Полный текст (1 366 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.
стр. 281
كتاب الإمام أحمد إلى رجل أراد أن يناظر المبتدعة بألايفعل
قال: [وكتب رجل إلى أبي عبد الله أحمد بن حنبل ﵀ كتاباً يستأذنه فيه أن يضع كتاباً يشرح فيه الرد على أهل البدع، وأن يحضر مع أهل الكلام فيناظرهم، ويحتج عليهم]، وهذا الرجل مؤدب جداً، ويبدو أنه كان من أقران أحمد بن حنبل، أو من تلاميذه.
قال: [فكتب إليه أحمد فقال: بسم الله الرحمن الرحيم، أحسن الله عاقبتك، ودفع عنك كل مكروه ومحذور، الذي كنا نسمع وأدركنا عليه من أدركنا عليه من أهل العلم أنهم كانوا يكرهون الكلام والجلوس مع أهل الزيغ، وإنما الأمور في التسليم والانتهاء إلى ما كان في كتاب الله، أو سنة رسوله ﷺ ، لا في الجلوس مع أهل البدع والزيغ لترد عليهم، فإنهم يلبسون عليك -أي: في نفس الوقت- وهم لا يرجعون -أي: عن بدعهم وأهوائهم- فالسلامة إن شاء الله في ترك مجالستهم، والخوض معهم في بدعتهم وضلالتهم، فليتق الله امرؤ، وليصر إلى ما يعود عليه نفعه غداً من علم صالح يقدمه لنفسه، ولا يكن ممن يحدث أمراً، فإذا هو خرج منه أراد الحجة].
أي: حتى لو نجا من الجلوس مع البدع فإنه سينجو وفي ذهنه شبهات القوم، فلا يسأل عن الحجة والدليل والبرهان، فما الفرق بينه وبين أصحاب الأهواء إلا درجة؟! فالشبهات قد استقرت عنده، لكنه لا يزال يرفض النهج كله، وإنما أصابته شبهات القوم، فهو يسأل عن الحجة.
قال: [فيحمل نفسه على المحال فيه، وطلب الحجة لما خرج منه بحق أو بباطل؛ ليزين به بدعته وما أحدث، وأشد من ذلك أن يكون قد وضعه في كتاب قد حمل عنه، فهو يريد أن يزين ذلك بالحق والباطل، وإن وضح له الحق في غيره، ونسأل الله التوفيق لنا، ولك والسلام عليك].
فانظر إلى نصيحة الإمام أحمد بن حنبل لرجل من أصحاب القرن الثالث، وهو من القرون الخيرة أصحاب العلم والفضل والعبادة وغير ذلك، وقد كان عندهم من الأعمال التي تحصنهم بين يدي الله الكثير، ومع هذا كل منهم ينصح الآخر، والآخر هذا لا يقل عنه في الإمامة في الدين، فقد كان ينصحه بعدم الجلوس إلى أصحاب الأهواء، وكثير كثير جداً من أصحاب الأهواء إنما ذهب في هذا الهوى بسبب مصاحبة هؤلاء، ومصادقتهم، أو مجالستهم أو غير ذلك.
وأذكر قديماً سنة: (١٩٧٤م) و (١٩٧٥م) لما انتشر فكر التكفير في بلادنا، كنا نسمع عن جماعة التكفير، فحب الاستطلاع والاستشراف كان يدفع الواحد منا إلى أن يجلس مع هؤلاء، ومعلوم أن عندهم آيات وأحاديث معينة لا يتعدونها، فتخرج من عنده وتقول: والله إن كلامه حق، وبصراحة إن كلامه طيب، ثم يقول لك: أنا سأسافر يومياً لحضور الدرس معهم.
فأنا قلت في يوم من الأيام سنة ١٩٧٦م -وأنا في الثانوية العامة بعد مقتل الذهبي بثلاثة أيام-: أحضر الدرس أنا وزملائي وأرد عليهم، فحضرت درساً لزعيم من زعمائهم وهو يشرح صحيح مسلم، فقال: الإمام النووي يقول في شرح حديث: (الحكمة يمانية والفقه يمان، أتاكم أهل اليمن هم أرق أفئدة وألين قلوباً)، يقول: أهل اليمن.
المقصود بهم: أهل المدينة! وهذا كفر بالإجماع! فقلت له: ما الذي يكفره بهذا؟ هب أنه أخطأ، فهل يقال للمخطئ: أنت كافر؟ فقال لي: ما اسمك؟ فقلت له: معرفة اسمي وعنواني ليست قضية، فأنت تتكلم في العلم في هذا الوقت، قلت له هاتين الكلمتين، ولم أفق بعدها إلا بساعتين أو ثلاث إلا وأنا خارج المسجد، والمسجد مقفل ولا أحد بجواري نهائياً، فقلت: هذا هو الطريق، المطلوب أننا نشرب ولا نرد.
وبعد ذلك لما وقفت على كتاب الشريعة للإمام الآجري وهو يتكلم في نفس الباب: التحذير من صحبة قوم يمرضون القلوب، والتحذير من مجالسة أهل البدع، عرفت أن هذا هو الحق.
يا إخواني! أنا أحترم جداً كلمة: على منهج السلف؛ لأنها عصمة من الله ، فالذي عملوه نحن نعمله، وهم أعلم منا، بل هم أولى مننا بالعلم، وأفضل منا، وأعبد منا، وأتقى منا، وأعرف منا، وكل المؤهلات قد اجتمعت فيهم، وإذا كانت الأمة لا تجمع على الضلال فمن باب أولى ألا يجمع على الضلال أصحاب القرون الخيرية، وإذا كان الله تعالى بين أن الخير في هذه الأمة فالمخاطب بذلك أولاً هم الصحابة ﵃، لذا فالمهم دائماً أن تجعل بينك وبين سلفك حبلاً ممدوداً متصلاً مرتبطاً بهم كل الارتباط، ولو حلت عقدة من هذا الحبل لانحلت عقدة من دينك، فلابد أن تتأكد من صلتك بسلفك.
стр. 282
جملة من آثار السلف في التحذير من مجالسة أهل البدع وسماعهم وزجرهم عن ذلك
قال: [وسمعت عبد الرحمن بن مهدي وذكر الصوفية فقال: لا تجالسوهم، ولا أصحاب الكلام، عليكم بأصحاب القماطر].
وأصحاب القماطر: هم أصحاب الدفاتر، وكأنه يريد أن يقول: عليكم بأصحاب الحديث؛ لأن أصحاب القماطر إنما معهم أحبار وألواح يكتبون فيها، وهي صفة أصحاب الحديث.
وإياكم ومجالسة أصحاب الأهواء، وأصحاب الكلام، وأصحاب التصوف، قال: [عليكم بأصحاب القماطر، فإنهم بمنزلة المعادن مثل الغواص هذا يخرج درة، وذاك يخرج قطعة ذهب.
قال: [وعن ابن سيرين: أنه كان إذا سمع كلمة من صاحب بدعة وضع أصبعيه في أذنيه، ثم قال: لا يحل لي أن أكلمه، حتى يقوم من مجلسه.
قال: وعن صالح المري قال: دخل على ابن سيرين فلان -يعني: رجلاً مبتدعاً- وأنا شاهد، ففتح باباً من أبواب القدر فتكلم فيه -أي: هذا المبتدع-، فقال له ابن سيرين: أحب لك أن تقوم وإما أن نقوم].
أي: إما أن تنصرف أنت الآن وإما انصرفنا.
وأنا أريد أن أسأل سؤالاً: هل ابن سيرين لم يكن يستطيع أن يرد عليه ويلقمه حجراً؟ لا، فـ ابن سيرين تربية الصحابة، وهو من كبار التابعين في البصرة، فما الذي يمنعه أن يلقم هذا المبتدع حجراً إلا أنه علم أن الأصل عند سلفه من الصحابة هجران وترك مجالسة ومكالمة ومحادثة أصحاب الأهواء، فأراد أن ينهج سير أصحابه من أصحاب النبي ﵊، ومن كبار التابعين.
قال: [وقال ابن عون: من يجالس أهل البدع أشد علينا من أهل البدع].
يعني: فأهل البدع أمرهم معروف ومفضوح، لكن الخشية كل الخشية من إنسان يجالسهم؛ لأنه لا يأمن أن ينجرف في هواهم.
قال: [وعن يحيى بن أبي كثير قال: إذا لقيت صاحب بدعة قد أخذ في طريق فخد في طريق آخر].
وأنتم تعرفون حديث: (ما سلكت يا عمر فجاً إلا سلك الشيطان فجاً غير فجك)، وهكذا أصحاب البدع إذا رأيته في طريق فاسلك طريقاً آخر.
قال: [وعن إسحاق بن إبراهيم بن هانئ قال: سألت أبا عبد الله عن رجل مبتدع داعية يدعو إلى بدعته: يجالس؟ قال: لا يجالس، ولا يكلم؛ لعله يتوب.
أي: ينبغي أن ينفض عنه جميع الناس؛ لعله يتأثر بذلك فيتوب].
قال: [وقال الإمام أحمد بن حنبل: أهل البدع ما ينبغي لأحد أن يجالسهم، ولا يخالطهم، ولا يأنس بهم.
قال: [وعن أيوب السختياني أنه دعي إلى غسل ميت فخرج مع القوم، فلما كشف عن وجه الميت عرفه -أنه من أهل البدع- فقال: أقبلوا قبل صحابكم، فلست أغسله، رأيته يماشي صاحب بدعة].
أي: أنه ليس مبتدعاً جزماً، وإنما رأيته يماشي أصحاب البدع، ولذلك ترك غسله، والصلاة عليه، لا لكفره، وإنما لبدعته، وحتى يكون في ذلك أعظم زاجر للناس عن أن يماشوا، أو يجالسوا أو يحاكوا أصحاب البدع.
стр. 283
بيان أن المرء يجالس ويألف من كان على شاكلته
قال: [وقال عبد الله بن مسعود: إنما يماشي الرجل ويصاحب من يحبه، ومن هو مثله].
وفي الحديث: و (المرء على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل).
وقال الشاعر: عن المرء لا تسأل وسل عن قرينه فإن المقارن بالمقارن يقتدي وقال: [اعتبروا الرجل بمن يصاحب، فإنما يصاحب من هو مثله.
قال شعبة: وجدته مكتوباً عندي فإنما يصاحب الرجل من يحب].
أي: وجد في كتاب مكتوباً عنده: إنما يصاحب الرجل من يحب.
[وقال ابن مسعود: اعتبروا الناس بأخدانهم -أي: برفقائهم وأقرانهم-؛ فإن الرجل لا يخادن إلا من يعجبه نحوه].
أي: من يعجبه طريقه ومنهجه ومسلكه.
وقال: [اعتبروا الناس بأخدانهم، المسلم يتبع المسلم، والفاجر يتبع الفاجر].
قال: وعن المدائني قال: قيل للبيد -وهو لبيد بن ربيعة العامري الشاعر الكبير- بعد ما أسلم: مالك لا تقول الشعر؟ -لأن لبيداً لما أسلم قلل جداً من الشعر- فقال: إن في البقرة وآل عمران شغلاً عن الشعر، إلا أني قد قلت بيتاً واحداً -أي بعد إسلامه-: ما عاتب المرء الكريم كنفسه والمرء يصلحه الجليس الصالح] والنبي ﷺ قد ضرب لذلك مثلاً فقال: (مثل الجليس الصلح وجليس السوء كحامل المسك، ونافخ الكير)، مع أن نافخ الكير هذا ربما يكون في باب المعاصي، لكن الحديث محمول على جميع المعاصي والأهواء، (فأما الجليس الصالح -وهو حامل المسك- فإما أن تبتاع منه -أي: تشتري منه المسك والطيب- وإما أن تجد منه ريحاً طيباً، وأما جليس السوء -هو نافخ الكير- فإما أن يحرق ثيابك)، فإنك لو جلست بجوار حداد ينفخ الكير فإنه لابد من شظايا تقع على ملابسك فتحرقها.
قال: [قال محمد بن عبيد الله الغلابي: كان يقال: يتكاتم أهل الأهواء كل شيء إلا التآلف والصحبة].
أي: أن أهل الأهواء عندهم قدرة فائقة على كتم عندهم من فكر وضلال وهوى، لكن الذي يفضحهم هو التآلف والصحبة، فتجد الواحد منهم يميل إلى إلفه وشكله، فإذا كان فلان يماشي فلاناً فلابد أن هناك شيئاً لازماً، ووحدة فكر بينهم؛ لأن الألفة والصحبة دائماً تفضح ما وراءها.
قال: [وقال قتادة: إنا والله ما رأينا الرجل يصاحب من الناس إلا مثله وشكله، فصاحبوا الصالحين من عباد الله؛ لعلكم أن تكونوا معهم أو مثلهم].
قال: [وقال مالك بن دينار: الناس أجناس كأجناس الطير، الحمام مع الحمام، والغرب مع الغراب، والبط مع البط، الصعو مع الصعو، وكل إنسان مع شكله].
والصعو: طائر.
قال: [وسمعت مالك بن دينار يقول: من خلط خلط له، ومن صفى صفي له، وأقسم بالله لئن صفيتم ليصفين لكم].
أي: لئن أخلصتم في اتباع السنة فإن الله تعالى يوفقكم إلى ذلك.
قال: [قال الأوزاعي: يعرف الرجل في ثلاثة مواطن: بألفته، ويعرف في مجلسه، ويعرف في منطقه].
فهذه ثلاثة أمور تبين من هذا الرجل.
قال: [قال أبو حاتم: وقدم موسى بن عقبة الصوري بغداد فذكر لـ أحمد بن حنبل، فقال: انظروا على من نزل، وإلى من يأوي].
فالنبي ﵊ لما نزل المدينة نزل على بني النجار، وبنو النجار هم أفضل الأنصار، أي: أن النبي ﷺ نزل على خيرة الأنصار، ولم ينزل على أي واحد منهم، وإنما نزل في بيت أبي أيوب الأنصاري ﵁.
قال: [فقد فاض البحر العميق، فاستغني عن هذا التمييز والنظر والتدقيق، وفقدت تلك الأعيان، وصارت الزندقة يتفكه بها الأحداث والشبان، ظاهرة في السوقة والعوام، وصار التعريض تصريحاً، والتمريض تصحيحاً، فإنا لله وإنا إليه راجعون، مسكنا الله وإياكم بعروته الوثقى، وأعاذنا وإياكم من مضلات الهوى، ولا جعلنا ممن باع آخرته بالدنيا؛ إنه سميع قريب].
стр. 284
تابع آثار السلف في التحذير من مجالسة أهل البدع
قال: [وعن هشام بن عروة: أن عمر بن عبد العزيز أخذ قوماً على شراب -أي: جلسوا يشربون خمراً -ومعهم رجل صائم -والصائم لا يشرب شيئاً- فضربه معهم، فقيل له: إن هذا صائم.
فقال: قال الله تعالى: ﴿فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ﴾ [النساء:١٤٠].
قال: [وقال الفضيل: ليس للمؤمن أن يقعد مع كل من شاء؛ لأن الله يقول: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾ [الأنعام:٦٨]].
стр. 285
من نعمة الله على الشاب والأعجمي أن يهتدي على أيدي أهل السنة
قال: [وعن أيوب بن سويد عن ابن شوذب قال: من نعمة الله على الشاب والأعجمي إذا نسكا -أي: إذا تدينا- أن يوفقا لصحب سنة يحملهما عليها].
لأن الأعجمي يأخذه من يسبق إليه.
وهذا الكلام يا إخواني! أحرى أن نقتدي به، فمن سعادة الشاب والأعجمي إذا دخلا في الإسلام أن يوفقا لرجل من أصحاب السنة يحملهما عليها، ويؤدبهما بآدابها، ويخلقهما بأخلاقها؛ لأن الغالب أن الشباب فيهم فورة وفتوة وقوة، ويحبون إظهار ذلك، فإذا لم تضبط هذه الشهوة في عقله وقلبه فلابد أنه سيفرط بها.
والأعجمي غالباً إنما يوفق للإسلام على يد صوفي أو شيعي أو مرجئ أو خارجي أو أشعري، وهذا وإن كان شراً إلا أنه أفضل من أن يلقى الله بالكفر البواح، فالإنسان لما يلقى الله تعالى متأولاً لبعض الصفات فهذا بلا شك أرحم من أن يلقى الله بالكفر البواح، وإن كان شراً.
ولذلك نجد شيخ الإسلام ابن تيمية في كتابه: الفرقان بين الحق والباطل، وهو كتاب عظيم جداً، وننصح دائماً بقراءته، وقبل قرائته ننصح بالصبر عليه؛ لأن هذا الكتاب من أصعب عبارات شيخ الإسلام ابن تيمية، فهو يؤصل فيه مذهب سلفنا ﵃ في الحق والباطل، وفي الخير والشر، وفي كثرة الذنوب وقلتها، وغلبة ذلك بالعمل الصالح، أو غلبته على العلم الصالح، فيقول: بعض الشر أهون من بعض، ولئن يلقى العبد الله تعالى ببدعة خير من أن يلقاه بالكفر البواح.
وهذا كلام جميل ومتين، وهو كلام أئمة فتح الله عليهم، لكن بلا شك أن أسعد الأحوال أن يوفق الإنسان لمن يأخذ بيديه إلى الله أخذاً طيباً، أخذاً مباركاً، أخذاً مستقيماً، ولذلك يحرص أهل البدع دائماً على أن ينزلوا في أماكن فيها شباب متعجل ومتسرع، فيرى أن التغيير مثلاً لابد أن يكون باليد وبالسلاح وغير ذلك، وما عندهم قط إلا الحمية التي في الغالب تهلك صاحبها؛ لأنها غير منضبطة بأصول شرعية أو علمية أو سلفية، فسرعان ما يكلف هذا الساخن بخط يركبه فيودي به إلى الهاوية، إذ إن هذا أمر لا يعنيه، ولم يفكر فيه، والمهم أن الشيخ أمره بكذا، أو العالم أمره بكذا، ولو أنه علم أن كلمة (عالم) لا تطلق على كل أحد ما تبعه، وإنما هو أخ مثله تماماً، وربما سبقه إلى إطلاق لحيته، وتقصير ثوبه بعام أو عامين، ولا يلزم منه أن يكون طلب العلم، بل جلهم لم يطلب العلم، وليس عنده استعداد قط لطلب العلم، وإذا ذكر العلم تندر وتفكه بمن يهتمون بطلب العلم، وهذا أمر فيه سوء أدب شديد جداً مع طلب العلم الذي أمرنا به شرعاً.
قال: [وقال عمرو بن قيس الملائي: إذا رأيت الشاب أول ما ينشأ مع أهل السنة والجماعة فارجه].
أي: إذا رأيت الشاب في أول التزامه مع أهل السنة وأصحاب الاستقامة والفكر السليم؛ فارجو خيره.
قال: [وإذا رأيته مع أهل البدع فايأس منه]، أي: لا تؤمل عليه، ولا تعقد عليه الأمل؛ لأن الأمل فيه قليل إن لم يكن نادراً.
قال: [فإن الشاب على أول نشؤه.
قال: وسمعت عمرو بن قيس يقول: إن الشاب لينشأ، فإن آثر أن يجالس أهل العلم كاد أن يسلم، وإن مال إلى غيرهم كاد أن يعطب].
أي: يفسد ويتلف.
قال: [فرحم الله أئمتنا السابقين، وشيوخنا الغابرين، فلقد كانوا لنا ناصحين، وجمعنا وإياهم مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقاً، ولا جعلنا من الأئمة المضلين، ولا ممن خلف محمداً ﷺ في أمته بمخالفته، وجاهده لمحاربته، والطعن على سنته، وشتم صحابته، ودعا الناس بالغش لهم إلى الضلال، وسوء المقال].
وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.
стр. 286
الأسئلة
стр. 287
حكم قطع التعامل مع اليهود والأمريكان
السؤال
كنت أجلس في المسجد فقال أحد الإخوة: لابد من مقاطعة الشراء من محلات مجدي ملت، وكنتاكي، وذلك بسبب ما يعاني منه إخواننا في فلسطين، وما تلاقيه إسرائيل من تأييد أمريكي، أرجو توضيح الأمر.
الجواب
يا أخي الكريم! إذا كنت تسأل عن حكم شرعي فيما يتعلق بالحل والحرمة؛ فالتعامل مع أهل الكتاب بيعاً وشراء حلال، لكن في حقيقة الأمر إذا كنا نقول بحل الأمر فلا يلزم منه تنفيذ ذلك، أي: لا يلزم منه أن نتعامل معهم، وإن كنا نعتقد أن التعامل معهم حلال، وإن اضطررنا إلى التعامل معهم كان بها، وإلا فلابد أن تعلم أن شراءك أو أن دفع جنيه واحد لأمثال هؤلاء يساوي شراء رصاصة لقتل إخوانك في شرق الأرض وغربها، فأنا في كل المحاضرات أدعو لمقاطعة اليهود والنصارى تديناً، وإن كنت أعتقد جواز التعامل معهم، لكن لابد أن تعلم أن التعامل معهم إنما هو تأييد لهم، ودحر وقتل لإخوانك في فلسطين وفي غيرها.
وأنتم تعملون بفضل الله أن محلات سنتيبري قد تكبدت خسائر بلغت الملايين، وهذا من الله أولاً، ثم من تسخير الله تعالى الدعاة لمحاربة هذا اليهودي الكافر الإنجلتري، وقد كتب على محلاته في إنجلترا: ممنوع دخول الكلاب والعرب! ونحن فعلاً كلاب وأوسخ من الكلاب لما يحصل لإخواننا في فلسطين هذا ونحن ننظر، فنحن لا نستحق أن نحيا كحياة الكلاب.
لكن على أية حال من جهة الحل والحرمة: هو حلال، وأنا لا أحب ذلك، وأظن أن هذا البلاء لو وجد في القرون الخيرية لأمرنا السلف وأهل العلم في تلك الأزمنة بذلك.
فهذا سنتبري -كما ذكرنا- بفضل الله أولاً ثم بدعوة الشيوخ بمقاطعته قد حصل له خسائر رهيبة، وهو جريء لا يضره ولا تهمه هذه الخسائر؛ لأنه مسنود من قبل معابد اليهود، ومن قبل الكنائس كذلك، وهو يهودي لكن غصب على النصارى أن يساعدوه؛ لأنهم يدركون -اليهود والنصارى- أن الحرب مع عدو آخر، فإذا تخلصوا -وهيهات أن يتخلصوا من هذا العدو- فإن الحرب تدور بينهما؛ إذ إن بينهم من العداء ما ليس بين المسلمين وبينهم، لكن فقه الدعوة وفقه الواقع عندهم يقول: لابد من الترابط ولو في الظاهر والأمور المادية؛ لأنهم يدركون أن العدو الأخطر على وجودهم على هذه الأرض هم المسلمون.
стр. 288
نصيحة لمن يتخلف عن صلاة الفجر
السؤال
الأخ يشكو من تخلف بعض الإخوة عن صلاة الفجر.
الجواب
هذه بلا شك بلية عظيمة جداً ابتلى بها كثير من الإخوة، لذا لابد أن يعلموا أن أثقل صلاة على المنافقين هما صلاة العشاء والفجر، وأن صلاة الفجر بالذات فيها من الخير ما ليس في غيرها؛ إذ إنها صلاة مشهودة تشهدها ملائكة الليل وملائكة النهار، وأن من صلى الفجر فكأنما قام الليل كله، وغير ذلك من فضائل وخير هذه الصلاة، فليحرص عليها جميع الإخوة.
стр. 289
حقيقة حزب الله في جنوب لبنان
السؤال
ما رأيكم بقوات حزب الله الشيعي؟ ولماذا ينصرهم الله على اليهود بجنوب لبنان؟! وما موقف المسلم منهم؟ وهل ندعو لهم؟ وهل يطلق عليهم: مجاهدون وشهداء؟
الجواب
على أية حال الحق حق، والباطل باطل، والتشيع باطل، ولا يلزم منه أن يهزمهم الله في كل موقع، وحزب الله في لبنان عندهم من الأخطاء العقدية ما ليس عند أهل إيران، وهم أشد تمسكاً بتشيعهم ربما من خميني إيران نفسه، وهم يعادون أهل السنة أيما عداء، فإذا نظرت إلى حربهم وإن شئت فقل: جهادهم المزعوم مع اليهود، فهذه والله يا إخواني! مسرحية يطول شرحها.
والمهم أن عداء حزب الله الشيعي لأهل السنة في لبنان أعظم من عدائهم لليهود، وقد صنفت في ذلك كتب، وقد كان الشرطة في عهد الدولة الفاطمية في مصر يدخلون بيوت أهل السنة، فإذا وجدوا فيها مصحفاً أحرقوه، وإذا وجدوا فيها كتاباً للبخاري أو مسلم أو موطأ مالك قتلوا صاحبه، فهل فعل هذا الإنجليز مثلاً لما كانوا في فترة الاحتلال في هذه البلاد؟! لم يكن ذلك.
لكن على أية حال النتيجة التي وصل إليها الحزب الشيعي في لبنان أمر طيب؛ لأن الحق أحق أن يتبع، والله تعالى يقول: ﴿وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة:٨]، فلا شك إذا كان الترجيح بين الشيعة واليهود، فالشيعة أقرب إلينا، بل عامة الشيعة جهلة لا يعرفون شيئاً، ولذلك نقول: هم أقرب إلينا، وهم معذورون بنشوئهم في بقعة من الأرض لا تعرف إلا التشيع، وهذا بالنسبة للعامة، وأما بالنسبة للرءوس الكبار فإنهم غير معذورين، ولهم أحكام تختلف عن أحكام بقية عامة الشيعة، وهم بلا شك إذا احتاجوا إلى تأييد أو نصرة أو دعاء أو غير ذلك فعلنا، مع كرهنا لما هم عليه من بدعة وضلالة.
стр. 290
حكم دخول المسلم كنيسة النصارى
السؤال
أنا أعمل في وظيفة حكومية، وفي يوم من الأيام دعاني أحد زملائي أن أحضر حفل خطوبة، علماً بأن هذا الحفل في الكنيسة، فهل يجوز دخول الكنيسة؟
الجواب
دخول الكنيسة لرجل من أهل العلم لدعوة من فيها إلى الإسلام جائز، وإلا فلا.
стр. 291
توضيح حديث: (إن أبي وأباك في النار)
السؤال
هل يوجد حديث يقول فيه النبي ﵊: (أبي وأبوك في النار)، أرجو التوضيح؟
الجواب
الحديث أخرجه مسلم: (أتى رجل إلى النبي ﵊ وقال: يا رسول الله! أين أبي؟ قال: في النار، فولى الرجل مدبراً وهو يبكي، فقال النبي ﷺ : ادعوه، فدعوه فقال: إن أبي وأباك في النار)، وهذا قطع منه ﵊ أنه أباه في النار، وعلى أية حال نحن لا نحب أن نثير مثل هذه المسائل، ولكن إذا سئلنا عنها لا نألوا جهداً في بيانها، فالمقطوع به أن والد النبي ﵊ كان مشركاً عابد وثن، وأنه مات على ذلك، وليس هو من أهل الفترة، أي: لم يكن موحداً على ملة إبراهيم، ولم يمت كما مات ورقة بن نوفل، وزيد بن عمرو بن نفيل وغيرهما من أهل الفترة الذين كانوا على ملة إبراهيم ﵇ فقد كان مشركاً ومات على شركه.
ثم ما الفارق بين عم النبي ﵊، وبين أبي النبي ﵊، وبين جد النبي ﵊؟ لا فرق.
إذاً: فالمرء إنما يحاسب بعمله هو، ولذلك النبي ﵊ قال: (يا فاطمة بنت محمد اعملي صالحاً فإني لا أغني عنك من الله شيئاً) فهذه ابنته التي هي أعز عليه من أبيه، ودائماً أولادي أعز علي من أبي، وهذه فطرة وضعها الله ﵎ في قلوب الخلق، فإذا كان الأمر كذلك فالمرء إنما يعرض وحده، ويحاسب وحده، ويدخل الجنة وحدة، أو يدخل النار وحده، فهذه أمور مقطوع بها.
ثم كونه في النار أو في الجنة؛ هذه مسألة بالنسبة لنا لا ينبني عليها عمل، والأحاديث التي رويت: (أن الله ﵎ إكراماً لنبيه أحيا والد نبيه، فآمن به ثم مات)، هذه أحاديث موضوعة ومكذوبة على النبي ﵊، ثم من الذي رآه وقد أحياه الله مرة أخرى، ثم آمن ثم مات بعد ذلك؟! فلم ترو لنا كتب الموضوعات حتى شاهداً على ذلك.
وعلى أية حال لا أحب الخوض في هذه المسألة؛ فإن قول النبي ﵊ إذا صح فإنه ترد به أقوال كثيرة.
стр. 292
من حلق لحيته بالموس لا يعد من أصحاب البدع
السؤال
هل من حلق لحيته بالموس يعد من أصحاب البدع؟
الجواب
لا، هو من أصحاب المعاصي.
стр. 293
معنى قول الشافعي: من شرع فاستحسن فقد أشرك
السؤال
نقلت عن الإمام الشافعي قوله: من شرع فاستحسن فقد أشرك، فأحياناً الواحد منا يعمل عملاً فيقال له: حسناً أو خيراً، ويسر بذلك، فهل هذا تشريع؟
الجواب
لا، ولذلك قال الإمام الشافعي: من شرع، أي: من قال قولاً واعتبره شرعاً، وألزم الناس به، وحملهم على العمل بهذا القول، فهذا باب من أبواب التشريع، وأما إنسان يعمل خيراً أو يعمل عملاً صالحاً، والناس يقولون له: والله أنت جيد، وربنا يوفقك، وينصرك وغير ذلك، فيفرح بهذا الكلام، فهذا ليس من باب التشريع.
стр. 294
حكم من قال لوالديه: لستما والديَّ
السؤال
سيدة تشاجرت مع أخيها بسبب التنصت على التلفون، فجاء الوالد والوالدة ليفضوا الشجار، فقالت لهما: لستما أبويّ، وقد متما في نظري، فما حكم هذه الأخت، وما واجبها نحو والديها، وجزاكم الله خيراً؟
الجواب
بلا شك أن هذه معصية كبيرة جداً أن تقول البنت لوالديها: لستما أبويّ، إذ إن هذه براءة، وهي كبيرة من الكبائر، وعليها أدلة من الكتاب والسنة، وأغلب الظن أنها قالت ذلك في وقت غضب شديد سيطر عليها، فهذه الأخت يلزمها الاستغفار، واستسماح والديها فيما صدر منها، وأن تعتذر لهما، وتبين عذرها في ذلك، وأن ذلك كان في وقت غضب لم تتمالك نفسها فيه بسبب معصية أخيها.
стр. 295
حكم إجبار الرئيس لمرءوسه على إضاعة الصلاة
السؤال
أعمل في وظيفة حكومية مندوب شرطة، وقد يجبرني رءوسائى على إضاعة الصلاة، فماذا أفعل، علماً بأني لو تركتها سيكون مصيري إما السجن أو الغرامة المعضلة؟
الجواب
لو كان الأمر بيدك فبإمكانك أن تقدم الاستقالة ولا نرى غيرها، وإن كان هذا ليس بإمكانك، أي: ليس من حقك قانوناً أن تفعل هذا، أو أنك ستتعرض للمساءلة أكثر مما كنت تتوقع؛ فإنك تجمع في نيتك بين الفرضين، فتصلي الفجر في المسجد أو في البيت، والسؤال إنما ينصب على الصلوات الأخرى، فإذا كان الأمر كذلك فلا بأس أن تجمع في نيتك بين الفرضين، أي: تؤخر الظهر إلى العصر، وتؤخر المغرب إلى العشاء إذا اضطررت إلى ذلك حسبما سألت، وإلا فالأصل ألا تضيع فرضاً حتى يدخل الفرض الآخر.
стр. 296
ما يلزم فعله عند دفن الميت، وحكم تلقين الميت وهو في القبر
السؤال
أرجو توضيح ما ينبغي فعله عند القبر أثناء الدفن، وما حكم تلقين المتوفى وهو في القبر؟
الجواب
الذي ثبت أن النبي ﵊: (كان يقبر أصحابه ويقول: باسم الله، وعلى ملة رسول الله)، فإذا دفن على جنبه الأيمن متوجهاً إلى القبلة وفرغ من دفنه قام النبي ﵊ على قبر هذا يدعو له خاصة، ويدعو كل واحد بما تيسر له من دعاء لهذا الميت، وأما الدعاء الجماعي فليس مشروعاً -إذا كنت تسأل عن هذا بالذات- لأنه حرمان لأجر كثير ممن شارك في الجنازة، ومخالف لقول النبي ﵊: (ادعوا لأخيكم فإنه الآن يسأل)، ولو كان الدعاء الجماعي مشروعاً لدعا النبي ﵊ وأمن أصحابه، وإنما يدعو كل واحد على حاله بما تيسر له.
стр. 297
حكم الجلوس في أماكن أهل المعاصي
السؤال
عملي يضطرني للجلوس على ما تسمى بغرزة في الصباح، وأغلب من يجلس في هذا المكان مدخنون، وأصحاب بدع، وفيها الشيشة وما شابه ذلك، أرجو الإفادة.
الجواب
الإفادة أن هذا المكان لا يحل لك أن تجلس فيه؛ لأنك مع الوقت ستألف هذا المجلس، وتألف أصحابه، ثم بعد ذلك تشاركهم فيما هم عليه من معاصي.
стр. 298
حكم من يقتل نفسه
السؤال
هل الذي يقتل نفسه يكون كافراً أم عاصياً؟
الجواب
يكون عاصياً ومرتكباً لكبيرة من أعظم الكبائر، فإذا كان من أكبر الكبائر قتل المرء لأخيه، أي: قتل المسلم لأخيه المسلم، فما بالك بقتل المسلم لنفسه؟! إن هذا من أكبر الكبائر، وأغلظ المعاصي، والنبي ﵊ قال: (من قتل نفسه بحديدة فحديدته في يده يتوجأ بها في بطنه في نار جهنم خالداً مخلداً فيها أبداً، ومن تردى من جبل فمات، فهو يتردى في نار جهنم خالداً مخلداً فيها أبداً، ومن تحسى سماً فقتل نفسه فسمه في يده يتحساه في نار جهنم خالداً مخلداً فيها أبداً)، والخلود في هذا الحديث: هو المكث الطويل لا الخلود الأبدي الذي يضاهي خلود الكافرين.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله تعالى لي ولكم، وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.
стр. 299
شرح كتاب الإبانة - ذم المراء والخصومات في الدين والتحذير من أهل الكلام [١]
لقد ذم الله سبحانه الذين يخوضون في آياته، وحذر النبي ﷺ وصحابته والتابعون من مجالستهم ومخالطتهم، فأصحاب الأهواء والخصومات قد باعوا دينهم، وتمت خسارتهم بكثرة خطاياهم، وانشغالهم بما لا يعنيهم حتى أكثروا التلون في الدين والتنقل والتحول، وواقع المسلمين اليوم يشهد بذلك.
стр. 300
باب ذم المراء والخصومات في الدين، والتحذير من أهل الجدال والكلام
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
أما بعد: الباب الذي نحن بصدده هو باب: ذم المراء والخصومات في الدين، والتحذير من أهل الجدال والكلام.
والمراء: هو الملاحاة والخصومات والجدال بالباطل، فإذا كان ذلك في دين الله فإنه مذموم، بل هو أشد ذماً؛ لأن الجدال بالباطل في غير الدين أمر مذموم، فهو مذموم من باب أولى إذا كان في دين الله ، والخصومة والمراء والجدال لا يكون إلا في أصحاب الكلام والفلسفة، وأما أهل التقوى وأهل العلم الراسخون فيه فإنهم وقَّافون عند حدود القرآن، وحدود السنة الصحيحة.
ولذلك فهذا الباب متمم للبابين اللذين قبله، وأقوال أهل العلم في هذا الصدد كثيرة لا تكاد تنتهي، وما من كتاب أُلِّف في السنة -كهذا الكتاب الذي بين أيدينا- إلا وعقد فصولاً متعاقبة متتابعة في أهمية هذا الأمر، والتحذير منه، أي: أهمية الوقوف عند حدود القرآن والسنة، والتحذير من الخصومات والجدال والمراء والملاحاة في دين الله بغير علم.
стр. 301
الجدال وأقسامه
ولا بد أن تعلم -قبل البدء- أن الجدال منه ما هو محمود، ومنه ما هو مذموم فالجدال المحمود هو كما قال الله تعالى: ﴿وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل:١٢٥]، فمعنى (التي هي أحسن): قال الله وقال رسوله ﷺ ، وأجمع العلماء، وهي حجة أقوى من حجة الخصم.
فهذا هو الجدال بالتي هي أحسن.
وأما أن تقصد بهذه المجادلة وهذه المنازعة الباطل، أو الانتصار للرأي، أو العصبية لفلان أو علان، أو قومك أو عشيرتك، أو انتصاراً لرأيك؛ فإن هذا هو الجدال المذموم.
وأما ما يشهده بعض الناس، وخاصة في مكة والمدينة في موسم الحج والعمرة في رمضان، أنهم يؤجرون المنازل ويغلون جداً في أسعار السكنى أو غيرها، فإذا جادلتهم في خفض الأسعار قالوا: يا فلان! لا تجادل في الحج.
كل من ذهب إلى مكة في موسم العمرة في رمضان، أو موسم الحج في ذي الحجة فإنه لا بد أن يسمع هذه الكلمة، فيعتبرون أن طلب خفض أسعار السكن، ومراجعة الملَّاك في هذه البلاد في مثل هذا الشأن جدالاً مفسداً للحج، أو يؤثر على ثواب الحاج!! وهذا بلا شك فهم مغلوط لمعنى الجدال المذموم، ومعنى الجدال الممدوح، فنتفق أولاً أن الجدال المذموم هو الجدال في دين الله بالباطل، والذي يبتغى به رد آيات الله ، ورد أحاديث النبي ﵊.
стр. 302
بيان أبغض الرجال إلى الله
قال المصنف رحمه الله تعالى: [قالت عائشة ﵂: قال النبي ﵊: (إن أبغض الرجال إلى الله الألد الخَصِم أو الألد الخصيم)، وفي رواية: (إن أبغض الرجال إلى الرسول ﵊ هو الألد الخصم).
والألد: هو الشديد، يعني: صاحب الخصومة الشديدة الذي يشار إليه أن فلاناً مجادل، وأن فلاناً منازع، وأن فلاناً مخاصم، فإذا كانت الخصومة والجدال والملاحاة علامة على شخص ما؛ فاعلم أن هذا الشخص إنما هو مبَغَّض إلى الله ، كما أنه مبَغَّض إلى الرسول ﵊.
стр. 303
تفسير الحسن البصري لقوله تعالى: (وهو ألد الخصام وبيان أنواع الكذب، وخطر الكذب على النبي
[وعن الحسن في قوله تعالى: ﴿وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ﴾ [البقرة:٢٠٤]، قال: كاذب القول].
يعني: لا يقول قولاً صدقاً، وأنتم تعلمون أن الكذب في اللغة وفي الاصطلاح هو القول الذي لا يطابق حقيقة الواقع، سواء كان قائله متعمداً، أو مخطئاً، أو ناسياً، فيقال: إنه قول كاذب، لكن هل يأثم قائله بذلك؟ إذا كان متعمداً فإنه يأثم، وإذا كان غير متعمد لذلك فإنه لا يأثم.
والكذب منه ما هو مذموم أشد الذم، بل ذهب بعض أهل العلم إلى كفر قائله، كالكذب على النبي ﵊، كما في قوله: (من كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار)، فلم يرد مثل هذا التهديد والوعيد في الكذب في حديث الناس، ولما قاله ﵊: (إن كذباً علي ليس ككذب على أحد).
وبهذا يتبين أن الكذب على النبي ﵊ إنما هو دين يتعبد به إلى قيام الساعة؛ ولذلك لم يستو الكذب في حديث الناس مع الكذب على النبي ﵊؛ لأنك لو كذبت على النبي ﵊ فكأنك تقول: هذا دين الله الذي قد أتى به نبينا محمد ﵊.
وبالتالي يلزمكم أيها الناس! أن تتقربوا إلى الله بمثل هذا الكلام، وفي حقيقة الأمر أن النبي ﵊ لم يقل هذا الكلام، بل هو مفترى عليه ﵊، ولكن من رحمة الله ومن حفظ الله لهذا الدين أن قيض لسنة النبي الأمين أناساً يذبون عنه، وينفون عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين؛ فميزوا وغربلوا السنة غربلة، وميزوا وفرقوا بين ما صح وما ثبت عن صاحب الشريعة الغراء وما لم يثبت.
فتعبدنا الله بما ثبت عن نبيه ﵊، وأما ما دون ذلك فإنه مردود لا يجوز العمل به قط، بل ولا حتى في فضائل الأعمال على أرجح الأقوال من كلام أهل العلم.
والكذب مذموم كله، وهو يهدي إلى الفجور، والفجور يهدي إلى النار.
والكذب كله ما ورد في الكتاب والسنة، بل ولم يذكر في لسان العرب إلا في معرض الذم، ولم يستثن منه الشرع إلا مواطن محددة، كالكذب على العدو؛ لأن الحرب خدعة، والكذب على الزوجة؛ لاستقامة الحياة، وهو الكذب فيما يتعلق بالثناء عليها، والحث لها، وقبول أعمالها وغير ذلك، كأن تقول لها مثلاً: أنت جميلة، وهي في حقيقة الأمر دميمة، وكأن تقول لها: طبخك أو طهيك ما أجمله وما ألذه، وهو في حقيقة الأمر تأنف منه الكلاب، لكن على أية حال لو أنك قلت ذلك لدامت العشرة، وطاب الخاطر، فمثل هذه المسائل أجازها الشرع لمصلحة أعظم من الكذب، وهو كذب لا يؤثر على دين الله لا أخذاً ولا رداً.
стр. 304
ما جاء في النهي عن ضرب الأدلة بعضها ببعض، وضرورة إرادة الحق في الجدل
قال: [وقال أبو أمامة: ما ضلت أمة بعد نبيها إلا كان أول ضلالتها التكذيب بالقدر].
يعني: ينفون عن الله علمه بما كان، وأنه لا يعلم ما كان إلا بعد أن كان ووقع، فعلمه بعد أن صار حدثاً، وأما قبل صيرورته حدثاً واقعاً فإن الله لا يعلمه، ويزعمون أن الله تعالى لم يكتب مقادير العباد قبل أن يخلق العباد، فمن نفى علم الله السابق ونفى الكتابة؛ فإنه كافر عند أهل العلم من الصحابة ومن بعدهم إلى يومنا هذا.
قال: [وما ضلت أمة بعد نبيها إلا أعطوا الجدل، كما قال تعالى: ﴿مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾ [الزخرف:٥٨]] يعني: مهنتهم الخصومة والملاحاة والجدال.
[وعن أبي أمامة قال: (بينما نحن نتذاكر عند رسول الله ﷺ القرآن ينزع هذا بآية، وينزع ذاك بآية)].
فانظروا إلى الملاحاة والخصومة! لا يريد أطراف الخصومة أن يصلوا إلى الحق، وإنما كل واحد يريد أن يصل إلى إثبات ما استقر عليه رأيه، وإن كان أمراً شرعياً في أصله، فتجد مثلاً بعض من الإخوة في الصحوة يتربون في قضية ما على رأي واحد، فهو يتبناها، لا لأنه درسها وقرأها وعرف أدلتها وتعبد بهذه المسألة، لكن لأن فلاناً من أهل العلم -المحبب والمقرب إلى قلبه- يميل إلى هذا الرأي؛ فهو كذلك يميل إليه بالعاطفة لا بعلم ولا بدراسة.
ولذلك فكثير من المسائل التي استقرت لديكم ينبغي مراجعتها، ودراستها دراسة علمية؛ حتى تعبد الله تعالى على بصيرة؛ لأن البصيرة هي العلم لا العاطفة.
فلو أننا أشرنا بالأصابع الآن إلى فلان وفلان من الناس الحاضرين وقلنا له: ماذا يترجح لديك في مسألة: كشف الوجه وتغطيته؟ فلا بد أنه يبادر إلى وجوب النقاب وتغطية الوجه.
فإن قلنا له: اذكر دليلاً من القرآن، ودليلاً واحداً من السنة، ورأي من هذا؟ هل هو رأي الجمهور أم غيرهم؟ لتوقف وسكت؛ وذلك لأنه منذ نعومة أظفاره في المساجد وفي طلب العلم استقر عنده رأي وتبناه، وهذا الرأي هو أن النقاب فرض لازم، فربما اعتقد أن كشف الوجه سفور وفجور، فهو يهاجم ويسب ويلعن الرأي الآخر.
والقائم على الرأي الآخر إذا سألته: من أين لك هذا؟ سكت، بل ربما هاجم.
ولو سألت فلاناً من الناس: ماذا تقول في صلاة الجماعة: أهي سنة مؤكدة أم واجبة، أم أنها شرط في صحة الصلاة؟ وهذه هي في صلاة الجماعة، ولكل مذهب أدلته، فماذا درست أنت من أدلة في هذه المذاهب كلها؟ ثم ما الذي ترجح لديك؟
الجواب
أنك تحفظ من أول الأمر أن صلاة الجماعة واجبة، فإذا قلنا: اذكر لنا دليلاً من الكتاب أو من السنة؛ فإنك لا تذكر، ولكنك تربيت على مثل هذا، فأنت ليس عندك استعداد للمناقشة والإقناع.
إذاً: إذا دخل مثل هذا في خصومة ومجادلة لإثبات الرأي الراجح من أقوال أهل العلم؛ أصر على رأيه؛ لأنه تربى عليه، ويصعب عليه جداً أن ينحرف عنه، وأن ينتقل إلى غيره؛ وذلك لأنه لم يدرس، ولما سئل في أول الأمر أظهر الذي ترجح لديه بالعاطفة والهوى، ومحبة للشيخ الذي أفتاه بذلك، فتجده يتعصب جداً ويغضب جداً، وربما يشتكي، وينقل هذا للغير.
بل وربما يشير إلى أن هذا الشيخ يقره، فصار يقول: إن صلاة الجماعة سنة، والمستقر عنده أنها واجبة.
وليس هذا من باب الجدال بالباطل، وإنما هو جدال بالحق، ولذلك نحن إذا فتحنا كتب الفقه -كالمغني والمجموع وغيرهما من الكتب- لوجدنا أن مسائل الإجماع في رأي معين أو علم قليلة جداً؛ ولذلك جمعت في كتيبات، وأما جل مسائل الفقه فمحل نزاع وأخذ ورد، وأصول تختلف من الجمهور إلى الحنفية وغير ذلك، وهم يبنون فتاواهم الشرعية على أساس هذه القواعد الكلية، أو الأصول العامة في علم أصول الفقه، فالأمر يحتاج إلى دراسة موسعة جداً، ورحابة صدر إذا كنا نتناقش لأجل الوصول إلى الحق.
ولذلك ينبغي أن يبتغي كل مجادل الوصول إلى الحق، كما كان السلف ﵃ يفعلون ذلك.
فـ الشافعي عليه رحمة الله يقول: رأيي صواب يحتمل الخطأ، ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب.
وقال: وما ناظرت أحداً قط إلا تمنيت أن يظهر الله تعالى الحق على لسانه ويده.
أي: على لسانه هو لا لسان الشافعي، مع أن لسان الشافعي من أطيب الألسن، وأعلم الألسن، لكنه تجرد لله .
قال: ما ناظرت أحداً إلا وتمنيت أن يظهر الله الحق على لسانه هو؛ لأن هذا فيه فائدة عظيمة جداً للإمام الشافعي، كون الشافعي يظهر له أن الحق مع خصمه، فهذا يدل على أنه قد علم أدلة لم تكن لديه، فلو علمها قبل المناظرة لقال بها.
وهو القائل: إذا تعارض قولي مع قول النبي ﵊ فاضربوا بقولي عرض الحائط.
رحمه الله تعالى ورضي عنه.
وهكذا كل عالم مخلص كتب له القبول عند الله وعند المؤمنين، إنما كانت هذه سيرته، فهي سيرة طيبة في إرادة إظهار دين الله ، بغير تعصب لمذهب، ولا تعصب لقول ولا لشخص، وإنما التعصب دائماً لله ولرس
стр. 305
ضرورة التحلي بالعلم والحكمة في الدعوة إلى الله
وبعض الإخوة يقول: إذا كنا مأمورين بالدعوة إلى الله ؛ فكيف نوفق بين ما أُمرنا به وبين قولك: أننا لا نجادل ولا نماري ولا نخاصم ولا ندعو إلى الله ؟
و
الجواب
أنا ما قلت هذا القول، ولم يَفهم أحد تقريباً من كلامي أني قلت هذا، لكن لا بد أن تعلم أنك مأمور بالدعوة إلى الله إذا كنت على مستوى ذلك، فتدعو إلى الله ، فكم من الناس -وربما يكون عنده علم- إذا دعا إلى الله كاد أن يفسد أكثر مما يصلح؛ لأن شرط الدعوة أن تكون بالحكمة، وبعض الناس لا حكمة عنده ألبتة، فعندما يأمر كأنه يأمر بالعصا والسيف، فلا يقبل منه ذلك، بل ربما تأخذ المأمور العزة بالإثم فيرد الحق الذي معك؛ لغلظتك وفظاظتك، والله تعالى يقول لنبيه: ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران:١٥٩]، فلما لم ينفضوا من حوله، بل التفوا حوله؛ تبين أنه ﵊ لم يكن فظاً، ولا غليظ القلب ﵊، بل كان أولى بالمؤمنين من أنفسهم، وكان يحرص عليهم أكثر من حرصه على نفسه وعلى أهله وولده ﵊، فمثل هذا هو الذي يدعو.
وكذلك لا يدعو أحد بغير علم، وأنتم تعلمون أننا نعيب على الإخوان الذين يدعون إلى الله بزعمهم بغير علم، فينشرون البدع، وينشرون الخرافات في العقيدة والعمل؛ فهذا أمر لم يكلفنا الله به؛ ولذلك قال الله تعالى: ((قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ)) على ماذا؟ ((عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا)) أي: النبي ((وَمَنِ اتَّبَعَنِي)).
فالذي يدعو إلى الله لا بد أن يتحلى بالحلم ومكارم الأخلاق، ويكون عاملاً كذلك بما يدعو الناس إليه ويأمرهم به، ويكون منتهياً عما ينهاهم عنه، وكذلك يكون عالماً بالأمر الذي يأمر به، أو عالماً بالنهي الذي ينهى عنه.
فربما ذهب ينهى الناس عن أمر ويغلب على ظنه أنه حرام؛ فإذا به واجب، وربما ذهب يأمر الناس بعمل معين، وإذا به منهي عنه في الشرع؛ ولذلك فالعلم شرط في الدعوة إلى الله .
فبهذه القيود وغيرها من القيود والشروط التي اشترطها أهل العلم للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تكون الدعوة، أما أن يُفهم من كلامي ترك الناس للدعوة إلى الله بالكلية؛ فهذا لا أقصده ولا أقوله قط.
стр. 306
تابع ما جاء في النهي عن ضرب الأدلة بعضها ببعض بالجدل المذموم
[قال أبو أمامة: (فخرج علينا رسول الله ﷺ كأنما صب على وجهه الخل)] يعني: لما خرج عليهم ووجد أن هذا يأتي بآية وذاك يأتي بآية، وكل واحد يأتي بالدليل الذي يستطيعه من باب نصرة رأيه على رأي الآخرين؛ غضب وكأنه صب على وجهه الخل.
فقال: [(يا هؤلاء! لا تضربوا كتاب الله بعضه ببعض؛ فإنه يوقع الشك في قلوبكم، فإنه لن تضل أمة إلا أوتوا الجدل)].
وعند ابن ماجه بإسناد حسن: (ما ضل قوم بعد هدى كانوا عليه إلا أوتوا الجدل)].
فاعلم أن الجدال والخصومة والمراء في دين الله بغير علم، وبغير هدى وكتاب منير؛ هو طريقك إلى ركوب الأهواء والضلالات والبدع.
стр. 307
بيان أن الصالحين والموعودين بالجنة لا يجادلون في دين الله تعالى
قال: [وقال أبو الدرداء وأبو أمامة وأنس بن مالك وواثلة بن الأسقع ﵃ أجمعين: (خرج علينا رسول الله ﷺ فقال: إن الإسلام بدأ غريباً، وسيعود غريباً؛ فطوبى للغرباء)].
وطوبى قيل: هي منزلة في الجنة، وقيل: هي شجرة في الجنة وقيل غير ذلك.
[قال: (فطوبى للغرباء، فقيل: يا رسول الله! من الغرباء؟ قال: الذين يصلحون إذا فسد الناس)] أي: يُصلِحون الناس حين فسدوا، أو يَصلُحون هم في وقت قد فسد فيه الناس.
[قال: (لا يمارون في دين الله، ولا يكفرون أهل القبلة بذنب)]، وهذه زيادة، وأصل الحديث عند مسلم: (إن الإسلام بدأ غريباً).
وقوله: (قيل: من الغرباء؟) إلى آخر الحديث هي زيادات متنوعة وكثيرة جداً لم يصح منها من جهة الإسناد شيء إلا ما يشهد له بعض النصوص، كما جاء (قيل: يا رسول الله! ومن الغرباء؟ قال: النزاع من القبائل)، وقيل: (هم الذين يصلحون عند فساد الناس) وقيل غير هذا.
[وعن أبي أمامة ﵁ قال: قال النبي ﷺ : (أنا زعيم لمن ترك المراء وهو محق ببيت في ربض الجنة)].
قوله: (أنا زعيم): يعني: أنا كفيل ومسئول، وربض الجنة: هو ما حواليها.
[قال: (وبيت في وسط الجنة، وبيت في أعلى الجنة)] أي: حوالي الجنة، فهذه ثلاثة بيوت لمن ترك المراء وهو محق؛ حتى لا يتمادى مع أصحاب الأهواء، وأصحاب الكلام، وأصحاب البدع؛ لأنه لو تمادى ربما وقع في قلبه ما يشككه، أو يعكر عليه صفوه.
فهذه دعوة للحفاظ على القلوب، والحفاظ على العقول، فإذا أنت لم تفلح في رد هذا الخصم؛ فلا أقل من أنك تشوش في معلوماتك وفي عقيدتك، وتراجع نفسك مرة أخرى، وهذه المراجعة الذي دفعك إليها هو بداية الشك الذي أوقفك عليه ذلك المجادل.
ولذلك قال ﵊: (أنا زعيم لمن ترك الجدال وهو محق ببيت في ربض الجنة، وبيت في وسط الجنة، وبيت في أعلى الجنة)، فهذه ثلاثة بيوت لمن ترك الجدال وهو محق.
стр. 308
نهي النبي ﷺ عن التخاصم والتنازع في القدر
قال: [وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: (أن رسول الله ﷺ خرج على أصحابه وهم يتنازعون في القدر، يعني: يتخاصمون في القدر، هذا ينزع بآية وذاك ينزع بآية- فكأنما فقئ في وجهه حب الرمان -يعني: احمر وجهه وغضب غضباً شديداً لمَّا وجد ذلك- فقال: أبهذا أمرتم؟ أبهذا أوكلتم، تضربون كتاب الله بعضه ببعض؟ انظروا إلى ما أمرتم به فاتبعوه، وإلى ما نهيتم عنه فاجتنبوه)].
فهم قد أمروا بالإيمان بالقدر، لكن لما كان هذا أمراً شائكاً فالأصل فيه إذا ذكر الإمساك، (إذا ذكر القدر فأمسكوا)، وآمنوا به إيماناً جازماً، وسلموا له تسليماً مطلقاً.
فعلينا إذاً: أن نعرف الحلال لنعمله، ونعرف الحرام الذي لا خلاف فيه لنجتنبه، فإنه في القديم لم يكن أحد ينازع قط في حرمة شرب الخمر؛ لأن حرمته أمر معلوم يقيناً، وهذه المسألة بالإجماع، ولا ينبغي أن يكون فيها خلاف، وأما الآن فيأتي من يقول: يا أخي! دعنا من الخمر، أنا أتكلم عن (الوسكي) و (الشمبانيا)، والمشروبات الروحية، والمشروبات الكحولية، كيف تكون حراماً؟! وواحد آخر يقول: ولم هذه الأشياء محرمة إذا كانت الحكومة مرخصة لها؟! وكأن هذه الحكومة حامية الحمى! ألا ترى الزنا والعري والفجور وبيوت الدعارة، ماذا ستقول في هذه الأمور؟ أحرام أم لا؟ يقول لك: لا لا، هذه تصرفات شخصية فردية، وكذلك هذه الأمور مرخص لها، أرأيتم الفلسفة؟! فإذا دخل الأمر إلى هذا الحد فقاطع الجدال والخصومة، فهذا دين الله ، فهذا أمر حرام ظاهر الحرمة، فيمنع أن يتكلم فيه أحد.
[وعن أبي هريرة ﵁ قال: (خرج علينا رسول الله ﷺ ونحن نتنازع في القدر، فغضب حتى احمر؛ حتى كأنما فقئ في وجهه حب الرمان، ثم أقبل علينا فقال: أبهذا أمرتم؟ أو بهذا أرسلت إليكم؟ إنما هلك من كان قبلكم حين تنازعوا في هذا الأمر؛ عزمت عليكم ألا تنازعوا فيه)] يعني: أؤكد عليكم ألا تتنازعوا في مثل هذا الأمر.
стр. 309
الامتناع من الجدال والخصومات المؤدية إلى تكذيب القرآن
قال: [وعن أبي العالية قال: آيتان في كتاب الله ما أشدهما على الذين يجادلون في القرآن: قوله تعالى: ﴿مَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [غافر:٤]].
إذاً: فالجدال من صفات الكافرين.
[وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾ [البقرة:١٧٦]] أي: خلاف وتناحر ونفرة، ولذلك لن تجد أبداً اثنين من الجهلة جالسين يتكلمان في مسألة إلا وينصرفان على خلاف وتفرق في القلب، وهذا أكيد، فكل واحد منا قد دخل هذا الباب عدة مرات، وإن وافقه الخصم على ذلك قبل على مضض، وإن فارقه وتمسك بما عليه قام وبينهما قطيعة ربما لا تنتهي، ومردُّ ذلك كله إلى الجهل، فالاثنان مطلوب منهما أن ينصرفا إلى رجل من أهل العلم ليفصل بينهما، أو يعلمهما أصل هذه القضية من دين الله كتاباً أو سنة.
وأما أن يستند كل واحد منهما إلى ظاهر آية أو ظاهر حديث؛ فيفهم منه دون أن يرجع إلى كلام أهل العلم، أو إلى خلاف أهل العلم في هذه المسألة؛ فإن هذا ما لا يعرفه أحد من السلف.
[وعن جابر قال: قال لي محمد بن علي -أي: أبو جعفر الباقر -: يا جابر! لا تخاصم؛ فإن الخصومة تكذب القرآن].
أي: لا تخاصم ولا تجادل؛ لأنها تؤدي إلى التكذيب بالقرآن الكريم، فأنت ستأتي بآية وهو سيأتي بآية، وهذا تكذيب بلسان الحال، لا بلسان المقال، فأنت لا تقول له: هذه ليست آية في كتاب الله، وإنما تقر أنها آية في كتاب الله، لكنك تريد أن تنتصر لرأيك؛ فترد العمل بما قد أتى به صاحبك من آيات وأحاديث، وتعمل جاهداً دائماً على رد كل الأدلة التي أتى بها خصمك؛ لعلة واحدة؛ انتصاراً لرأيك فقط ليس أكثر، ليس انتصاراً لدين الله ، وإن كانت أدلة الخصم أوضح من الشمس في رابعة النهار تقول: لا، أنا دليلي فقط هو الحق.
[وعن أبي جعفر الباقر قال: لا تجالسوا أصحاب الخصومات؛ فإنهم الذين يخوضون في آيات الله، كما في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ [الأنعام:٦٨]].
يعني: هذا يأتي بآية وذاك يأتي بآية، وكل إنسان يحاول أن يجمع أكثر عدد من الأدلة من القرآن والسنة؛ ليثبت صحة ما عليه هو، لا ليثبت أصل المسألة، أو يرجع إلى كلام أهل العلم وأفهام أهل العلم لهذه الآيات والأدلة، وإنما يجمع الأدلة ويحشدها حشداً لإثبات صحة ما عليه هو.
стр. 310
دخول الشيطان على العالم في ساعة الجدال والخصومة
قال: [وعن مسلم بن يسار قال: إياكم والمراء؛ فإنها ساعة جهل العالم].
يعني: لو مارى وخاصم عالم فإنه في هذه المرة ليس جاهلاً فهو عالم، لكن في لحظة ضعف منه أو غفلة تسلط عليه الشيطان، وجعله يناظر وينافح ويأخذ ويعطي، فأثبت أن ربا البنوك حلال، وأتى بأدلة أو شبه أدلة من هنا وهناك، وأتى بكلام لأناس مغمورين لا يعرف أحد أنهم من أهل العلم من القرون الأولى والقرون الوسطى إلى يومنا هذا، ثم يبلور من هذا كله رأياً: وهو أن الربا حلال، ويفتي بذلك للعامة، مع العلم أن هؤلاء العامة أفقه ممن قال بهذا الرأي، لكن لما أعجبهم هذا الرأي ووافق هواهم؛ قالوا به، وعملوا من خلاله، وهم إذا استوقفوا ليقسموا يمين الطلاق عما إذا كانوا يعتقدون صحة هذا القول من عدمه؛ فإنهم يقولون: إن هذا القول باطل عندما نضعه على المحك.
أذكر أن شخصاً وضع أمواله في البنك، وصار يأخذ فوائد -وإن شئت فقل: ربا هذا المال- للإنفاق على نفسه وعياله في كل شهر، فاستفتاني ولده فقلت: هذا المال حرام، والآثم في ذلك أبوك، وإذا كنت في حل من المعاش معه فيحرم عليك هذا، وإلا فكل هنيئاً مريئاً على قدر الكفاف، والإثم عليه.
فذهب ونقل إلى أبيه هذه الفتوى، فأتاني الأب في بيتي وقال: أنت تضلل الناس، وأنت تفعل كذا، وأنت تفعل كذا قلت: وما القصة؟ قال: قلت: كيت وكيت وكيت كيف تفتي بأن فوائد البنوك حرام؟ وهل أنت ند لفلان الذي يقول: إنها حلال؟ قلت له: أنا لست نداً، وأعوذ بالله أن أكون نداً، لكني أرتضي أن تحلف لي بقولك: امرأتي طالق امرأتي طالق امرأتي طالق؛ إذا كان هذا المال حراماً؟ قال: لا.
أنا لا أستطيع أن أحلف، قلت له: لماذا؟ قال: أنت تضعني في طريق ضيق.
قلت له: بما أنك تعلم أنه طريق ضيق ومغلق ومقفول فلماذا تدخله؟ إن الطريق المفتوح هو الذي يؤدي إلى الجنة، وأما المغلق ففي نهايته سقوط إلى الهاوية.
قال: يكفي الشهادة لله إذا كنت تريد أن تحلفني اليمين، ثم قال: امرأتي طالق امرأتي طالق امرأتي طالق إذا كنت أعتقد أن هذا المال حلال، بل أعتقد أنه حرام.
قلت: إذاً: يلزمك أن تذهب إلى صاحبك الذي قرنت بيني وبينه لتخبره بهذا.
قال: هذا لا يعتقد بقول أحد قط إلا بقوله هو.
يعني: أن العوام أنفسهم يفهمون هذه المسألة.
إذاً: لم يخالف هذا الفهم؟
الجواب
لأن الأمر يوافق هواهم، ويتصورون أنهم في منجىً بقولهم: (ضعها في رقبة عالم واطلع منها سالم!).
وهذا كلام باطل، وإنما إذا كنت فعلاً تريد الحق، وتبتغي الحق، فإنك تسأل أكثر من واحد من أهل العلم، ثم تأخذ بالأحوط، وحينئذ ضعها في رقبة عالم واخرج منها سالماً، وهذا للجهال الذين ليس لهم نوع اجتهاد، ولا بحث ولا نظر في كتب وفي كلام أهل العلم وأدلتهم.
قال: [إياكم والمراء؛ فإنها ساعة جهل العالم، وفيها يبتغي الشيطان زلته].
فيبدأ يزين له، ويزخرف له القول، وربما ذكره بالأدلة التي تعين على إثبات هذا الباطل الذي هو عليه.
стр. 311
الخائضون في الباطل أكثر الناس خطايا يوم القيامة، وسبب اتباع الأهواء
[وعن عبد الله بن مسعود قال: أكثر الناس خطايا يوم القيامة أكثرهم خوضاً في الباطل].
أي: هم أعظم الناس إثماً يوم القيامة.
[وعن عمرو بن قيس قال: قلت للحكم: ما اضطر الناس إلى الأهواء؟ -يعني: ما الذي جعل الناس يركبون الأهواء؟ - قال: الخصومات].
стр. 312
أثر الخصومات والجدال في الدين على الأعمال
[وعن إبراهيم النخعي في قول الله : ﴿فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ﴾ [المائدة:١٤] قال: أغرى بعضهم ببعض في الخصومات والجدال في الدين].
فما من أحد من أهل الأهواء والخصومات إلا ويخاصم بالمتشابه، أما المحكم فلا، فدائماً تجدون أن طريق أهل الأهواء هو في المتشابه، فالمتشابه هو مادة الخصومات لدى أصحاب الأهواء، والأصل في مجلس العلم الاجتماع لا التفرق، والأصل في مجلس العلم أن له آدابه العظيمة، والجدال ليس منها، بل هو ينافيها.
والنبي ﷺ يقول: (ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله)، ولم يقل ما تفرق قوم في بيت من بيوت الله، وإنما قال: (ما اجتمع)؛ فالأصل فيه الاجتماع.
وأنتم تعلمون حديث الثلاثة الذين دخلوا المسجد في حلقة علم النبي ﵊، فقال: (أما أحدهم فأعرض فأعرض الله عنه، وأما الثاني فوجد فرجة فسدها فسد الله عنه، وأما الآخر فاستحيا؛ فاستحيا الله منه) فالأصل في مجلس العلم الاستفادة.
وأما الآن فتجد واحداً ينام على جنبه، وتجد آخر يشخر، وآخر يمد رجليه، والآخر يجلس على نصف رجل، بل كثير من الإخوة يجلس متكئاً على اليد اليسرى أو اليد اليمنى، أو يديه خلف ظهره كل هذا مما عم وطم، وإذا كان الواحد فيكم لا يعرف هذا، أو لا يعرف كيف يجلس في عموم جلساته -وخاصة في مجلس العلم- فكيف يكون طالب علم؟! قال: [لا أعلم أحداً من أهل الأهواء يخاصم إلا في المتشابه، أما المحكم فلا.
وعن معاوية بن قرة قال: الخصومات في الدين تحبط الأعمال].
أي: أن هذا باب من أبواب فساد العمل، فقد تعمل عملاً ثم تخاصم؛ فإذا بك عند الله كأن لم تكن قد عملت هذا العمل، فهي محبطة للأعمال، أي: لثواب الأعمال.
стр. 313
أقوال عمر بن عبد العزيز في التحذير من الخصومات في الدين
قال: [وقال عمر بن عبد العزيز: من جعل دينه غرضاً للخصومات أكثر التنقل].
يعني: أكثر التحول، فكلما أتاه خصم لجج حجته أقوى من حجة المخاصم الأول تحول، حتى يتحول مرة ومرتين وثلاثاً وأربعاً وعشر مرات.
فتجده اليوم من الإخوان المسلمين، ويوم غد من جماعة التكفير، فلو أنه اتقى الله في دينه ونفسه من أول الأمر؛ لوفقه المولى إلى المذهب الحق الذي كلف به من قبل الشرع، وثبت عليه، واستقام عليه إلى أن يلقى الله، لكنه إنسان دخل بهوى، أياً كان نوع هذا الهوى؛ لأن الأهواء متعددة وكثيرة، ومن أجل ذلك عاقبة رب العزة ﵎ بكثرة التحول والتنقل، وربما يكون هذا الهوى هو حب الرئاسة، أو الزعامة، أو الظهور، أو الصدارة في المجالس، أو حب الكلام أو غير ذلك من الأهواء.
قال: [وعن عمر بن عبد العزيز أنه قال: من عمل بغير علم كان ما يفسد أكثر مما يصلح].
وهذه هي صفة النصارى، والله سماهم ضلَّالاً، والنبي ﵊ بين أن المغضوب عليهم هم اليهود، والضالين هم النصارى، فاليهود مغضوب عليهم لأنهم علموا ولم يعملوا، والنصارى ضلال لأنهم عملوا بغير علم، والأصل في المسلم: أن العلم يهتف بالعمل، فإن أجابه وإلا ارتحل.
ولا يسعك علم بغير عمل، كما أن العمل بغير علم الأصل فيه الابتداع في الدين، فالذي يعمل بغير علم كان ما يفسد أكثر مما يصلح.
قال: [ومن لم يعد كلامه من عمله كثرت خطاياه، ومن كثرت خصوماته لم يزل يتنقل من دين إلى دين، ومن نحلة إلى نحلة، ومن مذهب إلى مذهب؛ بسبب كثرة الخصومات].
стр. 314
تحذير حذيفة لأبي مسعود الأنصاري من التلون في دين الله
قال: [وعن أبي مسعود الأنصاري أنه قال لـ حذيفة: أوصني! قال: إن الضلالة حق الضلالة أن تعرف ما كنت تنكر، وتنكر ما كنت تعرف، وإياك والتلون في دين الله؛ فإن دين الله واحد].
أرأيتم هذا الكلام الجميل! فهذه وصية عظيمة جداً، فهو يقول له: أوصني يا حذيفة! فقال له: (إن الضلالة حق الضلالة أن تعرف ما كنت تنكر، وتنكر ما كنت تعرف).
إننا الآن نجد إخوة أفاضل وملتحين وغير ذلك ولهم سنوات طويلة في حقل الدعوة، أو في حقل الالتزام، ثم بعد ذلك نفاجأ بأنه انزوى واختفى سنة، أو سنتين، أو ثلاث سنوات فلا يراه أحد، فنذهب لزيارته فإذا به قد حلق لحيته، وتخلص من كل مظهر للإسلام على بدنه بعد أن كان من أشد الناس.
وأذكر بهذه المناسبة عندما كنا في الأردن أن رضوان دعبول صاحب مؤسسة الرسالة -وهي مؤسسة كتبية كبيرة مشهورة- كان صاحب دين، وصاحب أياد بيضاء على طلاب العلم، وأنا عملت معه عامين في مؤسسة الرسالة تحت إشراف الشيخ شعيب الأرنؤوط في مكتب التحقيق بالأردن بعمان، وكان أحد إخواننا من مصر مقيماً معنا هناك في عمان، وكان يجهل كثيراً جداً على الشيخ الألباني في مجالسه، وأذكر أنه عندما قال الشيخ: إن بيع التقسيط حرام؛ قام عليه هذا الأخ ولم يبق من كلامه إلا أن ينطق بكلمة الكفر لشيخنا ﵀.
وكنت إذا ذهبت معه لنصلي في مسجد من المسجد ينطلق مسرعاً إلى الإمام قبل أن يكبر ويقول له: ماذا تقول في الإيمان؟ وماذا تقول في الإحسان؟ وماذا تقول في القرآن الكريم: هل هو مخلوق أم غير مخلوق؟ فكنت أقول له: يا أخي الكريم! لا يصح هذا، هذا الفعل من البدع، وهذا من الأهواء.
فيقول: لولا أني أعرفك لقلت فيك كلاماً غير ذلك، فكان معروفاً بشدته وحدته إلى أقصى حد، ودخل في باب التنطع من أوسع الأبواب.
فالشاهد من هذا: أني زرت مؤسسة الرسالة في عمان يوماً مع هذا الأخ، فقلت له: تعال نسلم على رضوان فقال على مضض: السلام سنة، سلم عليه، وأنا أعرف أن هذا الأخ غلطان؛ لأنه دائماً غلطان، فدخل في منتهى العبوس وسلم عليه، فقال له رضوان: ماذا بك يا شيخ فلان؟! لماذا أنت غضبان هكذا؟ هل أحد أغضبك؟ إن غضبت من الزوجة؟ نزوجك!! ويمازحه بخفة دم لا نهاية لها، فقال: اسمع يا رضوان! لا بد أن تعلم أنك من أهل النار، ولست من أهل الجنة، قال رضوان: لماذا؟! قال: أنت حليق، ولابس قميصاً وبنطلوناً، ولا تصلي جماعة في المسجد! فقلت له: إن هذا الكلام لا يصح، قال: وهل أنت تشك في أن هذا يكفر؟! قلت: لا.
أنا على يقين أن هذا لا يكفر، إن هذه المخالفات لا تكفر، بل هي معاص، فأنت الآن يا فلان! تقول بقول الخوارج، بل ربما لم يقل أحد على مثل هذه الأفعال الثلاثة من الخوارج: إنها كفر؛ فتكون قد أبعدت النجعة، وغاليت مغالاة لم يغالها الخوارج.
فغضب غضباً شديداً جداً وانصرف وتركني معه، فلم تكد تمر الأيام حتى أثبت لنا أنه لن يشاد الدين أحد إلا غلبه، فإما أن ترجع إلى أصل الدين، وهو الاعتدال والوسطية، وإما أن ترجع إلى ذروة الضلال، فلا تتمكن قط من الرجوع، وهذه سنة الله في الخلق.
فمرت حوالي عشر سنوات وإذا بهذا الأخ يأتي إلى المسجد المجاور لبيته في شارع الهرم، وعند أن كبر الإمام ودعا دعاء الاستفتاح ثم قرأ الفاتحة سكت، ثم قرأ الآيات، وما إن فرغ من الصلاة إلا وقام عليه، وكاد أن يضربه ويفسقه ويبدعه؛ لأنه سكت بين الفاتحة وبين القراءة، وهذه مسألة خلافية بين أهل العلم، والراجح: عدم السكوت، لكن لا يعالج الخطأ بمثل هذا، ثم انتظرني حتى أتيت في وقت متأخر من الليل وبات معي، فلما رأيته اندهشت؛ فقد كان لابساً ملابس ضيقة، و (كرفتة)، وحالقاً لحيته، وخلع العمامة، فقلت في نفسي: مادام أنك حكمت من قبل بأن هذا كفر لكني استحييت أن أكلمه.
ولما صلينا الفجر قال: أتيت لأن معي بعضاً من الكتب قد أعددتها للطباعة، ونريد أن نبيعها بما لك من صحبة مع بعض الناشرين، فقلت له: أنا أعرف ناشراً محترماً جداً، وهو الآن نازل في فندق الأمان، أنذهب إليه؟ فقال: لنذهب، قلت له: هو يصلي الفجر، ويقرأ الأذكار، ثم ينصرف إلى المعرض، فذهبنا إلى رضوان دعبول -وهو الذي كفره من قبل- فلما دخلنا عليه قال: أهلاً يا شيخ فلان! وما الذي ترتديه؟ ما الذي جرى يا شيخ فلان؟! ويشير إلى (الجلابية) التي يلبسها، ويقول: ما بك؟ قال: الضرورة، وتمر الأيام وقابلته على رصيف في محطة أتوبيس جالس، وبه من الغم ما الله به عليم، فقد جاء له جواب من مصر فيه: أن أباه قد تبرأ منه، وأمه تبرأت منه، وأخته تبرأت منه؛ فأشفقت عليه، وجلست بجانبه مخاطباً له: أنا أخوك فلان من مصر فجلس يسب مصر.
فالشاهد: أن الخصومات في دين الله لها ضريبة ويحكم ذلك نيتك في نصرة دين الله بالحكمة والموعظة الحسنة، وأما إذا دخلت في طريق مغلق فإن هذا لا ينفعك بين يدي الله عز وج
стр. 315
أقوال إبراهيم النخعي ومالك وعطاء وعمر بن عبد العزيز في كراهة التلون في دين الله
[وعن إبراهيم قال: كانوا يكرهون التلون في الدين، وقال: كانوا يرون التلون في الدين من شك القلوب في الله .
وقال مالك: الداء العضال التنقل في الدين.
وقال كذلك: قال رجل: ما كنت لاعباً به فلا تلعبن بدينك].
يعني: إذا كنت ولا بد لاعباً فالعب بأي شيء ولا تلعب بالدين؛ لأن التنقل من دين إلى دين، ومن مذهب إلى مذهب، ومن ملة إلى ملة لعب يؤدي بك إلى الهلكة، ولا يؤدي بك إلى النجاة.
[وعن عطاء قال: الساقط يوالي من شاء].
أي: أن الإنسان الساقط هو الذي يوالي من شاء، وأما الإنسان المعتدل المحترم فإنه يوالي الله ورسوله، ويوالي أهل العلم، فالإنسان الساقط المنحط علمياً وأخلاقياً وقلبياً يوالي كل يوم من راقت وتاقت نفسه إليه.
[وعن إسحاق بن عيسى الطباع قال: كان مالك بن أنس يعيب الجدال في الدين، ويقول: كلما جاءنا رجل أجدل من رجل أردنا أن نرد ما جاء به جبريل ﵇ إلى النبي ﵊!! وعن معن بن عيسى قال: انصرف مالك بن أنس يوماً من المسجد وهو متكئ على يديَّ -يعني: خرج من المسجد متكئاً على يد معن بن عيسى -قال: فلحقه رجل يقال له: أبو الجويرية كان يتهم بالإرجاء، فقال: يا أبا عبد الله! اسمع مني شيئاً أكلمك به وأحاجك، وأخبرك برأيي، قال: فإن غلبتني؟ قال: فإن غلبتك اتبعتني، قال: فإن جاء رجل آخر فكلمنا فغلبنا؟ قال: نتبعه، قال مالك: يا عبد الله! بعث الله محمداً بدين واحد، وأراك تتنقل من دين إلى دين؟! قال عمر بن عبد العزيز: من جعل دينه غرضاً للخصومات أكثر التنقل].
стр. 316
ضرورة التأهل قبل مناظرة أهل البدع
وكلمة (مناظرة) لم تكن على ألسنة السلف إلا عند نصرة دين الله ، فمثلاً رد الإمام أحمد بن حنبل على الجهمية، وكذلك رد الإمام الشافعي على بشر المريسي، وكتب الله تعالى النصرة لـ أحمد وللشافعي على رءوس البدعة والضلالة.
ورد عبد الله بن عمر على معبد الجهني قال: بئس المعبد هو، رد عليه فيما يتعلق بالقدر.
ومن العجب أن يأتي الأصاغر فيقولون: تعال نتجادل تعال نتناظر! نتناظر في ماذا؟ إنك لا تحمل شيئاً من العلم؟ إنك لا تعلم كيفية الوضوء ولا تصلي ولا تصوم ولا! فحالتك منحطة، وتقول: أناظر؟ من تناظر؟ والأدهى من ذلك أن يأتي جاهل يضرب بأطنابه في الجهل إلى عالم ويقول له: أناظرك!! ولا يقول: أتعلم، ولا يأتي للتعلم فيسأل تعلماً ولا يسأل تعنتاً.
стр. 317
الشيخ الألباني ومناظرته لبعض الجهاديين
وفي ذات مرة أتى رجل إلى الشيخ الألباني وقال: أناظرك، فقال له الشيخ الألباني: أنا أناظرك في مسألة الجهاد، وكان هو إخوانياً، ثم تحول في السجن فصار تكفيرياً، فلما خرج من السجن تحول عن التكفير إلى جماعة الجهاد، وقال للشيخ: أناظرك، فالشيخ قال له: المناظرة ليست سهلة، فلما ألح عليه وأصر قبل الشيخ المناظرة، فقال للرجل: هات الذي عندك، قال له: حججي كيت وكيت وكيت، والشيخ قال له: وأسئلتي على هذه الأدلة كيت وكيت وكيت أجب؟ فلما سمع الأسئلة خنس كالشيطان، ثم قال للشيخ: لا بأس! دعني أراجع ذلك، قال له: أحسنت: تفضل راجع.
فأخذ الشريط، وكان يأخذ سؤالاً واحداً من أدلة الشيخ ويسجله على الشريط، ويسجل رده على الشيخ في غرفة النوم، وأخذ يرد في الظلام، لكن الجهال عندما يسمعون الرد يقولون: ما شاء الله! إن فلاناً هذا أعلم من الشيخ الألباني، وقد حصلت بينهما مناظرة، وعندما رد فلان على سؤال الشيخ لم يستطع الشيخ التعقيب.
وكيف يعقب الشيخ وهو ليس موجوداً؟! فهذا الرجل رد عليه في غرفته، وأنزل الشريط إلى السوق، لكن الله يجعل الغلبة والتأييد والنصرة لدينه على لسان الشيخ الألباني، فإنه عندما علم أن هذه الأشرطة قد سجلت ودبرت له بليل قال: أنا أبرأ إلى الله مما نسب إلي في الشريط الفلاني والفلاني، ثم دعا على الفاعل، وحصل انتقام الله لأوليائه، فقد هرب هذا الفاعل من سجن في مصر إلى الأردن، فلما ضيق عليه في عمان أمنياً هرب إلى السعودية، ثم جيء به من السعودية عن طريق الأمن؛ فقضى أعواماً عديدة في سجون مصر مرة أخرى، ثم خرج قريباً من هذه الأيام، أو يبقى له عدة أشهر.
فالذي يعرف أسلوب الشيخ في المناظرات والخصومات يعلم أن هذه الردود لا يسكت عليها قط، فالذين كانوا يسكنون معه في البيت بعمان هم الذين نقلوا للشيخ هذه المناظرة، وما كانوا يتصورون أن يتجرأ هذا الرجل على نشر هذه المفتريات والأكذوبات، فلما أرسلها إلى مصر وانتشرت في مصر عثروا على بعض أشرطة للشيخ، ففضح الأمر وفضح الفاعل، وهذا باب من أبواب دفاع الله عن المؤمنين كما وعد في كتابه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الحج:٣٨].
стр. 318
دينك هو رأس مالك فاحرص عليه من كل ما يكدره
[قال الحسن: رأس مال المؤمن دينه، حيثما زال زال دينه، لا يخلفه في الرجال، ولا يؤتمن عليه الرجال].
يعني: احذر أن تؤمن رجلاً على دينك؛ لأنه رأس مالك، وتصور لو أن عندك مائة ألف جنيه هل يعقل أنك تتركه عند شخص بسهولة وتقول له: انتبه لهذا المال؟! لا يمكن، بل إن حزمة الجرجير لا تأتمن عليها أحد، فلماذا تعرض دينك لمن يريد أن ينهش فيه؟! فدينك أعز عليك من كل شيء.
[قال هشام بن حسان: جاء رجل إلى الحسن فقال: يا أبا سعيد! تعال حتى أخاصمك في الدين، فقال الحسن: أما أنا فقد أبصرت ديني -أي: أنا على يقين مما أنا عليه- اذهب وتكلم مع آخر شاك في دينه] وأما أنا فقد أبصرت ديني ولا حاجة لي في أن أجادل أحداً فيه.
[قال ابن وهب: سمعت مالكاً يقول: كان ذلك الرجل إذا جاءه بعض هؤلاء أصحاب الأهواء قال: أما أنا فعلى بينة من ربي، وأما أنت فشاك؛ فاذهب إلى شاك مثلك فخاصمه.
وقال مالك: وقال ذلك الرجل: يلبِّسون على أنفسهم ثم يطلبون من يعرفهم] يعني: هم الذين أدخلوا أنفسهم في الأهواء ومضلات الفتن، ثم يطلبون من الناس أن يعرفوهم الطريق الحق.
[وقال رجل لـ مالك: لقد دخلت في هذه الأديان كلها، فلم أر شيئاً مستقيماً، فقال رجل: فأنا أخبرك لم ذلك؛ لأنك لا تتقي الله، فلو كنت تتقي الله جعل لك من أمرك مخرجاً].
أي: أن هذا التيه والحيرة التي تعيشها هي بسبب البعد عن تقوى الله .
стр. 319
من أراد الله به خيراً أغلق عنه باب الجدال
[وقال معروف: إن الله إذا أراد بعبد خيراً فتح له باب العمل، وأغلق عليه باب الجدل، وإذا أراد بعبد شراً فتح عليه باب الجدل، وأغلق عنه باب العمل].
وبعضهم طوال النهار ينصب المجلس، ويظل يجادل ويخاصم ويناظر، فإذا قلت له: لم لا تعمل؟ يقول لك: ليس هناك وقت! [وقال ابن وهب: سمعت مالكاً يقول: القرآن هو الإمام، فأما هذا المراء فما أدري ما هو] لا هو إمام ولا مأموم، إنما الإمام هو القرآن الكريم.
стр. 320
من كان كثير المراء والجدال فقد تمت خسارته
قال: [وقال هلال بن سعد: إذا رأيت الرجل لجوجاً ممارياً يعجب برأيه؛ فقد تمت خسارته].
أي: إذا رأيت الرجل مجادلاً ومماحلاً ومخاصماً ويصر على ذلك؛ فاعلم أن خسارته قريبة جداً، هذا إن لم يكن بالفعل قد خسر خسراناً مبيناً.
[وعن يزيد بن أبي حبيب قال: إذا كثر مراء القارئ فقد أحكم الخسارة.
وقال عمر بن عبد العزيز ﵀: سَنَّ رسول الله ﷺ وولاة الأمر من بعده سنناً الأخذ بها اتباع لكتاب الله، واستكمال لطاعة الله، وقوة على دين الله، ليس لأحد من الخلق تغييرها ولا تبديلها، ولا النظر في شيء خالفها، من اهتدى بها فهو مهتد، ومن استنصر بها فهو منصور، ومن تركها اتبع غير سبيل المؤمنين، وولاه الله ما تولى، وأصلاه جهنم وساءت مصيراً].
وهذا النص قد شرحناه شرحاً مستفيضاً في كتاب الإيمان من صحيح البخاري عندما تعرضنا له.
следующие страницы →