال ابن الكواء -وهو رأس من رءوس البدعة-: ما السواد الذي في القمر؟ قال علي: فإن تلك لله -أي: لا يعلمه إلا الله- ألا سألت عما ينفعك في دينك وآخرتك؟! ذاك محو الليل. وفي رواية: أنه سأله عن الحاملات وقراً؟ قال علي ﵁: ثكلتك أمك! سل تفقهاً ولا تسل تعنتاً، سل عما يعنيك ودع ما لا يعنيك]. قال الشيخ ابن بطة: [وهكذا مكان العلماء والعقلاء إذا سئلوا عما لا ينفع السائل علمه، ولا يضره جهله، فربما كان الجواب أيضاً مما لا يدركه السائل، ولا يبلغه فهمه منعوه الجواب، وربما زجروه وعنفوه]. وعلي بن أبي طالب ﵁ يستطيع أن يتكلم في القدر، ويحسن الكلام في القدر، ومع ذلك لم يجب في القدر بشيء. وكذلك ابن عمر ﵄ يحسن ذلك، ومع هذا ما كان يجيب في القدر بشيء؛ لأن من منهج السلف أنه إذا ذكر القدر أمسكوا عن الجواب؛ لأن هذا باب عظيم وباب شائك، وإذا تحدث فيه متحدث فلابد أن يمكث فيه الساعات الطوال حتى يبين أصل الإيمان بهذا الأمر، ثم يبين مراتبه ومسائله وأحواله للعامة، لكن إذا كان المقام لا يسمح فإن قطع الكلام فيه أنجى للعامة في اعتقادهم، وقد كان السلف يأمرون بالإيمان بالقدر؛ لأن الله أمر بذلك، وانتهت القضية عند هذا الحد. وكذلك يستطيع السلف أن يتكلموا في النجوم، ولكنهم كانوا إذا سئلوا في النجوم ومنازلها ومساكنها أمسكوا، ويستطيع السلف أن يتكلموا في الصحابة، أي: في منزلتهم وفي فضلهم، وفي الفتنة التي دارت بينهم، لكنهم كانوا إذا سئلوا عن الفتنة أمسكوا. فإذا كنا نحن نعرف أن نتكلم في الفتنة فهم أولى بذلك منا، لكنهم أمسكوا. وهذا عمر بن عبد العزيز الإمام الراشد، إمام الهدى، لما سئل عن الفتنة التي دارت بين علي ومعاوية ﵄ قال: فتنة نجى الله تعالى منها سيوفنا، فلم لا ننزه عنها ألسنتنا؟! وكان سيقطع كل فتنة يمكن أن تدار إذا أجاب بغير هذا الجواب، ولكنه تكلم بهذا الكلام الوجيز في المبنى العظيم جداً في المعنى، وهي عقيدة أهل السنة والجماعة، فعبر ﵀ بكلمات يسيرات عن معتقد أهل السنة والجماعة في الخلاف الذي دار بين الصحابة رضي الله تعالى عنهم.

стр. 247

آثار عن السلف في ترك السؤال عما لا يعني، وذم الآرائيين قال: [قال ابن شبرمة: من المسائل مسائل لا يجوز للسائل أن يسأل عنها، ولا للمسئول أن يجيب عنها] يعني: ليس لكل سائل أن يسأل عما دار في رأسه من محكم ومتشابه، ومن غث وسمين، وإذا فعل فيحرم على المجيب أن يجيب في كل شيء، وإنما يجيب في شيء ينفع السائل، وأما في كل ما يسأل عنه السائل فلا. ثم قال: [وقال ابن مسعود: من أفتى الناس في كل ما يستفتونه فهو مجنون. وقال أيضاً: إذا أراد الله بعبد خيراً سدده، وجعل سؤاله عما يعنيه، وعلمه ما ينفعه. وقال أيضاً: إياكم والتنطع والتعمق، وعليكم بالعتيق] أي: الأمر الأول. ثم قال: [وقال أبو يوسف: العلم بالكلام هو الجهل، والجهل بالكلام هو العلم]. وهناك أناس لا يهدأ لهم بال إلا إذا انطلقت ألسنتهم بالكلام والفلسفة والمنطق، ومعرفة المقدمات والنتائج وغير ذلك، ويظنون أنهم قد بلغوا من العلم مبلغاً عظيماً، وليس الأمر كذلك، بل هذا هو الجهل بعينه إذا لم يكن مضبوطاً بضوابط الشرع. ثم قال: [وقال زيد بن علي لابنه: يا بني! اطلب ما يعنيك بترك ما لا يعنيك]. يعني: أن الوقت والعمر لا يسع إلا لشيء واحد للنافع أو الضار، فإن انشغلت بالضار شغلك عما ينفعك، وإذا انشغلت بما ينفعك لم يبق وقت للسؤال عما يضرك، فإما هذا وإما ذاك. ثم قال: [فإن في تركك ما لا يعنيك دركاً لما يعنيك، واعلم أنك تقدم على ما قدمت لنفسك، ولست تقدم على ما أخرت، فآثر -أي: فقدم- ما تلقاه غداً على ما لا تراه أبداً. وقال يحيى بن معاذ الرازي: إن ربنا تعالى أبدى شيئاً وأخفى أشياء] أي: أظهر لنا شيئاً وأخفى عنا أشياء، والعاقل من انشغل بما أبداه الله تعالى، وترك ما أخفاه الله ، فإن خالف هذا الناموس الكوني فلا بد أنه هالك. ثم قال: [وبلغني عن الحارث المحاسبي أنه كان يقول: سؤال العبد عما لا يعنيه خذلان من الله له]. وقد جاءني سائل ومعه دفتر قد كتب فيه عدة أسئلة تصل إلى واحد وخمسين سؤالاً، ولا يمكن أن ينتفع بسؤال واحد منها. فقال: السؤال الأول: ما اسم أم موسى ﵇؟ فقلت له: هل ستستفيد من هذا السؤال؟ هل أنت مطالب به ومتعبد به؟ وهل سيسألك الله عنه يوم القيامة؟ وتعبت معه كثيراً حتى أقنعته أن هذا السؤال لا ينبني عليه عمل العبد. ثم أخرج الدفتر ووجه إلي السؤال الثاني: ما اسم كلب أهل الكهف؟! فالذين انشغلوا بأسماء وصفات الله أنظف وأشرف منك بألف مرة مع انحرافهم؛ لأنهم انشغلوا بباب من أعظم أبواب الاعتقاد، وضلوا فيه، ولكن الأبعد انشغل بأسماء الحيوانات والنساء والطيور وغير ذلك، وذكر حوالي اثني عشر اسماً توجد في القرآن لا يلزمه معرفتها. وتلك الأسئلة فيها عجائب، لكنه أخذ مني الدفتر عنوة لما ضحكت ضحكاً شديداً على بعض الأسئلة، وكان هذا قديماً، وليتني لم أضحك حتى آتي بالباقي. إذاً: فهذا علمه لا ينفعني، وجهله لا يضرني، وهذا الشخص اتهمني بأنني أصد عن الله ، وعن ذكر الله، وقال: أليست هذه أشياء ورد ذكرها في القرآن، ونحن مطالبون بالتدبر والتفكر في القرآن ومعرفة آياته؟ فأقول: نعم، ولكن كان ينبغي أن يعلم الحلال والحرام، ومع ذلك لو سألته عن الكبائر والصغائر فإنه لا يعرف شيئاً؛ لأنه أخذ هذه المتشابهات التي لا تعنيه أصلاً وجعلها دينه فحسب. ثم قال: [وقال طاوس: إني لأرحم الذين يسألون عما لم يكن؛ مما أسمع منهم. وقال الشعبي: لو أدرك هؤلاء الآرائيون النبي ﷺ لنزل القرآن كله: يسألونك، يسألونك، يسألونك!].

стр. 248

إكثار الأحناف من الرأي والقياس وهناك أناس كثيرون يقول أحدهم: يا شيخ أنا وضعت أموالي في البنك الفلاني، فهل الأرباح هذه حلال أم حرام؟ لو قلت له: حلال، قال: افرض لو أني وضعتها في بنك آخر؟ وندخل بعد ذلك في دوامة كبيرة كلها افتراضات، أرأيت لو كان كذا لكان كذا وكذا، أرأيت لو كان كذا لكان كذا وكذا افتراضات. ولذلك عيب على أهل الرأي وأصحاب المذهب الحنفي كثرة الآراء، فعندما تقرأ في أي كتاب من كتب الأحناف ستجد أن معظم الفقه افتراضات، فمثلاً: الساجد عليه أن يسجد على سبعة أعضاء: الوجه مع الأنف هذا عضو واحد، واليدين والركبتين وأطراف القدمين؛ لأن النبي ﵊ يقول: (أمرنا أن نسجد على سبعة آراب) أي: على سبعة أعضاء، لكن المذهب الحنفي حينما وقف على هذا الحديث قال: افرض أنه سجد على خمسة أعضاء فقط، رجل سجد ورفع أطراف القدمين، فيظل يفرض الافتراضات إلى أن قال: افرض أنه سجد على جبهته فقط دون أنفه، فهذا افتراض ليس له أي قيمة، بل هو مضيعة للوقت، وعبء وثقل في كتب الفقه، وكلام بلا فائدة، ولا يمكن أن يحدث قط، ولذلك من كثرة الافتراضات هناك افتراضات الواقع الآن يكذبها، ويقول: إنه لا أساس لها، كما قالوا أيضاً: افرض أن إنساناً صلى في أرجوحة لا هي معلقة في السماء ولا متصلة بالأرض، هل تصح صلاته؟ قالوا: لا، لا تصح؛ لأن الصلاة يلزمها السجود، والسجود لا بد فيه من المكان، وهذه أرجوحة معلقة في الهواء، والمفترض أنه يسجد على الأرض؛ لأن النبي ﵊ يقول: (إنما جعلت لي الأرض مسجداً) يعني: يسجد فيها (وتربتها طهوراً، فأيما مسلم أدركته الصلاة فعنده طهوره وسجوده) أي: المكان الذي يسجد فيه، قالوا: وهذه ليست أرضاً وإنما هذه أرجوحة. ثم قالوا: وهذا محال لا يتحقق، فإذا بهذا المحال الذي لا يتحقق تحقق الآن، فالطائرة مثل الأرجوحة، فهي تطير في السماء في هذا الوقت، فهم قالوا: ببطلان الصلاة في الأرجوحة، والآن الأحناف المتعصبون يلتزمون مذهب أبي حنيفة في هذه المسألة، فيقولون: إن الصلاة في الطائرة غير صحيحة، وإنما يجمع جمع تقديم قبل ركوب الطائرة أو جمع تأخير بعد النزول، فإذا كان السفر فوق الطائرة مقدار عشرين ساعة فهل أجمع خمسة فروض أم عشرة؟! هذا لا يصح. وانعقد الإجماع من أهل العلم بعد ظهور الطائرات على أن الصلاة فيها صحيحة كالصلاة في السفينة سواءً بسواء، لكن المتعصبون الآن من الأحناف يقولون بالبطلان، وغيرهم يقولون بصحة الصلاة فيها مع الكراهة، ونحن نقول ليس بإمكاننا أن نتخلص من هذه الكراهة، لذلك فهي صحيحة مطلقاً.

стр. 249

تعقيب ابن بطة على آثار السلف المتعلقة بترك السؤال عما لا يعني قال: [فالعجب يا إخواني رحمكم الله! لقوم حيارى تاهت عقولهم عن طرقات الهدى، فذهبت تلج محاضرهم في أودية الردى، تركوا ما قدمه الله في وحيه، وافترضه على خلقه، وتعبدهم بطلبه، وأمرهم بالنظر والعمل به، وأقبلوا على ما لم يجدوه في كتاب ناطق، ولا تقدمهم فيه سلف سابق، فشغلوا به أنفسهم، وفرغوا له آراءهم وأوقاتهم، وجعلوه ديناً يدعون إليه، ويعادون من خالفهم عليه، أما علم الزائغون أن مفاتيح أبواب الكفر، ومعالم أسباب الشرك هو التكلف لما لم تحط الخلائق علماً به، ولم يأت القرآن بتأويله، ولا أباحت السنة النظر فيه، فتزيد الناقص الحقير، والأحمق الصغير، بقوته الضعيفة وعقله القصير أن يهجم على سر الله المحجوب، ويتناول علمه بالغيوب التي أرادها لنفسه ، وطوى عليها علمها دون خلقه، فلم يحيطوا من علمها إلا بما شاء، ولا يعلمون منها إلا ما يريد، فكل ما لم ينزل الوحي بذكره، ولم تأت السنة بشرحه من مكنون علم الله، ومخزون غيبه، وخفي أقداره، فليس للعباد أن يتكلفوا من علمه ما لا يعلمون، ولا يتحملوا من نقله ما لا يطيقون، فإنه لن يعدو رجل كلف ذلك نظره، وقّلب فيه فكره، أن يكون كالناظرين في عين الشمس ليعرف قدرها، أو كالمرتمي في ظلمات البحور؛ ليدرك قعرها، فليس يزداد على المضي في ذلك إلا بعداً، ولا على دوام النظر في ذلك إلا تحيراً، فليقبل المؤمن العاقل ما يعود عليه نفعه، ويترك إشغال نظره وإعمال فكره في محاولة الإحاطة بما لم يكلفه، ومرام الظفر بما لم يطوقه، فيسلك سبيل العافية، ويأخذ بالمندوحة الواسعة، ويلزم الحجة الواضحة، والجادة السابلة، والطريق الآنسة، فمن خالف ذلك وتجاوزه إلى الغمط بما أمر به، والمخالفة إلى ما ينهى عنه؛ يقع -والله- في بحور المنازعة، وأمواج المجادلة، ويفتح على نفسه أبواب الكفر بربه، والمخالفة لأمره، والتعدي لحدوده، والعجب كل العجب لمن خلق من نطفة من ماء مهين، فإذا هو خصيم مبين، كيف لا يفكر في عجزه عن معرفة خلقه؟! أما تعلمون أن الله قد أخذ عليكم ميثاق الكتاب ألا تقولوا على الله إلا الحق؟ فسبحان الله أنى تؤفكون! قال ابن الصواف: سمعت أبي يقول: سمعت بعض العلماء يقول: لو كلف الله هؤلاء ما كلفوه أنفسهم من البحث والتنقير؛ لكان من أعظم ما افترضه عليهم. قال الشيخ: فالزموا رحمكم الله! الطريق الأقصد، والسبيل الأرشد، والمنهاج الأعظم من معالم دينكم، وشرائع توحيدكم، التي اجتمع عليها المختلفون، واعتدل عليها المعترفون، كما قال تعالى: ﴿وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [الأنعام:١٥٣].

стр. 250

مناظرة ابن عباس مع رجل يحاول معرفة أسرار الله في خلقه قال: [قال أبو اليقظان: خرج رجل من أسلاف المسلمين يطلب علم السماء، ومبتدأ الأشياء، ومجاري القضاء، وموقع القدر المجهول، وما قد احتجبه الله من علم الغيوب، التي لم ينزل الكتاب بها، ولم تتسع العقول لها]. قال: [حتى انتهى إلى بحر العلوم، ومعدن الفقه، وينبوع الحكمة عبد الله بن عباس، فلما انتهى بالأمر الذي ارتحل إليه، وأقدمه عليه؛ قال له: اقرأ آية الكرسي، فقرأها حتى بلغ قوله تعالى: ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾ [البقرة:٢٥٥]، قال ابن عباس: أمسك؛ فقد بلغت ما تريد، فقد أنبأك الله أنه لا يحاط بشيء من علمه، قال له الرجل: يرحمك الله! إن الله قد استثنى فقال: ﴿إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾ [البقرة:٢٥٥]، فقال ابن عباس: صدقت، ولكن أخبرني عن الأمر الذي استثناه من علمه، وشاء أن يظهره لخلقه: أين يوجد؟ ومن أين يعلم؟ قال: لا يوجد إلا في وحيه، ولا يعلم إلا من نبيه، قال ابن عباس: فأخبرني عن الذي لا يوجد في حديث مأثور، ولا في كتاب مسطور، أليس هو الذي نبأ الله: لا يدركه عقل، ولا يحيط به علم؟ قال الرجل: بلى، قال ابن عباس فإن الذي تسأل عنه ليس محفوظاً في الكتب، ولا محفوظاً عن الرسل، فقام الرجل -وانتفع بكلام ابن عباس - وهو يقول: لقد جمع الله لي علم الدنيا والآخرة، فانصرف شاكراً لـ ابن عباس]. قال الشيخ: [فاتقوا الله يا معشر المسلمين! وانتهوا عن السؤال والتنقير، والبحث عما يشكك في اليقين، وليس هو من فرائض الدين، ولا من شريعة رب العالمين، ولا تثقل به الموازين، ولا تثق نفوسكم إلى استماع كلام المتنطعين، الذين اتهموا أئمة المسلمين، وردوا ما جاءوا به عن رب العالمين، وحكموا آراءهم وأهواءهم في الدين، ودعوا الناس إلى ما استحسنوه دون كتاب الله وسنة رسوله الأمين ﷺ ]. فقد تقدم عن ابن مسعود عن النبي ﵊: (ألا هلك المتنطعون ثلاثاً).
следующие страницы →