← Акыда

Акыда · id 37436

شرح كتاب الإبانة من أصول الديانة

حسن أبو الأشبال الزهيري

Полный текст (1 366 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

حكم صلاة تحية المسجد السؤال تحية المسجد قبل إقامة الفريضة واجبة أو مندوبة أو مستحبة؟ الجواب النبي ﵊ يقول: (إذا دخل أحدكم المسجد، فلا يجلس حتى يصلي ركعتين). وجمهور العلماء على أن جمع النيات في النوافل جائز، فلو أنك دخلت المسجد، وقبل إقامة الصلاة ليس هناك وقت إلا لأداء ركعتين، فلا بأس أن تنوي بهما أنهما سنة الفجر القبلية -مثلاً- وتحية المسجد، وتحية المسجد هذه من السنن الراتبة، فمنهم من ذهب إلى الوجوب، ومنهم من ذهب إلى الاستحباب. والذي ذهب إلى الوجوب قال بإثم تارك هاتين الركعتين مع القدرة، ومن ذهب إلى الاستحباب قال بالكراهة، أي: بكراهة ترك الركعتين. والذي يترجح لدي أن صلاة تحية المسجد من السنن المؤكدة فيمكن الجمع بينها وبين بقية الرواتب أو السنن المندوبات، فأنت إذا دخلت المسجد وليس هناك بين دخولك وبين إقامة الصلاة للفريضة إلا وقتاً يسع صلاة ركعتين فاجمع النية في هاتين الركعتين، وإذا كان هناك وقت طويل فلا بأس أن تصلي تحية المسجد ثم تصلي السنة الراتبة. وإن كنت أقول بأن صلاة ركعتين تجزئ في تحية المسجد حتى وإن كانت الفريضة، فلو أنك دخلت المسجد فوجدت الجماعة أقيمت فصليت ركعتين أو ثلاثاً أو أربعاً مع الإمام، فلست مطالباً بأداء ركعتين بعد الفراغ من الفريضة وهما تحية المسجد؛ لأن التحية سقطت بأداء الصلاة في المسجد أياً كانت هذه الصلاة. ولذلك يذهب الظاهرية وبعض الحنابلة إلى أن وقوع العبادة في محلها تغني عن شقيقتها، فقوله ﵊: (من صام رمضان ثم أتبعه بست من شوال فكأنما صام الدهر) أي: السنة، قالوا: فمن فاته صيام في رمضان فقضى ما فاته من رمضان في شوال، وكان ما فاته من رمضان ستة أيام، أجزأه عن صيام النافلة، لأنه حقق الصيام في شوال، وربما يكون هذا الكلام بعيداً، لأن النبي ﷺ إنما أخبر في أول الحديث من صام رمضان كله، ثم أتبعه من النوافل بست من شوال. الذي أردت أن أستشهد به أن بعض العلماء قال: المهم أن تقع العبادة في محلها وتغني عن مثيلتها، فأنت إذا أردت أن تصلي تحية المسجد وضاق بك الوقت، فلا بأس أن تجمع بين هذا وذاك في ركعتين اثنتين.

стр. 527

صلاة ذات السبب في أوقات الكراهة السؤال هل تحية المسجد يكره أداؤها في أوقات معينة؟ الجواب من ذهب إلى ترك الصلاة مطلقاً في أوقات النهي، وحمل النهي على الكراهة أو التحريم ولم يعتبر السبب؛ قال بترك الصلاة أبداً بين العصر والمغرب، وبعد الفجر حتى تطلع الشمس وترتفع قدر رمح، ووقت الظهيرة فهذه الأوقات نهى النبي ﵊ عن الصلاة فيها وعن أن نقبر فيها موتانا، فمن اعتبر النهي مطلقاً قال بحرمة أو كراهة الصلاة في هذه الأوقات أبداً. والإمام الشافعي عليه رحمة الله قال: الصلاة في هذه الأوقات مكروهة إلا لسبب، كدخول المسجد وأداء التحية، والصلاة على الجنازة، وصلاة الاستسقاء، وصلاة الكسوف، وغير ذلك من الأسباب فقال: النهي محمول على تحري الصلاة في هذه الأوقات، أما صلاة لها سبب فهو جائز؛ لقول النبي ﵊: (يا معشر قريش! يا بني عبد المطلب! يا بني عبد مناف لا تمنعوا أحداً دخل هذا المسجد فصلى فيه ركعتين في أي وقت شاء من ليل أو نهار) فقوله: (في أي وقت شاء) يشمل أوقات الاستحباب وأوقات الكراهة، وهذا الذي يترجح لدي، وإن كنت في حرج بالغ من الوقت الذي تصفر فيه الشمس؛ لأن هذا وقت كراهة شديدة إن لم يكن وقت حرمة؛ لأن الشمس تشرق وتغرب بين قرني شيطان، كما قال ﵊: (لا تتحروا لصلاتكم وقت طلوع الشمس ولا وقت غروبها، فإنما تشرق الشمس وتغرب بين قرني شيطان)، فالذي يصلي في هذين الوقتين فإنما يتشبه بعباد الشيطان على الحقيقة. هذا النهي إنما يتعلق بالنوافل، أما الفرائض فلا تدخل تحت هذا النهي؛ لقوله ﵊: (من أدرك ركعة من الصبح قبل أن يخرج وقتها فقد أدرك الصبح، ومن أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر) وهذا الذي يصلي ركعة قبل الصبح لا بد أنه سيصلي الركعة الثانية بعد خروج الوقت، ومع هذا اعتبر النبي ﷺ الصلاة على هذا النحو إدراكاً لها، وأنها صلاة أداء وليست قضاء، والله تعالى أعلم.

стр. 528

حكم من قدم تحية المسجد على صلاة النافلة السؤال أتيت المسجد لصلاة الفجر قبل إقامة الصلاة بقليل، فصليت ركعتي تحية المسجد ثم أقيمت الفريضة فصليتها، ثم صليت بعدها ركعتي سنة الفجر؟ الجواب كان ينبغي أن تصلي ركعتي الفجر قبل الصلاة، وتجمع بين النيتين.

стр. 529

حكم تمزيق المصحف في حال الغضب السؤال ما حكم تمزيق المصحف متعمداً مع الغضب؟ الجواب لو أنه وقف عند هذا الحد لقلنا كافر، أما قوله مع الغضب فنفرق كما فرق ابن تيمية عليه رحمة الله بين ثلاثة أنواع من الغضب، النوع الأول: الغضب البسيط، أي: لا بد للإنسان أن يغضب؛ لكنه غضب بسيط يملك معه المرء نفسه، أي: حينما يندفع يمسك نفسه ويكبح جماح نفسه، فهذا غضب بسيط. النوع الثاني: غضب شديد لا يملك الإنسان أن يكبح جماح نفسه؛ ولكنه يدرك ما يقول. النوع الثالث: غضب شديد جداً يُغلق معه المرء ولا يدري ما يقول، حتى لو ألقى ولده من شاهق فقيل له: لِم ألقيته؟ قال: والله ما ألقيته، وهذا الذي يسمى إغلاقاً، ولا طلاق مع إغلاق، فلو أن إنساناً بلغ في الغضب هذا الحد وهذه المرحلة، فإنه لو طلق امرأته مائة مرة فإنها لا تطلق، لأن هذا والمجنون شيء واحد، لقد فقد عقله تماماً. والله أخبر عن موسى ﵇ أنه ألقى الألواح وفي نسختها هدى ونور، ألقى التوراة على الأرض من شدة غضبه حينما رأى أن بني إسرائيل عبدوا العجل من بعده، فعندما أتى إلى أخيه هارون وجد الناس قد اتخذوا عجلاً جسداً له خوار، حيث جمعوا الذهب من بني إسرائيل وصهروه وصنعوه عجلاً، وجعلوه في جهة الهواء، فإذا دخل الهواء فيه سمعوا صوتاً، وهذا هو الخوار؛ فلما رأى أن الذين قد كانوا آمنوا من بني إسرائيل يعبدون العجل والنبي بينهم، ولمجرد أن ذهب إلى طور سيناء ورجع مرة أخرى وجدهم يعبدون العجل في حياته! هذا يا إخواني إذا كنا نسمعه الآن أو نقوله ونستهين به؛ فهو عند الأنبياء لا يستهان به ولا يسكت عنه، فهو عندهم هدم للرسالة من أساسها، فغضب غضباً شديداً جداً حتى أخذ أخاه بلحيته يجره إليه فقال: يا ابن أم لا تشمت بي الأعداء فأنا لا أعرف شيئاً، ففي ثورة غضب موسى ﵇ ألقى الألواح، فهذا غضب يبلغ درجة الإغلاق؛ فهذا الذي لا يؤاخذ به المرء حتى وإن كان نبياً، أما غضب هو أقل من ذلك فالمرء محاسب على فعله. فانظر إلى هذه الثلاثة الأنواع من الغضب التي ذكرتها لك، وانظر من مزّق المصحف وكان مغضباً في أي درجة كان هو من هذه الدرجات الثلاث، ولكل من هذه الدرجات حكمه عند أهل العلم.

стр. 530

حكم الغش في الدراسة السؤال أنا طالب في كلية الصيدلة، والدراسة عندنا فيها أشياء غير مفيدة وغير مهمة، وبالتالي يصعب حفظها جداً، فهل يمكن أن أصطحب معي أوراقاً فيها بعض هذه المركبات المتعسر علي حفظها؟ الجواب يا أخي! هذا هو الغش بعينه، فأنا لا أجيز لك هذا أبداً.

стр. 531

كفارة الطلاق في حال الغضب السؤال في حالة غضب قال لزوجته: أنت طالق، فما كفارة ذلك؟ الجواب أي أنك حكمت أن هذا الطلاق لم يقع وتسأل عن الكفارة! إذاً: فأفت نفسك بالكفارة بعد ذلك.

стр. 532

التفصيل في أن العمل من الإيمان السؤال الكلام في أن العمل من الإيمان، هل هو من أصل الإيمان أو من كماله، أو أن الأمر فيه تفصيل؟ الجواب الأمر فيه تفصيل، وعند الكلام عن زيادة الإيمان ونقصانه سيأتي معنا هذا التفصيل.

стр. 533

توحيد الحاكمية السؤال هل توحيد الحاكمية من أخص خصائص توحيد الإلهية؟ الجواب إذا كنت تقصد معنى هذا الكلام فأنا أوافق عليه، أما إذا كنت تقصد أن التوحيد أنواع، منها: توحيد الذات، توحيد الأسماء والصفات، توحيد الأفعال، توحيد الحاكمية فأنا لا أوافق على أن توحيد الحاكمية من أنواع التوحيد، الحاكمية من خصائص المولى ، وأنه هو الحكم . فالحكم هو الله، ومن قال بغير ذلك كفر بالله . وقد درجت الأمة على تقسيم التوحيد إلى ثلاثة: توحيد الإلهية، توحيد الربوبية، توحيد الأسماء والصفات. أما إذا كنت تريد أن تدخلني في دوامة أخرى، فعلى صفحات الجرائد جاءت منذ ثلاث سنوات، وكانت مثار حديث العلماء في هذه البلاد وفي غيرها؛ فأنا متأسف. وفي الحقيقة أنا أنصحك بما نصح به السلف تلاميذهم: إذا كانت الفتنة نائمة فلا تكن أول من يوقظها، فقد قامت الفتنة ثم نامت؛ فلماذا تأتي أنت وتوقظها، فلا حكم إلا الله، وفعلاً الحاكمية هي من توحيد الله ومن توحيد الإلهية، وإذا كنت تعتقد أن الإله الحق هو الله تعالى فهو كذلك الحكم الحق، لا يحكم العباد إلا هو ، ومن حكم العباد بغير شرع الله فقد تحاكم إلى غير شرع الله، واتخذ نفسه إلهاً ومعبوداً من دون الله . فإذا كنت تعني معنى هذا الكلام فأنا أوافق عليه، أما إذا كنت تعني تقسيماً جديداً رباعياً لمعنى التوحيد، فأنا لا أوافق عليه. وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.

стр. 534

شرح كتاب الإبانة - الإيمان قول وعمل يزيد وينقص [٢] الإيمان اعتقاد بالقلب وقول باللسان وعمل بالجوارح، يزيد بالطاعات وينقص بالمعاصي والسيئات، والسبب في زيادة الإيمان في قلب العبد هو عمل الجوارح، وقد وردت الآثار الكثيرة في أن العمل من الإيمان، خلافاً لما يعتقده المرجئة والجهمية من أنه لا علاقة للعمل بالإيمان.

стр. 535

مراتب الإيمان بالمقارنة إلى العمل الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وبعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة. أما بعد: فلا زال الكلام موصولاً في إثبات أن الأعمال من الإيمان، وأن الإيمان قول وعمل يزيد وينقص، وهذا معتقد أهل السنة والجماعة، والصلاة من الإيمان، والزكاة من الإيمان، والصيام من الإيمان، والجهاد من الإيمان، وسائر الأعمال من الإيمان. فمن الأعمال ما هو أصل في الإيمان، ومن الأعمال ما هو واجب في الإيمان، ومن الأعمال ما هو مستحب في الإيمان. وهذا يعني أن الأعمال التي هي من أصل الإيمان من تركها فقد خرج من الإيمان بالكلية وصار كافراً؛ كالصلاة على المذهب الراجح، ومن ترك الأعمال الواجبة في الإيمان فإنما أخل بالإيمان الواجب، ومن ترك الأعمال التي هي مستحبة في الإيمان فقد ترك ذروة الإيمان وكماله وتمامه المستحب. ولذلك قال الله في الحديث القدسي: (ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها) أي: فلا يبصر إلا بي، ولا يسمع إلا بي، ولا يمشي إلا بي، فإذا حقق العبد هذه الدرجة وهي الكمال المستحب، يكون قد بلغ ذروة الإيمان وكماله وتمامه، وذلك بأن يأتي بالأعمال المستحبة بعد الأعمال الواجبة والأعمال الأصيلة في الإيمان، فالإيمان بالمقارنة إلى العمل على ثلاث مراتب: إيمان أصلي، ثم إيمان واجب، ثم إيمان مستحب. ولكل مرتبة من مراتب الإيمان أعمال تخصه، فمن فرط في أصل العمل الذي هو أصل الإيمان فلا يكون مؤمناً قط، بل لا يثبت له الإسلام. وإذا قلنا: الإيمان قول وعمل، فالقول قول اللسان، بمعنى أن من كان قادراً على النطق بالشهادتين ولم ينطق بهما مختاراً؛ فإنه لا يثبت له إسلام، لأن الإيمان قول وهو لم يتلفظ مع القدرة على القول والتلفظ، ولكنه ترك ذلك مختاراً غير مكره. والعمل عمل القلب من المحبة والرضا والقيام بمقتضيات هذه الكلمة وغير ذلك، ولذلك لو قال إنسان: لا إله إلا الله، فقد حقق القول، أما قول القلب فمحبة هذه الكلمة والرضا بها، والإيمان والتصديق والإقرار الجازم بها ولو أن ذلك كله انتفى عنده لا يثبت له الإسلام عند الله، ولذلك فالمنافقون في زمن النبوة قالوا كلمة الإسلام، فشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، ولكنهم أبغضوا هذه الكلمة، ومع هذا حققوا العمل، فكانوا يصلون ويصومون ويزكون ويحجون، بل ويجاهدون مع النبي ﵊، ولكنهم عند الله في الدرك الأسفل من النار، فهم أشد عذاباً من الكفار، أما في حكم الدنيا فهم مسلمون؛ لأنهم نطقوا بكلمة الإسلام ظاهراً. فالإيمان قول وعمل، هذا القول وهذا العمل هو قول اللسان وعمل القلب وهو يزيد وينقص، فزيادة الإيمان ونقصانه متعلقة بالعمل. أي: أن سبب زيادة الإيمان في قلب العبد هو عمل الجوارح، ولذلك إذا كان المرء محافظاً على الصلاة في الجماعة، محافظاً على أداء الزكاة، محافظاً على الحج في كل عام إن استطاع ذلك، محافظاً على النوافل وقيام الليل وقراءة القرآن وغير ذلك يشعر أن قلبه يحلق في السماء السابعة، ولو أنه فرط في شيء أو فاتته مثلاً صلاة الفجر وهو معتاد عليها في جماعة، فإنه يقوم في النهار وقد حشرج صدره، وضاق جداً، وشعر بالغم والهم طيلة النهار، وظن أن الدنيا قامت ولم تقعد؛ لأنه شعر بنقصان الإيمان في قلبه بفوات الطاعة التي اعتاد عليها، هذا الأمر يشعر به كل إنسان منا، والإيمان يزداد كما قال تعالى: ﴿لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ﴾ [الفتح:٤]. هذه الآية تقول: إن أصل الإسلام لا بد أن يكون معه أصل الإيمان، ولذلك حينما عاب الله تعالى على الأعراب قال: ﴿قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ [الحجرات:١٤]، هذا الإسلام لا بد أن يكون معه ما يسمى بأصل الإيمان، لأن الإسلام لا يصح للعبد إلا إذا كان معه الإقرار والإذعان والمحبة والرضا. ولذلك لو أن واحداً نطق بالشهادتين الآن ثم مات بعدها فوراً، نقول إن هذا مسلم معه أصل الإيمان؛ لأن الإسلام لا يصح إلا بأصل الإيمان، وهي المرتبة الأولى من مراتب الإيمان، حتى يكون هناك فارق بينه وبين المنافقين؛ لأن المنافق لو شهد بالشهادتين وهو منافق ومات، يكون في النار؛ لأنه قالها نفاقاً. كما يحدث للروس الآن؛ فهم قد عرفوا أصلاً من أصول الجهاد عند المسلمين، وهو أن واحداً منهم إذا وقع في عداد الأسر في جيش الإسلام نطق بالشهادتين فوراً، فهب أنه نطق بالشهادتين، ولنفترض أنه نطقها نفاقاً، فهو في النار؛ لأنه ما نطق الشهادة عن إيمان، وإنما نطقها نفاقاً، فهناك فرق بينه و

стр. 536

الفرق بين مطلق الإيمان والإيمان المطلق وأما يومنا هذا؛ فإن شاء الله تعالى سوف نتكلم من سنة النبي ﵊، وأخبار أصحابه والتابعين الكرام، وفقهاء المسلمين بما فيه شفاء وكفاية وغنية؛ لإثبات أنهم كانوا يعتقدون أن الأعمال من الإيمان، وأن الإيمان أعمال. أصل الإيمان لا يتصور فيه النقصان، والفارق بين الإيمان المطلق ومطلق الإيمان، أن الإيمان المطلق هو الإيمان الكامل التام، أما مطلق الإيمان فهو أصل الإيمان. وقد قلنا إن الإيمان كالدائرة الصغيرة في وسط دائرة كبيرة هي الإسلام، فمن سقط من دائرة الإيمان لا يزال في دائرة الإسلام، ومثلنا بهذا. لكن هذه الدائرة الصغيرة من دوائر الإيمان فيها مرتبتان من مراتب الإيمان: مرتبة مطلق الإيمان، ومرتبة الإيمان المطلق. فالإيمان المطلق هو: الإيمان الزائد المتكامل المتناهي في الزيادة. أما مطلق الإيمان فهو: أصل الإيمان. ولا يتصور في مطلق الإيمان النقصان؛ لأن عقيدة أهل السنة أن مطلق الإيمان يزيد، فيبقى نقصان أصل الإيمان محل نزاع، والذي يترجح لي أن مطلق الإيمان لا يقبل النقصان؛ لأنه إذا قبل النقصان فإنما يكون إلى الزوال. وبعض أهل العلم يقولون: إذا كان الإيمان هو التصديق، والأصل في الإيمان أنه إقرار وإذعان -لكن هذا على مذهب المرجئة الذين يقولون إن الإيمان هو التصديق- فيقولون: لا يتصور نقصان الإيمان إلا إلى زوال. وبعض أهل السنة يردون عليهم كـ ابن تيمية وغيره ويقول: بل نفسه يزيد وينقص، كما لو دخل علينا واحد وهو من الثقات فقال: هناك حرائق خلف المسجد، فنحن نصدقه لأننا نعلم أنه ثقة، لكن لو دخل ثانٍ وثالث ورابع وعاشر ومائة وكلهم أجمعوا على نفس خبر الثقة الأول، فلا شك أننا نزداد بذلك تصديقاً ويقيناً، وهذا الذي يسمى عند أهل العلم التواتر الذي يفيد العلم اليقيني.

стр. 537

ما ورد في السنة مما يدل على أن الإيمان قول وعمل

стр. 538

حديث علي في أن الإيمان قول وعمل قال المصنف رحمه الله تعالى: [عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: قال النبي ﷺ : (الإيمان بالله يقين بالقلب، وإقرار باللسان، وعمل بالأركان)]. (الإيمان بالله يقين بالقلب) واليقين هذا يسميه بعض العلماء التصديق، لكن لفظ التصديق ليس محل اتفاق، إنما الذي هو محل اتفاق إقرار القلب، وهذا الحديث ضعيف، وكل الأحاديث التي وردت بهذا المعنى في الإيمان ضعيفة، لكن يشهد بعضها لبعض؛ خاصة وأن معناها محل إجماع أهل السنة والجماعة، ولما كان مقتضى هذا الحديث ومعناه محل إجماع ذكرته مع ضعفه، وقد جاء من حديث أنس وعلي بن أبي طالب وغيرهما أن النبي ﵊ قال: (الإيمان بالله يقين القلب، وإقرار اللسان، وعمل الجوارح والأركان).

стр. 539

حديث وفد عبد القيس في السؤال عن الإيمان قال: [وعن ابن عباس: (أن وفد عبد القيس أتوا النبي ﷺ ، فأمرهم بأربع ونهاهم عن أربع)]، وذلك حينما أتوا إلى النبي ﷺ في الأشهر الحرم وقالوا: يا رسول الله! إن بيننا وبينك كفار مضر ولا نخلص إليك -أي: ولا نأتيك- إلا في هذه الأشهر الحرم، فمرنا بأمر نعمل به وندعو به من وراءنا، [(فقال النبي ﵊: آمركم بأربع وأنهاكم عن أربع: آمركم بالإيمان، أتدرون ما الإيمان؟ قالوا: الله ورسوله أعلم قال: الإيمان أن تشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتؤدي الخمس من المغنم)]. مبنى الحديث أو المراد من الحديث إثبات أن أعمال الجوارح من الإيمان؛ لأنه قال: (آمركم بالإيمان أتدرون ما الإيمان؟) ثم عرف الإيمان بما عرف به جبريل ﵇ الإسلام، حينما قال جبريل للنبي ﵊: (ما الإسلام؟ قال: أن تشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلاً) فعرف الإسلام في حديث جبريل بالأعمال الظاهرة وهي أعمال الجوارح، وعرف الإيمان بالأعمال الباطنة وهي أعمال القلب؛ لأنه قال له: (الإيمان: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه) كل هذه أعمال قلوب، والإسلام أعمال ظاهرة كما في حديث جبريل، وهذا أمر مقرر عندهم، ولكن النبي ﷺ عرف الإيمان هنا بأعمال الجوارح، ليدل على أن أعمال الجوارح من الإيمان. قال: (أن تشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتؤدي الخمس من المغنم)، فكل هذه أعمال جوارح، ومع هذا أطلق النبي ﵊ عليها اسم الإيمان. والإيمان والإسلام كالفقير والمسكين وغيرها من سائر المصطلحات التي تشبه المترادفات، إذا ذكرا في دليل واحد كان لكل منهما مدلول، أي أنه إذا ذكر الإيمان والإسلام في دليل واحد فلكل واحد منهما مدلول، كحديث جبريل حينما ذكر الإيمان مع الإسلام، فكان للإيمان معنى وللإسلام معنى آخر، أما إذا ذكر الإيمان وحده فإنه يشمل معه الإسلام، وإذا ذكر الإسلام وحده شمل معه الإيمان. أما مصطلح الدين فإنه يشمل ذلك كله، ولذلك حينما تكلم جبريل عن الإيمان والإسلام والإحسان وأمارات الساعة وغير ذلك قال النبي ﵊: (هذا جبريل أتاكم يعلمكم دينكم) لم يقل: أتاكم يعلمكم الإيمان والإسلام والإحسان وغير ذلك، وإنما قال: أتاكم يعلمكم دينكم، فمصطلح الدين يشمل كل ذلك. وفي حديث ضعيف كذلك: [قال النبي ﵊: (الإسلام علانية، والإسلام في القلب، وكلكم خطاءون وخير الخطائين التوابون)].

стр. 540

أحاديث أبي ذر وجرير بن عبد الله في تفسير الإيمان بالعمل [وعن مجاهد (أن أبا ذر سأل النبي ﷺ عن الإيمان؟ فقرأ عليه هذه الآية: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ﴾ [البقرة:١٧٧] إلى آخر الآية)]. وعن جرير بن عبد الله البجلي ﵄ قال: سمعت النبي ﷺ يقول: (بني الإسلام على خمس) ولم يقل الإيمان، لكن هل الإسلام إذا ذكر وحده في هذا الدليل شمل معه الإيمان أم لا؟ أنا قلت إنهما إذا ذكرا جميعاً في دليل واحد كان لكل منهما مدلوله، وإذا ذكر واحد اشتمل على الآخر. ففي حديث [جرير البجلي يقول: قال النبي ﵊: (بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله)]، ولم يذكر شهادة أن محمداً رسول الله للزومها واقترانها؛ لأنه لا يقبل من أحد توحيد إلا إذا آمن بالرسول ﵊ [(وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وحج البيت، وصوم رمضان)]. [وعن جرير قال: (بايعت رسول الله ﷺ على إقام الصلاة وإيتاء الزكاة، والنصح لكل مسلم، وعلى فراق الشرك) أو كلمة هذا معناها]. وحديث [جرير قال: (خرجنا مع رسول الله ﷺ ، فلما برزنا من المدينة إذا راكب يوضع نحونا -أي: يسرع نحونا- فقال رسول الله ﷺ : كأن هذا الراكب إياكم يريد، فانتهى إلينا الرجل فسلم، فرددنا ﵇، فقال له النبي ﵊: من أين أقبلت؟ قال: من أهلي وولدي وعشيرتي قال: فأين تريد؟ قال: أريد رسول الله ﷺ ، قال النبي ﵊: قد أصبته! قال: يا رسول الله علمني ما الإيمان؟ قال: تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت قال: قد أنذرت)].

стр. 541

حديث معاذ في أن رأس الأمر الأعمال [وعن معاذ بن جبل أن رسول الله ﷺ قال له: (رأس هذا الأمر -أي: رأس هذا الإيمان والإسلام- أن تشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله، وأن قوام هذا الأمر)] أي: الشيء الذي لا يقوم هذا الأمر إلا به، ولا يثبت إيمان العبد ولا إسلامه إلا به، قال: [(إقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وأن ذروة السنام من هذا الأمر الجهاد في سبيل الله، إنما أمرت أن أقاتل الناس حتى يقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة، فإذا هم فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم على الله)]، أي: إن قالوها نفاقاً قبلناها منهم وحسابهم على الله.

стр. 542

حديث أبي هريرة في أنه لا قول إلا بعمل وجاء [عن أبي هريرة ﵁ مرفوعاً أن النبي ﷺ قال: (لا قول إلا بعمل، ولا عمل إلا بنية، ولا قول وعمل ونية إلا باتباع السنة)]. هذا الحديث حديث ضعيف جداً، لكن هو عقيدة أهل السنة والجماعة التي اتفقت كلمتهم عليها: لا قول إلا بعمل، ولا عمل إلا بنية، ولا قول ولا عمل ولا نية إلا باتباع النبي ﷺ . أما قوله: (لا قول إلا بعمل) فاحتراز من مذهب المرجئة الذين يقولون: لا علاقة للعمل بالإيمان، وقد اضطروا أن يقولوا: إيمان أفسق الناس كإيمان جبريل وميكائيل، لأنه لا علاقة للأعمال بالإيمان عندهم، فيستوي عندهم من عمل جميع المحرمات وترك جميع المأمورات مع جبريل ﵇. وأنتم تعلمون أن ترك الأمر وارتكاب النهي فسق وليس كفراً، ولو قلنا إن الوقوع في هذه الكبائر والمهلكات كفر، لوافقنا الخوارج في معتقدهم في تكفير مرتكب الكبيرة. ولذلك فإن أهل السنة والجماعة متفقون على أنه لا قول إلا بعمل، أي: لا ينفع القول إلا ومعه العمل، ولا ينفع القول والعمل إلا بنية، وهي الإخلاص لله . ولا يمكن لرجل أن يقول قولاً وأن يعمل معه عملاً وأن يخلص نيته، إلا إذا كان ذلك كله على منهاج النبوة، وعلى الصراط المستقيم، وذلك احترازاً من البدع؛ لأن المرء ربما يقول قولاً ويعمل عملاً صالحاً وينوي بذلك إخلاصاً، لكنه يقع في البدع، فيقع في الشرك، أي: أن هؤلاء الذين يطوفون حول المقابر وغيرها بلا شك أننا نقول: هؤلاء أناس جاهلون مخلصون، فالواحد منهم يتصور أن عمله هو ذروة الإيمان، وأنه عمل صالح يتقرب به إلى الله، ويأتي بالعجول من الأماكن البعيدة إلى تلك القبور ثم يذبحها، لا شك أن هذا عمل كفري شركي، لكن لا يكفر به! وهناك فارق كبير جداً بين الحكم على العمل بأنه كفر وبين الحكم على العامل، أما العمل فباتفاق، لأن هذا ذبح أو نذر، والذبح والنذر عبادة يجب صرفها لله ، فإن صرفت لغير الله كانت كفراً وشركاً. لكن المعطل لقيام هذا الحكم على العامل موانع أخرى، كقيام الجهل، فإذا كان عالماً بأن ما يعمله شرك كان مشركاً، أما إذا كان جاهلاً بذلك وهو يتصور أن هذه عبادة وهذا إخلاص لله وعمل صالح؛ فلا شك أن أحداً لا يجرؤ على إلحاق الكفر به. فالعمل شرك، وهذا أمر مفروغ منه، أما العامل فيتوقف عن إلحاق الحكم به حتى تتحقق فيه الشروط وتنتفي عنه الموانع. هب أنه رجل مجنون عمل هذا، وأنت أطلقت عليه لفظ الكفر، والجنون مانع من إلحاق الحكم؛ لأن المجنون ليس مكلفاً، وكذلك الصغير لا يعرف شيئاً ولا يعقل شيئاً، والإكراه مانع كذلك. فهذا الحديث المرفوع من حديث أبي هريرة ﵁: (لا قول إلا بعمل، ولا عمل إلا بنية، ولا قول وعمل ونية إلا بإخلاص لله هذا وإن كان حديثاً ضعيفاً إلا أن هذا صمام الأمان فيما يتعلق في الكلام عن الإيمان عند أهل السنة والجماعة.

стр. 543

ما جاء عن الصحابة والتابعين في أن الإيمان قول وعمل

стр. 544

أقوال علي وابن مسعود والسفيانين في أن الإيمان قول وعمل جاء عن علي بن أبي طالب وعبد الله بن مسعود ﵂ أنهما قالا: [لا ينفع قول إلا بعمل، ولا عمل إلا بقول، ولا قول وعمل إلا بنية، ولا نية إلا بموافقة السنة]. وكذلك جاء عن الحسن البصري. [وقال الحميدي: حدثنا يحيى بن سليم قال: سألت سفيان الثوري عن الإيمان؟] وسفيان الثوري وسفيان بن عيينة هما من أئمة أهل السنة، أما سفيان بن عيينة ففي مكة والمدينة، وأما الثوري ففي الكوفة. سئل الثوري عن الإيمان؟ [فقال: قول وعمل]. وهذا فيه رد على المرجئة والجهمية. فالمرجئة يقولون: الإيمان قول فقط، فلو أن إنساناً قال: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله؛ كان كجبريل وميكائيل، وإن ترك جميع المأمورات وارتكب جميع المحرمات، مع أن هذا ينقض الإجماع الذي انعقدت عليه كلمة أهل السنة والجماعة من أساسه. إبراهيم بن عيينة أخو سفيان بن عيينة حينما سمع أخاه يقول: الإيمان قول وعمل يزيد وينقص، قال لـ سفيان بن عيينة قل: يزيد، فنظر إليه سفيان بن عيينة وقال: يا أحمق! بل والله ينقص الإيمان حتى لا يبقى منه في القلب شيء، أي: أنه يزول بالكلية.

стр. 545

أقوال نافع الجمحي وعبيد بن عمير ووكيع والحسن ومجاهد والزهري في أن الإيمان قول وعمل [وقال يحيى بن سليم: وسألت نافع بن عمر الجمحي، فقال: قول وعمل، وسألت مالك بن أنس، فقال: قول وعمل، وسألت سفيان بن عيينة، فقال: قول وعمل، وسألت جريجاً، فقال: قول وعمل، وسألت محمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان، فقال: قول وعمل، وسألت الفضيل بن عياض، فقال: قول وعمل. وقال الحميدي: وسمعت وكيعاً يقول: أهل السنة يقولون: قول وعمل، والمرجئة يقولون: قول، والجهمية يقولون: الإيمان هو المعرفة]. إذاً: تعريف الإيمان عند أهل السنة: قول وعمل يزيد وينقص. أحياناً يقولون: الإيمان قول وعمل ونية، وأحياناً يقولون: قول وعمل وإخلاص وكلها معان واحدة ومردها إلى بعضها. المرجئة يقولون: قول بلا عمل، أو أن العمل ليس شرطاً في الإيمان. الجهمية يقولون: الإيمان هو المعرفة. أي: أنهم لا يشترطون حتى مجرد التلفظ، فلو أن الإنسان عرف الله بقلبه كان ذلك كافياً في إثبات كمال وتمام الإيمان عنده، حتى وإن ترك التلفظ مع القدرة عليه، وهذا كلام في غاية الفساد والنكران، بدليل أن إبليس عليه لعنة الله يعرف الله ، واعترف بربوبيته وإلهيته في غير ما آية من كتاب الله ، فهو الذي قال: ﴿رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي﴾ [الحجر:٣٩] أي: أنه معترف بأن الله هو الرب وعارف بذلك موقن به. ولذلك ابن تيمية يقول: وعلى أصول مذاهب الجهمية فإن إبليس في قمة الإيمان. فهذا من لوازم قول الجهمية، أعني أنه يجب عليهم أن يقروا بأن إبليس عليه لعنة الله في قمة الإيمان، فهو وجبريل وميكائيل والأنبياء والمرسلون في مرتبة واحدة من مراتب الإيمان؛ لأن الإيمان عندهم هو المعرفة. [وقال عبيد بن عمير الليثي: ليس الإيمان بالتمني، ولكن الإيمان قول يفعل، وعمل يعمل]. [وعن الحسن: ليس الإيمان بالتحلي ولا بالتمني، ولكن ما وقر في القلب وصدقته الأعمال]. كلها معان واحدة تصب في بوتقة تعريف الإيمان عند أهل السنة والجماعة. [وعن مجاهد قال: الإيمان قول وعمل يزيد وينقص]. [وعن هشام عن الحسن قال: الإيمان قول وعمل]. [وقال أبو عبد الله أحمد بن حنبل ﵀: قال الزهري: نرى أن الكلمة الإسلام، والإيمان العمل]. هذا الكلام ينبغي الوقوف عنده؛ لأن الزهري من كبار أئمة السنة. فالإمام الزهري يقول: نرى أن الكلمة الإسلام، أي: أنه يثبت الإسلام للمرء بمجرد التلفظ والقول. كأنه يقول: الإسلام هو قول. قال: والإيمان العمل، أي أنه يثبت الإسلام عند الزهري لصاحبه بمجرد القول، ولا يثبت له الإيمان الواجب والإيمان المستحب إلا بالعمل، فجعل أصل العمل هو الإيمان، وجعل أصل الإيمان هو العمل، فهو لا يقول إن العمل متمم أو مكمل للإيمان، إنما يقول إن ذات العمل هو الإيمان، كما أن ذات الإسلام هي الكلمة، وهذا كلام في غاية الوجاهة.

стр. 546

كلام الأوزاعي والثوري في أن الإيمان قول وعمل [قال الإمام الأوزاعي -وهذا إمام الشام في زمانه، وسيد من سادات المسلمين- قال: لا يستقيم الإيمان إلا بالقول، ولا يستقيم الإيمان والقول إلا بالعمل، ولا يستقيم الإيمان والقول والعمل إلا بنية موافقة للسنة. وكان من مضى من سلفنا لا يفرقون بين الإيمان والعمل، والعمل من الإيمان، والإيمان من العمل، وإنما الإيمان اسم يجمع هذه الأديان اسمها، ويصدقه العمل، فمن آمن بلسانه وعرف بقلبه وصدق بعمله، فتلك العروة الوثقى التي لا انفصام لها، ومن قال بلسانه ولم يعرف بقلبه ولم يصدقه بعمله لم يقبل منه، وكان في الآخرة من الخاسرين]. [وقال وكيع: كان سفيان يقول: الإيمان قول وعمل، ونحن نقول: الإيمان قول وعمل]. [وقال سفيان: كان الفقهاء يقولون: لا يستقيم قول إلا بعمل، ولا يستقيم قول وعمل إلا بنية، ولا يستقيم قول وعمل ونية إلا بموافقة للسنة].

стр. 547

حديث البراء بن عازب في تفسير الإيمان بالصلاة [وعن أبي إسحاق عن البراء بن عازب في قول الله : ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [البقرة:١٤٣] أي: صلاتكم]، وأنتم تعلمون الحديث الذي في الصحيحين حينما هاجر النبي ﵊ من مكة إلى المدينة وصلى تجاه بيت المقدس ستة عشر شهراً أو سبعة عشر شهراً، ثم أتى الأمر بتحويل القبلة إلى بيت الله الحرام، فأشفق الصحابة ﵃ على صلاتهم السابقة، وخافوا أن تكون هباء منثوراً هي وصلاة من صلى من إخوانهم الذين ماتوا، فقالوا: (يا رسول الله! هل صلاتنا لنا -أي: محسوبة لنا- أم أنها ضائعة؟ فأنزل الله تعالى قوله: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [البقرة:١٤٣]) أي: صلاتكم، فسمى الصلاة إيماناً، فالصلاة هي من أعمال الجوارح وليست من أعمال القلوب، ومع هذا سماها الله إيماناً. وإذا رجعت إلى كتاب فتح الباري على كتاب صحيح البخاري لوجدت في كتاب الإيمان باب الصلاة من الإيمان، باب الزكاة من الإيمان، باب الصيام من الإيمان، باب الجهاد من الإيمان، باب أداء الخمس من الإيمان وذكر أعمال الجوارح كلها ليثبت أن الإيمان قول وعمل، أما من قال لا علاقة للعمل بالإيمان فقوله من أبطل الباطل. [قال أبو رزين: (يا رسول الله! ما الإيمان؟ قال: تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله، والجنة والنار، والحساب والبعث، والقدر خيره وشره، فذلك الإيمان كما يحب الظمآن الماء البارد في اليوم الصائف يا أبا رزين)].

стр. 548

حديث معقل بن عبيد الله عن قدوم سالم الأفطس بالإرجاء ونفور السلف منه [وعن معقل بن عبيد الله العبسي قال: قدم علينا سالم الأفطس بالإرجاء]، وسالم الأفطس كان زعيماً من زعماء المرجئة. قال: [فعرض ما معه من إرجاء، فنفر منه أصحابنا نفاراً شديداً]. الكلام الجميل -يا إخواني- أنك إذا سمعت كلاماً منكراً فيجب عليك أن تنفر منه نفاراً شديداً، ولذلك فإن أهل العلم يحذرون من الجلوس إلى أهل البدع، فيقولون: إذا لقيت الرجل من أهل البدع ففر منه فرارك من المجذوم، أو فرارك من الأسد؛ لأنك لو سلمت نفسك للأسد فأكل بدنك، خير من أن تسلم نفسك لصاحب بدعة يأكل قلبك ويأكل إيمانك. وقد استوعبنا هذا الباب استيعاباً عظيماً جداً لأهميته في دروس الاعتقاد. [قال: فنفر منه أصحابنا نفاراً شديداً، وكان أشدهم نفاراً ميمون بن مهران وعبد الكريم بن مالك، فأما عبد الكريم فإنه عاهد الله ألا يؤيه وإياه سقف بيت إلا المسجد]. أي: أن عبد الكريم قال: والله لا يمكن أن أجتمع مع هذا المبتدع إلا في بيت الله فقط، ولا يؤيني وإياه سقف بيت قط إلا بيت الله. [قال: فحججت فدخلت على عطاء بن أبي رباح في نفر من أصحابه، فإذا هو يقرأ سورة يوسف قال: فسمعته قرأ هذا الحرف ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا﴾ [يوسف:١١٠] قال: قلت: إن لي إليك حاجة فأخلنا]، أي: أني أريد أن أتكلم معك يا عطاء، فلو سمحت أريدك وحيداً بغير أن يحضرنا أحد. [قال: فأخبرته أن قوماً قبلنا قد أحدثوا وتكلموا وقالوا: إن الصلاة والزكاة ليستا من الدين]، أي: يريدون أن يقولوا: إن أعمال الجوارح ليست من الإيمان. [قال: أوليس الله يقول: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ [البينة:٥]]، إذاً: فالصلاة والزكاة من الدين. أما قول هؤلاء إن الصلاة والزكاة وأعمال الجوارح ليست من الدين ولا من الإيمان؛ فهو قول فاسد، ويرد عليهم بهذه الآية. [قال: فقلت له: إنهم يقولون ليس في الإيمان زيادة. فقال: أوليس الله تعالى قال فيما أنزل: ﴿فَزَادَهُمْ إِيمَانًا﴾ [آل عمران:١٧٣] قال: قلت له: إنهم قد انتحلوك]، أي: إنهم يفترون عليك ويقولون: أنت الذي علمتهم أن أعمال الجوارح ليست من الإيمان، كما أن الإيمان لا يزيد ولا ينقص، فهم افتروا هذا الكلام عن عطاء. [فقال: إن ابن ذر دخل عليك يا عطاء في أصحابه، فعرضوا عليك قولهم فقبلته وقبلت هذا الأمر. فقال: لا والله الذي لا إله إلا هو ما كان هذا مني. مرتين أو ثلاثاً. ثم قال: ثم قدمت المدينة فجلست إلى نافع الفقيه مولى ابن عمر فقلت: له يا أبا عبد الله! إن لي إليك حاجة. فقال: أسر أم علانية؟ فقلت: لا بل سر. فقال: رب سر لا خير فيه، بل كثير من السر لا خير فيه. قلت: ليس من ذاك، فلما صلينا العصر قام ويده بيدي وخرج من الخوخة -أي: من الباب- ولم ينتظر القاص]، أي: لم ينتظر مجلس القصاص. [فقال: ما حاجتك؟ قلت: أخلني من هذا كان معه ولده عمر فقال له: تنح يا عمر حتى يتكلم عمك بما يريد. قال: فذكرت له بدو أمرهم]، أي: بداية ظهور أمر هؤلاء المرجئة. فقال نافع الفقيه: قال النبي ﵊: (أُمرت أن أضرب بالسيوف حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فإذا قالوا لا إله إلا الله، عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقه، وحسابهم على الله). قال: قلت: إنهم يقولون: نحن نقر بأن الصلاة فريضة ولا نصلي، وأن الخمر حرام ونحن نشربها، وأن نكاح الأمهات حرام ونحن نفعل ذلك. قال: فنتر يده من يدي -أي: جذب يده من يدي- وقال: من فعل هذا فهو كافر! قال معقل: ثم لقيت الزهري فأخبرته بقولهم فقال: سبحان الله! أوقد أخذ الناس في هذه الخصومات؟ قال النبي ﵊: (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن). قال معقل: ثم لقيت الحكم بن عتيبة فقلت له: إن ميموناً وعبد الكريم بلغهما أنه دخل عليك ناس من المرجئة فعرضوا قولهم فقبلت قولهم. قال: فقيل ذلك على ميمون وعبد الكريم؟ قلت: لا. قال: دخل علي منهم اثنا عشر رجلاً وأنا مريض، فقالوا: يا أبا محمد! أبلغك أن رسول الله ﷺ أتاه رجل بأمة سوداء أو حبشية؟ فقال: (يا رسول الله! إن علي رقبة مؤمنة، أفترى أن هذه مؤمنة؟ فقال لها رسول الله عليه الصلاة و

стр. 549

ذكر فقهاء التابعين ومن بعدهم ممن يقول الإيمان قول وعمل [جرير بن عبد الحميد قال: الإيمان قول وعمل، والإيمان يزيد وينقص، فقيل له: كيف تقول أنت؟ قال: أقول: أنا مؤمن إن شاء الله]. فمسألة: أنا مؤمن إن شاء الله، تدخل تحت باب ما يسمى بالاستثناء في الإيمان؛ لأن قوله (إن شاء الله) استثناء، فهل يجوز للرجل أن يقول: أنا مؤمن إن شاء الله، أم يقطع بأنه مؤمن؟ هذا باب مستقل اسمه باب الاستثناء في الإيمان، أي: جواز الاستثناء من عدمه، وسنتعرض له بإذن الله تعالى في الدروس المقبلة. [قال إبراهيم: وسئل الفضيل بن عياض وأنا أسمع عن الإيمان، فقال: الإيمان عندنا داخله وخارجه الإقرار باللسان، والقبول بالقول، والعمل به. وسمعت يحيى بن سليم يقول: الإيمان قول وعمل]، وكذلك ابن جريج وأبو إسحاق الفزاري وابن المبارك والنضر بن شميل ومالك بن أنس وعبد الله بن المبارك ويحيى بن سليم وابن شهاب والحسن البصري ومالك بن أنس ومحمد بن الطيب وهشام بن حسان وعبد الرزاق ومعمر وسفيان الثوري ومالك بن أنس وابن جريج وابن عيينة وأحمد بن حنبل وأبو داود السجستاني وغير واحد ذكرهم. ولذلك [قال ابن بطة: سمعت بعض شيوخنا ﵏ يقول: سئل سهل بن عبد الله التستري عن الإيمان ما هو؟ قال: هو قول ونية وعمل وسنة؛ لأن الإيمان إذا كان قولاً بلا عمل فهو كفر، وإذا كان قولاً وعملاً بلا نية فهو نفاق، وإذا كان قولاً وعملاً ونية بلا سنة فهو بدعة]. هذا هو ملخص عقيدة أهل السنة والجماعة، فكلام سهل بن عبد الله التستري في الإيمان كلام رائع جداً، يكتب بماء من ذهب. [قال الشيخ ابن بطة: وحسبك من ذلك ما أخبرك عنه مولاك الكريم بقوله: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ [البينة:٥] أي: هذا هو الدين القويم. فإن هذه الآية جمعت القول والعمل والنية، فإن عبادة الله لا تكون إلا من بعد الإقرار به، وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة لا يكون إلا بالعمل، والإخلاص لا يكون إلا بعزم القلب والنية. وأبو عبيد القاسم بن سلام كان من أكابر علماء السنة في زمانه، وله تصانيف عديدة ممتعة ورائعة، وقد ذكرت ترجمته في محاضرة سابقة، أكثر من ثلاث ساعات وأنا أتكلم عن مناقب هذا الإمام، فإذا أردتم التعرف عن واقع هذا الرجل فمن كتاب سير أعلام النبلاء، أو التاريخ الكبير للذهبي، فالتاريخ الكبير قد استوعب ترجمة هذا الإمام استيعاباً عظيماً جداً، وكتاب التاريخ الكبير للذهبي أكثر من مائة مجلد. [قال القاسم بن سلام: هذه تسمية من كان يقول: الإيمان قول وعمل يزيد وينقص]، ثم يبدأ بعد ذلك بذكر أسماء من قال من السلف: الإيمان قول وعمل يزيد وينقص.

стр. 550

ذكر بعض فقهاء الأمصار الذين روى عنهم القاسم بن سلام أن الإيمان قول وعمل ثم ذكر أئمة أهل السنة وكلامهم في الإيمان من أهل مكة، ومن أهل المدينة، ومن أهل اليمن، ومن أهل مصر. فمن أئمة أهل السنة [من أهل مصر والشام: مكحول الشامي والأوزاعي الشامي وسعيد بن عبد العزيز الشامي والوليد بن مسلم الشامي ويونس بن يزيد الأيلي المصري ويزيد بن أبي حبيب المصري ويزيد بن شريح المصري وسعيد بن أبي أيوب المصري والليث بن سعد المصري وعبيد الله بن أبي جعفر ومعاوية بن صالح وحيوة بن شريح وعبد الله بن وهب]، وهؤلاء مصريون. قال: [وممن سكن العواصم وغيرها من الجزيرة ميمون بن مهران ويحيى بن عبد الكريم]. ومن أهل الكوفة فلان وفلان، [ومن أهل البصرة الحسن البصري وابن سيرين وقتادة وبكر بن عبد الله المزني وأيوب السختياني ويونس بن عبيد وسليمان التيمي وعبد الله بن عون وحسان بن حسان وهشام الدستوائي وشعبة وحماد بن سلمة وحماد بن زيد وأبو الأشهب]، وغير واحد من هؤلاء. [ومن أهل واسط: هشيم بن بشير وخالد بن عبد الله الواسطي وعلي بن عاصم ويزيد بن هارون وصالح بن عمر وعاصم بن علي. ومن أهل المشرق: الضحاك بن مزاحم وأبو جمرة نصر بن عمران وعبد الله بن المبارك والنضر بن شميل وجرير بن عبد الحميد الضبي هؤلاء كلهم يقولون: الإيمان قول وعمل يزيد وينقص. وهو قول أهل السنة والجماعة، والمعمول به عندنا، وبالله التوفيق]. قوله: (والمعمول به عندنا) أي: الذي نعتقده أن الإيمان قول وعمل يزيد وينقص. وقال أبو عثمان محمد ابن الإمام محمد بن إدريس الشافعي سمعت أبي -وهو محمد بن إدريس الشافعي - يقول ليلة للحميدي: ما تحتج عليهم بآية هي أحج من قوله : ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ [البينة:٥]]. أي: الإمام الشافعي يذكر لشيخه الإمام الحميدي إذا ناظر المرجئة ذات يوم، وطلبوا منه آية في كتاب الله ما يحتج به عليهم. فالمناظرة متعلقة بهل العمل من الإيمان أم لا؟ إذاً: الخلاف الذي بين المرجئة وأهل السنة في اعتبار أن الأعمال من الإيمان أم لا؛ فهذا هو بيت القصيد في مخالفة المرجئة لأهل السنة. فالإمام الشافعي مع جلالته يكلم شيخه الإمام الحميدي صاحب المسند ويقول له: إذا ناظرت المرجئة ذات يوم فطلبوا منك آية في كتاب الله، فاحتج عليهم بقول الله: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ [البينة:٥]؛ لأن الدين يشمل الإيمان والإسلام والإحسان. [وناظر حرملة بن يحيى رجلين بحضرة الشافعي بمصر في الإيمان، فقال أحدهما: إن الإيمان قول، فحمي الشافعي من ذلك، وتقلد المسألة على أن الإيمان قول وعمل يزيد وينقص، فطحن الرجل وقطعه]. أي: قام عليه بالأدلة من الكتاب والسنة حتى أفحمه. فالطحن في مذهب العلماء هو إفحام الخصم بالحجة. [قال الشيخ ابن بطة: فهذا طريق الصحابة والتابعين وفقهاء المسلمين الذين جعلهم الله هداة هذا الدين، موافق ذلك لنص التنزيل وسنة رسوله الأمين، فنعوذ بالله من عبد بلي بمخالفة هؤلاء، وآثر هواه، ورد دين الله وشرائعه وسنة نبيه إلى نظره ورأيه واختياره، واستعمل اللجاج والخصومة يريد أن يطفئ نور الله ﴿وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ [التوبة:٣٢]]. يبقى لنا إن شاء الله في الدرس القادم إثبات زيادة الإيمان ونقصانه من كتاب الله، ثم من سنة الرسول ﵊، ثم من أقوال الصحابة والتابعين وسائر فقهاء الملة.

стр. 551

الأسئلة

стр. 552

التصرف في مال الربا السؤال توفي أخ لي من أبي وترك أولاداً يحتاجون إلى النفقة، وترك ديناً لبنك ولأشخاص معينين، ومبلغاً لمصاريف الجنازة والتجهيز والسرادق وغير ذلك. فهل يجوز له أن يدفع مال الربا في هذه المصاريف؟ الجواب يجوز له أن يدفع مال الربا للبنك؛ كأنه يقول: هذه بضاعتكم ردت إليكم، فهو ربا أخذ منكم ورد إليكم، ويستغفر لأخيه الذي مات.

стр. 553

حكم العمل في الضرائب السؤال ما حكم العمل بالضرائب؟ الجواب العمل في الضرائب حرام. والسائل يسأل سؤالاً مهذباً في نهاية الأمر فيقول: وهل لو أخذت بقول من يبيح العمل في الضرائب، وقدمته على قولكم؛ فإني مؤاخذ بذلك ومحاسب عليه أم ماذا؟ ثم يقول: والله ما أريد إلا الوصول للحق في هذه المسألة؟ الشيخ: جزاك الله خيراً وقد صدقناك وإن لم تقسم؛ لأنك عندنا صادق ابتداء، في الحقيقة قولك: هل عليك من حرج إذا أخذت بقول غيري وتركت قولي؟ أقول: لا حرج عليك إذا لم تكن صاحب هوى، وأنت قد أقسمت أنك لست صاحب هوى بدليل أنك تريد الوصول للحق، والذي يريد الوصول للحق يكون أبعد الناس عن الهوى. فإما أن تكون رجلاً من أهل العلم؛ لأن هذه مسألة لها تعلق بالعلم، أو طالباً من طلاب العلم يستطيع أن يقرأ في كلام أهل العلم وأدلتهم ويرجح بين هذا وذاك، فما ترجح في حقك فهو دين الله تعالى بحق، إذا كنت طالباً من طلاب العلم الذين لهم نظر وتمييز ونظر ثاقب في الأدلة، والموازنة بين أقوال أهل العلم. فأقول: انظر في قولي وفي قول من سألتهم غيري، فإذا ترجح لديك قولي فهو دين الله تعالى في حقك يجب أن تعمل به، وإذا ترجح لديك قول الآخرين فهو دين الله تعالى في حقك، ولا حرج عليك أن تدع قولي، فأنت مسئول بين يدي الله عما غلب على ظنك أنه هو دين الله الذي نزل من السماء. أما إذا كنت لست طالباً للعلم ولا لك نظر ولا بصر ثاقب تنظر في الأدلة وفي كلام أهل العلم، فواجب عليك أن تسأل من هم أعلم الناس لديك وأوثق الناس ديانة لديك، فإن استووا فالاحتياط في حقك أوجه. إذا استوى عندك في العلم والديانة والصيانة من قال بالجواز ومن قال بالمنع، فلا شك أن القائل بالمنع في حقك أحوط؛ لأنه لا يختلف أحد أن المنع عن المشتبهات أحوط، والنبي ﵊ يقول كما في حديث النعمان بن بشير في الصحيحين: (الحلال بين والحرام بين، وبنيهما أمور مشتبهات) فلا أقل من أن تعد هذا الأمر من المشتبهات (ومن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه). وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه.

стр. 554

شرح كتاب الإبانة - الإيمان قول وعمل يزيد وينقص [٣] الإيمان يزيد وينقص، وقد جاءت بذلك الأدلة الكثيرة من القرآن الكريم، ومن سنة النبي ﵊، والآثار الواردة عن السلف الصالح، ولا يخالف ذلك ولا ينكره إلا مرجئي خبيث، مريض القلب، زائغ البصر والبصيرة، قد تلاعبت به الشياطين، فأغوته عن الدين.

стр. 555

باب زيادة الإيمان ونقصانه وما دل على الفاضل فيه والمفضول الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه وسلم، وبعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة. أما بعد: فهذا الجزء السابع من كتاب الإبانة لـ ابن بطة، وفيه أربعة أبواب: الباب الأول: في زيادة الإيمان ونقصانه. الباب الثاني: في الاستثناء في الإيمان، أي: هل يجوز للرجل أن يقول: أنا مؤمن إن شاء الله، أو يسأل الإنسان أخاه فيقول له: هل أنت مؤمن؟ وما موقف السلف من هذه القضية. الباب الرابع: القول في المرجئة وما روي فيهم من إنكار العلماء في سوء مذهبهم. فالباب الذي يعنينا في هذه الليلة، هو باب إثبات أن الإيمان يزيد وينقص. قال المصنف رحمه الله تعالى: [اعلموا رحمكم الله أن الله تفضل بالإيمان على من سبقت له الرحمة في كتابه -أي: في اللوح المحفوظ- ومن أحب أن يسعده الله ، ثم جعل المؤمنين في الإيمان متفاضلين]، أي: أن أهل الإيمان بينهم تفاضل، فهو عند فلان كثير وعند آخر قليل، فأهل الإيمان في إيمانهم يتفاضلون، ورفع بعضهم فوق بعض درجات، ثم جعله فيهم يزيد ويقوى بالمعرفة والطاعة، وينقص ويضعف بالغفلة والمعصية]. إذاً: الإيمان يزيد بطاعة الله وبمعرفة الله تعالى والإيمان به، وينقص بالمعصية وبالبعد عن الله . قال: [وبهذا نزل الكتاب، وبه مضت السنة، وعليه أجمع العقلاء من أئمة الأمة، ولا ينكر ذلك ولا يخالفه إلا مرجئ خبيث قد مرض قلبه، وزاغ بصره، وتلاعبت به إخوانه من الشياطين، فهو من الذين قال الله فيهم: ﴿وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الغَيِّ ثُمَّ لا يُقْصِرُونَ﴾ [الأعراف:٢٠٢].

стр. 556

الأدلة القرآنية على زيادة الإيمان ونقصانه

стр. 557

الآيات التي ورد فيها ذكر زيادة الإيمان أو الهدى أو التقوى قال: [وأما ذكر الحجة في ذلك]، أي: في إثبات أن الإيمان يزيد وينقص: [ففي كتاب الله قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا﴾ [آل عمران:١٧٣]] فقوله سبحانه: (فَزَادَهُمْ إِيمَانًا) دليل على زيادة الإيمان، ولو كان الإيمان لا يزيد لم يكن لمنطوق هذه الآية أي دلالة، قال: [﴿فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [آل عمران:١٧٣]]. [وقال : ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ [الأنفال:٢]]. فقوله: ((وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ)) هذا باب من أبواب الطاعة، أعني قراءة القرآن والذكر والتسبيح والتكبير، فإذا تلبس به العبد زاد إيماناً، ﴿وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [آل عمران:١٧٣]. [وقال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْواهُمْ﴾ [محمد:١٧]]. ((وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا)) أي: طلبوا الهداية وتمنوها، واتخذوا السبيل العملي لتحقيق الهدى والتقى، فيمتن الله تعالى عليهم بأن يمنحهم الهدى وأن يزيد في تقواهم. [وقال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى﴾ [الكهف:١٣]]، فالهدى هو الإيمان. [وقال: ﴿وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ [التوبة:١٢٤]]، أي: أن الله تعالى يهدي بهذا القرآن أقواماً ويضل به آخرين.

стр. 558

قوله: (ولكن ليطمئن قلبي) قال: [وقال : ﴿أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة:٢٦٠] يريد: لأزداد إيماناً إلى إيماني، بذلك جاء التفسير]، فقد أجمع المفسرون على أن الاطمئنان إنما هو طلب المزيد من الإيمان، لا أصل الإيمان. وهذه الآية وردت في حق سيدنا إبراهيم ﵇، قال تعالى: ((وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي))؛ فإبراهيم ﵇ لم يكن شاكاً في أن الله تعالى هو الذي يحيي الموتى، ولذلك لم يطلب من ربه أن يريه بعث الموتى، وإنما طلب من ربه أن يريه الكيفية التي يبعث بها الموتى، فهو سأل عن الكيفية ولم يسأل عن أصل القضية، لم يقل: يا رب من الذي يحيي الموتى؟ لأن إبراهيم ﵇ يعلم ذلك علماً يقينياً لا يحتاج إلى دلالة، وإنما سأل عن الكيف يا رب أنا أريد أن أرى ميتاً تحييه أمامي، حتى يزداد بذلك إيماني ويقيني، وهذا لا ينفي أصل الإيمان وأصل اليقين عنده، فهو على يقين تام بأن الله هو الذي يحيي الموتى ويحيي العظام وهي رميم، لكنه طلب مزيد الإيمان ومزيد التقوى بآية وعلامة أمامه، ((وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى))، فالله تعالى يسأله وهو أعلم به، حتى لا يأتي من بعد ذلك من يقول: إبراهيم ﵇ كان شاكاً في أن الله تعالى هو الذي يحيي الموتى، فالله هنا قطع هذه الشبهة فقال: ((أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى))، أي: أنا مؤمن، فإذا أتى من يقول إن إبراهيم كان شاكاً نقول له: قد سأله الله هذا السؤال ((أَوَلَمْ تُؤْمِنْ))؟ ((قَالَ بَلَى)) ولا يصح أن يكون إبراهيم كاذباً في هذا الجواب، ومن قال إن نبياً من الأنبياء يكذب فقد كفر؛ لأن الكذب كبيرة والأنبياء مبرءون من الكبائر معصومون منها، وفي الصغائر خلاف ونزاع بين أهل العلم، والراجح من الأدلة في الكتاب والسنة أن الأنبياء يقعون في صغائر الذنوب، ولكنهم سرعان ما يتوبون منها، فيكونون بعد التوبة أحسن من حالهم قبل الذنب. فحينئذ قال الله تعالى: ﴿أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ أي: ليزداد إيماناً. [وقال سعيد بن جبير في قول الله تعالى: ﴿وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ قال: ليزداد، يعني: إيماناً].

стр. 559

قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا آمنوا) قال: [وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ﴾ [النساء:١٣٦]]، فالله تعالى خاطب أهل الإيمان وطالبهم بزيادة الإيمان، أن يسلكوا السبل المحصلة لزيادة الإيمان في القلوب، بدليل أنه لم يقل لهم يا أيها الناس ولا يا أيها المسلمون، وإنما قال: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا)) فأثبت لهم الإيمان، ((آمِنُوا)) أي: ازدادوا إيماناً بالله ورسوله والكتاب الذي أنزل عليكم. قال: [فلو لم يكونوا مؤمنين لما قال لهم: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا))، وإنما أراد بقوله ((آمِنُوا)): دوموا على إيمانكم وازدادوا إيماناً بالله وطاعة، واستكثروا من الأعمال الصالحة التي تزيد في إيمانكم، وازدادوا يقيناً وبصيرة، ومعرفة بالله تعالى وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر. وقد يقول الناس بعضهم لبعض مثل ذلك، في كل فعل يمتد ويحتمل الازدياد فيه، كقولك للرجل يأكل: كل، تريد: زد أكلك]، أي: وهو في حقيقة الأمر يأكل؛ لكنك تطلب منه مزيداً من الأكل، أو اشرب يا رجل، وهو يشرب مثلاً (شاي) فتريد منه أن يشرب الآخر، أي: ازدد شرباً. وهذا في الأمر الذي لا منتهى له، والإيمان لا نهاية له، ولذلك مهما زاد فيه الإنسان يطالب بالزيادة، بخلاف الأمر الذي له نهاية، لو أن واحداً جالس فأقول له: اجلس، يقول لي: أنا جالس، وآخر قائم فأقول له: قم، يقول لي: أنا قائم، فالقيام له نهاية والجلوس له نهاية. فالأمور التي لها نهاية لا يطالب المرء فيها بالمزيد، أما الأمر الذي لا نهاية له فالإنسان مهما استزاد منه يطالب بالزيادة، فأعظم مثل لذلك هو الإيمان. قال: [فالإيمان لا منتهى له، وهو شيء لا يقبل الحد، حتى الأنبياء أنفسهم يطالبون بالزيادة، بدليل أن الله تعالى فضّل بعض الأنبياء على بعض، وإنما ذلك بالإيمان، ولا يجوز أن يكون ذلك في الأفعال المتناهية كما قلت. قال الله تعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ﴾ [البقرة:٢٥٣]] أي: بعض الأنبياء درجته فوق درجة بقية الأنبياء، بدليل أن تكليم الله لبعض عباده شرف عظيم جداً، فالله كلم موسى تكليماً، واتخذ إبراهيم خليلاً، فإن لموسى ﵇ منزلة عظيمة جداً، ولإبراهيم منزلة عظيمة بهذه الخلة، ونبينا ﵊ فوق ذلك كله، وقد حباه الله تعالى بما لم يؤته أحداً من الأنبياء. ولذلك فإن الجعد بن درهم أنكر أن الله تعالى كلم موسى تكليماً، كما أنكر أن الله تعالى اتخذ إبراهيم خليلاً، فأتى به خالد بن عبد الله القسري في عيد الأضحى، وبعد أن خطب خالد خطبة العيد نزل وقال: أيها الناس! ضحوا فإني مضح بـ الجعد بن درهم، ونزل من المنبر، وقال له: ألست الذي تزعم أن الله لم يكلم موسى تكليماً ولم يتخذ إبراهيم خليلاً؟ قال: أعتذر أو أتوب، قال: هذا بينك وبين الله، والذي أمرنا به هو قتلك، وذبحه في أصل المنبر؛ لأن الذي يقول إن الله لم يتخذ إبراهيم خليلاً ولم يكلم موسى تكليماً، لا بد أنه مكذب لله تعالى، ومكذب للرسول ﵊، ومكذب للصحابة الذين نقلوا إلينا هذا الكلام الرباني الإلهي. وهذا الرجل اختلف أهل العلم فيه، فمنهم من قال: إنما قتله القسري درءاً لفتنته، ولئلا يتمثل به أحد، ومنهم من قال: بل يكفر بذلك، وإنما قتله خالد ردة، وهذا الذي يترجح لدي.

стр. 560

الآيات الدالة على المفاضلة بين الرسل بسبب زيادة الإيمان قال: [وقال الله : ﴿وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ﴾ [الإسراء:٥٥]]، إذا كان التفضيل بين الأنبياء والمرسلين بسبب الإيمان، فلأن يكون في أتباع الأنبياء والمرسلين من باب أولى. [وقال تعالى: ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا﴾ [الأنعام:١٣٢]]، أي: بسبب ما عملوا. إذاً: مناط الزيادة والنقصان في الإيمان هو العمل. [وقال تعالى: ﴿لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ [الحديد:١٠]]، أي: كلاً وعد الله تعالى دخول الجنة التي هي الحسنى، ولكن لا يستوون في الجنة، فبعضهم في الجنة في درجة أعلى من بعض، فالذين هاجروا وقاتلوا قبل الفتح، وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم؛ فوق الذين آمنوا وهاجروا بعد الفتح.

стр. 561

الآيات الدالة على تفاضل المؤمنين بزيادة الأعمال قال: [وقال الله تعالى: ﴿لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ﴾ [النساء:٩٥]]؛ لأن هؤلاء مستثنون؛ لأن الذي منعهم من الجهاد هو الضرر؛ سواء كان الحاجة أو المرض أو صغر السن أو الأنوثة أو غير ذلك [﴿لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ﴾ [النساء:٩٥]]، والتقدير: لا يستوي القاعدون من المؤمنين والمجاهدون في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم، [﴿فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً﴾ [النساء:٩٥]]، هؤلاء أحسن من هؤلاء بدرجة [﴿وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء:٩٥]]، والأجر العظيم هو ﴿دَرَجَاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء:٩٦]]. [وقال الله تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ﴾ [التوبة:١٠٠]]، الذين هاجروا أفضل من الأنصار، وهذه الآية كانت حجة عمر ﵁ في سقيفة بني ساعدة، حينما اختلف المهاجرون والأنصار فقال الأنصار: منا أمير ومنكم أمير، فأتى عمر بن الخطاب فذكرهم بفضل المهاجرين وفضل سبقهم في الإسلام، وفضل هجرتهم من مكة إلى المدينة، ثم بين فضل الأنصار، وأنه لم يثبت لهم إلا بعد أن ثبت الفضل للمهاجرين لأنهم السابقون الأولون؛ قال الله تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ﴾ أي: والأنصار من بعدهم، [﴿وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ﴾]. إذاً الترتيب في الفضل: المهاجرون، الأنصار، التابعون لهم بإحسان جيلاً بعد جيل إلى قيام الساعة. [وقال الله : ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ * أُوْلَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ﴾ [الواقعة:١٠ - ١١]]، وهذه أعظم الدرجات. قال: [فقد علم أهل العلم والعقل أن السابق -أي: من المهاجرين- أفضل من المسبوق، والتابع دون المتبوع، وأن الله لم يفضل الناس بعضهم على بعض بوثاقة الأجسام، ولا بصباحة الوجه، ولا بحسن الزي وكثرة الأموال، ولو كانوا بذلك متفاضلين، لما كانوا به عنده ممدوحين؛ لأن ذلك ليس هو بهم ولا من فعلهم، فعلمنا أن العلو في الدرجات والتفاضل في المنازل؛ إنما هو بفضل الإيمان وقوة اليقين، والمسابقة إليه بالأعمال الزاكية، والنيات الصادقة من القلوب الطاهرة].

стр. 562

الآيات الدالة على عدم المساواة بين الصالحين والفاسقين قال: [قال الله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [الجاثية:٢١]]، يعني: هل يتصور الناس أننا نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات سواء مع الذين اجترحوا واقترفوا السيئات؟ ومدار هذا أن العمل إيمان، [﴿سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ [الجاثية:٢١]]، أي: إذا كانوا يتصورون أننا نسوي بين الذي عمل عملاً صالحاً والذي عمل السيئات، فهذا بلا شك من سوء الحكم. ٌ [وقال الله : ﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ﴾ [ص:٢٨]] يعني: هل يتصور أحد أن الفاجر والتقي عند الله سواء؟ لا يمكن ذلك، وكذلك الذين آمنوا وعملوا الصالحات ليسوا كالمفسدين في الأرض. قال: [فهذا وأشباهه في كتاب الله يدل العقلاء على زيادة الإيمان ونقصانه، وتفاضل المؤمنين بعضهم على بعض، وعلوهم في الدرجات. وبمثل ذلك جاءت السنة -يعني: لتؤكد هذا المعنى- عن النبي ﷺ ، وعن الصحابة والتابعين وفقهاء المسلمين. ولو كان الإيمان كله واحداً لا نقصان له ولا زيادة، لم يكن لأحد على أحد فضل، ولاستوت النعمة فيه، ولا يستوي، وبطل العقل الذي فضل الله به العقلاء، وشرف به الحكماء والعلماء، وبإتمام الإيمان دخل الناس الجنة، وبالزيادة في الإيمان تفاضل المؤمنون في الدرجات في الجنان عند الله -أي: أنه بالإيمان دخل المؤمنون الجنة، فالدرجات بتفاضلهم- وبالنقصان منه -أي: من الإيمان- دخل المقصرون النار، فنعوذ بالله من النار. وإن الإيمان درجات ومنازل يتفاضل بها المؤمنون عند الله، ومتى تأمل متأمل وصف الله للمؤمنين وتفضيله بعضهم على بعض، وكيف حزبهم إليه بالسباق]، أي: كيف حفز الله المؤمنين للسباق إلى طاعته وزيادة الإيمان. قال: [وبذلك فضل الله أوائل هذه الأمة على أواخرها، ولو لم يكن للسابقين بالإيمان فضل على المسبوقين، للحق آخر هذه الأمة أولها، وربما فاق عليه]، ولو لم يكن للسبق فضل لربما كان المتأخر أفضل من السابق، وبالتالي فلنا أن نقول إن التابعين أفضل من الصحابة، وإن أتباع التابعين أفضل من التابعين، وهذا كلام لم يقل به أحد من أهل السنة والجماعة.

стр. 563

الآيات الدالة على زيادة الإيمان بالأعمال وتفاضل أهله فيه قال: [قال الله تعالى: ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [الحديد:٢١]]، فالله تعالى يحثنا على السبق في العمل الصالح حتى نحظى بمغفرته . [وقال: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ﴾ [التوبة:١٠٠] فبدأ بالمهاجرين الأولين على درجاتهم في السبق، ثم ثنى بالأنصار على سبقهم، ثم ثلث بالتابعين لهم بإحسان، فوضع كل قوم على درجاتهم ومنازلهم عنده سبحانه. ثم ذكر ما فضل به أولياءه بعضهم على بعض، فبدأ بالرسل والأنبياء فقال: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [البقرة:٢٥٣]، وقال: ﴿وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ﴾ [الإسراء:٥٥]. وأمر نبيه ﷺ أن يتأمل ذلك، فقال تعالى: ﴿كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلاءِ وَهَؤُلاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا * انظُرْ [الإسراء:٢٠ - ٢١] أي: يا محمد [﴿كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا﴾ [الإسراء:٢١]. وقال تعالى: ﴿هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [آل عمران:١٦٣]]، والدرجة لا تطلق إلا على العلو، بخلاف الدركة فإنها تطلق على الأسفل، فالجنة درجات والنار دركات، ولذلك قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ [النساء:١٤٥] ولم يقل: في الدرجات السفلى أو في أسفل درجة. [وقال تعالى: ﴿وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ﴾ [هود:٣]]، أي: يوضع كل إنسان في درجته ومنزلته على حسب ما عنده من أعمال وإيمان. [وقال تعالى: ﴿لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا﴾ [الحديد:١٠]. وقال: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة:١١]]، وهذه الآية صريحة في زيادة الإيمان وزيادة الدرجات. [وقال تعالى: ﴿وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء:٩٥]. وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ [التوبة:٢٠]. فهذه درجات الإيمان ومنازله، تفاضل الناس بها عند الله، واستبقوا إليه بالطاعة بها. فالإيمان هو الطاعة -أي: امتثال الأمر وترك النهي- وبذلك فضل الله المهاجرين والأنصار؛ لأنهم أطاعوا الله ورسوله، ولأنهم أسلموا من خوف الله، وأسلم سائر الناس من خوف سيوفهم]. أي: أنهم أسلموا ابتداء لأنهم خافوا الله تعالى، لكن الناس أسلموا بعد ذلك خوفاً من القتل، ولذلك المهاجرون والأنصار استحقوا السبق على سائر الناس لأنهم سابقوا إلى مغفرة من الله ورضواناً، وأسلم سائر الناس من خوف سيوفهم. قال: [وفضل الله المهاجرين والأنصار بطواعيتهم لله ولرسوله. وكذلك قال الله تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء:٨٠]، وقال: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ﴾ [آل عمران:١٣٢]، وقال: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر:٧]. وقال: ﴿وَلا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ﴾ [الممتحنة:١٢] يعني في سنن الرسول]، أي: في سننه وأحواله وأيامه صلوات الله وسلامه عليه. قال: [وخلق الله الخلق لطاعته، إلا من سبق عليه القول في كتابه بشقوته، فقال الله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦]]، وهذا أسلوب حصر وقصر. [وقال: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ﴾ [الحج:١٨]، وقال: ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ وَالْمَلائِكَةُ﴾ [النحل:٤٩]. وقال الله تعالى للسماء والأرض: ﴿اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ [فصلت:١١]. فالإيمان يا أخي -رحمك الله- هو القول، والعمل هو الطاعة]، أي: الإيمان هو قول اللسان وقول القلب، والعمل هو الطاعة، [والقول تبع للطاعة والعمل، والناس يتفاضلون فيه على حسب مقادير عقولهم، ومعرفتهم بربهم، وشدة اجتهادهم في السبق بالأعمال الصالحة إليه].

стр. 564

الأدلة من السنة على ما ورد عن السلف في زيادة الإيمان ونقصانه قال: [وقد شرحت السنة عن رسول الله ﷺ وأصحابه والتابعين لهم بإحسان زيادة الإيمان ونقصانه، وتفاضل أهله بعضهم على بعض].

стр. 565

الأحاديث الدالة على تأثير المعاصي على الإيمان بالنقصان قال: [من ذلك]، ما جاء [عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: (إن المؤمن إذا أذنب ذنباً نكت في قلبه نكتة سوداء، فإذا أذنب ذنباً آخر نكت فيه نكتة أخرى، حتى يعلوه الران)]، يعني: يختم على قلبه بهذا السواد. [ابن عباس كان يقسم بالله لو أنكم شققتم عن قلب المؤمن لوجدتموه أو أبيض، ولو شققتم عن قلب المنافق لوجدتموه أسود]. والمقصود عند جماهير السلف أن السواد والبياض أمر معنوي يتعلق بالبصيرة. قال: [(إن المؤمن إذا أذنب ذنباً كانت نكتة سوداء في قلبه، فإن تاب ونزع واستغفر صقل منها قلبه، فإن زاد زادت حتى يعلو قلبه، فذلك الران الذي قال الله : ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [المطففين:١٤])] أي: بسبب ما كانوا يكسبون، علاه الران والسواد كما في [حديث حذيفة في الصحيحين أن النبي ﵊ قال: (تعرض الفتن على القلوب كالحصير عوداً عوداً، فأيما قلب أشربها نكت فيه نكتة سوداء، وأيما قلب أنكرها نكت فيه نكتة بيضاء؛ حتى تكون القلوب على قلبين: قلب أبيض لا يضره شيء ما دامت السماوات والأرض، وقلب أسود مرباد -أي: معكر- كالكوز مجخياً -أي: منكوساً ومائلاً- لا يعرف معروفاً ولا ينكر منكراً إلا ما أشرب من هواه)]. فهذا حديث مرعب ومخيف جداً، فالقلوب قسمان: قلب أبيض بنور الإيمان لا يضره شيء ما دامت السماوات والأرض، وقلب أسود كلما عرضت عليه فتنة أشربها؛ لأنه صاحب هوى وليس صاحب سنة، حتى يعلوه الران، فبعد ذلك لا يعرف معروفاً ولا ينكر منكراً للسواد الذي علاه، أطفأ الله تعالى عنه نور العلم والإيمان والبصيرة، فصار لا يعرف معروفاً ولا ينكر منكراً، بل ربما ظن أن المعروف منكراً أو أن المنكر معروفاً، أو ذهب ليأمر بالمنكر وينهى عن المعروف. وهذه دركات وظلمات بعضها فوق بعض، نسأل الله السلامة لنا ولكم. [وعن عبد الله بن عمرو بن هند الجملي قال: كان علي بن أبي طالب ﵁ يقول: إن الإيمان يبدو لمظة] أي: كشيء يلمظ لمظة، أي: يرى دقيقاً يسيراً. قال: [إن الإيمان يبدو لمظة بيضاء في القلب، كلما زاد الإيمان زاد البياض -أي: كلما زاد الإيمان بزيادة العمل زاد معه هذا البياض، حتى يكون قلباً أبيض ناصع البياض- فإذا استكمل الإيمان ابيض القلب، وإن النفاق يبدو لمظة سوداء في القلب، كلما زاد النفاق زاد ذلك السواد، فإذا استكمل النفاق اسود القلب كله. وأيم الله! لو شققتم عن قلب مؤمن لوجدتموه أبيض، ولو شققتم عن قلب منافق لوجدتموه أسود]. وهذا الإسناد فيه ضعف، إلا أن الروايات التي في الباب تشهد لهذا الكلام. [وعن عبد الله بن مسعود قال: إذا أذنب الرجل الذنب نكت في قلبه نكتة سوداء، فإذا أذنب الذنب نكت في قلبه أخرى، حتى يكون لون قلبه لون الشاة الربذاء]، أي: الشاة المغبرة التي ليست إلى السواد ولا إلى البياض. قال: [وعن مجاهد قال: القلب مثل الكف؛ إذا أذنب الرجل الذنب انقبض بعضه -ثم قبض أصبعاً- وإذا أذنب الذنب انقبض بعضه -ثم قبض أصبعاً، حتى قبض أصابعه كلها- ثم يطبع عليه، فكانوا يرون ذلك الران، ثم قرأ: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [المطففين:١٤]]، يعني: زيادة الذنب ليست من الطاعة، فصاحب الذنب يحب أصحاب الذنوب ويواليهم، ويعادي أصحاب الطاعة ولا يحب رؤيتهم، إذا بلغ العبد هذا المبلغ فليعلم أن هذا خطر عظيم جداً عليه.
следующие страницы →