← Акыда

Акыда · id 37436

شرح كتاب الإبانة من أصول الديانة

حسن أبو الأشبال الزهيري

Полный текст (1 366 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

موقف الصحابة والسلف ممن يسألون فيما لا ينفع قال: [قال علي بن أبي طالب يوماً: سلوني عما شئتم]. ويجوز للعالم المتبحر أن يصدر منه ذلك إذا تفرس في وجه الحاضرين أسئلة أو رسالة. قال: [سلوني عما شئتم، فقال ابن الكواء -وهو رأس من رءوس البدعة-: ما السواد الذي في القمر؟ قال علي: فإن تلك لله -أي: لا يعلمه إلا الله- ألا سألت عما ينفعك في دينك وآخرتك؟! ذاك محو الليل. وفي رواية: أنه سأله عن الحاملات وقراً؟ قال علي ﵁: ثكلتك أمك! سل تفقهاً ولا تسل تعنتاً، سل عما يعنيك ودع ما لا يعنيك]. قال الشيخ ابن بطة: [وهكذا مكان العلماء والعقلاء إذا سئلوا عما لا ينفع السائل علمه، ولا يضره جهله، فربما كان الجواب أيضاً مما لا يدركه السائل، ولا يبلغه فهمه منعوه الجواب، وربما زجروه وعنفوه]. وعلي بن أبي طالب ﵁ يستطيع أن يتكلم في القدر، ويحسن الكلام في القدر، ومع ذلك لم يجب في القدر بشيء. وكذلك ابن عمر ﵄ يحسن ذلك، ومع هذا ما كان يجيب في القدر بشيء؛ لأن من منهج السلف أنه إذا ذكر القدر أمسكوا عن الجواب؛ لأن هذا باب عظيم وباب شائك، وإذا تحدث فيه متحدث فلابد أن يمكث فيه الساعات الطوال حتى يبين أصل الإيمان بهذا الأمر، ثم يبين مراتبه ومسائله وأحواله للعامة، لكن إذا كان المقام لا يسمح فإن قطع الكلام فيه أنجى للعامة في اعتقادهم، وقد كان السلف يأمرون بالإيمان بالقدر؛ لأن الله أمر بذلك، وانتهت القضية عند هذا الحد. وكذلك يستطيع السلف أن يتكلموا في النجوم، ولكنهم كانوا إذا سئلوا في النجوم ومنازلها ومساكنها أمسكوا، ويستطيع السلف أن يتكلموا في الصحابة، أي: في منزلتهم وفي فضلهم، وفي الفتنة التي دارت بينهم، لكنهم كانوا إذا سئلوا عن الفتنة أمسكوا. فإذا كنا نحن نعرف أن نتكلم في الفتنة فهم أولى بذلك منا، لكنهم أمسكوا. وهذا عمر بن عبد العزيز الإمام الراشد، إمام الهدى، لما سئل عن الفتنة التي دارت بين علي ومعاوية ﵄ قال: فتنة نجى الله تعالى منها سيوفنا، فلم لا ننزه عنها ألسنتنا؟! وكان سيقطع كل فتنة يمكن أن تدار إذا أجاب بغير هذا الجواب، ولكنه تكلم بهذا الكلام الوجيز في المبنى العظيم جداً في المعنى، وهي عقيدة أهل السنة والجماعة، فعبر ﵀ بكلمات يسيرات عن معتقد أهل السنة والجماعة في الخلاف الذي دار بين الصحابة رضي الله تعالى عنهم.

стр. 247

آثار عن السلف في ترك السؤال عما لا يعني، وذم الآرائيين قال: [قال ابن شبرمة: من المسائل مسائل لا يجوز للسائل أن يسأل عنها، ولا للمسئول أن يجيب عنها] يعني: ليس لكل سائل أن يسأل عما دار في رأسه من محكم ومتشابه، ومن غث وسمين، وإذا فعل فيحرم على المجيب أن يجيب في كل شيء، وإنما يجيب في شيء ينفع السائل، وأما في كل ما يسأل عنه السائل فلا. ثم قال: [وقال ابن مسعود: من أفتى الناس في كل ما يستفتونه فهو مجنون. وقال أيضاً: إذا أراد الله بعبد خيراً سدده، وجعل سؤاله عما يعنيه، وعلمه ما ينفعه. وقال أيضاً: إياكم والتنطع والتعمق، وعليكم بالعتيق] أي: الأمر الأول. ثم قال: [وقال أبو يوسف: العلم بالكلام هو الجهل، والجهل بالكلام هو العلم]. وهناك أناس لا يهدأ لهم بال إلا إذا انطلقت ألسنتهم بالكلام والفلسفة والمنطق، ومعرفة المقدمات والنتائج وغير ذلك، ويظنون أنهم قد بلغوا من العلم مبلغاً عظيماً، وليس الأمر كذلك، بل هذا هو الجهل بعينه إذا لم يكن مضبوطاً بضوابط الشرع. ثم قال: [وقال زيد بن علي لابنه: يا بني! اطلب ما يعنيك بترك ما لا يعنيك]. يعني: أن الوقت والعمر لا يسع إلا لشيء واحد للنافع أو الضار، فإن انشغلت بالضار شغلك عما ينفعك، وإذا انشغلت بما ينفعك لم يبق وقت للسؤال عما يضرك، فإما هذا وإما ذاك. ثم قال: [فإن في تركك ما لا يعنيك دركاً لما يعنيك، واعلم أنك تقدم على ما قدمت لنفسك، ولست تقدم على ما أخرت، فآثر -أي: فقدم- ما تلقاه غداً على ما لا تراه أبداً. وقال يحيى بن معاذ الرازي: إن ربنا تعالى أبدى شيئاً وأخفى أشياء] أي: أظهر لنا شيئاً وأخفى عنا أشياء، والعاقل من انشغل بما أبداه الله تعالى، وترك ما أخفاه الله ، فإن خالف هذا الناموس الكوني فلا بد أنه هالك. ثم قال: [وبلغني عن الحارث المحاسبي أنه كان يقول: سؤال العبد عما لا يعنيه خذلان من الله له]. وقد جاءني سائل ومعه دفتر قد كتب فيه عدة أسئلة تصل إلى واحد وخمسين سؤالاً، ولا يمكن أن ينتفع بسؤال واحد منها. فقال: السؤال الأول: ما اسم أم موسى ﵇؟ فقلت له: هل ستستفيد من هذا السؤال؟ هل أنت مطالب به ومتعبد به؟ وهل سيسألك الله عنه يوم القيامة؟ وتعبت معه كثيراً حتى أقنعته أن هذا السؤال لا ينبني عليه عمل العبد. ثم أخرج الدفتر ووجه إلي السؤال الثاني: ما اسم كلب أهل الكهف؟! فالذين انشغلوا بأسماء وصفات الله أنظف وأشرف منك بألف مرة مع انحرافهم؛ لأنهم انشغلوا بباب من أعظم أبواب الاعتقاد، وضلوا فيه، ولكن الأبعد انشغل بأسماء الحيوانات والنساء والطيور وغير ذلك، وذكر حوالي اثني عشر اسماً توجد في القرآن لا يلزمه معرفتها. وتلك الأسئلة فيها عجائب، لكنه أخذ مني الدفتر عنوة لما ضحكت ضحكاً شديداً على بعض الأسئلة، وكان هذا قديماً، وليتني لم أضحك حتى آتي بالباقي. إذاً: فهذا علمه لا ينفعني، وجهله لا يضرني، وهذا الشخص اتهمني بأنني أصد عن الله ، وعن ذكر الله، وقال: أليست هذه أشياء ورد ذكرها في القرآن، ونحن مطالبون بالتدبر والتفكر في القرآن ومعرفة آياته؟ فأقول: نعم، ولكن كان ينبغي أن يعلم الحلال والحرام، ومع ذلك لو سألته عن الكبائر والصغائر فإنه لا يعرف شيئاً؛ لأنه أخذ هذه المتشابهات التي لا تعنيه أصلاً وجعلها دينه فحسب. ثم قال: [وقال طاوس: إني لأرحم الذين يسألون عما لم يكن؛ مما أسمع منهم. وقال الشعبي: لو أدرك هؤلاء الآرائيون النبي ﷺ لنزل القرآن كله: يسألونك، يسألونك، يسألونك!].

стр. 248

إكثار الأحناف من الرأي والقياس وهناك أناس كثيرون يقول أحدهم: يا شيخ أنا وضعت أموالي في البنك الفلاني، فهل الأرباح هذه حلال أم حرام؟ لو قلت له: حلال، قال: افرض لو أني وضعتها في بنك آخر؟ وندخل بعد ذلك في دوامة كبيرة كلها افتراضات، أرأيت لو كان كذا لكان كذا وكذا، أرأيت لو كان كذا لكان كذا وكذا افتراضات. ولذلك عيب على أهل الرأي وأصحاب المذهب الحنفي كثرة الآراء، فعندما تقرأ في أي كتاب من كتب الأحناف ستجد أن معظم الفقه افتراضات، فمثلاً: الساجد عليه أن يسجد على سبعة أعضاء: الوجه مع الأنف هذا عضو واحد، واليدين والركبتين وأطراف القدمين؛ لأن النبي ﵊ يقول: (أمرنا أن نسجد على سبعة آراب) أي: على سبعة أعضاء، لكن المذهب الحنفي حينما وقف على هذا الحديث قال: افرض أنه سجد على خمسة أعضاء فقط، رجل سجد ورفع أطراف القدمين، فيظل يفرض الافتراضات إلى أن قال: افرض أنه سجد على جبهته فقط دون أنفه، فهذا افتراض ليس له أي قيمة، بل هو مضيعة للوقت، وعبء وثقل في كتب الفقه، وكلام بلا فائدة، ولا يمكن أن يحدث قط، ولذلك من كثرة الافتراضات هناك افتراضات الواقع الآن يكذبها، ويقول: إنه لا أساس لها، كما قالوا أيضاً: افرض أن إنساناً صلى في أرجوحة لا هي معلقة في السماء ولا متصلة بالأرض، هل تصح صلاته؟ قالوا: لا، لا تصح؛ لأن الصلاة يلزمها السجود، والسجود لا بد فيه من المكان، وهذه أرجوحة معلقة في الهواء، والمفترض أنه يسجد على الأرض؛ لأن النبي ﵊ يقول: (إنما جعلت لي الأرض مسجداً) يعني: يسجد فيها (وتربتها طهوراً، فأيما مسلم أدركته الصلاة فعنده طهوره وسجوده) أي: المكان الذي يسجد فيه، قالوا: وهذه ليست أرضاً وإنما هذه أرجوحة. ثم قالوا: وهذا محال لا يتحقق، فإذا بهذا المحال الذي لا يتحقق تحقق الآن، فالطائرة مثل الأرجوحة، فهي تطير في السماء في هذا الوقت، فهم قالوا: ببطلان الصلاة في الأرجوحة، والآن الأحناف المتعصبون يلتزمون مذهب أبي حنيفة في هذه المسألة، فيقولون: إن الصلاة في الطائرة غير صحيحة، وإنما يجمع جمع تقديم قبل ركوب الطائرة أو جمع تأخير بعد النزول، فإذا كان السفر فوق الطائرة مقدار عشرين ساعة فهل أجمع خمسة فروض أم عشرة؟! هذا لا يصح. وانعقد الإجماع من أهل العلم بعد ظهور الطائرات على أن الصلاة فيها صحيحة كالصلاة في السفينة سواءً بسواء، لكن المتعصبون الآن من الأحناف يقولون بالبطلان، وغيرهم يقولون بصحة الصلاة فيها مع الكراهة، ونحن نقول ليس بإمكاننا أن نتخلص من هذه الكراهة، لذلك فهي صحيحة مطلقاً.

стр. 249

تعقيب ابن بطة على آثار السلف المتعلقة بترك السؤال عما لا يعني قال: [فالعجب يا إخواني رحمكم الله! لقوم حيارى تاهت عقولهم عن طرقات الهدى، فذهبت تلج محاضرهم في أودية الردى، تركوا ما قدمه الله في وحيه، وافترضه على خلقه، وتعبدهم بطلبه، وأمرهم بالنظر والعمل به، وأقبلوا على ما لم يجدوه في كتاب ناطق، ولا تقدمهم فيه سلف سابق، فشغلوا به أنفسهم، وفرغوا له آراءهم وأوقاتهم، وجعلوه ديناً يدعون إليه، ويعادون من خالفهم عليه، أما علم الزائغون أن مفاتيح أبواب الكفر، ومعالم أسباب الشرك هو التكلف لما لم تحط الخلائق علماً به، ولم يأت القرآن بتأويله، ولا أباحت السنة النظر فيه، فتزيد الناقص الحقير، والأحمق الصغير، بقوته الضعيفة وعقله القصير أن يهجم على سر الله المحجوب، ويتناول علمه بالغيوب التي أرادها لنفسه ، وطوى عليها علمها دون خلقه، فلم يحيطوا من علمها إلا بما شاء، ولا يعلمون منها إلا ما يريد، فكل ما لم ينزل الوحي بذكره، ولم تأت السنة بشرحه من مكنون علم الله، ومخزون غيبه، وخفي أقداره، فليس للعباد أن يتكلفوا من علمه ما لا يعلمون، ولا يتحملوا من نقله ما لا يطيقون، فإنه لن يعدو رجل كلف ذلك نظره، وقّلب فيه فكره، أن يكون كالناظرين في عين الشمس ليعرف قدرها، أو كالمرتمي في ظلمات البحور؛ ليدرك قعرها، فليس يزداد على المضي في ذلك إلا بعداً، ولا على دوام النظر في ذلك إلا تحيراً، فليقبل المؤمن العاقل ما يعود عليه نفعه، ويترك إشغال نظره وإعمال فكره في محاولة الإحاطة بما لم يكلفه، ومرام الظفر بما لم يطوقه، فيسلك سبيل العافية، ويأخذ بالمندوحة الواسعة، ويلزم الحجة الواضحة، والجادة السابلة، والطريق الآنسة، فمن خالف ذلك وتجاوزه إلى الغمط بما أمر به، والمخالفة إلى ما ينهى عنه؛ يقع -والله- في بحور المنازعة، وأمواج المجادلة، ويفتح على نفسه أبواب الكفر بربه، والمخالفة لأمره، والتعدي لحدوده، والعجب كل العجب لمن خلق من نطفة من ماء مهين، فإذا هو خصيم مبين، كيف لا يفكر في عجزه عن معرفة خلقه؟! أما تعلمون أن الله قد أخذ عليكم ميثاق الكتاب ألا تقولوا على الله إلا الحق؟ فسبحان الله أنى تؤفكون! قال ابن الصواف: سمعت أبي يقول: سمعت بعض العلماء يقول: لو كلف الله هؤلاء ما كلفوه أنفسهم من البحث والتنقير؛ لكان من أعظم ما افترضه عليهم. قال الشيخ: فالزموا رحمكم الله! الطريق الأقصد، والسبيل الأرشد، والمنهاج الأعظم من معالم دينكم، وشرائع توحيدكم، التي اجتمع عليها المختلفون، واعتدل عليها المعترفون، كما قال تعالى: ﴿وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [الأنعام:١٥٣].

стр. 250

مناظرة ابن عباس مع رجل يحاول معرفة أسرار الله في خلقه قال: [قال أبو اليقظان: خرج رجل من أسلاف المسلمين يطلب علم السماء، ومبتدأ الأشياء، ومجاري القضاء، وموقع القدر المجهول، وما قد احتجبه الله من علم الغيوب، التي لم ينزل الكتاب بها، ولم تتسع العقول لها]. قال: [حتى انتهى إلى بحر العلوم، ومعدن الفقه، وينبوع الحكمة عبد الله بن عباس، فلما انتهى بالأمر الذي ارتحل إليه، وأقدمه عليه؛ قال له: اقرأ آية الكرسي، فقرأها حتى بلغ قوله تعالى: ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾ [البقرة:٢٥٥]، قال ابن عباس: أمسك؛ فقد بلغت ما تريد، فقد أنبأك الله أنه لا يحاط بشيء من علمه، قال له الرجل: يرحمك الله! إن الله قد استثنى فقال: ﴿إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾ [البقرة:٢٥٥]، فقال ابن عباس: صدقت، ولكن أخبرني عن الأمر الذي استثناه من علمه، وشاء أن يظهره لخلقه: أين يوجد؟ ومن أين يعلم؟ قال: لا يوجد إلا في وحيه، ولا يعلم إلا من نبيه، قال ابن عباس: فأخبرني عن الذي لا يوجد في حديث مأثور، ولا في كتاب مسطور، أليس هو الذي نبأ الله: لا يدركه عقل، ولا يحيط به علم؟ قال الرجل: بلى، قال ابن عباس فإن الذي تسأل عنه ليس محفوظاً في الكتب، ولا محفوظاً عن الرسل، فقام الرجل -وانتفع بكلام ابن عباس - وهو يقول: لقد جمع الله لي علم الدنيا والآخرة، فانصرف شاكراً لـ ابن عباس]. قال الشيخ: [فاتقوا الله يا معشر المسلمين! وانتهوا عن السؤال والتنقير، والبحث عما يشكك في اليقين، وليس هو من فرائض الدين، ولا من شريعة رب العالمين، ولا تثقل به الموازين، ولا تثق نفوسكم إلى استماع كلام المتنطعين، الذين اتهموا أئمة المسلمين، وردوا ما جاءوا به عن رب العالمين، وحكموا آراءهم وأهواءهم في الدين، ودعوا الناس إلى ما استحسنوه دون كتاب الله وسنة رسوله الأمين ﷺ ]. فقد تقدم عن ابن مسعود عن النبي ﵊: (ألا هلك المتنطعون ثلاثاً).

стр. 251

آثار عن السلف في كراهة القول في المسائل بآرائهم، وتعقيب المصنف عليها قال: [سئل عطاء عن شيء؟ فقال: لا أدري، فقيل له: قل فيها برأيك، قال: إني لأستحي من الله أن يدان في أرضه برأيي. وعن ابن سيرين أنه سئل عن شيء، فقال: أكره أن أقول برأيي، ثم يبدو لي بعد ذلك رأي آخر فأطلبك فلا أجدك. وسئل ابن سيرين أيضاً عن شيء، فقيل له: ألا تقول فيه برأيك؟! فقال: إني أكره أن أجرب السم على نفسي. وقال الأعمش: إنما مثل أصحاب هذا الرأي مثل رجل خرج بالليل فرأى سواداً، فظن أنها تمرة فإذا بها عقرب، فلما التقطها لدغته]. قال الشيخ: [الله الله يا إخواني يا أهل القرآن، ويا حملة الحديث! لا تنظروا فيما لا سبيل لعقولكم إليه، ولا تسألوا عما لم يتقدمكم السلف الصالح من علمائكم إليه، ولا تكلفوا أنفسكم ما لا قوة بأبدانكم الضعيفة، ولا تنقروا ولا تبحثوا عن مصون الغيب، ومكنون العلوم؛ فإن الله جعل للعقول غاية تنتهي إليها، ونهاية تقصر عندها، فما نطق به الكتاب وجاء به الأثر فقولوه، وما أشكل عليكم فَكِلُوه إلى عالمه]. يعني: أوكلوا أمره إلى أهل العلم المتبحرين المتخصصين فيه، ولا تنشغلوا به أنتم. [ولا تحيطوا الأمور بحيط العشواء، حنادس الظلماء، بلا دليل هاد، ولا ناقد بصير، أتراكم أرجح أحلاماً، وأوفر عقولاً من الملائكة المقربين حين قالوا: ﴿لا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ [البقرة:٣٢]؟!] أي: أنهم أوكلوا أمر العلم فيما لا يعلمون إلى الله . ثم قال: [إخواني! فمن كان بالله مؤمناً فليردد إلى الله العلم بغيوبه، وليجعل الحكم إليه في أمره، فيسلك سبيل العافية، ويأخذ بالمندوحة الواسعة، ويلزم المحجة الواضحة، والجادة السابلة -أي: المسلوكة- والطريق الآنسة، فمن خالف ذلك وتجاوزه إلى الغمط بما أمر به، والمخالفة إلى ما نهي عنه؛ يقع -والله- في بحور المنازعة، وأمواج المجادلة، ويفتح على نفسه أبواب الكفر بربه، والمخالفة لأمره، والتعدي لحدوده. والعجب لمن خلق من نطفة من ماء مهين، فإذا هو خصيم مبين، كيف لا يفكر في عجزه عن معرفة خلقه؟ أما تعلمون أن الله قد أخذ عليكم ميثاق الكتاب ألا تقولوا على الله إلا الحق؟! فسبحان الله أنى يؤفكون]. أقول: والعجب أن هذا الباب لم يذكر في كتب الأدب، وإنما ذكر في باب الاعتقاد، وفي أبواب أصول الدين؛ لأن الأمر فيه جدل خطير، ففيه التحذير من قوم يتعمقون، وينقبون ويبحثون عما لا يعنيهم، والتحذير من صحبتهم، والاستماع إليهم وغير ذلك. والناظر لأول وهلة إلى هذا الباب يرى أن كتب الأدب التي تذكر أدب طالب العلم؛ أولى بهذا الباب من كتب الاعتقاد، لكن لما كان هذا الأمر متعلقاً بالمتشابهات من كتاب الله ، وأننا لم نكلف بالبحث عنها، وإنما كلفنا بالإيمان بها، وإمرارها كما جاءت، وإن غاب عنا علمها لكن لا يغيب علمها عامة عن الأمة كلها، بل لابد أن يتكلم فيها أهل العلم، ويقولون فيها قولتهم بما يفتح الله به عليهم. وأما نحن صغار طلاب العلم، أو صغار أهل العلم فإننا لم نكلف بذلك، وحذرنا أيما تحذير من التدخل فيما لا يعنينا؛ لأن هذا أمر يؤدي في نهاية الأمر إلى التشكيك والحيرة في كتاب الله ، وهذا باب عظيم من أبواب الكفر، فلما كان هذا الأمر يؤدي بنا إلى الكفر أراد أهل العلم أن يحافظوا على هذا الأمر، فأوردوه ضمن كتب الاعتقاد؛ لعلاقته بالإيمان والكفر. أسأل الله تعالى أن يحفظني وإياكم من التنطع والجدل والتعمق، وأن يرزقنا وإياكم التمسك بالدين.

стр. 252

الأسئلة

стр. 253

حكم وكيفية صلاة الفريضة في الطائرة السؤال ما حكم صلاة الفريضة في الطائرة؟ الجواب تصح صلاة الفرد في الطائرة إذا لم يتمكن من الصلاة على الأرض؛ وإن كانت لغير القبلة، والأصل في صلاة الفريضة أنها تؤدى باتجاه القبلة، وعلى الأرض، لكن ذلك في الطائرة غير ممكن، والنبي ﵊ كان يصلي النافلة على الدابة يوجهها تجاه القبلة حتى يكبر تكبيرة الإحرام، ثم يدعها بعد ذلك تسير حيث شاءت، فحتى لو انحرفت عن القبلة في النافلة فإن هذا أمر لا يضره، وأما انحراف الدابة عن القبلة في الفريضة فإن هذا أمر لا يجزئ صاحبه، والله تعالى أعلم.

стр. 254

حكم أخذ نسبة معينة من الآكلين في المطاعم زيادة في القيمة وتوزيعها على العاملين السؤال ما حكم العشرة في المائة أو الاثنين في المائة، أياً كانت النسبة التي تفرض على الآكلين في المطاعم زيادة في القيمة، ثم توزع بعد ذلك على العاملين؟ الجواب جائز وحلال لا شيء فيه، ولا يستوي من أكل طعامه وانصرف ليأكل في بيته أو في سيارته، ومن جلس في المطعم فقدمت له زيادات في الخدمة من طعام وشراب وغير ذلك، فهذه النسبة ليس فيها حرج، والبقشيش إذا قدم بطيب خاطر من صاحبه -أي: من الآكل- وبغير أساليب ملتوية من العامل فإنه لا شيء فيه. وأما إذا فعل العامل أفعالاً وتحرك بحركات يفهم منها انتزاع المال من جيب الآكل، فأعطاه المال بسبب هذا الطلب إما بقوله أو فعله؛ فإن الحرج كل الحرج فيه؛ لأنه ما أعطاه بطيب خاطر منه.

стр. 255

معنى قوله ﷺ (من تشبه بقوم فهو منهم) السؤال كثير من الناس يسأل عن قول النبي ﵊: (من تشبه بقوم فهو منهم) ويقول: إذا كنا مأمورين بمخالفة المشركين، أو مخالفة غيرنا من سائر ملل الكفر ولا نقتدي بهم، ولا نتشبه بهم في الهدي الظاهر ولا الباطن؛ فاليهود والنصارى الآن يطلقون لحاهم فهل يجب علينا أن نحلق لحانا؟ الجواب لا، وإنما ضبط هذا الدليل الذي يستدل به السائل: من تشبه بقوم في أصل عادتهم وديانتهم، وليس هو من ديننا، فيكون المعنى: من تشبه بهم في أصل دينهم، أو في أصل عاداتهم المخصوصة بهم وليس من ديننا فليس منا، أي: ليس ذلك من أخلاق المسلمين، وأما إذا قام النصارى في الصباح يصلون معنا في المسجد، ويقومون معنا شهر رمضان فهل نخالفهم حتى لا نتشبه بهم؟! لا؛ لأن هذا من أصول ديننا، فمن أراد أن يتشبه بنا فله ذلك، ولا ينفعه ذلك إلا بعد الإيمان بالله ، وأما إذا تشبه بنا قبل أن يؤمن فإن ذلك لا ينفعه؛ ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر:٦٥]. فلو أن شخصاً صلى أسبوعاً أو أسبوعين أو ثلاثة أسابيع ونحن نعرف أنه نصراني، وقلنا له: هل أسلمت؟ فقال: لا، إذاً فلماذا أنت تصلي؟ قال: أنا أتدرب على الصلاة، وأتعرف عليها، وأرى أحوال المسلمين في المساجد، فهذا لا ينفعه فعله ذلك، وهذه أفعال أهل الشبهات، فهو أتى يجربنا، فلو أن النصارى كلهم اجتمعوا واتفقوا في الكنيسة في كل حي أنهم ينطلقون إلى المساجد يصلون مع الناس، فهل نقوم نحن نخالفهم حينما نرى المسجد مليء بالنصارى ونترك الصلاة، ونقول: ما داموا يصلون فنحن مأمورون بمخالفتهم ولن نصلي؟! هل يصح هذا الكلام؟! لا. إذاً فالأحاديث التي حذرت من التشبه بغير المسلم إنما ذلك فيما يخصه هو من أصل دينه، أو من أصل عادته، والله تعالى أعلم. وكذلك الشارب؛ فقد أمر النبي ﵊ في غير ما حديث في الصحيحين وغيرهما بمخالفة المشركين بإعفاء اللحية، وحف الشارب، وأما حلق الشارب فلا، وأما حلق اللحية فحرام معلوم حرمته، وأجمع على حرمة حلق اللحية فقهاء الإسلام، ولم يخالف في ذلك أحد، حتى نقل غير واحد من أهل العلم إجماع الأئمة الأربعة أبي حنيفة ومالك والشافعي وابن حنبل على وجوب إطلاق اللحية، وحرمة حلقها. وهذا أمر لا يحتاج إلى إجماع؛ لأن هذا أمر معلوم علماً يقينياً عند أهل العلم. فإذا كان النصارى قد أطلقوا لحاهم، وحفوا شواربهم، فهل يجوز أن نحلق لحانا، أو أن نحلق شواربنا؟! لا يجوز ذلك؛ لأن هذا من ديننا، فمن أراد أن يتشبه بنا فله ذلك، وإلا فنحن لا نتشبه بأحد من سائر ملل الكفر بما هو من عادتهم ودينهم، والله تعالى أعلم. وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. سبحانك اللهم بحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.

стр. 256

شرح كتاب الإبانة - التحذير من صحبة قوم يمرضون القلوب [١] لقد حذر السلف الصالح من مصاحبة ومتابعة أهل البدع والأهواء؛ لأنهم أخطر على القلوب من ارتكاب الكبائر، فإن صاحب البدعة يظن أنه قد أحسن عملاً، فلا يوفق إلى التوبة وترك البدعة، بعكس صاحب الكبيرة فإنه لا يظن في نفسه أنه على خير، والندم والإقلاع عن المعصية أرجى له.

стр. 257

باب التحذير من صحبة قوم يمرضون القلوب ويفسدون الإيمان

стр. 258

الفرق بين العلماء الراسخين في العلم والإيمان وبين غيرهم من المبتدئين في الرد على أهل البدع ومناظرتهم إن الحمد لله تعالى، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. وبعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة. أما بعد: تناولنا في الدروس الماضية قضية مهمة جداً، وهي: أن المرء لا يتدخل فيما لا يعنيه، ودرس اليوم متمم لما مضى من أعمال، وهو يتعلق باختيار الصاحب والصديق، والهروب من أبناء السوء، وأصحاب البدع والأهواء. ولأهل العلم من السلف كلام في غاية الروعة والجمال في هذا الباب، وكثير من الناس يتصورون أنه لا يضرهم أن يصاحبوا مبتدعاً، أو أن يتلقوا عن مبتدع، أو يناظروا مبتدعاً أو غير ذلك، مع أن هذا من أكثر أبواب الضلال والفساد التي يمكن أن تواجه طالب العلم، ولعل من الشبهات أن أهل العلم الكبار بعد أن حذرونا أيما تحذير من مصادقة ومجالسة أهل الأهواء والبدع؛ نراهم قد جالسوهم وناظروهم، وبينوا لنا عقائدهم الفاسدة وغير ذلك. فالجواب على هذه الشبهة: أن لأهل العلم الكبار المتثبتين ما ليس لغيرهم من الطلاب الصغار المبتدئين، ففي الوقت الذي يحذرنا فيه أهل العلم من مجالسة أهل الأهواء، أو الإصغاء إليهم، أو إلقاء السمع أو غير ذلك؛ نجدهم يناظرون أهل الأهواء والبدع ويفضحون أمرهم، ويكشفون سترهم من باب النصيحة للأمة، ومن باب التفريق والتمييز بين الحق والباطل. فهذا شيخ الإسلام ابن تيمية عليه رحمة الله يحذر من دراسة الفلسفة والمنطق، مع أنه قد طالع كثيراً في كتب الفلسفة والمنطق. وله قول شهير مشهور: من تفلسف فقد تمنطق، ومن تمنطق فقد تزندق، مع أنه سيد أهل المنطق في زمانه، وإنما تعلم ذلك لتثبته وقوة حجته وتسلحه بالعلم، فلم يكن يخشى عليه الاطلاع في كتب القوم، حتى ولو اطلع في كتب السحر ليرد على السحرة أمرهم؛ فإن هذا أمر جائز ومشروع له، وأما غيره من الطلاب المجتهدين فإن ذلك فيه خطورة عظيمة جداً عليه، وربما انقلب المرء رأساً على عقب من أول الطريق. فهذا الباب يبين مذاهب السلف في هذه المسألة، وهو باب التحذير من صحبة قوم يمرضون القلوب، ويفسدون الإيمان.

стр. 259

آثار السلف في التحذير من مجالسة أهل الأهواء وسماع كلامهم قال المصنف رحمه الله تعالى: [قد أعملتك يا أخي عصمني الله وإياك من الفتن، ووقاني وإياك جميع المحن؛ أن الذي أورد القلوب حمامها، وأورثها الشك بعد اتقائها، هو البحث والتنقير، وكثرة السؤال عما لا تؤمن فتنته، وقد كفى العقلاء مؤنته، وأن الذي أمرضها بعد صحتها، وسلبها أثواب عافيتها، إنما هو من صحبة من تغر إلفته، وتورد النار في القيامة صحبته، أما البحث والسؤال فقد شرحت لك ما إن أصغيت إليه -مع توفيق الله- عصمك، ولك فيه مقنع وكفاية. وأما الصحبة فسيرجع عليك بالنفع طالما إن تمسكت به نفعك، وإن أردت الله الكريم به وفقك، قال الله فيما خص به نبيه ﷺ وحذره منه: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنعام:٦٨]. ثم أذكره ما حذره، وأعاد له ذكر ما أنذره فقال تعالى: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا﴾ [النساء:١٤٠]. عن مجاهد في قوله تعالى: ﴿يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا﴾ [الأنعام:٦٨]، قال: يستهزئون، نهى الله محمداً أن يقعد معهم إلا أن ينسى، فإذا تذكر فليقم، وذلك قوله: ﴿فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنعام:٦٨]. وعن قتادة بن دعامة البصري في قول الله تعالى: ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾ [الأنعام:٦٨] قال: نهاه الله أن يجلس مع الذين يخوضون في آيات الله يكذبون بها، وإن نسي وقعد فلا يقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين. وعن ابن عون قال: كان محمد بن سيرين يرى أن أسرع الناس ردة هم أهل الأهواء، وكان يرى أن هذه الآية أنزلت فيهم: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ [الأنعام:٦٨]. وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: (المرء على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل)]، والخليل: هو الصديق والصاحب. قال: [وعن عطاء قال: أوحى الله إلى موسى ﵇: لا تجالس أهل الأهواء؛ فإنهم يحدثون في قلبك ما لم يكن فيه]. أي: أن لهم تأثيراً شديداً كالسحر في الخلق، فإذا دخل شيء من كلامهم وأهوائهم في قلب المرء أفسده، فنسأل الله أن يحفظك منه. [وعن طلحة قال: سمعت خصيفاً الجزري يقول: أشهد أن في التوراة مكتوباً: يا موسى! لا تجادل أصحاب الأهواء؛ فيمرضوا عليك قلبك بما يرديك فيدخلك النار. وعن محمد بن النضر الحارثي قال: بلغنا أن الله ﵎ أوحى إلى موسى بن عمران ﵇: أن كن يقظاناً -أي كن حذراً متيقظاً- مرتاداً بنفسك أخداناً، فكل خدن لا يواتيك على مسرتي فاحذره]. أي: كل صاحب لك لا يصحبك على ما يحبه الله ، فلا تصاحبه؛ فإنه لك عدو، وهو يقسي قلبك. وعن عطاء قال: بلغني أن فيما أنزل الله على موسى: لا تجالس أهل الأهواء فيحدثوا في قلبك ما لم يكن فيه. وقال أبو قلابة -وهو عبد الله بن زيد الجرمي الإمام البصري الكبير-: لا تجالسوا أهل الأهواء ولا تجادلوهم؛ فإني لا آمن أن يغمسوكم في ضلالتهم، أو يلبسوا عليكم ما تعرفون]. أي: أن مجرد المجالسة له ولو مرة واحدة أنت منهي عن ذلك؛ فضلاً عن مناظرته ومجادلته وخصومته وغير ذلك، فمن باب أولى ألا تفعل ذلك؛ س لأن السلف لم يأمنوا علينا إذا فعلنا ذلك أن ننغمس في البدعة، وأن نتقرب من هواهم، أو يلبسوا علينا، أو يضعونا في دائرة الشك في الثوابت التي لدينا ومنها: شفاعة النبي ﵊، وشفاعة الشافعين جميعاً، فهذه عقيدة استقرت في قلوب العامة والخاصة، حتى إن عامة الناس إذا تحدثوا قال بعضهم لبعض: صلوا على النبي، فهذه عقيدة مستقرة لدى العامة أن النبي ﵊ شفيع لأمته، ووجد في الأمة من ينكر الشفاعة؛ لأن ثقافتهم إنما هي بالصحف والمجلات، ولم يتلقوا علمهم ودينهم من أهل العلم. [وعن عمرو بن قيس الملائي قال: كان يقال: لا تجالس صاحب زيغ فيزيغ قلبك. وعن أبي قلابة قال: قال أبو الدرداء: من فقه المرء ممشاه ومدخله ومخرجه ومجلسه]. أي: من العلامات الدالة على فقه الرجل، وعلى عقله واستقامته: النظر إلى ممشاه، أي: مع من يمشي، ومع

стр. 260

التحذير من الدخول على الأمراء والسلاطين قال: [ولا تدخلن على أمير ولو أن تعظه] أي: ولا تدخلن على أمير ولو زعمت أنك داخل عليه لتغير ما هو عليه من منكر، أو أن تعظه في مسألة أو غير ذلك؛ لأن النبي ﵊ قال: (من بدا جفا، ومن اتبع الصيد غفل، ومن اقترب من السلطان افتتن). ولذلك دخل رجل من أهل العلم في حلقة شيخ وكان السلطان قد أرسل صرة بها مال مع عامل له؛ فتلقاها الشيخ صاحب الحلقة وأنفقها في الطلاب ولم يأخذ منها شيئاً، فلما دخل عليهم ذلك الزاهد قال: يا فلان أقبلت هدية السلطان؟ قال: ألم تر كيف وزعتها؟ قال: أسألك بالله أقلبك عليه الآن كقلبك عليه قبل أن تأخذ الصرة؟ فقال الشيخ: لا والله، وهذه الشهادة مع أنه كان في غنى عنها، لكنه مع ذلك شهد على نفسه بأن قلبه قد تغير، فالاقتراب من السلطان فتنة عظيمة جداً. ونحن نعلم أن بعض الشيوخ كان من أشد الناس في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، بل كان زعيماً لجماعة أسماها: جماعة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأذكر أنه قال على المنبر في عام (١٩٨١م): إن لمصر إلهين: إله في السماء، وإله في الأرض، فإله الأرض هو مجلس الشعب والحكومة، ويرأسهم رئيس البلد ثم ما لبث أن تحول ١٨٠درجة، وصار يتمثل ويتصنع للرئيس ويقول: أنتم لا تعلمون علاقتي بالرئيس؛ إنها علاقة قوية جداً، وقد عرفته عن قرب، حتى طرد فخسر أمواله، وخسر دعوته، وخسر كل شيء. وهذه سنة الله فيمن طلب العلم لغير الله، وفيمن عمل لغير الله، فلابد أن يبتلى، وأعظم البلاء أن ينزل بدينه، فلو نزل بدنياه: بولده، ببدنه، بماله، بأهله فالأمر في كل هذا هين، وأما أن نزل البلاء بدينه، ولو أدنى شعيرة في دينه؛ فهذا الذي كان يستعيذ منه النبي ﵊ حيث قال: (اللهم لا تجعل فتنتنا في ديننا، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا) إلى آخر الدعاء الذي كان يدعو به النبي ﵊.

стр. 261

الفرق بين طلب المحق للعلم وطلب المبطل والمبتدع له [وقال إسماعيل بن عبيد الله: لا تجالس ذا بدعة -أي: صاحب بدعة- فيمرض قلبك، ولا تجالس مفتوناً فإنه ملقن حجته]. ولذلك فإن الطلاب الذين يطلبون العلم الشرعي لا يطلبون مسألة أو مسألتين أو ثلاثاً، وإنما يطلبون علماً أوله كتاب الله، وآخره آخر حديث حسن لغيره قاله النبي ﵊، فدين الإسلام طويل عريض، تكلم به المولى ، وتكلم به النبي ﵊ على مدار ٢٣ سنة، فأنت مطلوب منك أن تدرس هذا، وليست المسألة متعلقة بقضية من القضايا، أو مذهب من المذاهب، فالرجل الذي يطلب العلم ينبغي عليه أن يطلبه بصورة عامة شاملة كلية؛ لأنه دين لا يتجزأ. وأما من ابتدع -تبعاً لهواه- قضية من قضايا الشرع كقضية الجهاد مثلاً، أو قضية التأهيل، أو قضية الإيمان، أو غير ذلك فإنه يدرسها دراسة جيدة محكمة، فيعرف الشبهات التي ترفع إليه، ويحسن الجواب للرد عليها، فالذي يذهب ليناقش أمثال هؤلاء لابد أن يعلم أولاً من أين مخرجهم ومدخلهم وممشاهم، وما هي السبل التي يهتدون عليها، وما هي الشبهات التي يدسونها، وما هي ردود الأفعال لهؤلاء، لابد أن يلاحظ هذا كله حتى يستطيع الرد عليهم، ويظهر عوار هذه الفرقة، فإذا كان طالباً للعلم فله أن يتصدر، وأن يجادل ويخاصم؛ إظهاراً لدين الله بإخلاص. وأما الإنسان المفتون المغرور، الذي ليس عنده من العلم شيء، ولكنه يزعم أنه في كل واد من أهل العلم، ففي اليوم الفلاني يذهب ليجادل فلاناً، وفي اليوم الثاني يذهب ليخاصم فلاناً؛ فلا شك أنه يكون دائماً خاسراً خاطئاً غير ناصر لدين الله ولا لشرعه، بل ربما كان هو أعظم سبب للفتنة في هذا المفتون، لأن عدم رده على هذا المفتون أو الزائغ يعطي انطباعاً أن هذا الزيغ حق، وأن هذا الضلال حق، فيتمثل به صاحب الضلال؛ زعماً أو ظناً منه أنه على الحق، وإذا كانوا على الباطل فما الذي يمنع هذا أن يرد عليهم، وأن يبين أنهم على الباطل. فلما لم يبين وقع المفتون، بل جعله يتمسك أشد التمسك بفتنته وضلاله، وربما يكون الإنسان في أول الأمر يعلم أن هذا ضلال، لكن مع استمراره على الضلال قد يصدق نفسه. وهذه تعتبر سنة كونية في الخلق، كالأحزاب التي تدور على الساحة، فإنها لا يخفى على المسئولين أنها فرقعات مفتعلة، وهم الذين فرقعوها وافتعلوها، لكن مع تقادم الأحداث والقيل والقال والأخذ والرد؛ تجد الرجل الآن يتفاعل ويتعامل مع الأحداث من واقع أنها أحداث حقيقية أحدثها وأوجدها أصحاب الافتراق أو غير ذلك، وإنما أحدثها الغير، فتعاملت مع الغير إما بأنه عدو أو خصم، فهكذا ربما يكون المبتدع أو الضال، فإنه يعلم في أول الأمر أن هذا هو الضلال، لأن هذا الباب شهرة، ويريد أن يشهر ولو بالشر، فمع بقائه في الشر مدة من الزمان يصدق أنه على الحق؛ لأنه قد ألف هذا الطريق هذا الضلال حتى كان يسيراً على قلبه؛ لأن الحق دائماً ثقيل على القلوب. قال: [لا تجالس مفتوناً فإنه ملقن بالحجة]، أي: أن أصحاب البدع يحبون المناظرات لأجل أن يبدءوا بالمناظرة، فإذا فرغ صاحب البدعة من إلقاء ما عنده، وبيان أنه على الحق، ويزور في كلامه حتى يستقر أو يدخل في قلوب المستمعين، ثم بعد ذلك لا يسمح للخصم بالكلام، بل يستعرض الملل، وفي الغالب أنه ينصرف قبل أن يتكلم صاحب الحق، فلا يجد صاحب الحق من يناظره أو يخاطبه أو يجادله، فينصرف هو كذلك، فيكون صاحب البدعة هو الذي يتكلم، وأما صاحب الحق فإنه يرجع بذيول الخيبة والخسارة، والخسارة إنما تكمن في تأثر هذا الجمع باستماع كلام ذلك المبتدع أو الضال.

стр. 262

تابع لتحذير السلف من مجالسة أهل البدع ومجادلتهم وسماع كلامهم [وعن صالح بن مسمار قال: خرجت من البصرة على عهد عبيد الله بن زياد فسمعت المشيخة الأولى وهم يتعوذون بالله من الفاجر العليم اللسان] يعني: صاحب الحجة، وإن كانت حجته باطلة لكنه على أية حال يتخذ لها من الزخارف ما يجملها في أسماع السامعين. [وعن المفضل بن مهلهل قال: لو كان صاحب البدعة إذا جلست إليه يحدثك ببدعته؛ حذرته وفررت منه]. أي: كنت على حذر منه؛ وفررت منه؛ لأنه منحرف عن السنة، فلا حاجة لك باستماع كلامه، فإنه يحدثك بأحاديث التمسك بالسنة في بدو مجلسه، ثم يدخل عليك بدعته، فلعلها تلزم قلبك فمتى تخرج منه؟! فهو يقيدك بالكتاب والسنة أولاً، ثم يبين لك أن ما عليه هو من الضلال والانحراف ليس ضلالاً وإنما هو سنة، فإن لم تشرب أنت هذه البدعة فلا أقل من أن يتزعزع الحق الذي في قلبك، فأنت مهزوم لا محالة. [وعن هشام قال: كان الحسن البصري ومحمد بن سيرين يقولان: لا تجالسوا أصحاب الأهواء، ولا تجادلوهم، ولا تسمعوا منهم. وقال الحسن: لا تمكن أذنيك من صاحب هوى فيمرض قلبك، ولا تجيبن أميراً وإن دعاك لتقرأ عنده سورة من القرآن؛ فإنك لا تخرج من عنده إلا بشر مما دخلت. وعن أيوب السختياني قال: قال لي أبو قلابة: يا أيوب! احفظ عني أربعاً: لا تقل في القرآن برأيك، وإياك والقدر احذر أن تتكلم فيه، وإذا ذكر أصحاب محمد ﷺ ورضي عنهم فأمسك -أي: إذا ذكرت الفتن التي دارت بين أصحاب النبي ﵊ فالسنة أن تمسك فيها لسنانك ولا تتكلم- ولا تمكن أصحاب الأهواء من سمعك فينفذوا فيه ما شاءوا، أي: فيصبوا فيه من الضلال والبدع ما شاءوا. [وقال سعيد بن عامر: سمعت جدتي أسماء تحدث قالت: دخل رجلان على محمد بن سيرين من أهل الأهواء فقالا: يا أبا بكر! نحدثك بحديث، قال: لا]. وربما يقول قائلكم: وما الذي يضر ابن سيرين أن يسمع عنه حديثاً من أحاديث حديث النبي ﵊؟ و الجواب أنه لا يريد أن يسمع منهم شيئاً؛ لأنهم أصحاب هوى، والقلب يتقلب لأنه ملك لخالقه، فالإنسان دائماً يجعل حول قلبه حجاباً من الإيمان؛ حتى لا يقع في براثن الرذيلة، رذيلة الفكر والاعتقاد الفاسد. [قالا: سنقرأ عليك آية من كتاب الله، فقال: لا، لتقومان عني أو لأقومن عنكما]. أي: إما أن تنصرفوا الآن، وإما أن أترك لكم المكان وأنصرف أنا. ومحمد بن سيرين هذا إمام السنة في زمانه، وسيد أهل البصرة، العالم الذي كانت إليه الرحلة في زمانه، وزمن التابعين، ومع هذا ما كان يجادل أصحاب الأهواء والبدع. [وقال هشام بن حسان: قال رجل لـ ابن سيرين: إن فلاناً يريد أن يأتيك ولا يتكلم -أي: أن رجلاً من أهل البدع يريد أن يجلس معك في المجلس، ولن يتكلم معك بكلمة- فقال ابن سيرين: قل لفلان: لا يأتيني، فإن قلب ابن آدم ضعيف، وإني أخاف أن أسمع منه كلمة فلا يرجع قلبي إلى ذاته]. فإذا كان هذا حال ابن سيرين والحسن البصري وغيرهما؛ فنحن من باب أولى يجب علينا أن نتجنب أصحاب الأهواء والزيغ والانحراف. [وقال معمر: كان ابن طاوس -واسمه عبد الله - جالساً فجاء رجل من المعتزلة فجعل يتكلم، قال: فأدخل ابن طاوس أصبعيه في أذنيه، وقال لابنه: أي بني! أدخل أصبعيك في أذنيك واشدد ولا تسمع من كلامه شيئاً]. أي: يأمر ولده أن يدخل أصبعيه في أذنيه؛ مخافة أن يسمع كلمة واحدة من رجل معتزلي. [وقال عبد الرزاق: قال لي إبراهيم بن محمد بن أبي يحيى: أرى المعتزلة عندكم كثيراً، قلت: نعم، وهم يزعمون أنك منهم، قال: أفلا تدخل معي هذا الحانوت؟ قلت: لا، قال: لم؟ قلت: لأن القلب ضعيف، والدين ليس لمن غلب]. أي: قلبي ضعيف، والدين ليس حجة لصاحب اللسان، فإذا كان صاحب فربما غلبني، لكن هل تعني غلبته لي أني على الباطل؟ فكم من إنسان على الحق يعلم أن الذي أمامه على الباطل، لكنه لا يستطيع ولا يملك الحجة. [قال سلام بن أبي مطيع: إن رجلاً من أصحاب الأهواء قال لـ أيوب السختياني: يا أبا بكر! أسألك عن كلمة، قال أيوب وجعل يشير بأصبعه: ولا نصف كلمة ولا نصف كلمة].

стр. 263

العلة في عدم سماع السلف من أهل الأهواء وقد يقول قائل: لماذا لم يسمع أيوب من هذا، فربما أنه كان يريد أن يسأله عن شيء يهتدي به؟ ف الجواب أن أيوب كان فقيهاً؛ وهو يعلم أنه سيقدم بمقدمة عظيمة، فلو أذن أيوب لنفسه أن يصغي سمعه إلى أهل البدع فربما أنه يتأثر به. فالسلف ﵃ لم يتعرضوا لأصحاب الأهواء، وإنما أرادوا أن يبينوا للأمة ولطلاب العلم والعامة أن يحذروا أهل البدع، ولا يجالسوهم ولا يخالطوهم، ولا يؤمنوهم ولا يشاركوهم، ولا يسمعوا منهم ولا نصف كلمة، مع أن أحمد بن حنبل قد ناظر وجادل الجهمية والمعتزلة في زمانه، وفتنته معلومة مشهورة وهي: فتنة خلق القرآن، وغيرها من الفتن، وكذلك محمد بن نصر المروزي، وكذلك الإمام الشافعي مع بشر المريسي وغير واحد من السلف تصدوا لهؤلاء المبتدعين، وكشفوا سترهم، وفضحوهم أيما فضيحة على رءوس الأشهاد؛ لأن الله تعالى كلفهم بذلك، وفرض عليهم ذلك فرض عين؛ لأنهم بلغوا في العلم مبلغاً أهلهم لمثل هذا، فهل كل أحد في الأمة وطلاب العلم على هذا النحو؟ الجواب لا.

стр. 264

باب وجوب التصدي لأصحاب الأهواء وبيان أهوائهم وضلالاتهم للأمة

стр. 265

أهلية المتصدي لأهل الأهواء قال [باب: وجوب التصدي لأصحاب الأهواء وبيان أهوائهم وضلالاتهم للأمة]. إن العلماء الكبار هم الذين يتصدون لذلك وليس طلاب العلم، فطالب العلم اليوم قد يفتن بأن يظن أنه على شيء، وهو في حقيقة الأمر ليس بشيء، وهذه السنين القليلة ليست كافية ولا كفيلة لتوثيق العقيدة فضلاً عن معرفة الشبهات، والرد عليها في دين الله ، ثم يذهب ويفتي نفسه ويجيز لنفسه أن يجادل، وأن يخالط أصحاب البدع، ثم ما يلبث أن ينقلب رأساً على عقب، ويقول: الذي كنت عليه هو الضلال، والذي أنا عليه الآن هو الحق، والدليل على ذلك أن معظم الناس أشاعرة، وأن معظم العلماء أشاعرة، ولو كان مذهب الأشاعرة باطلاً فكيف انتشر في أهل العلم هذا الانتشار؟ والجواب عليه: أن الحق لا يعرف بكثرة الأتباع، وإنما يعرف الحق بمتابعة الكتاب والسنة، والواجب عليه التعرف على الحق أولاً، ولا يجيز لنفسه ذلك وإنما يجيزه العلماء، ولذلك من البلايا العظيمة جداً على الساحة الآن أن الذين كلفوا أن يقودوا الأمة إلى ربها هم الذين يقادون الآن، فالواحد منهم يحرص كل الحرص على أن يلقي على مسامع الناس ما يعجبهم وما يسرهم، وليس هذا طريق السلف ولا الخلف، وإنما طريق الخلف أن يرغم العلماء والمشايخ الناس إرغاماً على تعلم دينهم، وهم أدرى بدين الله من هؤلاء العوام المستمعين، أو طلاب العلم الصغار المبتدئين، فكيف يزكي الطلاب الشيخ؟! فتزكية الصغير لا عبرة بها. فهم يقولون: الشيخ الفلاني صاحب علم، وصاحب هدى، وصاحب سنة، فالذي يقول هذا لزاماً يكون من مشايخه، فهم الذين يأمرونه أن يجلس للتدريس والإفتاء، وليس المستمعون هم الذين يفعلون هذا، فـ مالك ﵀ أو الشافعي أو غيرهما من أهل العلم لم يزكهم طلابهم، فالطلبة الآن هم الذين يزكون، فيرفعون هذا ويخفضون ذاك، ويقولون: هذا معتدل، وهذا مستقيم وهذا ضال! وهذا انتكاس عظيم جداً. ومن أعظم الانتكاس كذلك أن تتخير شيخاً بعينه، فتأخذ عنه كل شيء وتقلده، فهذا مذموم في دين الله ، بل ينبغي عليك أن تسمع واحداً واثنين وثلاثة وأربعة وعشرة، وتختار أصحاب الهدى، وأصحاب الطريق المستقيم، وأصحاب السنة، ولا تسمع من صاحب فتنة، أو صاحب ضلال وانحراف وزيغ يعلم عنه ذلك قديماً وحديثاً، ولا تسمع ممن يغلب على ظنك أنه يبتغي شهرة، أو زعامة أو رئاسة، أو غير ذلك من هذه الأمراض القلبية التي نسأل الله تعالى أن يعافينا وإياكم منها. [قال ابن الحسين: إن طاوساً كان جالساً هو وطلق بن حبيب فجاءهما رجل من أهل الأهواء، فقال: أتأذن لي أن أجلس؟ فقال له طاوس: إن جلست قمنا، فقال: يغفر الله لك أبا عبد الرحمن! فقال: هو ذاك، إن جلست والله قمنا! فانصرف الرجل. وعن عمرو بن ميمون قال: إياكم وهذه الزعانف الذين رغبوا عن السنة، وخالفوا الجماعة]. والزعانف: هي أجنحة السمك، فهم شرذمة شردوا؛ لأن الأصل هو البقاء على السنة، والاستقامة عليها. [وعن سفيان الثوري عن منصور عن مجاهد قال: ﴿يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا﴾ [الأنعام:٦٨]، قال: يكذبون بآياتنا. وعن عبد الله الرومي قال: جاء رجل إلى أنس بن مالك وأنا عنده فقال: أبا حمزة! لقيت قوماً يكذبون بالشفاعة، وبعذاب القبر، فقال: أولئك الكذابون، فلا تجادلوهم].

стр. 266

وجود من يزعزع ثوابت الدين في هذا الزمان وقد صنف رجل كتاباً في (٣٠٠) صفحة في إنكار عذاب القبر، وهذه الـ (٣٠٠) صفحة كلها ضلال، وعذاب القبر ثابت، وهو من عقيدة الموحدين، فالقبر إما روضة من رياض الجنة، أو حفرة من حفر النار، ومن أنكره أسأل الله تعالى أن يدخله في حفرة من حفر النار. وكذلك الشفاعة من أنكرها أسأل الله بأسمائه الحسنى، وصفاته العلى؛ أن يحرمه منها يوم القيامة. ثم نسمع مثلاً خلاف العلماء، ورد الشيوخ بعضهم على بعض على المنابر وفي الدروس والمحاضرات على فرعية من الفرعيات، أذكر أن في سنة ١٩٧٦م أو ١٩٧٧م دارت حرب ضروس في الجمعية الشرعية على الذي كان تاركاً للصلاة ثم اهتدى؛ هل يقضي ما فاته أو لا يقضي؟ فقامت حرب ضروس استمرت ثلاثة أشهر، فهذا يرد على هذا وهذا يرد على هذا، ويأتون بأدلة من المحلى لـ ابن حزم، أو المغني، والمسألة هذه لو أثيرت لا أحد ينتبه إليها هذه الأيام؛ لأن الزعزعة أصبحت في الثوابت الكبيرة، كمسائل الإيمان والصلاة والصيام والزكاة والحج، حتى قال قائلهم: إن الحج ممكن أن يكون في أي يوم من أيام الأشهر الحرم. فأصبحت في الثوابت الكبيرة: في أصول الإيمان وأصول الإسلام، وليس الفرعيات الدقيقة التي اختلف فيها أهل العلم والخلاف فيها معتبر، فالقول بهذا ليس ضالاً، والقول بذاك ليس منحرفاً؛ لأنه مسبوق بكلام أهل العلم، فالزعزعة في هذا الوقت والشك والحيرة والتيه والضلال أصبح في الثوابت التي لم يكن أحد منذ عشرين سنة يجرؤ أن يتكلم فيها، وفي هذا الوقت تصنف فيها مجلدات كبيرة جداً. فتغطية الوجه إما أنها واجبة أو مستحبة، ولم يقل أحد بغير هذين الحكمين، فالذين قالوا بجواز الكشف هم الذين قالوا باستحباب التغطية، فالخلاف في الحكم وليس في العمل، إلى أن ظهر مسلم من المسلمين يفتي برأي فيقول: النقاب حرام وبدعة! ولا يوجد أحد قال بهذا من أهل العلم، ولا من أهل الجهل منذ أكثر من (١٤٠٠) سنة، فهل الأمة أجمعت على الضلال؟ وهل القرون كلها ضالة؟ فهذا الكلام في منتهى النكارة والشذوذ.

стр. 267

تابع تحذير السلف من أهل الأهواء [وعن ابن شوذب قال: قال لي عقيل بن طلحة -وكان لـ طلحة صحبة- هل لقيت عمرو بن عبيد؟ وعمرو بن عبيد هو رأس الاعتزال، وقد كان معروفاً بالزهد، حتى إن الناس اغتروا به، والعوام دائماً لهم الظاهر، وأما أهل العلم فلهم نظرة أبعد من ذلك، فلما اشتهر عن عمرو بن عبيد الزهد وقع في حبائل فكره وانحرافه كثير من العامة. [فـ عقيل بن طلحة سأل ابن شوذب: هل لقيت عمرو بن عبيد؟ فقال: لا، قال: فلا تلقه؛ لست آمنه عليك، وكان عمرو بن عبيد يرى رأي الاعتزال]. [وعن أبي إدريس الخولاني أنه رأى رجلاً يتكلم في القدر، فقام إليه فوطئ بطنه -يعني: وضع رجليه على بطنه- ثم قال: إن فلاناً لا يؤمن بالقدر فلا تجالسوه، فخرج الرجل من دمشق ماشياً إلى حمص]، يعني: هرب إلى بلد آخر ليبث فيها فتنة القدر. [وسئل الشعبي عن مسألة فقال: لا تجالس أصحاب القياس؛ فتحل حراماً أو تحرم حلالاً]. والقياس المذموم الذي يذمه هنا الإمام الشعبي هو القياس على غير أصل، وأما القياس على الأصول العلمية التي قال بها أهل العلم فإن هذا هو القياس المعتبر والمحمود، وهو أصل من أصول الشريعة. [وقال الزبرقان: نهاني أبو وائل شقيق بن سلمة الكوفي أن أجالس أصحاب أرأيت أرأيت]، وهؤلاء يسمون: الآرئيين. [وعن ابن عون عن إبراهيم النخعي قال: لا تجالس بني فلان؛ فإنهم كذابون]. أي: منحرفون، والغيبة هنا جائزة؛ لأنه من باب النصيحة في الدين.

стр. 268

المرء على دين خليله وجليسه وعن الأعمش قال: كانوا لا يسألون عن الرجل بعد ثلاث: ممشاه، ومدخله، وإلفه من الناس]. يعني: إذا عرفوا عن الرجل مع من يمشي؟ ومع من يأكل؟ ومع من يخرج؟ ومن هم أصحابه وأصدقاؤه؟ إذا كان يمشي، ويصادق ويصاحب أصحاب الاستقامة، وأصحاب السنة؛ فإنه لا يسأل عنه؛ لأن المعلوم يقيناً أنه من أصحاب السنة. [وكان الأوزاعي يقول: من ستر عنا بدعته لم تخف علينا ألفته]، يعني: أن الذي يحاول من أصحاب البدع أنه يخفي بدعته فإنه أصحابه هم الذين يخبروننا عنه. [وقال يحي بن سعيد القطان: لما قدم سفيان الثوري البصرة جعل ينظر إلى أمر الربيع بن صبيح -والربيع بن صبيح كان قد رمي بشيء من الإرجاء أو القدر، فجعل سفيان ينظر في الأمر الربيع وقدره عند الناس- فسأل: أي شيء مذهبه؟ قالوا: مذهبه إلى السنة، قال: من بطانته؟ قالوا: أهل القدر، قال: هو قدري]. أي: لما كانت صحبته وألفته مع أصحاب القدر فإنه قدري وإن زعم أنه سني. قال: [رحمة الله على سفيان الثوري؛ لقد نطق بالحكمة فصدق، وقال بعلم فوافق الكتاب والسنة، وما توجبه الحكمة ويدركه العيان، ويعرفه أهل البصيرة والبيان، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ﴾ [آل عمران:١١٨]. وقال الأصمعي: سمعت بعض الفقهاء يقول: إذا تلاحمت بالقلوب النسبة؛ تواصلت بالأبدان الصحبة]. قال الشيخ: [وبهذا جاءت السنة] أي: كما في حديث النبي ﵊: (المرء على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل). وقوله ﵊ كما في حديث أبي هريرة: (الأرواح جنود مجندة، فما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف). [وعن ثابت أن ابن مسعود قال: لو أن الناس جمعوا في صعيد واحد كلهم مؤمنون وفيهم كافران، تآلف أحدهما إلى صاحبه، ولو أن الناس كلهم اجتمعوا في صعيد واحد كلهم كفار وفيهم مؤمنان؛ تألف أحدهما إلى صاحبه]. لأنها أرواح تطير وتهفوا فيقع بعضها على بعض، ولذلك فإن أصحاب المعاصي يحبون أن يمشوا لمع بعضهم، وأصحاب الطاعة يحبون أن يمشوا مع بعضهم، وكلنا نحب أن يكون أبناؤنا من أهل الطاعات، ويصادقون أصحاب الطاعات، فصاحب المعصية لو مشي مع خليله أعانه على المعصية، ولو يمشي مع مؤمن طائع ففي كل حين يسمع منه: هذا حرام، حلال، توجيه، تقريع، نصح، مراقبة. إذاً: فصديقك الحق هو من صدقك لا من صدّقك، فعندما تعمل عملاً غلطاً يذكرك، وعندما تنسى الله يذكرك، وإذا ذكّرته قبل منك، وهذه هي الصحبة التي ينبغي على كل منا أن يعض عليها بالنواجذ لنفسه ولإخوانه. [وعن ابن مسعود قال: الأرواح جنود مجندة، تلتقي تتشاءم كما تتشاءم الخيل، فما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف, ولو أن مؤمناً دخل مسجداً فيه مائة ليس فيهم إلا مؤمن واحد لجاء حتى يجلس إليه، ولو أن منافقاً دخل مسجداً فيه مائة ليس فيهم إلا منافق واحد لجاء حتى يجلس إليه]. قال الشيخ: [هكذا قالت شعراء الجاهلية، كما قال طرفة: تعارف أرواح الرجال إذا التقوا فمنهم عدو يتقى وخليل وقال الفضيل بن عياض: الأرواح جنود مجندة فما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف، ولا يمكن أن يكون صاحب سنة يمالي ويصادق صاحب بدعة إلا من النفاق]، أي: إلا على جهة النفاق.

стр. 269

عدم التساوي بين مجالسة أهل الباطل وبين مجالسة أهل الحق قال: [وقيل للأوزاعي: إن رجلاً يقول: أنا أجالس أهل السنة وأجالس أهل البدع، فقال الأوزاعي: هذا رجل يريد أن يساوي بين الحق والباطل. أقول: صدق الأوزاعي إن هذا رجل لا يعرف الحق من الباطل، ولا الكفر من الإيمان، وفي مثل هذا نزل القرآن، وورد في السنة عن المصطفى ﵊، قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا﴾ [البقرة:١٤] أي: نحن معكم، ﴿وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ﴾ [البقرة:١٤]، فهم مع هؤلاء ومع هؤلاء، لكنهم في حقيقة الأمر كما وصفهم الله: ﴿مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لا إِلَى هَؤُلاءِ وَلا إِلَى هَؤُلاءِ﴾ [النساء:١٤٣]. وعن ابن عمر ﵄ قال: قال النبي ﷺ : (مثل المنافق في أمتي كمثل الشاة العايرة)]. والعايرة: هي الساقطة بين الغنمين تصير إلى هذه مرة، وإلى هذه مرة، لا تدري أيهما تتبع، فهذه غنمة شردت وضلت من صاحبها، فصارت بين غنمين، هذه غنم لشخص وهذه غنم لشخص آخر، فهي تسير بينهما، فمرة تمشي مع هذه، ومرة مع تلك، لكنها متحيرة لا تدري أين يستقر بها المطاف. قال: [كثر هذا الضرب من الناس في زماننا هذا لا كثرهم الله، وسلمنا وإياكم من شر المنافقين، وكيد الباغين، ولا جعلنا وإياكم من اللاعبين بالدين، ولا من الذين استهوتهم الشياطين، فارتدوا ماكثين، وصاروا حائرين].

стр. 270

ضرر السماع من أهل البدع ومجالستهم قال: [وعن ابن سيرين: أن رجلاً أتاه فسأله عن القدر، فقال ابن سيرين: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل:٩٠]. فأعاد عليه الكلام، فوضع محمد يديه في أذنيه، قال: ليخرجن عني، أو لأخرجن عنه. قال: فخرج الرجل، فقال محمد: إن قلبي ليس بيدي، وإني لا آمن من أن يبعث في قلبي شيئاً لا أقدر أن أخرجه منه، وكان أحب إلي ألا أسمع كلامه أصلاً]. ولهذا يحذر أهل العلم من مجالسة أهل الأهواء والبدع. [وعن ابن النضر الحارثي قال: من أصغى بسمعه إلى صاحب بدعة نزعت منه العصمة، ووكل إليها]. فالذي عصمك من الكفر ابتداء وجعلك مسلماً هو الله، والذي عصمك في الإسلام لطريق السنة هو الله ، فلا تختر لنفسك أن تذهب بقدميك إلى أصحاب الأهواء والبدع يلعبون بعقلك وقلبك، فإن فعلت فاعلم أن الله تعالى يتخلى عنك، ويكلك إلى نفسك، فاحفظها أو ضيعها. [وقال يوسف بن أسباط: ما أبالي سألت صاحب بدعة عن ديني أو زنيت]. يعني: أن سؤال أهل البدع عن شيء في الدين هو والزنا سواء، فسؤال أهل البدع معصية وكبيرة من الكبائر، كما أن الزنا كبيرة من الكبائر. وأنا أزيد كلاماً فوق هذا الكلام وأقول: إن مساءلة أهل البدع ومصاحبتهم أشد من الزنا؛ لأن الواقع في هذه البدعة أو في هذا الهوى يعتقد أنه على السنة، وأنه على الحق، ولذلك لا يرجع عنه إلا من وفقه الله، بخلاف أصحاب المعاصي فإن الواحد يزني ويعلم أنه زنا، وأنه يحتاج إلى توبة، كما أن السرقة كبيرة، ورتب الشرع عليها حداً، فالسارق يعلم أنه سارق، ويعلم أنه عاص، ويعلم أنه بارتكابه الكبيرة فاسق قد فقد جزءاً كبيراً من الإيمان، لكن صاحب البدعة يتقرب بزعمه إلى الله بهذه البدعة. ولذلك يقولون: إن البدعة بريد الكفر، أي: البدعة تؤدي إلى الكفر، وصاحب البدعة أحب عند إبليس من ألف من أصحاب المعاصي؛ لأنه يعرف أن أحدهم من الممكن أن يتوب، وأما صاحب البدعة فأنى له التوبة! [وقال مسلم بن يسار: لا تمكن صاحب بدعة من سمعك فيصب فيها ما لا تقدر أن تخرجه من قلبك. وقال الفضيل: صاحب بدعة لا تأمنه على دينك، ولا تشاوره في أمرك، ولا تجلس إليه، ومن جلس إلى صاحب بدعة أورثه الله العمى] يعني: في قلبه. [وقال الفضيل: إن لله ملائكة يطلبون حلق الذكر، فانظر مع من يكن مجلسك، لا يكن مع صاحب بدعة، فإن الله لا ينظر إليه، وعلامة النفاق أن يقوم الرجل ويقعد مع صاحب بدعة. وقال: من جلس مع صاحب بدعة لم يعط الحكمة. وقال: من أحب صاحب بدعة أحبط الله عمله، وأخرج نور الإسلام من قبله. وقال: لا تجلس مع صاحب بدعة؛ فإني أخاف أن تنزل عليك اللعنة. وقال ابن سيرين: لو أني أعلم أن أحدكم يقوم من عندهم كما جلس لم أبالِ. وقال ابن عون: لا يمكن أحد منكم أذنيه من هوى أبداً. وقال الثوري: ما من ضلالة إلا ولها زينة؛ فلا تعرض دينك إلى من يبغضه إليك]. فصاحب البدعة لا بد أنه يحسن لك وجهه القبيح، ولو قال: إنه قبيح؛ لم تقبل منه قبحاً، لا لأنه أثر على نفسه، وأثر على معتقده الزائف الضال، فهو يدخل عليك ببدعته مزينة ومزخرفة ومزركشة، وملونة بألوان جذابة، مرة بآيات من كتاب الله على غير فهم سلف الأمة، ومرة بأحاديث لا يأخذونها بفهم السلف، فإذا كان للسلف فهم لآيات الله، ولأحاديث النبي ﵊؛ فلا يحل لأحد أتى بعدهم أن يخالفهم فيما فهموه؛ لأنهم أصحاب اللغة، والبيان والفصاحة، وهم أصحاب اللسان الذي نزل به القرآن الكريم، وهم أفقه الناس وأعلم الناس بكلام الله، وكلام الرسول ﵊. فإذا كانت المسألة مسألة عقول وأفهام؛ فلا شك أن أفهام السلف خير من أفهام وعقول من أتى بعدهم، فلابد أن تعلم أن فهم السلف لنصوص الوحيين عصمة لك حتى تلقى الله ، فلا تحد عنه قط، والسلف عند الإطلاق هم أصحاب القرون الخيرية، كما في قوله ﵊: (خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم يأتي أقوام بعد ذلك يشهدون ولا يستشهدون) إلى آخر الحديث، يعني: يتكلمون بغير علم. [قال محمد بن الخضر الحارثي: إن أصحاب الأهواء قد أخذوا في تأسيس الضلالة، وطمس الهدى، فاحذروهم. وقال المغيرة عن ابن السائب: قوموا بنا إلى المرجئة نسمع كلامهم. قال المغيرة: فما رجعت حتى علق] أي: تعلق في قلبه شيء من كلام المرجئة، وكان ينبغي ألا يذهب وألا يسمع كلامهم. [وقال الفضيل بن عياض: من تواضع لله رفعه، ومن كان مجلسه مع المساكين نفعه، وإياك أن تجلس مع من يفسد لك قلبك، ولا تجلس مع صاحب هو

стр. 271

شرح كتاب الإبانة - التحذير من صحبة قوم يمرضون القلوب [٢] وردت الآثار الكثيرة عن السلف الصالح تحذر من صحبة قوم يمرضون القلوب؛ إذ إن صحبة هؤلاء عار يوم القيامة، ومجاورة الفاسقين أو اليهود أو النصارى خير من مجاورة هؤلاء، والسلامة كل السلامة في ترك مجالستهم، والخوض معهم في بدعتهم وضلالتهم.

стр. 272

التحذير من صحبة قوم يمرضون القلوب ويفسدون الإيمان الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين. أما وبعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة. وبعد: فلا يزال الكلام موصولاً في: باب التحذير من صحبة قوم يمرضون القلوب، ويفسدون الإيمان. قال المصنف رحمه الله تعالى: [قال الربيع بن سليمان: سمعت الشافعي ﵀ يقول: صحبة من لا يخشى العار عار يوم القيامة]. أي: صحبة الإنسان المتبلد الحس، الذي لا يهمه أن يعيش عيشة كريمة أو مهينة في وسط قوم؛ عار في وجه الصاحب والصديق في الدنيا ويوم القيامة، خاصة إذا كان هذا العار إنما يلحق المرء في دينه لا في أخلاقه وسلوكه؛ إذ إن أعظم العار أن يعير الإنسان في دينه. قال: [وقال عون بن عبد الله: لا تجالسوا أهل القدر ولا تخاصموهم -أي: لا تناقشوهم ولا تجادلوهم-؛ فإنهم يضربون القرآن بعضه ببعض]. وهذه من علامات أهل البدع: أنهم يضربون القرآن بعضه ببعض، فتأتي له بآية فيأتي لك بآيتين، وتأتي له بآيتين فيعطيك عشراً، ولذلك أنتم تعلمون أن هذا خلق مذموم ذمه النبي ﵊، فقد خرج إلى أصحابه ذات ليلة ليخبرهم بليلة القدر، فوجد أن بعض أصحابه قد تلاحوا، أي: تخاصموا وتجادلوا في مسألة ما، فغضب لذلك غضباً شديداً، وقال: (أتضربون القرآن بعضه ببعض وأنا بين أظهركم! والله لقد خرجت لأخبركم بليلة القدر، فلما رأيتكما تتلاحيا ذهبت عني).

стр. 273

تحذير السلف من مجالسة عمرو بن عبيد المعتزلي قال: [وعن شعبة بن الحجاج أبي بسطام قال: كنت عند يونس بن عبيد فجاء رجل فقال: يا أبا عبد الله! تنهانا عن مجالسة عمرو بن عبيد -وهو رأس الاعتزال- وقد دخل إليه ابنك؟ قال: ابني؟! قال: نعم. فتغيظ يونس فلم أبرح حتى جاء ابنه، فقال: يا بني! قد عرفت رأي عمرو بن عبيد ثم تدخل إليه! فجعل الولد يعتذر، فقال: كان معي فلان -أي: من بين اعتذارات الولد أنه قال لأبيه: إن عمرو بن عبيد لم ينفرد به، وإنما كان معه فلان من الناس -فقال يونس: أنهى عن الزنا والسرقة وشرب الخمر، ولئن تلقى الله بهذا أحب إلي من أن تلقاه برأي عمرو بن عبيد]. أي: أنا أنهاكم عن الزنا والسرقة وشرب الخمر، ومع هذا لو زنيت وسرقت وشربت الخمر أحب إلي من أن تلقى الله برأي عمرو بن عبيد، وأحب إلي من أن تلقاه تابعاً لمنهج الاعتزال ولهذه الفرقة الضالة، وليس في هذا تهوين من شأن المعاصي -السرقة، الزنا، شرب الخمر- وإنما هذا فيه بيان فظاعة البدع خاصة إذا كانت في أصل الدين. [قال سعيد بن عامر: ما رأينا رجلاً قط كان أفضل من يونس. وقال أيوب: ما عددت عمرو بن عبيد عاقلاً قط]. أي: ما ظننت في يوم أنه عاقل قط؛ لأنه كان يتكلم بكلام أهل القدر والاعتزال، وهو كلام لا يدل على سلامة العقل.

стр. 274

آثار السلف في أن مجاورة الحيوانات المستقذرة خير من مجاورة أهل البدع قال: [وقال أبو الدرداء: لئن تجاورني القردة والخنازير في دار أحب إلي من أن يجاورني رجل من أهل الأهواء وقد دخلوا في هذه الآية: ﴿وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الأَنَامِلَ مِنَ الغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ [آل عمران:١١٩]]. فهذه الآية أصلاً نزلت في الكفار، لكن أجراها أبو الدرداء على أهل البدع، فقال: وجه الشبه كبير جداً بين أهل البدع والضلالات وبين أهل الكفر، ولذلك لو جلست مع إنسان من أهل البدع فلابد أن تسمع منه كلاماً أحلى من العسل، بل ويثني عليك خيراً، فإذا قمت سلقك بألسنة حداد، وهذا شأنهم؛ لأن النفاق أسرع إلى الكافرين وأصحاب الأهواء، بخلاف أهل السنة فإنهم يتقربون إلى الله ﵎ بالصدق، ويعلمون أن الصدق طريق البر، وأن البر يهدي إلى الجنة. قال: [وقال أبو موسى الأشعري: لئن أجاور يهودياً ونصرانياً وقردة وخنازير أحب إلي من أن يجاورني صاحب هوى يمرض قلبي].

стр. 275

استحباب السلف أن يكون بينهم وبين أهل البدع حاجز وسد منيع قال: [وقال الفضيل: أحب أن يكون بيني وبين المبتدع حصن من حديد]. هذا هو الفضيل بن عياض الذي لو جلس مع آلاف المبتدعة فإنهم لا يضرونه شيئاً، بل إن أهل البدع يهابون مجالسة الفضيل، ومع هذا فإنه يقول: لأن يكون بيني وبين أصحاب الأهواء حصن من حديد أحب إلي من أن تكون سبل المجاورة مفتوحة بيني وبينهم، وهذا مع سلامة معتقده، وصحة منهجه، وتبحره في العلم، وإيمانه العظيم وغير ذلك، فما بال الذي فقد المؤهلات التي كانت بين جنبي الفضيل، وأخذ يتصدى لهم، بل ويطالب بالتصدي لهم؟! إن هذا أمر على خلاف ما كان عليه سلفنا ﵃.

стр. 276

تفضيل السلف للحيوانات المحتقرة على المبتدعة قال: [وقال شريك: لئن يكون في كل قبيلة حمار أحب إلي من أن يكون فيها رجل من أصحاب أبي فلان، يقصد رجلاً مبتدعاً بعينه]. وهذا يدل على جواز غيبة الفاسق المبتدع الذي يجاهر ببدعته؛ حتى يحذره الناس، وهذا من باب النصيحة في الدين، كما في هذا النص: أن الحمار أفضل وأشرف من أصحاب الأهواء والبدع؛ إذ إن للحمار منفعة عظيمة على الأقل، فتحمل عليه متاعك، ويحملك من بلد إلى آخر، وأما المبتدع فلا فائدة فيه، بل المضرة كلها تأتي من قبله، ولذلك فضِّل الحمار على أصحاب البدع.

стр. 277

تحذير السلف من مجاورة أهل البدع في السكنى قال: [وقال أحمد بن سنان: إذا جاور الرجل صاحب بدعة أرى له أن يبيع داره إن أمكنه ذلك]. أي: إذا كنت مجاوراً لرجل من أهل البدع فأحب إلى الله أن تهجر هذا المكان، وهذا كان شأن أهل العلم حتى في مجرد المعصية لا في البدع والضلالة الكبرى فقط. وقد جاء عن أحمد بن حنبل ﵀: أنه كان إذا دعي إلى عرس أو غيره فذهب فوجد معصية لله ترك المكان وانصرف، وهذا في مجرد المعصية التي ربما لا تضر بصاحبها كثيراً مقارنة بأصول الابتداع في الدين، فإن هذا أمر شنيع أيما شناعة؛ لأن صاحب المعصية يفعلها ويعلم أنها معصية، وهو إلى التوبة أسرع، بخلاف صاحب الهوى والابتداع في الدين؛ فإنه يعتقد أنه على الحق، ولذلك يزداد صلابة وقوة وتمسكاً لبدعته، وقل أن يرجع إلا إذا وفق لرجل من أهل السنة يأخذ بيديه بعد طول عناء، فربما يوفق للتوبة وربما لا يوفق، والغالب أن أصحاب البدع لا يوفقون إلى التوبة، ولذلك جاء عند ابن ماجه وغيره أن النبي ﵊ قال: (إن الله احتجر التوبة عن كل صاحب بدعة حتى يدع بدعته)، أي: أن المطلوب أن يدع البدعة أولاً، ثم بعد ذلك يتقبل الله منه، كما في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْواهُمْ﴾ [محمد:١٧]، فهم يتخيرون ويسلكون طريق الهداية أولاً، والله تعالى بعد ذلك يوفقهم إذا علم منهم حسن نيتهم، وتوجههم الصحيح إليه. وقول أحمد بن سنان هذا شبيه بقول شيخ الإسلام ابن تيمية في كتاب: اقتضاء الصراط المستقيم، وذلك في معرض كلامه عن حرمة مشابهة أهل الكتاب، فقال: ويقرب منهم أهل البدع. أي: لما تكلم عن حرمة بيع الدور والمحلات وغيرها للنصارى؛ قال: وجه الحرمة أنه يرفع شعار الكفر عليها، أي: يضع الصليب على باب البيت، أو يضع صورة اليسوع، أو صورة مريم رحمها الله، وهذا فيه إظهار لشعائر الكفر، ولذلك حرم شيخ الإسلام ابن تيمية وغيره من أهل العلم أن يتعامل المسلم مع الكفار في أن يبيع له داراً، أو يمكنه من إظهار شعار الكفر.

стр. 278

تحذير النبي ﷺ من الاقتراب من المسيح الدجال أصل في التحذير من الاقتراب من أهل الشر قال: [إذا جاور الرجل صاحب بدعة أرى له أن يبيع داره إن أمكنه وليتحول -أي: لينتقل إلى مكان آخر- وإلا أهلك ولده وجيرانه، فنزع ابن سنان بحديث النبي ﷺ : (من سمع منكم بـ الدجال فلينأ عنه)، أي: من سمع منكم بظهور المسيح الدجال فليهرب عن مكانه الذي نزل فيه، (فإن الرجل يأتيه وهو يرى أنه كاذب فيتبعه لما يرى من الشبهات). وأنتم تعلمون أن الدجال أعظم فتنة بين يدي الساعة؛ لما يرى الناس بأعينهم من فتنته التي لا يمكن أن يصبر عليها أحد، بل الناظر لأول وهلة فيما يأتي به الدجال يصدقه، فيزعم أنه نبي، ثم يزعم أنه إله، وفي زعمه النبوة خلاف بين أهل العلم، والراجح أنه يزعم أنه إله، ويأتي بأفعال إنما هي من خصائص إلهية، ولكن الله مكنه من ذلك فتنة للناس، ولم يتركهم هكذا، وإنما بين لهم خطره، وبين لهم ماذا سيصنع، فإنه يجوب الأرض شرقاً وغرباً في أربعين، وخطوته عند منتهى بصره، وهذا شيء خارق للعادة. والأمر الثاني: أنه يكون في إحدى يديه خبز، وفي الأخرى نار، فأما الذي هي نار فهي في الحقيقة خبز، وأما التي فيها خبز فهي النار، ويدعو الناس في وقت جذب وفقر وقحط أن يأكلوا من يده التي بها الخبز، فيطعمهم النار وهم لا يعرفون؛ لأن الناس تقبل على الخبز وتخاف من النار. وهو يوقف على مشارف مكة والمدينة فلا يدخلهما، وهذه خاصية للبلدين الشريفين، فيخرج إليه عالم من علماء المدينة في آخر الزمان، فيضربه بالسيف حتى يسقط على الأرض فلقتين، ويمشي بين الفلقتين والناس ينظرون، وهو يقول: أما ترون؟ أي: أما ترون أن هذا الرجل قد شق نصفين؟ ثم يدعوه فيقوم، أي: يقول له: قم فيقوم، فيقف أمامه حياً، ولا يفعل هذا إلا إله وذلك قد سبقه إليه عيسى ابن مريم، لكن عيسى بن مريم إنما فعل ذلك بإذن الله وأمر الله وإرادة الله وليس من عنده، فـ الدجال فعل ذلك ليصدق الناس أنه إله؛ لأن الإله هو الذي يحي الموتى، فهذا قد أماته وأحياه في نظر الجهال، ولكن هذا العالم الذي خرج إليه قال له: والله ما ازددت فيك إلا بصيرة، فأنت المسيح الدجال الذي حذرنا منك النبي ﵊. فيذكر الإمام هنا أن مجاورة أصحاب الأهواء والبدع كالسعي خلف المسيح الدجال، وهو قريب، فهذه فتنة وتلك فتنة أخرى، ويجمعهما أنهما فتنتان. والعجيب قوله: (فإن الرجل يأتيه وهو يرى أنه كاذب)، أي: أن الرجل يذهب إلى المسيح الدجال وهو على يقين أنه إنسان كاذب، (ثم ما يلبث أن يتبعه؛ لما يرى من الشبهات)، وهب أنه لم يتبعه فإنه لا يمكن أن يرجع من عنده سالماً، بل الشكوك والشبهات قد أكلت قلبه وعقله، ولذلك الواحد من أهل السنة الذي يتأهل للخصومات والمنازعات والمناظرات والمجادلات إنما يذهب فيعرض نفسه للفتنة، فيسمع الشبهات من أصحاب الأهواء، وبعد أن كان عنده يقين جازم أن هؤلاء على الضلال والبدعة فإذا به يرجع وقد اقتنع بكلامهم، أو على الأقل عذرهم فيما هم عليه؛ لما عندهم من الشبهات، والذي فيه خير يرجع متشككاً يبحث عن إجابة لهذه الشبهات إما في بطون الكتب، وإما بالاتصال بأهل العلم وغير ذلك، والمهم: أنه كلف نفسه ما لا يطيق، فأذل نفسه وأذل دينه في قلبه. ولذلك قال النبي ﵊: (لا ينبغي لأحدكم أن يذل نفسه، قالوا: كيف يذل أحدنا نفسه يا رسول الله؟! قال: يعرض نفسه لما لا يطيق)، فهذا باب من أبواب الذل: أن تتصدى لما لا تحسنه، ولذلك يقول العلماء: لو أن الجاهل سكت لقل الخلاف، أي: لو قال: أنا جاهل لا أعرف شيئاً؛ فسيقل الخلاف جداً، لكن قضية واحدة عرضت على مائة جاهل، ولكل جاهل فيها قول، وكل الأقوال مطرحة لا قيمة لها، إذ إنها كلام الجهال لا يبنى على دليل، ولو أن كل متخصص في فن يجيده تصدى له دون غيره لكان الأمر أحسن من ذلك بكثير. قال: [وعن عمران قال: قال النبي ﵊: (من سمع منكم بخروج الدجال فلينأ عنه -أي: فليبتعد منه ما استطاع- فإن الرجل يأتيه وهو يحسب أنه مؤمن، وما يزال به حتى يتبعه؛ لما يرى من الشبهات).

стр. 279

تعقيب المؤلف على الآثار التي أوردها في التحذير من مجاورة المبتدعين قال: [هذا قول الرسول ﵊، وهو الصادق المصدوق، فالله الله يا معشر المسلمين! لا يحملن أحداً منكم حسن ظنه بنفسه، وما عهده من معرفته بصحة مذهبه على المخاطرة بدينه في مجالسة بعض أهل هذه الأهواء، فيقول: أداخله لأناظره، أو لأستخرج منه مذهبه، فإنهم أشد فتنة من الدجال، وكلامهم ألصق من الجرب، وأحرق للقلوب من اللهب، ولقد رأيت جماعة من الناس كانوا يلعنونهم ويسبونهم، فجالسوهم على سبيل الإنكار والرد عليهم؛ فما زالت بهم المباسطة -أي: ينبسط بعضهم إلى بعض في المجالس- وخفي المكر، ودقيق الكفر حتى صبوا إليهم]. أي: حتى مالوا إليهم وصاروا منهم، مع أنهم ذهبوا إليهم ليجادلوهم، وليستخرجوا مذاهبهم، ويعلموا ما عندهم من باطل للرد عليهم، ثم ما لبثوا أن وقعوا فيما وقعوا فيه؛ بسبب شبهات كانت أقوى منهم.

стр. 280

شؤم الاقتراب من أهل البدع ومجالستهم والتحذير من ذلك قال: [وعن المغيرة قال: خرج محمد بن السائب وما كان له هوى -أي: أنه كان صاحب سنة ولم يكن صاحب بدعة- فقال: اذهبوا بنا حتى نسمع قولهم -أي: قول القدرية- فما رجع حتى أخذ بها، وعلقت بقلبه. قال: وعن البتي قال: كان عمران بن حطان رجلاً من أهل السنة المتمسكين الداعين إليها، فقدم غلام من أهل عمان مثل البغل، فقلبه في مقعد -أي: في جلسة واحدة- ويقال: إن انقلاب عمران بن حطان ليس على يدي هذا الغلام، وإنما على يد امرأة جميلة تزوجها، وكانت من أهل القدر -أي: ممن تنكر القدر- فقال عمران: أتزوجها وأجتهد عليها]. وهذه شبهة أيضاً لإخوة يتزوجون بنات متبرجات، والمهم أنها بنت جميلة، وشعرها أصفر، وعيونها خضر، ويقول: هذه هي عروسة المستقبل، وأما مسألة الحجاب والنقاب فهذه مسائل سهلة نستطيع أن نجتهد عليها إن شاء الله، وإنما أخذ بلبه وفؤاده جمالها، وإذا بها تجتهد عليه فيترك الصلاة والصيام والالتزام وكل شيء. فـ عمران بن حطان قال: أتزوجها واجتهد عليها أيما اجتهاد، لكن الذي حصل أنها أخرجته من السنة وأدخلته في البدعة، وذلك بعد أن كان داعية إلى السنة وليس سنياً فقط. وقوله: (فقدم غلام من أهل عمان مثل البغل). هذه صفة مشتركة بين أهل البدع جميعاً، إما في عقله، وإما في بدنه. قال: [وقال أحمد بن أبي الحواري: قال لي عبد الله بن بسر -وكان من الخاشعين، ما رأيت قط أخشع منه-: ليس السنة عندنا أن ترد على أهل الأهواء، ولكن السنة عندنا ألا تلكم أحداً منهم]. هذا هو منهج أهل السنة، لذا ينبغي علينا أن نحذر من أهل البدع، فلا أحد ينتخب واحداً منهم، ولا أقول: نذهب ننتخب الباقين، لا، فنحن نعتقد أن هذا المجلس مجلس كفري لا ينبغي لمسلم قط أن يشارك فيه، والإمام الشافعي يقول: من شرع فاستحسن فقد أشرك، فهذا المجلس ليست له أدنى مشروعية في دين الله ، لكن إذا تحتم الأمر اتركوا الناس ينتخبون من أرادوا، لكننا نحذر دائماً من أهل البدع، والصراحة أن هذا رجل من أساتذة الشيعة الكبار هناك، فلماذا يدخل المجلس؟ حتى يؤصل للتشيع في داخل المجلس، ويطالب بحقوق الشيعة في البلد، ونحن لا نتعرض لـ رجب ولا لغيره من رءوس الشيعة هنا، وإنما نحذر منهم من بُعد؛ التزاماً بما كان عليه سلفنا في نهجهم مع أصحاب البدع. قال: [ليس السنة عندنا أن ترد على أهل الأهواء، ولكن السنة عندنا ألا تلكم أحداً منهم؛ حتى لا تفتن]. قال: [وعن أيوب أنه قال: لست براد عليهم بشيء أشد من السكوت]. أي: إذا أردت أن تغيض واحداً منهم فلا ترد عليه، حتى ينصرف في الأخير وهو محروق القلب.

стр. 281

كتاب الإمام أحمد إلى رجل أراد أن يناظر المبتدعة بألايفعل قال: [وكتب رجل إلى أبي عبد الله أحمد بن حنبل ﵀ كتاباً يستأذنه فيه أن يضع كتاباً يشرح فيه الرد على أهل البدع، وأن يحضر مع أهل الكلام فيناظرهم، ويحتج عليهم]، وهذا الرجل مؤدب جداً، ويبدو أنه كان من أقران أحمد بن حنبل، أو من تلاميذه. قال: [فكتب إليه أحمد فقال: بسم الله الرحمن الرحيم، أحسن الله عاقبتك، ودفع عنك كل مكروه ومحذور، الذي كنا نسمع وأدركنا عليه من أدركنا عليه من أهل العلم أنهم كانوا يكرهون الكلام والجلوس مع أهل الزيغ، وإنما الأمور في التسليم والانتهاء إلى ما كان في كتاب الله، أو سنة رسوله ﷺ ، لا في الجلوس مع أهل البدع والزيغ لترد عليهم، فإنهم يلبسون عليك -أي: في نفس الوقت- وهم لا يرجعون -أي: عن بدعهم وأهوائهم- فالسلامة إن شاء الله في ترك مجالستهم، والخوض معهم في بدعتهم وضلالتهم، فليتق الله امرؤ، وليصر إلى ما يعود عليه نفعه غداً من علم صالح يقدمه لنفسه، ولا يكن ممن يحدث أمراً، فإذا هو خرج منه أراد الحجة]. أي: حتى لو نجا من الجلوس مع البدع فإنه سينجو وفي ذهنه شبهات القوم، فلا يسأل عن الحجة والدليل والبرهان، فما الفرق بينه وبين أصحاب الأهواء إلا درجة؟! فالشبهات قد استقرت عنده، لكنه لا يزال يرفض النهج كله، وإنما أصابته شبهات القوم، فهو يسأل عن الحجة. قال: [فيحمل نفسه على المحال فيه، وطلب الحجة لما خرج منه بحق أو بباطل؛ ليزين به بدعته وما أحدث، وأشد من ذلك أن يكون قد وضعه في كتاب قد حمل عنه، فهو يريد أن يزين ذلك بالحق والباطل، وإن وضح له الحق في غيره، ونسأل الله التوفيق لنا، ولك والسلام عليك]. فانظر إلى نصيحة الإمام أحمد بن حنبل لرجل من أصحاب القرن الثالث، وهو من القرون الخيرة أصحاب العلم والفضل والعبادة وغير ذلك، وقد كان عندهم من الأعمال التي تحصنهم بين يدي الله الكثير، ومع هذا كل منهم ينصح الآخر، والآخر هذا لا يقل عنه في الإمامة في الدين، فقد كان ينصحه بعدم الجلوس إلى أصحاب الأهواء، وكثير كثير جداً من أصحاب الأهواء إنما ذهب في هذا الهوى بسبب مصاحبة هؤلاء، ومصادقتهم، أو مجالستهم أو غير ذلك. وأذكر قديماً سنة: (١٩٧٤م) و (١٩٧٥م) لما انتشر فكر التكفير في بلادنا، كنا نسمع عن جماعة التكفير، فحب الاستطلاع والاستشراف كان يدفع الواحد منا إلى أن يجلس مع هؤلاء، ومعلوم أن عندهم آيات وأحاديث معينة لا يتعدونها، فتخرج من عنده وتقول: والله إن كلامه حق، وبصراحة إن كلامه طيب، ثم يقول لك: أنا سأسافر يومياً لحضور الدرس معهم. فأنا قلت في يوم من الأيام سنة ١٩٧٦م -وأنا في الثانوية العامة بعد مقتل الذهبي بثلاثة أيام-: أحضر الدرس أنا وزملائي وأرد عليهم، فحضرت درساً لزعيم من زعمائهم وهو يشرح صحيح مسلم، فقال: الإمام النووي يقول في شرح حديث: (الحكمة يمانية والفقه يمان، أتاكم أهل اليمن هم أرق أفئدة وألين قلوباً)، يقول: أهل اليمن. المقصود بهم: أهل المدينة! وهذا كفر بالإجماع! فقلت له: ما الذي يكفره بهذا؟ هب أنه أخطأ، فهل يقال للمخطئ: أنت كافر؟ فقال لي: ما اسمك؟ فقلت له: معرفة اسمي وعنواني ليست قضية، فأنت تتكلم في العلم في هذا الوقت، قلت له هاتين الكلمتين، ولم أفق بعدها إلا بساعتين أو ثلاث إلا وأنا خارج المسجد، والمسجد مقفل ولا أحد بجواري نهائياً، فقلت: هذا هو الطريق، المطلوب أننا نشرب ولا نرد. وبعد ذلك لما وقفت على كتاب الشريعة للإمام الآجري وهو يتكلم في نفس الباب: التحذير من صحبة قوم يمرضون القلوب، والتحذير من مجالسة أهل البدع، عرفت أن هذا هو الحق. يا إخواني! أنا أحترم جداً كلمة: على منهج السلف؛ لأنها عصمة من الله ، فالذي عملوه نحن نعمله، وهم أعلم منا، بل هم أولى مننا بالعلم، وأفضل منا، وأعبد منا، وأتقى منا، وأعرف منا، وكل المؤهلات قد اجتمعت فيهم، وإذا كانت الأمة لا تجمع على الضلال فمن باب أولى ألا يجمع على الضلال أصحاب القرون الخيرية، وإذا كان الله تعالى بين أن الخير في هذه الأمة فالمخاطب بذلك أولاً هم الصحابة ﵃، لذا فالمهم دائماً أن تجعل بينك وبين سلفك حبلاً ممدوداً متصلاً مرتبطاً بهم كل الارتباط، ولو حلت عقدة من هذا الحبل لانحلت عقدة من دينك، فلابد أن تتأكد من صلتك بسلفك.

стр. 282

جملة من آثار السلف في التحذير من مجالسة أهل البدع وسماعهم وزجرهم عن ذلك قال: [وسمعت عبد الرحمن بن مهدي وذكر الصوفية فقال: لا تجالسوهم، ولا أصحاب الكلام، عليكم بأصحاب القماطر]. وأصحاب القماطر: هم أصحاب الدفاتر، وكأنه يريد أن يقول: عليكم بأصحاب الحديث؛ لأن أصحاب القماطر إنما معهم أحبار وألواح يكتبون فيها، وهي صفة أصحاب الحديث. وإياكم ومجالسة أصحاب الأهواء، وأصحاب الكلام، وأصحاب التصوف، قال: [عليكم بأصحاب القماطر، فإنهم بمنزلة المعادن مثل الغواص هذا يخرج درة، وذاك يخرج قطعة ذهب. قال: [وعن ابن سيرين: أنه كان إذا سمع كلمة من صاحب بدعة وضع أصبعيه في أذنيه، ثم قال: لا يحل لي أن أكلمه، حتى يقوم من مجلسه. قال: وعن صالح المري قال: دخل على ابن سيرين فلان -يعني: رجلاً مبتدعاً- وأنا شاهد، ففتح باباً من أبواب القدر فتكلم فيه -أي: هذا المبتدع-، فقال له ابن سيرين: أحب لك أن تقوم وإما أن نقوم]. أي: إما أن تنصرف أنت الآن وإما انصرفنا. وأنا أريد أن أسأل سؤالاً: هل ابن سيرين لم يكن يستطيع أن يرد عليه ويلقمه حجراً؟ لا، فـ ابن سيرين تربية الصحابة، وهو من كبار التابعين في البصرة، فما الذي يمنعه أن يلقم هذا المبتدع حجراً إلا أنه علم أن الأصل عند سلفه من الصحابة هجران وترك مجالسة ومكالمة ومحادثة أصحاب الأهواء، فأراد أن ينهج سير أصحابه من أصحاب النبي ﵊، ومن كبار التابعين. قال: [وقال ابن عون: من يجالس أهل البدع أشد علينا من أهل البدع]. يعني: فأهل البدع أمرهم معروف ومفضوح، لكن الخشية كل الخشية من إنسان يجالسهم؛ لأنه لا يأمن أن ينجرف في هواهم. قال: [وعن يحيى بن أبي كثير قال: إذا لقيت صاحب بدعة قد أخذ في طريق فخد في طريق آخر]. وأنتم تعرفون حديث: (ما سلكت يا عمر فجاً إلا سلك الشيطان فجاً غير فجك)، وهكذا أصحاب البدع إذا رأيته في طريق فاسلك طريقاً آخر. قال: [وعن إسحاق بن إبراهيم بن هانئ قال: سألت أبا عبد الله عن رجل مبتدع داعية يدعو إلى بدعته: يجالس؟ قال: لا يجالس، ولا يكلم؛ لعله يتوب. أي: ينبغي أن ينفض عنه جميع الناس؛ لعله يتأثر بذلك فيتوب]. قال: [وقال الإمام أحمد بن حنبل: أهل البدع ما ينبغي لأحد أن يجالسهم، ولا يخالطهم، ولا يأنس بهم. قال: [وعن أيوب السختياني أنه دعي إلى غسل ميت فخرج مع القوم، فلما كشف عن وجه الميت عرفه -أنه من أهل البدع- فقال: أقبلوا قبل صحابكم، فلست أغسله، رأيته يماشي صاحب بدعة]. أي: أنه ليس مبتدعاً جزماً، وإنما رأيته يماشي أصحاب البدع، ولذلك ترك غسله، والصلاة عليه، لا لكفره، وإنما لبدعته، وحتى يكون في ذلك أعظم زاجر للناس عن أن يماشوا، أو يجالسوا أو يحاكوا أصحاب البدع.

стр. 283

بيان أن المرء يجالس ويألف من كان على شاكلته قال: [وقال عبد الله بن مسعود: إنما يماشي الرجل ويصاحب من يحبه، ومن هو مثله]. وفي الحديث: و (المرء على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل). وقال الشاعر: عن المرء لا تسأل وسل عن قرينه فإن المقارن بالمقارن يقتدي وقال: [اعتبروا الرجل بمن يصاحب، فإنما يصاحب من هو مثله. قال شعبة: وجدته مكتوباً عندي فإنما يصاحب الرجل من يحب]. أي: وجد في كتاب مكتوباً عنده: إنما يصاحب الرجل من يحب. [وقال ابن مسعود: اعتبروا الناس بأخدانهم -أي: برفقائهم وأقرانهم-؛ فإن الرجل لا يخادن إلا من يعجبه نحوه]. أي: من يعجبه طريقه ومنهجه ومسلكه. وقال: [اعتبروا الناس بأخدانهم، المسلم يتبع المسلم، والفاجر يتبع الفاجر]. قال: وعن المدائني قال: قيل للبيد -وهو لبيد بن ربيعة العامري الشاعر الكبير- بعد ما أسلم: مالك لا تقول الشعر؟ -لأن لبيداً لما أسلم قلل جداً من الشعر- فقال: إن في البقرة وآل عمران شغلاً عن الشعر، إلا أني قد قلت بيتاً واحداً -أي بعد إسلامه-: ما عاتب المرء الكريم كنفسه والمرء يصلحه الجليس الصالح] والنبي ﷺ قد ضرب لذلك مثلاً فقال: (مثل الجليس الصلح وجليس السوء كحامل المسك، ونافخ الكير)، مع أن نافخ الكير هذا ربما يكون في باب المعاصي، لكن الحديث محمول على جميع المعاصي والأهواء، (فأما الجليس الصالح -وهو حامل المسك- فإما أن تبتاع منه -أي: تشتري منه المسك والطيب- وإما أن تجد منه ريحاً طيباً، وأما جليس السوء -هو نافخ الكير- فإما أن يحرق ثيابك)، فإنك لو جلست بجوار حداد ينفخ الكير فإنه لابد من شظايا تقع على ملابسك فتحرقها. قال: [قال محمد بن عبيد الله الغلابي: كان يقال: يتكاتم أهل الأهواء كل شيء إلا التآلف والصحبة]. أي: أن أهل الأهواء عندهم قدرة فائقة على كتم عندهم من فكر وضلال وهوى، لكن الذي يفضحهم هو التآلف والصحبة، فتجد الواحد منهم يميل إلى إلفه وشكله، فإذا كان فلان يماشي فلاناً فلابد أن هناك شيئاً لازماً، ووحدة فكر بينهم؛ لأن الألفة والصحبة دائماً تفضح ما وراءها. قال: [وقال قتادة: إنا والله ما رأينا الرجل يصاحب من الناس إلا مثله وشكله، فصاحبوا الصالحين من عباد الله؛ لعلكم أن تكونوا معهم أو مثلهم]. قال: [وقال مالك بن دينار: الناس أجناس كأجناس الطير، الحمام مع الحمام، والغرب مع الغراب، والبط مع البط، الصعو مع الصعو، وكل إنسان مع شكله]. والصعو: طائر. قال: [وسمعت مالك بن دينار يقول: من خلط خلط له، ومن صفى صفي له، وأقسم بالله لئن صفيتم ليصفين لكم]. أي: لئن أخلصتم في اتباع السنة فإن الله تعالى يوفقكم إلى ذلك. قال: [قال الأوزاعي: يعرف الرجل في ثلاثة مواطن: بألفته، ويعرف في مجلسه، ويعرف في منطقه]. فهذه ثلاثة أمور تبين من هذا الرجل. قال: [قال أبو حاتم: وقدم موسى بن عقبة الصوري بغداد فذكر لـ أحمد بن حنبل، فقال: انظروا على من نزل، وإلى من يأوي]. فالنبي ﵊ لما نزل المدينة نزل على بني النجار، وبنو النجار هم أفضل الأنصار، أي: أن النبي ﷺ نزل على خيرة الأنصار، ولم ينزل على أي واحد منهم، وإنما نزل في بيت أبي أيوب الأنصاري ﵁. قال: [فقد فاض البحر العميق، فاستغني عن هذا التمييز والنظر والتدقيق، وفقدت تلك الأعيان، وصارت الزندقة يتفكه بها الأحداث والشبان، ظاهرة في السوقة والعوام، وصار التعريض تصريحاً، والتمريض تصحيحاً، فإنا لله وإنا إليه راجعون، مسكنا الله وإياكم بعروته الوثقى، وأعاذنا وإياكم من مضلات الهوى، ولا جعلنا ممن باع آخرته بالدنيا؛ إنه سميع قريب].

стр. 284

تابع آثار السلف في التحذير من مجالسة أهل البدع قال: [وعن هشام بن عروة: أن عمر بن عبد العزيز أخذ قوماً على شراب -أي: جلسوا يشربون خمراً -ومعهم رجل صائم -والصائم لا يشرب شيئاً- فضربه معهم، فقيل له: إن هذا صائم. فقال: قال الله تعالى: ﴿فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ﴾ [النساء:١٤٠]. قال: [وقال الفضيل: ليس للمؤمن أن يقعد مع كل من شاء؛ لأن الله يقول: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾ [الأنعام:٦٨]].

стр. 285

من نعمة الله على الشاب والأعجمي أن يهتدي على أيدي أهل السنة قال: [وعن أيوب بن سويد عن ابن شوذب قال: من نعمة الله على الشاب والأعجمي إذا نسكا -أي: إذا تدينا- أن يوفقا لصحب سنة يحملهما عليها]. لأن الأعجمي يأخذه من يسبق إليه. وهذا الكلام يا إخواني! أحرى أن نقتدي به، فمن سعادة الشاب والأعجمي إذا دخلا في الإسلام أن يوفقا لرجل من أصحاب السنة يحملهما عليها، ويؤدبهما بآدابها، ويخلقهما بأخلاقها؛ لأن الغالب أن الشباب فيهم فورة وفتوة وقوة، ويحبون إظهار ذلك، فإذا لم تضبط هذه الشهوة في عقله وقلبه فلابد أنه سيفرط بها. والأعجمي غالباً إنما يوفق للإسلام على يد صوفي أو شيعي أو مرجئ أو خارجي أو أشعري، وهذا وإن كان شراً إلا أنه أفضل من أن يلقى الله بالكفر البواح، فالإنسان لما يلقى الله تعالى متأولاً لبعض الصفات فهذا بلا شك أرحم من أن يلقى الله بالكفر البواح، وإن كان شراً. ولذلك نجد شيخ الإسلام ابن تيمية في كتابه: الفرقان بين الحق والباطل، وهو كتاب عظيم جداً، وننصح دائماً بقراءته، وقبل قرائته ننصح بالصبر عليه؛ لأن هذا الكتاب من أصعب عبارات شيخ الإسلام ابن تيمية، فهو يؤصل فيه مذهب سلفنا ﵃ في الحق والباطل، وفي الخير والشر، وفي كثرة الذنوب وقلتها، وغلبة ذلك بالعمل الصالح، أو غلبته على العلم الصالح، فيقول: بعض الشر أهون من بعض، ولئن يلقى العبد الله تعالى ببدعة خير من أن يلقاه بالكفر البواح. وهذا كلام جميل ومتين، وهو كلام أئمة فتح الله عليهم، لكن بلا شك أن أسعد الأحوال أن يوفق الإنسان لمن يأخذ بيديه إلى الله أخذاً طيباً، أخذاً مباركاً، أخذاً مستقيماً، ولذلك يحرص أهل البدع دائماً على أن ينزلوا في أماكن فيها شباب متعجل ومتسرع، فيرى أن التغيير مثلاً لابد أن يكون باليد وبالسلاح وغير ذلك، وما عندهم قط إلا الحمية التي في الغالب تهلك صاحبها؛ لأنها غير منضبطة بأصول شرعية أو علمية أو سلفية، فسرعان ما يكلف هذا الساخن بخط يركبه فيودي به إلى الهاوية، إذ إن هذا أمر لا يعنيه، ولم يفكر فيه، والمهم أن الشيخ أمره بكذا، أو العالم أمره بكذا، ولو أنه علم أن كلمة (عالم) لا تطلق على كل أحد ما تبعه، وإنما هو أخ مثله تماماً، وربما سبقه إلى إطلاق لحيته، وتقصير ثوبه بعام أو عامين، ولا يلزم منه أن يكون طلب العلم، بل جلهم لم يطلب العلم، وليس عنده استعداد قط لطلب العلم، وإذا ذكر العلم تندر وتفكه بمن يهتمون بطلب العلم، وهذا أمر فيه سوء أدب شديد جداً مع طلب العلم الذي أمرنا به شرعاً. قال: [وقال عمرو بن قيس الملائي: إذا رأيت الشاب أول ما ينشأ مع أهل السنة والجماعة فارجه]. أي: إذا رأيت الشاب في أول التزامه مع أهل السنة وأصحاب الاستقامة والفكر السليم؛ فارجو خيره. قال: [وإذا رأيته مع أهل البدع فايأس منه]، أي: لا تؤمل عليه، ولا تعقد عليه الأمل؛ لأن الأمل فيه قليل إن لم يكن نادراً. قال: [فإن الشاب على أول نشؤه. قال: وسمعت عمرو بن قيس يقول: إن الشاب لينشأ، فإن آثر أن يجالس أهل العلم كاد أن يسلم، وإن مال إلى غيرهم كاد أن يعطب]. أي: يفسد ويتلف. قال: [فرحم الله أئمتنا السابقين، وشيوخنا الغابرين، فلقد كانوا لنا ناصحين، وجمعنا وإياهم مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقاً، ولا جعلنا من الأئمة المضلين، ولا ممن خلف محمداً ﷺ في أمته بمخالفته، وجاهده لمحاربته، والطعن على سنته، وشتم صحابته، ودعا الناس بالغش لهم إلى الضلال، وسوء المقال]. وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.
следующие страницы →