← Акыда

Акыда · id 37436

شرح كتاب الإبانة من أصول الديانة

حسن أبو الأشبال الزهيري

Полный текст (1 366 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.

стр. 631

حكم صلاة من أخطأ في الفاتحة أو غيرها وفتح عليه السؤال يقول السائل: إنه نسي القراءة في الصلاة غير الفاتحة، فهل يجوز الرد عليه؟ وهل قراءة القرآن في الصلاة غير الفاتحة سنة أم واجب؟ وما الدليل؟ الجواب على أية حال، إذا أخطأ الإمام في الفاتحة فصلاته باطلة، إلا أن يرد عليه فيصحح الخطأ، لكن إن استمر في صلاته مع عدم تصحيح الخطأ؛ فتبطل صلاته وصلاة المأمومين، أما إذا كان هذا الخطأ في غير الفاتحة؛ فينظر: هل يفتح عليه إذا أخطأ؟ وما سبب الخطأ الذي يفتح عليه فيه؟ نوع الخطأ إذا أبدل آية مكان آية يفتح عليه، وإذا غير المعنى يفتح عليه فيها، كما لو قال: (إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم نار جهنم خالدين فيها)، ما هذا؟ هذا تغيير للمعنى، إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم جنات، وليس لهم نار جهنم، فلو أنه بدل وغير في مثل هذا وجب الرد عليه، وإن أصر على الاستمرار في الصلاة على هذا النحو بدون اعتبار رد الآخرين عليه؛ تبطل صلاته وصلاة المأمومين كذلك. وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه.

стр. 632

شرح كتاب الإبانة - الأقوال والأفعال التي تُورث النفاق وعلامات المنافقين لقد ذم الله النفاق في كتابه وذكر له أوصافاً وخصالاً وحذر المؤمنين منها، وحذر النبي ﵊ أمته من ارتكاب صفة من صفات المنافقين، والنفاق قسمان: أكبر وأصغر، وقد بين العلماء كل قسم من هذين القسمين، وما يتميز به عن قسيمه.

стр. 633

باب ذكر الأفعال والأقوال التي تورث النفاق وعلامات المنافقين إن الحمد لله تعالى، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة. أما بعد: قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب ذكر الأفعال والأقوال التي تورث النفاق وعلامات المنافقين].

стр. 634

روايات ابن مسعود وعبد الله بن عمرو لحديث علامات المنافقين قال: [عن ابن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : (أربع من كن فيه كان منافقاً، وإن كان فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر)]. وفي رواية أبي وائل [عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (علامة المنافق: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان)]، ولم يذكر: (وإذا خاصم فجر). وفي رواية عنه قال: [(علامة المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان)]. وفي حديث [عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : (أربع من كن فيه كان منافقاً خالصاً)] أي: أربع خصال إذا توفرت في عبد وكانت ديدنه كان منافقاً خالصاً، [(وإن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها: إذا وعد أخلف، وإذا حدث كذب، وإذا خاصم فجر، وإذا عاهد غدر)]. قال النووي: قوله: (كان منافقاً خالصاً) أي: شديد الشبه بالمنافقين، لا أنه خارج عن الملة. وقال بعض العلماء: وهذا فيمن كانت هذه الخصال ظاهرة عليه، فأما من يندر ذلك منه فليس داخلاً في معنى هذا الحديث. [وعن ابن مسعود ﵁ أنه قال: (ثلاث من كن فيه فهو منافق: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان) وقال عبد الله بن عمرو بن العاص: (وإذا خاصم فجر، وإذا عاهد غدر)] فهذه خمس خصال. [وقال ابن مسعود: ثلاث من كن فيه فهو منافق: من حدث كذب، ووعد فأخلف، واؤتمن فخان، فمن كانت فيه خصلة منهن ففيه خصلة من النفاق حتى يدعها].

стр. 635

كلام الإمام النووي على أحاديث علامات المنافقين يقول الإمام النووي في شرح هذا الحديث: وهذا الحديث مما عده جماعة من العلماء من المشكلات. يعني: هذا الحديث ظاهره في غاية الإشكال، وهو أن علامات وخصال المنافقين توجد للمسلم المصدق الذي اطمأن قلبه بالإيمان. وقد أجمع العلماء على أن من كان مصدقاً بقلبه ولسانه وفعل هذه الخصال لا يحكم عليه بكفر، ولا هو منافق يخلد في النار؛ لأن إخوة يوسف ﵇ كانت فيهم هذه الخصال ولم يحكم بكفرهم، فلأجل هذا كان الحديث فيه إشكال. قال: ولذلك اختلف العلماء في معناه، والذي قاله المحققون -أي: أصحاب الرأي السديد والقول الصواب والراجح وهم أكثر العلماء- أن معنى هذا الحديث: أن هذه خصال نفاق، ولكن لا يلزم من فعلها أن يكون الفاعل منافقاً مخلداً في النار؛ لأن أهل العلم يميزون بين الكفر والكافر، وبين النفاق والمنافق، وبين الفسق والفاسق، فربما يأتي المرء عملاً من أعمال الكفر وليس بكافر، وربما يأتي عملاً من أعمال الفسق وليس هو بفاسق، وكذلك النفاق. وهذه الخصال إنما هي خصال نفاق، وهي خصال المنافقين التي وردت في الكتاب والسنة، لكن لا يلزم من وجودها وجريانها على جوارح العبد المسلم الذي اطمأن قلبه بالإيمان قولاً وعملاً أن يكون منافقاً، بمعنى: أن يكون مخلداً في النار. قال: إن هذه خصال نفاق، وصاحبها شبيه بالمنافقين في هذه الخصال، ومتخلق بأخلاقهم، فإن النفاق هو إظهار ما يبطن خلافه، وهذا المعنى موجود في صاحب هذه الخصال، ويكون نفاقه في حق من حدثه ووعده وائتمنه وخاصمه وعاهده من الناس، لا أنه منافق في الإسلام نفاقاً أكبر، بمعنى: أنه يظهر الإسلام ويبطن الكفر، هذا النفاق الذي يخلد صاحبه في النار، ويكون في الدرك الأسفل منها. أما هذه الخصال والخلال والأمارات والعلامات وإن كانت من أخلاق المنافقين، إلا أنها لو أتت على جوارح المسلم أو فعلها المسلم المصدق المؤمن؛ فإنه يكون قد تشبه بالمنافقين في بعض خصالهم، لا أنه منافق خالص، أي: خارج من ملة الإسلام وداخل في الكفر. ولم يرد النبي ﷺ أنه منافق نفاق الكفار المخلدين في النار. وقال القرطبي: إن اختلاف هذه الخصال في الروايات لا يقصد به الحصر، وإنما يقصد به ذكر بعض خصال المنافقين. ولذلك جاء في رواية عند مسلم: (من خصال المنافقين: أنه إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان) فـ (من) هنا للتبعيض، يعني: هذه الخصال المذكورة إنما هي بعض خصال المنافقين، ولم يرد النبي ﵊ حصر ذلك. ووجه الاقتصار على هذه العلامات الثلاث أو غيرها، أنها منبهة على ما عداها. يعني: هناك خصال أخرى، إذ أصل الديانة منحصر في ثلاثة: القول والفعل والنية، فنبه على فساد القول بالكذب؛ لأن الكذب متعلق باللسان، وعلى فساد الفعل بالخيانة، وعلى فساد النية بالخلف. ذكره الحافظ ابن حجر في فتح الباري.

стр. 636

حديث (لا يجتمع الإيمان والكفر في قلب) وما في معناه كلام السلف قال: [وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (لا يجتمع الإيمان والكفر في قلب امرئ، ولا يجتمع الصدق والكذب جميعاً في قلب مؤمن، ولا تجتمع الخيانة والأمانة جميعاً)]. قال: [وعن مصعب بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه قال: يطبع المؤمن على الخلال كلها إلا الخيانة والكذب]. يعني: المرء يطوي قلبه ويعزم نفسه على أن يتخلق بجميع الأخلاق، وربما تكون في المرء المسلم خلال وخصال لا ينبغي أن يتخلق بها؛ لأنها من أخلاق غير المسلمين، لكن الذي ينبغي أن يتنزه عنه المسلم هو الكذب والخيانة. قال: [وعن عبد الله قال: المؤمن يطوى على كل خلة، إلا الخيانة والكذب]. قال: [وقال الحسن: كانوا يقولون: من النفاق اختلاف اللسان والقلب، واختلاف السر والعلانية، واختلاف الدخول والخروج]. يعني: كانوا يعدون هذه من خصال المنافقين؛ أن يختلف قوله عن مكنون قلبه، فيفصح بلسانه بضد ما استقر في قلبه، وكذلك اختلاف السر والعلانية، واختلاف الدخول والخروج. قال: [وقال حذيفة: المنافقون الذين فيكم اليوم شر من المنافقين الذين كانوا على عهد رسول الله ﷺ . قلنا: يا أبا عبد الله! وكيف ذلك؟ قال: لأن أولئك كانوا يسرون نفاقهم، وإن هؤلاء أعلنوه]. يعني: كان المنافقون في زمن النبي ﵊ لا تزال فيهم بقية من حياء، فكانوا يخفون نفاقهم، وينبغي أن تلحظ أن حذيفة ﵁ القائل لهذا الكلام، إنما تكلم به في زمن التابعين، فتصور أنه يقول: المنافقون في زمن النبوة خير من المنافقين في زمانكم، فماذا لو أن حذيفة ﵁ اطلع على منافقي وملاحدة هذا الزمان؟ قال الإمام الخطابي في شرح هذا الحديث: ومعناه أن المنافقين في زمن رسول الله ﷺ لم يكونوا قد أسلموا، وإنما يظهرون الإسلام رياءً ونفاقاً، ويسرون الكفر عقداً وضميراً، فأما اليوم فقد شاع الإسلام وتوالد الناس عليه وتوارثوه -يعني: ولدوا في بيئة إسلامية- فمن نافق بأن يظهر الإسلام ويبطن خلافه فهو مرتد؛ لأن نفاقه نفاق كفر أحدثه بعد قبول الدين والإيمان. [وقال شقيق بن سلمة: قال عبد الله بن مسعود: المنافقون الذين فيكم اليوم شر من المنافقين الذين كانوا في عهد رسول الله ﷺ . قلنا: وكيف ذاك؟ قال: لأن أولئك أسروه وهؤلاء أعلنوه]. [وقال حذيفة: إنما كان النفاق على عهد النبي ﷺ ، فأما اليوم فهو الكفر بعد الإيمان]. يعني: فهو الكفر الصريح بعد الإيمان، لأنه ردة. [وعن حذيفة لما سئل: ما النفاق؟ قال: الذي يصف الإسلام ولا يعمل به]. أي: الذي يصف الإسلام للغير ولا يعمل به. فعمله مخالف لقوله، وهذا الذي بين لنا اختلاف الدخول والخروج، واختلاف اللسان مع عقد القلب، واختلاف السر والعلانية. [وقال حذيفة: إن كان الرجل ليتكلم بالكلمة على عهد رسول الله ﷺ فيكون بها منافقاً، وإني لأسمعها اليوم من أحدكم في المجلس عشر مرات]. وهذا دليل على أن الناس في نقصان في إيمانهم إلى قيام الساعة. وروايات كثيرة يشهد بعضها لبعض لأن معناها واحد: [أن فلاناً وفلاناً وفلاناً كانوا جلوساً على باب حذيفة فتحدثوا بينهم بحديث، فخرج عليهم حذيفة فامتنعوا -أي: سكتوا عن الكلام- فقال حذيفة: ما كنا نعد النفاق على عهد رسول الله ﷺ إلا هذا، أنكم تسرون أقوالكم أمام أهل الإيمان وتفشونها إذا انصرف عنكم أهل الإيمان. وفي رواية أنه قال: إنكم تتكلمون كلاماً إن كنا لنعده على عهد رسول الله ﷺ النفاق، وإنها ستكون فتن بين المؤمنين].

стр. 637

كلام السلف في الدخول على الأمراء والثناء بغير حق وأنه من النفاق العملي وفي رواية [عن أبي الشعثاء: قال: قيل لـ ابن عمر: إنا ندخل على أمرائنا فنقول القول، فإذا خرجنا قلنا غيره. فقال: كنا نعد هذا على عهد رسول الله ﷺ النفاق]. وأنتم تعلمون أن كثيراً من العلماء والمشايخ إنما يدخلون على الأمراء والسلاطين، فيقولون لهم أقوالاً يعلمون أنها خلاف شرع الله ، ولذلك قال ﵊: (ومن اقترب من السلطان افتتن)، فأعظم فتنة في دين المرء ودنياه أن يطرق باب السلطان، إلا أن يكون سلطان ديانة، أي: صاحب دين يحتاج إلى مؤازرة ومساندة أهل العلم من الصالحين والأتقياء الذين يبذلون له النصيحة في الليل والنهار كما كان الأمر في زمن عمر بن عبد العزيز ﵁. [وعن عروة قال: قلت لـ عبد الله بن عمر: إنا لندخل على الأمراء يقضي أحدهم بالقضاء نراه زوراً فنقول: وفقك الله]. أي: يدعون له مع أنهم يعلمون أنه ما نطق إلا بالزور، وهم مع ذلك يدعون له. [وننظر إلى الرجل منا فنثني عليه، قال: أما نحن أصحاب رسول الله ﷺ فكنا نعد هذا نفاقاً، فما أدري ما تعدونه أنتم؟!] وهذا كلام يخرج مخرج التقريع والتوبيخ والذم لهذا الفعل؛ لأن هذا كان هو النفاق على عهد النبي ﵊. [وعن إبراهيم النخعي قال: جاء رجل إلى ابن عمر، فقال: إنا ندخل على أمرائنا فنزكيهم ونثني عليهم، ثم نخرج من عندهم فنسبهم، قال: كنا نعد ذلك على عهد النبي ﷺ النفاق]. [وعن عبد الله قال: إن الرجل ليدخل على السلطان ومعه دينه ويخرج وما معه من دينه شيء]. يعني: يحل له الحرام، ويحرم عليه الحلال، يرضيه بسخط الله ، فيخرج وقد تأثر دينه جداً، ولذلك دخل أحد الصالحين في حلقة رجل من أهل العلم، فدخل عليه رسول السلطان فناوله صرة، فأنفقها العالم في الطلاب قبل أن يقوم من مقامه، فقال له ذاك الرجل الصالح: أقبلت هدية السلطان؟ قال: يا فلان! أما رأيت ما قد تصرفت فيها، إني أنفقتها في أهل العلم وطلابه. قال: أبالله عليك أقلبك على السلطان بعدها كقلبك عليه قبلها؟ قال: لا والله، وأشهدكم أني حمار! هذا كلام العالم، حتى وإن لم يكن صاحب منفعة أو وجاهة، المهم أنه اقترب من السلطان بنوع اقتراب. أنا أقول: إن الاقتراب كذلك من الأغنياء باب من أبواب الاقتراب من السلاطين، الغني لا يقبل منك إلا ما يوافق هواه وغناه، ويعلم الله أن ظفر الأخ الفقير الذي لا يملك ثمن المواصلات إلى حضور مجلس العلم؛ لهو خير عندي من مائة غني، وإني لعلى يقين أن جل الأغنياء لا خير فيهم، إنما الخير كل الخير في الفقراء والمساكين، ولذلك هم أتباع الأنبياء، ليسوا أتباع النبي ﵊ فقط، فأتباع الأنبياء هم الفقراء والمساكين وأصحاب الحاجات، والواحد منهم يبذل روحه قبل أن يبذل ماله في سبيل نصرة دين الله ، وليس معنى ذلك أن كل الأغنياء لا خير فيهم، بل جلهم لا خير فيهم، وإن الغني إنما يأخذ منك الفتاوى المفصلة على هواه وعلى شهوته، أما أن يقبل دين الله كله ويطبقه على نفسه ويذل نفسه للمؤمنين، فهذا لا يكون من الأغنياء إلا في النزر اليسير جداً، إذا كان هذا في الأغنياء الذين لا سلطان لهم ولا وجاهة، ولا يملكون مقدرات الأمور كما يملك السلاطين بإذن الله تعالى، فما بالك بالسلطان الذي يؤذيه أن يسمع أمراً أو نهياً، حلالاً أو حراماً، فهذا بلا شك أمر خطير جداً أن يقترب العالم من السلطان، لابد للعالم -قبل أن يأخذ شيئاً من السلطان ينتفع به في دنياه- أن يعلم أن السلطان يأخذ من دينه أضعاف ما أعطاه من دنياه. قال: [إن الرجل ليدخل على السلطان ومعه دينه ويخرج وما معه من دينه شيء. قيل: لم يا أبا عبد الرحمن؟ قال: لأنه يرضيه بما يسخط الله].

стр. 638

حديث حذيفة (القلوب أربعة) قال: [وعن حذيفة قال: القلوب أربعة: قلب أغلق]. أي: عليه غشاوة لا يقبل ولا يسمع الحق، [فذاك قلب الكافر، وقلب مصفح اجتمع فيه النفاق والإيمان]، ومعنى المصفح الذي له وجهان، يأتي أهل الكفر بوجه الكفر، ويأتي أهل الإيمان بوجه الإيمان. قال: [فذاك قلب المنافق. وقلب فيه إيمان ونفاق؛ فمثل الإيمان فيه كمثل شجرة يمدها ماء طيب، ومثل المنافق مثل قرحة يمدها قيح ودم، فأيها غلب عليه غلب]. يعني: إذا مده الماء الطيب غلب إيمانه على نفاقه، وإذا كان المدد قيحاً وصديداً غلب عليه نفاقه. وفي رواية عند ابن أبي شيبة في جزء الإيمان قال: وقلب فيه سراج يزهر فذاك قلب المؤمن. وهذا السراج إنما هو سراج الإيمان والتوحيد.

стр. 639

حديث ابن عمر (مثل المنافق في أمتي مثل الشاة العائرة بين الغنمين) قال: [وعن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : (مثل المنافق في أمتي مثل الشاة العائرة بين الغنمين، تعير إلى هذه مرة وإلى هذه مرة، لا تدري أيتها تتبع)]، الشاة العائرة هي المتحيرة التي لا تميل إلى هذه الشياه ولا إلى تلك الشياه، ليست تابعة لهذه الغنم ولا لتلك، إنما تذهب إلى هؤلاء مرة وإلى هؤلاء مرة، فهي مذبذبة لا تستقر هنا ولا تستقر هناك، وكذلك المنافق يدور أمره بين إظهار وجه الكفر للكفار، وإظهار وجه الإيمان لأهل الإيمان، فلا هو يستقر مع الكفار ويكون صريحاً واضحاً، ولا هو يستقر مع أهل الإيمان فيكون صريحاً واضحاً. والحديث أخرجه مسلم.

стр. 640

حديث أبي هريرة (ثلاث من كن فيه فهو منافق وإن صام وصلى) قال: [وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: (ثلاث من كن فيه فهو منافق وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان)].

стр. 641

حديث ابن المسيب (كيف سمعت رسول الله يقول في المنافق) قال: [وعن أبي طوالة قال: كنت جالساً عند سعيد بن المسيب بالسوق، فمر به رجل فدعاه فقال: كيف سمعت رسول الله ﷺ يقول في المنافق]، سعيد بن المسيب يسأل هذا الرجل وهو من أصحاب النبي ﵊. [قال: سمعته يقول: (إذا حدث كذب، وإذا اؤتمن خان، وإذا وعد أخلف. فمر به آخر من أصحاب النبي ﵊ فدعاه سعيد فقال مثل ذلك، ثم مر به آخر فسأله فقال مثل ذلك)].

стр. 642

آثار السلف في كثرة النفاق العملي وانتشاره قال: [وعن أبي البختري قال: قال رجل: اللهم أهلك المنافقين. قال حذيفة: لو هلكوا ما انتصفتم من عدوكم]. يعني: أن نفاق العمل الذي لا يخرج به المرء من الإسلام قد كثر جداً، ولو أن هؤلاء المنافقين هلكوا -لأن الدعوة عامة، حيث قال: اللهم أهلك المنافقين- لبقي قلة قليلة جداً من أهل الإيمان الذين لم يتخلقوا بأخلاق المنافقين ولم يقعوا في خصال النفاق، وحينئذ يستوحشون جداً؛ لأنهم قلة. وأنا متصور لو أن الله تعالى يستجيب دعوة الإمام مثلاً وهو في المنبر عند أن يقول: اللهم أهلك المنافقين، وهو يشمل منافق العمل وغيره؛ فإن أول من يهلك هو الإمام ومن وراءه، ولن يبقى في المسجد أحد. ومع وجود هذا النفاق العملي لو قلنا: حي على الجهاد، كل هؤلاء الناس سيجاهدون، ففي هذه الحالة نكون انتصفنا من العدو وإن كان فينا من لا يستحق النصر، لكنها شعب وأخلاق، فهو هنا يتكلم عن النفاق العملي. ومرة من المرات قال لي شخص: أنا أتمنى أن يرسل الله لي علامة إذا وقعت في معصية أن يحرق ثوبي على بدني. قلت له: إذاً ستمشي عرياناً دائماً؛ لأن المرء لا يخلو من معصية، إما باطنة وإما ظاهرة، فقلت له: هذا ستر الله عليك. فقال: لو أن المنافقين هلكوا لما انتصرتم في القتال. أي: فلن تجدوا أحداً يجاهد معكم، فاجعلوا الأمر مستوراً. قال: [وقال الحسن: لولا المنافقون لاستوحشتم في الطرق]. يعني: سيكون أهل الإيمان ثلة قليلة جداً فقلَّ أن تجد من كل حارة أو شارع أو حي مؤمناً. وحديث حذيفة بن اليمان لما تكلم عن الأمانة -والحديث طويل- وفي نهايته قال: وأما اليوم فلا أتعامل إلا مع فلان وفلان. يريد أن يقول: إن الأمانة خرجت من قلوب الرجال، حتى لم تبق أمانة بالمرة، ولو أني أردت أن أتعامل مع أحد لتعاملت مع فلان وفلان من بني فلان وبني فلان. وهذا أمر عظيم وشديد على النفس أن حذيفة لا يختار لدنياه ولدينه من أمة بأسرها إلا شخصين اثنين أو ثلاثة يعاملهم ويتعامل معهم، أما الباقون فقد ضاعت منهم الأمانة، ومعلوم أن ضياع الأمانة خصلة من خصال النفاق، فحينئذ بقاء الأمر على ما هو عليه -ما دام أن الأمر لا يخرج به صاحبه من دائرة الإسلام- فيه مصلحة المجموعة الإسلامية أو الإيمانية. قال: [وعن الشعبي قال: لولا المنافقون لاستوحشتم في الطرقات]. قال: [وعن مالك بن دينار قال: أقسم لو نبت للمنافقين أذناب ما وجد المؤمنون أرضاً يمشون عليها]. يعني: لو أن الله جعل علامة للمنافق، أو عاقب كل من كانت فيه خصلة من خصال النفاق العملي الذي لا يخرج به المرء من الملة، بأن جعل له ذيلاً وذنباً يظهر في بدنه؛ لاطلع كل منا على ذنب صاحبه، فإنه كلما ينظر في وجه صاحبه وأنه كان يظنه من الطيبين أو من الصالحين ويجد له ذنباً؛ يصب بإحباط ويستوحش، فيقول: ما الذي حدث، لم يبق في الناس خير؟ وعندما ينظر يجد نفسه في وسط أمة هو الوحيد الذي ليس له ذنب، فهذا مع من سيجلس؟ ويتكلم مع من؟ ويجاهد مع من؟ ويؤدي فروض العين مع من؟ وفروض الكفاية مع من؟ وهذا أمر عجيب جداً، وفيه وحشة شديدة جداً. فالمراد من هذه النصوص أن النفاق كثر في الأمة، وأن صاحبه لا يخرج به من الملة، إنما يخرج صاحب النفاق الأكبر -أي: نفاق الاعتقاد والجحود والعناد وغير ذلك- من ملة الإسلام، ويدخل في حظيرة الكفر. قال: [وعن الشعبي: ما أدري ما تقولون! من كان كذاباً فهو منافق]. الشعبي يوبخ قومه فيقول: الكذاب منافق، أي لأن النبي ﷺ قال: (علامة المنافق: إذا حدث كذب)، فها هو النص يثبت النفاق للكذاب، لكن الشعبي يُبَكِّتُ من ظن أن هذا النفاق نفاق أكبر، وقال: أتظنون أن الكاذب منافق؟ يعني: هل يخرج بهذا الكذب عن دائرة الإسلام؟ الجواب لا.

стр. 643

أقسام النفاق قال: [وعن الحسن قال: النفاق نفاقان]. يعني: أكبر وأصغر. قال: [نفاق بالتكذيب ونفاق بالعمل]، فمن نافق بتكذيب الله ورسوله وتكذيب الشرع، فلا شك أنه خارج عن ملة الإسلام، ونفاق العمل كأن يكذب إذا حدث، ويخلف إذا وعد، ويخاصم إذا فجر، فكل هذا بلا شك لا يخرج به صاحبه من الملة. والفجور في الخصومة مثل أن نفترض أننا نقع في بعض ونختلف مع بعض، والذي سيحصل أنني أتكلم بكل المخازي التي عندك وأنت تقول كل المخازي التي عندي، وهذا نسميه فجوراً في الخصومة. أما أهل الإيمان فهم الذين يسترون على بعضهم البعض حتى إذا وقعت بينهم الخصومة، أما المنافقون فإن كل واحد منهم يتغاضى عن كل الأخطاء، حتى إذا وقعت بينك وبينه خصومة فإنه يخرج عيوبك كلها والفضائح، وهذا بلا شك خصلة من خصال المنافقين، لا أقول: إن من فعل ذلك يكفر، وإنما أقول: هذا خلق من أخلاق المنافقين ينبغي أن يتنزه عنه أهل الإيمان. قسم علماء السلف النفاق إلى قسمين: نفاق قلب، ونفاق عمل. فنفاق القلب هو نفاق التكذيب الذي يتصل بالمعتقد، أما نفاق العمل فهو معصية كسائر المعاصي، وخلق مشين يتصف به المنافقون، ولا يلزم من ذلك إخراجه من الملة. قال الحافظ ابن حجر معلقاً على ترجمة الإمام البخاري لهذا الحديث: (باب علامة المنافق)، قال: لما تقدم من إثبات أن مراتب الكفر متفاوتة. فهناك للكفر مراتب ودرجات، وكذلك الظلم. فالكفر كفران، قال ﵊: (من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك) فالذي يحلف بغير الله وأسمائه وصفاته لا يخرج من الملة، وهذا كفر العمل، فكما أن الكفر كفران، فكذلك الفسق فسقان، وكذلك النفاق نفاقان. قال: وكذلك الظلم. فقد تكلم الإمام البخاري عن أقسام الظلم ثم تكلم عن أقسام النفاق، قال: والنفاق نفاقان. قال الكرماني: مناسبة هذا الباب لكتاب الإيمان أن النفاق علامة عدم الإيمان، أو ليعلم منه أن بعض النفاق كفر دون كفر، وبعض النفاق يخرج صاحبه من الملة. والنفاق لغة هو: مخالفة الظاهر للباطن، يعني: يتكلم المرء بكلام ويبطن خلافه. فإن كان في اعتقاد الإيمان فهو نفاق الكفر، وإذا كان متعلقاً بالعمل، فهو نفاق العمل الذي لا يخرج به صاحبه من الملة، وهذا هو الضابط. قال: ويدخل فيه الفعل والترك وتتفاوت مراتبه. قال الإمام البغوي: والنفاق ضربان، يعني: أنه قسمان ونوعان. أحدهما: أن يظهر صاحبه الإيمان وهو مسر للكفر، كالمنافقين الذين كانوا على عهد النبي ﵊. والثاني: ترك المحافظة على حدود وأمور الدين سراً ومراعاتها علناً، فهذا يسمى منافقاً، ولكنه نفاق دون نفاق، لا يكفر به صاحبه ويخرج من الملة. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: فالإسلام يتناول من أظهر الإسلام وليس معه شيء من الإيمان. والإسلام يشمل من نطق به وإن لم يكن في قلبه ذرة من إيمان، وهذا إسلام المنافقين، فهم يظهرون الإسلام ويبطنون الكفر، لكنهم عند الله كفاراً وعند الخلق مسلمين. قال: وهو النفاق المحض، كما أن الإسلام يتناول من أظهر الإسلام مع التصديق المجمل في الباطن، ولكن لم يفعل الواجب كله، لا من هذا ولا في هذا، وهم الفساق، يعني: هو فعلاً محب لله ورسوله، بخلاف المنافق فإنه مبغض لله ورسوله، فهذا كالمنافق تماماً بتمام في إعلان كل واحد منهما للإسلام والنطق بالشهادتين، أما المنافق فقد أبطن خلاف ما أظهر، وأما هذا فإن باطنه كظاهره يحب الله تعالى ورسوله ولا يرضى بالإسلام بديلاً، لكنه فرط في الواجبات فارتكب المحرمات وترك المأمورات، فهذا فاسق. ويكون في أحدهم شعبة نفاق، ويتناول من أتى بالإسلام الواجب وما يلزمه من الإيمان، ولم يأت بتمام الإيمان الواجب، وهؤلاء ليسوا فساقاً تاركين فريضة ظاهرة، ولا مرتكبين محرماً ظاهراً، لكن تركوا من حقائق الإيمان الواجبة علماً وعملاً ما كانوا به مذمومين. وهذا هو النفاق الذي كان يخافه السلف ﵃ على أنفسهم، وهو نفاق العمل، فإن صاحبه قد يكون فيه شعبة نفاق. ويتعرض ابن القيم لهذا الموضوع قائلاً: وكذا النفاق نفاقان: نفاق اعتقاد ونفاق عمل، فنفاق الاعتقاد هو الذي أنكره الله على المنافقين في القرآن، فأوجب لهم الدرك الأسفل من النار, ونفاق العمل كقوله ﵊ في الحديث الصحيح: (أربع من كن فيه كان منافقاً) وذكر الأدلة التي بين أيدينا. قال: فهذا نفاق عمل قد يجتمع مع أصل الإيمان، وعلاماته: إذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر، وهذه العلامات المذكورة لا تجتمع على جوارح العبد الذي قد اطمأن قلبه بالإيمان، فهو قد يأتي بجوارحه أفعالاً تخالف مكنون قلبه المطمئن بالإيمان، وهي خصال وأفعال المنافقين. فيقول: أصل الإيمان في قلبه وإن خالفت أفعاله ما كان في قلبه، لكن هذه الأفعال لا تبلغ به درجة الكفر، وهذا نفي للكمال الواجب. قال: لكن إذا استحكم وكمل فقد ينسل

стр. 644

الأحاديث الواردة في نفاق الرياء والمنافقين من القراء قال: [قال عمر: (عهد إلينا رسول الله ﷺ : أن أخوف ما أخاف عليكم منافق عالم اللسان، وفي رواية: (منافق عليم اللسان)] يعني: أنه فصيح وبليغ، يتكلم بكلام أحلى من العسل حتى يأخذ تلابيب القلوب. قال: (يجاء بالرجل يوم القيامة يلقى في النار فتندلق أقتاب بطنه) أي: تنزل أمعاؤه في النار أمامه. (فيدور به كما يدور الحمار بالرحى، فيجتمع إليه الناس فيقولون: يا فلان! ألم تكن تأمرنا بالمعروف وتنهانا عن المنكر؟ فيقول: بلى، كنت آمركم بالمعروف ولا آتيه، وأنهاكم عن المنكر وآتيه)، فهذا جزاؤه يوم القيامة. فقوله ﵊: (إن أخوف ما أخاف عليكم منافق عليم اللسان) يعني: إنساناً فصيحاً وبليغاً. [وعن عبد الله بن عمرو قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (أكثر منافقي أمتي قراؤها)]، يقصد بالنفاق هنا شعبة الرياء؛ لأن الرياء شرك أصغر، وهو باب من أبواب النفاق العملي. فقوله ﵊: (أكثر منافقي أمتي قراؤها)؛ لأن القراء هم أصحاب الفضل، وإنما يزينون بعلمهم وقراءتهم ما عندهم من علم يستعطفون بذلك الناس ويستدرون مدحهم وأموالهم، لكنهم في حقيقة الأمر لا يبتغون بهذه القراءة ولا بهذا العلم وجه الله، والنبي ﵊ يقول: (أول من تسعر بهم جهنم ثلاثة: مجاهد، وعالم، وجواد)، وقد ذكر هؤلاء الثلاثة لأنهم أصحاب الفضل، والناس يتطلعون إليهم، بل هم الذين يحرصون على حسن الثناء والذكر الجميل بين الناس، بخلاف غيرهم فإنهم لا يحرصون على ذلك أصلاً. فعامة الناس لا يحرصون على الثناء، وإنما الذي يحرص على الثناء رياءً وسمعة هو صاحب الفضل، ولذلك يجاء بهم يوم القيامة فيكونون أول الداخلين في النار حتى تسعر بهم، ويكونون هم وقود النار. فيجاء بهم يوم القيامة، حتى يقف هذا المجاهد بين يدي الله وبعد أن يعرفه الله تعالى نعمته عليه يقول: ماذا فعلت فيها؟ يقول: يا رب! جاهدت فيك. فيقول: كذبت، بل جاهدت ليقال مجاهد، بل أنفقت ليقال جواد، بل تعلمت العلم ليقال عالم، فيؤمر بهم فيسحبون على وجوههم، حتى يلقوا في النار ولا كرامة، نسأل الله السلامة. قال الشيخ عبيد الله بن محمد وهو المعروف بـ ابن بطة: [فإن سأل سائل عن معنى هذا الحديث: (أكثر منافقي أمتي قراؤها) وقال: لم خص القراء بالنفاق دون غيرهم؟ فالجواب عن ذلك: إن الرياء لا يكاد يوجد إلا فيمن نسب إلى التقوى]، يعني: الرياء دائماً ينسب لأهل التقوى؛ لأنهم في حاجة إليه. قال: [ولأن العامة والسوقة قد جهلوه]، أي: لا يعرفون التقوى. [والمتحلين بحلية القراء قد حذقوه]، أي: صاروا فيه مهرة. [والرياء هو النفاق، لأن المنافق هو الذي يسر خلاف ما يظهر، ويسر ضد ما يبطن، ويصف المحاسن بلسانه ويخالفها بفعله، ويقول ما يعرف، ويأتي ما ينكر، ويترصد الغفلات لانتهاز الهفوات. وقال ابن المبارك ﵀: هم الزنادقة؛ لأن النفاق على عهد رسول الله ﵊ هي الزندقة فيمن كان بعده].

стр. 645

الأحاديث الواردة في أن الغناء والفواحش تنبت النفاق في القلب قال: [وعن عبد الله بن مسعود قال: الغناء ينبت النفاق في القلب]. [وعن أبي وائل: أنه دعي إلى وليمة فرأى لعابين -أي: لهايين- فخرج وقال: سمعت ابن مسعود يقول: الغناء ينبت النفاق في القلب كما ينبت الماء البقل]. قال الشيخ ابن بطة: [فهذا عبد الله بن مسعود ﵀ يعلمك أن استماع الغناء ينبت النفاق في القلب، يعني: مجرد استماع الغناء ينبت النفاق في القلب]؛ لأن عثمان بن عفان ﵁ يقول: لو طهرت قلوبنا ما شبعت من كلام ربنا. فلو كان قلب المسلم نقياً صافياً، ما شبع من كلام الله . قال: [فما ظنك بارتكاب الفواحش، والإصرار على الكبائر، والاستهانة بالموبقات التي تسخط الرب تعالى، فكم بقاء الإيمان المنزه معها سوءة لمن زعم أن الإيمان قول لا يضر قائله ترك الفرائض، ولا ينقصه ارتكاب الكبائر]؟ وهذا رد على المرجئة الذين يقولون: المؤمن هو المصدق، فمن صدق بالإيمان استوى إيمانه مع إيمان جبريل وميكائيل. ويقولون: لا يضر مع الإيمان معصية كما لا ينفع مع الكفر طاعة، وهذا الكلام في غاية السقوط والبطلان. ونفاق العمل لابد وأنه واقع في الأمة، وليس يعني ذلك الإذن للأمة والرخصة بالبقاء على هذه الخصال المذمومة، وإنما هذا تحذير لهذه الأمة أن تتخلق بأخلاق المنافقين أو أن تتصف بصفاتهم.

стр. 646

داء النفاق وصفات المنافقين من كتاب مدارج السالكين وفي كتاب تهذيب مدارج السالكين يقول تحت عنوان داء النفاق، في المجلد الأول: وأما النفاق فهو الداء العضال الباطل الذي يكون الرجل ممتلئاً منه وهو لا يشعر، فإنه أمر خفي على الناس، وكثيراً ما يخفى على من تلبس به، فيزعم أنه مصلح، وهو في حقيقة الأمر مفسد، وهو نوعان: أكبر وأصغر، فالنفاق الأكبر يوجب الخلود في النار في دركها الأسفل، وهو أن يظهر للمسلمين إيمانه بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وهو في الباطن منسلخ من ذلك كله مكذب به، لا يؤمن بأن الله تكلم بكلام أنزله على بشر جعله رسولاً للناس، يهديهم بإذنه وينذرهم بأسه ويخوفهم عقابه.

стр. 647

ضرر المنافقين واتصافهم بالفساد والإفساد وقد هتك الله سبحانه أستار المنافقين وكشف أسرارهم في القرآن، وجلّى لعباده أمورهم ليكونوا منها ومن أهلها على حذر، وذكر طوائف العالم الثلاث في أول سورة البقرة: المؤمنين والكفار والمنافقين، فذكر في المؤمنين أربع آيات، وفي الكفار آيتين، وفي المنافقين ثلاث عشرة آية في أول ربع من سورة البقرة، وذلك لكثرتهم وعموم الابتلاء بهم وشدة فتنتهم على الإسلام وأهله، فإن بلية الإسلام بهم شديدة جداً؛ لأنهم منسوبون إليه وإلى نصرته وموالاته، وهم أعداؤه في الحقيقة، يخرجون عداوته في كل قالب يظن الجاهل أنه علم وإصلاح، وهو غاية الجهل والإفساد. والمنافق في هذه الأيام يتكلم من باب الدفاع عن الإسلام في كتاب الله، وفي أحاديث اتفقت كلمة الأمة على صحتها وقبولها بالتواتر، ومع هذا فإنه يقول: هذا كلام لا يتناسب مع العقل والتكنولوجيا والتمدن وغير ذلك، ومعظم ما تتناقله كتب السنة لا يتناسب مع روح العقل، ويجملون وجوههم القبيحة بأنهم يدافعون عن الإسلام لا يدفعون الإسلام، هكذا يقولون! فلله كم من معقل للإسلام قد هدموه، وكم من حصن له قد قلعوا أساسه وخربوه، وكم من علم له قد طمسوه، وكم من لواء له مرفوع قد وضعوه، وكم ضربوا بمعاول الشبه في أصول غراسه ليقلعوه، وكم عموا عيون موارده بآرائهم ليدفنوها ويقطعوها، فلا يزال الإٍسلام وأهله منهم في محنة وبلية، ولا يزال يطرقه من شبههم سرية بعد سرية، ويزعمون أنهم بذلك مصلحون: ﴿أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لا يَشْعُرُونَ﴾ [البقرة:١٢]، ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ [الصف:٨]، اتفقوا على مفارقة الوحي. أي: كلمة المنافقين وعلامتهم أنهم اتفقوا فيما بينهم على مفارقة الوحي. فهم على ترك الاهتداء به مجتمعون، كما قال تعالى: ﴿فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ [المؤمنون:٥٣]. وقال تعالى: ﴿يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾ [الأنعام:١١٢]، ولأجل ذلك: ﴿اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا﴾ [الفرقان:٣٠]. درست معالم الإيمان في قلوبهم فليسوا يعرفونها -يعني: ليسوا يعرفون علامات الإيمان- ودثرت معاهده عندهم فليسوا يعمرونها، وأفلتت كواكبه النيرة من قلوبهم فليسوا يحيونها، وكسفت شمسه عند اجتماع ظلم آرائهم وأفكارهم فليسوا يبصرونها، لم يقبلوا هدى الله الذي أرسل به رسوله، ولم يرفعوا به رأساً، ولم يروا بالإعراض عنه إلى آرائهم وأفكارهم بأساً، خلعوا نصوص الوحي عن سلطنة الحقيقة، وعزلوها عن ولاية اليقين، وشنوا عليها غارات التأويلات الباطلة فقالوا: ما لنا ولظواهر لفظية لا تفيدنا شيئاً من اليقين، حسبنا ما وجد عليه خلفنا من المتأخرين، فإنهم أعلم بها من السلف الماضين، وأقوم بطرائق الحجج والبراهين، وأولئك غلبت عليهم السذاجة وسلامة الصدور، ولم يتفرغوا لتمهيد قواعد النظر، ولكن صرفوا هممهم إلى فعل المأمور وترك المحذور، فطريقة المتأخرين أعلم وأحكم، وطريقة السلف الماضين أجهل لكنها أسلم هكذا يقولون. والأشاعرة إذا تكلموا في الصفات يقولون: طريقة السلف أحسن وأسلم، وطريقة الخلف أعلم؛ يعنون: طريقة الخلف الذين يؤولون ويفوضون العلم والمعنى، أما طريقة السلف فهي أسلم وأحكم. وهذا كلام في غاية السقوط والبطلان، لا يمكن أن يكون هذا أبداً، فطريقة السلف أسلم وأحكم وأعلم، أما طريقة الخلف فهي طريقة مردودة باطلة لا حاجة لنا بها. قال: قد نهكت أمراض الشبهات والشهوات قلوبهم فأهلكتها، وغلبت القصود السيئة على إراداتهم ونياتهم فأفسدتها، ففسادهم قد ترامى إلى الهلاك فعجز عنه الأطباء العارفون، كما قال تعالى: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ [البقرة:١٠].

стр. 648

صفات المنافقين عند سماع القرآن وحضور العبادات البدنية والتربص بالمؤمنين قال: أسماع قلوبهم قد أثقلها الوقر فهي لا تسمع منادي الإيمان، وعيون بصائرهم عليها غشاوة العمى فهي لا تبصر حقائق القرآن، وألسنتهم بها خرس عن الحق فهم به لا ينطقون، كما قال تعالى: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ﴾ [البقرة:١٨]. لهم علامات يعرفون بها مبينة في السنة والقرآن، بادية لمن تدبرها من أهل بصائر الإيمان، قام بهم والله الرياء وهو أقبح مقام قامه الإنسان، وقعد بهم الكسل عما أمروا به من أوامر الرحمن، فأصبح الإخلاص عليهم لذلك ثقيلاً -يعني: من علامات المنافقين أنهم ليسوا مخلصين- كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [النساء:١٤٢]، فهذه ثلاث علامات: إذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى، يراءون بهذه العبادة الناس، كما أنهم لا يذكرون الله إلا قليلاً. أحدهم -أي: هؤلاء المنافقين- كالشاة العائرة بين الغنمين، أي: المتحيرة بين مجموعتين من الغنم. تعير إلى هذه مرة وإلى هذه مرة، ولا تستقر مع إحدى الفئتين، فهم واقفون بين الجمعين ينظرون أيهم أقوى وأعز قبيلاً، كما قال تعالى: ﴿مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لا إِلَى هَؤُلاءِ وَلا إِلَى هَؤُلاءِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا﴾ [النساء:١٤٣]. كما أن من علاماتهم: أنهم يتربصون الدوائر بأهل السنة والقرآن، يعني: يتربصون الدوائر وينتظرون السقطات والهفوات لأهل السنة والقرآن. فإن كان لهم فتح من الله قالوا: ألم نكن معكم؟ وأقسموا على ذلك بالله جهد أيمانهم، وإن كانت الدائرة لأعداء الكتاب والسنة ولهم نصرة ونصيب قال المنافقون: ألم تعلموا أن عقد الإخاء بيننا محكم -يعني: يميلون إلى الكفار إذا كانت الدائرة لهم- وأن النسب بيننا قريب، فيا من يريد معرفتهم! خذ صفاتهم من كلام رب العالمين فلا تحتاج بعده دليلاً، قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ قَالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ وَإِنْ كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ [النساء:١٤١]. يعجب السامع قول أحدهم لحلاوته ولينه. وهذه أيضاً من علامات المنافقين، وهي أنهم يتكلمون بكلام جميل جداً جداً، ولكن هذا على الجاهل، أما العالم فلا. قال: وكذلك يشهد الله على ما في قلبه من كذبه وتمويهه، فتراه عند الحق نائماً وفي الباطل على الأقدام واقفاً، فخذ وصفهم من قول القدوس السلام: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ﴾ [البقرة:٢٠٤]. أوامرهم التي يأمرون بها أتباعهم متضمنة لفساد البلاد والعباد. يعني: لا يأمرون بالمعروف، إنما يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف. يقول: وأحدهم تلقاه بين جماعة أهل الإيمان في الصلاة والذكر والزهد والاجتهاد. يعني: هم كذلك يصلون ويصومون ويحجون، بل ويجاهدون في صفوف الموحدين، ومع هذا قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾ [البقرة:٢٠٥]. إن حاكمتهم إلى صريح الوحي وجدتهم عنه نافرين، أي: كلما تقول لهم: ألسنا مأمورين عند الخلاف والنزاع أن نحكم الكتاب والسنة؟ فيقولون: معذرة، اترك هذا الكتاب على جنب، واترك السنة على جنب، واترك ربنا على جنب والرسول على جنب ولنحتكم إلى العقل! فحقيقة أن هذه النصوص كانت في الزمن الماضي، نزلت في مشركي مكة أو في يهود المدينة أو في نصارى الشام فهذا كفر يا إخوان وردة صريحة جداً لا تحتاج إلى اجتهاد، لو أتى جاهل وقال: هذا ردة والقائل بها مرتد لا نطالبه قط بثبوت الاجتهاد لديه أو العلم؛ لأن هذا أمر معلوم من الدين بالضرورة. قال: إن حاكمتهم إلى صريح الوحي وجدتهم عنه نافرين، وإن دعوتهم إلى حكم كتاب الله وسنة رسوله رأيتهم عنه معرضين، فلو شهدت حقائقهم لرأيت بينها وبين الهدى أمداً بعيداً، ورأيتها معرضة عن الوحي إعراضاً شديداً، قال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا﴾ [النساء:٦١]، فيقول القائل منهم: لا أريد ديناً، ليس كلما أكلمك تقول: إن ربنا قال والرسول قال! وهذه علامة المنافق، نحن كلنا نقول ذلك، وآباؤنا وأمهاتنا وبلادنا وأمتنا كلها تقول هذا الكلام، إذاً: فعلاً لو خرج للمنافق ذنب سيستوحش المؤمن، بل إنه لن يجد أحداً، كلما تقع عينه على شخص يجد له ذنباً، وسيموت كمداً، والله ساتر لنا.

стр. 649

صفات المنافقين في أجسامهم وكلامهم قال: تسبق يمين أحدهم كلامه من غير أن يعترض عليه. يعني: يحلف لك أيماناً مغلظة على صحة قوله من غير أن تطالبه باليمين، بل هو يتبرع به ابتداء. لعلمه أن قلوب أهل الإيمان لا تطمئن إليه، فيتبرأ بيمينه من سوء الظن به وكشف ما لديه، وكذلك أهل الريبة يكذبون ويحلفون ليحسب السامع أنهم صادقون، قال الله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً﴾ [المنافقون:٢]، يعني: وقاية وستراً. ﴿فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [المنافقون:٢] يعني: تباً لهم، برزوا إلى البيداء مع ركب الإيمان، فلما رأوا طول الطريق وبعد الشقة نكصوا على أعقابهم ورجعوا، وظنوا أنهم يتمتعون بطيب العيش ولذة المنام في ديارهم، فما متعوا به ولا بتلك الهجعة انتفعوا، فكيف حالهم عند اللقاء -أي: لقاء الله وقد عرفوا ثم أنكروا، وعموا بعدما عاينوا، وأبصروا الحق وأنكروه: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ﴾ [المنافقون:٣]. وهم كذلك أحسن الناس أجساماً، وأخلبهم لساناً، وألطفهم بياناً، وأخبثهم قلوباً، وأضعفهم جناناً، فهم كالخشب المسندة التي لا ثمر لها، قد قلعت من مغارسها فتساندت إلى حائط يقيمها لئلا يطأها السالكون، قال تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ [المنافقون:٤]. ومن علاماتهم: أنهم يؤخرون الصلاة عن وقتها الأول، فالصبح عند طلوع الشمس، والعصر عند الغروب، وينقرونها نقر الغراب، إذ هي صلاة الأبدان لا صلاة القلوب، ويلتفتون فيها التفات الثعلب، إذ يتيقن أنه مطرود مطلوب، ولا يشهدون الجماعة، بل إن صلى أحدهم ففي البيت أو الدكان. إن أصاب أهل الكتاب والسنة عافية ونصر وظهور ساءهم ذلك وغمهم، لا يفرحون بذلك. وإن أصابهم ابتلاء من الله وامتحان يمحص به ذنوبهم، ويكفر به عنهم سيئاتهم أفرحهم ذلك وسرهم، كما قال تعالى: ﴿إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا﴾ [آل عمران:١٢٠] كره الله طاعتهم، يعني: الله تعالى لا يحب منهم الطاعة؛ بل يكرهها لخبث قلوبهم وفساد نياتهم، فثبطهم عنها وأقعدهم، وأبغض قربهم منه وجواره؛ لميلهم إلى أعدائه، فطردهم عنه وأبعدهم، وأعرضوا عن وحيه فأعرض عنهم، وأشقاهم وما أسعدهم، وحكم عليهم بحكم عدل لا مطمع لهم في الفلاح بعده إلا أن يكونوا من التائبين، فقال تعالى: ﴿وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ﴾ [التوبة:٤٦]. ثم ذكر حكمته في تثبيطهم وإقعادهم وطردهم عن بابه وإبعادهم، وأن ذلك من لطفه بأوليائه وإسعادهم، فقال وهو أحكم الحاكمين: ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾ [التوبة:٤٧]. ثقلت عليهم النصوص فكرهوها، وأعياهم حملها فألقوها، وتفلتت منهم السنن أن يحفظوها فأهملوها، وصالت عليهم نصوص الكتاب والسنة فوضعوا لها قوانين ردوها بها ودفعوها، ولقد هتك الله أستارهم، وكشف أسرارهم، وضرب لعباده أمثالهم، واعلم أنه كلما انقرض منهم طوائف خلفهم أمثالهم، يعني: أن المنافقين باقون إلى قيام الساعة.

стр. 650

بيان الله لصفات المنافقين وأن المؤمنين يعرفونهم من فلتات ألسنتهم وتقاسيم وجوههم قال: فذكر الله تعالى لذلك أوصافهم لأوليائه ليكونوا منهم على حذر، وبينها لهم فقال: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾ [محمد:٩]. أسروا سرائر النفاق فأظهرها الله على صفحات الوجوه منهم وفلتات اللسان. أيها الإخوة! إن الشخص مهما كتم شيئاً لابد أن يظهر إما على وجهه أو لسانه، ولابد أن يفضح؛ لأن هذا حكم الله تعالى فيه. قال: ووسمهم لأجلها بسيم لا يخفون بها على أهل البصائر والإيمان، وظنوا أنهم إذ كتموا كفرهم وأظهروا إيمانهم راجوا على الصيارف والنقاد. الصيارف والنقاد يعرفون العملات المزيفة من الصحيحة، لأنهم متخصصون، فهم يفهمونها مباشرة، كذلك أهل العلم والبصيرة والإيمان يجلسون مع المنافق جلسة واحدة فيقولون: هذا منافق، فهم مثل الصيارفة بالضبط، ولذلك قال بعض الطلاب لرجل من المحدثين: كيف تعرف أن الحديث معلول؟ قال: أن تأتيني به فأقول لك إنه معلول، فتذهب به إلى محمد بن وارة فيقول لك: معلول، فتذهب به إلى فلان فيقول لك: معلول، فإذا اجتمعت كلمتنا فاعلم أن الحديث معلول. وهذا لكثرة عناية أهل العلم بحديث النبي ﵊، فشخص مثل الدارقطني مجرد أن ينظر في الحديث يقول: هذا ثابت أو ليس بثابت، فإن الدارقطني إمام الدنيا في زمانه، ليله ونهاره مع حديث النبي ﵊ حتى صارت عنده ملكة، كمثل من يجد نصرانياً في الشارع، فالذي عنده بصيرة يعرفه من مظهره أنه نصراني. فالله وضع في قلبك نوراً اسمه نور الإيمان والبصيرة، تعرف به أعداء الله من المنافقين والكذابين والدجالين والنصارى واليهود. قال: كيف ذلك والناقد البصير قد كشفها لكم، كما قال تعالى: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغَانَهُمْ * وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ﴾ [محمد:٢٩ - ٣٠]، أي: مجرد ما تنظر في وجه الواحد منهم تعرف أنه منافق من غير أن يقول الله لك: يا محمد! هذا منافق، فبمجرد العلامات والأمارات وتقسيمات الوجه تعرف أنه منافق، قال تعالى: ﴿فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد:٣٠] فسماه لحناً، وطراوة وجمالاً في العبارة واللفظ، ودقة وأداء وحسن تعبير، ألم يقل النبي ﵊: (إن أخوف ما أخاف عليكم منافق عليم اللسان)، يعني: كما يقال: معلم كبير جداً، يتكلم بكلام يأخذ قلبك ويسحبه معه، تقول: سبحان الله! ما هذا الجمال، أيعقل أن في هذا الزمن شخصاً يتكلم بالبلاغة والفصاحة هذه؟ وتجده عند الله لا يساوي تعريفة، لأنه منافق أو مراءٍ.

стр. 651

صفات المنافقين وجزاؤهم يوم القيامة قال: فكيف إذا جمعوا ليوم التلاق -أي: يوم لقاء الله وتجلى الله ﷻ للعباد وقد كشف عن ساق، أي: ساق المولى . ودعوا إلى السجود فلا يستطيعون، قال تعالى: ﴿خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ﴾ [القلم:٤٣]. أم كيف بهم إذا حشروا إلى جسر جهنم وهو أدق من الشعرة وأحد من الحسام، وهو دحض مزلة مظلم، لا يقطعه أحد إلا بنور يبصر به مواطئ الأقدام، فقسمت بين الناس الأنوار، وهم على قدر تفاوتها في المرور والذهاب، وأعطوا نوراً ظاهراً مع أهل الإسلام كما كانوا بينهم في هذه الدار يأتون بالصلاة والزكاة والحج والصيام، فلما توسطوا الجسر عصفت على أنوارهم أهوية النفاق. يعني: سيأتي المنافقون ومعهم بعض النور؛ لأنهم كانوا يصلون، ويصومون، ويزكون، ويحجون، ويجاهدون مع المؤمنين، فهم كذلك نورهم يسعى بين أيدهم مثل المؤمنين، لكن المؤمن يجوز الصراط كله بإيمان مستقر في قلبه، أما هؤلاء فإنهم يرزقون نوراً وإن كان ضعيفاً، لكن هذا النور لا يخدمهم إذا توسطوا الصراط، فتأتي عاصفة تذهب بنورهم، هذه العاصفة هي عاصفة النفاق، فسقطوا جميعاً في نار جهنم، والعياذ بالله. قال: فأطفأت ما بأيديهم من المصابيح، فوقفوا حيارى لا يستطيعون المرور، فضرب بينهم وبين أهل الإيمان بسور له باب، ولكن قد حيل بين القوم وبين المفاتيح، باطنه الذي يلي المؤمنين فيه الرحمة، وما يليهم من قبلهم العذاب والنقمة، ينادون من تقدمهم من وفد الإيمان، ومشاعل الركب تلوح على بعد كالنجوم تبدو لناظر الإنسان: ﴿انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا﴾ [الحديد:١٣]. يعني: أهل النفاق عندما تنطفئ عاصفة الإيمان أو عاصفة النور ينادون أهل الإيمان من بعيد: ((انْظُرُونَا)) أي: انتظروا، ((نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ)) فينادي عليهم أهل الإيمان أو ينادي عليهم الملائكة: ((ارْجِعُوا)) أي: انظروا وراءكم، ((فَالْتَمِسُوا نُورًا)) وهذا على سبيل التقريع. قال: لنتمكن في هذا المضيق من العبور، فقد أطفئت أنوارنا، ولا جواز اليوم إلا بمصابيح من النور: ﴿قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا﴾ [الحديد:١٣]. فهذه والله أمارات النفاق فاحذرها أيها الرجل! قبل أن تنزل بك القاضية؛ إذا عاهدوا لم يفوا، وإن وعدوا أخلفوا، وإن قالوا لم ينصفوا، وإن دعوا إلى الطاعة وقفوا، وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول صدفوا، وإذا دعتهم أهواؤهم إلى أعراضهم أسرعوا إليها وانصرفوا. فذرهم وما اختاروا لأنفسهم من الهوان والخزي والخسران، فلا تثق بعهودهم، ولا تطمئن إلى وعودهم؛ فإنهم فيها كاذبون، وهم لما سواها مخالفون. قال تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ * فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوا وَهُمْ مُعْرِضُونَ * فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ [التوبة:٧٥ - ٧٧]. أقول قولي هذا، وأستغفر الله تعالى لي ولكم. وصلى الله على نبينا محمد.

стр. 652

شرح كتاب الإبانة - ذكر الذنوب التي من ارتكبها فارقه الإيمان وإن تاب راجعه الإيمان وردت كثير من الآيات والأحاديث متوعدة بالعذاب على بعض المعاصي، وقد استدل أهل البدع بهذه الآيات والأحاديث على كفر مرتكب هذه الذنوب، أما أهل السنة والجماعة فقد أولوا هذه النصوص ولم يحملوها على ظاهرها، ليجمعوا بينها وبين بقية النصوص.

стр. 653

باب ذكر الذنوب التي من ارتكبها فارقه الإيمان وإن تاب راجعه الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة. أما بعد: قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب ذكر الذنوب التي من ارتكبها فارقه الإيمان وإن تاب راجعه] أي: رجع إليه الإيمان. هذا الباب متعلق بذكر الذنوب التي إذا وقع فيها المرء ذهب عنه الإيمان، فإذا تاب إلى الله رجع إليه الإيمان مرة أخرى.

стр. 654

روايات حديث (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن) قال: [عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن)]، أي: في الوقت الذي يزني فيه لا يكون مؤمناً، أو ينزع عنه الإيمان، كما لو كان لابساً ثوباً فنزعه، ثم لبسه مرة أخرى، فهو حين ارتكابه لهذا الذنب ينزع عنه الإيمان كما يخلع ثوبه، فإذا تاب إلى المولى عاد إليه الإيمان كما لو عاد هو للبس ثوبه. [(ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن)، وكان أبو هريرة ﵁ يقول: ولا ينتهب نهبة يرفع الناس أبصارهم إليه فيها وهو مؤمن حين ينتهبها]. وقد صحت هذه اللفظة مرفوعة من قوله ﵊. والنهبة هي أخذ الأموال غلولاً أو أخذ الأموال ظلماً أو غير ذلك، فيقال للشيء اليسير: نهبة إذا انتهبها، ويقال كذلك للشيء العظيم: نهبة إذا انتهبها، ولكن لما كان الشيء اليسير حقيراً لدى أهله ومجتمعه لم يكن داخلاً في هذا الوعيد. والنبي ﵊ يقول: (لا قطع في أقل من ربع دينار). فمن سرق أقل من ربع دينار فما دون ذلك لم يقطع، وإنما القطع في ربع دينار فما فوقه، وإن كان الكل يطلق عليه سرقة، ولكن ليس من سرق جنيهاً كمن سرق ألفاً، ولا من سرق ألفاً كمن سرق ملايين، وإن كانت كلها يطلق عليها سرقة، ولكن لا يقام على السارق الحد إلا إذا توفرت فيه شروط السرقة، ومنها: أن يبلغ المسروق بلغ ربع دينار فصاعداً، والدينار تقريباً حوالي مائة وثلاثين جنيهاً؛ لأن الدينار هو الدينار الذهبي، وأن يكون المسروق من حرز، يعني: في مكان محفوظ ومغلق عليه، وأتى هذا السارق وقطع هذا الحرز وأخذ منه ما بداخله. وأما لو وجده ملقى في الشارع فالتقطه فلا يقال لمثله: سارق، وإنما يقال له: ملتقط؛ لأنه التقط شيئاً من الأرض وهذا يدخل في حكم اللقطة. قوله: (ولا يشرب الخمر حين يشربها)، أي: حين يشربها عامداً عالماً بأنها خمر. (ولا ينتهب نهبة يرفع الناس إليه فيها أبصارهم)، أي: يقولون: إن فلاناً ينهب مال فلان، أو يأخذ مال فلان، وهذا شيء عظيم، بدليل أن الناس فزعوا لما وقع منه هذا، وجلسوا ينظرون إليه ويتطلعون إلى فعله. فهذا لا يكون مؤمناً في وقت فعله لهذا. ومن نفس طريق [أبي هريرة أن رسول الله ﵊ قال: (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا ينتهب نهبة يرفع الناس إليه أبصارهم فيها حين ينتهبها وهو مؤمن)]. [وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال النبي ﷺ : (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب الحدود يعني الخمر)، أي: لا يشرب ما يستوجب الحد. [(حين يشربها وهو مؤمن، والذي نفس محمد بيده لا ينتهب نهبة ذات شرف يرفع إليه المؤمنون أعينهم فيها وهو حين ينتهبها مؤمن، ولا يغل حين يغل وهو مؤمن، فإياكم إياكم). والغلول مهما قل فهو غلول، وهو يختلف عن النهبة وعن السرقة، وإن كان الكل أخذاً لمال الغير، فالنهبة أخذ مال الغير، والسرقة أخذ مال الغير، والغلول أخذ مال الغير، ولكن كل واحد منها له مصطلح يخصه، وأحكام تحدد معالمه. فالغلول هو الأخذ من الغنيمة قبل توزيعها، وقد كان للنبي ﵊ مولى مجاهد، فلما قتل في المعركة قال الصحابة: (هنيئاً له؛ إنه مولى رسول الله، وإنه شهيد، وإنه في الجنة، قال ﵊: والذي نفسي بيده إني لأراه الآن في نار جهنم، قيل: ولم يا رسول الله ألم يمت شهيداً؟! قال: إنما حجزه بردة غلها)، أي: كساء أو ثوب أو عباءة غلها وأخذها من الغنيمة، قال: (وإني لأراها الآن عليه تشتعل ناراً). مع أن ثمنها قليل جداً، فالمرء يعذب بكل شيء مهما دق، حتى وإن كان عوداً من أراك، أي: ليس عوداً كاملاً من أراك، وإنما العود الصغير يعذب به المرء؛ لأنه نهبة أو سرقة أو غلول، قال: (فإياكم وإياكم)، يعني: احذورا هذه المعاصي. وفي رواية قال: (والتوبة معروضة بعد)، يعني: من وقع منه ذنب من هذه الذنوب أو من غيرها، فإن باب التوبة مفتوح أمامه، إما باب التوبة العامة أو الخاصة، فباب التوبة العامة مفتوح حتى تطلع الشمس من مغربها على غير عادتها، وهذا من أواخر علامات الساعة الكبرى. وأما باب التوبة الخاصة فهو مالم تبلغ الروح الحلقوم وما لم يغرغر المرء، و (إن الله يقبل التوبة عن عبده ما لم يغرغر)، أي: فحينئذ لا تقبل توبته.

стр. 655

كلام السلف في معنى حديث (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن) قال المصنف رحمه الله تعالى: [قال ابن طاوس في هذا الحديث عن أبيه: إذا فعل ذلك زال عنه الإيمان]، يعني: قال طاوس اليماني: إذا وقع في هذه الذنوب زال عنه الإيمان، [وقال: الإيمان كالظل]، يعني: يذهب شيئاً فشيئاً، ولا يذهب دفعة واحدة، وإنما يذهب شيئاً فشيئاً، وهكذا الإيمان، فإذا أذنب العبد ذنباً ذهب عنه نور الإيمان شيئاً فشيئاً. [وعن الأوزاعي قال: قلت للزهري حين ذكر هذا الحديث: (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن)، قلت له: إنهم يقولون: فإن لم يكن مؤمناً فما هو؟ أي: إن المعتزلة والخوارج يقولون: إذا قال النبي ﷺ : (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن)]، فإذا نفى عنه النبي الإيمان لم يبق له إلا الكفر، فهنا الأوزاعي ينقل إلى الزهري قول الخوارج الذين يقولون: إن مرتكب الكبيرة كافر، والخوارج يقولون: هذا حكمه في الدنيا والآخرة، وهو من المخلدين في النار، والمعتزلة يقولون: هو في الدنيا لا مؤمن ولا كافر، فلا يثبتون له الإيمان ولا الكفر، وأما في الآخرة فإنهم يقولون بتخليده في نار جهنم. وهذا يناقض ما عليه أهل السنة والجماعة، لأن المرء لا يمكن أن يحكم عليه بهذا، بل لابد أن يكون مؤمناً أو كافراً، يعني: إما أن يكون مؤمناً بإيمانه، أو فاسقاً بذنوبه التي أهلته لدرجة الفسق. ولذلك فأهل السنة والجماعة يقولون: إن المرء قد يجمع لنفسه إيماناً وفسقاً، فالطاعات مصدرها الإيمان، والذنوب تؤدي إلى الفسوق، والمؤمن يفعل الطاعة وقد يفعل المعصية، فيكون مؤمناً بطاعته فاسقاً بكبيرته، ولا يكفر. فلما [قال الأوزاعي للزهري: فإن لم يكن مؤمناً فما هو؟ أنكر ذلك وكره مسألته]. والإمام الأوزاعي من عظماء أئمة السنة، وهو بيروتي لبناني، وكان دائماً متصدياً للملاحدة والمنحرفين في تلك البقعة الطيبة من الأرض، ولم يكن في زمن الأوزاعي من يدانيه، فضلاً عن أن يساويه في العلم والعمل والورع، فلما سمع بـ الزهري وهو أكبر منه، قال: إنهم يقولون إذا لم يكن مؤمناً في حال وقوعه في الذنب، فماذا يكون؟ وكأنه يعرض بكلام الخوارج، كما قالوا لـ علي بن أبي طالب ﵁: إذا كنت رفضت أن تكون أمير المؤمنين فلا بد أن تكون أمير الكافرين. وجعلوا الكلام في مسائل الإيمان والكفر كالكلام في الرياضيات والحسابات، مثل ١+١=٢، ولا يمكن إثبات أنهما أكثر من اثنين أو أقل من اثنين أحياناً، فالمسائل الإيمانية والفطرية لا تقاس بالطريقة الحسابية. وقوله: (حين ينتهبها) ظرف زمان، فيقولون: إن الإيمان يزول عنه في وقت ارتكابه لهذه الذنوب، فإذا خرج من ذنبه عاد إليه الإيمان وراجعه. [وعن الحسن قال: قال النبي ﷺ : (ينزع منه الإيمان، فإن تاب أعيد إليه الإيمان)] أي: يزول عنه الإيمان ما دام على الذنب. وإذا قال الحسن عن النبي ﵊ فهو مرسل، ومراسيل الحسن البصري من أضعف المراسيل. عن الحسن عن النبي ﷺ : ينزع منه الإيمان فإن تاب أعيد إليه الإيمان. [وعن يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير عن أبيه عن عائشة قال عبد الله بن الزبير: (بينما أنا عندها إذ مر برجل قد ضرب في الخمر على بابها)]، يعني: ضرب الحد في شرب الخمر. [(فسمعت حس الناس، فقالت: أي شيء هذا؟)]، أي: علام هذا الصياح؟ [(قلت: رجل أخذ سكراب من خمر فضرب، فقالت: سبحان الله! سمعت رسول الله ﷺ يقول: لا يشرب الشارب حين يشرب وهو مؤمن -تعني: الخمر- ولا يزني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا ينتهب منتهب نهبة ذات شرف يرفع الناس إليه فيها رءوسهم وهو مؤمن، فإياكم وإياكم)]. [وعن ابن عباس موقوفاً عليه قال: (لا يشرب الخمر حين يشرب وهو مؤمن)].

стр. 656

دائرة الإيمان ودائرة الإسلام [وعن محمد بن علي -وهو المعروف بـ ابن الحنفية - قال في قوله ﵊: لا يزني ولا يسرق ولا يشرب قال: إذا أتى شيئاً من ذلك]، يعني: إذا قارف المؤمن ذنباً من هذه الذنوب، [نزع منه الإيمان، فإن تاب تاب الله عليه]. فهذه كبيرة من الكبائر، والكبيرة إذا تاب صاحبها تاب الله عليه، وإذا لم يتب منها فهو في مشيئة الله إن شاء عذبه وإن شاء غفر له، وإن أقيم عليه الحد فالحدود كفارات لأهلها. [قال ابن الحنفية: هذا الإسلام، وأدار إدارة واسعة. وأدار في جوفها إدارة صغيرة وقال: هذا الإيمان]، يعني: في داخل هذه الدائرة الكبيرة التي سماها الإسلام، وقال: هذا الإيمان، فإذا قارف العبد ذنباً خرج من هذا، أي: خرج من هذه الدائرة أو من هذا الإيمان إلى الدائرة الكبيرة وهي الإسلام. وهذا كلام جميل جداً. وكلام محمد بن الحنفية والزهري وغيرهما من أهل العلم هو الذي يحل إشكالية الأحاديث التي ظاهرها الكفر؛ لأنه ليس مؤمناً، وإذا لم يكن مؤمناً لا بد أن يكون كافراً، وهذا فهم الخوارج، وأما فهم أهل السنة ففيه معادلة، فهم يقولون: كل مؤمن مسلم وليس كل مسلم مؤمناً. فهناك إيمان عام وإيمان خاص، فالإيمان العام هو أصل الإيمان الذي لا يدخل المرء الإسلام إلا به. والإيمان درجتان: الأولى: أصل الإيمان. والثانية: كمال الإيمان، ومنه الكمال الواجب والكمال المستحب. فنفي الإيمان المتعلق بالذنوب والمعاصي متعلق بالكمال، إما الكمال الواجب أو الكمال المستحب. وأما نفي الإيمان المتعلق بأصل الإيمان الذي هو الإيمان الضروري الذي لا يثبت إسلام المرء إلا به؛ فلا بد أن يكون كفراً؛ لأنه نزع لأصل الإيمان، وأما هذه الذنوب والمعاصي هنا فإنها متعلقة بكمال الإيمان وتمامه الذي يأثم المرء بتركه. ولما أدار في وسطها أخرى وقال: هذا الإيمان، فالإيمان أخص من الإسلام، قال: فقول رسول الله ﵊: لا يزني حين يزني وهو مؤمن)، إذا أتى شيئاً من ذلك خرج من الإيمان إلى الإسلام، يعني: أنه يخرج من الإيمان الخاص إلى الإسلام العام، ويبقى معه أصل الإيمان. قال: فإذا تاب تاب الله عليه ورجع إلى الإيمان. والمقصود من قوله: (رجع إلى الإيمان) أي: الإيمان الثاني.

стр. 657

حديث أنس (لا إيمان لمن لا أمانة له) قال: [وقال أنس: (ما خطبنا رسول الله ﷺ إلا قال: لا إيمان لمن لا أمانة له، ولا دين لمن لا عهد له)]. واللام هنا نافية. وقوله: (لا إيمان لمن لا أمانة له)، يعني: من خان الأمانة، والنبي ﵊ يقول: (أد الأمانة إلى من ائتمنك ولا تخن من خانك). وهذا عهد، وإذا خنت الأمانة ولم تراعها أو تحافظ عليها فإنك لا تخرج بذلك من الإيمان إلى الكفر، ولكنك تخرج من الإيمان إلى الإسلام، ولا يبقى معك من الإسلام إلا الأصل الذي لا يسعك أن تأتي إلى الله بدونه.

стр. 658

ما ورد عن السلف في أن الإيمان ينزع كما ينزع القميص قال: [قال ابن عباس: إذا زنا العبد نزع منه الإيمان، وقال لغلمانه: من أراد منكم الباءة زوجناه]، يعني: الذي يريد منكم أن يتزوج فسنزوجه، يعني: حتى لا يزني، فهو يضع أمامهم العلاج قبل الوقوع في الذنب، ثم قال: [لا يزني منكم زان إلا نزع الله منه نور الإيمان، فإن شاء أن يرده عليه رده، وإن شاء أن يمنعه منعه]، أي: فاحذروا. [وقال الحسن: قال: قال النبي ﵊ -وهذا تعضده روايات كثيرة ستأتي بعد هذا، وتعضده كذلك روايات سابقة-: (لا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن، ينزع منه الإيمان كما يخلع أحدكم قميصه، فإن تاب تاب الله عليه)]. [وقال عقبة بن عامر الجهني ﵁: إن الرجل ليتفصل الإيمان كما يتفصل ثوب المرأة]، يعني: أن الإيمان يفصل على المرء كما أن المرأة تفصل ثوبها. [وعن النبي ﵊ قال: (إنما الإيمان بمنزلة القميص يتقمصه مرة وينزعه أخرى)]. [وعن عمر ﵁: إنما الإيمان بمنزلة القميص، يتقمصه مرة وينزعه أخرى]. [وعن أبي هريرة ﵁: إنما الإيمان كثوب أحدكم، يلبسه مرة ويخلعه أخرى].

стр. 659

حديث أبي هريرة (إن العبد إذا أخطأ خطيئة) قال: [عن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: (إن العبد إذا أخطأ خطيئة)]، يعني: إذا وقع في ذنب كبير، والخطيئة لا تقال لصغار الذنوب وإنما تقال للكبار، [(نكت في قلبه نكتة سوداء)]. والنكتة السوداء لا يمكن أن تجتمع مع الإيمان؛ لأن الإيمان نور في القلب يبصر به العبد طريقه، فإذا خالف هذا الطريق وخالف الطاعة وارتكب الذنب، نكت في قلبه نكتة سوداء، ولا بد أن هذه النكتة السوداء ينزع من مكانها نور الإيمان الذي كان آنفاً. قال: [(فإن هو نزع واستغفر وتاب صقلت)]، يعني: أن هذه الذنوب وهذه النقطة السوداء تمحى. [(وإن عاد زيد فيها)]، يعني: بعد أن كانت نكتة صغيرة تصبح نكتة كبيرة. [(وإن عاد زيد فيها، وإن عاد زيد فيها، حتى يعلو قلبه الران الذي ذكر الله : ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [المطففين:١٤])]، أي: بسبب ما كانوا يكسبون من ذنوب ومعاص اسودت قلوبهم ونزع منهم الإيمان.

стр. 660

خوف أبي الدرداء على إيمانه أن ينزع منه قال: [عن معاوية بن قرة: أن أبا الدرداء كان يقول: نسأل الله إيماناً دائماً، ويقيناً صادقاً، وعلماً نافعاً، فقال معاوية بن قرة: كأن من الإيمان ليس بدائم]، أي: كان الإيمان يذهب ويجيء، ولذلك كان من دعائه: اللهم إنا نسألك إيماناً دائماً، أي: مستقراً أكيداً لا يتزعزع ولا يزول، فكأن من الإيمان ما يزول ولا يزول إلا بالمعاصي. قال: [وكأن من اليقين ليس بصادق]؛ لأنه قال: ويقيناً صادقاً. قال: [وكأن من العلم علماً ليس بنافع]، يعني: ليس كل علم نافعاً، وإنما بعضه نافع والبعض الآخر غير نافع.

стр. 661

حديث أبي هريرة (إذا زنى الزاني خرج منه الإيمان) [قال أبو هريرة: قال النبي ﵊: (إذا زنى الزاني خرج منه الإيمان فكان كالظلة، فإذا انقطع -أي: عن ذنبه- رجع إليه الإيمان)]. قال ابن بطة: [فهذه الأخبار وما يضاهيها]، يعني: الأخبار التي في نفس هذه المعاني، [وما قد تركت ذكره]؛ لأن الأخبار طويلة جداً، سواء في كتاب الله أو في سنة الرسول ﵊، [مما هو في معانيها؛ لئلا يطول الكتاب بها؛ كلها تدل على نقص الإيمان]، وإذا كان الإيمان يقبل النقصان فلا بد أنه يقبل الزيادة؛ لأن كل شيء يقبل الزيادة يقبل النقصان، والعكس بالعكس، فهذه الأدلة كلها تدل على نقص الإيمان، [وعلى خروج المرء منه عند مواقعة الذنوب والخطايا التي جاءت بذكرها السنة، وكل ذلك مخالف لمذاهب المرجئة التي قالت بعدم زيادة الإيمان، وقالت: إن أعظم الناس جرماً وأكثرهم ظلماً وإثماً إذا قال لا إله إلا الله فهو وجبريل وميكائيل وإسرافيل في الإيمان سواء]؛ لأنهم لا يقولون بأن الأعمال من الإيمان، فالمرجئة يصرحون ويتبجحون بأن الأعمال لا علاقة لها بالإيمان، [تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً]. يقول: وليس معنى مفارقة الإيمان لمرتكب هذه الذنوب هو الانتقال إلى الكفر، فنفي الإيمان عن مرتكب هذه الذنوب لا تعني الانتقال إلى الكفر؛ ولهذا استنكر الزهري سؤال الأوزاعي: إذا لم يكن المذنب مؤمناً فما يكون؟ فكأنه حكم عليه بالكفر، فاستنكر ذلك منه، وهذا أيضاً ما صرح به ابن الحنفية عندما ذهب إلى أن المذنب يخرج حال اقترافه للذنب من دائرة الإيمان الخاص إلى دائرة الإسلام، أي: أنه لا يكون كافراً.

стр. 662

كلام علماء أهل السنة في عدم تكفير مرتكب الكبيرة إن التابعين ﵃ لم يأخذوا لفظ هذه الأحاديث على ظاهرها، ولم يأخذوا الحكم فيها على الإطلاق، فلم يحكموا بالكفر على مرتكب الكبيرة بمقتضى ما ورد في هذه الأحاديث من نزع الإيمان، ولم يفهم أحد من الصحابة ولا من التابعين ولا من الأئمة المتبوعين هذا الذي فهمه الخوارج والمرجئة والمعتزلة، ولم يفهم أحد من علماء الأمة ما فهمه أهل البدعة. وقد توارد علماء السلف على هذا، وقدموا الأدلة على ذلك.

стр. 663

كلام الإمام النووي في عدم كفر مرتكب الكبيرة قال النووي عند شرحه لحديث (لا يزني الزاني حين يزني): القول الصحيح الذي قاله المحققون إن المؤمن لا يفعل هذه المعاصي وهو كامل الإيمان، وإنما يفعلها وهو ناقص الإيمان، ويبلغ به النقص إلى أصل الإيمان. قال: وهذا من الألفاظ التي تطلق على نفي شيء ويراد نفي كماله، وهذا معروف في كلام العرب، أي: أن ينفى الشيء ويقصد نفي البعض، وهذا كما لو أكلت عند أحد إخوانك فقال: لم لم تأكل؟ فتقول: قد أكلت الطعام كله، وأنت في حقيقة الأمر لم تأكل الطعام كله، وإنما أكلت بعضه، ولكنك تعبر عن أنك قد أكلت حتى لم يبق في بطنك موضع. قال: وإنما أولناه على هذا -أي: نقص الإيمان- لأنه قد جاء في الحديث: (من قال: لا إله إلا الله دخل الجنة وإن زنا وإن سرق). وهذا قد جاء في حديث أبي ذر في الصحيح، فنفي الإيمان عن الزاني والسارق لا يجتمع مع هذا الحديث الذي يقول: (من قال: لا إله إلا الله دخل الجنة وإن زنا وإن سرق)، وإنما المعنى أنه في مشيئة الله، إن شاء عفا عنه وأدخله الجنة، وإن شاء عذبه أولاً ثم خرج من النار ودخل الجنة، فمن قال لا إله إلا الله، أي: من كان موحداً لله فمآله إلى الجنة إما أولاً مع المؤمنين، وإما بعد أن يدخل النار ثم يخرج منها بشفاعة الشافعين، فهو لا محالة لا بد أن يدخل الجنة، إما مع الداخلين أولاً بغير عذاب ولا سابقة حساب، وإما أن يدخل النار فيتطهر من ذنوبه ثم يخرج منها ويدخل الجنة. وأما الجنة فمن دخلها فإنه لا يخرج منها. قال: وحديث عبادة بن الصامت ﵁ المشهور أنهم بايعوه ﷺ على أن لا يسرقوا ولا يزنوا ولا يعصوا، كما قال عبادة بن الصامت: (بايعنا رسول الله على أن لا نسرق ولا نزني ولا نشرب الخمر). فيدل على أن هذه المعاصي التي بايعوا على عدم اقترافها مؤثرة تأثيراً مباشراً في الإيمان، ولذلك قال ﵊ مبيناً لهم بعد أن بايعوه على هذه الشروط: (فمن وفى منكم فأجره على الله)، يعني: الذي يفي ببنود هذه البيعة أجره على الله ، وهو سبحانه يوفيه حقه؛ لأنه قد وفى ببنود البيعة. قال: (ومن فعل شيئاً من ذلك)، أي: ومن قارف سرقة أو زناً أو شرب خمر أو غير ذلك، (فعوقب في الدنيا فهو كفارة له)، يعني: إن أقيم عليه الحد فهو كفارة له، ولا يؤاخذه الله به في الآخرة. (ومن فعل ولم يعاقب)، أي: ومن فعل منكم وتاب إلى الله تاب الله عليه، فإن تاب وبلغ الأمر السلطان وجب إقامة الحد ولو بعد التوبة؛ لأن الحد إذا بلغ السلطان وجب إقامته، ولا مجال لاختيار السلطان في مثل هذا، فإن لقي العبد ربه مصراً على ذنبه مقراً بحرمته فهو تحت مشيئتة الله، إن شاء عفا عنه وإن شاء عذبه. وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء:٤٨]، يعني: أن الكفر والشرك لا يغفران قط حتى وإن تلبس صاحبهما بالطاعة بالليل والنهار، فلا يقبل منه هذا قط حتى يكون موحداً، وإذا لم يكن موحداً فإن جاء بكل الطاعات التي أمر بها الله وأمر بها رسوله، فسيجد هذا العمل كله هباءً منثوراً؛ لأن الله تعالى لا يقبل عملاً صالحاً إلا إذا كان مصدره الإيمان، فإذا كان مشركاً فلا يقبل منه ذلك، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ﴾ [النساء:٤٨]. والذي دون الشرك هو الذنوب كبيرها وصغيرها، من السرقة والزنا وشرب الخمر وغير ذلك من الكبائر، ولما سئل ابن عباس: هل الكبائر سبع كما في حديثه ﵊: (اجتنبوا السبع الموبقات)، أي: المهلكات وعد سبعاً من الذنوب الكبائر؟ فقال ابن عباس: هي إلى السبعين أقرب، ولكن هذا الحديث عد أعظم الذنوب، وهذا لا ينفي أن تكون هناك ذنوب عظيمة أخرى لم يعدها الحديث. قال: وقد أجمع أهل الحق على أن الزاني والسارق والقاتل وغيرهم من أصحاب الكبائر غير المشرك لا يكفرون بذلك، مستدلين بقول الله : ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ﴾ [النساء:٤٨]. وقوله ﵊: (من قال لا إله إلا الله دخل الجنة، وإن زنا وإن سرق). مع إجماع أهل العلم أن القاتل والسارق والزاني وغيرهم من أصحاب الكبائر لا يكفرون بهذه الكبائر؛ فهم يستدلون على عدم كفر مرتكب الكبيرة بالكتاب والسنة والإجماع. قال: بل هم مؤمنون ناقصو الإيمان، إن تابوا سقطت عقوبتهم، وإن ماتوا مصرين على الكبائر فهم في المشيئة، إن شاء الله تعالى عفا عنهم وأدخلهم الجنة أولاً، وإن شاء عذبهم ثم أدخلهم الجنة.

стр. 664

كلام شيخ الإسلام في عدم كفر مرتكب الكبيرة واستدل شيخ الإسلام ابن تيمية على عدم كفر مرتكب الكبيرة بدليل عقلي في غاية الروعة والجمال، فقال: الدليل على أن مرتكب الكبيرة ليس كافراً أنه لا زال بعد ارتكابه لكبيرته مخاطباً بأصول وفروع الشريعة التي يخاطب بها المؤمنون. قال: والتحقيق -يعني: الكلام الحق في تأويل هذه النصوص- أن يقال: إنه مؤمن ناقص الإيمان، مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته. وقوله: (مؤمن بإيمانه) أي: بما عنده من طاعة وإيمان، فاسق بسبب معصيته؛ لأن الذي يرتكب كبائر الذنوب يفسق بذلك حتى وإن كان ذنباً واحداً. وقد قلت سابقاً: إنه يجتمع في العبد إيمان وفسق، أما الإيمان فمصدره الطاعة، وأما الفسق فمصدره المعصية، والعبد المؤمن يكون بين هذا وذاك، والصحابة ﵃ منهم من زنا، ومنهم من سرق، ومنهم من قتل، ولم يقل النبي ﵊ لأحد منهم: أنت مرتد أو كافر، ولو كفر أحدهم بذلك لأقام عليه حد الردة، والنبي ﵊ لما ماتت الغامدية التي زنت صلى عليها، ولو كانت مرتدة كافرة بهذا الزنا لما صلى عليها؛ لأنه لا تصح الصلاة على الكافر. وماعز الإسلمي لما زنا وأقيم عليه الحد سبه أحد الصحابة، فقال له النبي ﵊: (لا تفعل، فوالله إني لأراه الآن يسبح في أنهار الجنة). والكافر لا يسبح في أنهار الجنة، والمسلمون اليوم يكفر بعضهم بعضاً بالمعاصي. قال: والتحقيق أن يقال: إنه مؤمن ناقص الإيمان، أو يقال: إنه مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته، ولا يعطى اسم الإيمان المطلق. وشيخ الإسلام ابن تيمية يقول: فاسق بكبيرته. ولا يعطى اسم الإيمان المطلق، وإنما يعطى اسم مطلق الإيمان. الفرق كبير جداً بين مطلق الإيمان والإيمان المطلق، فمطلق الإيمان هو أصل الإيمان، وهو اليسير الذي يلزم من ثبوته الإسلام لمدعيه، فإذا قال أحد: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله، فإنه يلزم مع هذه الشهادة التي يثبت له بها الإسلام أن يكون معه أصل الإيمان الذي استقر في القلب بصحة هذه الشهادة التي شهد بها، وأن يعتقد حقيقة أنه لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وأن عيسى رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه. وأما كمال الإيمان فلا يكون إلا بالصلاة والصوم والزكاة والحج، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وسائر الطاعات. والإنسان إذا دخل في الإيمان أو في الإسلام ومات قبل أن يتمكن من العمل فهو كامل الإيمان، فإذا أسلم شخص ونطق بالشهادتين، ثم فاضت روحه، فقد مات على كمال الإيمان وتمامه. وشيخ الإسلام ابن تيمية يقول: ولا ينسب إليه اسم الإيمان المطلق -أي: السارق والزاني والقاتل وشارب الخمر- إنما ينسب إليه أصل الإيمان. فالإيمان الكامل لا يكون إلا بالعمل، وأما مطلق الإيمان فهو في أصل الإيمان، وهو يثبت للمرء بدخوله في الإسلام وإن لم يعمل. وعندما ننفي الإيمان عن مرتكب الكبيرة فإنما نقصد به الإيمان الكامل، أو الإيمان الوافي، ولو قصدنا بنفي الإيمان نفي أصله فإنه يلزمنا أن نخرجه من الإسلام. قال: فإن الكتاب والسنة نفيا عنه الاسم المطلق، واسم الإيمان يتناوله فيما أمر الله به ورسوله؛ لأن ذلك إيجاب عليه وتحريم عليه.

стр. 665

كلام ابن كثير في التفريق بين الإيمان والإسلام والإحسان قال ابن كثير عند قول الله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [الأحزاب:٣٥]؛ قال: في هذه الآية دليل على أن الإيمان خير من الإسلام، يعني: الإيمان مرتبة أعلى من مرتبة الإسلام، كما أن الإحسان مرتبة أعلى من مرتبة الإيمان، كما في حديث جبريل في بيان مراتب الدين. فكل محسن مؤمن، ولا يلزم أن يكون كل مؤمن محسناً، وهكذا. قال: والدليل على ذلك قوله تعالى: ﴿قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ [الحجرات:١٤]، فنفي الإيمان عنهم هنا إنما هو نفي لكماله، ولو قلت: إنها نفي للأصل فتكون الآية على هذا خطأ، ومن قال بذلك كفر. ﴿قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا﴾ [الحجرات:١٤] أي: الإيمان الكامل، ﴿وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ [الحجرات:١٤]، أي: معكم أصل الإيمان، وأما كماله وتمامه وواجبه فلا؛ لأنكم لا تبلغون ذلك إلا إذا دخل الإيمان في قلوبكم، قال: ﴿وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات:١٤]، ولا يدخل الإيمان في القلب إلا بالعمل. وكونه لا يعمل لا يزال من أهل الإسلام، ولا يلزم من ذلك كفره بإجماع المسلمين، وهذا دليل على أن الإيمان أخص من الإسلام.

стр. 666

كلام ابن حجر في عدم كفر مرتكب الكبيرة استدل الحافظ ابن حجر ﵀ في فتح الباري في الجزء الثاني عشر على عدم كفر مرتكبي الكبائر بدليل عقلي، فقال: اختلاف مقادير الحد. يعني: أن حد الشارب غير حد الزاني وغير حد السارق وغير حد القاتل، فليست الحدود واحدة، بل مختلفة. يقول: واختلاف مقادير الحد في الزنا مثلاً باختلاف أحوال الزاني ككونه حراً وعبداً، وكونه محصناً أو غير محصن، فلو كان الذين يرتكبون هذه المعصية كفاراً لتساوت في حقهم إقامة الحدود، أي: لو كفر بارتكابه الذنب فيستوي أن يكون حراً أو عبداً، رجلاً أو امرأة، محصناً أو غير محصن، لأن الكفر شيء واحد، فلا يختلف الحد، فاختلاف الحد دليل على أنه ليس بكافر، كما أن اختلاف الشهود في العقوبات يدل على أن الكبائر كلها ليست مخرجة من الإيمان. قال: فلو كان من يرتكبون هذه المعصية كفاراً لما اختلفت مقادير الحد عليهم؛ حيث يتساوى المكلفون جميعاً في حد الكفر، وهو القتل، كما قال ﵇: (من بدل دينه فاقتلوه). وإذا كان السارق يكفر بسرقته، والقاتل يكفر بردته، والزاني يكفر بزناه، فكيف جعل الإسلام لهؤلاء الكفار جميعاً حدوداً مختلفة؟ والأصل أن من وقع في ردة أو كفر كان عقابه واحداً مهما اختلف العصاة واختلفت أوصافهم وأعدادهم. وأصحاب البدع أكثرهم يقول بكفرهم، مع أن الله تعالى يقول: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة:٣٨]. ولو كانوا كفاراً لقال تعالى: اقطعوا رقابهما؛ لأنهما كافران. والله تعالى يقول: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ﴾ [البقرة:١٧٨]، فسماه أخاً رغم أنه قاتل. ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة:١٧٨]، وهذا الكلام لا يمكن أن يكون مع كافر، ولا أدري كيف يرد هؤلاء على هذه الآيات أو الأحاديث الصحيحة. قال الحافظ: ومن أقوى ما يحمل على ترك ظاهره إيجاب الحد بالزنا على أنحاء مختلفة في حق الحر المحصن والحر البكر وفي حق العبد، أي: فلو كان المراد بنفي الإيمان الكفر لاستووا في العقوبة؛ لأن المكلفين فيما يتعلق بالإيمان والكفر سواء، فلما كانت العقوبة مختلفة دل ذلك على أن مرتكب ذلك ليس بكافر حقيقة.

стр. 667

كلام ابن أبي العز في عدم كفر مرتكب الكبيرة قال ابن أبي العز الحنفي في شرح الطحاوية: وأهل السنة متفقون كلهم على أن مرتكب الكبيرة لا يكفر كفراً ينقل عن الملة بالكلية كما قال الخوارج، إذ لو كفر كفراً ينقل عن الملة لكان مرتداً يقتل على كل حال، ولا يقبل عفو ولي القصاص. فلو أنك قتلت فلاناً من الناس فأتى أولياء القتيل فعفوا فإنه يقبل منهم العفو، ولو كان القتل كفراً فلا يقبل منه الإيمان؛ لأنه يصبح من مسائل الإيمان والكفر التي لا متعلق لها بالمكلفين، وإنما هي حق الله ، ولما وجبت الحدود في الزنا والسرقة وشرب الخمر؛ فهذا القول معلوم البطلان، وفساده في الضرورة معلوم.

стр. 668

تأويل علماء السنة للأحاديث التي تنفي الإيمان عن مرتكبي بعض المعاصي الأحاديث التي تكلمت في هذه الكبائر ونفت الإيمان عن أصحابها لأهل العلم فيها أقوال كثيرة جداً، يعني: حتى أهل السنة ليسوا على اتفاق في تأويل ظواهر هذه النصوص. وهذه الأقوال هي: القول الأول: يكون بذلك منافقاً نفاق معصية لا نفاق كفر، وأن نفي الإيمان هنا يثبت به النفاق، ولكن ليس النفاق العقدي الذي يخرج به صاحبه من الملة. وهذا مذهب في الحقيقة غير سليم؛ لأن الزاني ليس منافقاً، والسارق كذلك، والقاتل كذلك، فحمل نفي الإيمان على ثبوت النفاق العملي ليس سديداً. القول الثاني: أنه ليس بمستحضر في حالة تلبسه بالكبيرة جلال من آمن به، ولم يستحضر مراقبة الله تعالى ولا إجلاله، وإلا لم يفعل الذنب. يعني: كأنه أصابته غفلة عن مراقبة الله ، ولو كان متيقظاً لما أقدم على معصيته. ولكن هذا الكلام يقال في الورع، ولا يقال في تفسير هذا الحديث أو هذه النقطة. ويقول هذا المذهب: إن هذا كناية عن الغفلة التي جلبتها له غلبة الشهوة. القول الثالث: أنه شابه الكافر في عمله، ولا بأس باعتبار هذا الفعل؛ لأنه لا يزني حين يزني وهو مؤمن، يعني: يمكن أن يقال: إن عمله عمل الكافر ولكنه لا يكفر، ولكنه تخلق بأخلاق الكفار، كما في قوله ﵊: (ليس منا من خبب امرأة على زوجها). ومعنى (خبب): أفسد، كأن يتقرب إلى امرأة جاره إلى أن تحبه، ثم تبدأ تتقلب على زوجها وتطلب منه الطلاق، وفي النهاية يتزوجها ذاك الرجل. وهذا بلا شك من كبائر الذنوب، ولكن لا يكفر بهذا الذنب. والرأي الأول والثاني ليس لهما أدنى علاقة بالعلم الشرعي والتأصيل العلمي. ولو علم العبد أنه في مشيئة الله إن شاء عذبه وإن شاء غفر له، فهذا يكفيه أن لا ينام بقية عمره، ولو أنك فعلت ذنباً استوجب اللوم أو العتاب أو الضرب أو الطرد من البيت، أو إيقاع الإيلام والعذاب على بدنك، من والدك أو من أستاذك أو ممن له الولاية عليك؛ فلا بد أنك ستبيت واقفاً تفكر ماذا سينزل بك من العذاب من صاحب هذا الحق، فما بالك بالله ؟ ولله المثل الأعلى، فلو أنك انتهكت حرمة من حرماته فتوعدك أنك صرت بين مشيئتين، يعني: دخولك النار أو الجنة، وليس هناك وعد وإنما هو وعيد، تدخل أو لا تدخل، يعذبك أو لا يعذبك، ولا شفيع يشفع لك ابتداء، وإنما الشفاعة تنفعك إذا دخلت النار، وشفاعة النبي ﵊ لا تنفعك إلا في المحشر، وشفاعة من دونه تنفع بعد ذلك في نار جهنم؛ فإنك ستبيت فرقاً ومرعوباً وخائفاً أن تكون من أصحاب هذا الوعيد، وأن تدخل النار. ولو كان أحد يتعامل بمنتهى الوحشية والقسوة، ويحرق بالنار أو يضرب بالجريد والنعال، فإنه إذا فعل أحد به ذنباً واستوجب عقاب ذنبه؛ فإنه لا يبيت هانئاً حتى ينزل به العقاب، ثم يعيش بعد هذا العقاب معيشة ذل وهوان. والله تعالى إنما يعذب بعدل ويرحم بفضل، فإذا كان ذلك منه سبحانه، فينبغي على المرء أن يحرص كل الحرص على أن تكون أحواله وأفعاله وحركاته وسكناته، بل وأنفاسه كلها طاعة لله ورسوله. القول الرابع: أن المراد به -أي: المراد ينفي الإيمان- الزجر والتنفير. القول الخامس: أنه يسلب منه الإيمان حال تلبسه بالكبيرة فقط. يعني: في وقت ارتكابه الكبيرة. القول السادس: أن المراد منه النهي وإن ورد على صيغة الخبر. القول السابع: أنه على ظاهره، ويحمل على من فعل ذلك مستحلاً، ولا بأس بهذا إذا قامت عليه الحجة وعلم الحكم في هذا ولكنه استحل ذلك، فكل مستحل لما حرم الله كافر. القول الثامن: أن الكفر اللازم عن نفي الإيمان عن مرتكب المعاصي المذكورة إنما هو كفر النعمة. القول التاسع: وهو أرجح المذاهب، وهو مذهب جماهير علماء الحديث وعلماء السنة؛ أن المراد منه نفي الكمال. وقد رجحه النووي وتبعه ابن حجر وقبلهما ابن قتيبة وغيرهما من علماء السلف، وزاد شيخ الإسلام ابن تيمية قيداً على ما ذكره هؤلاء، وهو أن المراد نفي الكمال الواجب الذي يذم تاركه. فقوله: (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن)، أي: وهو مؤمن الإيمان الواجب الذي إذا تخلى عنه صاحبه استحق الذم واللوم والعذاب. ولعل أولى التأويلات بالقبول هو القول الأخير، وهو كذلك، وإنما ذهب هؤلاء العلماء إلى القول بنزع كمال الإيمان فقط وليس بنزعه كلية لبقاء أصل التصديق في القلب، وقد بين ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية أجمل بيان فقال: ومن أتى الكبائر مثل الزنا أو السرقة أو شرب الخمر أو غير ذلك؛ فلا بد أن يذهب ما في قلبه من الخشية والخضوع والنور وإن بقي أصل التصديق في قلبه. والعلماء لما قسموا الإيمان إلى مراتب استراحوا ولم يعد في الحديث أي إشكال، فإذا قلنا: إن الإيمان عبارة عن أصل وإيمان واجب وإيمان مستحب، فإن الآيات والأحاديث التي قالت بنفي الإيمان عن مرتكبي الذنوب والتي توعدت بالنار والكفر البواح؛ إنما تعني الإيمان الأصلي. قال: وهذا في الإيمان الذي ينزع منه عند فعل الكبيرة، كما قال النبي ع

стр. 669

الأسئلة

стр. 670

حكم الأناشيد السؤال ما حكم الأناشيد؟ الجواب الأناشيد قبيحها قبيح وحسنها حسن، وليس منها الأناشيد التي ينشدها الإخوة في الأفراح، بل هذه فيها الموسيقى، وأما التي لا بأس بها فهي التي لا إثارة فيها، وأنا لا أعلم دليلاً قط بجوازها للرجال من سنته ﵊، وهذه فتوى الشيخ الألباني، وأما ما يفعل من تحويل المقاطع الشعرية فهذا غير مرغوب، وإنشاد الشعر في الأعراس وغيرها إنما يكون للنساء، وأما الرجال فلا. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
следующие страницы →