← Акыда

Акыда · id 37436

شرح كتاب الإبانة من أصول الديانة

حسن أبو الأشبال الزهيري

Полный текст (1 366 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.

стр. 666

كلام ابن حجر في عدم كفر مرتكب الكبيرة استدل الحافظ ابن حجر ﵀ في فتح الباري في الجزء الثاني عشر على عدم كفر مرتكبي الكبائر بدليل عقلي، فقال: اختلاف مقادير الحد. يعني: أن حد الشارب غير حد الزاني وغير حد السارق وغير حد القاتل، فليست الحدود واحدة، بل مختلفة. يقول: واختلاف مقادير الحد في الزنا مثلاً باختلاف أحوال الزاني ككونه حراً وعبداً، وكونه محصناً أو غير محصن، فلو كان الذين يرتكبون هذه المعصية كفاراً لتساوت في حقهم إقامة الحدود، أي: لو كفر بارتكابه الذنب فيستوي أن يكون حراً أو عبداً، رجلاً أو امرأة، محصناً أو غير محصن، لأن الكفر شيء واحد، فلا يختلف الحد، فاختلاف الحد دليل على أنه ليس بكافر، كما أن اختلاف الشهود في العقوبات يدل على أن الكبائر كلها ليست مخرجة من الإيمان. قال: فلو كان من يرتكبون هذه المعصية كفاراً لما اختلفت مقادير الحد عليهم؛ حيث يتساوى المكلفون جميعاً في حد الكفر، وهو القتل، كما قال ﵇: (من بدل دينه فاقتلوه). وإذا كان السارق يكفر بسرقته، والقاتل يكفر بردته، والزاني يكفر بزناه، فكيف جعل الإسلام لهؤلاء الكفار جميعاً حدوداً مختلفة؟ والأصل أن من وقع في ردة أو كفر كان عقابه واحداً مهما اختلف العصاة واختلفت أوصافهم وأعدادهم. وأصحاب البدع أكثرهم يقول بكفرهم، مع أن الله تعالى يقول: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة:٣٨]. ولو كانوا كفاراً لقال تعالى: اقطعوا رقابهما؛ لأنهما كافران. والله تعالى يقول: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ﴾ [البقرة:١٧٨]، فسماه أخاً رغم أنه قاتل. ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة:١٧٨]، وهذا الكلام لا يمكن أن يكون مع كافر، ولا أدري كيف يرد هؤلاء على هذه الآيات أو الأحاديث الصحيحة. قال الحافظ: ومن أقوى ما يحمل على ترك ظاهره إيجاب الحد بالزنا على أنحاء مختلفة في حق الحر المحصن والحر البكر وفي حق العبد، أي: فلو كان المراد بنفي الإيمان الكفر لاستووا في العقوبة؛ لأن المكلفين فيما يتعلق بالإيمان والكفر سواء، فلما كانت العقوبة مختلفة دل ذلك على أن مرتكب ذلك ليس بكافر حقيقة.

стр. 667

كلام ابن أبي العز في عدم كفر مرتكب الكبيرة قال ابن أبي العز الحنفي في شرح الطحاوية: وأهل السنة متفقون كلهم على أن مرتكب الكبيرة لا يكفر كفراً ينقل عن الملة بالكلية كما قال الخوارج، إذ لو كفر كفراً ينقل عن الملة لكان مرتداً يقتل على كل حال، ولا يقبل عفو ولي القصاص. فلو أنك قتلت فلاناً من الناس فأتى أولياء القتيل فعفوا فإنه يقبل منهم العفو، ولو كان القتل كفراً فلا يقبل منه الإيمان؛ لأنه يصبح من مسائل الإيمان والكفر التي لا متعلق لها بالمكلفين، وإنما هي حق الله ، ولما وجبت الحدود في الزنا والسرقة وشرب الخمر؛ فهذا القول معلوم البطلان، وفساده في الضرورة معلوم.

стр. 668

تأويل علماء السنة للأحاديث التي تنفي الإيمان عن مرتكبي بعض المعاصي الأحاديث التي تكلمت في هذه الكبائر ونفت الإيمان عن أصحابها لأهل العلم فيها أقوال كثيرة جداً، يعني: حتى أهل السنة ليسوا على اتفاق في تأويل ظواهر هذه النصوص. وهذه الأقوال هي: القول الأول: يكون بذلك منافقاً نفاق معصية لا نفاق كفر، وأن نفي الإيمان هنا يثبت به النفاق، ولكن ليس النفاق العقدي الذي يخرج به صاحبه من الملة. وهذا مذهب في الحقيقة غير سليم؛ لأن الزاني ليس منافقاً، والسارق كذلك، والقاتل كذلك، فحمل نفي الإيمان على ثبوت النفاق العملي ليس سديداً. القول الثاني: أنه ليس بمستحضر في حالة تلبسه بالكبيرة جلال من آمن به، ولم يستحضر مراقبة الله تعالى ولا إجلاله، وإلا لم يفعل الذنب. يعني: كأنه أصابته غفلة عن مراقبة الله ، ولو كان متيقظاً لما أقدم على معصيته. ولكن هذا الكلام يقال في الورع، ولا يقال في تفسير هذا الحديث أو هذه النقطة. ويقول هذا المذهب: إن هذا كناية عن الغفلة التي جلبتها له غلبة الشهوة. القول الثالث: أنه شابه الكافر في عمله، ولا بأس باعتبار هذا الفعل؛ لأنه لا يزني حين يزني وهو مؤمن، يعني: يمكن أن يقال: إن عمله عمل الكافر ولكنه لا يكفر، ولكنه تخلق بأخلاق الكفار، كما في قوله ﵊: (ليس منا من خبب امرأة على زوجها). ومعنى (خبب): أفسد، كأن يتقرب إلى امرأة جاره إلى أن تحبه، ثم تبدأ تتقلب على زوجها وتطلب منه الطلاق، وفي النهاية يتزوجها ذاك الرجل. وهذا بلا شك من كبائر الذنوب، ولكن لا يكفر بهذا الذنب. والرأي الأول والثاني ليس لهما أدنى علاقة بالعلم الشرعي والتأصيل العلمي. ولو علم العبد أنه في مشيئة الله إن شاء عذبه وإن شاء غفر له، فهذا يكفيه أن لا ينام بقية عمره، ولو أنك فعلت ذنباً استوجب اللوم أو العتاب أو الضرب أو الطرد من البيت، أو إيقاع الإيلام والعذاب على بدنك، من والدك أو من أستاذك أو ممن له الولاية عليك؛ فلا بد أنك ستبيت واقفاً تفكر ماذا سينزل بك من العذاب من صاحب هذا الحق، فما بالك بالله ؟ ولله المثل الأعلى، فلو أنك انتهكت حرمة من حرماته فتوعدك أنك صرت بين مشيئتين، يعني: دخولك النار أو الجنة، وليس هناك وعد وإنما هو وعيد، تدخل أو لا تدخل، يعذبك أو لا يعذبك، ولا شفيع يشفع لك ابتداء، وإنما الشفاعة تنفعك إذا دخلت النار، وشفاعة النبي ﵊ لا تنفعك إلا في المحشر، وشفاعة من دونه تنفع بعد ذلك في نار جهنم؛ فإنك ستبيت فرقاً ومرعوباً وخائفاً أن تكون من أصحاب هذا الوعيد، وأن تدخل النار. ولو كان أحد يتعامل بمنتهى الوحشية والقسوة، ويحرق بالنار أو يضرب بالجريد والنعال، فإنه إذا فعل أحد به ذنباً واستوجب عقاب ذنبه؛ فإنه لا يبيت هانئاً حتى ينزل به العقاب، ثم يعيش بعد هذا العقاب معيشة ذل وهوان. والله تعالى إنما يعذب بعدل ويرحم بفضل، فإذا كان ذلك منه سبحانه، فينبغي على المرء أن يحرص كل الحرص على أن تكون أحواله وأفعاله وحركاته وسكناته، بل وأنفاسه كلها طاعة لله ورسوله. القول الرابع: أن المراد به -أي: المراد ينفي الإيمان- الزجر والتنفير. القول الخامس: أنه يسلب منه الإيمان حال تلبسه بالكبيرة فقط. يعني: في وقت ارتكابه الكبيرة. القول السادس: أن المراد منه النهي وإن ورد على صيغة الخبر. القول السابع: أنه على ظاهره، ويحمل على من فعل ذلك مستحلاً، ولا بأس بهذا إذا قامت عليه الحجة وعلم الحكم في هذا ولكنه استحل ذلك، فكل مستحل لما حرم الله كافر. القول الثامن: أن الكفر اللازم عن نفي الإيمان عن مرتكب المعاصي المذكورة إنما هو كفر النعمة. القول التاسع: وهو أرجح المذاهب، وهو مذهب جماهير علماء الحديث وعلماء السنة؛ أن المراد منه نفي الكمال. وقد رجحه النووي وتبعه ابن حجر وقبلهما ابن قتيبة وغيرهما من علماء السلف، وزاد شيخ الإسلام ابن تيمية قيداً على ما ذكره هؤلاء، وهو أن المراد نفي الكمال الواجب الذي يذم تاركه. فقوله: (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن)، أي: وهو مؤمن الإيمان الواجب الذي إذا تخلى عنه صاحبه استحق الذم واللوم والعذاب. ولعل أولى التأويلات بالقبول هو القول الأخير، وهو كذلك، وإنما ذهب هؤلاء العلماء إلى القول بنزع كمال الإيمان فقط وليس بنزعه كلية لبقاء أصل التصديق في القلب، وقد بين ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية أجمل بيان فقال: ومن أتى الكبائر مثل الزنا أو السرقة أو شرب الخمر أو غير ذلك؛ فلا بد أن يذهب ما في قلبه من الخشية والخضوع والنور وإن بقي أصل التصديق في قلبه. والعلماء لما قسموا الإيمان إلى مراتب استراحوا ولم يعد في الحديث أي إشكال، فإذا قلنا: إن الإيمان عبارة عن أصل وإيمان واجب وإيمان مستحب، فإن الآيات والأحاديث التي قالت بنفي الإيمان عن مرتكبي الذنوب والتي توعدت بالنار والكفر البواح؛ إنما تعني الإيمان الأصلي. قال: وهذا في الإيمان الذي ينزع منه عند فعل الكبيرة، كما قال النبي ع

стр. 669

الأسئلة

стр. 670

حكم الأناشيد السؤال ما حكم الأناشيد؟ الجواب الأناشيد قبيحها قبيح وحسنها حسن، وليس منها الأناشيد التي ينشدها الإخوة في الأفراح، بل هذه فيها الموسيقى، وأما التي لا بأس بها فهي التي لا إثارة فيها، وأنا لا أعلم دليلاً قط بجوازها للرجال من سنته ﵊، وهذه فتوى الشيخ الألباني، وأما ما يفعل من تحويل المقاطع الشعرية فهذا غير مرغوب، وإنشاد الشعر في الأعراس وغيرها إنما يكون للنساء، وأما الرجال فلا. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

стр. 671

شرح كتاب الإبانة - ذكر الذنوب التي تصير بصاحبها إلى كفر غير مخرج من الملة تختلف الذنوب التي يقترفها العبد وتتفاوت، ومنهج أهل السنة في مرتكب الذنب أنه مؤمن عاص، وأن الذنوب التي ورد النص بكفر فاعلها إنما يقصد به الكفر غير المخرج من الملة إن لم يستحلها، وهذا المنهج خلاف منهج بعض فرق الضلال الذين يكفرون مرتكب المعصية.

стр. 672

ذكر الذنوب التي تصير بصاحبها إلى كفر غير خارج به من الملة الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة. أما بعد: فقد ذكرنا في الدرس الماضي حديث: (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن) إلى آخر الحديث، وقلنا: إن أهل العلم اختلفوا في معنى قوله ﵊: (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن)، وهل يسلب عنه الإيمان بالكلية أم يسلب منه كمال الإيمان وتمامه؟ وذكرنا تسعة آراء وتأويلات لأهل العلم، وأرجحها: أن المنفي في هذه النصوص هو كمال الإيمان وتمامه؛ لأنه لو كان المعنى أن الإيمان يرتفع عن الزاني حين يزني ويزول عنه لدخل في الكفر، ثم لابد أن نقول بأن مرتكب الكبيرة كافر، والقائلون بذلك هم الخوارج، وأما المعتزلة فقالوا: ليس كافراً ولا مؤمناً، وإنما هو في منزلة بين المنزلتين، وهذا حكمه في الدنيا، وأما في الآخرة فإنهم جعلوه من المخلدين في النار، وهذا الكلام في غاية السقوط والتهافت. وذكرنا في الدرس الماضي كلام غير واحد من أهل العلم بأن الإسلام دائرة عامة كبيرة، وأن الإيمان دائرة في وسطها أخص. وقلنا: إن المرء حتى يدخل هذه الدائرة العظيمة وهي دائرة الإسلام لا بد أن يكون معه أصل الإيمان. وقلنا: إن الإيمان درجات، فمنه أصل الإيمان الذي يعبر عنه أهل العلم بمطلق الإيمان. والنصوص التي تنفي الإيمان عن فاعل الكبائر أو المعاصي إنما تنفي عنه كمال الإيمان أو الإيمان المطلق، وأما مطلق الإيمان الذي هو الأصل والجزء الذي لا يتم إسلام المرء إلا به فلم تتعرض له النصوص التي ذكرناها، وأما النصوص الأخرى التي تحكم على الشخص بالردة مثلاً أو الكفر أو الجحود أو غير ذلك فإنها تخلع عن المرء الإيمان والإسلام بالكلية، وأما النصوص التي ذكرناها في الدرس الماضي فهي تخرج الفاعل لهذه المعصية من دائرة الإيمان الخاصة إلى دائرة الإسلام العامة، وهذا لا ينفي أن يكون معه أصل الإيمان الذي لا يصح إسلامه إلا به. الباب الثاني -وهو أول الجزء السادس من هذا الكتاب- يقول الشيخ ابن بطة رحمه الله تعالى: باب ذكر الذنوب التي تصير بصاحبها إلى كفر غير خارج به عن الملة. وذكر فيه الذنوب والمعاصي التي إذا ارتكبها المرء فإنه يكفر بها، وهي من باب الكفر العملي لا الاعتقادي.

стр. 673

الكفر كفران الكفر كفران: كفر أكبر وأصغر، والشرك شركان: شرك أكبر وأصغر، والنفاق نفاقان: نفاق أكبر وأصغر، والفسق فسقان: أكبر وأصغر. فقول النبي ﵊: (من حلف بغير الله فقد أشرك)، وفي رواية: (من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك)، (أو) ليست للشك من الراوي، بدليل أن رواية أخرى قالت: (من حلف بغير الله فقد كفر وأشرك)، فهل هذا الكفر كفر أكبر اعتقادي وليس كفراً عملياً أصغر؟ والفارق بين الكفرين أن الكفر الاعتقادي يخرج المرء من الملة، فالكفر الأكبر هو الكفر الاعتقادي أو الكفر العملي الذي يأتي به المرء عملاً أو يقول قولاً يستلزم خروجه من الملة. والإيمان قول وعمل، والكفر كذلك قول وعمل فضلاً عن الاعتقاد؛ لأنه لا خلاف في أن من اعتقد أن لهذا الكون إلهين فقد كفر وخرج من الملة؛ لأنه جعل نداً وشريكاً لله في ملكه وخلقه، فمن اعتقد ذلك خرج من الملة عند جميع أهل الأرض. فقوله ﵊: (من حلف بغير الله فقد كفر وأشرك) من الكفر الأصغر الذي لا يخرج به من الملة، والدليل على ذلك قوله ﵊: (من حلف بغير الله فليقل كفارة ذلك: لا إله إلا الله). وأيضاً ما جاء أن النبي ﷺ سمع رجلاً يقول: (واللات والعزى، فقال: لا تقل: واللات والعزى، من كان منكم حالفاً فليحلف بالله أو ليصمت). ولو كان الحلف على هذا النحو كفراً مخرجاً من الملة لأقام عليه النبي ﵊ حد الردة أو استتابه، فإن تاب وإلا قتله. ولما لم ينقل إلينا هذا ولا ذاك علمنا أن هذا مثال الكفر العملي أو الأصغر.

стр. 674

حديث أبي بكر (الشرك أخفى فيكم من دبيب النمل) وقد ذكر الإمام هنا طائفة من النصوص التي تدل على أن بعض الذنوب التي يرتكبها العبد يكفر بها، وأثبت أن الكفر الثابت فيها ليس كفراً اعتقادياً، وإنما هو كفر عملي أصغر، كما في حديث [أبي بكر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (الشرك أخفى فيكم من دبيب النمل)]، يعني: أن الشرك يسرع إلى قلوبكم؛ لأنه شرك خفي، وهو الرياء، فسمى النبي ﵊ الرياء هنا شركاً. ومفاد النصوص التي وردت في هذا الباب أن من راءى بعمله فقد حبط عمله، ولكن لم تقض النصوص بكفره. وقد ذكر ابن الجوزي في باب التحذير من الرياء أن رجلاً كان يصلي، فدخل عليه إنسان آخر فبعد أن كان يسرع في صلاته ولا يعبأ بها ولا يقيم صلبه ولا يخشع أطالها، وأطال فيها الركوع والسجود وغير ذلك، فقال الداخل: ما أحسن صلاة فلان! فالتفت إليه هذا المصلي وقال له: ومع هذا فإني صائم، يعني: أضاف عبادة أخرى إلى عبادته التي راءى بها؛ ليثبت أنه من أهل الصلاح لمن نظر إليه. وقد اختلف العلماء في صحة عمل المرائي إذا بدأه بالرياء أو ختمه به، كأن تكون عادته أنه لا يصلي الليل، فإذا زاره إنسان أو صديق أو عزيز عليه نهض لقيام الليل وقراءة القرآن، وأطال ذلك وحسنه حتى يقول الزائر: إن هذا الإنسان من قوام الليل، مع أن الباعث له على العمل الرياء، أو أنه يصلي قيام الليل وهذا من عادته، ولكنه يصلي على نحو معين وكيفية معينة غير هذه الكيفية، فإذا زاره أحد غير الكيفية إلى الأحسن؛ رجاء المدح والثناء، ولكن هذا كان في أثناء الصلاة أو في آخرها، فمن اعتبر أن الأعمال بالخواتيم أبطل هذه الصلاة، ومن اعتبر أن الأعمال بمقاصدها الأولى قال: لا تبطل العبادة إلا إذا دخل فيها لغير الله ابتداء، والمسألة محل بحث طويل، وقد تعرض لها الحافظ ابن رجب في شرح حديث: (إنما الأعمال بالنيات)، في كتاب جامع العلوم والحكم، فمن شاء فليرجع إليه؛ ليقف على كثير من النصوص التي تحذر من الرياء في القول والعمل. قال: [قال ﵊: (الشرك أخفى فيكم من دبيب النمل أو دبيب الذر)]. والذر: هو النمل، [(قال أبو بكر: يا رسول الله! أيكون شركاً لا يجعل مع الله إلهاً يعبد من دونه؟)]، يعني: هل هناك شرك غير الشرك الذي هو إشراك إله آخر الله تعالى في العبادة؟ [(فقال النبي ﵊: ثكلتك أمك يا أبا بكر!)]. وهذه كلمة كانت تقولها العرب لا يقصدون بها الدعاء، وإلا لو قصد النبي ﷺ بها الدعاء لمات أبو بكر فوراً، لكنه لم يقصد الدعاء، وهذا كما قال لـ أبي ذر: (ثكلتك أمك يا أبا ذر!)، فهذا من الكلام الدائر على ألسنة العرب، كما قال ﵊: (أفلح وأبيه إن صدق). فهو لا يقصد به اليمين، أو أنه قبل ورود النهي في ذلك. قال: [(وقال يا صديق! الشرك أخفى من دبيب النمل أو دبيب الذر، ولكني سأدلك على ما يذهب صغار الشرك وكباره -أو قال: صغير الشرك وكبيره- تقول عند الصبح: اللهم إني أعوذ بك أن أشرك بك وأنا أعلم، وأستغفرك لما لا أعلم)]، أي: أن يستعيذ بالله مما وقع منه من شرك وهو يعلم، ومما وقع منه من شرك وهو لا يعلم.

стр. 675

حديث أبي بكر (كفر بالله ادعاء نسب) قال: [قال أبو بكر سمعت النبي ﷺ يقول: (كفر بالله ادعاء نسب لا يعرف، وكفر بالله تعالى تبرؤ من نسب وإن دق)]. فلو أن شخصاً سئل عن اسمه فقال: اسمي كذا، فقيل: من أبوك؟ فقال: فلان وذكر رجلاً آخر غير أبيه، كأن يكون اسمه محمد بن أحمد فقال: محمد بن إبراهيم، فهو ملعون، والنبي ﵊ يقول: (لعن الله من انتسب لغير أبيه). واللعن في حق المسلم يدل على الكبيرة، فالله تعالى لعن الكافرين في كتابه، ولعن من ارتكب ذنوباً معينة من المسلمين في كتابه، ولعن المذنب لا يخرجه عن الإسلام، وإنما هو علامة من علامات الكبائر، فمن علامات الكبائر أن يأتي فيها الوعيد الشديد، وللكبائر علامات تعرف بها، ويكفي ورود علامة واحدة ليكون هذا الذنب من الكبائر. ومن هذه العلامات هي: العلامة الأولى: أن يأتي فيه التهديد والوعيد الشديد بالنار أو العذاب أو السخط أو اللعن أو غير ذلك. العلامة الثانية: أن يقام عليه الحد في الدنيا؛ لأنه لا حد إلا في كبائر الذنوب. فاللعن دليل على أن هذا العمل من الكبائر، كما في قوله ﷺ : (لعن الله من غير منار الأرض). فلو أن الحكومة وضعت على مفترق طرق علامة مكتوباً عليها: المنصورة على بعد (٥٠) كيلو نحو اليمين، فجاء شخص وغير هذه العلامة إلى مفرق طريق المنفية، وقال: المنصورة على بعد (٥٠) كيلو من هنا، فإذا بالمار يجد نفسه في المنفية، فهذا بلاء عظيم جداً على من يقصد المنصورة أن يذهب المنفية، فمن فعل هذا فقد دخل في لعنة الله تعالى ولعنة رسوله والملائكة والمؤمنين، (لعن الله من غير منار الأرض)، وفي رواية: (من غير منار الأرض فليس منا). وقال ﵊: (ليس منا من خبب امرأة على زوجها)، يعني: أفسدها على زوجها، إلى غير ذلك من هذه الأحاديث أو النصوص التي حملت وعيداً شديداً فيما يتعلق ببعض الذنوب. وهذا الذي غير العلامة من مفرق المنصورة إلى مفرق المنفية لا يكفر بذلك، ولا يقول هذا إلا من كان من الخوارج. فهذه النصوص خرجت مخرج التهديد والوعيد الشديد لمن فعل ذلك في الحياة، فهو ذنب عظيم جداً يلزمه أن يتوب منه.

стр. 676

الكبيرة لا تستلزم الحد ولا يلزم أن الكبيرة تستلزم الحد، والدليل على ذلك أن عقوق الوالدين كبيرة باتفاق أهل العلم، ولم يخالف في ذلك أحد، ولا يجب على الحاكم أن يقيم عليه الحد، وليس هناك نص يأمر بهذا، بل قد ورد الوعيد والتهديد الشديد لمن عق والديه بالنار، كما قال النبي ﵊ لما صعد درجات المنبر، فقال في كل مرة: (آمين آمين آمين، فقالوا: يا رسول الله! سمعناك تقول قولاً ما سمعناك تقوله من قبل، فقال: أتاني جبريل وقال: يا محمد! رغم أنف امرئ أدرك والديه أحدهما أو كلاهما فلم يدخلاه الجنة). فقوله: (رغم أنف) للتهديد، وهذا دليل على الخسران والهوان والذل في الدنيا والآخرة. وقال تعالى: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ﴾ [محمد:٢٢]، فأخبر في هذا الكلام أن قطيعة الرحم متعلقة بالفساد في الأرض أو هي من الفساد في الأرض، وهذا تهديد شديد ووعيد أكيد من الله . فالكبيرة لا تستلزم أن يكفر صاحبها كفراً أكبر، بل هذا مذهب الخوارج، كما أنه لا يلزم منها إقامة الحد. وقوله ﵊: (كفر بالله ادعاء نسب لا يعرف) هذا من الكفر العملي الذي لا يخرج به صاحبه من الملة، ولكن النبي ﷺ قال ذلك لبيان عظم وهول هذا الأمر.

стр. 677

حكم التبني وهناك سؤال يطرح كثيراً، وربما لا يمر أسبوع أو أسبوعان إلا وهناك من يسأله، وهو أنه يقول: أنا لم أرزق بأولاد، فذهبت امرأتي إلى الملجأ الفلاني وأتت بولد، أو ذهبت إلى الملجأ فوجدت ولداً على باب الملجأ في خرقته، وكان جميلاً، فعز عليها أن تتركه فأتت به، وأنا قد سميته باسمه ونسبته لنفسي، فهل هذا العمل حلال؟ و الجواب هذا العمل حرام، وفيه من المحاذير الشيء الكثير، المحذور الأول: أنه نسبة إلى غير الأب الشرعي، وهذا باطل، فقد أبطل الإسلام التبني، وقد كان زيد يدعى زيد بن محمد ثم صار يدعى زيد بن حارثة، قال الله تعالى: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [الأحزاب:٥]، يعني: انسبوهم لآبائهم؛ لأن هذا هو العدل الذي فرضه الله . المحذور الثاني: أن هذا الولد سيتعامل مع هذا الرجل على اعتبار أنه أبوه باستمرار، وبالتالي ستكون امرأة هذا الرجل هي أمه باستمرار، فيتعامل معها ويدخل عليها بعد أن يبلغ السن التي يكلف فيها بغض النظر إلى النساء، وهو سيتعامل مع هذه المرأة الأجنبية عنه باعتبار أنها أمه، وربما قبلها أو حضنها أو نام بجوارها أو سافر معها أو غير ذلك. المحذور الثالث: ربما يرزق الأب بأولاد آخرين، فيدعون أخوة أو أخوات لهذا الأجنبي، وليس الأمر كذلك، وإنما هذا الولد حلال له أن يتزوج بهذه البنت التي رزق بها هذا الأب الدعي، ولكن الوضع القائم يحرم عليه أن يتزوج منها؛ لأنها أخته في الأوراق الرسمية وغير ذلك. المحذور الرابع: إذا مات الأب الدعي النسيب أو ماتت الأم فإن هذا الولد المتبنى هو الذي يرثهما، وحينئذ يأخذ هذا الولد مالاً ليس له، ويأخذه بغير حق، وكذلك إذا مات هذا الولد وكان له مال ورثه أمه وأبوه المزعومان، فيأخذان مالاً ليس لهما. وهذه كلها مخالفات وظلمات بعضها فوق بعض، وهذه المخالفات هي الإعراض عن شرع الله أو الوقوع فيما نهى الله عنه، وهذا من الكفر العملي الذي لا يخرج من الملة، ولكنه كبيرة من الكبائر. قال: (وكفر بالله تعالى تبرؤ من نسب وإن دق)، أي: وإن كان صغيراً أو حقيراً يراه الإنسان. وإذا قال الأب لابنه: أنت لست ابني وأنا لا أعرفك، وقال هذا الكلام زجراً للولد أو تهديداً له، أو طرده من البيت أو غير ذلك فلا بأس به، ولا يترتب عليه أحكام، وأما لو أنكر في مجلس القضاء أنه ولده أو نفاه عن نفسه تماماً؛ فلا شك أن هذا نفي لنسب صحيح، فلا يحل له أن ينفيه عن نفسه، كما أنه قذف لأم الولد. وهذه المسألة خطيرة جداً.

стр. 678

حديث أبي هريرة (لا ترغبوا عن آبائكم) قال: [قال أبو هريرة ﵁: سمعت النبي ﷺ يقول: (لا ترغبوا عن آبائكم)، أي: لا تزهدوا في النسبة إلى آبائكم الشرعيين. [(فإنه من رغب عن أبيه فإنه كفر به). والحديث رواه الشيخان، يعني: كفر بذلك، وهذا كفر عملي، والكفر العملي إن استحله المرء بعد قيام الحجة عليه وبلوغ العلم إليه خرج عن ملة الإسلام. والمهاجرون إلى أوروبا وأمريكا في أيامنا هذه يسعدهم ويشرفهم جداً أن يتخلصوا من نسبهم تماماً، فبعد أن كان اسمه محمد بن أحمد بن إبراهيم بن زيد يصبح اسمه هناك كذا ابن كذا، ويتسمى باسم إنجليزي أو أمريكي يشتهر في البلاد التي نزل فيها، وهذا يكون عند أخذ ما يسمى عندهم الكرت الأخضر أو التأشيرة النهائية أو الرخصة أو الجنسية، فيحلو له أن يغير اسمه تماماً، ثم إذا نزل في مطار القاهرة وسئل عن اسمه قال: اسمي ماركو بن شارون. وهذا دمه خفيف، ويعرف في أي مكان. فالتسمي بغير الأسماء الحقيقية في النسب هي رغبة عن النسبة للآباء الشرعيين، وفاعل هذا يستتاب، فإن تاب وإلا قتل؛ لأنه قد قامت عليه الحجة، فيكون كفراً أكبر. قال الحافظ في شرح هذا الحديث: المراد من استحل ذلك، يعني: المراد أنه كافر كفراً مخرجاً من الملة إذا استحل ذلك مع علمه بالتحريم، أي: أنه إذا استحل ذلك مع قيام الحجة عليه وأصر عليه فإنه يكفر به ويقتل. قال: أو المراد كفر النعمة، وظاهر اللفظ غير مراد، وإنما ورد على سبيل التغليظ والزجر لفاعل ذلك، أو المراد بإطلاق الكفر أن فاعله فعل فعلاً هو شبيه بأفعال الكفار فنسب إليهم ولم يكن منهم. وقال النووي في شرح هذا الحديث: له تأويلان: أحدهما: أنه في حق المستحل، يعني: يكفر به ويخرج من دائرة الإسلام، والثاني: أنه كفر النعمة والإحسان وحق الله تعالى وحق أبيه، وليس المراد الكفر الذي يخرج به من الملة. وإذا كان مستحلاً مع قيام الحجة عليه وبلوغ العلم إليه كفر كفراً أكبر. وإذا كان هذا النص على ظاهره ليس مراداً فيحمل على أنه كفر النعمة والإحسان، ويعني: الكفر بحق الله تعالى وحق الأب.

стр. 679

حديث ابن مسعود (سباب المسلم فسوق) قال: [عن عبد الله بن مسعود عن النبي ﷺ أنه قال: (سباب المسلم فسوق وقتاله كفر)]. والسباب فوق الشتم، فالإنسان السباب طويل اللسان، بخلاف من سب مرة أو مرتين، وسباب المسلم فسوق، ولكن هذا الفسق لا يخرجه من الملة. وأما قوله: (وقتاله كفر) أي: إذا كان مستحلاً لذلك. وقتل المؤمن ليس كفراً، ولا يكفر القاتل، وقال ابن عباس: لا توبة لقاتل المؤمن، وهذا القول انفرد به ابن عباس ولم يوافقه عليه أحد من الصحابة، وقيل: إن ابن عباس رجع عنه. والدليل على أن قاتل المؤمن ليس كافراً قول الله تعالى: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة:١٧٨]. فسماه أخاً. وقال الله تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا﴾ [الحجرات:٩]، أي: بغت إحدى هاتين الطائفتين المؤمنتين على أختها، فسمى هذه مؤمنة وهذه مؤمنة مع أن بينهما قتالاً أو مقتلة، وهذا أمر لا ينجو فيه من قتل بعض الأفراد من الطائفتين أو قتل الطائفتين جميعاً، ومع هذا سماهم الله تعالى مؤمنين، وهذا يدل على أن قاتل المؤمن لا ينفى عنه الإيمان بالكلية، وإنما ينفى عنه كمال الإيمان وتمامه، ويبقى له أصل الإيمان. ولو أن أحداً ذهب إلى مؤمن ليقتله فقيل له: قتلك لهذا المؤمن ذنب عظيم جداً، فقال: ليس بذنب أصلاً، فقيل له: هل فعل ما يستوجب القتل؟ قال: لا، ولكني سوف أقتله، فقيل له: لقد حرم الله تعالى القتل بدليل قوله سبحانه كذا وقول رسوله كذا وإجماع أهل العلم وغير ذلك، فقال: ومع هذا فأنا سأقتله وذهب فقتله؛ فهذا مستحل، وقد قامت عليه الحجة بحرمة هذا الدم ولكنه لم يعبأ بهذه النصوص، فقتل من غير تأويل سائغ ولا اجتهاد مقبول، بل رأى أن قتل هذا الرجل ليس حراماً وإنما هو حلال. قال: [وقال ابن مسعود: سباب المؤمن فسوق وأخذ برأسه كفر]. وقوله: (أخذ برأسه) يعني: قطع رقبته.

стр. 680

حديث (من أتى عرافاً أو كاهناً) قال: [وعن أبي هريرة قال: قال النبي ﵊: (من أتى عرافاً أو كاهناً فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد)]. وهذا يشمل العراف والكاهن والساحر وغير ذلك، فلو أن إنساناً أتى أحداً منهم وصدقه بما يقول، فهذا منه ما يكون كفراً أكبر ومنه ما يكون كفراً أصغر، فأما الأصغر فمثل إنسان عز عليه ما ضاع منه فدله عليه هذا الساحر أو الكاهن أو العراف أو الدجال، فذهب إلى هناك وهو يعلم في نفسه أن هذا حرام، فهذا لا يدل على الاستحلال، وإنما ذهب رجاء الحصول على الشيء الذي ضاع منه فقط، وهو يكره ذلك جداً، وهذا من الغيب الذي أطلع الله عليه بعض خلقه. وأهل العلم يقولون: حد الساحر ضربة بالسيف، وجماهير أهل العلم على أن الساحر لا يكفر، والبعض على أنه يكفر؛ لأنه لا يتعلم السحر إلا إذا كفر بالله حتى يكون له من الأقران والجن والشياطين من يطيعونه في أمره ونهيه. والذهاب إلى الساحر أو العراف أو الدجال أو من يضرب الودع أو في الرمل وغير ذلك في حد ذاته كفر، وأما الذاهب إليه فإنه يكفر كفراً عملياً، فإن اعتقد أن هذا الساحر يعلم الغيب فقد كفر كفراً أكبر؛ لأنه لا يعلم الغيب إلا الله . قال: [وعن صفية ﵂ عن بعض أزواج النبي ﷺ قال: (من أتى عرافاً فصدقه بما يقول لم تقبل له صلاة أربعين يوماً)].

стр. 681

حديث (ثلاث من الكفر بالله: النياحة وشق الجيب والطعن في النسب) قال: [عن كريمة بنت الحسحاس المزنية قالت: سمعت أبا هريرة في بيت أم الدرداء يقول: قال رسول الله ﷺ : (ثلاث هن من الكفر بالله: النياحة، وشق الجيب، والطعن في النسب)]. ولو أن كل من ناح خرج من الملة فربما لا يبقى في الأمة أحد، فالبلدة كلها تنوح على الميت، فمنهم من ينوح ليؤدي واجباً، ومنهم من ينوح ليرجع الجميل؛ لأنه قد نيح له من قبل، ومنهم من ينوح بإخلاص، يعني: أنه قد مسه ألم الموت ونزلت به المصيبة. والعرب تقول: ليست النائحة الثكلى كالنائحة المستأجرة، وكان العرب إذا مات لهم ميت يستأجرون نساء يلطمن وجوههن ويشققن جيوبهن، ويقفن على الباب ينحن؛ حتى يعرف الذي في الخارج أن هذا البيت فيه ميت، وكانوا يعتبرون أن النياحة على الأبواب هي النعي، ولذلك جاء في صحيح مسلم وغيره أن النبي ﷺ نهى عن النعي، أي: نعي الجاهلية. وقال هنا: (ثلاث هن من الكفر بالله)، أي: الكفر العملي، فواحدة تقول: يا جملي! يا سبعي! يا الذي كنت مالي في البيت! وهكذا، وهذا نوع من أنواع النياحة. والقائلة بهذا لا شك أنها واقعة في كبائر الذنوب، لكنها لا تكفر بذلك. وكذلك الشاقة لجيبها أو الشاق لجيبه يعني: الذي يدخل يده في الثوب أو تدخل يدها في الثوب وتشقه كله، وهذا عمل من أعمال الجاهلية، والمرء لا يكفر بهذا كفراً يخرجه عن الملة. وكذلك الطعن في النسب، مثل من يقول: فلان ليس ابن فلان، وإنما فلان هذا زنى بأمه وقد أخبرني بذلك، وحتى لو كان الأمر كذلك فلا يحل التكلم بهذا، وإقرار الزاني عندك لا قيمة له؛ لأن العبرة بإقرار المذنب أمام القاضي أو الحاكم والسلطان، وأما أمامك فلا عبرة به، بل لو تكلمت به لكنت قاذفاً، ووجب إقامة حد القذف في ظهرك. والشهادة بالزنا لا يقبل فيها إلا أربعة شهود، ويشهدون أنهم قد رأوا الإيلاج حقيقة، يعني: رأوا الذكر في فرج المرأة، وإلا لم يحل لهم أن يتكلموا بكلمة واحدة، وإذا تكلم ثلاثة وجب على الحاكم أن يقيم عليهم الحد. وقد رمي رجل في زمن عمر بن الخطاب باللواط بطفل، فشهد الأول عند عمر أنه رأى، وشهد الثاني أنه رأى، وشهد الثالث أنه رأى، فجاء الرابع فقال عمر: اتق الله في أخيك هل رأيت؟ قال: يا أمير المؤمنين! رأيت شراً، قال: وماذا رأيت؟ قال: رأيت أن فلاناً وفلاناً قد التحفا بلحاف واحد يرتفع وينخفض، فقال عمر: الله أكبر، ثم أقام حد القذف على الثلاثة. والحدود تدرأ بالشبهات، وليس لازماً من كون الرجل مع المرأة في لحاف واحد، أو رجل مع رجل، أو امرأة مع امرأة؛ أنه قد تم بذلك الزنا أو اللواط أو السحاق. ولما كانت هذه من الأمور العظائم في الأمة وضع لها الشرع ضوابط دقيقة وسديدة، حتى لا تتهم الأعراض أو الأشخاص الذين هم في أصل أمرهم برآء من هذه الذنوب، وهذه الدساتير الواقية من انتشار الفواحش في المجتمع المسلم كفيلة بنقاء وصفاء هذا المجتمع، وأما نشر الأخبار هكذا بأن فلاناً زنا بأمه، وفلاناً يعمل كذا، والرجل مع بنته، والبنت مع أبيها، وغير ذلك على صفحات الجرائد، بل وتخصيص مجلات لنشر هذه الأخبار؛ فهذا باب عظيم من أبواب إشاعة الفاحشة في الذين آمنوا. ولذلك تجد الإنسان لا يعرف شيئاً عن هذه الحوادث، لكنه إذا قرأ جريدة الحوادث حصل عنده حب واستطلاع لممارسة هذه الحوادث بنفسه، وأنا أنكر على مثل هذه المواقف، ولا أريد الاستفاضة في هذا الباب؛ حتى لا أقع فيما أحذر منه.

стр. 682

حديث ابن عمر (من قال لأخيه يا كافر) قال: [عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : (من قال لأخيه: كافر فقد باء بها أحدهما)]، يعني: إما أن يكون كذلك وإما أن ترجع إليه، فإذا قال فلان عن فلان: إنه كافر، وقصد الكفر العملي لارتكابه ما قد يؤدي به حقاً إلى الكفر العملي فهو أولى بذلك، وإذا استوجب فاعل من اتهم بالكفر الكفر الأكبر كان أحرى وأولى أن يلحق ذلك به، ومثال ذلك: لو قال رجل الآن: نوال السعداوي كافرة ومرتدة فهذا اتهام، ولا بد أن ننظر في حيثياته، وما الذي جعل القائل يقول: نوال السعداوي مرتدة وكافرة؟ فيقول: نوال السعداوي تقول: الحج وثنية، مع نصوص الكتاب والسنة الآمرة به، وقد زعمت هذه المجرمة الملحدة المرتدة أنها قرأت القرآن أربعين مرة ودرسته على يد أبيها، ولا نعلم من أبوها هذا، ثم تقول: وأنا طلقت قبل زوجي هذا اثنين، وفي رواية لها تقول: وأنا خلعت قبل زوجي هذا اثنين، لو أنها اختلعت من زوجها فهذا قد أقره الشرع، ولكنها تقول: وأنا طلقت قبل هذا، والطلاق بيد الرجل لا بيد المرأة. وثالثاً: أنها أنكرت الختان، واتهمت الشريعة، ورابعاً: أنها تكلمت على الفقهاء والعلماء وقالت: إن عندهم لوثة جنسية، وأنا لا أدري ما مصدر هذا القول، وهل فجر بها أحد مشايخ الدين أو علماء الشريعة؟ أو أن أحداً منهم طلب أن يجامعها أو يزني بها، أنا لا أظن أن كلباً أو خنزيراً تتوق نفسه ويشتاق إلى مواقعتها، فضلاً عن آدمي حتى وإن كان كافراً أو مرتداً، فضلاً عن أن يكون شيخاً من شيوخ الدين. وهذا بلا شك إهدار لكرامة الإسلام والمسلمين، وهو باب عظيم جداً من أبواب الكفر والردة، وقالت غير ذلك الشيء الكثير جداً الذي يهدم ثوابت وأصولاً في الدين. إذاً: قول القائل: إنها مرتدة وكافرة وخارجة عن الملة لا ينكر عليه، بل هي أولى به؛ لأنها قد أتت ما استوجب لحوق الكفر ونسبته إليها، وأما إذا لم تقل شيئاً من ذلك ولم تأت ما يستوجب الخروج من الملة ونسبها إلى الردة والكفر، فهو بلا شك أولى بهذا الحكم. وهذا واق من الوقيعة في أعراض آخرين إلا بحقها، ولذلك قال ﵊: (من قال: لا إله إلا الله محمد رسول الله عصم بها دمه وماله وعرضه إلا بحقها وحسابه على الله). قال: [وعن ابن عمر قال النبي ﵊: (من كفر أخاه فقد باء بها أحدهما)]. قال: [وعن عبد الله بن مسعود قال: إذا قال الرجل للرجل: أنت عدوي فقد كفر أو فقد كفر أحدهما بالإسلام]، يعني: إما أن يكون المقول له هذا القول أولى بذلك أو أنها ترجع إلى القائل.

стр. 683

حديث ابن مسعود (أنه سئل عن الرشوة) قال: [عن علقمة ومسروق أنهما سألا ابن مسعود عن الرشوة فقال: هي من السحت، أي: من الحرام، قال: فقال: أفي الحكم؟ يعني: هذا من السحت في الحكم؟ قال: ذلك الكفر]، أي: أن الرشوة في الحكم أو السحت في الحكم من الكفر وليس من السحت فقط، ولكنه كفر عملي، وهذا كما لو كان شخص له شيك على أحد من الناس لا يقدر على أخذه، فلما عرف الدائرة التي ستعرض فيها قضيته وعرف القاضي الذي سوف ينظر في القضية -والقضاة معظمهم ذممهم خربة- ذهب إليه في بيته وقال له: أنا لي شيك بخمسة آلاف جنيه، فخذ منها ألفاً واحكم لي بسرعة وخلصني، فقال: نعم، وهو لما حكم بهذا حكم حكماً شرعياً، ولكنه يأثم لأخذه الرشوة، ولو أن الخصم هو الذي ذهب إليه وقال له: صحيح أن علي الخمسة آلاف جنيه هذه، وأنا لا أريد أن أدفعها، وسأعطيك نصفها لو أنهيت القضية وأخرجتني منها، والقاضي في حقيقة أمره يعلم أن هذا قضاء زور، وأن الله حرم هذا، وأن القضية من أولها إلى آخرها حرام في حرام، وأنها ظلمات بعضها فوق بعض، وهو لما حكم بهذا يعلم في حقيقة أمره أن حكمه باطل ومخالف للشرع، ويقول: أنا حكمت لأجل أن آخذ المال، أو لأنه من الجيران، فحكمت له لكي أتخلص من أبيه وعمه وخاله وجدته وأمه وأخته والذي يأتي والذي يذهب. وهناك من يجلس على كرسي في أي منصب ويقول: أنا أعرف أن هذا الكرسي كله ظلم وأني ظالم، وأن عملي الذي أعمله غلط مخالف للشرع، وسيحاسبني الله عليه يوم القيامة، فإذا قلت له: فلماذا تجلس عليه قال: أنا أحب الكرسي، ولو وقفوني عن العمل فيمكن أن أموت، ولتعلق قلبي بالكرسي أنا جالس عليه، والمهم أن لا أتركه. فأنت تقول له: هذا ظلم، وهو يقول لك: أنا أعلم منك، فأنا أعمل كذا من البلاء، فهذا لا يكفر ولا يخرج من الملة، بل هذا كفر عملي. وهناك من غير كون الشريعة الإسلامية المصدر الوحيد أو المصدر الأول من مصادر التشريع، وقال: هذا كلام ليس له أساس، بل القانون الفرنسي هو المصدر الأوحد للقضاء في مصر، يعني: زحزح الشريعة جانباً وأحل محلها تشريعاً يتصف بالتبديل والتغيير المطلق، وقال: هذا هو دين ربنا، وخمسة وتسعون في المائة منه يتطابق تمام المطابقة مع الشرع، والذي يقول هذا القول هو شيخ من أهل العلم، ويقول هذا، وإذا كان هذا كلامه هو فسيقول الآخرون: مائتين في المائة، مع أننا نرى الفرق بين أحكام الشريعة وهذه القوانين في قضايا الزنا والسرقة وشرب الخمر والعري والبلايا وغيرها، فهذه القوانين لا توافق شرع الله ولا حتى في خمسة في المائة أبداً، وما وافق من هذه القوانين شرع الله فلا نأخذ به، وإنما نأخذ بشرعنا. والتغيير العام لحكم الله وشرعه كفر أكبر، وأما التغيير في بعض المسائل بناء على الشهوة أو حب المال أو المنصب أو مخافة عدو أو غير ذلك لا يكفر به الفاعل. ولكن الفاعل يكفر إذا غير وجه الأرض في مكان يستطيع هو بكلمة واحدة أن يطبق شرع الله فيه، ولكنه عدل عن ذلك إلى شريعة بني صهيون، ولذلك قال مسروق: قلنا لـ عبد الله: ما كنا نرى السحت إلا الرشوة في الحكم، قال عبد الله: ذاك الكفر، أي: الكفر العملي.

стр. 684

حديث ابن عباس (أنه سئل عن الذي يأتي امرأته في دبرها) قال: [عن ابن طاوس عن أبيه قال: سئل ابن عباس عن الذي يأتي امرأته في دبرها؟ فقال: هذا يسألني عن الكفر]، وهذا من الكفر العملي لا من الكفر الاعتقادي، الذي يخرج به المرء من الملة. ليس كل من وقع في الكفر يكون كافراً، كما أنه ليس كل من وقع في البدعة يكون مبتدعاً، وذلك مثل شخص رأى أناساً يعملون عملاً معيناً، فدخل معهم في هذا الشيء ظناً منه أن هذه طاعة لله ، ثم بعد ردح من الزمن وسنوات طويلة اكتشف أن هذه بدعة فانتهى عنها، فهذا ليس مبتدعاً عندما كان يفعل البدعة، ولكنه لا يكون بذلك متبعاً لظنه أن هذه طاعة، وهو لم يأتها ظناً منه أنها بدعة، ولم يخبر بأنها بدعة، فلما أخبر بأنها بدعة انتهى عنها. وأما هؤلاء المبتدعة فإنهم وإن ظنوا أنهم على صواب وحق إلا أنهم نوقشوا مراراً أنهم على الباطل، وأن ما هم عليه هو باب من أبواب البدع، ومع هذا لم ينتهوا، بل كان منهم الصدود عن قبول النصيحة، (الدين النصيحة)، كما قال ﵊. فليس كل من وقع في الكفر يكون كافراً، كما أنه ليس كل من وقع في البدعة يكون مبتدعاً. وهناك من يسأل: بأن هناك شخصاً مبتدعاً، فهل تجوز الصلاة خلفه؟ فهو يحكم عليه أنه مبتدع مع أنه لم يجالسه ويبين له أن ما هو عليه أمر مبتدع وليس من دين الله، وأن دين الله في هذه المسألة كيت وكيت، وكان الأولى أن يشغل نفسه بذلك بدلاً من أن يشغل نفسه بفلان كافر وفلان مؤمن وفلان فاسق، فالأولى به أن يشغل نفسه بنفي الكفر عن الناس وإحلال الإيمان محله، وهذا واجب، خاصة والسؤال يدل على أن صاحبه من طلاب العلم.

стр. 685

حديث أبي الدرداء (سئل عن الرجل يأتي المرأة في دبرها) [قال أبو الدرداء لما سئل عن الرجل يأتي المرأة في دبرها: لا يفعل ذلك إلا الكافر]، أي: الكافر كفراً عملياً وليس اعتقادياً. وقد سألتني امرأة في هذا اليوم بعد صلاة العصر وقالت: زوجي يأتيني في دبري وأنا لم أوافقه إلى لحظتي هذه، فسألتها هل يريد أن يأتيها من دبرها في قبلها أو من دبرها في دبرها؟ فقالت: يأتيني من دبري في دبري، قلت: هذا حرام، قالت: يهددني بالطلاق، قلت: حتى وإن وقع الطلاق، فينبغي أن تتوكلي على الله وألا تمكنيه من ذلك وإن وقع الطلاق، فإنك باختيارك طاعة الله لا بد أن يبدلك الله خيراً منه، وهذا اعتقاد، وإذا لم تكوني على يقين من هذا فانتظري عقوبة أخرى، يعني: إذا لم يتعقد المرء أنه إذا ترك شيئاً لله عوضه الله خيراً منه فلينتظر عقوبة أخرى، وهي عقوبة ترك التوكل على الله ، فعلى المرء أن يفعل ما أمره الله به وينتهي عما نهاه عنه، ثم يحسن الظن بربه. وهذا هو منتهى الرجاء الذي كان عليه السلف ﵃. وهناك من تقول: أنا مضطرة لأن أبقى متبرجة؛ حتى يراني الشباب ويتقدموا لي، وبعدها سوف أتغير، وهي لا تعرف أنها ما دامت متبرجة فلن يتقدم لها إلا من كان على شاكلتها، ثم ربما إذا صارحته بنيتها هذه بعد العقد أو بعد الزواج قال: لا، أنا لن أتزوج واحدة تلبس خيمة. وهذا مثل الشخص الذي كان من قبل يسمي الحجاب الذي أنزله الله من السماء خيمة؛ استهزاء بشرع الله . فيجب على كل امرأة أن تلتزم منذ بلوغها شرع الله من أوامر ونواه، وحلال وحرام، وعقائد وأحكام، وسلوك وأخلاق، ثم تحسن الظن بربها بأنه سوف يأتيها برزقها. وهذه المرأة المتبرجة تتصور أنها سوف تتزوج رجلاً غير الذي كتب لها في اللوح المحفوظ، وكذلك الرجل الذي يحلق لحيته حتى إذا تقدم لامرأة يقولون له: نعم، أنت شكلك جميل، فنقبلك يا رجل! فهو يتصور أنه يمكن أن يقبل في بيته إلا في البيت الذي كتب له في اللوح المحفوظ. وعلي بن أبي طالب لما قيل له: ما القدر؟ وضع إبهامه على لسانه هكذا، وأطبقه في كفه وقال: القدر أن هذا مكتوب في اللوح المحفوظ، أي: أن الذي عملته مكتوب في اللوح المحفوظ أن علي بن أبي طالب سوف يعمله في وقت كذا في لحظة كذا. وقال أحمد بن حنبل لما سئل: ما القدر؟ قال: إن الله على كل شيء قدير، وفي رواية عنه قال: القدر هو قدرة الله . وقدرة الله لا منتهى لها، وأعمال العباد واقعة تحت مشيئة الله وقدرته، سواء المشيئة الشرعية الدينية أو الكونية القدرية، وأنت لا تتزود ولا تعمل ولا تذهب ولا تجيء ولا تروح إلا بقدرة الله، والله ﵎ كتب ذلك في اللوح المحفوظ، وقد جفت به الأقلام وطويت عليه الصحف، فلا يخاف المرء على رزقه أو على عمره أو على مستقبله، فكل ذلك مكتوب، وما هي إلا أسباب أمر أن يلتمسها. ولا بد أن يعلم أن السبب يجب أن يكون مشروعاً. والقول بأن الغاية تبرر الوسيلة ليس كلام المسلمين، بل هذا كلام الصهاينة واليهود، وأما عند المسلمين فلا بد أن تكون الغاية والوسيلة مشروعتين، فإذا أردت أن أصل إلى غرض نبيل معين لكني سوف انتهك الحرمات في سبيل الوصول إلى هذا الغرض، فهذا الطريق غير مشروع، ولا أطالب بسلوكه أبداً، فمثلاً الصدقة على الأيتام مشروعة، وهي عمل حسن، ولكن هذا العمل الحسن لا يحل له أن يسرق أموال الناس، بل لابد أن يكون الغرض مشروعاً والسبيل إليه كذلك مشروعاً، وكلام اليهود لا علاقة لنا به. فهذه المرأة التي يحملها زوجها على إتيانها من الدبر يحرم عليها تمكينه من ذلك، وهذا كفر عملي. وبعض البلاد الإسلامية ابتليت بهذا البلاء العظيم جداً، حتى صار إتيان النساء من أدبارهن سجية عندهم، وقد ذهبت أخت من أخواتنا -جزاها الله خيراً- طبيبة إلى أحد المستشفيات في تلك البلاد، وجلست عشرين يوماً ورجعت فارة بسرعة، وأنا في الحقيقة كنت قد أدخلت أناساً إلى تلك البلاد، ولا أعرف هذا البلاء، فسألتها: لماذا رجعت؟ قالت لي: الله يسامحك، كيف أدخلتني إلى هناك وأنا لا أعرف شيئاً؟ قلت لها: ماذا هناك؟ هل تعاملوا معك معاملة ليست طيبة؟ قالت: عاملوني معاملة طيبة، وكنت أظل طول النهار واقفة في غرفة العمليات ولابسة القفاز ويدي في أدبار النساء، فما دخلت امرأة المستشفى إلا وزوجها يأتيها من دبرها، والبلد كلها هكذا، وهذا بلاء عظيم جداً. وهذا كفر عملي بالله ، وقد انتشر هذا البلاء في البلد حتى صار وضعاً عادياً جداً.

стр. 686

حديث أبي بكرة (لا ترجعوا بعدي كفاراً) قال: [عن الحسن وابن سيرين عن أبي بكرة أن النبي ﷺ قال: (لا ترجعوا بعدي كفاراً -قال أحدهما: أو ضلالاً- يضرب بعضكم رقاب بعض)]، فقوله: (كفاراً) يعني: الكفر العملي وليس الكفر الاعتقادي.

стр. 687

حديث جرير (إذا أبق العبد لم تقبل له صلاة) قال: [عن عمر السعدي قال: كان جرير يحدث عن النبي ﷺ قال: (إذا أبق العبد لم تقبل له صلاة، وإن مات مات كافراً)]، لكن يجب أن نفرق بين العبد والأجير، فمرة كان هناك شخص يبني بيتاً ثم هرب منه الصانع، فجاء الرجل وهو غضبان إلى المسجد يقول: أريد فلاناً، وهو في المسجد موجود معنا، فقلت له: لماذا أنت غاضب؟ قال: إنه عبد آبق، تركني منذ خمسة وعشرين يوماً، ولم يأت لينهي عمله، وتركني وذهب يعمل عند هذا يومين وهذا يومين وهذا يومين، قلت: صحيح هو مقصر في العمل، ويحتاج إلى ضرب على رأسه، لكن التوصيف الفقهي الذي تقوله ليس صحيحاً، فالأجير يأخذ أجرة، والعبد لا يأخذ أجراً، وهذا هو الفارق بين العبد وبين الأجير، فلو قال السيد لعبده: ابن لي هذا الحائط فهو ملزم ببنائه، والسيد ليس ملزماً بأن يعطيه أجراً، فقال الرجل: أحد المشايخ قال لي لما أخبرته القصة: قال النبي ﵊: (إذا أبق العبد من سيده فمات على ذلك مات كافراً)، وأنا والله -يا شيخ- لا أخفي عنك أني جئت لأقتله على اعتبار أنه كافر، وهذا والله ما حدث، لتعلموا ماذا في الأمة، قلت له: وأنت جئت لتقتله بيدك؟ هذا رجل صنائعي وأنت رجل لست قوياً، قال: من الذي قال لك ذلك؟ وأخرج لي شيئاً كأنه سيقتل به جملاً وليس شخصاً، قلت له: أنت أتيت بقوة، قال: ومعي كذا كذا، ثم جلس حتى هدأ، وكان الصنائعي يسمع هذا الكلام كله، فقال لي: كثر الله خيرك يا شيخ! هل أنت متأكد أنني لست آبقاً؟ فحتى هو أيضاً متشكك هل هو آبق أم لا؟ فالعبد الآبق هو الهارب، والأبوق أو الإباق: هو الهروب. وهذا يدلنا على حكمة الإسلام، وأن الإسلام خاطب القلوب والعقول، ولو لم يكن هناك أي عقوبة دنيوية أو أخروية على الإباق والهروب؛ لكان كل عبد قد هرب من سيده وذهب إلى أي بلد آخر وجلس فيه، ولكن الإسلام خاطبه وقال له: لو أبقت فيوم القيامة سوف تدخل النار. فالعبد يجلس مع سيده مراقبة لله ، والإسلام يريد قلوباً وعقولاً نظيفة تتعامل معه، ليس مثل عقل مصطفى محمود وغيره، فهذه العقول لا تصلح مع الإسلام أبداً، فالإسلام يحتاج إلى قلوب وعقول تقول لأوامر الله: سمعنا وأطعنا، وإن خفيت حكمة الأمر والنهي على هذه العقول والقلوب؛ لأن الإسلام هو الاستسلام والإذعان لأوامر الله تعالى، كإذعان العبد لسيده والمريض بين يدي الطبيب، والطفل بين يدي أمه. واليوم يخرج علينا كل يوم إناء ينضح بما فيه، ويقول: هذا الحديث لا يعجبني شكله وإن كان في الصحيحين، ويقول: لازم نعرض كل حديث على العقل، مع أن عقله ليس نظيفاً، ولن يفهم هذا قط. ونحن لما كانت عقولنا نيرة بنور الإيمان فهمنا هذا وعلمنا أنه حق، ويكفي في كونه حقاً أننا نعتقد أن النبي قد قاله ﵊ قد قاله، حتى وإن خفيت علينا العلة. قال: [وعن جرير البجلي قال: قال النبي ﷺ : (إذا أبق العبد إلى العدو برئت منه الذمة). وقال -أي جرير -: مع كل أبقة كفرة، يعني: لو أن العبد أبق مرة كفر مرة، وإن أبق الثانية كفر الثانية، وهكذا، فمع كل مرة يأبق فيها العبد يكفر بها كفراً عملياً يلزم منه التوبة واسترضاء سيده.

стр. 688

حديث ابن مسعود (أنه دخل على امرأته فلمس صدرها، فإذا في عنقها خيط مثل التميمة) قال: [عن أبي عبيدة قال: دخل عبد الله -أي: عبد الله بن مسعود - على امرأته فلمس صدرها، فإذا في عنقها خيط مثل التميمة قد علقته في صدرها أو في عنقها، فقال: ما هذا؟ قالت: شيء رقي له فيه من الحمى] تعني: فيه رقية مكتوبة أعلقها على رقبتي لكي تذهب الحمى، [فنزعه وقال: لقد أصبح آل عبد الله أغنياء عن الشرك]. والذي يعلق هذه التميمة على صدره ويعتقد أن هذه التميمة تنفع وتضر بنفسها من دون الله مع قيام الحجة عليه يكفر ويخرج من الملة، ومن اعتقد أن النفع والضر بيد الله ، وأنه الشافي، وأنه المحيي المميت، وأنه لا ينفع ولا يضر غيره ، ولكنه ظن أن هذه التميمة سبب من الأسباب فعلقها، فهو كافر كفراً عملياً لا يخرج به من الملة، ولذلك [قال علي بن أبي طالب: إن كثيراً من هذه التمائم والرقى شرك بالله ، فاجتنبوها]. قال: [وعن ابن مسعود قال: سمعت النبي ﷺ يقول: (الرقى والتمائم والتولة شرك)]، والمقصود بالرقى التي هي شرك الرقية الغير شرعية، وإلا فالنبي ﵊ قد رقى ورقاه الناس، ولكنها رقية شرعية بلسان عربي مبين، وبكلمات الله وآياته وأسمائه وصفاته، فهذه رقية مشروعة، وأما الرقية بغير العربية كالسريانية وغيرها وبتمتمات وكلام غير مفهوم، وغير ذلك من ضرب الودع والرمل وغير هذا؛ فهذا بلا شك شرك بالله . والتميمة: هي التي يعلقها المرء. والتولة: ضرب من ضروب السحر، وهي خاصة بعمل تعمله المرأة لأجل أن تتحبب إلى زوجها ويتحبب إليها زوجها. يعني: إذا رأت المرأة أن زوجها بدأ يفكر في الزواج ثانية تقول: سأعمل له عملاً حتى أجعله يحبني ولا يتزوج امرأة أخرى، فتذهب إلى ساحر يعمل لها ما يحببها إلى زوجها، وهذا العمل يسمى تولة إذا كان خاصاً بمحبة الزوج لامرأته أو محبة رجل لامرأة، ولا يسمى رقى ولا تمائم ولا شيئاً من هذا، وهو من الشرك بالله .

стр. 689

حديث أبي ذر (ليس من رجل ادعى لغير أبيه) قال: [عن أبي ذر أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: (ليس من رجل ادعى لغير أبيه وهو يعلمه إلا كفر، ومن ادعى ما ليس له فليس منا، وليتبوأ معقده من النار، ومن دعا رجلاً بالكفر]، أي: ومن نسب رجلاً إلى الكفر، [أو قال عدو الله وليس كذلك إلا حار عليه)]، أي: رجع إليه مرة أخرى.

стр. 690

حديث (أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر) قال: [قال النبي ﷺ لما أمطرت السماء: (قال الله : أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر، أما من قال مطرنا بفضل الله، فهذا مؤمن بي كافر بالكوكب، وأما من قال مطرنا بنوء كذا وكذا، فهو مؤمن بالكوكب كافر بي، أو كافر بي مؤمن بالكواكب)]. فمن زعم أن المطر إنما ينزل بفعل الكواكب، وأن الكواكب مؤثرة في نزول الأمطار ورفعها بغير فضل الله ولا إذنه وأمره، فلا شك أنه قد كفر كفراً اعتقادياً، وأما من زعم أن الكواكب لها تأثير في المطر بفضل الله فهو كلام غير صحيح، والقائل بذلك يكفر كفراً عملياً لا كفراً اعتقادياً. أقول قولي هذا، وأستغفر الله تعالى لي ولكم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. والأثر من ألف وثلاثة وأربعين إلى آخر الباب يضاف إلى باب الخوف والرجاء، وهو الباب التالي بإذن الله تعالى؛ لأنه منه، ولكن سر جعله في هذا المكان أنه وقع للراوي في هذا الكتاب عن ابن بطة وجادة، بخلاف غيره فوقع سماعاً. والله تعالى أعلم، وصلى الله على نبينا محمد.

стр. 691

شرح كتاب الإبانة - الإيمان خوف ورجاء الإيمان خوف ورجاء، والخوف والرجاء بمثابة الجناحين للسائر إلى الله ، فلا يصح أن يعبد الله بالخوف فحسب؛ لأنه يؤدي إلى القنوط واليأس من رحمة الله ، كما لا يصح أن يعبد بالرجاء فحسب؛ لأنه يؤدي إلى الاتكال وترك العمل.

стр. 692

باب الإيمان خوف ورجاء إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة. أما بعد: فمع باب جديد من أبواب الإيمان، وهو باب: الجمع بين الخوف والرجاء، إذ إن الخوف والرجاء بمثابة الجناحين للسائر إلى الله ، بل لا يصح للمؤمن أن يعبد الله تعالى بالخوف فحسب، كما أنه لا يصح منه أن يعبد الله تعالى بالرجاء فحسب. فالخوف من الله بغير رجاء يؤدي إلى اليأس من رحمة الله ، كما أن الرجاء دون الخوف من الله يؤدي إلى التفريط والتقصير في جنب الله . ولذا عقد الإمام هنا باباً في أن الإيمان خوف ورجاء، إذ إن الخوف من شعب الإيمان، كما أن الرجاء من شعب الإيمان، فلا يستكمل إيمان العبد إلا بالخوف والرجاء معاً.

стр. 693

الآيات القرآنية الدالة على أن الإيمان خوف ورجاء قال المصنف رحمه الله تعالى: [وتخوف العقلاء من المؤمنين على أنفسهم سلب الإيمان]. أي: هكذا أهل الإيمان يتخوفون على أنفسهم من أن يسلبوا الإيمان. قال: [وخوفهم النفاق على من أمن ذلك على نفسه]. أي: خافوا أن يكون الذي أمن مكر الله ، وأمن عذاب الله ، أن يؤدي به ذلك إلى النفاق. قال: [وبذلك نزل القرآن وجاءت به السنة النبوية المطهرة، قال الله تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ﴾ [الإسراء:٥٧]]، (يرجون رحمته) يمثل جانب الرجاء، (ويخافون عذابه) يمثل جانب الخوف، ومحل ذلك كله إنما ظهر في أنهم يدعون ربهم، ولذلك قال الله تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ﴾ [الإسراء:٥٧]، ولهذا فالسنة شاهد فيما أخرجه الترمذي من حديث أنس بن مالك أنه قال: سمعت النبي ﷺ يقول: (قال الله في الحديث القدسي: يا ابن آدم! إنك ما دعوتني ورجوتني قبلتك على ما كان منك ولا أبالي). قال العلماء: الدعاء بسبب الخوف، وهذا النص في الحديث شمل الخوف والرجاء، (إنك ما دعوتني ورجوتني قبلتك على ما كان منك ولا أبالي)؛ لأن الله إليه عاقبة الأمور فلا يحاسبه أحد، ﴿لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء:٢٣]. [وقال الله : ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ [السجدة:١٦]]، أي: خوفاً من عذابه ومن ناره وعقابه، وطعماً في جنته ومغفرته ورضوانه. [وقال الله تعالى: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الآخِرَةَ﴾ [الزمر:٩]]، وهذا الخوف، والرجاء: [﴿وَيَرْجُوا رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾ [الزمر:٩]]، فهذه الآيات وغيرها كثير جداً إنما تحمل هذين الجناحين: الخوف والرجاء معاً، كما أن أحاديث كثيرة ذكرت الخوف فقط، أو ذكرت الرجاء فقط، فالذي يقف على آيات وأحاديث الخوف دون أن يقف على آيات وأحاديث الرجاء، ربما هلك من فرط خوفه وفزعه من عذاب الله ، والذي يقف على آيات وأحاديث الرجاء فقط، ربما اتكل على رحمة الله فترك الصلاة والصيام والزكاة والحج وسائر الطاعات، ووقع في سائر المحرمات اتكالاً على رحمة الله ، فلا هذا قد حقق الإيمان، ولا ذاك قد حقق الإيمان، وإنما يحقق الإيمان من حقق الخوف والرجاء معاً، وإنما يحقق الرجاء من حقق الخوف، ويحقق الخوف من حقق الرجاء، أما إذا اقتصر على أحدهما فليس بمؤمن على الحقيقة.

стр. 694

ذكر بعض الأحاديث في أن الإيمان خوف ورجاء قال: [وعن أنس بن مالك قال: (دخل رسول الله ﷺ على شاب وهو في مرض الموت فقال: كيف تجدك؟]، أي: ما هي أخبارك؟ [قال: أرجو الله وأخاف ذنوبي)]، (أرجو الله) جانب الرجاء، (وأخاف ذنوبي) جانب الخوف، وحتى في هذا الموطن؛ لأن النبي ﵊ قال: (لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله)، وقال الله تعالى في الحديث القدسي: (أنا عند ظن عبدي بي، فليظن بي ما شاء)، وفي رواية: (فلا يظن بي إلا خيراً)؛ لأن الله تعالى عند حسن ظن العبد، قال: [(فقال: أرجو الله وأخاف ذنوبي، فقال ﵊: لا يجتمع هذا في قلب عبد في مثل هذا الموطن)]،أي: موطن القدوم على الله ، وترك الدنيا والإقبال على الآخرة، [(إلا أعطاه الله الذي يرجو وأمنه الذي يخاف)؛ لأنه حقق جانبي الإيمان: الخوف والرجاء.

стр. 695

آثار في خوف السلف من ذهاب إيمانهم وخوفهم النفاق على من أمن ذلك على نفسه قال: [وعن أبي إدريس الخولاني قال: ما على ظهرها من بشر لا يخاف على إيمانه إلا ذهب]. وكأنه أراد أن يقول: ليس من أحد إلا ويجب عليه أن يحذر فوات إيمانه، وأن من أمن فوات الإيمان فلا بد أن يفوته حقيقة، إذ المرء إنما يعمل على تحصيل الإيمان وزيادته وكماله وتمامه، أما من أهمل إيمانه فهو كمن أهمل في زرعه أو في صناعته أو حرفته، فلا بد أنها إلى زوال، والإيمان من باب أولى. إذ إن الإيمان كالشجرة التي تنبت في القلب، والمعلوم أن الشجرة ما لم تحطها برعاية ولطف لا بد أنها إلى زوال، وكذلك الإيمان ينبغي أن يراعيه صاحبه في قلبه. قال: [وعن الحسن البصري قال: والله ما مضى من مضى، ولا بقي من بقي إلا يخاف النفاق]. حتى المبشرون بالجنة كانوا يخافون على أنفسهم من النفاق، فهذا عمر ﵁ المبشر بالجنة يلقى حذيفة، وهو يعلم أن النبي ﵊ قد أخبر حذيفة بأعلام وأعيان وأسماء المنافقين، فيقول له: أنشدك الله يا حذيفة! أعدني رسول الله ﷺ في المنافقين؟! عمر يخاف على نفسه من النفاق، فمن باب أولى أن يخاف أحدنا من ذلك، أو أن يقف الواحد منا مع نفسه وقفة جادة لمعرفة ما إذا كان منافقاً أو فيه شعبة أو خصلة من خصال النفاق، فيراجع نفسه ويتخلص منها، ويعمل على كمال وتمام وزيادة الإيمان في قلبه بإتيان الطاعات واجتناب المنهيات. فقال حذيفة لـ عمر ﵄: لا يا عمر! ولا أزكي أحداً بعدك، أي: لم يذكرك النبي ﵊ في المنافقين، ولكني أرجوك ألا تفتح هذا الباب حتى لا يسألني أحد غيرك فيكون منهم، فاضطر اضطراراً إلى إخباره بأنه من المنافقين، فتكون الفتنة بعد ذلك بيني وبين أصحاب النبي ﵊. قال: [وما أمنه إلا منافق]. أي: ما أمن النفاق على إيمانه إلا إنسان قد استهتر بهذا الإيمان. وقد ورد عن أبي بكر الصديق ﵁ أنه قال: لو أن إحدى قدمي في الجنة والأخرى خارجها ما أمنت مكر الله. وهذا يدل على وجود الإيمان من أبي بكر الصديق ﵁، وهو كذلك حقاً، ولذلك قال غير واحد: ما سبق أبو بكر الأمة بكثير صلاة ولا صيام، وإنما سبقها بشيء وقر في قلبه، ألا وهو الإيمان. قال: [وقال طريف بن شهاب: قلت للحسن البصري: إن أقواماً يزعمون ألا نفاق]، أي: أنه ليس هناك شيء اسمه نفاق، قال: [ولا يخافون النفاق! قال الحسن: والله لأن أكون أعلم أني بريء من النفاق أحب إلي من طلاع الأرض ذهباً]. أي: يرد عليه فيثبت النفاق، بدليل أن الحسن يتمنى لو أنه أخبر أنه ليس فيه شعبة من النفاق، وأن ذلك أحب إليه من أن تنبت الأرض ذهباً، فيقول الحسن: فيشتري الخبر بطلاع الأرض كلها ذهباً، على أن يخبر أنه ليس من المنافقين، أو أنه ليس على شعبة من النفاق. قال: [وعن الحارث بن معاوية قال: إني لجالس في حلقة وفيها أبو الدرداء وهو يومئذ يحذرنا الدجال]. وكما تعلمون أن الدجال أعظم فتنة إلى قيام الساعة، وما من نبي إلا حذر أمته الدجال، فـ أبو الدرداء ﵁ في حلقته يحذر الأمة الدجال. قال: [فقال له الحارث بن معاوية: والله لغير الدجال أخوف على نفسي من الدجال]، أي: أنا أخاف على نفسي شيئاً هو أعظم من الدجال. [فقال أبو الدرداء: وما الذي أخوف في نفسك من الدجال؟ قلت: إني أخاف أن يسلب مني إيماني ولا أدري]. أي: أخاف أن يذهب إيماني دون أن أدري. [قال: لله أمك يا ابن الكندية!] أي: كأنك أتيت بشيء عظيم حقاً، وجدير بالاهتمام، فقال: [لله أمك يا ابن الكندية! أترى في الناس مائة يتخوفون مثل ما تتخوف؟ لله أمك يا ابن الكندية! أترى في الناس خمسين يتخوفون مثل الذي تتخوف؟ لله أمك يا ابن الكندية! أترى في الناس عشرة يتخوفون مثل ما تتخوف؟ لله أمك يا ابن الكندية! أترى في الناس ثلاثة يتخوفون ما تتخوف؟ والله ما أمن رجل قط أن يسلب إيمانه إلا سلبه، وما سلبه فوجد فقده]. أي: إذا سلب الإيمان فإنه يصعب جداً أن يعود إلى صاحبه مرة أخرى، وكأن أبا الدرداء أقر الحارث بن معاوية على أن رعاية الإيمان أعظم بكثير جداً من الانشغال بفتنة المسيح الدجال. قال: [وعن أم الدرداء قالت: كان أبو الدرداء كثيراً ما يقول: إذا هلك الرجل على الحال الصالحة هنيئاً له، ليت أني بدله]! أي: إذا مات المرء على حال صالحة مرضية فهنيئاً له. [فقالت أم الدرداء -وهي ا

стр. 696

ذكر الآثار عن السلف في الخوف والرجاء

стр. 697

أثر أبي بكر الصديق: (والله لو قيل: لا يدخل الجنة) وهذا الباب يكمله بعض النصوص التي سبقت هذا التبويب مباشرة. قال: [وقال أبو بكر الصديق ﵁: والله لو قيل لا يدخل الجنة إلا رجل واحد لرجوت أن أكون أنا هو]. في هذا الموقف الرهيب يحقق جانب الرجاء، قال: [ولو قيل: لا يدخل النار إلا رجل واحد لخفت أن أكون أنا هو]. أيضاً في هذا الموقف الرهيب يحقق جانب الخوف، وهذا أبو بكر الصديق ﵁.

стр. 698

أثر عون بن عبد الله: (قال لقمان لابنه: (يا بني أرج الله) قال: [وعن عون بن عبد الله قال: قال لقمان لابنه: يا بني ارج الله رجاءً لا تأمن فيه مكره]. أي: أرجه؛ لكن لا تأمنه أن يمكر بك، إذ إن الله يمكر بالعبد إذا رجاه بغير عمل، لكن إن حقق العمل أولاً ثم رجا الله تعالى كان رجاؤه رجاءً شرعياً صحيحاً، فرجاء بغير عمل إنما هو تمن، أما عمل يعقبه رجاء فهو الرجاء الشرعي الممدوح عند أهل السنة. قال: [يا بني ارج الله رجاءً لا تأمن فيه مكره، وخف الله خوفاً لا تيأس فيه من رحمته]. أي: لا بد أن يحقق العبد جانب الرجاء، لكن رجاءً لا يعطله عن العمل، كما أنه يجب عليه أن يخاف الله تعالى، لكن خوفاً منضبطاً بضوابط الشرع لا يؤدي به إلى اليأس والقنوط من رحمة الله ، فالأول شكر، والثاني كفر. [فقال ابن لقمان لوالده: كيف أستطيع ذلك يا أبت! وإنما لي قلب واحد؟ قال: يا بني! إن المؤمن هكذا له قلبان: قلب يرجو به، وقلب يخاف به]. وهو في الحقيقة قلب واحد، لكنه يقوم بالوظيفتين: وظيفة الرجاء، ووظيفة الخوف.

стр. 699

أثر بكر المزني: (لو انتهيت إلى هذا المسجد) قال: [وعن بكر بن عبد الله المزني قال: لو انتهيت إلى هذا المسجد وهو غاص بأهله مفعم من الرجال]، أي: قد امتلأ بالرجال، [فقيل لي: أي هؤلاء خير؟ لقلت لسائلي: أتعرف أنصحهم لهم؟ فإن عرفه عرفت أنه خيرهم، ولو انتهيت إلى هذا المسجد وهو غاص بأهله، مفعم من الرجال، فقيل لي: أي هؤلاء شر؟ لقلت لسائلي: أتعرف أغشهم لهم؟ فإن عرفه عرفت أنه شرهم، وما كنت لأشهد على خيرهم أنه مؤمن مستكمل الإيمان، ولو شهدت له بذلك شهدت أنه في الجنة، وما كنت لأشهد على شرهم أنه منافق بريء من الإيمان، ولو شهدت عليه بذلك شهدت أنه في النار]، ثم قال: وهذا الموقف الثاني: [ولكني أخاف على خيرهم، فكم عسى خوفي على شرهم، فإذا رجوت لشرهم فكم رجائي لخيرهم؛ هكذا السنة]! فهذا الإمام يقعد قاعدة إيمانية عظيمة جداً كما هو مذهب أهل السنة والجماعة، هذه القاعدة هي: أن أهل السنة لا يشهدون لأحد بالجنة إلا من شهد له القرآن والسنة بذلك، كـ أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وسعد بن أبي وقاص وغيرهم من الصحابة الكرام؛ لأن النبي ﵊ قد شهد لهؤلاء جميعاً بالجنة، فلا أتوقف أنا قط في دخول هؤلاء الجنة، ولو شهد القرآن والسنة بأن فلاناً في النار فلا أتوقف في اعتقادي أن فلاناً في النار، مثال ذلك: أبو طالب في النار، مع أنه عم النبي ﵊، وعبد المطلب في النار، وأبو لهب في النار؛ لأن القرآن والسنة قد شهدا بأن هؤلاء في النار، والنبي ﵊ قد أخبر عن بعض من كان يجاهد معه أنه في النار بسبب بعض المعاصي التي وقع فيها وارتكبها، فأشهد أنه دخل النار لكنه لا يخلد فيها؛ لأن المؤمن أو المسلم العاصي إنما يدخل النار فيأخذ جزاءه أو يعفو الله عنه، بخلاف المنافق فإنه في الدرك الأسفل من النار، ونحن نعتقد أن هذه الثلة المنافقة الذين كانوا في زمن النبوة خمسة عشر أو ستة عشر رجلاً كانوا من المنافقين، وهم في الدرك الأسفل من النار، وقد عدهم الإمام مسلم عدداً مجملاً ستة عشر شخصاً، وهؤلاء هم رءوس النفاق في زمانه ﵊. لكن يبقى بعد ذلك أنني أرى أن هذا الرجل من أهل الصلاح؛ فهل ذلك يستوجب له القطع بالجنة؟ ولذلك أخبرنا النبي ﵊ أنه لا يحل لنا أن نزكي على الله أحداً، لكن نقول: فلان نحسبه على الخير والله حسيبه، أي: إلى الله تعالى سره، فظاهره يحتمل الصلاح، وأعماله أعمال الخائفين، لكن هل هو محق في هذا؟ والأعمال القلبية كما قال ﵊: (وإن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة فيما يبدو للناس، حتى لا يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها)، والعكس بالعكس، ففيما يبدو لي أن فلاناً من أهل الصلاح، لكن هل هو كذلك عند الله؟ أنا أرجو ذلك، ولا أقطع بهذا؛ لأني لو قطعت بأنه من الصالحين فلا بد أن أقطع له بالجنة؛ لأنه صالح، والجنة يدخلها الصالحون، فأقول: هو صالح، لكن الله حسيبه، وأما إن كان فاسداً فهل يحكم له بالفساد، وبالتالي يحكم له بالنار؟ لا أدري، فأنا أخاف عليه ذلك، ومعتقد أهل السنة والجماعة أنهم لا يزكون على الله أحداً، وإنما يرجون الثواب للطائع ويخافون على العاصي، يرجون رحمة الله للطائع، ويخافون على العاصي، أقول لك: يخافون على العاصي، ولا يتهمونه ولا يسبونه ولا يدعون عليه، وإنما يخافون عليه العذاب، ويتمنون لو أنه انتقل من حال الفساد إلى حال الصلاح والطاعة، أما الحكم له بجنة أو نار فهذا ليس لأحد. ولذلك لما رأى أحد الصالحين رجلاً من أصحاب المعاصي على معصية فقال: والله لا يغفر الله لفلان، غضب الله تعالى من هذا القول غضباً شديداً وقال: (من ذا الذي يتألى عليَّ؟)، والتألي هو: الحلف والقسم، أي: من ذا الذي يحلف على الله أنه لا يغفر لفلان؟ وقال الله تعالى: (أشهدكم أني قد غفرت لفلان وأحبطت عمله)، أي: أن الله تعالى غفر لهذا المذنب، وأحبط عمل هذا الصالح؛ لأنه خالف منهج أهل السنة والجماعة في أنهم يتمنون الرأفة بالصالح، ويخافون على العاصي، ولا يقطعون عليه بحكم؛ لأن هذا القطع ليس لأحد إلا لله ، فمن باب التألي على الله أن يقال: إن فلاناً من أهل النار، وإن فلاناً من أهل الجنة، كما أن منهج أهل السنة والجماعة أنهم لا يقطعون لأحد بعينه بمثل هذا، وإنما يرجون أن يكون شهيداً، وهذا لا يمنع إطلاق الشهادة العامة لا الخاصة، فنقول: شهداء بدر، شهداء أحد، شهداء الثورة؛ لأنه ليس في هذا قطع لفلان بعينه أنه من أهل الجنة، لكن لو قلت: فلان شهيد، فبهذا أكون قد قطعت له بالجنة، وبالتالي فلا بأس بإطلاق الحكم العام الذي لا يخص به أحد من بين هذه العموم، دون بقية من شاركه في ذلك. ولذلك فهذا باب عظيم جداً من معتقد أهل السنة والجماعة، أنهم لا

стр. 700

أثر معاوية بن حرمل: (لو نادى منادٍ من السماء) قال: [وقال معاوية بن حرمل: لو نادى مناد من السماء: لا يدخل الجنة غير رجل واحد لرجوت أن أكون أنا هو، ولو نادى مناد من السماء: لا يدخل النار إلا رجل واحد لم أزل أخاف أن أكون أنا هو، حتى أعلم أأنجو أم لا]، أي: حتى يأتيني الخبر اليقين المتعلق بي أنا، قال: [ولو نادى مناد من السماء أن معاوية بن حرمل من أهل النار لم أزل أعمل حتى تعذرني نفسي]. وهذا كلام عظيم جداً يرد به على الذي يتكلون على المكتوب والمقدر ويتركون العمل، فالنبي ﵊ أجاب عن هذا السؤال فقال: (اعملوا فكل ميسر لما خلق له)، أي: أنت مهدي إلى طريقك الذي كتبه الله لك في اللوح المحفوظ، إذ كل يعمل بهذا الأجل المحفوظ، وبهذا القدر المكتوب، والله ما كتبه عليك ظلماً، فحاشاه سبحانه أن يظلم عباده ذرة أو أقل من ذلك، ولكن الله تعالى أعذر العباد من أنفسهم بأن جعلهم عقلاء، ولما مدحهم مدحة العقل كلفهم، ولم يكلفهم إلا بعد أن أرسل إليهم الرسل، وأنزل عليهم الكتب؛ ليهلك من هلك عن بينة، ويحيا من حيَّ عن بينة، فقامت الحجج على الخلق، وليس للمرء إلا أن يجتهد في الطاعة بإتيان الأمر وترك النهي، ولازم عليه بعد ذلك أن يرجو رحمة الله تعالى وأن يخاف عذابه.

стр. 701

أثر وهب بن منبه: (الرجاء قائد) قال: [وعن وهب بن منبه أنه كان يقول: الرجاء قائدك]، أي: يقودك إلى الله، [والخوف سائق]، أي: يسوقك من الخلف، [والنفس حرون]، أي: تحرن عليك وتمتنع عن العمل، كما يقال: هذا الحمار حرن مني، أي امتنع عن السير والعمل، وهكذا النفس، فالرجاء يقودها إلى الله، والخوف يسوقها من الخلف، إذاً النفس في الوسط، أمامها الرجاء وخلفها الخوف. قال: [إن فتر قائدها]، وهو الرجاء، [صدت عن الطريق فلم تستقم لسائقها، وإن فتر سائقها لم تتبع قائدها، فإذا اجتمعا استقامت طوعاً وكرهاً]. وكأنه قال: الخوف والرجاء لا بد منهما للنفس التي ترغب أن تصل إلى الله ؛ خوفاً من عذابه وناره، وطمعاً في جنته ورحمته.

стр. 702

أثر علي بن أبي طالب: (ألا أخبركم بالفقيه) قال: [وعن علي بن أبي طالب ﵁ قال: ألا أخبركم بالفقيه كل الفقيه؟] أي: ألا أخبركم بالفقيه حقاً؟ قال: [من لم يقنط الناس من رحمة الله]، وهذا كلام الدعاة والوعاظ، [ولم يؤمنهم من مكر الله، ولم يرخص لهم في معاصي الله. وذكر الحديث]. فالذي يكون كل كلامه في الجنة حتى يوقن الرجل أنه ليس هناك شيء اسمه: عذاب ولا عقاب ولا نار، وأن الله غفور رحيم، وبالتالي فلماذا نصلي ونصوم ورحمة الله قد وسعت كل شيء حتى اليهود والنصارى؟ هكذا يقول! بل هكذا اعتقد أحد المسلمين وقال لي: أتظن أن رحمة الله تعالى لا تشمل اليهود والنصارى؟ قلت: والله لا تشملهم، قال: يلزمك التكفير عن هذه اليمين! فقلت: الذي لا يكفر اليهود والنصارى فهو كافر، وإن كان يصلي ويصوم ويزكي ويحج ويزعم أنه مسلم؛ لأنه قد كذب الله تعالى في آياته، وكذب النبي صلى الله في حديثه، والقرآن والسنة قد ملئا بالآيات والأحاديث التي تدل على أن كل من لم يؤمن بالله رباً، وبمحمد ﵊ نبياً ورسولاً، ويعمل بمقتضى هذا الإيمان؛ فإنه كافر، ولعل الوقت يسمح بسرد ذلك بإذن الله إذا تكلمنا عن الإيمان. فالفقيه الحق هو الذي يعطي الناس جرعة خوف مع جرعة رجاء، فيخرج المرء من مجلس الوعظ بين الخوف الذي يحمله على العمل، وبين الرجاء الذي لم يقنطه من رحمة الله ، النبي ﷺ وهو أول من تنشق عنه الأرض، وهو الذي غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وهو سيد الأولين والآخرين، ومع هذا كان يقوم من الليل حتى تتفطر قدماه، فلما قالت عائشة: (يا رسول الله! أليس الله تعالى قد غفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ فقال النبي ﵊: أفلا أكون عبداً شكوراً)، والشكر باب من أبواب الرجاء لله ، كما أنه باب من أبواب الخوف لله .

стр. 703

دخول الجنة لا يكون إلا برحمة الله قال: [وعن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: (لا يدخل أحداً منكم عمله الجنة، قيل: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله منه برحمة وفضل، ووضع يده على رأسه ﵊]. يا إخواني! مهما عمل العاملون، فإنهم لا يكافئون الله تعالى في أدنى نعمة أبداً. وعند الحاكم من حديث أنس بسند لا بأس به أن النبي ﵊ قال: (كان رجل فيمن كان قبلكم عبد الله ستمائة عام)، فهل هناك أحسن من هذا؟ ستمائة عام وهو في عبادة مستمرة، ما بين قائم وراكع وساجد وداع وتال وغير ذلك. قال: (فقال الله له: تمن، فتمنى أن يموت وهو ساجد، فمات وهو ساجد، ثم أمر به فجاء بين يدي الله ، فقال الله: أدخلوا عبدي الجنة بفضلي، فقال العبد: لا يا رب! بعملي، فأمر الله تعالى الملائكة أن يزنوا عبادة ستمائة سنة في مقابل نعمة البصر فقط، فلما وضعوا البصر في كفة والعمل في كفة طاشت عبادة ستمائة عام، فقال الله : أدخلوا عبدي النار، فقال: يا رب! أدخل الجنة بفضلك، فدخل الجنة بفضل الله . فلا بد أن يحاسب الواحد منا نفسه، وأن يرد الفضل إلى الله، إذ إنه الذي قواه على العبادة، وإذا استمر هذا العبد في عبادة الله ستمائة سنة فمن الذي قواه عليها؟ ومن الذي هداه إليها؟ إنه الله تعالى مصدر كل خير، فلا يغتر المرء بعمله؛ لأن المرء لا يدخل الجنة بعمله، إنما العمل سبب لدخول الجنة أو دخول النار، أما دخول الجنة فهو بفضل الله ، ودخول النار بعدل الله .

стр. 704

موقف السلف من المرجئة وتخويفهم من معتقدهم قال: [وعن ابن أبي مطيع قال: شهدت أيوب وعنده رجل من المرجئة]. وأيوب هو أيوب بن أبي تميمة السختياني البصري الإمام الكبير، والمرجئة يقولون في الإيمان إنه تصديق القلب، والعمل ليس من الإيمان، ولذلك دفعهم هذا إلى أن يقولوا لزاماً بهذا النص: إن إيمان أفسق الخلق كإيمان جبريل وميكائيل؛ لأن العمل لا علاقة له بالإيمان عندهم، فيستوي مع جبريل عندهم من قال: لا إله إلا الله محمد رسول الله وصدق بهذه الكلمة بقلبه، ولو ترك كل الأوامر وارتكب كل النواهي؛ فهذا إيمانه كإيمان جبريل وميكائيل، وهذا كلام دعاة الفساد والمجلات، فالعمل عندهم لا علاقة له بالإيمان البتة. قال: [فجعل يقول: إنما هو الكفر والإيمان]، أي: أن هذا المرجئ يقول لـ أيوب إمام السنة في زمانه: الإنسان إما كافر! وإما مسلم، وليس هناك غير هذا. قال: [وأيوب ساكت، فأقبل عليه أيوب فقال: أرأيت قول الله : ﴿وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة:١٠٦]]، فهذه الآية هل يمكن أن تكون نزلت في الكافرين؟ أليست المسألة كلها عند المرجئة إيماناً أو كفر؟ أيضاً هل هذه الآية موافقة للقواعد التي قعدها المرجئة لأصل مذهبهم، أم أن هذه الآية تشهد لمذهب أهل السنة والجماعة؟ ((وَآخَرُونَ))، أي: من الخلق ((مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ))، أي: يوم القيامة ((إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ)). ثم مستحيل أن هذه الآية في صفات الكفار؛ لأن الكفار في عذاب الله يقيناً، وأنه لا تلحقهم التوبة أبداً إذا ماتوا على الكفر، فهذه الآية وردت للعقوبة أو العفو عنهم يوم القيامة، وهل يكون عن الكافر عفو يوم القيامة؟ لا يمكن العفو عن الكافر يوم القيامة، وقد يأتي من يقول: أليس الله على كل شيء قديراً؟ بلى، ونحن مؤمنون بهذا؛ لكن الله الذي هو على كل شيء قدير خلق الجنة وخلق النار، وجعل لكل منهما قسماً، وقال: يا أهل الجنة خلود بلا موت، ويا أهل النار خلود بلا موت! والله أخبرنا أن المنافقين في الدرك الأسفل من النار، فإذا جاء شخص وقال: هل يمكن أن الله لا يجعل المنافقين في الدرك الأسفل من النار؟ نقول: نعم؛ الله قادر على كل شيء، لكنه لما كان قادراً أخبرنا أنه بقدرته سيجعل المنافقين في الدرك الأسفل من النار. إذاً: هناك أمور تدل على المستويات الأخرى أبداً؛ لأن القرآن والوحي انقطع بموت النبي ﵊، فلا بد أن تستقر مسائل الإيمان والكفر في قلب العبد وذهنه. فهذا النص: ((وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ)) معناه: مؤخرون بمشيئة الله يوم القيامة، ((إما يعذبهم وإما يتوب عليهم)) أي: فإما أن يعذبهم بعدله، وإما أن يتوب عليهم ويغفر لهم ويدخلهم الجنة بفضله. وهذه مسألة متعلقة بالعمل، ولذلك أرجأهم الله تعالى، وأخرهم إلى يوم القيامة، وهم في مشيئته، إن شاء عذب وإن شاء غفر، وهذا بسبب أعمالهم المخالفة لأوامر الشرع، وارتكابهم لما نهى عنه الشرع. فهم في مشيئة الله، إن شاء عذبهم وإن شاء غفر لهم، وإنما كان ذلك بسبب أعمالهم، إذاً: هذا العمل متعلق بالإيمان. [قال أيوب: أمؤمنون أم كفار؟] أي: هل هذه الآية أنزلت في المؤمنين أم في الكفار؟ [فسكت الرجل. فقال له أيوب: اذهب فاقرأ القرآن، فكل آية فيها ذكر النفاق فإني أخافها على نفسي]. أي: أنه يخاف أن يكون من أهلها، لكن ليس صحيحاً أن يعتقد أنه من أهل النفاق. يأتي أخ يقول لك: والله العظيم أنا منافق، طيب هذا النفاق هل هو أكبر أم أصغر؟ يقول لك: أكبر. إذاً: لماذا لا تتوب إلى الله ؟ يقول لك: أنا يئست! أقول: فماذا ستعمل؟ يقول: أنا من أهل النار فلن أعمل إذاً! فهو يوطن نفسه على أن يترك طاعة الله ثم يقع في معاصيه، وهذا على أية حال خلاف عقيدة أهل السنة والجماعة. قال: [وقال ابن أبي مليكة: قد أتى علي برهة من الدهر وما أراني أدركت رجلاً يقول: أنا مؤمن]. أي: أن ابن أبي مليكة قد أدرك عدة من أصحاب النبي ﵊، ولم يجد أحداً منهم يقول: أنا مؤمن، وإنما رجل يخاف على نفسه من النفاق. قال: [وما أراني أدركت رجلاً يقول: أنا مؤمن، فما رضي بذلك حتى قال: إيماني مثل إيمان جبريل]. وهذا يخوف المرجئة، إذ يقول: حينما لقيت الصحابة كلهم لم أجد فيهم أحداً قال: أنا مؤمن، وإنما كان كلهم خائف على نفسه من النفاق، وأنت غارق في المعاصي وتقول: أنا مؤمن وتتبجح بذلك، كما تترك الأوامر وتقع في النواهي وتزعم أنك مؤمن! هذا شيء عجيب جداً، وليس عليه مذهب السنة. قال: [وما كان محمد ﷺ يتفوه بذلك، وما زال الشيطان يتقلب بهم حتى قال: مؤمن وإن نكح أمه وأخته وابنته!] أي: أن نكاح الأم والبنت والأخت عندهم معاص، وعندهم أن صاح

стр. 705

كلام علماء أهل السنة في الخوف والرجاء
следующие страницы →