← Акыда

Акыда · id 37436

شرح كتاب الإبانة من أصول الديانة

حسن أبو الأشبال الزهيري

Полный текст (1 366 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

الآيات الدالة على تفاضل المؤمنين بزيادة الأعمال قال: [وقال الله تعالى: ﴿لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ﴾ [النساء:٩٥]]؛ لأن هؤلاء مستثنون؛ لأن الذي منعهم من الجهاد هو الضرر؛ سواء كان الحاجة أو المرض أو صغر السن أو الأنوثة أو غير ذلك [﴿لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ﴾ [النساء:٩٥]]، والتقدير: لا يستوي القاعدون من المؤمنين والمجاهدون في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم، [﴿فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً﴾ [النساء:٩٥]]، هؤلاء أحسن من هؤلاء بدرجة [﴿وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء:٩٥]]، والأجر العظيم هو ﴿دَرَجَاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء:٩٦]]. [وقال الله تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ﴾ [التوبة:١٠٠]]، الذين هاجروا أفضل من الأنصار، وهذه الآية كانت حجة عمر ﵁ في سقيفة بني ساعدة، حينما اختلف المهاجرون والأنصار فقال الأنصار: منا أمير ومنكم أمير، فأتى عمر بن الخطاب فذكرهم بفضل المهاجرين وفضل سبقهم في الإسلام، وفضل هجرتهم من مكة إلى المدينة، ثم بين فضل الأنصار، وأنه لم يثبت لهم إلا بعد أن ثبت الفضل للمهاجرين لأنهم السابقون الأولون؛ قال الله تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ﴾ أي: والأنصار من بعدهم، [﴿وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ﴾]. إذاً الترتيب في الفضل: المهاجرون، الأنصار، التابعون لهم بإحسان جيلاً بعد جيل إلى قيام الساعة. [وقال الله : ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ * أُوْلَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ﴾ [الواقعة:١٠ - ١١]]، وهذه أعظم الدرجات. قال: [فقد علم أهل العلم والعقل أن السابق -أي: من المهاجرين- أفضل من المسبوق، والتابع دون المتبوع، وأن الله لم يفضل الناس بعضهم على بعض بوثاقة الأجسام، ولا بصباحة الوجه، ولا بحسن الزي وكثرة الأموال، ولو كانوا بذلك متفاضلين، لما كانوا به عنده ممدوحين؛ لأن ذلك ليس هو بهم ولا من فعلهم، فعلمنا أن العلو في الدرجات والتفاضل في المنازل؛ إنما هو بفضل الإيمان وقوة اليقين، والمسابقة إليه بالأعمال الزاكية، والنيات الصادقة من القلوب الطاهرة].

стр. 562

الآيات الدالة على عدم المساواة بين الصالحين والفاسقين قال: [قال الله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [الجاثية:٢١]]، يعني: هل يتصور الناس أننا نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات سواء مع الذين اجترحوا واقترفوا السيئات؟ ومدار هذا أن العمل إيمان، [﴿سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ [الجاثية:٢١]]، أي: إذا كانوا يتصورون أننا نسوي بين الذي عمل عملاً صالحاً والذي عمل السيئات، فهذا بلا شك من سوء الحكم. ٌ [وقال الله : ﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ﴾ [ص:٢٨]] يعني: هل يتصور أحد أن الفاجر والتقي عند الله سواء؟ لا يمكن ذلك، وكذلك الذين آمنوا وعملوا الصالحات ليسوا كالمفسدين في الأرض. قال: [فهذا وأشباهه في كتاب الله يدل العقلاء على زيادة الإيمان ونقصانه، وتفاضل المؤمنين بعضهم على بعض، وعلوهم في الدرجات. وبمثل ذلك جاءت السنة -يعني: لتؤكد هذا المعنى- عن النبي ﷺ ، وعن الصحابة والتابعين وفقهاء المسلمين. ولو كان الإيمان كله واحداً لا نقصان له ولا زيادة، لم يكن لأحد على أحد فضل، ولاستوت النعمة فيه، ولا يستوي، وبطل العقل الذي فضل الله به العقلاء، وشرف به الحكماء والعلماء، وبإتمام الإيمان دخل الناس الجنة، وبالزيادة في الإيمان تفاضل المؤمنون في الدرجات في الجنان عند الله -أي: أنه بالإيمان دخل المؤمنون الجنة، فالدرجات بتفاضلهم- وبالنقصان منه -أي: من الإيمان- دخل المقصرون النار، فنعوذ بالله من النار. وإن الإيمان درجات ومنازل يتفاضل بها المؤمنون عند الله، ومتى تأمل متأمل وصف الله للمؤمنين وتفضيله بعضهم على بعض، وكيف حزبهم إليه بالسباق]، أي: كيف حفز الله المؤمنين للسباق إلى طاعته وزيادة الإيمان. قال: [وبذلك فضل الله أوائل هذه الأمة على أواخرها، ولو لم يكن للسابقين بالإيمان فضل على المسبوقين، للحق آخر هذه الأمة أولها، وربما فاق عليه]، ولو لم يكن للسبق فضل لربما كان المتأخر أفضل من السابق، وبالتالي فلنا أن نقول إن التابعين أفضل من الصحابة، وإن أتباع التابعين أفضل من التابعين، وهذا كلام لم يقل به أحد من أهل السنة والجماعة.

стр. 563

الآيات الدالة على زيادة الإيمان بالأعمال وتفاضل أهله فيه قال: [قال الله تعالى: ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [الحديد:٢١]]، فالله تعالى يحثنا على السبق في العمل الصالح حتى نحظى بمغفرته . [وقال: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ﴾ [التوبة:١٠٠] فبدأ بالمهاجرين الأولين على درجاتهم في السبق، ثم ثنى بالأنصار على سبقهم، ثم ثلث بالتابعين لهم بإحسان، فوضع كل قوم على درجاتهم ومنازلهم عنده سبحانه. ثم ذكر ما فضل به أولياءه بعضهم على بعض، فبدأ بالرسل والأنبياء فقال: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [البقرة:٢٥٣]، وقال: ﴿وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ﴾ [الإسراء:٥٥]. وأمر نبيه ﷺ أن يتأمل ذلك، فقال تعالى: ﴿كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلاءِ وَهَؤُلاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا * انظُرْ [الإسراء:٢٠ - ٢١] أي: يا محمد [﴿كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا﴾ [الإسراء:٢١]. وقال تعالى: ﴿هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [آل عمران:١٦٣]]، والدرجة لا تطلق إلا على العلو، بخلاف الدركة فإنها تطلق على الأسفل، فالجنة درجات والنار دركات، ولذلك قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ [النساء:١٤٥] ولم يقل: في الدرجات السفلى أو في أسفل درجة. [وقال تعالى: ﴿وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ﴾ [هود:٣]]، أي: يوضع كل إنسان في درجته ومنزلته على حسب ما عنده من أعمال وإيمان. [وقال تعالى: ﴿لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا﴾ [الحديد:١٠]. وقال: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة:١١]]، وهذه الآية صريحة في زيادة الإيمان وزيادة الدرجات. [وقال تعالى: ﴿وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء:٩٥]. وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ [التوبة:٢٠]. فهذه درجات الإيمان ومنازله، تفاضل الناس بها عند الله، واستبقوا إليه بالطاعة بها. فالإيمان هو الطاعة -أي: امتثال الأمر وترك النهي- وبذلك فضل الله المهاجرين والأنصار؛ لأنهم أطاعوا الله ورسوله، ولأنهم أسلموا من خوف الله، وأسلم سائر الناس من خوف سيوفهم]. أي: أنهم أسلموا ابتداء لأنهم خافوا الله تعالى، لكن الناس أسلموا بعد ذلك خوفاً من القتل، ولذلك المهاجرون والأنصار استحقوا السبق على سائر الناس لأنهم سابقوا إلى مغفرة من الله ورضواناً، وأسلم سائر الناس من خوف سيوفهم. قال: [وفضل الله المهاجرين والأنصار بطواعيتهم لله ولرسوله. وكذلك قال الله تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء:٨٠]، وقال: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ﴾ [آل عمران:١٣٢]، وقال: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر:٧]. وقال: ﴿وَلا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ﴾ [الممتحنة:١٢] يعني في سنن الرسول]، أي: في سننه وأحواله وأيامه صلوات الله وسلامه عليه. قال: [وخلق الله الخلق لطاعته، إلا من سبق عليه القول في كتابه بشقوته، فقال الله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦]]، وهذا أسلوب حصر وقصر. [وقال: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ﴾ [الحج:١٨]، وقال: ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ وَالْمَلائِكَةُ﴾ [النحل:٤٩]. وقال الله تعالى للسماء والأرض: ﴿اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ [فصلت:١١]. فالإيمان يا أخي -رحمك الله- هو القول، والعمل هو الطاعة]، أي: الإيمان هو قول اللسان وقول القلب، والعمل هو الطاعة، [والقول تبع للطاعة والعمل، والناس يتفاضلون فيه على حسب مقادير عقولهم، ومعرفتهم بربهم، وشدة اجتهادهم في السبق بالأعمال الصالحة إليه].

стр. 564

الأدلة من السنة على ما ورد عن السلف في زيادة الإيمان ونقصانه قال: [وقد شرحت السنة عن رسول الله ﷺ وأصحابه والتابعين لهم بإحسان زيادة الإيمان ونقصانه، وتفاضل أهله بعضهم على بعض].

стр. 565

الأحاديث الدالة على تأثير المعاصي على الإيمان بالنقصان قال: [من ذلك]، ما جاء [عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: (إن المؤمن إذا أذنب ذنباً نكت في قلبه نكتة سوداء، فإذا أذنب ذنباً آخر نكت فيه نكتة أخرى، حتى يعلوه الران)]، يعني: يختم على قلبه بهذا السواد. [ابن عباس كان يقسم بالله لو أنكم شققتم عن قلب المؤمن لوجدتموه أو أبيض، ولو شققتم عن قلب المنافق لوجدتموه أسود]. والمقصود عند جماهير السلف أن السواد والبياض أمر معنوي يتعلق بالبصيرة. قال: [(إن المؤمن إذا أذنب ذنباً كانت نكتة سوداء في قلبه، فإن تاب ونزع واستغفر صقل منها قلبه، فإن زاد زادت حتى يعلو قلبه، فذلك الران الذي قال الله : ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [المطففين:١٤])] أي: بسبب ما كانوا يكسبون، علاه الران والسواد كما في [حديث حذيفة في الصحيحين أن النبي ﵊ قال: (تعرض الفتن على القلوب كالحصير عوداً عوداً، فأيما قلب أشربها نكت فيه نكتة سوداء، وأيما قلب أنكرها نكت فيه نكتة بيضاء؛ حتى تكون القلوب على قلبين: قلب أبيض لا يضره شيء ما دامت السماوات والأرض، وقلب أسود مرباد -أي: معكر- كالكوز مجخياً -أي: منكوساً ومائلاً- لا يعرف معروفاً ولا ينكر منكراً إلا ما أشرب من هواه)]. فهذا حديث مرعب ومخيف جداً، فالقلوب قسمان: قلب أبيض بنور الإيمان لا يضره شيء ما دامت السماوات والأرض، وقلب أسود كلما عرضت عليه فتنة أشربها؛ لأنه صاحب هوى وليس صاحب سنة، حتى يعلوه الران، فبعد ذلك لا يعرف معروفاً ولا ينكر منكراً للسواد الذي علاه، أطفأ الله تعالى عنه نور العلم والإيمان والبصيرة، فصار لا يعرف معروفاً ولا ينكر منكراً، بل ربما ظن أن المعروف منكراً أو أن المنكر معروفاً، أو ذهب ليأمر بالمنكر وينهى عن المعروف. وهذه دركات وظلمات بعضها فوق بعض، نسأل الله السلامة لنا ولكم. [وعن عبد الله بن عمرو بن هند الجملي قال: كان علي بن أبي طالب ﵁ يقول: إن الإيمان يبدو لمظة] أي: كشيء يلمظ لمظة، أي: يرى دقيقاً يسيراً. قال: [إن الإيمان يبدو لمظة بيضاء في القلب، كلما زاد الإيمان زاد البياض -أي: كلما زاد الإيمان بزيادة العمل زاد معه هذا البياض، حتى يكون قلباً أبيض ناصع البياض- فإذا استكمل الإيمان ابيض القلب، وإن النفاق يبدو لمظة سوداء في القلب، كلما زاد النفاق زاد ذلك السواد، فإذا استكمل النفاق اسود القلب كله. وأيم الله! لو شققتم عن قلب مؤمن لوجدتموه أبيض، ولو شققتم عن قلب منافق لوجدتموه أسود]. وهذا الإسناد فيه ضعف، إلا أن الروايات التي في الباب تشهد لهذا الكلام. [وعن عبد الله بن مسعود قال: إذا أذنب الرجل الذنب نكت في قلبه نكتة سوداء، فإذا أذنب الذنب نكت في قلبه أخرى، حتى يكون لون قلبه لون الشاة الربذاء]، أي: الشاة المغبرة التي ليست إلى السواد ولا إلى البياض. قال: [وعن مجاهد قال: القلب مثل الكف؛ إذا أذنب الرجل الذنب انقبض بعضه -ثم قبض أصبعاً- وإذا أذنب الذنب انقبض بعضه -ثم قبض أصبعاً، حتى قبض أصابعه كلها- ثم يطبع عليه، فكانوا يرون ذلك الران، ثم قرأ: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [المطففين:١٤]]، يعني: زيادة الذنب ليست من الطاعة، فصاحب الذنب يحب أصحاب الذنوب ويواليهم، ويعادي أصحاب الطاعة ولا يحب رؤيتهم، إذا بلغ العبد هذا المبلغ فليعلم أن هذا خطر عظيم جداً عليه.

стр. 566

حديث حذيفة في نزول الأمانة في قلوب الرجال ورفعها [وعن حذيفة ﵁]، وهو صاحب أحاديث الفتن، وكان يحرص حرصاً تاماً على معرفة ما سيقع بين يدي الساعة، وما سيقع في هذه الأمة من فتن، فكان يسأل ﵊ دائماً عن ذلك، [قال: حدثنا النبي ﷺ حديثين: رأيت أحدهما وأنا أنتظر الآخر، حدثنا أن الأمانة نزلت في جذر قلوب الرجال، والعلماء اختلفوا في الأمانة، فقال بعضهم: هي التكاليف الشرعية، وبعضهم يقول: هي الأمر والنهي، وبعضهم يقول: هي الدين كله. والراجح أن الأمانة هي الدين كله، وأصل الدين الإيمان بالله ، والإيمان بالله هو الذي يدفع صاحبه إلى العمل الصالح، ولا بأس من جمع هذا كله في تفسير الأمانة هنا. قال: [(حدثنا أن الأمانة نزلت في جذر -أي: في أصل- قلوب الرجال)]، وذكر الرجال من باب التغليب، والأصل أن النساء يدخلن في هذا الخطاب. قال: [(ونزل القرآن، فتعلموا من القرآن وتعلموا من السنة)]. ولذلك السلف ﵃ كانوا يتعلمون الإيمان أولاً، فإذا نزل القرآن تعلموه، وتعلموا السنة فازدادوا بها إيماناً، وهذا جاء صريحاً في حديث عبد الله بن عمر وفي حديث جرير بن عبد الله البجلي. [ثم قال حذيفة: (ثم حدثنا النبي ﵊ عن رفعها)]. إذاً: الحديثان هما: الأول: عن فضل نزول الأمانة، وأن ذلك كان في جذر قلوب الرجال، والكلام هذا رأيناه عياناً، وهذا فيه إثبات خيرية وأفضلية أصحاب النبي ﵊. والحديث الثاني: عن رفع الأمانة، أي: كيف ترفع من قلوب الناس، وهذا لم يره حذيفة، وإن كان حذيفة من عند نفسه بالغ أنه في نهاية عمره قد رأى ذلك، وآخر عمر حذيفة بلا شك أنه أقل في الفضل من أول عمره؛ لأن حذيفة كان يعيش مع النبي ﵊، وكان يعيش مع الخلفاء الراشدين فالأمر كان كله هناء وسعادة وإيماناً، لكن بعد ذلك دخلت الفتن بمقتل عثمان ﵁، وبالحروب التي قامت في نهاية زمن الخلافة وغير ذلك وهذه كلها فتن. ولذلك حذيفة تأثر تأثراً شديداً بما أدرك من فتن، فقال: كنت أبايع كل من لاقيت أي: إذا أردت أن أبيع وأشتري فأبيع وأشتري من أي أحد من غير أن أسأل عنه، لأنه أحد أمرين: لو كان مؤمناً رده علي دينه ولن يغشني؛ ولو كان يهودياً أو نصرانياً رده علي ساعيه، والساعي هنا هو السيد والوالي. أي: لو أنه باع من اليهود والنصارى وغشوه، فيستطيع أن يأخذ حقه مرة أخرى من السيد المسلم الذي هو ولي هذا اليهودي أو هذا النصراني. قال: أما الآن فلا أبايع منكم إلا فلاناً وفلاناً، قيل له: هل الأمانة ترفع يا حذيفة؟ قال: نعم، ترفع حتى يقال للرجل ما أظرفه وما أعقله وما أجلده، وليس في قلبه مثقال حبة خردل من إيمان. وهذا حديث مخيف، وأظن أنني خطبت عنه في جمعة على هذا المنبر. قال: [(ثم حدثنا عن رفعها، فقال: ينام الرجل النومة فتنزع الأمانة من قلبه، فيظل أثرها كأثر المجل)] وهو الأثر الخفيف اليسير، أو اللون المخالف للون الأصلي. قال: [(كجمر دحرجته على رجلك فنفط، فتراه منتبراً وليس فيه شيء)]، يقول: كما لو أتيت بجمرة فبدحرجتها على فخذك، لا شك أن هذا الموضع الذي دحرجت عليه الجمرة سينتفط ويعلو ويمتلئ ماء، هذا الماء لا ينتفع به ولا قيمة له، ولذلك قال: (كجمر دحرجته على رجلك فنفط) أي: فعلا وارتفع هذا الجلد وتكون تحته الماء، فيترك أثراً كالمجل، [(أو قال: كالوكت، ثم ينام الرجل النومة الثانية، فتقبض الأمانة من قلبه فيظل أثرها مثل المجل)] قال في الأولى: كالوكت وهو أثر يسير، والمرة الأخرى قال: كالمجل وهو عظيم وشديد. وضرب له مثلاً كالذي يأخذ الفأس ولا عادة له بهذا الفأس، لأنه منعم مترف حينما تعطيه الفأس وتقول له: شطب لي هذا الرصيف، ما الذي سيحصل؟ فربما يموت كمداً من أول ما يبدأ الشغل، لكن حينما يبدأ يشتغل، فأول ما يخبط خبطتين بالفأس على الأرض تهش الجلود الداخلية وتتشقق وتحمر وتنزل دماً، ويبقى منظر اليد كلها مشوهة، فهذا بلا شك أثر عظيم، فكذلك الإيمان ينزع من القلب شيئاً فشيئاً حتى لا يبقى في القلب إيمان. فهكذا أصل نزول الإيمان كان في جذر قلوب الرجال، ولذلك أنتم تعلمون أن النبي ﵊ قال: (ما من مولود إلا يولد على الفطرة -أي: فطرة الإسلام- فأبواه يهودانه أو يمجسانه أو ينصرانه) وفي رواية مسلم: (أو يشركانه) أي: يجعلانه مشركاً. ولذلك سئل النبي ﵊ عن أطفال المشركين؟ قال: (الله أعلم بما كانوا عاملين) أي: أنه سئل عن أطفال المشركين إذا ماتوا قبل البلوغ، فقال: (الله أعلم بما كانوا عاملين)، وبعض النصوص قد وردت في أن أطفال المشركي

стр. 567

ما ورد عن الصحابة في زيادة الإيمان ونقصانه قال: [قال أبو الدرداء: الإيمان يزداد وينقص]، وهذا قول أبي هريرة وابن عباس. [وقال عمير بن حبيب: الإيمان يزيد وينقص، قيل له: وما زيادته ونقصانه؟ قال: إذا ذكرنا الله فحمدناه وسبحناه فتلك زيادته، وإذا غفلنا ونسينا فذلك نقصانه]. كأنه يقول: زيادته ونقصانه بالعمل، فإذا كان العمل طاعة ازداد به الإيمان، وإذا كان معصية نقص به الإيمان. [وقال عبد الله بن عكيم: سمعت ابن مسعود يقول في دعائه: اللهم زدنا إيماناً ويقيناً وفقهاً]. [وقال سعيد بن جبير: في قول الله تعالى: ﴿وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة:٢٦٠] أي: ليزداد إيماناً]. قال: [عن ذر بن عبد الله: أن عمر كان يأخذ بيده الرجل والرجلين في الحلق فيقول لهما: تعالوا نزدد إيماناً]. إذاً: ازدياد الإيمان ونقصانه كان أمراً مستقراً عند السلف، وكذلك [قال معاذ: اجلس بنا نؤمن ساعة]، أي: نزداد إيماناً، لا أنهم كانوا كفاراً وكان يطالبهم بالإيمان كما فهم ذلك بعض الطلاب. [وقال جندب بن عبد الله البجلي ﵄: (كنا مع رسول الله ﵊ غلماناً حزاورة -أي: صغاراً في سن واحدة- فنتعلم الإيمان قبل أن نتعلم القرآن، فإذا نزل القرآن ازددنا به إيماناً)]. ٌ [وقال أبو الدرداء: كان ابن رواحة يأخذ بيدي فيقول: تعال نؤمن ساعة -أي: نزداد إيماناً- إن القلب أسرع تقلباً من القدر إذا استجمعت غلياً]، أي: أن القدر حين نضع فيه الماء، وحين تغلي يتقلب الماء بداخله، فكذلك القلب أسرع تقلباً، أي: أنه لا بد من تعاهد القلب. حينما تكون عندك سيارة، فحينما تريد أن تسافر بالسيارة تنظر إلى الماء والزيت وغير ذلك كل هذا من باب المتابعة، فقلبك أولى بهذا، وحينما يكون عندك حيوان، ولو كان حيواناً حقيراً لكنه مأذون فيه شرعاً ككلب الحراسة وكلب الصيد والماشية، فالمطلوب منك شرعاً أن ترعى هذا الكلب طعاماً وشراباً ومأوى وغير ذلك، حتى لو مرض وجب عليك تطبيبه، والله تعالى شكر لامرأة بغي وجدت كلباً يلهث، فنزلت وملأت خفها من البئر فناولته فشرب حتى ارتوى، فشكر الله لها ذلك وأدخلها الجنة وهي بغي، والله تعالى أدخل امرأة النار في هرة حبستها حتى ماتت، فلا هي أطعمتها، ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض. ودائماً الملاحدة لا تعجبهم مثل هذه الأحاديث، يقولون: هل يعقل أن باغية تدخل الجنة في كلب، وأخرى مؤمنة تدخل النار في هرة؟ فليست القضية قضية قطة، وإنما القضية أن هذه نفس، وأن المعذب بسببها قد قتل نفساً متعمداً، وكان بإمكانه ألا يفعل ذلك. وكان ابن رواحة يأخذ بيده فيقول: تعال نؤمن ساعة، إن القلب أسرع تقلباً من القدر إذا استجمعت غلياناً.

стр. 568

ما ورد عن التابعين في زيادة الإيمان ونقصانه [قال يعقوب بن إبراهيم: سمعت عبد الرحمن بن مهدي يقول: أنا أقول إن الإيمان يتفاضل]، وهذا مذهب السلف، [وكان الأوزاعي يقول: ليس هذا زمان تعلم هذا، هذا زمان تمسك]. الإمام الأوزاعي من سادات الدنيا في زمانه تمسكاً بسنة النبي ﵊، كان إمام هدى وإمام سنة. قول عبد الرحمن بن مهدي: أنا أقول أن الإيمان يتفاضل هذا قول ثابت عن الأوزاعي أنه قال: الإيمان يزيد وينقص، وأن الناس يتفاضلون فيه، والأوزاعي وهو إمام الشام في زمانه دخل في معترك عظيم جداً مع الحجاج بن يوسف الثقفي فكانت فتنة عظيمة جداً، وتفرد الأوزاعي في زمانه بتكفير الحجاج، أي: أن الأوزاعي في زمانه وحده هو الذي تفرد بإطلاق الكفر المخرج من الملة على الحجاج بن يوسف الثقفي وكانت فتنة عظيمة جداً، أدت بالإمام الأوزاعي أن يقول هذا القول، وأن يقول: زيادة الإيمان ونقصانه كان من قبل، أي: في زمن التابعين وزمن الصحابة، أما في زمن الأوزاعي وهو من أتباع التابعين فقال: كل منا له قليل من الإيمان يجب أن يحافظ عليه، يعني: لا يطمع أحد في الزيادة، ولكن الذي عنده شيء من الإيمان يحافظ عليه هذا القول في ذاته يدل على أن الإيمان عند هذا الإمام يزيد، لأنه لو كان الإيمان عنده لا يزيد ولا ينقص لما قال: وهذا زمان تمسك. أي: هذا الزمان يجب فيه أن يتمسك المرء بما عنده من دين، لأنه لو لم يكن عند الإمام لا يزيد وينقص فلماذا يتمسك به؟ فهو سواء تمسك به أو لم يتمسك لا يزيد ولا ينقص، فلو أن الإيمان عند الإمام لا يقبل الزيادة ولا النقصان فما قيمة التمسك به والمحافظة عليه؟ إذا كان حافظ عليه أو لم يحافظ عليه فهو لا يزيد ولا ينقص! فهذا القول من الإمام يدل على الغالب الذي وصل إلى الإمام. [وقال الحسن في قول الله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ﴾ [النساء:٦٦]. قال: قال ناس من أصحاب النبي ﷺ : لو فعل ربنا لفعلنا]. أي: لو أن ربنا أمرنا أن نقتل أنفسنا أو نخرج من ديارنا لفعلنا، [فبلغ ذلك النبي ﷺ فقال: (الإيمان أثبت في قلوب أهله من الجبال الرواسي)]، وهذا حديث مرسل، وهو من أحاديث الحسن المرسلة إلى النبي ﵊. [قال ابن بطة: وفي هذا الحديث ما يدل العقلاء على تفاضل الإيمان وزيادته، ودرجاته في قلوب قوم دون آخرين، وذلك أن الله حينما علم من تمكن الإيمان من قلوب قوم اختصهم بزيادته على آخرين، قال: ((مَا فَعَلُوهُ)) ثم استثنى المفضلين بالإيمان، فقال: ((إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ)) كما قال في أصحاب طالوت]. و [أن أبا الدرداء كان يقول: من فقه العبد أن يعلم أمزداد هو أم منتقص؟]، أي: أن من فقه العبد مع ربه أن يعلم هو في زيادة أم في نقصان، [وإن من فقه العبد أن يعلم نزغات الشيطان أنى تأتيه؟] أي: من أين تأتيه وكيف تأتيه؟ والأفضل في معرفة نزغات الشيطان وسبله ومداخله: إغاثة اللهفان لـ ابن القيم، وتلبيس إبليس لـ ابن الجوزي، فهذا له طعم وذاك له طعم، وأساليب الشيطان لا نهاية لها، ولا يزال العلماء يصنفون ويكتبون يحذرون الأمة من مداخل الشيطان.

стр. 569

ما ورد عن السلف في أن الإيمان ينقص قال: [وقال ابن مسعود: ما رأيت ناقص الدين والرأي أغلب للرجال ذوي الأمر على أمورهم من النساء]، أي: ترى الرجل حازماً وعاقلاً وشديد الصرعة، لكنه ينهزم أمام النساء، مع أن المرأة في أصلها ضعيفة لكنها بفتنتها في قولها وفعلها تفتن الرجل الحازم الرأي. [قالوا: يا أبا عبد الرحمن! وما نقصان دينها؟ قال: تدع الصلاة في أيام حيضها، قالوا: فما نقصان رأيها، قال: لا تجوز شهادة امرأتين إلا بشهادة رجل]. [وقيل لـ سفيان بن عيينة: الإيمان يزيد وينقص؟ قال: أليس تقرءون ﴿فَزَادَهُمْ إِيمَانًا﴾ [آل عمران:١٧٣]، ﴿وَزِدْنَاهُمْ هُدًى﴾ [الكهف:١٣] في غير موضع من كتاب الله؟ قيل: فينقص؟ قال: ليس شيء يزيد إلا وهو ينقص]. والذي يدل على النقصان من السنة حديث أبي سعيد الخدري: (ما رأيت من ناقصات عقل ودين أذهب للب الرجل الحازم منكن)، والحديث مشهور ومعلوم. والحجة الثانية حجة عقلية؛ لأنه ما من شيء يقبل الزيادة إلا وكان ناقصاً قبل ذلك. فحينما تقول: إيمانك في زيادة، لا يدل على أنه كان زائداً، لكنه كان موجوداً فزاد، أو كان ناقصاً فزاد. فزيادة الإيمان تدل على أنه كان ناقصاً، والشيء الذي يقبل الزيادة لا بد وأن يقبل النقصان. [وقال سفيان الثوري: إن الإيمان يزيد وينقص، وأقول: إن الإيمان ما وقر في الصدر وصدقه العمل]. [وقال وكيع: الإيمان يزيد وينقص، وكذلك كان سفيان -أي: الثوري - يقول ذلك]. [وقال المروزي: سمعت أبا عبد الله وهو أحمد بن حنبل سئل عن الإيمان؟ فقال: قول وعمل يزيد وينقص، قال الله : ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة:٤٣]، قال: وقال: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾ [التوبة:١١]. ثم قال: هذا من الإيمان، وسمعته يقول: الإيمان قول وعمل يزيد وينقص، قال: الزيادة من العمل، وذكر النقصان إذا زنى وسرق]، أي: إذا عمل الطاعات زاد إيمانه، وإذا زنى وسرق وارتكب المعاصي والفواحش نقص إيمانه، وهذا معنى قوله ﵊: (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن) إلى آخر الحديث. فالنقص هنا ليس من أصل الإيمان، وإنما هو من كمال الإيمان وتمامه، وهذا يدل على أن الإيمان ينقص بالمعاصي ويزداد بالطاعات. [قال أبو عبد الله: الإيمان قول وعمل يزيد وينقص، وقال: إنما الزيادة والنقصان في العمل كيف تكون حاله إذا قتل النفس؛ أليس قد أوجب الله له النار؟ كيف حاله إذا ارتكب الموبقات؟] [وقال: هشام بن عروة عن أبيه: ما نقصت أمانة عبد قط إلا نقص إيمانه]؛ لقوله ﵊: (لا إيمان لمن لا أمانة له)، فلا نافية لكمال الإيمان وتمامه، رجل كانت عنده الأمانة خامدة لا ينفى عنه الإيمان بالكلية، إنما ينفى عنه زيادة الإيمان.

стр. 570

حكم مرتكب الكبيرة قال: [وقال أبو هريرة ﵁: قال النبي ﵊: (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن) إلى آخر الحديث، وفي نهايته (والتوبة بعد معروضة)] أي: لمن لم يقم عليه الحد؛ لأنكم تعلمون أن مرتكب الكبيرة عند الخوارج مخلد في النار، وعند المعتزلة في منزلة بين المنزلتين لا هو مؤمن ولا هو كافر، فهذا حكمه في الدنيا، وفي الآخرة يكون من المخلدين في النار، وعند المرجئة لا تضره الذنوب كلها، لأن الأعمال صالحها وطالحها لا علاقة لها عند المرجئة بالإيمان، وعندهم أن إيمان جبريل كإيمان أفسق الناس، أو إيمان أفسق الناس كإيمان جبريل وميكائيل، لأنه لا علاقة للعمل بالإيمان، ولا علاقة للإيمان بالعمل وهذا كله خبط عشواء، وكلام فاسد هالك. وعند أهل السنة والجماعة أن مرتكب الكبيرة مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته، وأن المسلمين لا يسلبون عن الفاسق الملي الأخوة الإيمانية، ولو أن واحداً زنى فأنت تبطن عنه ذلك في الباطن، وفي الظاهر تعامله على أنه مسلم، ما دام هذا الرجل من ملة محمد ﵊، فهو فاسق بكبيرته التي ارتكبها، ولا نسلب عنه مطلق الإيمان، وإنما نسلب عنه الإيمان المطلق، الذي هو الإيمان الزائد، وهناك فرق بين الإيمان المطلق ومطلق الإيمان، فالإيمان المطلق هو كمال الإيمان وتمامه، فهذه الأحاديث التي ورد فيها الوعيد لمرتكب الكبائر تنفي عنه الإيمان المطلق، أما مطلق الإيمان الذي هو أصله وقاعدته فيتصور نقصانه لا سلبه.

стр. 571

أقوال السلف في تفاضل أهل الإيمان فيه قال: [وقال محمد بن علي: هذا الإسلام -ودور دائرة كبيرة- ثم قال: اعتبروا أن الإسلام هو هذه الدائرة الكبيرة -ودور دائرة في وسطها أصغر منها- ثم قال: وهذا الإيمان، فإذا سقط المرء من هذه الدائرة الصغيرة التي هي دائرة الإيمان استقر في الدائرة الكبيرة التي هي دائرة الإسلام]. والإسلام لا بد أن يكون معه أصل الإيمان. قال الشيخ ابن بطة: [وهذا القول من أبي جعفر محمد بن علي ﵁ من أوضح الدلائل وأفصحها على زيادة الإيمان ونقصانه، وذلك أن الإيمان يزيد بالطاعات فيحصنه الإيمان، وينقص بالمعاصي فيحرق الإيمان، ويكون غير خارج من الإسلام، وذلك أن الإسلام لا يجوز أن يقال فيه يزيد وينقص]؛ لأن الإسلام لا يتصور فيه الزيادة ولا النقص، إنما الزيادة والنقص في الإيمان. [قال ابن عيينة: الإيمان يزيد وينقص. فقال له أخوه وهو إبراهيم بن عيينة: يا أبا محمد! لا تقولن يزيد وينقص، فغضب وقال: اسكت يا صبي -وفي رواية: يا غبي- بل ينقص حتى لا يبقى منه شيء، وفي رواية قال: ينقص حتى ما يبقى منه مثل هذه، وأشار إلى فرث أنامله]. [وقال لوين: سمعت ابن عيينة غير مرة يقول: الإيمان قول وعمل، قال ابن عيينة: وأخذناه ممن قبلنا وأنه لا يكون قول إلا بعمل، قيل لـ ابن عيينة: يزيد وينقص؟ قال: فأي شيء إذاً؟] إذا كان الإيمان مرتبطاً بالعمل فلا بد أنه يزيد بالعمل. [وعن الحسن قال: قال النبي ﵊: (لا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن، ينزع منه نور الإيمان كما يخلع أحدكم قميصه، فإن تاب تاب الله عليه)]. [وعن ابن عباس قال: إذا زنى العبد نزع منه نور الإيمان]. إن للطاعة في القلب نوراً، وإن للمعصية في القلب ظلمة، كما قال ابن عباس. [وقال عمر بن الخطاب ﵁: لو وزن إيمان أبي بكر بإيمان أهل الأرض لرجح بهم]. فهذا الكلام يقوله عمر ﵁، وعمر مع الأمة. أرأيتم كلام الأقران بعضهم عن بعض؟ فهؤلاء أقران محترمون رباهم النبي ﵊، والعلماء يقولون: كلام الأقران يطوى ولا يروى يعني: كلام الأقران بعضهم في بعضهم لا يلتفت إليه ولا يؤبه له ولا يؤمر به، لكن بلا شك أن الكلام الحسن والذكر الجميل أولى بالرواية من هذا التناحر، ولذلك كافأ الله عمر ﵁ بقول حذيفة بن اليمان ﵁ فيه قولاً عظيماً، قال حذيفة: لئن أعلم أن فيكم مائة مؤمن أحب إلي من حمر النعم وسودها]، يعني: لو كنت أعلم أن فيكم مائة مؤمن كما يريد الله، فهذا أحب إلي من أن تكون لي الأنعام والأبقار وغيرها من أموال العرب. [فقال: ما بهاجرتنا -أي: قرية هجر- ولا بشامنا ولا بعراقنا مائة]، أي: هذه البلدان كلها ليس فيها مائة مؤمن كامل الإيمان، أي: على أعلى درجات الكمال والتمام. [فقال: أفيكم رجل لا يخاف في الله لومة لائم، وما أعلمه إلا عمر بن الخطاب؟] أي: علامة الإيمان التام الكامل الذي قد بلغ القمة والنهاية، لو أن المرء بلغ إيمانه ذلك لو وضعوه في النار كما وضع إبراهيم ﵇ في النار، لا يضره ذلك شيئاً. حذيفة يقول لهم: أنا لا أعرف أحداً فيكم بهذا الوصف إلا عمر، وهذا حين تأدب عمر مع أبي بكر تأدب الناس معه والجزاء من جنس العمل. [قال: فكيف أنتم لو قد فارقكم عمر؟ ثم بكى حتى سالت دموعه على لحيته].

стр. 572

ما ورد عن السلف في التحذير من المعاصي وأنها تنقص الإيمان أو تحبطه [وقال الحسن: ما يرى هؤلاء الناس أن أعمالاً لا تحبط أعمالاً، والله يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ﴾ [الحجرات:٢]]، وهذه الآية ترد على من يقول إنه لا توجد أعمال تحبط أعمالاً، فهذه الآية تثبت أن رفعكم لأصواتكم على النبي ﷺ ، وتقدمكم بين يديه، واعتراضكم على سنته بالجحود، وزعمكم أنها مخالفة للقرآن تارة وأنها غير صحيحة أخرى، وأنها لا تتفق مع العقل ثالثة، وأنها وأنها هذا كله تقدم بين يدي الله ورسوله ورفع للصوت فوق صوت النبي ﵊؛ فإذا كانت لكم أعمال صالحة فقد حبطت بهذا القول. [وقال عبد الله بن عتبة بن مسعود حينما رأى رجلاً صنع شيئاً من زي الأعاجم قال: ليتق الله رجل أن يكون يهودياً أو نصرانياً وهو لا يشعر]. يعني: لأنه مطالب أن يخالف كل من لم يكن على ملة الإسلام. [قال محمد بن عبد الرحمن: فظننته أخذ ذلك من هذه الآية: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ [المائدة:٥١]]. [وعمر بن عبد العزيز ﵁ كتب إلى عدي بن عدي رسالة بعض ما فيها: أما بعد: فإن للإسلام شرائع وحدوداً من استكملها استكمل الإيمان]، وهذا يدل على أن كل من أتى شرعة أو منهاجاً أو حداً من الحدود، يزيد إيمانه، قال: [ومن لم يستكملها لم يستكمل الإيمان، فإن أعش أبينها لكم]. أي: إذا عشت أبين لكم هذه الحدود وهذه الشرائع، قال: [وإن أمت، فالله ما أنا على صحبتكم بحريص]. ثم أتت روايات كثيرة جداً عن كثير من السلف تثبت أن الإيمان يزيد وينقص، وأنه يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية. [قال حذيفة: ليأتين عليكم زمان يصبح الرجل فيه بصيراً، ويمسي وما ينظر بشفر]. [وقال أيضاً: إن الرجل ليصبح بصيراً ثم يمسي وما ينظر بشفر]. وهذا يدل على أن الرجل يصبح مؤمناً ويمسي كافراً كما في الحديث (يبيع دينه بعرض من الدنيا) أي: قليل. [وعن عبد الله قال: يأتي الرجل رجلاً لا يملك له ولا لنفسه ضراً ولا نفعاً، فيحلف له أنك لذيت وذيت، ولعله لا يحلى منه بشيء، فيرجع وما معه من دينه شيء، ثم قرأ عبد الله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنفُسَهُمْ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا * انظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَكَفَى بِهِ إِثْمًا مُبِينًا﴾ [النساء:٤٩ - ٥٠]. [وقال عمران بن حصين حينما رأى رجلاً في يده حلقة من صفر -يعني: من نحاس- قال: ما هذه؟ قال: من الواهنة، يعني: أنا اتخذتها حتى تقوي ضعف بدني ووهنه، قال: أما إنها لن تزيدك إلا وهناً، ولو مت وأنت ترى أنها نافعتك لمت على غير الفطرة]. والنص الآخر لـ[ابن مسعود يقول فيه: إن الرجل ليخرج من بيته ومعه دينه، فيلقى الرجل له إليه الحاجة فيقول: إنك لذيت وذيت يثني عليه، وعسى ألا يحلى بحاجته بشيء، فيرجع وقد أسخط الله وما معه من دينه شيء]. فأنتم تعلمون أن معظم الشعب المصري بهذا الشكل هذا، حينما يكون له مصلحة عند واحد يذهب يقول له: يا سلام! أنت فيك كذا وكذا وكذا، وأنت الذي تملك النفع والضر، وأنت الذي بيدك أن تقضي هذه المصلحة أو توقفها، وأنت وأنت مع أن هذا كله ملك لله ، فهذا الحق لله يجعله هذا المنافق لغير الله ﵎ من خلقه الذين لا يملكون لأنفسهم في حياتهم نفعاً ولا ضراً، بل وبعض الناس يزيد فيجعل هذا في يد الأموات، فيتوسلون بالأضرحة ويطلبون منها الحاجات ودفع المضرات! وهذا ليس إلا لله ، وهؤلاء الموتى لا يملكون ذلك لأنفسهم وهم أحياء، فكيف يملكونه لغيرهم وهم أموات؟ وهم يعتبرون هذه الكلمات من باب المجاملة، بل هذا باب عظيم جداً من أبواب النفاق، كيف تزكي نفسك؟ وكيف تزكي غيرك وأنت تعلم أنه ليس أهلاً للتزكية؟ ولذلك الواحد يأتي يطلب شهادة أو تزكية للجهة الفلانية، ولو أن الشيخ لم يعطه فإنها تقوم الدنيا ولا تقعد على رأس الشيخ هل أنت تعتقد أن هذه شهادة أم لا؟ يقول لك: نعم هذه شهادة وأنت تسأل عنها يوم القيامة. تقول له: إذا كنت تعرف أنني أسأل عنها يوم القيامة، هل أنا أعرفك؟ يقول لك: أنا صرت شيخاً مثلك تقول له: أنت بستاني لا أعرفك، اذهب للشيخ الذي يعرفك فيزكيك، يقول لك: الشيخ الذي بجوار بيتنا، والشيخ الذي يعرفني بيني وبينه مشاكل وخلافات. إذاً: أنت إنسان قليل أدب لا تستحق التزكية، فأنت حكمت على نفسك أنك لا تستحق. فالذي يجعلك تختلف مع الشيخ الذي بجوارك، يجعلك تختلف مع أساتذتك وشيوخك في الخارج، في الجامعة الإسلامية مثلاً أو جامعة أم القرى التي أتيت

стр. 573

شرح كتاب الإبانة - معرفة الإسلام وعلى كم بُني أهل السنة والجماعة يطلقون اسم الإسلام على الإيمان والعكس، وذلك عند الانفراد، فإذا جاء الاسمان معاً في سياق واحد، كان لكل واحد معنى، وذلك كما في حديث جبريل ﵇، فإن فيه بيان معنى الإسلام والإيمان وغيرهما.

стр. 574

باب معرفة الإسلام وعلى كم بني بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. وبعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة. أما بعد: قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب: معرفة الإسلام وعلى كم بني]. والذي يجعلنا نتكلم عن ماهية الإسلام وما هو، يُلزمنا أن نعرف الإسلام لغة ثم نعرفه اصطلاحاً، فينبغي أن يضم إليه مصطلح الإيمان، فالكلام ليس فحسب على الإسلام، وإنما على الإسلام والإيمان معاً. [قال سالم بن أبي الجعد: عن رجل قال: (قيل لـ ابن عمر: ألا تجاهد؟ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: إن الإسلام بني على خمس كلمات: الإخلاص، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، والحج)]. وهذا الرجل كان كفيفاً، فقال لـ ابن عمر: ألا تجاهد؟ كأن ابن عمر قال له: لا. وهذا الكلام محمول على طلب الجهاد في الفتنة، والمسلم العاقل الحازم إذا غلب على ظنه أن الحق مع إحدى الطائفتين وجب عليه أن يقاتل مع الطائفة التي غلب على ظنه -أو تيقن من باب أولى- أنها صاحبة الحق، ويحرم عليه أن يقاتل مع الطائفة التي في ظنه أو تيقن أنها جانبت الحق والصواب، وإذا لم يترجح لديه هذا ولا ذاك وجب عليه أن يكون حلس بيته، فيلزم بيته، ولا يشارك في هذه الفتنة. فلعل هذا السائل الذي سأل ابن عمر أن يجاهد -يعني: في الفتنة- مع أحد الطائفتين، كأنه أراد أن يقيم الحجة على ابن عمر أن الجهاد أمره عظيم وخطير، فلم لا تجاهد إذاً يا أبا عبد الرحمن؟ فأراد أبو عبد الرحمن عبد الله بن عمر أن يبين له أن الجهاد في هذا الموطن ليس من مباني الإسلام ولا من أسسه وقواعده، إنما مباني الإسلام كما سمعها من النبي ﵊ خمس: أولها الإخلاص، والإخلاص بمعنى التوحيد، ولذلك سميت كلمة التوحيد بكلمة الإخلاص: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله. ثم قال: (وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، والحج)، وتقديره: من استطاع إليه سبيلاً، فهذه مباني الإسلام، والجهاد ليس منها، ويقيناً فإن الجهاد رغم أهميته إلا أنه ليس من مباني الإسلام، إنما هو ذروة السنام الذي يحفظ الله تعالى به البلاد والعباد؛ فضلاً عن حفظ الدين. وهذه المباني فرض عين على أهلها وأصحابها إلى قيام الساعة لا تزول قط، بخلاف الجهاد، فالجهاد فرض كفاية على الأمة بمجموعها، ولا يتعين إلا في حالات خاصة. إذاً: مباني الإسلام فرض عين، فلا يصح أن يصلي أحد لأحد؛ لأن الصلاة فرض عين على كل مسلم عاقل بالغ، بخلاف الجهاد؛ فإنه فرض كفاية على الأمة في مجموعها، إذا جاهد بعضها سقط الإثم على الباقين، وإذا نكلوا ونكصوا جميعاً عن الجهاد حتى أُضِرَّ بالدين والدنيا فإن الجميع يأثم، أي: جميع من تعين عليه القتال والجهاد ولم يجاهد، كما أن الجهاد سيسقط في آخر الزمان، وآخر الزمان موعود بنزول عيسى ﵇ من السماء وقتله المسيح الدجال فحينئذ تضع الحرب أوزارها؛ لأنه لا يكون ملة على الأرض إلا ملة الإسلام، وسيدعو عيسى ﵇ بعد قتله الخنزير وكسره للصليب إلى دين وشريعة محمد ﵊، فلا يكون هناك ملة إلا ملة الإسلام فحسب. فحينئذ يسقط الجهاد، بخلاف هذه المباني فإنها باقية حتى قيام الساعة. فـ ابن عمر أراد أن يقول: الجهاد ليس فرض عين علي؛ لأن فروض الأعيان معلومة، وقد جاءت في حديث سمعته عن النبي ﵊، ثم ذكر حديث المباني. [وقيل لـ ابن عمر: ألا تجاهد؟ قال: إن الإسلام بني على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله]، والتقدير: وأن محمداً رسول الله، للتلازم بين الشهادتين حتى وإن لم يذكر الشق الآخر من الشهادة في الرواية، فإنه معلوم يقيناً؛ لأن أحد الشقين لا يصح بغير صاحبه، فلو قال الإنسان: أشهد أن لا إله إلا الله ولم يؤمن بمحمد ﵊ فهو كافر، ولو آمن بمحمد ولم يشهد بوحدانية الله فكذلك هو كافر. فقوله هنا: شهادة أن لا إله إلا الله، يعني: وأن محمداً عبده ورسوله، [وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت)، هكذا سمعت رسول الله ﷺ يقول]. قال: ثم الجهاد بعد حسن]، يعني: الجهاد بعد هذه المباني أمر حسن. وفي رواية [عن ابن عمر قال: قال النبي ﵊: (بني الإسلام على خمس)]، وكلمة (بني) للدلالة على أن المذكور من مباني الإسلام وأسسه وقواعده التي لا يقوم بدونها؛ لأنها كالقواعد الراسيات الراسخات في الأرض التي يبنى عليها البناء، وبغير هذه المباني والقواعد لا يقوم البناء، أو يقوم على ضعف فيه. قال: [(بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن م

стр. 575

باب معرفة الإسلام والإيمان وسؤال جبريل النبي ﷺ

стр. 576

حديث جبريل في بيان أمور الدين من رواية عمر بن الخطاب قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب معرفة الإسلام والإيمان، وسؤال جبريل النبي ﷺ ]. وأنتم تعلمون هذا الحديث المشهور، وهو في الصحيحين من حديث [عبد الله بن عمر عن أبيه ﵁ قال: (بينا نحن عند رسول الله ﷺ ] أي: جلوس عند النبي في مجلسه أو في مسجده، وهذا كان بالمدينة. [(إذ أقبل رجل شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر، لا يرى عليه أثر السفر، ولا يعرفه منا أحد، حتى جلس بين يدي النبي ﷺ ]، هذا الرجل هو جبريل ﵇، نزل في هيئة كانت مثار عجب من كل من رآه، لأن المدينة بعيدة المنأى عن البلدان المجاورة، ومن قصد المدينة من أرض الحجاز أو غيرها لابد أن يظهر عليه أثر السفر واتساخ ملابسه وشعث شعره وغير ذلك، ولكن هذا الذي أتى ليسأل عن أمور دينه، إنما هو رجل (شديد بياض الثياب) على غير عادة المسافر، (شديد سواد الشعر) على غير عادة المسافر الذي اغبر وجهه وتترب شعره وغير ذلك من آثار السفر، كما أنه ليس من أهل المدينة بدليل أن أحداً لم يعرفه. قال: [(حتى جلس بين يدي رسول الله ﷺ ، وركبته تمس ركبته)]، يعني: ركبة جبريل ﵇ لامست ركبة النبي ﵊ لما جلس أمامه ﵊، وجبريل تصور في صورة رجل ولم يظهر في صورته الحقيقية التي خلقه الله عليها، لأن أحداً من البشر دون الرسل لا يطيق ولا يقدر أن يرى ملكاً في صورته التي خلقه الله عليها. فجاء وجلس بين يدي رسول الله ﵊ [(حتى أسند ركبتيه إلى ركبتيه)]، يعني: جعلهما بمحاذاة ركبتيه. [(ووضع كفيه)]، أي: وضع جبريل كفيه [(على فخذيه)]، والضمير يعود على جبريل، لأنه جلس جلسة المتعلم السائل، ومن سوء الأدب أن يضع السائل يده على كتف المسئول أو على ظهر المسئول أو على بطنه أو على فخذه، أو أن يسلم عليه من خلف ظهره، إنما الأدب ما فعله جبريل ﵇، فهو يعلم الصحابة إذا سألوا النبي ﵊ كيف يسألون وكيف يقولون مرادهم من السؤال، وكيف يجلسون بين يدي أستاذهم وشيخهم صلوات الله وسلامه عليه. [(ثم قال: يا محمد! أخبرني عن الإسلام، فقال: تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلاً، فقال: صدقت)]. من شأن السائل أنه جاهل بما يسأل، وهذا الذي دعا الصحابة أن يتعجبوا من تصديق السائل للمسئول بأنه صادق فيما أخبر. عرف الإسلام بكلمة الإخلاص التي يحصن بها المرء دمه ونفسه وماله وعرضه، ثم الأعمال الظاهرة أعمال الجوارح، والأعمال المالية كالزكاة، والأعمال التي تجمع بين المال والبدن كالحج، فالصلاة من أعمال الجوارح، والزكاة متعلقة بالمال، والحج متعلق بالمال والبدن، فعرف الإسلام بالأعمال الظاهرة. قال: (أن تشهد) والشهادة لا تكون إلا بلسان، إلا لمن عجز عن النطق فإنه يعدل عن النطق إلى الإشارة. [(قال: صدقت. فتعجبنا من سؤاله وتصديقه، ثم قال: فما الإيمان؟ قال: تؤمن بالله وحده، وملائكته، وكتبه، ورسله، وبالبعث بعد الموت، والجنة والنار، وبالقدر خيره وشره، قال: صدقت، فتعجبنا من سؤاله وتصديقه. ثم قال: فما الإحسان؟ قال: أن تعمل لله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك، قال: صدقت، فتعجبنا من سؤاله وتصديقه. قال: فأخبرني عن الساعة؟)]، أي: عن ميعاد ووقت قيامها [(قال النبي ﵊: ما المسئول بأعلم من السائل؟)]، يعني: أنا وأنت فيها سواء لا نعلمها؛ لأنها من علم الله الخاص به الذي لم يطلع عليه أحد، لا ملك مقرب ولا رسول مرسل [(قال: فأخبرني عن أماراتها)] أي: علاماتها وأشراطها [(قال: أن تلد المرأة ربتها)] أي: سيدتها. [وفي رواية: (أن تلد الأمة سيدها وربها)]، وهذه أمارة، وهي دلالة على كثرة السراري والإماء في آخر الزمان، وأن المرأة إذا كانت تحت حر وسيد فولدت له ولداً كان الولد سيد أمه تبعاً لأبيه؛ لأن ابن الأمة يكسب الحرية من حرية أبيه، أو ربما تكثر الإماء ويكثر بيعهن وشراؤهن في الأسواق حتى يشتري الولد أمه، فتكون أمة عنده، وهذا أيضاً من علامات الساعة. قال [: (وأن ترى العراة الحفاة رعاء الشاة يتطاولون في البنيان)]، وهذه علامة ثانية، أن ترى البدو أي: الأعراب الأجلاف الذين قل مالهم ونفد زادهم، تفتح عليهم الدنيا فيبنون البنيان ويتطاولون فيه، وإذا كان ذلك فهو علامة على قرب الساعة [(قال: صدقت. ثم انطلق، فلما كان ثالثة -أي: في الليلة الثالثة-، قال لي رسول الله ﷺ : يا عمر! هل تدري من الرجل؟ قال: قلت: الله ورسوله أعلم، قال: ذلك جبريل أتاكم يعلمكم أمر د

стр. 577

رواية أخرى لحديث جبريل عن عمر بن الخطاب [وفي رواية: (بينما نحن مع رسول الله ﷺ ذات يوم، إذ جاءه رجل هيئته مسافر وثيابه ثياب مقيم، أو ثيابه ثياب مسافر وهيئته هيئة مقيم، فقال: يا رسول الله أدنو منك؟ قال: نعم. قال: فدنا منه حتى وضع يديه على ركبتيه فقال: ما الإسلام؟ قال: أن تسلم وجهك لله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت، أخبره بعرى الإسلام، قال: فإذا فعلت ذلك فقد أسلمت؟)]، أي: لو أنني فعلت هذه المباني وأتيت بهذه العرى، أكون قد حققت الإسلام لله على الحقيقة. [(قال النبي: نعم. قال: صدقت. قال: قلنا: انظروا كيف يسأله وكيف يصدقه)] أي: كيف يسأل الرسول ويقول له: صدقت. [(قال: يا رسول الله! فما الإحسان؟ قال: الإحسان أن تعبد الله أو تخشى الله كأنك تراه، فإنك إلا تكن تراه فإنه يراك. قال: صدقت. قال: قلنا: انظروا كيف يسأله وكيف يصدقه! قال: يا رسول الله! فما الإيمان؟ قال: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله، وبالموت والبعث، والجنة والنار وبالقدر كله، قال: فإذا فعلت ذلك فقد آمنت؟ قال: نعم. قال: صدقت. قال: قلنا: انظروا كيف يسأله وكيف يصدقه)]. قال الحافظ ابن رجب: الإحسان هو أن يعبد المؤمن ربه في الدنيا على وجه الحضور والمراقبة، كأنه يراه بالقلب وينظر إليه في حال عبادته، فكان جزاء ذلك النظر إلى وجه الله عياناً في الآخرة. أي: الجزاء من جنس العمل، إذا استشعر المرء أن الله تعالى ينظر إليه ويراه، فإن الله يكافئه في الآخرة، بأن يحقق له الرؤية كما كان يتخيلها ويتصورها في الدنيا. قال: وقوله ﷺ : (أن تعبد الله كأنك تراه) والكاف للتحويل والتشبيه، يشير إلى أن العبد يعبد الله تعالى على هذه الصفة؛ وذلك يوجب الخشية والخوف والهيبة والتعظيم، كما في رواية أخرى عن أبي هريرة: (أن تخشى الله كأنك تراه). وكذلك يوجب النصح في العبادة -والنصح بمعنى أن يخلص المرء في عبادة ربه- وبذل الجهد في تحسينها وإتمامها وإكمالها، وقد وصى النبي ﷺ جماعة من الصحابة بهذه الوصية، أي: أن يعبدوا الله كأنهم يرونه سبحانه.

стр. 578

حديث جبريل في بيان أمور الدين من رواية أبي هريرة [وفي رواية عن أبي هريرة قال: (تؤمن بالقدر كله خيره وشره)]، أي: وأن الخير والشر من عند الله . [(قال: صدقت. قال: قلنا: انظروا كيف يسأله وكيف يصدقه. قال: يا رسول الله! متى الساعة؟)] وهذا يبين المراد من قوله: (أخبرني عن الساعة) أنه قصد بهذا السؤال الميعاد والوقت، لا الكيفية ولا الهيئة ولا الصورة، وإنما قال له: [(متى الساعة؟ قال: ما المسئول عنها بأعلم من السائل، ثم انطلق فقال رسول الله ﷺ : علي بالرجل، فنظروا فلم يوجد، فقال النبي ﵊: جاء جبريل يعلم الناس أمر دينهم، أو يعلم الناس دينهم)].

стр. 579

حديث جبريل من رواية يحيى بن يعمر عن ابن عمر [وقال يحيى بن يعمر: قلت لـ ابن عمر: إن عندنا رجالاً بالعراق يقولون: إن شاءوا عملوا وإن شاءوا لم يعملوا، وإن شاءوا دخلوا الجنة وإن شاءوا وإن شاءوا، فقال: إني منهم بريء وإنهم مني براء]. وهذا سبب سرد عبد الله بن عمر للحديث الطويل، فإن يحيى بن يعمر وحميد بن عبد الرحمن الحميري لما أتيا من البصرة إلى مكة قالا: لعلنا نوفق إلى أحد من أصحاب النبي ﷺ ، فوفقا إلى أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر ﵄ وهو يطوف حول الكعبة، قال يحيى بن يعمر: فظننت أن صاحبي سيكل الكلام إلي. أي: أيقنت أن حميداً سيدع تكليم عبد الله بن عمر إلي، أي لأجل أنه أفطن وأفصح منه بياناً، قال: فاكتنفته أنا وصاحبي أحدنا عن يمينه والآخر عن شماله، قلت: أبا عبد الرحمن! إن أناساً ظهروا قبلنا بالبصرة يتعلمون العلم، أو قال: يقرءون القرآن ويتقفرون العلم. ومعنى (يتقفرون) وفي رواية (يتفقرون) أي: يطلبون دقائق العلم ومسائله المستعصية، ويتتبعون خباياه وخفاياه، كما أنهم قائمون على تلاوة القرآن آناء الليل وأطراف النهار. يقولون: لا قدر وأن الأمر أنف. يعني: ينفون القدر، كما أنهم ينفون علم الله الأزلي؛ لأنهم يقولون: وأن الأمر أنف، يعني: أن الله تعالى لا يعلم العمل إلا بعد إيجاده، وبعد أن يعمله العبد، وهذا صريح معتقدهم، وهؤلاء هم شر خلق الله ، وقال فيهم النبي ﵊: (القدرية مجوس هذه الأمة) ينفون العلم عن الله ، يقولون: إن الله لا يعلم الشيء إلا بعد أن يكون. فقال أبو عبد الرحمن عبد الله بن عمر: أوقد قالوها؟ إذا لقيتهم فأخبرهم أني بريء منهم وأنهم برآء مني. أي: لا أنا منهم ولا هم مني. وهذا الكلام محمول على تكفيرهم وإخراجهم من الملة، والأمر كذلك؛ فإن من نفى علم الله وقال: إن الله لا يعلم الأمر إلا بعد أن يكون، أو نفى قدرة الله ، أو نفى الكتابة الأزلية في اللوح المحفوظ؛ فلابد من كفره، وهذا أمر قد أجمع عليه العلماء. قال الإمام النووي: وهؤلاء -أي: الطائفة من القدرية الذين قالوا: لا مشيئة لله ، وإنما المشيئة مشيئة العبد، وأن الله لا يعلم ما العباد إليه عاملون وصائرون إلا بعد أن يكون- قال النووي: هؤلاء الصنف من القدرية قد انقرضوا تماماً. ولعل ذلك كان في زمان الإمام النووي، ولا يبعد أن يكون من هؤلاء أناس في هذا الزمان. [قال يحيى بن يعمر العدوي: (قلت لـ ابن عمر: إن عندنا رجالاً في العراق يقولون: إن شاءوا عملوا وإن شاءوا لم يعملوا وإن شاءوا دخلوا الجنة وإن شاءوا وإن شاءوا، فقال: إني منهم بريء وإنهم مني براء)، ثم قال: (إن جبريل ﵇ أتى النبي ﷺ فقال: يا محمد! ما الإسلام؟ فقال النبي ﷺ : تعبد الله ولا تشرك به شيئاً، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت. قال: فإذا فعلت ذلك فأنا مسلم؟ قال: نعم. قال: صدقت. قال: فما الإحسان؟ قال: أن تخشى الله كأنك تراه، فإلا تراه فإنه يراك. قال: فإذا فعلت ذلك فأنا محسن؟ قال: نعم. قال: صدقت. قال: فما الإيمان؟ قال: تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله، وبالبعث من بعد الموت، والجنة والنار، والقدر كله. قال: فإذا فعلت ذلك فأنا مؤمن؟ قال: نعم. قال: صدقت)]. [وفي رواية عن ابن عمر قال: (جاء جبريل إلى رسول الله ﷺ في صورة دحية الكلبي، فقال: ما الإسلام؟) إلى آخر الحديث]، ولكن هذا الحديث ضعيف جداً؛ لأنه يعارض الروايات السابقة أنه لا يعرفه منا أحد، ودحية الكلبي كان معروفاً لدى الصحابة.

стр. 580

رواية أخرى لحديث جبريل عن أبي هريرة [وعن أبي هريرة ﵁ قال: (بينما رسول الله ﷺ في ملأ من أصحابه إذ جاءه رجل فسلم)]، وهذا يدل على وجوب السلام للداخل على القوم. قال: [(فرد رسول الله ﷺ ورد الملأ)]، وهذا على وجه الاستحباب، وإلا فرد السلام على المذهب الراجح فرض كفاية، إذا رد البعض سقط عن الباقين، وإذا كان إلقاء السلام على العموم سنة مؤكدة، فإنه واجب على من دخل على قوم وهم جلوس، ولا أدل على ذلك من قوله ﵊: (حق المسلم على المسلم ست، وذكر منها: إفشاء السلام. أو قال: إلقاء السلام). قال: [(فقال: يا محمد! ألا تخبرني ما الإيمان؟ قال: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، والبعث بعد الموت، والحساب، والميزان، والجنة والنار، والقدر خيره وشره. قال: فإذا فعلت هذا فقد آمنت؟ قال: نعم. قال: صدقت. قال: فطفق رسول الله ﷺ تعجباً لقوله صدقت)]. إذاً: التعجب فضلاً عن كثير من الصحابة إلا أنه كان من شأنه ﵊ كذلك؛ لأنه لم يعرف جبريل، ولو عرفه لما تعجب. قال: [(فقلت: يا محمد! ما الإحسان؟ قال: الإحسان أن تخشى الله كأنك تراه، فإنك إلا تكن تراه فإنه يراك. قال: فإذا فعلت ذلك فقد أحسنت؟ قال: نعم. قال: صدقت. قال: يا محمد! متى الساعة؟ قال: سبحان الله العظيم! سبحان الله العظيم! سبحان الله العظيم! ما المسئول عنها بأعلم من السائل؟ استأثر الله بعلم خمس لم يطلع عليهن أحداً، ثم تلا قول الله : ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ﴾ [لقمان:٣٤] حتى ختم السورة. ولكن سأخبرك بشيء يكون قبلها)]، أي: بأماراتها وعلاماتها التي تسبقها. قال: [(حين تلد الأمة ربتها -وفي رواية: ربها- ويتطاول أهل الشاء -أي: رعاة الغنم والإبل والأبقار- في البنيان، وتصير الحفاة العراة على رقاب الناس)]، والحفاة العراة أي: الفقراء تفتح عليهم الدنيا حتى يكونوا على قمة الناس. [(ثم ولى الرجل، فأتبعه رسول الله ﷺ بصره طويلاً، ثم رد رسول الله ﷺ طرفه إليهم، ثم قال: هل تدرون من هذا؟ هذا جبريل جاءكم يعلمكم دينكم). وفي حديث أحدهما: (أو جاءكم يتعاهد دينكم)]، وهذه الروايات التي وردت في بيان الإسلام وكيف هو.

стр. 581

شرح الإمام النووي لحديث جبريل هذا الحديث وهو المعروف بحديث جبريل الطويل، أنتم تعلمون أن هذا الحديث مخرج في الصحيحين، والإمام النووي له كلام رائع جداً ممتع إلى أقصى حد فيما يتعلق بشرح هذا الحديث، يتناول عدة مباحث: المبحث الأول: بيان ماهية الإيمان والإسلام. المبحث الثاني: الفرق بين الإيمان المطلق ومطلق الإيماني. المبحث الثالث: هل الإيمان يزيد وينقص أم لا؟ المبحث الرابع: هل الأعمال داخلة في مسمى الإيمان أم لا؟ المبحث الخامس: بم يدخل الكافر في الإسلام؟ وبم يخرج المؤمن من الإسلام؟ المبحث السادس: الاستثناء في الإيمان. المبحث السابع: حكم مرتكب الكبيرة، وهل هو من أهل القبلة أم لا؟ قال الإمام النووي: أهم ما يذكر في الباب اختلاف العلماء في الإيمان والإسلام وعمومهما وخصوصهما. يعني: هل بين الإيمان والإسلام عموم وخصوص أم لا؟ وهل كل مسلم مؤمن والعكس صحيح أم لا؟ فأنتم تعلمون أن الإيمان والإسلام بينهما عموم وخصوص، العموم أن كل مؤمن مسلم، وليس العكس، يعني: ليس كل مسلم مؤمناً أي: كامل الإيمان، وإلا فلابد أن يكون عند كل مؤمن قدر من الإيمان، وإذا قلت (قدر من الإيمان) يثبت به إسلامه، وقلنا: (ليس كل مسلم مؤمناً)؛ فهذا أمر يدعونا إلى ذكر مراتب الإيمان، فنفرق بين مطلق الإيمان والإيمان المطلق. فمطلق الإيمان هو: الجزء الذي لا يثبت عند الله إسلام أحد إلا به، مع أننا نعلم يقيناً أن من شهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، فقد عصم بها نفسه ودمه وماله. هب أنه شهد بالشهادتين تعوذاً وخوفاً من القتل، حقناً لدمائه وماله وغير ذلك، ولم ينعقد عليها قلبه، فهل يكون عند الله تعالى مسلماً؟ الجواب لا، إنما هو منافق، والمنافق له في الدنيا حكم الإسلام بالشهادتين، أما في الآخرة فهو في الدرك الأسفل من النار. إذاً: إذا جاء رجل بنفسه مختاراً مذعناً، وقال: أريد الإسلام، فقلنا له: قل أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الذي أرسله الله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله، وأن عيسى هو رسول الله وكلمته وروحه إلى غير ذلك من أصول الإيمان والإسلام، فنطق وشهد بهذا؛ فهل يستقيم هذا الرجل أم هو في إيمانه كمن عاش في الإسلام عشرات السنين يصوم ويصلي ويزكي ويحج، ويفعل الطاعات، ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر؟ هل إيمان هذا الرجل كإيمان من مضى عليه عمر طويل ودهر مديد في الإسلام يعمل الطاعات ويبتعد عن المعاصي؟ الجواب لا، لكن هذا الرجل الذي آمن الآن قد حصل مطلق الإيمان. فإذا قلنا: إن هذا العبد الذي أتى وشهد الشهادتين، لابد أن يتوفر لديه أصل الإيمان ولو واحد من عشرة، لابد أن يعتقد ما شهد به في قلبه، وأن يجزم على ذلك قلبه، فإذا عمل الطاعات ازداد هذا الإيمان حتى يصل إلى قمته، فهذا الذي وصل إلى قمة الإيمان هو الإيمان المطلق، فلابد أن تفرق بين الإيمان المطلق، وهو كمال الإيمان وتمامه، وبين مطلق الإيمان. فلو أن عبداً شهد الشهادتين بغير مطلق الإيمان، فهل يسمى مسلماً عند الله ؟ الجواب: لا يكون مسلماً، إنما هو مسلم عند الخلق، أي: تجري عليه في الدنيا أحكام الإسلام.

стр. 582

نقل النووي لكلام الخطابي في معنى الإسلام والإيمان فقال الإمام النووي هنا: بين الإيمان والإسلام عموم وخصوص. أي: كل مؤمن مسلم، وليس العكس. قال: وأن الإيمان يزيد وينقص، وأن الأعمال من الإيمان، وقد أكثر العلماء رحمهم الله تعالى من المتقدمين والمتأخرين القول في كل ما ذكرناه، وأنا أقتصر على نقل أطراف من متفرقات كلامهم يحصل منها مقصود ما ذكرته مع زيادات كثيرة، نقلاً عن الإمام أبي سليمان أحمد بن محمد بن إبراهيم الخطابي البستي الفقيه الأديب الشافعي المحقق، في كتابه معالم السنن. قال: ما أكثر ما يغلط الناس فى هذه المسألة، فأما الزهري فقال: الإسلام الكلمة والإيمان العمل، واحتج بالآية: ﴿قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الإيمان فِي قُلُوبِكُمْ وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا﴾ [الحجرات:١٤]. فالله أنكر على الأعراب ذلك، وقال: بل قولوا أسلمنا. فنفي الله هنا لإيمان الأعراب نفيٌ للإيمان المطلق الذي هو الإيمان الكامل التام؛ لأنه لو لم يكن في قلوبهم إيمان بما شهدوا به لكانوا منافقين وكانوا كفاراً، فالله قال لهم: بل قولوا أسلمنا. قال: وذهب غيره إلى أن الإسلام والإيمان شيء واحد. يعني: أن كل مسلم مؤمن وكل مؤمن مسلم، وهذا كلام خطأ كالكلام السابق تماماً، هذا على فرض ثبوته عن الإمام الزهري. أما القائل الثاني، الذي قال بأن الإيمان والإسلام شيء واحد، فاحتج بقول الله تعالى: ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الذاريات:٣٥ - ٣٦]. قال الخطابي: وقد تكلم في هذا الباب رجلان من كبراء أهل العلم، وصار كل واحد منهما إلى أحد هذين، ورد الآخر منهما على المتقدم، وصنف عليه كتاباً يبلغ عدد أوراقه المئين. قال الخطابي: والصحيح من ذلك أن يقيد الكلام في هذا ولا يطلق. الإمام الخطابي من عظماء وفحول أهل العلم، كما أن الذهبي كذلك في بابه، والحافظ ابن حجر في بابه، فهؤلاء أئمة علماء الاستقراء، إذا قال الخطابي: قلت، بعد ذكر خلاف العلماء في قضية ما، فعض على قول الخطابي بالنواجذ، واعلم أنه دين الله الذي أنزله من السماء. وكذلك قول الذهبي: قلت، وقول الحافظ ابن حجر: قلت وغير ذلك من كلام سائر علماء المسلمين المشهود لهم بالعلم والتثبت والإمامة. الخطابي يقول: والصحيح من ذلك أن يقيد الكلام في هذا ولا يطلق، يعني: لا يقال: كل مؤمن مسلم، ولا كل مسلم مؤمن، بل لابد من تقييد الكلام. قال: وذلك أن المسلم قد يكون مؤمناً في بعض الأحوال ولا يكون مؤمناً في بعضها، والمؤمن مسلم في جميع الأحوال، فكل مؤمن مسلم وليس كل مسلم مؤمناً، وإذا حملت الأمر على هذا استقام لك تأويل الآيات واعتدل القول فيها، ولم يختلف شيء منها عليك. يريد أن يقول: إن المسألة تحتاج إلى تقييد: إذا كان الإيمان أعلى من الإسلام فلابد أن يكون المؤمن مسلماً، وليس العكس، فليس كل مسلم مؤمناً؛ لأن الإيمان درجة أعلى من درجة الإسلام، فالذي يحقق المرتبة الدون لابد أنه يقصر عن المرتبة العليا، أما الذي حقق المرتبة العليا فلابد أن يحقق بالتبعية المرتبة الدون؛ لأنه لا يرتقي هذه الدرجة إلا وقد حقق ما قبلها وهو الإسلام. ثم قال: وأصل الإيمان التصديق، والأصح من هذا القول الإقرار، أصل الإيمان هو الإقرار، وهو إقرار القلب واللسان، فهو عرف الإيمان بالتعريف اللغوي، كما في قول الله تعالى على لسان إخوة يوسف: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ﴾ [يوسف:١٧]، أي: وما أنت بمصدق لنا، فالإيمان بمعنى التصديق، فعرف الإيمان لغة بأنه التصديق. أما الإيمان في الشرع فإنه إقرار القلب وإقرار اللسان، أي: الشهادة باللسان، وأن اللسان عبر عن مكنون القلب، وعما انعقد عليه القلب. قال: وأصل الإسلام الاستسلام والانقياد. إذاً: الإسلام هو الاستسلام والانقياد والإذعان والخضوع والذل لله . فقد يكون المرء مستسلماً في الظاهر غير منقاد في الباطن، وهذا شأن المنافقين، كانوا يشهدون أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، ويقيمون الصلاة، ويؤتون الزكاة، ويحجون بيت الله الحرام، ويجاهدون مع النبي ﵊، ولكنهم غير منقادين في الباطن. وقد يكون صادقاً في الباطن غير منقاد في الظاهر، يعني: يكون عاصياً، هو يحب الله ويحب رسوله، ولا يرضى أبداً بالكفر، وأنتم تعلمون عندما يقول شخص لشخص: يا نصراني! فيقول الآخر: أعوذ بالله من الشيطان، لأنه يكره الكفر ويحب الإيمان. وإذا بحثنا عن ظاهره نجده صاحب معاص، منها الكبا

стр. 583

نقل النووي لكلام البغوي في معنى الإسلام والإيمان وقال الإمام أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي الشافعي ﵀ في حديث سؤال جبريل ﷺ عن الإيمان والإسلام وجوابه، قال: جعل النبي ﷺ الإسلام اسماً لما ظهر من الأعمال. يعني: الإسلام يطلق على أعمال الجوارح، وهي الأعمال الظاهرة التي يعملها المرء بجوارحه. قال: وجعل الإيمان اسماً لما بطن من الاعتقاد؛ لأنه قال: (أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله، وبالجنة والنار، والبعث بعد الموت، والجزاء والصراط، والثواب والعقاب، وبالقدر خيره وشره)، وهذه الأعمال من أعمال القلب. إذاً: جعل النبي ﵊ أعمال الإسلام هي الأعمال الظاهرة المتعلقة بالجوارح، وأعمال الباطن أعمال القلب المتعلقة بالإيمان، لا ينفي أن يكون المؤمن مسلماً؛ لأنه إذا آمن وعقد قلبه على شعب الإيمان فلابد أن يظهر هذا على جوارحه، وإذا أقر المسلم أو جاء المسلم بشعب الإسلام وخصاله ومبادئه، فلابد أن يكون ذلك مبنياً على حب الإيمان الذي في قلبه. وخلاصة القول في ذلك: بين الإيمان والإسلام عموم وخصوص، فلابد أن يكون لكل مسلم أصل الإيمان أو مطلقه حتى يثبت إسلامه لا أقول يثبت إيمانه؛ أما الذي حقق الإيمان الكامل فقد حقق الإسلام من باب أولى. قال: وليس ذلك لأن الأعمال ليست من الإيمان، والتصديق بالقلب ليس من الإسلام، بل ذلك تفصيل لجملة هي كلها شيء واحد، وجماعها الدين. يريد أن يقول: إن الدين هو عبارة عن الإسلام والإيمان والإحسان. ولذلك قال ﵊: (ذاك جبريل أتاكم يعلمكم دينكم)، فالدين يطلق ويراد به الجزاء، وقد يراد به العمل أيضاً، كما قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ﴾ [الانفطار:١٨] أي: ما يوم الجزاء. وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ﴾ [آل عمران:١٩] والدين هنا بمعنى العمل، وقال الله تعالى: ﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا﴾ [المائدة:٣]، وقال تعالى: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة:٤] أي: يوم الجزاء، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا﴾ [آل عمران:٨٥] أي: عملاً يتقرب به إلى الله، ﴿فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران:٨٥]. فأخبر أن الدين الذي رضيه ويقبله من عباده هو الإسلام، ولا يكون الدين في محل القبول والرضا إلا بانضمام التصديق إلى العمل، وهذا هو الدين الحق الذي أرسل الله تعالى به رسوله؛ أن يترجم التصديق القلبي إلى عمل الجوارح. هذا آخر كلام البغوي.

стр. 584

نقل النووي لكلام الإمام الأصفهاني في معنى الإيمان وزيادته ونقصه وأما الإمام أبو عبد الله محمد بن إسماعيل التميمي الأصبهاني الشافعي في كتابه التحرير في شرح صحيح مسلم فقال: الإيمان في اللغة هو التصديق، فإن عمل به ذلك فلا يزيد ولا ينقص. فهو يريد أن يعرف الإيمان في اللغة: بأنه التصديق، وهو على هذا التعريف ليس فيه زيادة ولا نقصان، وهذا كلام يحتاج إلى نظر وتحرير، حتى لو عرفنا أن الإيمان في اللغة هو التصديق، فنقول: كذلك التصديق يقبل الزيادة والنقصان، فلو أن واحداً أخبرني خبراً وكان ثقة صدقته، ولو دخل رجلٌ آخر وأخبرني بنفس الخبر وهو ثقة ازددت تصديقاً لخبر الأول، حتى لو عرفنا الإيمان في اللغة بأنه التصديق فنقول: كذلك التصديق في اللغة يقبل الزيادة والنقصان. قال: لأن التصديق ليس شيئاً يتجزأ حتى يتصور كماله مرة ونقصه مرة، وهذا الكلام قد رددنا عليه. قال: أما الإيمان في لسان الشرع فهو التصديق بالقلب والعمل بالأركان. إن الكلام في مسائل الإيمان والكفر محل نزاع عظيم جداً على الساحة، فاسمعوا كلام أهل العلم. قال الإمام الأصبهاني: والإيمان في لسان الشرع -يعني: الإيمان الاصطلاحي- هو التصديق بالقلب والعمل بالأركان، والأركان هي الجوارح. إذاً: الأعمال داخلة في ماهية الإيمان وحقيقته ومسماه. وإذا فُسِّر بهذا، أي: إذا اعتبرنا أن الإيمان قول وعمل، قول القلب واللسان، وعمل القلب والجوارح؛ فلابد أن نتصور تطرق الزيادة والنقص إليه؛ لأنه إذا كان هو إقرار القلب وعمل الجوارح، فمعنى ذلك أن الإيمان يتوقف عليهما، فلو أن الإيمان ضعف في القلب نقص، ولو زاد في القلب ارتفع، كما أن العامل لو عمل بطاعتين ازداد إيماناً على قدر هذه الطاعات، ولو أنه نقص من هذه الطاعات نقص إيمانه على قدر نقصان عمله. إذاً: زيادة الإيمان ونقصانه متعلقة بالعمل، ومن الأعمال ما ينقض الإيمان من أصله، ومن الأعمال ما يؤثر على الإيمان الواجب، ومن الأعمال ما يؤثر على كمال الإيمان وتمامه. فعندي الآن ثلاث مراتب: إيمان أصلي، وهو أصل الإيمان في القلب، لابد من توفر هذا القدر من الإيمان حتى يثبت به الإسلام، ولو كان ذلك قبل أن أعمل عملاً مطلقاً، ولذلك من نطق بالشهادتين مؤمناً بهما ثم مات يكون مؤمناً، لكنه لم يحقق كمال الإيمان وتمامه، لأن ارتباط الكمال والتمام بالعمل، وهو لم يعمل، ربما يجازيه الله فضلاً من عنده درجات الكُمَّل الذين أتوا بالأعمال على وجهها وزيادة، وهذا فضل الله تعالى ورحمته يؤتيها من يشاء من عباده. أما هذا فقد حقق أصل الإيمان الذي يدخل به في مسمى الإيمان وإن لم يكن بلغ تمامه وكماله؛ لأن ذلك مرهون بالعمل، وهناك أعمال واجبة في الإسلام يقابلها الإيمان الواجب، فإذا أدى العبد هذه الأعمال الواجبة فقد حقق الإيمان الواجب، وهذه المرحلة الوسطى من مراحل الإيمان. وإذا أتى العبد بالنوافل والمستحبات والمندوبات وغير ذلك، وحافظ عليها، فقد حقق كمال الإيمان وتمامه، وهو الإيمان المطلق. إذاً: فمراتب الإيمان ثلاث، يقابل هذه المراتب أعمال. المرتبة الأولى: وهي مرتبة مطلق الإيمان وأساس الإيمان وقاعدة الإيمان، وجزؤه الذي لا يثبت للمرء الإيمان إلا به، وهو المصاحب لنطقه بالشهادتين وإقراره واعتقاده القلبي بما نطق به لسانه، وبغير هذا الجزء من الإيمان لا يكون مؤمناً على الحقيقة، بل يكون منافقاً. المرتبة الثانية: مرتبة الإيمان الواجب، يقابلها الأعمال الواجبة في الإسلام، إذا أداها فقد حقق الإيمان الواجب الذي يأثم المرء بتركه. أما كمال الإيمان وتمامه ومطلقه فإن ذلك متعلق بالمستحبات والمندوبات وغير ذلك من أعمال النوافل. قال: والإيمان في لسان الشرع: هو التصديق بالقلب والعمل بالأركان، وإذا فسر بهذا تطرق إليه الزيادة والنقصان، وهو مذهب أهل السنة، أن العمل داخل في مسمى الإيمان. قال: فالخلاف في هذا على التحقيق إنما هو: أن المصدق بقلبه إذا لم يجمع إلى تصديقه العمل بموجب الإيمان، هل يسمى مؤمناً مطلقاً أم لا؟ والمختار عندنا: أنه لا يسمى به، قال النبي ﵊: (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن)؛ لأنه لم يعمل بموجب الإيمان فيستحق هذا الإطلاق. هذا آخر كلام صاحب كتاب التحرير. ولو سلمنا أن الإيمان هو التصديق فإنه يتطرق إليه الزيادة والنقصان، وهذا غير مقصود في الشرع. والمرجئة قالوا: الإيمان هو التصديق. وإذا كان الإيمان هو التصديق فلا يتصور نزول التصديق إلا إلى الشك، فيقولون: الشاك ليس مؤمناً، وهو كذلك، لكن التصديق يتصور فيه الزيادة أو النقص، وقد ضربت لذلك مثلاً، وكذلك جاء في كتاب الله أمثلة عن سيدنا إبراهيم وكيف مات وغير ذلك، ولا يتصور مسلم أن إبراهيم ﵇ كان كافراً، ومع هذا قال: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى﴾ [البقرة:٢٦٠]، فإبراهيم ﵇ سأل عن الكيفية، هل إبراهيم ﵇ لا يوقن أن الله تعالى يحيي الموتى؟ فإبراهيم يوقن ذلك، ويوقن أن الله ت

стр. 585

نقل النووي لكلام ابن بطال في زيادة الإيمان ونقصانه وقال الإمام أبو الحسن علي بن خلف بن بطال المالكي المغربي في شرح صحيح البخاري: مذهب جماعة أهل السنة من سلف الأمة وخلفها أن الإيمان قول وعمل يزيد وينقص، والحجة على زيادته ونقصانه ما أورده البخاري من الآيات في كتاب الإيمان عنده. قال الله تعالى: ﴿لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ﴾ [الفتح:٤] فقوله: ((مَعَ إِيمَانِهِمْ)) يعني: الأصل هو الإيمان، ثم ازدادوا عليه إيماناً آخر. إذاً: عندنا أصل الإيمان وهو مطلق الإيمان، ثم الإيمان المطلق وهو الإيمان الزائد. ﴿لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ﴾ [الفتح:٤] يعني: أن معهم قدراً من الإيمان، وازدادوا عليه إيماناً بالعمل. وقول الله تعالى: ﴿وَزِدْنَاهُمْ هُدًى﴾ [الكهف:١٣]، وقال الله تعالى: ﴿وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى﴾ [مريم:٧٦]، وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى﴾ [محمد:١٧]، وقال تعالى: ﴿وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا﴾ [المدثر:٣١]، وقال تعالى: ﴿أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا﴾ [التوبة:١٢٤]، ﴿وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [التوبة:١٢٤]، فقد أثبت لهم الإيمان، ﴿فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ [التوبة:١٢٤]. إذاً: المرء يكون معه أصل الإيمان، وكلما نزلت آية آمن بها وأقر وصدق أنها من عند الله وعمل بها؛ ازداد بذلك إيماناً. وقال تعالى: ﴿فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا﴾ [آل عمران:١٧٣]، وقال تعالى: ﴿وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب:٢٢]. قال ابن بطال: فإيمان من لم تحصل له الزيادة ناقص، واعلم أن أي شيء يقبل الزيادة فلابد أن يقبل النقصان، ولذلك قال إبراهيم بن عيينة لأخيه سفيان لما قال: الإيمان يزيد وينقص؟ قال: يا أبا محمد! قل يزيد، قال: اسكت، إنما ينقص حتى لا يبقى منه شيء. إذاً: الزيادة والنقصان في الإيمان متصوران، ومادام الإيمان يقبل الزيادة فلابد أن يقبل النقصان، هذا شيء طبيعي جداً، حتى في حياة الخلق، فالذي يقبل الزيادة لابد أن يقبل النقصان؛ لأنه قبل أن يزيد كان ناقصاً. قال: فإن قيل: الإيمان في اللغة هو التصديق، ف الجواب أن التصديق يكمل بالطاعات، وهذا الكلام الذي قلته يحتاج إلى نظر أولاً؛ لأنه قال: إذا كان الإيمان هو التصديق فلا يتصور فيه الزيادة ولا النقصان؛ لأنه لا يزيد، يعني: هل سيصدق مرتين أو يصدق ثلاثاً؟ هو تصديق واحد، كما أنه لا يقبل النقصان؛ لأنه لا يقبل النقصان إلا إذا شك، والشاك ليس مؤمناً أصلاً، فهذا يعتبر التعريف اللغوي، مع أنه من جهة الشرع يحتاج إلى نظر، ولذلك قال ابن بطال: إذا كان الإيمان في اللغة هو التصديق، ف الجواب أن التصديق يكمل بالطاعات، يعني: حتى التصديق يقبل الزيادة، ويكون بالطاعات كلها. فما ازداد المؤمن من أعمال البر كان إيمانه أكمل، وبهذه الجملة يزيد الإيمان، وبنقصانها ينقص، فمتى نقصت أعمال البر من المستحبات والمندوبات نقص معها كمال الإيمان. ومتى زادت زاد الإيمان كمالاً وتماماً، هذا توسط القول في الإيمان. يعني: هذا هو القول المعتدل فيما يتعلق بتعريف الإيمان. وأما التصديق بالله تعالى ورسوله فلا ينقص، ولذلك توقف مالك ﵀ في بعض الروايات عن القول بالنقصان، إذ لا يجوز نقصان التصديق؛ لأنه إذا نقص صار شكاً وخرج عن اسم الإيمان. وقال بعضهم: إنما توقف مالك عن القول بنقصان الإيمان خشية أن يتأول عليه موافقة الخوارج الذين يكفرون أهل المعاصي من المؤمنين بالذنوب، وقد قال مالك بنقصان الإيمان وزيادته مثل جماعة أهل السنة، وقول مالك في ذلك مشهور، لكنه قال: الإيمان بالله ورسوله هو التصديق الذي لا يتصور معه النقصان. لأنني مؤمن بالرسول ﵊، والإيمان بالرسول هو التصديق بأنه أرسل من عند الله ، أيصح أنني في يوم من الأيام أشك في أن الله تعالى أرسله؟ لو شككت لحظة واحدة في أن الله أرسل محمداً لكفرت بذلك. فقالوا: إنكار مالك أن الإيمان هو التصديق في باب الإيمان بالله ورسوله فقط، وأن ذلك يتصور النقصان إلا إذا شك، وهو كلام يحتاج إلى تأويل. وعلى أية حال! ثبت أن الإمام مالكاً ﵀ قال بنقصان الإيمان وزيادته كما قاله جماعة أهل السنة. قال عبد الرزاق: سمعت من أدركت من شيوخنا وأصحابنا -الذين هم سفيان الثوري ومالك بن أنس وعبيد الله بن عمر و

стр. 586

نقل النووي لكلام ابن الصلاح في معنى الإسلام والإيمان وقال الإمام أبو عمرو بن الصلاح ﵀: قوله ﵊: (الإسلام: أن تشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلاً)، (والإيمان: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله، واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره)؛ قال: هذا بيان لأصل الإيمان ولزيادة الإيمان وكمال الإيمان وتمام الإيمان إلى آخره. وأصل الإيمان هو مطلق الإيمان، إذاً: النبي ﵊ يقول: (الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وبالقدر خيره وشره) وهذا قبل العمل، إذاً: قد توفر فيه أصل الإيمان ومطلق الإيمان. قال: هذه الشعب الإيمانية بيان لأصل الإيمان وهو التصديق الباطن، وبيان لأصل الإسلام وهو الاستسلام والانقياد الظاهر، وحكم الإسلام في الظاهر ثبت بالشهادتين. وإنما أضاف إليهما الصلاة والزكاة والحج والصوم؛ لكونها أظهر شعائر الإسلام وأعظمها، وبقيامه بها يتم استسلامه، وتركه لها يشعر بانحلال انقياده أو اختلاله. ثم إن اسم الإيمان يتناول ما فسر به الإسلام في هذا الحديث وسائر الطاعات؛ لكونها ثمرات للتصديق الباطن الذي هو أصل الإيمان، ومقويات ومتممات وحافظات له، ولهذا فسر ﷺ الإيمان في حديث وفد عبد القيس بالشهادتين، وذلك عندما أتى وفد عبد القيس، وقالوا: (يا رسول الله! إن بيننا وبينك مضر، وإنا لا نأتيك إلا في الأشهر الحرم، فمرنا بأمر نعمل به ونأمر به من وراءنا، قال: آمركم بالإيمان، أتدرون ما الإيمان؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: الإيمان أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتحج البيت، وتؤدي الخمس من المغنم)، وهذه شعائر الإسلام، ومع هذا أطلق عليها هنا الإيمان؛ لأنها لابد أن تكون موجودة ومصاحبة لإقرار القلب. ولهذا لا يقع اسم المؤمن المطلق على من ارتكب كبيرة أو ترك فريضة. ويفرق بين الإيمان المطلق ومطلق الإيمان؛ لأن اسم الشيء مطلقاً يقع على الكامل منه، فقوله ﵊: (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن)، نفى الإيمان عن الزاني، وهو نفي للإيمان الواجب الذي يأثم العبد بتركه، ومن سوء ما يخل به، ولو قلت: إن هذا نفي لأصل الإيمان للزمني أن أقول: إن من زنى كفر، وهذا الذي وقع فيه الخوارج وكادت المعتزلة أن تقع فيه، أي: كادت المعتزلة أن تذهب إلى مذهب الخوارج، ولكنهم ذهبوا مذهباً رديئاً أيضاً، وقالوا: هو في منزلة بين المنزلتين، لا نثبت له الإيمان ولا نثبت له الكفر، بل نقول: هو في منزلة بين المنزلتين. قال: لا يقع اسم المؤمن المطلق على من ارتكب كبيرة أو بدل فريضة؛ لأن اسم الشيء مطلقاً يقع على الكامل منه، يعني: لو قلت: فلان مؤمن، فمعناه أنه حقق كمال الإيمان، ولذلك في حديث سعد بن أبي وقاص قال: (يا رسول الله! إنك تعطي فلاناً ولا تعطي فلاناً، وهو مؤمن، فقال عليه النبي ﵊: أو مسلم؟)، يعني: يا سعد هذا الرجل يأتي بالشعائر الظاهرة، وعند أن رد النبي ﷺ على سعد قال له: (أو مسلم) لم يكن يقصد نفي الإيمان المطلق، إنما يقصد نفي كمال الإيمان فيما يتعلق بعلم سعد؛ لأنه لا علم له بذلك، ولا يستعمل في الناقص ظاهراً إلا بقيد، ولذلك جاز إطلاق نفيه عنه في قوله: (لا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا ينتهب نهبة ذات شرف يرفع الناس إليه فيها حين ينتهبها وهو مؤمن). إذاً: نفي الإيمان هنا، إنما هو نفي للإيمان الواجب، أما أصل الإيمان فهو باق؛ لأنه لا يتصور أن يقال: إن الزاني كافر، وإن السارق كافر، وإن القاتل كافر؛ لأن هؤلاء مرتكبون للكبائر، ومرتكب الكبيرة ليس كافراً، خلافاً للخوارج. نكتفي بهذا القدر، ولنا إن شاء الله تكملة بعد ذلك. وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم

стр. 587

شرح كتاب الإبانة - فضائل الإيمان وعلى كم شعبة هو يعتبر الإيمان بالله أفضل الأعمال وأجلها عند الله ، وقد عد العلماء من أخلاقه وصنوف شعبه ما إذا سمعه العقلاء من المؤمنين دأبوا على رعاية أنفسهم باستعمالها، وكل هذه الأخلاق والشعب قد جاء بها الكتاب، وجاءت بها السنة، وشهد بصحتها العقل السليم.

стр. 588

باب فضائل الإيمان وعلى كم شعبة هو وأخلاق المؤمنين وصفاتهم إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وبعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة. أما بعد: قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب: فضائل الإيمان وعلى كم شعبة هو، وأخلاق المؤمنين وصفاتهم].

стр. 589

حديث أبي هريرة (الإيمان بضع وستون شعبة) قال: [عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ (الإيمان بضع وستون أو بضع وسبعون شعبة، أفضلها: شهادة أن لا إله إلا الله، وأدناها: إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان)]. الراجح من جهة الرواية والنص: (بضع وستون)، وهي المتفق عليها بين أهل العلم. أما من جهة الواقع وجمع شعب الإيمان من الكتاب والسنة، وتتبع الآيات والروايات؛ فقد وصل غير واحد إلى أن شعب الإيمان بضع وسبعون شعبة. قوله: (أفضلها شهادة أن لا إله إلا الله) يفيد أن التوحيد على قمة الإيمان، والتوحيد شهادة، ولذلك قال: (أفضلها شهادة أن لا إله إلا الله)، أي: النطق باللسان بهذه الكلمة. وأدناها متعلق بعمل الجوارح، فقال: (وأدناها إماطة الأذى عن الطريق). ومن شعب الإيمان: الحياء، والحياء هو انفعال نفسي أو غريزي يخلق في العبد أو يجبل عليه. قال: [وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: (الإيمان سبعون باباً أو اثنان وسبعون باباً، أرفعه لا إله إلا الله، وأدناه إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان)]، روايات مختلفة في هذا الباب، منها الصحيح ومنها الضعيف. [قال عبيد الله بن محمد، وهو أبو عبد الله بن بطة: وأنا أذكر من أخلاق الإيمان وصنوف شعبه ما إذا سمعه العقلاء من المؤمنين دأبوا على رعاية أنفسهم باستعمالها، لعل الله تعالى أن ينفعني وإياهم بها، فيحشرنا في زمرة المؤمنين الذين جمع الله الكريم فيهم هذه السبعين خصلة التي ذكرها النبي ﷺ ، وبالله نستعين، فهو حسبنا ونعم الوكيل]. أراد الإمام أن يعدد خصال الإيمان التي وصل إليها بعض أهل العلم، ولذلك قال القاضي عياض: تكلف جماعة حصر هذه الشعب بطريق الاجتهاد، وفي الحكم بكون ذلك هو المراد صعوبة. يعني: لقد اجتهد أقوام من أهل العلم في حصر شعب الإيمان، لكن هذا الأمر محل اجتهاد، ويصعب القطع بأن المراد بشعب الإيمان هي التي جمعها أهل العلم، خاصة وأن بعض هذه الشعب المجموعة أدلتها ضعيفة، بل ضعيفة جداً، بل موضوعة، فيصعب القطع بأن ما جمعه أهل العلم تحت باب شعب الإيمان هي المرادة من حديث النبي ﵊. ولا يقدح عدم معرفة حصر ذلك على التفصيل في الإيمان. وقال الحافظ ابن حجر: ولم يتفق من عد الشعب على نمط واحد، فقد عدها ابن حبان، وعدها البيهقي، وغير واحد من أهل العلم، لكنهم لم يتفقوا على شعب واحدة، فعند كل واحد ما ليس عند الآخر، وأقربها إلى الصواب طريقة ابن حبان، قال الحافظ: لكن لم نقف على بيانها من كلامه، وقد لخصت مما أوردوه ما سأذكره. ثم شرع في بيانها في فتح الباري المجلد الأول صفحة (٥٢)، وقد ألف الحافظ البيهقي كتاباً كبيراً في شعب الإيمان، بلغ عدة مجلدات، والكتاب الآن مطبوع طبعتين، وقد اختصره القزويني في مجلد واحد اسمه: مختصر شعب الإيمان للإمام البيهقي، كما قد سبق البيهقي إلى ذلك شيخه الحليمي، فألف كتاباً في شعب الإيمان، وهو مطبوع، وقد اعتنى بشرح الآيات وشرح الأحاديث.

стр. 590

سرد المؤلف لشعب الإيمان أما اجتهاد ابن بطة في ذكر كلام أهل العلم في حصر هذه الشعب، فقد جاء بسنده عن الضحاك بن مزاحم أنه قال: [إن أحق ما بدأ به العبد من الكلام أن يحمد لله ويثني عليه. الحمد لله نحمده ونثني عليه بما اصطنع عندنا أن هدانا للإسلام، وعلمنا القرآن، ومنَّ علينا بمحمد ﵇، وأن دين الله الذي بعث به نبيه ﷺ هو الإيمان، والإيمان هو الإسلام]. وفي الحقيقة أن هذا عند التفرد، يعني إذا ذكر الإيمان وحده في نص أو في دليل شمل معه الإسلام، وإذا ذكر الإسلام وحده في نص شمل معه الإيمان، أما إذا ذكر الإيمان والإسلام في نص واحد فلكل واحد منهما مدلول يخصه، ولذلك يقول العلماء: الإيمان والإسلام إذا اجتمعا افترقا اجتمعا، أي: إذا اجتمعا في نص افترقا في المعنى والمدلول، وإذا افترقا، أي: ذكر كل واحد منهما لوحده اشتمل على الآخر. قال: [وبه أرسل المرسلون قبله، قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء:٢٥]، وهو الإيمان بالله، واليوم الآخر، والملائكة، والكتاب، والنبيين، والتصديق والإقرار بما جاء من الله، والتسليم لقضائه، وحكمه، والرضا بقدره، وهذا هو الإيمان، ومن كان كذلك فقد استكمل الإيمان]. أي: من حقق هذا كله، فقد حقق كمال الإيمان وتمامه، إذاً: هو يشير إشارة إلى كمال الإيمان ونقصانه؛ لأن الشيء الذي يقبل الزيادة والكمال لا بد أن يقبل النقصان، وإلا فقبل أن يكمل كان ناقصاً، وهذا معتقد أهل السنة والجماعة، أي: أن الإيمان يزيد وينقص. قال: [ومن كان مؤمناً حرم الله ماله ودمه، ووجب له ما يجب على المسلمين من الأحكام]. يعني: إذا ثبت الإيمان -ومعه الإسلام من باب أولى لعبد- فقد حرم الله دم هذا المؤمن وعرضه وماله إلا بحقه، قال: [ولكن لا يستوجب ثوابه ولا ينال الكرامة إلا بالعمل فيه، واستيجاد ثواب الإيمان عمل به]. أي: لا بد لمن زعم أنه مؤمن أن يأتي من العمل ما يوجب لصاحبه الثواب عند الله ، إذ إن الأعمال داخلة في مسمى الإيمان، والأعمال جزء من الإيمان، ومن الأعمال ما ينقض الإيمان، بل وينقض الإسلام، ومن الأعمال ما له تعلق بالكمال الواجب، ومن الأعمال ما له تعلق بالكمال المستحب على التفصيل السابق. قال: [والعمل به]، أي: بموجبات الإيمان، [اتباع طاعة الله ﵎ في أداء الفرائض، واجتناب المحارم، والاقتداء بالصالحين، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت من استطاع إليه سبيلا]، هذا كله من الإيمان، [ومحافظة على أداء الجمعة، والجهاد في سبيل الله، والاغتسال من الجنابة، وإسباغ الطهور، وحسن الوضوء للصلاة، والتنظيف، وبر الوالدين، وصلة الرحم، وصلة ما أمر الله تعالى به أن يوصل، وحسن الخلق مع الخطأ، واصطناع المعروف إلى الأقرباء، ومعرفة كل ذي حق حقه، من والد فوالدة فولده، فذي قرابة، فيتيم، فمسكين، فابن سبيل، فسائل، فغارم]، أي: المدين، [فمكاتب]، الذي يكاتب سيده على الحرية في مقابل ثمن مدفوع، [فجار، فصاحب، فما ملكت اليمين]؛ كل ذلك الإتيان به من الإيمان، [والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والحب في الله، والبغض في الله تعالى، وموالاة أولياء الله، ومعاداة أعداء الله، والحكم بما أنزل الله، وطاعة ولاة الأمر]، أي: ما داموا موحدين، وما داموا يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، [والغضب، والرضا، ووفاء بالعهد، وصدق الحديث، ووفاء بالنذور، وإنجاز الموعود، وحفظ الأمانة من كتمان السر أو المال، وأداء الأمانة إلى أهلها، وكتاب الدين المؤجل بشهادة ذوي عدل]، أي: كتابة الدين الذي بينك وبين أخيك من الإيمان، وكثير من الأخوة يتورعون عن ذلك! [والاستشهاد على المبايعة، وإجابة الداعي للشهادة، وكتابة بالعدل كما علم الله تعالى، وقيام الشهادة على وجهها بالقسط]، أي: بالعدل، [ولو على النفس والوالدين والأقربين، ووفاء الكيل والميزان بالقسط، وذكر الله تعالى عند عزائم الأمور، وذكر الله تعالى على كل حال، وحفظ النفس، وغض البصر، وحفظ الفرج، وحفظ الأركان كلها عن الحرام، وكظم الغيظ، ودفع السيئة بالحسنة، والصبر على المصائب، والقصد في الرضا والغضب، والاقتصاد في المشي والعمل، والتوبة إلى الله تعالى من قريب]، أي: المبادرة والمسارعة إلى التوبة، [والاستغفار للذنوب، ومعرفة الحق وأهله، ومعرفة العدل إذا رأى عامله، ومعرفة الجور إذا رأى عامله كيما يعرفه الإنسان من نفسه إن هو عمل به، ومحافظة على حدود الله، ورد ما اختلف فيه من حكم أو غيره إلى عالمه]، إذا كان جاهلاً فمرد ذلك إلى أهل العلم الذين يستنبطون الأحكام من كتاب الله، [وجسور على ما لم يختلف فيه من قرآن منزل، وسنة ماضية، فإنه حق لا شك فيه، ورد ما يتورع فيه من شيء إلى أولي الأمر الذين يستنبطونه منهم، وترك ما يريب إلى ما لا يريب]، أي أن ترك المشتبهات من الإيمان، [واستئذان في البيوت، فلا يدخل البيت حتى

стр. 591

حديث أبي هريرة ﵁ (أكمل المؤمنين إيماناً) قال: [عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خلقاً، وخياركم خياركم لنسائهم)]. قوله: (أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خلقاً) لو أن واحداً سيئ الخلق، بأن يكون شخصاً كذاباً، فاحشاً بذيء اللسان، فهل تسلب عنه الإيمان حتى لا يبقى منه شيء، أم لا بد أن يكون عنده قدر من الإيمان؟ لا بد أن يكون عنده قدر من الإيمان، إذاً هذه الشعبة -أي: حسن الخلق- متعلقة بكمال الإيمان، والنص واضح، قال: (أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خلقاً)، فأثبت له الإيمان، لكنه يزداد إيماناً وكمالاً وتماماً بحسن الخلق، وكذلك قوله: (خياركم)، أي: أفضلكم وأحسنكم خلقاً وإيماناً من كان خيراً لنسائه وأهله. قال: [وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خلقاً، وألطفهم بأهله)]، إذاً: المعاشرة بالمعروف كما قال تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء:١٩] من الإيمان يا إخواني! ومعاملة الرجل لزوجته معاملة حسنة ليس خدشاً في رجولته وإيمانه، بل يدل ذلك على كمال وتمام الإيمان في قلبه. قال: [وعن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ : (إن من أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خلقاً وألطفهم بأهله)]، وهذا لا ينسحب على رجل يخاف من امرأته، إذ إنه مضطر أن يعاملها أحسن معاملة، ومنبع ذلك هو الخوف من زوجته! فهل يستويان؟!

стр. 592

حديث أبي هريرة (الحياء شعبة من الإيمان) قال: [وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (الحياء شعبة من الإيمان)]، كلام جميل. والحياء نوعان: حياء مشروع، وحياء غير مشروع، فلو قيل لامرأة متبرجة: البسي خماراً استري نفسك قليلاً، تقول لك: أنا أستحي من الناس، ماذا أقول للناس؟ لو رآني الناس مرتدية النقاب أو الخمار فماذا أقول لهم؟ أين أذهب منهم؟ أنا ممكن في الحي أن أخرج باللباس العادي وأضع الخمار معي في الشنطة، فإذا خرجت من الحي لبسته! فهل هذا حياء؟ لا، هذا جبن وضعف وخور، فضلاً عن كونه معصية لله ولرسوله. كذلك الرجل الذي يستحي أن يتزيا بزي الإسلام في وجهه أو في بدنه، يستحي أن يلبس عمامة، أو يلبس طربوشاً، أو يلبس ثوباً، مع أن اللباس هو دلالة على منهجية معينة، هذه المنهجية أولى من منهجية من تجلس معه، إذاً: فلم الحياء؟ إذا كان الشرع قد أذن لنا بأوصاف في الزي دون تحديد زي بعينه، يعني: لو نظرت إلى هذا النقاب تجده غير نقاب الحجاز، تجده غير النقاب في سوريا، تجده غير النقاب في بلاد المغرب، إذاً: لكل امرأة من هذه البلاد نقاب يخصها، فلو أنك رأيت امرأة مصرية في المغرب تلبس النقاب عرفت أن هذه مصرية في بلاد المغرب؛ لأنها ملتزمة بزيها الذي اقتنعت بأنه الزي الشرعي، فهل تأثم إحدى هؤلاء النساء؟ الجواب لا تأثم ما دامت قد حققت شروطاً معينة اتفق عليها أهل العلم في زيها، ولا يلزم المرأة أن تلبس النقاب المصري، بل إذا لبست النقاب الحجازي أو المغربي أو الشامي تكون متبعة، والمهم تحقق الشروط التي اشترطها الشرع في لباس الرجل والمرأة، فإذا كان ذلك فهذا زي مشروع، وقلت هذه المقدمة لأن بعض الناس يستحي -بزعمه- أن يلبس الزي الأزهري، مع أن الزي الأزهري مشروع ولا بأس به؛ خاصة وأنه صار علامة ودلالة على أهل العلم، فالناس أول ما ينظرون إلى شخص يلبس عمامة حمراء أو طربوشاً أحمر، ويلبس جلابية -حتى وإن كان أجهل الجاهلين، حتى ولو لم يكن أزهرياً- يسرعون إليه يستفتونه في كل شيء؛ لأنه قد عرف عند الناس أن هذا الزي علامة ودليل على أهل العلم. إذاً: هذا الزي أخذ وقتاً معيناً، إذا قلنا إن المسبحة مشروعة، وقد جاءت أدلة كثيرة على مشروعيتها، ومن قال: بأنها غير مشروعة رجع عن قوله هذا إلى مشروعيتها، لكن بقيت الكراهة التنزيهية في استعمال المسبحة مع مشروعيتها؛ لأنها صارت علامة على أهل البدعة، يعني: صارت علامة على التصوف والدروشة والابتداع، فهي وإن كانت في أصلها مشروعة، لكن لما صارت علامة على أهل البدع كره العلماء استعمال هذه المسبحة. ولذلك نهينا أن نتشبه باليهود والنصارى، فأمرنا بإعفاء اللحى، مع أنهم الآن يطلقون لحاهم، فهل نقول: مخالفة لليهود والنصارى سنحلق لحانا؟! لا؛ لأن المخالفة فيما اختصوا به دوننا، كذلك اليهودي عنده طاقية سوداء يضعها على زاوية من رأسه جهة اليمين أو الشمال، فأنا أقول: أصل الطاقية مشروع، بل مسنون، ومن الذي يمنعني أن ألبس هذه الطاقية؟! افرض أن طاقية وقعت من يهودي وهو ماش أو راكب على الباص، فقمت أنا ولبستها وجعلتها في زاوية من رأسي، الذي يراني ماذا يقول عني إنني يهودي، صح أو لا؟ لأن لبس هذه الطاقية بعينها على نحو معين أو بهيئة أو كيفية معينة دليل على معتقد اللابس، والصلة بين المظهر والجوهر وثيقة، يعني: العلاقة بين الظاهر والباطن وثيقة جداً، فتجد مثلاً الذي يلبس زي النبي ﵊، أو يتمثل الزي الشرعي يتفاخر بذلك، أو يتعالى ويرتفع بإيمانه على هذا الواقع المر الباطل الذي يراه من حوله، ويشعر بقوة الإيمان، كما أن الجندي في المعركة وهو يلبس زي الجندية والعسكرية يشعر بالقوة والفتوة، كما إذا أتيت الآن بواحد وهو لابس للجلابية مثل حالتي هذه وتعطيه بندقية وتقول له: ادخل الصف وحارب، فسوف يقع مرة بالكل ثم يقع على وجهه، ومرة على ظهره، ومرة على جنبه، والعساكر الذين يلبسون زياً عسكرياً لا بد أنهم سيسبقونه، نفس الروح التي يشعر بها الجندي لا يشعر بها من لم يتجند، أو لم يشارك في حروب المجاهدين، وهكذا العلاقة القوية بين الظاهر والباطن.

стр. 593

بيان معنى حديث (الحياء شعبة من الإيمان) عند المؤلف ﵀ [قال ابن بطة: فإن سأل سائل عن معنى هذا الحديث، فقال: كيف يكون الحياء شعبة من الإيمان، والإيمان إنما هو قول وعمل ونية؟] هذا مذهب أهل السنة، والحياء هل هو قول؟ ليس قولاً، هل هو نية؟ ليس نية، هل هو عمل؟ منهم من قال: هو عمل، ومنهم من قال: ليس بعمل، قال: [والحياء سجية غريزية يطبع عليها البر والفاجر، والمؤمن والكافر]. يعني: أن الكافر يستحي، فهل تتصورون أن الجاهلية قبل مبعث النبي ﵊ لم يكونوا يفعلون خيراً قط؟ كان فيهم الخير والشر، لكن ليست لهم في الخير نية، وكذلك هذه الشعبة، أي: الحياء. قال الإمام: [فنقول في معنى ذلك والله أعلم: إن المؤمن يحول بينه وبين المعاصي والكبائر وارتكاب الفواحش الإيمان بالله ]، يعني: السد المنيع الذي يحول بينك وبين المعاصي هو إيمانك بالله، [والتصديق له فيما تواعد عليها من العقاب، وأليم العذاب]. إذاً: الذي يحول بينك وبين المعصية أمران: إيمانك بالله ، ووعده لك بالثواب إن تركت المعاصي، وخوفك من الله الذي توعدك بالعقاب والجزاء إن اقترفت المعصية، قال: [وكذلك يقوده إلى البر، واصطناع المعروف، والإيمان بالله ، التصديق له فيما وعد، وضمن لفاعلها من حسن المآب وجزيل الثواب، وكذلك تجد المستحي ينقطع بالحياء عن كثير من المعاصي]. وربما اشتاقت نفس العبد إلى الوقوع في معصية وتهيأت له أسبابها، وكان في خلوة من الناس، لكنه يوقن أن الله تعالى مطلع عليه، ويعلم سره ونجواه، فمنعه حياؤه من الله أن يقترف المعصية على هذا النحو، أليس هذا باباً من أبواب الحياء، إذاً: الحياء شعبة من شعب الإيمان. قال: [وإن لم تكن له تقية، فصار الحياء يفعل ما يفعله الإيمان من ترك المعاصي. وكذلك أيضاً ربما سئل الرجل في نوائب المعروف واصطناع الخير، فأجاب سائله حياءً منه وإن لم يكن له هناك نية سبقت فيه. وقال رجل للحسن: يا أبا سعيد! إن الرجل ليسألني وأنا أمقته فما أعطيه إلا حياءً]. أي: شخص يسأل الحسن البصري فيقول: يأتيني السائل وفي حقيقة الأمر أنا أبغضه، وأريد ألا أعطيه شيئاً، لكني أعطيه حياءً، مثل أن يحرجك واحد فتعطيه حياءً، فهل لك على هذه الكيفية نية؟ أنت لم تدفع إلا من أجل أن تتخلص منه. ولذلك يعتبر التسول غلطاً، ربنا يعافينا وإياكم من هذه الصنعة، فهي قد بلغت الكمال والتمام، يعني: تعرف كيف تأخذ من المسئول، فإذا كان الأمر كذلك فهل دافع الصدقة الحياء؟ لا، ليس الحياء. فقال: [فهل لي في ذلك من أجر؟ قال أبو سعيد: إن ذاك من المعروف، وإن في المعروف لأجراً]. رجل أراد أن يتخلص من ماله الحرام، كأن يكون عنده أموال من ربا، فهو يريد أن يتخلص منها امتثالاً لأمر الله تعالى وأمر رسوله ﵊، وكان بإمكانه أن يحتفظ بهذا المال وينفقه حيث شاء؛ لكن حياءه من الله هو الذي دفعه أن يتخلص من هذا المال، وإن لم يكن للعبد فيه نية الصدقة أو نية الإنفاق في سبيل الله إلا أنه مأجور، إذ إنه استحى من الله وتخلص من هذا المال الحرام؛ لأنه لو أبقاه لكان آثماً كما في قول الصحابة ﵃ للنبي ﵊ حين قال: (وفي بضع أحدكم صدقة)، والبضع هو الجماع، أو كناية عن الجماع، ولذلك قالوا (يا رسول الله! كيف يأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها صدقة)، أي: مع أن هذا أمر غريزي يأتيه المرء بنية وبغير نية، فقال النبي ﵊: (أرأيت لو وضعها في حرام أكان عليه وزر؟ قال: نعم. قال: فكذلك إذا وضعها في حلال كان له بها أجر)؛ لأنها من عموم المعروف، ومن عموم أداء الواجبات؛ لأن إتيان المرأة واجب على الرجل، وهناك خلاف بين أهل العلم في المدة التي يجب على الرجل أن يأتي فيها امرأته: فمنهم من قال: تجب مرة في كل أربعة أيام، قياساً على ما لو كان المسلم قد نكح أربعاً من النساء، فإن حظ كل واحدة مع التعدد ليلة يأتيها فيها الرجل. ومنهم من قال: يجب عليه وجوباً -يأثم بتركه- أن يأتيها في كل طهر مرة، وهؤلاء هم الظاهرية، واستندوا إلى قول الله : ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة:٢٢٢]. وكذلك المسافر إذا استأذن امرأته فيما لا يزيد عن أربعة أشهر إلا بإذن وطيب خاطر من المرأة، وأن يكون ذلك في سفر ضروري لطلب معاش أو رد عدو أو غير ذلك من الأغراض الشرعية للسفر. قال: [قال سعيد بن المسيب عن النبي ﷺ أنه قال]، وهذا إسناد مرسل، لكن معنى الحديث تشهد له نصوص شرعية كثيرة: [(إن قلة الحياء كفر)]. أي: كفر عملي لا يخرج به صاحبه من الملة، قال: [فهذا شبيه بقوله: (الحياء شعبة من الإيمان)] إذاً: هذا خرج مخرج مفهوم المخالفة، يعني: هذا تخريج على الأصل، فالأصل أن الحياء من الإيمان، فترك الحياء لا بد أن يكون

стр. 594

حديث أبي أمامة (من أحب لله وأبغض لله) قال: [عن أبي أمامة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (من أحب لله، وأبغض لله، وأعطى لله، ومنع لله، فقد استكمل الإيمان)]. إذاً: هذه الشعب متعلقة بكمال الإيمان؛ لأنه قال: (من أحب لله)، فأنا أحب فلاناً لكن ليس لله بل لمصلحة دنيوية، وهذا لا يجوز، فأنا أحبك في الله لأنك رجل موحد، رجل تحافظ على دينك أمراً ونهياً، إتياناً وتركاً، رجل تغضب لغضب الله وغضب رسوله، وتفرح لفرح الله ولفرح رسوله ﵊، رجل قائم بالكتاب والسنة؛ فهذا هو الحب في الله، لكن إن أحببت من أول نظرة، ولم أعرف ما هو دينك، ما هي أخلاقك، فهل هذا هو الحب في الله؟! لو أن واحداً أحب آخر على هذا النحو لا يؤجر عليه؛ لأنه لم ينعقد في الله ، لكنني لو أحببتك لله، لا يشرع لي أن أبغضك إلا لله ، ولذلك أهل السنة والجماعة يعتقدون أن المرء لا يحب لذاته ولا يبغض لذاته، وإنما يحب لعمله ويبغض لعمله، ومن الناس من يجمع الخير والشر، الطاعة والمعصية، الصلاح والفساد، فمن عقيدة أهل السنة أن المرء يحب على قدر ما فيه من طاعة، ويبغض على قدر ما فيه من معصية، وعندما تأتي وتبحث على أصول الاعتقاد عند أهل السنة والجماعة في هذه القضية، أي: قضية الحب والبغض، تجد أننا ليس لنا علاقة بأهل السنة والجماعة، كيف؟ فلان هذا يصوم ويصلي ويزكي ويحج ويعتمر ويتطهر من الجنابة، ويفعل كل الطاعات؛ لكن إن كان بيني وبينه قضية مبنية على الطمع فحرمني أبغضته، رغم ما فيه من طاعة، فهذا البغض يأثم به العبد؛ لأنه لم ينعقد في الله، ووقع على هذا العبد الطائع بغير ذنب منه ولا جريرة ارتكبها.

стр. 595

حديث (من أعطى لله ومنع لله) قال: [قال رسول الله ﷺ : (من أعطى لله، ومنع لله، وأحب لله، وأبغض لله، وأنكح لله، فقد استكمل إيمانه)]، أي: أن هذا أمر متعلق بكمال وتمام الإيمان، فقال: العطاء والمنع لا بد أن تنعقد في الله ، فمثلاً: عندما تسافر أو تذهب إلى الحج فترى كل أهل البلد منهم من جاء بوزة، ومنهم من جاء ببطة، ومنهم من جاء بعجل وغير ذلك، وهم في حقيقة الأمر لم يعطوه مساعدة وإنما ينتظرون نوالاً قادماً، ولو رجع هذا الحاج من الحج صفر اليدين، فانظر إلى السخط والغضب الذي ينصب عليه، واتهامه بالبخل والشح وغير ذلك، وهذا يدل على أن العطاء أولاً لم يكن لله؛ لأنك الآن عندما تأتي بهدية لفلان أو تذهب إلى فلان وتعطيه هدية، الأصل ألا تنتظر أن يردها إليك، لكنه من حسن إيمانه أن يرد إليك الهدية وزيادة، يعني: هذا من حسن الخلق، ومن أعظم البر، ولذلك لما (استلف النبي ﵊ بعيراً، فلما جاء صاحب البعير ليأخذه من النبي ﵊، قال النبي ﷺ لأصحابه: التمسوا له بعيراً، فذهبوا ليلتمسوا له بعيراً فلم يجدوا إلا بعيراً هو أفضل من بعيره، قالوا: يا رسول الله! لم نجد إلا بعيراً هو أفضل من بعيره، قال: أعطوه إياه، فإن خيركم أحسنكم قضاءً)، ولذلك هل هذا داخل في باب الربا أو في حسن القضاء؟ في حسن القضاء، فمثلاً: أنت عندما تعطيني ألف جنيه سلفاً، وتقول لي: خذ هذه الألف جنيه، ثم بعد سنة أتيت أردها لك ألف جنيه، فقلت لي: لا، الألف بألف ومائة، أعطني المائة قبل الألف، فهذا غير مشروع؛ لأنه ربا، وهو معروف في القرآن بربا النسيئة، أي: ربا التأخير، إذاً: التأخير في الزمن مقابل الزيادة لا يجوز، لكن لو أخذت منك الألف جنيه، وفي وقت القضاء أتيت بخمسمائة جنيه فوق الألف هدية، فلك أخذها، أي: الهدية؛ لأنك على يقين أن هذا ليس من باب الربا؛ لأنه ليس مشروطاً، ولم تصب إليه نفس الدائن، وإنما هو أعطاك قرضاً حسناً، فلو أتيت ترده له بنفس القدر فلا حرج عليك ولا عليه، لكن لو أعطيته زيادة من باب الهدية فهذا بلا شك من باب حسن القضاء لا من باب الربا، وإنما يفرق بين هذا وذاك أن يكون مشروطاً في عقد المداينة، مثل البنك بالضبط، فعندما تأخذ من البنك عشرة آلاف جنيه، ثم بعد عام أردت أن ترجع هذا المبلغ للبنك؛ فإنه يضع في يديك كلبشات الحديد، يعني: أن البنك حين التعاقد يقول لك: إقترض مني ما شئت في مقابل (١٦%) فائدة العام الأول، فإن تأخرت سيضاعف عليك هذه الفائدة حتى تصل إلى مئات في المائة، وهذا مصداق لقول الله : ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾ [البقرة:٢٧٦]، فالربا بلاء عظيم جداً بخلاف الزكاة، فإن بعض الناس يتصور أن دفع الضرائب للحكومة زكاة، ويقول: لقد زكيت، وهذا خلط بين الإيمان والكفر، خلط بين ما هو مشروع وما هو ممنوع، وبعض الناس يتصور أن الزكاة تنقص المال، وهذا تصور لا يخرج إلا من قلب قد فسد إيمانه؛ لأنه يحاج الله تعالى في قوله: ﴿وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾ [البقرة:٢٧٦]، وقال الله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [التوبة:١٠٣]، فإخراج الزكاة إنما هو طهرة للبدن والمال، وزكاة للأنفس التي أخرجت هذا المال، أما أن يعتقد إنسان أن إخراج الزكاة منقصة للمال؛ فإن المال ليس بعدده ولا كيله، وإنما هو ببركته التي يطرحها الله فيه، فكم من إنسان يتقاضى راتباً بالألف، لكنه يبكي بالليل والنهار، وكم من إنسان يأخذ بعض الدراهم، لكنه يعيش عيشة سعيدة بسبب إيمانه وتقواه، ويبارك الله له في ماله وفي ولده وفي رزقه، وكم من إنسان يأخذ الألف وفي كل شهر يبتلى جزاء هذا المال المحرم في ولده أو في امرأته أو في نفسه أو في قلبه، بخلاف إنسان تقي نقي صفي يأخذ مالاً قليلاً، ويمشي على قدر هذا المال طيلة الشهر، والعجب أنه يدخر منه، ولا يشعر بأي ضيق في الحياة، ويرى أن الحياة كلها سعادة وهناء، وإنما مرد ذلك إلى الإيمان والكفر، إلى السعادة والشقاء، إلى الطاعة والمعصية، إلى الصلاح والطلاح، وليس ذلك مرهوناً بإخراج بعض المال مما يملك الإنسان.

стр. 596

أثر كعب (من أقام الصلاة) قال: [عن كعب قال: من أقام الصلاة وآتى الزكاة وسمع وأطاع، فقد توسط الإيمان]. وهذا يدل على أن الإيمان منه ما هو دون، ومنه ما هو وسط، ومنه ما هو في القمة والكمال والتمام، قال: [ومن أحب في الله، وأبغض في الله، وأعطى لله، ومنع لله، فقد استكمل الإيمان].

стр. 597

حديث أبي رزين العقيلي (ما الإيمان) قال: [وعن أبي رزين العقيلي]، وإن كان الإسناد فيه ضعف، لكن يشهد له ما قبله وما بعده، [قال: (أتيت رسول الله ﷺ فقلت: يا رسول الله! ما الإيمان؟ قال: أن تشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله، وأن يكون الله ورسوله أحب إليك مما سواهما، وأن تحرق بالنار أحب إليك من أن تشرك بالله، وأن تحب غير ذي نسب لا تحبه إلا لله)]. أي: تحب الغريب الذي لا تربطك به رابطة نسب، وهذا الحب لا يكون إلا في الله، قال: [(فإذا كنت كذلك فقد دخل حب الإيمان قلبك كما دخل حب الماء قلب الظمآن في اليوم القائظ -أي: اليوم الشديد الحر - قلت: يا رسول الله! كيف لي أن أعلم أني مؤمن؟ قال: ما من أمتي أو من هذه الأمة من عبد يعمل حسنة فيعلم أنها حسنة والله جازيه بها خيراً منها، ولا يعمل سيئة فيعلم أنها سيئة، ويستغفر الله منها، ويعلم أنه لا يغفر الذنوب إلا هو فهو مؤمن)]. وهذا مصداق [قوله ﵊: (من سرته حسنته وساءته سيئته فهو مؤمن)]. فمثلاً: لو أن واحداً صلى وشعر بعد الصلاة بتوفيق الله له في هذه الصلاة، وأنه كان على قدر لا بأس به من الخشوع والخضوع والذل بين يدي العزيز الجبار ؛ فلا شك أن هذا العبد أفضل من آخر صلى بجواره وهو غافل لاه ساه، فخرج من صلاته ولا يدري هل قرأ فيها أم لا؟ وإذا كان قد قرأ فلا يدري ما قرأ؟ بخلاف الآخر الذي استحضر الخشوع، ونظر الله ﵎ إليه، فأتى بهذه الصلاة على وجهها، فأتمها بخشوعها، وأداء أركانها، وواجباتها ومستحباتها، ففرق عظيم بين هذا وذاك، فهذا العبد الثاني لما استشعر أن هذا من رحمة الله فرح بهذه الحسنة التي أداها، وفرحه هذا إنما منبعه الإيمان؛ لأن المؤمن إذا عمل خيراً فرح به، وإذا بدت منه سيئة استاء واغتم أشد الغم لما بدر منه؛ لما قصر في جنب الله، ولذلك المؤمن الكامل الإيمان إذا قام ورأى الشمس قد أشرقت ولم يصل الصبح فماذا يكون حاله؟ لا شك أنه يكون في غاية الضيق والهم والغم، بل والكسل طيلة النهار، وكأنه وقع في ذنب لا يغفر أبداً، مع أن هذا قد حصل من النبي ﵊، وأنتم تعلمون حديث بلال وأنس وغيرهما: (أن النبي ﵊ نام وأصحابه ورضي الله عنهم أجمعين حتى ضربت الشمس بحرها رسول الله ﷺ ، فقال: تحولوا بنا عن هذا الوادي فإن به شيطاناً، ثم أمر بلالاً فأذن فتوضئوا وصلوا الفجر، ثم صلوا الظهر بعد ذلك). وهذا مصداق لقوله ﵊: (من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها، فإنما ذلك وقتها). والشاهد أن المرء الذي عنده شيء من الإيمان -لا أقول: كمال الإيمان وتمامه- لو أنه سرق أنبه إيمانه وضميره وخوفه من الله ، وربما أخفى المال المسروق بين يديه؛ لشهوة أو ضعف في إيمانه أو حاجة إلى هذا المال أو غير ذلك، لكنه على أية حال غير مطمئن البال لما بدر منه؛ لأنه ساءته سيئته، وهذا بخلاف المنافق، فإنه لا تسره حسنته ولا تسوءه سيئته، بل إنه يتظاهر بالخير ويبطن الشر، يتظاهر بالإيمان ويبطن الكفر، ويظن أنه في مأمن من مكر الله ، واطلاع الله على سره، كاطلاعه على علانيته سواء بسواء، فهذا هو الفرق بين المؤمن والمنافق، فالمؤمن إذا فعل سيئة استاء بها، وإذا فعل حسنة سر بها، ومصدر السرور بالحسنة والإساءة بالسيئة إنما هو الإيمان، فيكون قوله ﵊: (من سرته حسنته وساءته سيئته فهو مؤمن)، أي: مصدر الإساءة ومصدر الإحسان هو الإيمان، فلو أنه فعل سيئة استاء منها، وهذا الاستياء دليل على إيمان العبد، وإذا فعل حسنة سر بها، وهذا السرور دليل على الإيمان، ولذلك قال النبي ﵊: (علامة الإيمان حب الأنصار، وعلامة النفاق بغض الأنصار)، إذاً: حب الأنصار شعبة من شعب الإيمان، وأنا لابد أن أسأل نفسي سؤالاً: لماذا أحب الأنصار؟ هناك من الأنصار مشركون، ومن أبناء الأنصار مشركون، لكنني أحببت الأنصار في الجملة؛ لأجل محبتهم لله ولرسوله ونصرتهم لدينه، وتقديمهم الغالي والنفيس في سبيل نصر دين الله . لكن لو أني -عياذاً بالله- منافق، فهل أحبهم لأجل نصرتهم لدين الله؟ الجواب لا، إذاً: علامة الإيمان حب الأنصار، أي: بسبب نصرتهم لله ورسوله، لكن لو أن اثنين من الأنصار تخاصموا مع بعضهم البعض، أليس الأوس والخزرج من الأنصار؟ بلى، فلو أن شخصاً من الأوس تخاصم مع شخص من الخزرج؛ فلا شك أن هذا سيورث شيئاً من البغض بين الأوسي والخزرجي، فهل بغض الأوسي للخزرجي بسبب نصرة الخزرجي لله ورسوله؟ فلو أن أوسياً أبغض خزرجياً هل يكون هذا مؤثراً على إيمان الأوسي؟ لا؛ لأن بغضه للخزرجي ليس بسبب نصرة الخزرجي لله، ولرسوله وكذلك العكس بالعكس، فلو أنك عقدت قلبك ونيتك على حب الأنصار لأج

стр. 598

أثر يحيى بن معاذ (ما من مؤمن يعمل المعصية) قال: [قال يحيى بن معاذ الرازي: ما من مؤمن يعمل المعصية لله ﵎ إلا ويكون معها حسنتان: خوف العقاب، ورجاء العفو]. من عقيدة أهل السنة والجماعة أن المرء يطير إلى الله بجناحين: جناح الخوف، وجناح الرجاء، وهما جناحان للعبد لا تصح عبادته إلا بهما، فإذا عبد المرء الله بالخوف فقط أدى ذلك إلى اليأس والقنوط من رحمة الله ، وإذا عبد العابد الله تعالى بالرجاء فقط فلا بد أنه سيؤدي به إلى التقصير والتفريط في جنب الله ، ويوقعه في الإرجاء وترك العمل، فينبغي أن يسير السائر إلى الله بهذين الجناحين على قدم وساق، خوف يحفزك إلى مزيد من العمل، ورجاء في أن الله سيجازيك على عملك هذا خيراً. وبعض أهل العلم قال: ويستحب تغليب جانب الخوف على جانب الرجاء إلا في مرض الموت، أو المرض الشديد الذي يغلب على الظن مفارقة الحياة الدنيا معه، فيغلب الرجاء حتى يلقى العبد ربه بحسن ظنه، لقول النبي الكريم كما عند مسلم وأبي داود: (لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بربه)، ومصدر حسن الظن الرجاء بالله . وقال الله في الحديث القدسي: (أنا عند ظن عبدي بي، فليظن بي ما شاء)، وفي رواية: (فلا يظن بي إلا خيراً)، فينبغي تغليب الخوف في حال القوة والنشاط، بخلاف حال الضعف والمرض والإشراف على الهلاك، فيستحب أن يغلب جانب الرجاء.

стр. 599

أثر عبد الله بن عمرو بن العاص (لا يؤمن العبد) قال: وقال عبد الله بن عمرو بن العاص: لا يؤمن العبد كل الإيمان حتى لا يأكل إلا طيباً، ويتم الوضوء في المكاره، ويضع الكذب ولو في المزاحة]. أي: لا يكذب حتى وإن كان مزاحاً. قال: [وعن سالم عن أبيه: (سمع النبي ﷺ رجلاً يعظ أخاه في الحياء - يعني: واحد يقول للثاني: يا أخي! دعك من هذا الحياء - فقال النبي ﷺ : دعه، فإن الحياء من الإيمان)]. قال: [وقال أبو هريرة قال النبي ﵊: (الحياء من الإيمان، والإيمان في الجنة، والبذاء - أي: الفحش - من الجفاء، والجفاء في النار)]. قال: [وقال النبي ﵊: (ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، ومن أحب عبداً لا يحبه إلا لله ، وأن يقذف به في النار أحب إليه من أن يرجع في الكفر)].

стр. 600

حديث أبي هريرة (من سره أن يجد طعم الإيمان) قال: [وقال النبي ﵊: (من سره أن يجد طعم الإيمان فليحب العبد لا يحبه إلا لله)].
следующие страницы →