← Акыда

Акыда · id 37436

شرح كتاب الإبانة من أصول الديانة

حسن أبو الأشبال الزهيري

Полный текст (1 366 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

أثر كعب (من أقام الصلاة) قال: [عن كعب قال: من أقام الصلاة وآتى الزكاة وسمع وأطاع، فقد توسط الإيمان]. وهذا يدل على أن الإيمان منه ما هو دون، ومنه ما هو وسط، ومنه ما هو في القمة والكمال والتمام، قال: [ومن أحب في الله، وأبغض في الله، وأعطى لله، ومنع لله، فقد استكمل الإيمان].

стр. 597

حديث أبي رزين العقيلي (ما الإيمان) قال: [وعن أبي رزين العقيلي]، وإن كان الإسناد فيه ضعف، لكن يشهد له ما قبله وما بعده، [قال: (أتيت رسول الله ﷺ فقلت: يا رسول الله! ما الإيمان؟ قال: أن تشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله، وأن يكون الله ورسوله أحب إليك مما سواهما، وأن تحرق بالنار أحب إليك من أن تشرك بالله، وأن تحب غير ذي نسب لا تحبه إلا لله)]. أي: تحب الغريب الذي لا تربطك به رابطة نسب، وهذا الحب لا يكون إلا في الله، قال: [(فإذا كنت كذلك فقد دخل حب الإيمان قلبك كما دخل حب الماء قلب الظمآن في اليوم القائظ -أي: اليوم الشديد الحر - قلت: يا رسول الله! كيف لي أن أعلم أني مؤمن؟ قال: ما من أمتي أو من هذه الأمة من عبد يعمل حسنة فيعلم أنها حسنة والله جازيه بها خيراً منها، ولا يعمل سيئة فيعلم أنها سيئة، ويستغفر الله منها، ويعلم أنه لا يغفر الذنوب إلا هو فهو مؤمن)]. وهذا مصداق [قوله ﵊: (من سرته حسنته وساءته سيئته فهو مؤمن)]. فمثلاً: لو أن واحداً صلى وشعر بعد الصلاة بتوفيق الله له في هذه الصلاة، وأنه كان على قدر لا بأس به من الخشوع والخضوع والذل بين يدي العزيز الجبار ؛ فلا شك أن هذا العبد أفضل من آخر صلى بجواره وهو غافل لاه ساه، فخرج من صلاته ولا يدري هل قرأ فيها أم لا؟ وإذا كان قد قرأ فلا يدري ما قرأ؟ بخلاف الآخر الذي استحضر الخشوع، ونظر الله ﵎ إليه، فأتى بهذه الصلاة على وجهها، فأتمها بخشوعها، وأداء أركانها، وواجباتها ومستحباتها، ففرق عظيم بين هذا وذاك، فهذا العبد الثاني لما استشعر أن هذا من رحمة الله فرح بهذه الحسنة التي أداها، وفرحه هذا إنما منبعه الإيمان؛ لأن المؤمن إذا عمل خيراً فرح به، وإذا بدت منه سيئة استاء واغتم أشد الغم لما بدر منه؛ لما قصر في جنب الله، ولذلك المؤمن الكامل الإيمان إذا قام ورأى الشمس قد أشرقت ولم يصل الصبح فماذا يكون حاله؟ لا شك أنه يكون في غاية الضيق والهم والغم، بل والكسل طيلة النهار، وكأنه وقع في ذنب لا يغفر أبداً، مع أن هذا قد حصل من النبي ﵊، وأنتم تعلمون حديث بلال وأنس وغيرهما: (أن النبي ﵊ نام وأصحابه ورضي الله عنهم أجمعين حتى ضربت الشمس بحرها رسول الله ﷺ ، فقال: تحولوا بنا عن هذا الوادي فإن به شيطاناً، ثم أمر بلالاً فأذن فتوضئوا وصلوا الفجر، ثم صلوا الظهر بعد ذلك). وهذا مصداق لقوله ﵊: (من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها، فإنما ذلك وقتها). والشاهد أن المرء الذي عنده شيء من الإيمان -لا أقول: كمال الإيمان وتمامه- لو أنه سرق أنبه إيمانه وضميره وخوفه من الله ، وربما أخفى المال المسروق بين يديه؛ لشهوة أو ضعف في إيمانه أو حاجة إلى هذا المال أو غير ذلك، لكنه على أية حال غير مطمئن البال لما بدر منه؛ لأنه ساءته سيئته، وهذا بخلاف المنافق، فإنه لا تسره حسنته ولا تسوءه سيئته، بل إنه يتظاهر بالخير ويبطن الشر، يتظاهر بالإيمان ويبطن الكفر، ويظن أنه في مأمن من مكر الله ، واطلاع الله على سره، كاطلاعه على علانيته سواء بسواء، فهذا هو الفرق بين المؤمن والمنافق، فالمؤمن إذا فعل سيئة استاء بها، وإذا فعل حسنة سر بها، ومصدر السرور بالحسنة والإساءة بالسيئة إنما هو الإيمان، فيكون قوله ﵊: (من سرته حسنته وساءته سيئته فهو مؤمن)، أي: مصدر الإساءة ومصدر الإحسان هو الإيمان، فلو أنه فعل سيئة استاء منها، وهذا الاستياء دليل على إيمان العبد، وإذا فعل حسنة سر بها، وهذا السرور دليل على الإيمان، ولذلك قال النبي ﵊: (علامة الإيمان حب الأنصار، وعلامة النفاق بغض الأنصار)، إذاً: حب الأنصار شعبة من شعب الإيمان، وأنا لابد أن أسأل نفسي سؤالاً: لماذا أحب الأنصار؟ هناك من الأنصار مشركون، ومن أبناء الأنصار مشركون، لكنني أحببت الأنصار في الجملة؛ لأجل محبتهم لله ولرسوله ونصرتهم لدينه، وتقديمهم الغالي والنفيس في سبيل نصر دين الله . لكن لو أني -عياذاً بالله- منافق، فهل أحبهم لأجل نصرتهم لدين الله؟ الجواب لا، إذاً: علامة الإيمان حب الأنصار، أي: بسبب نصرتهم لله ورسوله، لكن لو أن اثنين من الأنصار تخاصموا مع بعضهم البعض، أليس الأوس والخزرج من الأنصار؟ بلى، فلو أن شخصاً من الأوس تخاصم مع شخص من الخزرج؛ فلا شك أن هذا سيورث شيئاً من البغض بين الأوسي والخزرجي، فهل بغض الأوسي للخزرجي بسبب نصرة الخزرجي لله ورسوله؟ فلو أن أوسياً أبغض خزرجياً هل يكون هذا مؤثراً على إيمان الأوسي؟ لا؛ لأن بغضه للخزرجي ليس بسبب نصرة الخزرجي لله، ولرسوله وكذلك العكس بالعكس، فلو أنك عقدت قلبك ونيتك على حب الأنصار لأج

стр. 598

أثر يحيى بن معاذ (ما من مؤمن يعمل المعصية) قال: [قال يحيى بن معاذ الرازي: ما من مؤمن يعمل المعصية لله ﵎ إلا ويكون معها حسنتان: خوف العقاب، ورجاء العفو]. من عقيدة أهل السنة والجماعة أن المرء يطير إلى الله بجناحين: جناح الخوف، وجناح الرجاء، وهما جناحان للعبد لا تصح عبادته إلا بهما، فإذا عبد المرء الله بالخوف فقط أدى ذلك إلى اليأس والقنوط من رحمة الله ، وإذا عبد العابد الله تعالى بالرجاء فقط فلا بد أنه سيؤدي به إلى التقصير والتفريط في جنب الله ، ويوقعه في الإرجاء وترك العمل، فينبغي أن يسير السائر إلى الله بهذين الجناحين على قدم وساق، خوف يحفزك إلى مزيد من العمل، ورجاء في أن الله سيجازيك على عملك هذا خيراً. وبعض أهل العلم قال: ويستحب تغليب جانب الخوف على جانب الرجاء إلا في مرض الموت، أو المرض الشديد الذي يغلب على الظن مفارقة الحياة الدنيا معه، فيغلب الرجاء حتى يلقى العبد ربه بحسن ظنه، لقول النبي الكريم كما عند مسلم وأبي داود: (لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بربه)، ومصدر حسن الظن الرجاء بالله . وقال الله في الحديث القدسي: (أنا عند ظن عبدي بي، فليظن بي ما شاء)، وفي رواية: (فلا يظن بي إلا خيراً)، فينبغي تغليب الخوف في حال القوة والنشاط، بخلاف حال الضعف والمرض والإشراف على الهلاك، فيستحب أن يغلب جانب الرجاء.

стр. 599

أثر عبد الله بن عمرو بن العاص (لا يؤمن العبد) قال: وقال عبد الله بن عمرو بن العاص: لا يؤمن العبد كل الإيمان حتى لا يأكل إلا طيباً، ويتم الوضوء في المكاره، ويضع الكذب ولو في المزاحة]. أي: لا يكذب حتى وإن كان مزاحاً. قال: [وعن سالم عن أبيه: (سمع النبي ﷺ رجلاً يعظ أخاه في الحياء - يعني: واحد يقول للثاني: يا أخي! دعك من هذا الحياء - فقال النبي ﷺ : دعه، فإن الحياء من الإيمان)]. قال: [وقال أبو هريرة قال النبي ﵊: (الحياء من الإيمان، والإيمان في الجنة، والبذاء - أي: الفحش - من الجفاء، والجفاء في النار)]. قال: [وقال النبي ﵊: (ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، ومن أحب عبداً لا يحبه إلا لله ، وأن يقذف به في النار أحب إليه من أن يرجع في الكفر)].

стр. 600

حديث أبي هريرة (من سره أن يجد طعم الإيمان) قال: [وقال النبي ﵊: (من سره أن يجد طعم الإيمان فليحب العبد لا يحبه إلا لله)].

стр. 601

حديث أبي هريرة (والذي نفسي بيده لا تدخلون الجنة) قال: [وقال ﵊: (والذي نفسي بيده لا تدخلون الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا، أولا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؛ أفشوا السلام بينكم)].

стр. 602

أثر علي في صفة المؤمن قال: [وقال علي بن أبي طالب ﵁: صفة المؤمن قوة في دين، وجرأة في لين، وإيمان في يقين، وحرص في فقه، ونشاط في هدى، وبر في استقامة، وكيس في رفق، وعلم في حلم، لا يغلبه فرحه، ولا تفضحه بطنه، نفسه منه في عناء، والناس منه في راحة؛ لا يغتاب ولا يتكبر]. وهذه خصال الإيمان.

стр. 603

حديث ابن مسعود (ليس المؤمن بالطعان) قال: [وقال النبي ﵊: (إن المؤمن ليس بالطعان، ولا اللعان، ولا الفاحش، ولا البذيء)]، أي: المؤمن كامل الإيمان، ليس بالطعان، ولا اللعان، ولا الفاحش، ولا البذيء.

стр. 604

أثر الحسن (إن من أخلاق المؤمنين) وفي بعض كلام أهل العلم قال: [إن من أخلاق المؤمنين قوة في الدين، وحزماً في لين، وإيماناً في يقين، وحرصاً في علم، وقصداً في غنى، وتجملاً في فاقة -أي: فقر- ورحمة للمجهود، وعطاءً في حق، ونهياً عن شهوة، وكسباً في حلال، وتحرجاً عن طمع، ونشاطاً في هدى، وبراً في استقامة، لا يحيف على من يبغض، ولا يأثم في الحب، ولا يدعي ما ليس له، ولا ينابز بالألقاب، ولا يشمت بالمصائب، ولا يضر بالجار ولا يهمز، في الصلاة متخشع، وإلى الزكاة متسرع، إن صمت لم يغمه الصمت]، أي: لم يصب بغم بسبب صمته، [وإن ضحك لم يعل صوته، في الزلازل وقور، وفي الرخاء شكور، قانع بالذي له، لا يجمح به الغيظ، ولا يغلبه الشح، يخالط الناس ليعلم، ويصمت ليسلم، وينطق ليفهم، إن كان مع الذاكرين لم يكتب من الغافلين، وإن كان مع الغافلين كتب من الذاكرين، وإن بغي عليه صبر حتى يكون الله هو الذي ينتقم له يوم القيامة].

стр. 605

آثار ابن عمر وأبي الدرداء والعباس في أعمال الإيمان وأثرها قال: [وقال عبيد بن عمير: الإيمان هيوب]. أي: أن المؤمن مهاب بسبب إيمانه، إذ يجعل الله تعالى هيبته في قلوب الخلق. قال: [قال أبو الدرداء: على الحق نور، وعلى الإيمان وقار]. قال: [وقال عباس بن عبد المطلب: سمعت النبي ﷺ يقول: (ذاق طعم الإيمان من رضي بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد رسولاً)]. [قال ابن بطة: فهذه أخلاق الإيمان، وصفات المؤمنين، يزيد في العبد، ويقوى بقوتها وزيادتها، وينقص ويضعف بضعفها ونقصانها]، ثم قال: [وسأذكر الأفعال والأقوال التي تخرجه من إيمانه ويصير كافراً بها]. وهذا القول في غاية الأهمية؛ لأن بعض الناس يقولون: لا يكفر العبد إلا بالاستحلال، ومذهب أهل السنة والجماعة: أن العبد يكفر بالاستحلال وبالأعمال، والاستحلال شيء قلبي، والعمل شيء ظاهري، ولذلك قال الإمام هنا: (وسأذكر الأفعال والأقوال التي تخرجه من إيمانه ويصير بها كافراً)، وهذا يدل على أن الكفر والردة تكون بالقول والعمل والاعتقاد، قال: [وكل ذلك في نص التنزيل، وسنة الرسول ﷺ ، وقول العلماء الذين هم الحجة والقدوة، وذلك خلاف مقالة المرجئة الذين حجبت عقولهم، وصرفت قلوبهم، وحرموا البصيرة، وأخطئوا طريق الصواب، أعاذنا الله وإياكم من دخول مذاهبهم]. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.

стр. 606

شرح كتاب الإبانة - كفر تارك الصلاة ومانع الزكاة وإباحة قتالهم لقد وردت الأحاديث والآثار الكثيرة الدالة على كفر تارك الصلاة وحبوط عمله، وإباحة قتله وقتاله، والمتأمل فيها يجد أن تارك الصلاة يكفر كفراً مخرجاً من الملة، وهذا يدل على عظم مكانة الصلاة في الإسلام، فعلى المسلم أن يحذر من التهاون فيها، وأن يحرص على المحافظة عليها مع جماعة المسلمين في أوقاتها.

стр. 607

باب كفر تارك الصلاة ومانع الزكاة وإباحة قتلهم وقتالهم إذا فعلوا ذلك الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن والاه. وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. وبعد: فيقول المؤلف رحمه الله تعالى: [باب كفر تارك الصلاة ومانع الزكاة وإباحة قتالهم وقتلهم إذا فعلوا ذلك. عن جابر ﵁ قال: قال النبي ﷺ : (ما بين العبد والشرك أو الكفر إلا ترك الصلاة)]، والحديث أخرجه مسلم من حديث جابر. ثم قال: [قال النبي ﵊: (ليس بين العبد والكفر إلا ترك الصلاة)]، ومن حديثه [قال النبي ﵊: (ليس بين العبد وبين الكفر ترك الصلاة)]. قال النووي في شرح مسلم لهذا الحديث: (وأما تارك الصلاة فإن كان منكراً لوجوبها؛ فهو كافر بإجماع المسلمين، خارج من ملة الإسلام، إلا أن يكون قريب عهد بالإسلام، ولم يخالط المسلمين مدة يبلغه فيها وجوب الصلاة عليه) وهذا الكلام لا خلاف عليه، ليس في الصلاة فقط، بل في كل مباني الإسلام بل في الواجبات والمحرمات، فلو أن مسلماً يعيش في بلاد المسلمين، وأنكر أن الزنا حرام يكفر، مع أن الزنا كبيرة من الكبائر وليس من مباني الإسلام، بخلاف الصلاة والصيام والزكاة والحج، فإنها مباني الإسلام، فنحن نتكلم في قوله ﵊: بني الإسلام على كيت وكيت وكيت وعدَّ هذه المباني، أما سائر الواجبات والطاعات، وكذا سائر المحرمات؛ فإنها ليست من مباني الإسلام، بل هي واجبات أو منهيات متممات للإسلام والإيمان، فلو أن واحداً أنكر معلوماً من الدين بالضرورة، والمعلوم كما عرفتم هو ما اتفق واستوى في علمه العامة مع الخاصة، فمن من الناس الآن يجهل حكم الزنا، أو حكم شرب الخمر؟ هل يتصور أن واحداً يعتقد أن شرب الخمر حلال؟ ربما يقع الخلاف في كون هذا خمراً أم لا؟ فلو أردنا معرفة حكم الإسلام في البيرة، فسنجد أقوالاً مختلفة، فمنهم من يقول: هي حرام، ومنهم من يقول: هي حلال، ومنهم من يقول: فيها شبهة، دعنا من هذا الخلاف، لكني أتكلم عن الخمر الذي يعرفه العامة والخاصة، هل يختلف اثنان على حرمته؟ لا، فلو أن مسلماً يعيش في بلاد المسلمين أتى الآن وقال: الخمر حلال، فماذا يكون بعد قيام الحجة عليه؟ يكون كافراً؛ لأنه قد أحل ما حرمه الله في كتابه وفي سنة نبيه ﵊، وهذا من أصول الإيمان والثوابت في الإسلام، فلا يصح أن يهدر هذا. وقول الإمام النووي هنا فيما يتعلق بتارك الصلاة جحداً وعناداً إنه كافر، هذا كلام لا يحتاج إلى إجماع؛ فإجماع أهل العلم على ذلك أمر يعضد أصول الإيمان في هذه القضية، لكن إذا لم يكن هناك إجماع فإن جاحد الصلاة كافر؛ لأنه لو جحد ما دون الصلاة كفر به إذا أقيمت الحجة عليه.

стр. 608

حكم تارك الصلاة كسلاً وتهاوناً وقع النزاع فيما يتعلق بحكم تارك الصلاة كسلاً أو تهاوناً، فمنهم من قال: تارك الصلاة كسلاً أو تهاوناً ليس بكافر؛ لأنه لا يستوي مع من جحد. والرد عليه أن الكفر أنواع، وإن شمل الجميع اسم الكفر: فالجاحد كافر، وتارك الصلاة عند جميع أصحاب النبي ﵊ بغير تفصيل كافر، وإن كان كفر الاثنين مختلفاً، لكن يجمعهم اسم الكافر. والكافر إنما يطلق في هذه القضية عند أصحاب النبي ﵊ على كفر الخروج، أي: كفر الخروج من الملة، يقول عبد الله بن شقيق العقيلي ﵀: ما كان الصحابة ﵃ يعدون شيئاً تركه كفر إلا الصلاة. ولا يمكن أن يُتصور أن هذا القول محمول على الكفر العملي؛ لأن الكفر العملي في كل الواجبات والمحرمات، وليس بابه الصلاة فحسب، وإنما بابه هذه المباني كلها، والواجبات الشرعية والمنهيات الشرعية. فلا يتصور أن عبد الله بن شقيق إنما أراد أنه ليس شيء عند الصحابة يكفر به صاحبه كفراً عملياً من الإسلام إلا الصلاة، هذا الكلام غير متصور نهائياً، ولا يستقيم مع فقه الصحابة ﵃، والعجيب أنه لم يرد عن واحد من أصحاب النبي ﵊ خلاف ذلك، فالصحابة مجمعون على أن تارك الصلاة يكفر بهذا الترك كفراً يخرجه عن الملة، وأنا حرصت أن أقول: كفراً يخرجه عن الملة، لا أسميه اعتقادياً ولا عملياً حتى أبينه، وإن كانت الصلاة من المسائل العملية في الدين، إلا أن الكفر كما يقع في القول والاعتقاد، يقع كذلك في الفعل، فأسباب الكفر: إما الاعتقاد؛ وهو استحلال ما حرمه الله، أو تحريم ما أحله الله. وإما القول الذي يكفر به صاحبه، سواء كان تهاوناً بدين الله واستخفافاً واستهزاء بدين الله، أو لعباً ولهواً وهزءاً بشيء من أحكام الشرع وهو عالم مختار غير مكره، على تفصيل بين أهل العلم في هذه الفرعيات، فيما يتعلق بمسائل الإيمان والكفر. فأقول: إن الكفر يكون بالعمل كذلك، وكذا الصلاة قد ثبت أنها من أصول الإيمان؛ ولذلك الإمام البخاري وغيره من أهل العلم لما ذكروا حديث شعب الإيمان ذكروا بعض شعب الإيمان، فقالوا: باب الصلاة من الإيمان باب الزكاة من الإيمان باب الصيام من الإيمان. ونقل الإمام الحميدي وغيره: أن من ترك الخمس فهو كافر بإجماع المسلمين. أي: شعائر الإسلام الخمس. والصحابة ﵃ مجمعون على كفر تارك الصلاة كفراً يخرجه من الملة، وإن كانت الصلاة متعلقة بعمل الجوارح، يقول الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [البقرة:١٤٣]، وبإجماع المفسرين أن الإيمان هنا هو الصلاة. إذاً: الصلاة متعلقة بالإيمان، بل هي جزء من الإيمان، والذي يترجح لدي هذا المذهب؛ لأن الإجماع المعتبر الذي لا خلاف عليه هو إجماع الصحابة ﵃، ووقع نزاع في الإجماع بعد الصحابة، والراجح ثبوته، لكن الذي لا خلاف عليه هو إجماع الصحابة، فإذا أجمعوا أن تارك الصلاة كافر؛ فلا أقل من أن يكون هذا هو المنهج الحق في هذه المسألة، وهو الرأي الذي يترجح لدي. وقال بعضهم: تارك الصلاة تهاوناً وكسلاً يفسق بهذا، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: لا بد من التفريق بين خلل في طاعة الله فيما يتعلق بمبادئ الإسلام، وبين سائر الذنوب والمعاصي. قال ذلك هو يرد على من قال: لا يكفر المرء إلا بالاستحلال، فيثبت أن الكفر يكون بالعمل وبالقول دون ذكر للاستحلال، فيقول شيخ الإسلام ابن تيمية: وإن كانت الصلاة تؤدى بالجوارح فصاحبها إنما يكفر بتركها؛ لأنه ليس كل عمل لا يأتيه المكلف لا يكفر به. فمن الأعمال ما يكفر بها صاحبها، ومن الأعمال ما لا يكفر بها صاحبها، فيضع ضابطاً لذلك ويقول: إذا كان الفعل متعلقاً بالإيمان فتركه كفر كالصلاة، وإذا كان الفعل متعلقاً بسائر المعاصي، كالزنا وشرب الخمر والسرقة وغيرها؛ فلا يكفر صاحبها بذلك، إلا إذا أتاها مستحلاً لها؛ فيفرق بين المسائل المتعلقة بأصل الإيمان وإن كانت تؤدى بالجوارح، وبين المسائل التي لا تعلق لها بأصل الإيمان. والإمام ابن بطة إنما سار هنا على المذهب الأول، وهو تكفير تارك الصلاة. ويقول بعضهم: إن تارك الصلاة إنما يؤخذ ويعزر ويحبس ويستتاب ثلاثة أيام، فإن تاب وإلا قتل، وأنا لا أتصور قط أن واحداً يحبس حتى يصلي، ويشهر على رقبته السيف ثلاثة أيام وهو يقول: أنا لا أصلي كسلاً، ثم يقدم للإعدام أو للمشنقة أو لضرب عنقه وهو يقول أيضاً: لا أصلي، وإن كنت أعتقد أن الله أوجب الصلاة؛ هذا لا يمكن أن يتصور قط.

стр. 609

أهمية الصلاة عند سلف الأمة وحكم تاركها قال: [عن المسور بن مخرمة أن ابن عباس دخل على عمر بعدما طعن، فقال: الصلاة، فقال أمير المؤمنين: نعم، لا حظ لامرئ في الإسلام أضاع الصلاة؛ فصلى والجرح يثعب دماً]. لو لم تكن الصلاة من أصول الإيمان، وأن تاركها تارك الإيمان؛ لما اهتم بذلك ابن عباس، فضلاً عن عمر رضي الله تعالى عنهما على هذا النحو وهذه الحال. ثم قال: [عن ابن أبي مليكة عن المسور بن مخرمة: أن عمر لما أصيب جعل يغمى عليه، فقالوا: إنكم لن تفزعوه -أي: لن تفيقوه- بشيء مثل الصلاة إن كانت به حياة] يعني: لا يمكن أن تحصلوا على إفاقة لـ عمر إلا إذا ذكرتموه بالصلاة، إذا كان فيه رمق وبقية حياة. ثم قال: [فقالوا: الصلاة يا أمير المؤمنين قد صُلّيت، قال: فانتبه، فقال: الصلاة! ها الله إذاً، ولا حظ في الإسلام لمن ترك الصلاة، فصلى وإن جرحه ليثعب دماً]. فهذه نصوص تفيد أهمية الصلاة عند سلف الأمة. قال: [عن عبد الله بن بريدة، عن أبيه بريدة بن الحصيب قال: قال رسول الله ﷺ : (بيننا وبينهم ترك الصلاة، فمن تركها فقد كفر)] أي: بيننا وبين الكفار ترك الصلاة، فالعلامة التي تميز المسلم عن غيره إنما هي الصلاة. وقوله: (فمن تركها فقد كفر)، لو كان هذا النص محمولاً على الكفر العملي؛ فما بالكم بمن ترك الزكاة، ومن ترك الصيام، ومن ترك الحج لا يكون كافراً كفراً عملياً؟! لو أن واحداً ترك الصيام، أو ترك الزكاة مع القدرة على إخراج الزكاة أليس هذا بإجماع المسلمين كافراً كفراً عملياً، ووقع نزاع فيما يتعلق بالزكاة. لكن هذا النص: (ليس بيننا وبينهم إلا الصلاة، فمن تركها فقد كفر)، لا يتصور قط أن قوله: (فقد كفر)، أي: كفراً عملياً، لماذا؟ لأن الصلاة حينئذ تكون شريكة لغيرها من سائر الأعمال، فدل هذا الحصر في قوله: (ليس بيننا وبينهم إلا ترك الصلاة فمن تركها فقد كفر) لا يتصور أن يكون هذا الكفر متعلقاً بالكفر العملي، وإلا فالكفر العملي في الزكاة والصيام والحج وغير ذلك من سائر الواجبات والمحرمات، فلم خص الصلاة إذاً؟ إلا أن الحكم المتعلق بالصلاة غير الحكم المتعلق بغيرها من سائر الذنوب والمعاصي، فهذا كفر أكبر، وذاك كفر أصغر.

стр. 610

حبوط عمل من ترك الصلاة وكفره قال: [عن أبي المليح قال: (كنا مع بريدة في غزاة في يوم ذي غيم، فقال: بكروا بالصلاة؛ فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: من ترك الصلاة حبط عمله). والحبوط هو البطلان، فلو ترك الصلاة حبط عمله؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر:٦٥] أي: ليبطلن عملك كله، إذا كنت تعمل صالحاً إنما تجازى عليه كما يجازى المشرك على عمله الصالح في الدنيا، حتى لا يكون له عند الله جزاء ولا ثواب في الآخرة. أما تارك الصلاة فقد ورد النص صريحاً في حديث جابر: (بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر أو أشرك)، وفي رواية: (فقد كفر وأشرك)، لا يقال كفراً عملياً، ولا يقال شركاً عملياً؛ لأنه لو كان كذلك لما ساغ تخصيص الصلاة بهذا الحكم، إذا كان ترك الصلاة يختلف مع غيره من سائر الذنوب والمعاصي في أنه كفر عملي؛ فلا يكون حينئذ لذكر ترك الصلاة وتخصيصها بهذا الحكم مزية. ثم قال: [عن مجاهد بن جبر - المكي أبي الحجاج، عن جابر بن عبد الله الأنصاري قال: قلت له: ما كان يفرق بين الكفر والإيمان عندكم من الأعمال في عهد رسول الله ﷺ ؟ قال: الصلاة]. يعني: مجاهد بن جبر المكي تلميذ ابن عباس يسأل جابر بن عبد الله الأنصاري فيقول: ما هو العمل الذي كان يفرَّق به عندكم يا معشر الصحابة بين الكفر والإيمان من الأعمال؟ فقال جابر: الصلاة. فهل يتصور أن معنى قول مجاهد هنا: ما هو العمل الذي كنتم تفرِّقون به بين مسائل الكفر العملي والإيمان؟ لا يتصور، وإنما ذكر الكفر في مقابلة الإيمان، فيدل على أنه الكفر المخرج من الملة، وإن كان سبب الكفر عملاً من الأعمال؛ لأن الأعمال منها ما يخرج من الملة، ومنها ما لا يخرج من الملة. ثم قال: [عن الحسن قال: بلغني أن أصحاب رسول الله ﷺ كانوا يقولون: بين العبد وبين أن يشرك فيكفر أن يدع الصلاة من غير عذر]. هذا من بلاغات الحسن، وعلى أية حال ليس في الباب هذا النص فحسب، بل هذا النص يشهد له كلام عبد الله بن شقيق العقيلي السابق، وهو سيد التابعين في البصرة، والحسن البصري سيد التابعين في البصرة أيضاً. فقول عبد الله بن شقيق: كان أصحاب النبي ﵊ لا يرون شيئاً تركه كفر إلا الصلاة. يوافقه الحسن بلاغاً عن أصحاب النبي ﵊ أنهم كانوا يقولون: بين العبد وبين أن يشرك فيكفر أن يدع الصلاة من غير عذر. ثم قال: [عن أبي هريرة ﵁ قال: قال النبي ﷺ : (أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، ثم قد حرم علي دماءهم وأموالهم، وحسابهم على الله تعالى)]. فهذا النص إنما أضاف إلى أصل الإيمان وكلمة التوحيد مبنيين: الصلاة، والزكاة، فقال: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة)، فلو كان إيمان المرء وإسلامه يثبت فقط بمجرد الشهادة؛ لما كان هناك مسوغ لقتالهم على الصلاة والزكاة، ولما قاتلهم أبو بكر الصديق على منع الزكاة، مع أنهم كانوا قائمين بالصلاة، ولكن قاتلهم على الزكاة. ولذلك احتج به عمر على أبي بكر لما أصرَّ أبو بكر ﵁ على مقاتلة ومحاربة مانعي الزكاة، فقال: يا أبا بكر أما بلغك أن النبي ﵊ يقول: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله)؟ فقال: بلى، يعني: هذا الكلام قد بلغني، وإنهم كانوا يؤدون الزكاة إلى رسول الله ﷺ ، فوالله لو منعوني عقالاً. وفي رواية: عناقاً. وهو حبل بعير، أو ابن الناقة لو منعوني عناقاً كانوا يؤدونه إلى النبي ﵊؛ لقاتلتهم عليه، قال عمر: فلما رأيت أن شرح الله صدره لذلك؛ علمت أنه الحق. ومن حجة أبي بكر في ذلك أنه قال عمر: لو أن هؤلاء الناس تركوا الصلاة؛ كنت تقاتلهم أم لا؟ قال: أقاتلهم، قال: والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة. إذاً: لا خلاف بين الصحابة أن من ترك الصلاة كفر وقتل بتركه لها، فقاس أبو بكر الصديق ما لم يكن معلوماً عند عمر وهو حكم الزكاة، على ما هو معلوم لديه فيما يتعلق بالصلاة، فقاس المجهول لديه على المعلوم لديه؛ فانشرح صدر عمر حينئذ أنه لا يفرق بين الصلاة والزكاة، خاصة وأن

стр. 611

حديث معاذ في رأس الأمر وقوامه وذروة سنامه قال: [عن معاذ بن جبل أن رسول الله ﷺ قال له: (إن رأس هذا الأمر: أن تشهدوا أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله، وإن قوام هذا الأمر: إقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، وإن ذروة السنام منه: الجهاد في سبيل الله، إنما أمرت أن أقاتل حتى يقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة، ويشهدوا أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله؛ فإذا فعلوا ذلك فقد اعتصموا دماءهم وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم على الله . أي: إذا شهدوا الشهادتين وصلوا وزكوا، فقد عصموا دماءهم.

стр. 612

بعث أبي بكر لخالد بن الوليد وأمره له أن يقاتل الناس على شعائر الإسلام الخمس قال: [عن حنظلة بن علي بن الأسقع: أن أبا بكر بعث خالد بن الوليد، وأمره أن يقاتل الناس على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت. وعن سليم أبي عامر أن وفد الحمراء أتوا عثمان بن عفان ﵁ يبايعونه على الإسلام، وعلى من وراءهم، فبايعهم على ألا يشركوا بالله شيئاً، وأن يقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، ويصوموا رمضان، ويدعوا عيد المجوس -يعني: ألا يتشبهوا بغيرهم- فلما قالوا: نعم -أي: وافقوا على بنود هذه البيعة- بايعهم. وعن يزيد قال: قلت لـ أنس بن مالك: (إن ناساً يشهدون علينا بالشرك، فقال: أولئك شر الخليقة، سمعت رسول الله ﷺ يقول: بين العبد والشرك أو الكفر ترك الصلاة. أو: من ترك الصلاة كفر)] فهذا أنس بن مالك يرفع ذلك إلى النبي ﵊، كما يبين التوجه العام في الحكم في هذه القضية أنه لا يحكم بالكفر ولا بالشرك في عمل من الأعمال إلا في الصلاة، وهذا إجماع الصحابة، ووقع بينهم نزاع فيما يتعلق بتكفير تارك الزكاة.

стр. 613

حديث معاذ لما بعثه رسول الله ﷺ إلى اليمن ثم قال: [عن عامر الشعبي: أن معاذ بن جبل لما بعثه نبي الله ﷺ إلى اليمن اجتمع الناس إليه، فحمد الله وأثنى عليه]، أي: قام معاذ خطيباً ومذكراً ومعلماً لأهل اليمن، فحمد الله وأثنى عليه. ثم قال: [وقال: يا أيها الناس! ألا إني رسول رسول الله ﷺ إليكم أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً]، أي: أن تفردوه بالعبادة والوحدانية، [وتقيموا الصلاة، وتؤتوا الزكاة، وأن تطيعوني أهدكم إلى سبيل الرشاد، ألا إنما هو الله وحده، والجنة والنار بلا ظعن خلود فلا موت أبداً]. ثم بدأ في تعليمهم.

стр. 614

حديث بريدة (بكروا بالصلاة يوم الغيم) قال: [عن بريدة الأسلمي قال: (كان رسول الله ﷺ في بعض غزواته فقال: بكروا بالصلاة في يوم الغيم؛ فإنه من ترك صلاة العصر حبط عمله)]. يعني: بكروا بالصلاة في يوم شديد الضباب والغيم.

стр. 615

حديث أبي ذر (من ترك الصلاة عامداً فقد برئت منه ذمة الله قال: [عن أبي ذر قال: قال رسول الله ﷺ : (من ترك الصلاة عامداً؛ فقد برئت منه ذمة الله ] (من ترك الصلاة عامداً)، العامد يكون جاحداً ويكون غير جاحد، تصور أن واحداً تقول له: صل صلاة العصر، فيقول لك: لا، ما زال الوقت مبكراً، بقي للمغرب وقت طويل، فيقال له: صل يا بني! فيقول: نعم، حاضر، إلى أن سمع أذان المغرب. هو في إجاباته السابقة هل أظهر عناداً أو كفراً؟ لم يظهر، ولكنه أظهر استجابة، وكل ما فيها أن الوقت ممتد حتى دخل الوقت الثاني، وفات وقت العصر عمداً أم نسياناً؟ عمداً؛ لأن المذكر فوق رأسه يذكره في كل بضع دقائق بحق الله تعالى في إتيان الصلاة، حتى دخل وقت المغرب، لا شك أن هذا ترك للصلاة عمداً لا كسلاًَ ولا تهاوناً ولا نسياناً، فمن فعل ذلك فقد برئت منه ذمة الله ، والذمة: هي العهد والأمان والضمان والحرمة والحق، ولذلك سمي أهل الذمة لدخولهم في عهد المسلمين وأمانهم.

стр. 616

حديث (قيل لابن مسعود: إن الله ليكثر ذكر الصلاة) قال: [قيل لـ عبد الله بن مسعود: إن الله ليكثر ذكر الصلاة في القرآن: ﴿الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ دَائِمُونَ﴾ [المعارج:٢٣] ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ [المؤمنون:٩]، فقال عبد الله بن مسعود: ذلك على مواقيتها، قالوا: يا أبا عبد الرحمن ما كنا نرى ذلك إلا على تركها، فقال عبد الله: تركها الكفر]. لم يقل: تركها كفر، وإنما قال: تركها الكفر، والألف واللام للعهد في هذا النص الذي سمعت؛ لأنها لو كانت للجنس لأطلقت على جنس الكفر المخرج وغير المخرج. فهذا يدل على أن ابن مسعود صحح للتابعين خطأهم، وأنهم كانوا يتصورون أن هذا المذهب إنما ينطبق على من أتاها دون من تركها، فقال: ليس الأمر كما تظنون، وإنما ترك الصلاة هو الكفر المعهود لديكم. والعهد: هو الشيء المعهود. كما أقول لك: هل قابلت رجلاً؟ فتقول: نعم، قابلت رجلاً في أول الطريق، وآخر في وسط الطريق وآخر في نهايته؛ لأني سألتك عن جنس الرجال. فتقول: نعم، أنا قابلت رجالاً، فضلاً عن رجل، بخلاف ما لو قلت لك: هل قابلت الرجل. أي: الرجل المعهود لديك الذي أرسلتك إليه خاصة؟ مثلاً أرسلتك بجواب، وقلت لك: خذ هذا الجواب وسلمه لمحمد بن إبراهيم، عينته لك، فذهبت وسلمت الرسالة له، لكن لو سلمتها لرجل غير معين ولا معروف، فهذا لا يفيد عندي أنك أعطيتها للرجل المعهود الذي عاهدتك أن تختاره من بين الرجال فتعطيه الرسالة. فإذاً: الألف واللام تكون للعهد، أي: لشيء معروف لدى الكل. فقال هنا: (قيل لـ عبد الله بن مسعود: إن الله ليكثر أن يذكر الصلاة في القرآن: ﴿الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ دَائِمُونَ﴾ [المعارج:٢٣] ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ [المؤمنون:٩]؛ فقال عبد الله: ذلك على مواقيتها). فربنا يمدح الذي يقيم الصلاة على وقتها، (قيل: يا رسول الله! ما أفضل الأعمال؟ قال: الصلاة على وقتها أو لوقتها). (قالوا: يا أبا عبد الرحمن! ما كنا نرى ذلك إلا على تركها، فقال: تركها الكفر) يعني: الكفر المعهود، وهو الكفر المخرج من الملة.

стр. 617

أثر أبي الدرداء (لا إيمان لمن لا صلاة له) قال: [عن عبد الله بن أبي زكريا أن أم الدرداء حدثته أنها سمعت أبا الدرداء يقول: لا إيمان لمن لا صلاة له، ولا صلاة لمن لا وضوء له]. يعني: النفي متعلق بأصل الإيمان، فمن لا يصلي لا يكون عنده أدنى إيمان ولا ذرة إيمان. والقرينة على هذا أنه قال: (ولا صلاة لمن لا وضوء له)؛ لأنه لا يمكن أبداً حمل هذا النص على أنه لا صلاة كاملة الثواب لمن لا وضوء له، هذا الكلام غير مستقيم؛ لأن الذي ليس على وضوء لا تصح صلاته وإن صلى ألف ركعة؛ لأن الوضوء شرط صحة في الصلاة، وكذلك الصلاة شرط صحة في الإيمان، ليست شرط كمال، وإنما هي شرط صحة. فإذا صلى المرء بغير وضوء فلا صلاة له، وكذلك إذا ترك المرء الصلاة فلا إيمان له البتة، ولذلك قرنهما في نص واحد، قال: (لا إيمان لمن لا صلاة له، ولا صلاة لمن لا وضوء له)، فقاس المجهول لديهم على المعلوم، ألا تعلمون أن الذي يصلي بغير وضوء لا صلاة له أصلاً، وأن قوله: (لا صلاة له)، أي: نفي الصلاة من الأساس، فإذا كنتم تعلمون أنه لا صلاة لمن لا وضوء له، فكذلك لا إيمان لمن لا صلاة له. ثم قال: [عن عبد الله بن مسعود قال: من لم يصل فلا دين له].

стр. 618

حديث الباقر (لو مات هذا مات على غير دين محمد ﷺ [وعن جعفر بن محمد، عن أبيه قال: (دخل رجل المسجد ورسول الله ﷺ جالس، فصلى، فجعل ينقر صلاته كما ينقر الغراب، فقال: لو مت على هذا مت على غير دين محمد ﷺ ]، مع أن هذا يصلي، لكنه لا يصلي الصلاة المشروعة التي تقبل عند الله ، ولذلك (لما دخل الرجل فصلى ركعتين ينقرهما نقراً، ويقعي فيهما إقعاء الكلب، ثم أتى إلى النبي ﵊، وقال: السلام عليك يا رسول الله! قال: وعليك السلام! ارجع فصل؛ فإنك لم تصل)، وهذا نفي للصلاة، ولو كان معنى هذا النص: إنك لم تصل صلاة كاملة تامة؛ لما أمره بالإعادة. فقوله: (ارجع فصل) دليل على أن الصلاة كلها لم تقع صحيحة، فكأنه لم يصل صلاة صحيحة؛ لأنه أمره أن يعيدها كذلك لما رأى النبي ﵊ رجلاً في قدمه موضع درهم لم يمسه الماء، قال ﵊: (ويل للأعقاب من النار)؛ لأن العقب الذي فوق مؤخرة القدم وتحت الكعبين، هذا المكان في الغالب أن من لا يحرص على إتمام الوضوء يقصر في تتبع هذا الموضع، خاصة من كان عندهم نحافة، ولذلك قال ﵊: (ويل للأعقاب من النار)؛ وأمر الرجل بعد أن فرغ من وضوئه أن يرجع فيعيد الوضوء من أساسه.

стр. 619

أثر ابن مسعود (من أقام الصلاة ولم يؤد الزكاة فلا صلاة له) قال: [قال عبد الله بن مسعود: من أقام الصلاة ولم يؤد الزكاة؛ فلا صلاة له]. والزكاة ليست كالصلاة، الصلاة عند أصحاب النبي ﵊ من تركها كفر إجماعاً، بخلاف الزكاة، فقد وقع بينهم نزاع في تكفير تارك الزكاة. ثم قال: [قال عبد الله: (ما تارك الزكاة بمسلم)]، فنفى عنه الإسلام.

стр. 620

أثر حذيفة في الإنكار على من لا يتم الركوع والسجود قال: [عن حذيفة أنه رأى رجلاً يصلي لا يتم ركوعه ولا سجوده، فلما انصرف دعاه حذيفة فقال: منذ كم تصلي هذه الصلاة؟ قال: أصليها منذ كذا وكذا -أي: منذ كذا وكذا سنة- قال: ما صليت، أو ما صليت لله . قال أحد الرواة: وأحسبه قال: لو مت مت على غير سنة محمد ﷺ ]، والسنة هنا بمعنى: العقيدة والدين.

стр. 621

أثر ابن المبارك في تكفير من قال أصلي غداً ثم قال: [يقول ابن المبارك: من قال أصلي الفريضة غداً؛ فهو عندي أكفر من الحمار]. لا بد أن تحمل هذه النصوص كلها على الكفر المعهود، وهو الكفر المخرج من الملة. أنا لا أجرؤ على تكفير من صلى وترك، أو من ترك فرضاً أو فرضين، أو تكاسل وصلاهما بعد ذلك، إنما أجرؤ على تكفير من ترك الصلاة بالكلية، فأنا لا أشك أن من ترك الصلاة بالكلية كافر كفراً يخرجه عن ملة الإسلام، فإذا كفر أخذ حكم الكافرين، وإذا كانت امرأته تصلي فيجب التفريق بينهما؛ لأن الله تعالى حرم أن يكون للكافر سبيل على المسلم، كما قال تعالى: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ [النساء:١٤١]، وولاية الزواج من السبيل، فهذا لا يغسل ولا يكفن، ولا يورث ولا يدفن في مقابر المسلمين، وكل هذا مشروط بمسألة المصلحة والمفسدة، خاصة في هذا الزمان.

стр. 622

حديث عبد الله بن عمرو: (من حافظ عليها كانت له نوراً) قال ﵀: [عن عبد الله بن عمرو عن رسول الله ﷺ : (أنه ذكر الصلاة يوماً فقال: من حافظ عليها كانت له نوراً وبرهاناً ونجاة يوم القيامة، ومن لم يحافظ عليها لم تكن له نوراً ولا برهاناً ولا نجاة يوم القيامة، ويأتي يوم القيامة مع قارون وفرعون وهامان وأبي بن خلف)]. هؤلاء كانوا كفاراً كفراً حقيقياً، فهم كفار مخلدون في نار جهنم، ويأتي يوم القيامة تارك الصلاة ويخلد معهم في النار، فإذا كان تارك الصلاة كافراً كفراً عملياً، أليس من الظلم أن يأتي مع هؤلاء؟ بلى! فلما تنزه الله ﵎ عن الظلم واتصف بصفات الكمال؛ لا بد أن نقول: إن تارك الصلاة كافر كفراً مخرجاً عن الملة؛ ولذلك استوجب لنفسه أن يخلد في النار مع قارون، وفرعون، وهامان وأبي بن خلف.

стр. 623

تعقيب المصنف على الأحاديث والآثار المتعلقة بترك الصلاة والتهاون بها قال ابن بطة: [فهذه الأخبار والآثار والسنن عن النبي ﷺ والصحابة والتابعين، كلها تدل العقلاء ومن كان في قلبه أدنى حياة، على تكفير تارك الصلاة، وجاحد الفرائض، وإخراجه من الملة وحسبك من ذلك ما نزل به الكتاب، قال الله تعالى: ﴿حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ﴾ [الحج:٣١]. ثم وصف الحنفاء، والذين هم غير مشركين به؛ فقال الله : ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ [البينة:٥]. فأخبرنا جل ثناؤه وتقدست أسماؤه: أن الحنيف المسلم هو على الدين القيم، وأن الدين القيم هو بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، فقال : ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ [التوبة:٥]]؛ فلو تابوا من الشرك ولكنهم تركوا الصلاة والزكاة فهل يجب علينا أن نخلي سبيلهم؟ عطف الله تعالى الصلاة والزكاة على التوبة من الشرك، فلو تاب المرء من الشرك بغير صلاة ولا زكاة؛ فإنه لا يزال قائماً على الشرك، ولذلك لا يخلى سبيله، بل يؤخذ ويعاقب بهذا الكفر الذي قد أتاه. ثم قال: [وقال الله تعالى: ﴿فَإِنْ تَابُوا﴾ [التوبة:١١]-أي: المشركين- ﴿وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾ [التوبة:١١]]. وهذا يدل على أنهم إن تابوا من الكفر أو الشرك ولم يقيموا الصلاة ولم يؤتوا الزكاة؛ فليسوا إخوة لنا في الدين. ثم قال: [فأي بيان رحمكم الله! يكون أبين من هذا؟ وأي دليل على أن الإيمان قول وعمل، وأن الصلاة والزكاة من الإيمان، يكون أدل من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، وإجماع علماء المسلمين وفقهائهم، الذين لا تستوحش القلوب من ذكرهم]، وعلى رأسهم الصحابة ﵃، [بل تطمئن إلى اتباعهم واقتفاء آثارهم رحمة الله عليهم وجعلنا من إخوانهم]. إذاً! هذا الباب باب تكفير تارك الصلاة وقع فيه نزاع بين فقهاء المذاهب، وبين علماء الأمة من بعد الصحابة ﵃، أما الصحابة فإجماعهم منعقد على أن تارك الصلاة كافر، وهو الذي يترجح لدي. أقول قولي هذا، وأستغفر الله تعالى لي ولكم، وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.

стр. 624

الأسئلة

стр. 625

حكم عصير الفواكه المخلوط المسمى بـ (الكوكتيل) السؤال أسألكم عن فتوى زعم قوم أنها صدرت عنكم، فأريد أن أتثبت من صحتها ونسبتها إليكم! زعموا أنك قلت: إن عصير الفواكه المخلوط الذي هو (الكوكتيل) في محلات العصائر حكمه كحكم النبيذ المحرم، كنبيذ التمر مع الزبيب في إناء واحد، فهل قلتم ذلك؟ الجواب نعم، قلت ذلك، وإذا كنت تريد زيادة بيان؛ فاقرأ في أي كتاب من كتب الفقه، لكني أدلك على باب مختصر في كتاب (نيل الأوطار) الجزء الأخير، (باب ما جاء في الخليطين) وبعده (باب ما جاء في النبيذ) وبعده باب ثالث، ثلاثة أبواب متتابعة في كتاب الأطعمة والأشربة، فإن شاء الله لو قرأت فيها لوافقتني، ثم أفتيت بذلك أنت.

стр. 626

حكم من لا يصلي إلا الجمعة فقط السؤال من صلى في الأسبوع فريضة هل نعده من الكافرين مثل: صلاة الجمعة؟ الجواب للأسف الشديد بعض الناس يتصور أن صلاة الجمعة تنفي عنه إثم بقية صلوات الأسبوع، وهذا بلا شك خلط عظيم جداً، فمن صلى الجمعة ولم يصل غيرها؛ فإنه تارك للصلاة.

стр. 627

وجه دلالة الألف واللام في كلمة (الكفر) على الكفر المخرج من الملة السؤال يقول سائل: قلت: إن الألف واللام في قول ابن مسعود: (تركها الكفر) هو الكفر المعهود، أي: الكفر الأكبر، فلماذا لا يكون الأصغر؟ الجواب أقول: الكفر الأصغر في كل شيء، وليس في الصلاة فقط، فكونه خص الصلاة بأنها كفر، وذكر أنها الكفر بالألف واللام التي هي للعهد؛ فهذا يدل على تخصيص الصلاة بالحكم، ولو قال: إن تارك الصلاة كافر كفراً عملياً، فما هو الجديد في هذا؟ كذلك تارك الزكاة وتارك الصيام وتارك الحج، بل من لم يؤد الواجب الذي عليه يكون كافراً كفراً عملياً؛ لأن هذه مسائل متعلقة بسائر المعاصي والذنوب من جهة النهي، وبسائر المعاصي من جهة الأمر، يقول النبي ﵊: (إني اطلعت في النار، فرأيت أكثر أهلها النساء، قالت امرأة جزلة -عاقلة-: ولم يا رسول الله؟! قال: لأنكن تكفرن -وسكت- فقالت المرأة: يكفرن بالله يا رسول الله؟)، يعني: الكفر الأكبر العملي المخرج من الملة أو الكفر الاعتقادي؟ قال: (لا، إنكن تكفرن العشير) يعني: تكفرن الإحسان، وهذا كفر عملي. فالصحابة ﵃ يعتقدون أن المرأة التي تكفر عشرة زوجها قد كفرت كفراً عملياً. فلم لم يقل عبد الله بن شقيق العقيلي: ليس شيء تركه كفر عند أصحاب النبي ﵊ إلا ترك الصلاة وترك الاعتراف بجميل وعشرة الزوج، فمسائل الكفر العملي كثيرة جداً، وأبوابها لا نهاية لها، وإنما تكلم عن نوع معين من أنواع الكفر، وهو الكفر المعهود، أي: الكفر الأكبر؟

стр. 628

ضرورة إقامة الحجة على من وقع في الكفر قبل تكفيره السؤال ما معنى: يبين له قبل أن يُكَفّر؟ الجواب أن تقام الحجة عليه.

стр. 629

حكم تكرار صلاة الفجر بعد خروج وقتها السؤال من يستيقظ بعد وقت صلاة الفجر كل يوم، ولا يخاطب نفسه بالاجتهاد لصلاتها في وقتها؛ هل هذا متعمد، وهل يكفر، مع العلم أنه يصليها ولكن بعد خروج وقتها؟ وما الذي يترتب على تكفير تارك الصلاة من معاملة وغيرها؟ الجواب قرأت فتوى للشيخ ابن باز عليه رحمة الله توزع في بلاد الحجاز، وإذا شئتم أتيت لكم بهذه الفتوى وهي عندي مكتوبة، يقول الشيخ: إن من ضبط المنبه في صلاة الصبح على ما بعد الشروق؛ فقد كفر، هذه فتوى الشيخ ابن باز، وهذه أيضاً فتوى ابن عثيمين، لكن على أية حال يمكن أن نصور لكم فتوى الشيخ ابن باز، وإن شاء الله في الدرس القادم سنأتي بها ونعلقها على الباب هنا وأنت تقرؤها.

стр. 630

حكم صيام الإثنين أو الخميس مع موافقتهما لعيد من أعياد النصارى السؤال هل يجوز لنا صيام يوم الإثنين الذي يسمى بعيد شم النسيم؛ لكي نخالف النصارى؟ الجواب أنا قد سألت أخاً لي، فقال: لا يجوز ذلك؛ نقلاً من كتاب الصراط المستقيم، ولعل ذلك من باب ألا نجعل لهم أهمية وقيمة، هم ليسوا أهلاً لها. على أية حال! إذا كان من عادة المسلم أن يصوم الإثنين والخميس فليصمهما، حتى وإن وافق شم النسيم يوم الإثنين أو الخميس. وأنتم تعلمون أن البدع كما تكون بالإتيان تكون بالترك، كيف؟ إن هذا العيد عيد شركي من أعياد الكفار، وأنا في الحقيقة خائف من نزول العقاب من السماء في هذا اليوم أو في هذه الليلة؛ وبالتالي أنا سأقوم الليل وأصوم النهار، لكن لا بد أن يثبت لدي دليل على جواز تخصيص عيد من أعياد المشركين، وأن النبي ﷺ كان يصوم نهاره ويقوم ليله، يعني: يخصه بصيام وقيام. فلما لما لم يثبت لدي ذلك؛ دل على أن الإتيان به بدعة، وإلا فعيد شم النسيم كان موجوداً على زمن النبي ﷺ ، لكن ما كان أيامهم النسيم، فلم يكونوا يشمون، وهم إلى الآن لا يشمون على أية حال، لكن هذا العيد كان له اسم آخر، نحن المسلمين الذي سميناه: عيد شم النسيم، لكن له تسمية ومصطلح آخر عند النصارى، فهذا العيد كان موجوداً، وأعياد النصارى واليهود كانت موجودة على أيام النبي ﷺ ، ومع هذا لم يثبت أن النبي ﷺ خصه بصيام ولا قيام. فكذلك نحن لا نخصه لا بصيام ولا بقيام، يكفي ما نحن فيه نحن الآن في عقاب لا نشعر به، نحن أمة لا هوية لها، فهل هناك عقوبة أعظم وأقسى من هذه العقوبة؟ أمة لا هوية لها، ماذا تريدون بعد ذلك؟ ما الذي سينزل بعد هذا؟ فالخسف والمسخ قد حدث في الأمة من قبل وسيحدث، وأنا أرى أن المسخ الذي نحن فيه الآن أعظم وأشد نكاية في قلوبنا من أن يمسخنا الله تعالى قردة وخنازير، أو حتى حميراً، نحن بهذا نظل موجودين على الأرض في صورة مسلمين وموحدين، وفي حقيقة الأمر لا هوية لنا، فهي عقوبة عظيمة جداً، يشعر المرء أنه في خير عظيم وهو ليس كذلك.

стр. 631

حكم صلاة من أخطأ في الفاتحة أو غيرها وفتح عليه السؤال يقول السائل: إنه نسي القراءة في الصلاة غير الفاتحة، فهل يجوز الرد عليه؟ وهل قراءة القرآن في الصلاة غير الفاتحة سنة أم واجب؟ وما الدليل؟ الجواب على أية حال، إذا أخطأ الإمام في الفاتحة فصلاته باطلة، إلا أن يرد عليه فيصحح الخطأ، لكن إن استمر في صلاته مع عدم تصحيح الخطأ؛ فتبطل صلاته وصلاة المأمومين، أما إذا كان هذا الخطأ في غير الفاتحة؛ فينظر: هل يفتح عليه إذا أخطأ؟ وما سبب الخطأ الذي يفتح عليه فيه؟ نوع الخطأ إذا أبدل آية مكان آية يفتح عليه، وإذا غير المعنى يفتح عليه فيها، كما لو قال: (إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم نار جهنم خالدين فيها)، ما هذا؟ هذا تغيير للمعنى، إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم جنات، وليس لهم نار جهنم، فلو أنه بدل وغير في مثل هذا وجب الرد عليه، وإن أصر على الاستمرار في الصلاة على هذا النحو بدون اعتبار رد الآخرين عليه؛ تبطل صلاته وصلاة المأمومين كذلك. وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه.

стр. 632

شرح كتاب الإبانة - الأقوال والأفعال التي تُورث النفاق وعلامات المنافقين لقد ذم الله النفاق في كتابه وذكر له أوصافاً وخصالاً وحذر المؤمنين منها، وحذر النبي ﵊ أمته من ارتكاب صفة من صفات المنافقين، والنفاق قسمان: أكبر وأصغر، وقد بين العلماء كل قسم من هذين القسمين، وما يتميز به عن قسيمه.

стр. 633

باب ذكر الأفعال والأقوال التي تورث النفاق وعلامات المنافقين إن الحمد لله تعالى، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة. أما بعد: قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب ذكر الأفعال والأقوال التي تورث النفاق وعلامات المنافقين].

стр. 634

روايات ابن مسعود وعبد الله بن عمرو لحديث علامات المنافقين قال: [عن ابن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : (أربع من كن فيه كان منافقاً، وإن كان فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر)]. وفي رواية أبي وائل [عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (علامة المنافق: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان)]، ولم يذكر: (وإذا خاصم فجر). وفي رواية عنه قال: [(علامة المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان)]. وفي حديث [عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : (أربع من كن فيه كان منافقاً خالصاً)] أي: أربع خصال إذا توفرت في عبد وكانت ديدنه كان منافقاً خالصاً، [(وإن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها: إذا وعد أخلف، وإذا حدث كذب، وإذا خاصم فجر، وإذا عاهد غدر)]. قال النووي: قوله: (كان منافقاً خالصاً) أي: شديد الشبه بالمنافقين، لا أنه خارج عن الملة. وقال بعض العلماء: وهذا فيمن كانت هذه الخصال ظاهرة عليه، فأما من يندر ذلك منه فليس داخلاً في معنى هذا الحديث. [وعن ابن مسعود ﵁ أنه قال: (ثلاث من كن فيه فهو منافق: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان) وقال عبد الله بن عمرو بن العاص: (وإذا خاصم فجر، وإذا عاهد غدر)] فهذه خمس خصال. [وقال ابن مسعود: ثلاث من كن فيه فهو منافق: من حدث كذب، ووعد فأخلف، واؤتمن فخان، فمن كانت فيه خصلة منهن ففيه خصلة من النفاق حتى يدعها].

стр. 635

كلام الإمام النووي على أحاديث علامات المنافقين يقول الإمام النووي في شرح هذا الحديث: وهذا الحديث مما عده جماعة من العلماء من المشكلات. يعني: هذا الحديث ظاهره في غاية الإشكال، وهو أن علامات وخصال المنافقين توجد للمسلم المصدق الذي اطمأن قلبه بالإيمان. وقد أجمع العلماء على أن من كان مصدقاً بقلبه ولسانه وفعل هذه الخصال لا يحكم عليه بكفر، ولا هو منافق يخلد في النار؛ لأن إخوة يوسف ﵇ كانت فيهم هذه الخصال ولم يحكم بكفرهم، فلأجل هذا كان الحديث فيه إشكال. قال: ولذلك اختلف العلماء في معناه، والذي قاله المحققون -أي: أصحاب الرأي السديد والقول الصواب والراجح وهم أكثر العلماء- أن معنى هذا الحديث: أن هذه خصال نفاق، ولكن لا يلزم من فعلها أن يكون الفاعل منافقاً مخلداً في النار؛ لأن أهل العلم يميزون بين الكفر والكافر، وبين النفاق والمنافق، وبين الفسق والفاسق، فربما يأتي المرء عملاً من أعمال الكفر وليس بكافر، وربما يأتي عملاً من أعمال الفسق وليس هو بفاسق، وكذلك النفاق. وهذه الخصال إنما هي خصال نفاق، وهي خصال المنافقين التي وردت في الكتاب والسنة، لكن لا يلزم من وجودها وجريانها على جوارح العبد المسلم الذي اطمأن قلبه بالإيمان قولاً وعملاً أن يكون منافقاً، بمعنى: أن يكون مخلداً في النار. قال: إن هذه خصال نفاق، وصاحبها شبيه بالمنافقين في هذه الخصال، ومتخلق بأخلاقهم، فإن النفاق هو إظهار ما يبطن خلافه، وهذا المعنى موجود في صاحب هذه الخصال، ويكون نفاقه في حق من حدثه ووعده وائتمنه وخاصمه وعاهده من الناس، لا أنه منافق في الإسلام نفاقاً أكبر، بمعنى: أنه يظهر الإسلام ويبطن الكفر، هذا النفاق الذي يخلد صاحبه في النار، ويكون في الدرك الأسفل منها. أما هذه الخصال والخلال والأمارات والعلامات وإن كانت من أخلاق المنافقين، إلا أنها لو أتت على جوارح المسلم أو فعلها المسلم المصدق المؤمن؛ فإنه يكون قد تشبه بالمنافقين في بعض خصالهم، لا أنه منافق خالص، أي: خارج من ملة الإسلام وداخل في الكفر. ولم يرد النبي ﷺ أنه منافق نفاق الكفار المخلدين في النار. وقال القرطبي: إن اختلاف هذه الخصال في الروايات لا يقصد به الحصر، وإنما يقصد به ذكر بعض خصال المنافقين. ولذلك جاء في رواية عند مسلم: (من خصال المنافقين: أنه إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان) فـ (من) هنا للتبعيض، يعني: هذه الخصال المذكورة إنما هي بعض خصال المنافقين، ولم يرد النبي ﵊ حصر ذلك. ووجه الاقتصار على هذه العلامات الثلاث أو غيرها، أنها منبهة على ما عداها. يعني: هناك خصال أخرى، إذ أصل الديانة منحصر في ثلاثة: القول والفعل والنية، فنبه على فساد القول بالكذب؛ لأن الكذب متعلق باللسان، وعلى فساد الفعل بالخيانة، وعلى فساد النية بالخلف. ذكره الحافظ ابن حجر في فتح الباري.
следующие страницы →