Полный текст (1 284 стр.). Показаны 1051–1090 · переход к 1056.
стр. 1051
حكم العلاج بالعسل
السؤال
ما حكم استخدام العسل في العلاج مثل استخدامه في فتحة الشرج؟
الجواب
جائز.
стр. 1052
حكم تشميت العاطس
السؤال
إذا قال العاطس: الحمد لله، فهل يجب على كل من سمعه أن يقول له: يرحمك الله؟
الجواب
هذه المسألة محل خلاف بين أهل العلم، وقد ذكر ابن عبد البر في مطلع كتابه الاستذكار فروض الكفايات وفروض الأعيان وحقوق الإسلام، فذكر كما هو راجح في مذهب المالكية أن هذا من فروض الأعيان، كتشييع الجنازة مثلاً أو الصلاة عليها أو رد السلام أو عيادة المريض، فترجح لديه أن هذا فرض عين على كل من سمع السلام مثلاً أو ألقي ﵇، فلو دخل شخص الآن المسجد وقال: السلام عليكم فعلينا كلنا الرد عليه، والجمهور على أن هذه الواجبات من فروض الكفايات، وإذا رد البعض سقط الإثم عن الباقين.
وأما المالكية فترجح لديهم أن هذه الواجبات هي واجبات على الأعيان، والراجح هو مذهب الجمهور.
стр. 1053
حكم الاستعانة بالجن على إخراج الكنوز من باطن الأرض
السؤال
هل يجوز الاستعانة بالجان لاستخراج الكنوز وغيرها من باطن الأرض؟
الجواب
قد أجبنا على هذا السؤال مراراً بأنه لا يجوز ذلك.
стр. 1054
الواجب على من أراد أن يكون طالب علم
السؤال
ماذا أفعل لكي أكون طالب علم وماذا علي؟
الجواب
الذي عليك أن تواظب على حضور مجالس العلم.
стр. 1055
النية شرط في العبادات
السؤال
هل النية شرط في أعمال العبادات والطاعات وأيضاً في الأعمال المباحة كالأكل والشرب والاغتسال المباح والنوم، أم في العبادات فقط، وكيف تعقد عند كل عمل إن كانت شرطاً لصحة العمل، وجزاكم الله خيراً؟
الجواب
النية شرط في العبادة بلا خلاف بين أهل العلم، والنية هي التي تفرق العادة من العبادة، كما أنها تفرق العبادات بعضها عن بعض، فهذا فرض وهذا نفل، فالنية هي التي دفعتك إلى الدخول في العبادة، فمثلاً: أنت عندما تسمع أذان العشاء وتتوضأ وتخرج من البيت وتقف في الصف خلف الإمام، فهذا الخروج من البيت والوقوف مع الإمام وأداء الصلاة معه من النية، فهي لا تنعقد نطقاً وإنما تنعقد بالقلب؛ لأن محلها القلب، فلا يلزم أن تقول مثلاً: نويت أن أصلي العشاء في المسجد الفلاني في الساعة الفلانية خلف الإمام الفلاني، وغير ذلك من الكلام الطويل الذي يقوله الناس.
стр. 1056
ما يحذر العاقد فعله أيام العقد
السؤال
هل يجوز للعاقد أن يقبل ويضم زوجته قبل البناء، وإن كان لا يجوز فما الذي يجوز له؟
الجواب
الأخ عبد المنعم إبراهيم صنف كتاباً لطيفاً في هذه الحقوق اسمه الإتحاف، وأعطاني نسخة منه يوم الجمعة الماضية، وهو كتاب لطيف إن شاء الله، فيه من الفوائد والأحكام الشيء الكثير، ويلزم كل عاقد على أن يعرف ما له وما عليه.
وأما هل يجوز له أن يضم ويقبل؟ فإذا كانت الإجابة بالإيجاب فإنه يخشى مما هو أبعد من ذلك، فينبغي لكل عاقل أن يحترم نفسه، وأن يصبر على حرقة الشوق مدة العقد حتى يدخل بشيء من الحب والشوق إلى امرأته بعد البناء؛ لأن الذي يقبل ويحضن وغير ذلك خاصة إذا طالت مدة العقد فإنه يفتر شيئاً فشيئاً حتى إذا أتى موعد البناء لم يكن له حاجة فيها في الغالب، ثم إن هذا قد يؤدي إلى جماعها، وغالباً الإنسان إذا كان شاباً ولم يسبق له الزواج لا يأمن على نفسه، وعائشة ﵂ في غير ما حديث تقول: (فكان رسول الله ﷺ يقبلني وهو صائم ويخرج إلى الصلاة فيصلي ولا يتوضأ)، يعني: بوضوئه الأول، (وكان النبي ﷺ أملككم لإربه، وأيكم -تخاطب الصحابة- أيكم أملك لإربه؟) أي: حاجته وشهوته، فإن أحداً لا يستطيع ذلك، فإذا كان هذا الخطاب للصحابة فهو من باب أولى أن يكون لشباب اليوم الذي يتحرق ناراً وشوقاً إلى معاشرة النساء.
فإذا علم أن المعقود عليها حلال له الاستمتاع بها ظاهراً فربما أدى به إلى الإيقاع بها باطناً، وأحد الإخوة لما علم أن ذلك له مباح فعل، فلما فعل استنكف جداً أن تكون هذه امرأته، وقال: هذه المرأة ليست شريفة، ولو كانت شريفة لدفعتني ومنعتني، فلما فعلت ذلك هذا يدل على أنها مكنت من نفسها غيري، فلا مانع أن تمكن الغير منها بعد البناء، ولعب الفأر بعبايته أو برأسه واستقر أمره على أن يطلقها.
ووقعت أكثر من عشر حالات على هذا النحو ثم وقع بينهم الطلاق، ولابد من النظر إلى العرف، فكيف ينظر أهل الحي لهذه المرأة؟ وهل ينظرون إليها على أنها زانية أم أنها شريفة وأن زوجها هو الذي أتاها؟ فينظر المجتمع الجاهل على أن هذا المرأة زانية، وظاهر نصوص القرآن والسنة توجد فيها فروق كثيرة بين المعقود عليها وبين المدخول بها من جهة الحقوق، من الميراث والعدة، وغير ذلك من سائر الحقوق التي بين الزوجين.
أسأل الله تعالى أن يتقبل مني ومنكم صالح الأعمال والأقوال، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
وصلى الله على نبينا محمد.
стр. 1057
شرح أصول اعتقاد أهل السنة - ما جاء في أن الإيمان اسم مدح
معتقد أهل السنة والجماعة أن الإيمان قول وعمل واعتقاد، يزيد بالطاعات وينقص بالمعاصي والسيئات، فالأعمال الصالحة داخلة في مسمى الإيمان؛ وما من عمل إلا وهو يؤثر في إيمان العبد؛ فإما يزيده، وإما ينقصه، وإما يسلبه بالكلية.
стр. 1058
ما ورد في كتاب الله تعالى في أن اسم الإيمان اسم مدح وأن المؤمنين في الجنة
بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن والاه.
وبعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.
أما بعد: فأول الجزء السادس من كتاب أصول الاعتقاد للإمام اللالكائي يتكلم عما ورد من الآيات في كتاب الله ، في أن اسم الإيمان اسم مدح، وأن المؤمنين في الجنة.
стр. 1059
المقصود من اسم الإيمان الوارد في الكتاب والسنة
أنا أريد أن أقول: إن مصطلح الإيمان أو اسم الإيمان واسم الكفر أو الفسوق أو العصيان وضعت لمعانٍ معينة.
أما ما ورد في الكتاب والسنة باسم الإيمان فإنما ورد في معرض المدح لا في معرض الذم، وأن هذا المصطلح إنما وضع للأعمال والمعتقدات، مما يدل على أن الأعمال داخلة في الإيمان؛ لأنه لما تكلم الله في غير ما موطن من كتابه عن المؤمنين تكلم لا عن ذات المؤمنين وإنما عن السبب الذي مدح به المؤمنون، وهو أنهم يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم عن اللغو معرضون، وغير ذلك من صفات المؤمنين، فالمدح إنما انصب على عملهم.
أما هم فهم في الجنة والسبب أعمالهم التي هي داخلة في مسمى الإيمان أو في حقيقة الإيمان، وهذا بخلاف غيرهم ممن أوردهم الله على سبيل الذم، وهم المنافقون، والكافرون، والعصاة، ولكل واحد منهم منزلة في النار، أو يعفو الله عن عصاة الموحدين، فهو يفعل ما يشاء .
فالمؤلف ﵀ أراد أن يبين في هذا الباب أن مصطلحات معينة في الشرع وضعت، منها ما وضع للمدح كمصطلح الإيمان، ومنها ما وضع للذم كمصطلح الفسوق والعصيان والنفاق والكفر.
أما الإيمان فإنما هو اسم مدح لأهله؛ لأنهم عملوا كيت وكيت من الأعمال الصالحة، وأما مصطلحات الفسوق والعصيان والفجور والنفاق والكفر فكلها مصطلحات ذم وضعت لأقوام عملوا لمعصية الله ، وعدد بعض الصفات التي استوجبت لأصحابها النار، كما أنها استوجبت لأصحابها اسم الفسوق أو العصيان أو النفاق أو الفجور أو الكفر، وغير ذلك من سائر المصطلحات التي تستوجب النار أو يعفو عنها الغفار ﵎.
قال الله تعالى: ﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لا يَسْتَوُونَ﴾ [السجدة:١٨]، أي: أفمن كان مؤمناً من الناس يعمل الطاعات وينتهي عن المعاصي كمن كان فاسقاً، والفاسق: هو من ارتكب كبيرة أو أصر على صغيرة، سواء من جهة الميل القلبي أو من جهة العمل، أي: عمل الجوارح.
فإن الذي يزني لا بد أن يسلب عنه حين الزنا اسم الإيمان، ولذا فإننا نفرق دائماً بين مطلق الإيمان والإيمان المطلق.
أما مطلق الإيمان فهو أصل الإيمان الذي استقر في القلب وقت النطق بالشهادتين، وهذا الإيمان الذي هو من عمل القلب إذا زال عن المرء زال عنه تماماً اسم الإيمان والإسلام.
أما الإيمان المطلق فهو كمال الإيمان وتمامه، إما كماله الواجب أو كماله المستحب، فالكمال نوعان: إما كمال واجب يتعلق بالحلال والحرام وغير ذلك من سائر الفرائض والأركان الشرعية، وإما كمال مستحب يتعلق بسائر النوافل.
فمن أدى الفرائض وحرم الحرام وأحل الحلال وعمل بالأمر وانتهى عن النهي فإنما يكون قد أدى الكمال الواجب في الإيمان المتعلق بالجوارح، وأما إذا زاد عن ذلك فعمل النوافل وتقرب إلى الله بسائر المستحبات فإنما قد حقق الإيمان الكامل أو قد بلغ حقيقة الإيمان؛ ولذلك لما أثنى الله تعالى على المؤمنين بأعمالهم قال في نهاية مدحه لهم: ﴿أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ [الأنفال:٤] يعني: هؤلاء الذين بلغوا حقيقة الإيمان، وكمال الإيمان، وتمام الإيمان، لأنهم فعلوا أعمالاً صالحة.
стр. 1060
تفريق الله تعالى في كتابه بين المؤمن والفاسق أو المنافق
قال المصنف رحمه الله تعالى: [قال الله تعالى: ﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا﴾ [السجدة:١٨] هذه الآية فيها رد على المرجئة الذي يقولون: إيمان أفسق الناس كإيمان جبريل وميكائيل، لأنهم يخرجون العمل عن ماهية الإيمان وعن مسمى الإيمان وعن حقيقة الإيمان، فيقولون: الإيمان هو: التصديق بالقلب والقول باللسان.
والجهمية يقولون: الإيمان هو المعرفة، حتى وإن لم يستقر ذلك في القلب، وإن لم يتلفظ به اللسان، فإبليس عليه لعنة الله يعلم جيداً أن الله حق، وبالتالي يرد عليهم بأيسر ما يمكن؛ لأن حجتهم أوهن من بيت العنكبوت.
وكذلك المرجئة الغلاة فهم لا يفرقون بين الطائع والعاصي؛ وهذا كلام استقر في أذهان العامة، فضلاً عن الخاصة؛ فالذي يزني ويعتاد الزنا ليس كالطاهر العفيف، حتى في أعراف الناس لا يستويان، وكذلك السارق الذي أدمن وألف السرقة لا يمكن قط أن يستوي مع إنسان عف نفسه عن الحرام أو امتنع عما ليس له.
فالمرجئة يقولون: إيمان أطوع الناس لله كإيمان أعصى الناس لله .
إذا كان إيمان أبي بكر الصديق ﵁ ليس كإيمان جبريل، وأبو بكر ﵁ هو من هو في الإمامة والهدى والعلم وغير ذلك؛ ومع هذا لا يستوي إيمانه مع إيمان جبريل ﵇، بل جبريل ﵇ أسبق إيماناً من أبي بكر؛ لأن الله تعالى خلق الملائكة قبل أن يخلق الإنس، فجبريل في الخلق سابق على أبي بكر الصديق ﵁، وأبو بكر الصديق في آخر أمة من أمم الله ، فجبريل قد وحد الله تعالى آلاف السنين قبل أن يخلق الله أبا بكر، فكيف يستويان، فضلاً عن استواء العاصي مع الطائع؟ ولذلك الله تعالى إنما ذكر هذه الآية على سبيل التقريع والتوبيخ أو لفت الأنظار.
فقال: ﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا﴾ [السجدة:١٨]، يعني: هما الاثنان لا يستويان، فبين الله ﵎ الفرق بين المؤمن العامل بمقتضى الإيمان وبين الفاسق الذي لم يعمل بمقتضى الإيمان.
قال: [وقال تعالى: ﴿وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ﴾ [العنكبوت:١١]]، ففرق بين الإيمان والنفاق، فالنفاق هو إبطان الكفر وإظهار الإسلام، ولكن إذا خفي هذا على الخلق فإنه لا يخفى على الله ، والله تعالى يعلمه حقيقة العلم قبل أن يوجد وقبل أن يخلق.
قال: [وقال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [التوبة:٦٧]، فكيف يكون مؤمناً من كان فاسقاً منافقاً؟ وقال ﵎: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا﴾ [التحريم:٨]]، النداء وجه لأهل الإيمان، فإذا كان الإيمان اسم مدح لصاحبه فلم أمرهم الله في هذه الآية بعد أن مدحهم أن يتوبوا إليه؟ وقد قال النبي ﵊: (كل بني آدم خطاء) ولفظ (كل) من ألفاظ العموم، والراجح أن الأنبياء غير معصومين من الصغائر، وهذا مذهب جماهير أهل العلم من أهل السنة وهو الحق الذي أيدته الأدلة من الكتاب والسنة، فأصلح الصلحاء، وأطوع الطائعين من بعد الأنبياء أولى باقتراف الذنب، إما هفوة ولمماً أو صغيرة وإما كبيرة، بل أحياناً نجد من أهل الصلاح من يرتد عن دين الله ثم يرجع إليه أخرى، فالنداء هنا لأهل الإيمان الممدوحين سلفاً.
قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ﴾ [التحريم:٨] توبوا: فعل أمر يفيد الوجوب.
أي: توبوا توبة خالصة صادقة لا ترجعوا بعدها إلى الذنب، بأن تعزموا على الاقتلاع والانتهاء عن المعصية، وأن تتفطر قلوبكم عما بدر منكم، مهما قل ودق وصغر حجمه.
قال: [ولا شك أن التوبة تكون من المحظورات والمناهي]، فالمسلم يتوب من شيء وقع فيه، من معصية صغيرة أو كبيرة، فإذا كان الله تعالى أمر أهل الإيمان أن يتوبوا فمن باب أولى أن يوجه هذا النداء لأهل العصيان والفجور والفسوق وغير ذلك من أصحاب الكبائر.
فدلت هذه الآية مع قوله ﵊: [(لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشرب وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا ينتهب نهبة كبيرة يتطلع إليه فيها الناس بأبصارهم حين ينتهبها وهو مؤمن، ولا يغل الغال حين يغل وهو مؤمن)].
أي: لا يزني الزاني، ولا يسرق السارق، ولا ينهب الناهب، ولا يغل الغال، إلا ويسلب عنه اسم الإيمان، لكن سلب الإيمان لا يدل على أنه قد كفر؛ لأن بعض الناس يقول: إن لم يكن مؤمناً لا بد أن يكون كافراً، لابد أن تعلم كما قال كثير من السلف وأشاروا بأصابعهم إلى أن الإسلام دائرة كبيرة عظيمة، وأن الإيمان هكذا، وحلقوا بأصابعهم حلقة صغيرة في وسط دائرة الإسلام، إذا نزع هذا الإيمان لا بد أن يقع صاحبه في دا
стр. 1061
الأدلة على أن الأعمال الصالحة داخلة في مسمى الإيمان
ودلت الآيات والأخبار كلها عن أن الإيمان اسم مدح يستحق صاحبه المدح على أفعاله، والفسق اسم ذم يستحق صاحبه الذم على أفعاله، ودليل هذا قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ﴾ [الأنفال:٢] يعني: خشعت قلوبهم وذلت وانقادت وخضعت لله ، فالإيمان يزيد بسماعهم لتلاوة آيات الذكر الحكيم، كلما سمعوا آية ازدادوا إيماناً وعلى ربهم يتوكلون، فكل الذي سبق عمل قلبي.
﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ﴾ [الأنفال:٣]، الصلاة عمل الجوارح، وعمل القلب كله داخل في الإيمان.
﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ﴾ [الأنفال:٣]، والنفقة تكون بالجوارح.
إذاً: عمل الجوارح وعمل القلب داخل في حقيقة الإيمان.
وقوله: ﴿أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ [الأنفال:٤]، بين الله أن من جمع بين عمل القلب الإيماني وعمل الجوارح هو المؤمن حقاً، وهذا يدل على أن الأعمال داخلة في حقيقة الإيمان، كل على حسبه، ﴿لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ [الأنفال:٤].
قال: [وقال تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة:٧٢]]، والوعد والجزاء للمؤمنين الذين أتوا من الأعمال القلبية وأعمال الجوارح ما يحقق لهم الإيمان الكامل أو الإيمان التام.
ٌقال: [وقال الله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأَدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾ [المائدة:٦٥]، وقال تعالى في صفة المنافقين: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا هِيَ حَسْبُهُمْ وَلَعَنَهُمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾ [التوبة:٦٨]]، فهؤلاء استحقوا هذه الدركة من النار بسبب ما قد أتوا من أفعال استوجبت لهم هذه الدركة، وسماهم الله تعالى منافقين وهو اسم ذم.
قال: [وقال النبي ﵊: (سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر)]، فلا يمكن أن يستوي الذي يسب الناس ويشتمهم ويلعنهم ويؤذيهم مع الذي لا يسبهم ولا يشتمهم ولا يلعنهم ولا يؤذيهم؛ لأن الذي يسب ويشتم ويلعن ويفسق ويبدع بغير حق يستحق الذم لما قد بدر من لسانه من السب والشتم واللعن، والضرب باليد والقدم، كل هذه من أعمال الجوارح، فإنها تخرج صاحبها من اسم المدح وهو الإيمان وتدخله في اسم الذم وهو الفسوق، فالذي يسب ويشتم ويلعن وغير ذلك بغير حق فإنما هو فاسق.
وإذا كان لفظ القتال، يعني: إراقة الدماء، فقتل المؤمن بغير حق لا شك أنه معصية كبيرة، ونحن نعلم أن صاحب المعصية لا يكفر مهما كانت كبيرة إلا إذا استحلها، مع قيام الحجة عليه، كل أنواع الكبائر لا يكفر صاحبها إلا إذا استحلها، حاشا الشرك، فإذا تاب تاب الله عليه، وإذا أقيم عليه الحد فهو كفارته، وإذا مات مصراً على الذنب غير مستحل له فهو في مشيئة الله، إن شاء عذبه وإن شاء غفر له.
هذا تأصيل علمي لمرتكب الكبيرة عند أهل السنة والجماعة، بخلاف المرجئة فإنهم يقولون: لو ارتكب امرؤ كل الكبائر عدا الشرك بالله فإنه مؤمن كامل الإيمان، وإيمانه كإيمان جبريل وميكائيل، ولا حرج عليه.
لا شك أن هذه دعوة إلى الفجور والمعاصي، إذا علم المرء من نفسه أن إيمانه لا يتزعزع ولا ينقص، وأنه داخل الجنة لا محالة مهما ارتكب من كبائر وسيئات، فلا يردعه عن الكبائر شيء؛ لأنه وجبريل ﵇ في منزلة واحدة في الجنة مهما ارتكب من الكبائر.
فإذاً: ما الذي يمنعه عن ارتكاب الكبائر؟! فهذا المذهب من أفسد المذاهب، وأنا لا زلت في حيرة من أمري، هل هؤلاء القائلون بهذا الرأي فقدوا عقولهم تماماً حتى يتجرأ قائلهم ويقول: إيمان أفسق الناس كإيمان جبريل وميكائيل، وأنهم في منزلة واحدة في الجنة؟ أما الخوارج فإنهم قاموا على مرتكب الكبيرة وكفروه وغلاتهم كفروا مرتكب الصغائر، أما عامة الخوارج فإنهم يكفرون مرتكب الكبيرة، بخلاف المعتزلة، فإنهم وقفوا من مرتكب الكبيرة موقفاً مخزياً إلى أقصى حد، فقالوا: مرتكب الكبيرة لا هو مؤمن ولا هو كافر، وهذا حكمه في الدنيا.
أما في الآخرة فإنه مخلد في النار لا يخرج منها أبداً، كيف ذلك والعقيدة المستقرة بأنه لا يخلد في النار إلا الكفار والمنافقون، سواء كان الكفر كفراً أصلياً أو كفر ردة، والمنافقون كذلك، هؤلاء هم الذين يخلدون في النار ولا يخلد أحد غيرهم، فكيف لا هو مؤمن ولا هو كافر ومع هذا هو مخلد في النار؟ وأهل السنة والجماعة يقولون: مرتكب الكبيرة مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته، فهم لا ينفون عنه اسم الإيمان بالكلية، كما لا يعطونه م
стр. 1062
الأعمال التي تنقص من الإيمان أو تسلبه بالكلية
فقوله ﷺ : (سباب المسلم فسوق وقتاله كفر)، أي: لا يستوي قط من سب مسلماً ومن لم يسب، ولا من قاتل مسلماً ومن لم يقاتل، فالذي لم يقاتل يستحق المدح، والذي قاتل وسب يستحق الذم، وذمه إما أن يكون كافراً، وإما أن يكون فاسقاً، فالسباب فسوق، أما القتال فمنه ما هو فسوق إذا كان كبيرة، ومنه ما هو كفر إذا استحل ذلك بعد قيام الحجة عليه.
قال: [وروي عن أبي بكر الصديق ﵁: الكذب يجانب الإيمان]، يعني: الكذب لا يمكن أن يتفق قط مع الإيمان؛ لأن الكذب كبيرة من الكبائر، خاصة الكذب على الله وعلى رسوله الكريم ﵊.
وقال النبي ﵊: (آية المنافق ثلاث -يعني: علامة المنافق ثلاث- إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ائتمن خان)، وفي رواية: (وإذا عاهد غدر).
والمعلوم أن الواحد منا يكذب، ويعد ولا يفي، ويؤتمن ويخون، وغير ذلك من الخصال المذكورة في الحديث، فهل الواحد إذا كذب في حديثه يكون منافقاً؟ أنتم تعلمون أن النفاق أشد خطورة من الكفر البواح؛ لأنه يبدي ويظهر خلاف ما يبطن، فيأمنه الناس على دينه، وهو في حقيقة الأمر غير أمين على شيء، فخطورته عظيمة جداً.
وهذا الحديث قال فيه أهل العلم: أنه ورد بصيغة الاستمرار (إذا) التي تفيد الاستمرار، فقوله: (إذا حدث كذب) قالوا: الغالب عليه في حديثه الكذب، فقل أن يصدق، فهو مثل الشيطان الذي قال فيه ﷺ : (صدقك وهو كذوب)، لأنه ليس له مصلحة في هذا الموطن أن يكذب فصدق حتى يأخذ النوال والعطاء.
فلما دعته المصلحة الشخصية للصدق صدق، لكن الأصل فيه أنه كذوب، فقوله: (إذا حدث كذب)، يعني: مستمر وقائم ومداوم على الكذب، حتى إن الناس يشيرون إليه بأصابع الاتهام: إن فلاناً هذا كذاب فلا تصدقوه.
على عكس ما كانوا يشيرون إلى النبي ﷺ قبل البعثة أنه الصادق المصدوق ﵊، فالصدق اسم مدح، والكذب اسم ذم، ومن وقع في الكذب استحق الذم، ومن تلبس بالصدق استحق المدح، فالصادق والكاذب لا يستويان، هذا مذموم وذاوك ممدوح، هذا في الجنة وذاك في النار.
فالكاذب في أثناء ما يحدثك هو يكذب ويعلم أنه يكذب ومستمر على الكذب ومصر عليه.
وإذا استحل الكذب كفر، وإذا كان مداوماً عليه غير مستحل له فإنه فاسق مرتكب لكبيرة عظيمة من الكبائر.
وقوله ﵊: (وإذا وعد أخلف) أي: كما أنه إذا وعد أخلف، وحرف (إذا) يفيد الاستمرار، يعني: هذا الإنسان معلوم عند الناس أنه لا يفي بوعد قط، بل في أثناء وعده إياه بعمل الشيء أو باللقاء في المكان الفلاني هو غير ناو الوفاء، لأنه يخلط بين الكذب في الوعد وبين خلف الوعد في أثناء الوعد، وكذلك (إذا عاهد غدر).
وهذه الخصال كانت في الجاهلية مذمومة، فـ أبو سفيان ﵁ لما كان مشركاً كافراً وسأله هرقل عظيم الروم عن النبي ﵊، كان يصدق في كل جواب رداً على هرقل ويقول: (لو لم تعدها علي العرب كذبة لكذبت) يعني: هو خائف أن العرب تقول: أبو سفيان كذاب، لأجل كذبة واحدة.
وكذلك مسألة الجوار، فقد كان الجوار معروفاً في الجاهلية، فإن الواحد منهم كان يفعل الفعلة أو يأتي من بلاد بعيدة وينزل على فلان من الناس عظيم أو شريف من الشرفاء ويقول له: أدخلني في جوارك، أو ارحمني، فلا يمكن لأحد قط أن يمسه بأذى إلا أن يخرج من الجوار، وكانوا يحترمون هذا ولا يغدرون به قط.
أما هذا الوقت فإن فيه من التفريط والإهمال والمعاصي والمنكرات التي تسربت إلى أبنائنا لما تشربوها من آبائهم وأمهاتهم، فعندما يقول القائل: أنا في جوار ربنا، فإن الخصم ينتقم منه أشد الانتقام، لا يراعي جوار الله، ولا جوار الشرع ولا أصل الأصول ولا أي شيء، وهذا يدل على أنه إذا عاهد غدر، يعني: بعدما يدخل بجواره يقتله وهذا غدر، فلا يمكن قط أن يستوي صاحب هذه الخصال مع من يأتي بنقيضها مما يأمر به الإيمان.
[وروي عن ابن عباس وأبي الدرداء وأبي هريرة وعقبة بن عامر الجهني والحسن وعطاء وأبي جعفر الباقر والزهري والأوزاعي وأحمد وإسحاق وغيرهم ممن تقدم وممن لم يأت.
قال: [وعن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن)]، فقوله: (حين) يعني: في وقت زناه يسلب عنه الإيمان، وكذلك في وقت السرقة يسلب عنه الإيمان ثم يعود إليه، لكن لا يعود إليه الإيمان إلا إذا تاب، ولكنه لا يخرج من حظيرة الإسلام إلا إذا استحل هذه المعصية اعتقاداً، سواء عمل بها بالجارحة أو لم يعمل.
قال: [(ولا يغل
стр. 1063
كلام ابن عباس في إثبات نقصان الإيمان بإتيان المعاصي
قال: [وعن ابن عباس أنه قال لغلمانه -أي: لمواليه-: من أراد منكم الباءة زوجناه -يعني: من أراد منكم أن يتزوج زوجناه- لا يزني منكم زان إلا نزع الإيمان منه].
هو يقول لهم: ممنوع لأي شخص منكم أن يفكر أن يزني؛ لأن الواحد منكم إذا كان في حاجة إلى الزواج فليخبرني وأنا أزوجه، مخافة أن يقع في الزنا الذي يسلب معه الإيمان.
قال: [فإن شاء أن يرده الله عليه رده وإن شاء أن يمنعه منعه]، لأن الأمر مثلما يقول ابن تيمية وابن الجوزي وغيرهما أن الطاعة دائماً تسلم إلى أختها، وأن المعصية في الغالب تسلم إلى أختها، وقل أن يوفق صاحب كبيرة إلى التوبة، لأن المعصية لها حلاوة، والقلب يتعلق بها أيما تعلق، فيصعب جداً على صاحب القلب الضعيف والإيمان القليل أن يرجع إلى إيمانه الذي تركه أو الذي سلب عنه آنفاً.
فتصور لو أنك مثلاً شاهدت حلقة من مسلسل في التلفزيون، وإن كان المسلسل خنا وضياع وشذوذ لكنك وقفت على لقطة سلبت قلبك فأنت متعلق بالحلقة التالية منتظر لها لأنه قد نزع من قلبك الإيمان الذي يحملك على بغض النظر إلى هذا، وركب في قلبك شهوة لها اتصال قوي بالمعاصي، فهي تريد أن تعرف إلى أي حد تصل هذه المعصية، فأنت مع كل حلقة تسلمك إلى الثانية.
أما إذا كنت من أهل الإيمان وأهل الطاعة وأصحاب الصلاة وأصحاب العلم فإنك إذا سمعت درساً في شعبة من شعب الإيمان فأنت متعلق بهذا الدرس حتى تعلم الشعبة الثانية والثالثة والرابعة والعاشرة والخمسين والسبعين والبضع والسبعين، حتى تكتمل لديك شعب الإيمان.
فالطاعة دائماً تسلم إلى طاعة، والمعصية تسلم إلى معصية، وقل أن تسلم معصية إلى طاعة، لأن التوبة شديدة جداً على نفس العاصي، فاحذر من هذا؛ ولذلك فإن قول النبي ﷺ فيه تهديد حيث قال: (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن) وفي نهاية الأمر (والتوبة معروضة بعد) يعني: بعدما وقعت في هذا كله التوبة أمامك، فهل تستطيع أن تتوب أو لا؟ فقل أن يتمكن إنسان بعد انغماسه في المعاصي من الرجوع إلى الله ؛ لأن الشيطان لا يتركك، الشيطان يقول لك: انظر إلى هذا الفيلم فقط، أو إلى هذه الحلقة فقط، أو إلى هذه البنت الجميلة فقط.
أو يزين لك فيقول: يا رجل أنت بعيد عن الزنا، نحن نسمع من الشيوخ أنه حرام، وربنا أكده والرسول ﵊ فقط أنظر إليها، استمتع فقط بالنظر.
والاستمتاع بالنظر يأتي بعده البسمة، ثم الضحك، ثم الغمز، ثم اللمز، ثم الوعد، ثم المقابلة وغير ذلك من أعمال المعاصي التي هي بريد الزنا.
فلا بد في نهاية الأمر أن تقع في الفاحشة البينة، فإذا كان ذلك منك فهل يا ترى تستطيع أن تقلع عن الذنب حينئذ؟ ربما يكون ذلك وربما لا يكون، فإذا كان الأمر غير راجح عندك أنك تترك المعصية فلا بد أن تستأصل شأفة الأسباب المؤدية إلى اقتراف الذنب من أول وهلة.
قال: [وقال ابن عباس: الحياء والإيمان في قرن واحد، فإذا انتزع أحدهما من العبد اتبعه الآخر]؛ لأنه ما امتلك زمامه.
فأنتم تعلمون أن الحياء من الإيمان، وهو شعبة من شعبه كما أخبر ﵊، إذا نزع الإيمان نزع الحياء، وإذا نزع الحياء نزع قدره من الإيمان.
إذا كانت هذه كلها شعب الإيمان فبلا شك أن ترك شعبة من الإيمان يترك من الإيمان على قدر تركها، فمن ترك مثلاً الصدقة لا بد أن يخدش إيمانه على قدر تفريطه في الصدقة، والذي يترك الحياء فلا بد أن يخدش إيمانه على قدر تركه للحياء، وهكذا كل شعبة من شعب الإيمان.
стр. 1064
كلام أبي هريرة في إثبات نقصان الإيمان بإتيان المعاصي
قال: [وقال أبو هريرة: لا يزني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق حين يسرق وهو مؤمن.
قال عطاء: يتنحى عنه الإيمان]، ولا يبقى في القلب إلا غبرات الإيمان وأصله وشبحه.
أما الإيمان الذي ينير القلب لصاحبه ليسلك الطريق إلى الله ، فلا شك أن ذلك مرهون بالعمل؛ فإن جملة العمل -أي: عمل الجوارح- في الإسلام داخلة في مسمى الإيمان.
قال: [وقال أبو هريرة: إذا أتى الرجل امرأة حراماً فارقه الإيمان]، يعني: إذا زنا الرجل فارقه الإيمان، ووصفه أحد الرواة بأن وضع إحدى يديه على الأخرى ثم فرق بينهما قليلاً.
قال: إذا أتى الرجل امرأة حراماً انتزع منه الإيمان ورفع إحدى كفيه عن الأخرى شيئاً يسيراً، فإذا سرق زادت، أي: زادت المفارقة بسبب المعاصي، فإذا غل زاد، وهكذا كلما ارتكب ذنباً تباعد إيمانه، أو انسلخ إيمانه من قلبه.
قال: ثم فرق بينهما قليلاً ثم قال: يفارقه الإيمان هكذا حتى إذا رجع أعمال الطاعة رجع الإيمان حتى أطبق بين يديه؛ ولذلك فإن إبراهيم بن عيينة وهو أخو سفيان بن عيينة لما سمع الثوري أو سمع أخاه سفيان بن عيينة يقول: وإن الإيمان يزيد وينقص، قال: يا إمام! يزيد لكنه لا ينقص، قال: اسكت يا غبي، فإن الإيمان ينقص حتى لا يبقى في القلب شيئاً.
هذا نص عظيم جداً من إمام من أئمة السنة سواء كان هو ابن عيينة أو الثوري فإنهما إمامان عظيمان من أئمة السنة والأثر.
стр. 1065
كلام أبي الدرداء في إثبات نقصان الإيمان بإتيان المعاصي
قال: [قال أبو الدرداء: ما الإيمان إلا كقميص أحدكم يخلعه مرة ويلبسه أخرى].
وأريد أن أؤكد على أن هذه النصوص وغيرها إنما تتكلم عن الإيمان الواجب والإيمان المستحب، أما أصل الإيمان فإنه إذا فارقه العبد لا بد أن يفارقه الإسلام جملة.
يعني: لو قلنا: إن الإيمان أصل ومقتضى، فالأصل إنما هو القدر الذي يلزم المرء في ثبوت إسلامه، فهذا الذي يسميه العلماء أصل الإيمان، أو مطلق الإيمان، فإذا ذهب هذا الإيمان أو ذهب هذا الأصل لا يبقى مع صاحبه لا إيمان ولا إسلام.
أما الآيات والأحاديث التي تسلب المسلم اسم المدح بسبب ذنب ارتكبه فإنما سلبت هذه الآيات وهذه الأحاديث اسم المدح وهو الإيمان المتعلق بالإيمان الواجب والإيمان المستحب الذي يتعلق بالحلال والحرام ويتعلق بالواجبات والفرائض وأركان الشريعة وغير ذلك.
أما الإيمان المستحب فهو المتعلق بسائر النوافل والطاعات التي ليست بواجبة أصلاً.
قال: [قال: ما الإيمان إلا كقميص أحدكم يخلعه مرة ويلبسه أخرى، والله ما أمن عبد على إيمانه إلا سلبه]؛ لأن الأصل في المؤمن أنه يسير إلى الله تعالى بجناح الخوف وجناح الرجاء، والله يقول في الحديث القدسي: (وعزتي وجلالي لا أجمع على عبدي أمنين ولا خوفين، فمن أمنني في الدنيا أخفته في الآخرة، ومن خافني في الدنيا أمنته في الآخرة) وفي رواية: (يوم يقوم الحساب).
стр. 1066
كلام أبي بكر في إثبات نقصان الإيمان بإتيان المعاصي
قال: [وقال أبو بكر الصديق ﵁: إياكم والكذب، فإن الكذب مجانب الإيمان.
وقال الحسن: يجانبه الإيمان ما دام كذلك]، فإذا ترك الكذب رجع إليه الإيمان، فالذي يقع في الكذب وهو كبيرة من الكبائر لا بد أن يخصم من إيمانه على قدر كذبه.
والإيمان والفجور مخلوقان، فالله ﵎ جعل الإيمان على قدر الطاعات، وجعل الفجور على قدر المعاصي.
ومدح الله تعالى أهل الإيمان باسم المؤمن، وذم أهل المعاصي باسم الفسوق والعصيان وبكل أساليب الذم.
فإذا كان هذا وذاك رزق أو خلق فإن الله تعالى جعل الإيمان على قدر ما خلق من أعمال الطاعات، فكلما أتى المرء طاعة من الطاعات ازداد من الإيمان على قدر حفاظه على هذه الطاعة، فإذا فرط في طاعة وتلبس بمعصية فإنما يمقت إيمانه على قدر هذه المعصية، كما أنه يستحق اسم الذم للوقوع في المعصية، فإذا كانت مفسقة كان بها فاسقاً، كالزنا والسرقة وسائر الكبائر أو الإصرار على الصغائر.
стр. 1067
خروج العاصي من دائرة الإيمان إلى دائرة الإسلام
قال: [وسئل أبو جعفر محمد بن علي وهو أبو جعفر الباقر عن قول النبي ﵊: (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق حين يسرق وهو مؤمن)، فقال: هذا هو الإسلام، ودور دائرة عظيمة، ثم دور دائرة في جوفها أصغر منها، ثم قال: هذا الإيمان].
إذاً: حظيرة الإسلام أوسع من حظيرة الإيمان، والذي يشمله الإسلام لا يلزم أن يشمله الإيمان، لكن الذي يشمله الإيمان لا بد أن يشمله الإسلام من باب أولى، والذي يسلب عنه الإيمان لا يلزم أن يسلب عنه الإسلام، بخلاف الذي يسلب عنه الإسلام لا بد أن يسلب عنه الإيمان من باب أولى.
قال: [هذا الإيمان مقصور في الإسلام، فإذا هو زنى أو سرق خرج من الإيمان إلى الإسلام]، ولا يخرج من الإيمان إلى الكفر، لأن فيه مرتبة لا يتعداها إلا إذا أتى فيها ما يستوجب الخروج عنها.
يعني: يعتبر أن الإيمان دائرة ومن بعده دائرة الإسلام وهو أوسع، ومن بعده دائرة الكفر وهو أوسع الدوائر، فمن خرج من الإيمان ينحط إلى الإسلام، ومن أتى عملاً يناقض الإسلام متعمداً مع قيام الحجة عليه يسقط إلى هاوية الفسق أو الكفر.
ونذكر من الدوائر دائرة الفسق؛ لأنه لا يمنع أن يكون الرجل مؤمناً وفاسقاً، ولا يمنع أن يكون مسلماً وفاسقاً، وهذا الذي تكلمنا عنه منذ قليل فيما يتعلق بارتكاب الكبائر، وأن مرتكب الكبيرة عند أهل السنة مؤمن بطاعته، فاسق بكبيرته أو فاسق بمعصيته.
قال: [فإذا هو زنى أو سرق خرج من الإيمان إلى الإسلام، فإذا تاب رجع إلى الإيمان، ولا يخرجه من الإسلام إلا الكفر بالله]، وأنا أرى النص هذا من أفضل وأوضح النصوص فيما يتعلق بالإيمان والإسلام والكفر، فهو في غاية الأهمية.
стр. 1068
سياق ما روي عن النبي في أن سباب المسلم فسوق وقتاله كفر، وعلامة المنافق
قال: [سياق ما روي عن النبي ﵊ في أن سباب المسلم فسوق وقتاله كفر].
وكذلك باقي علامات المنافقين.
فمعنى الحديث: أن المسلم إذا سب المسلم وقذفه فقد كذب، والكذاب فاسق ويزول عنه اسم الإيمان، وباستحلاله قتاله يصير كافراً.
وقال: (من علامات المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ائتمن خان، وإذا عاهد غدر)، وغير ذلك من خلال وخصال المنافقين، لكن لا يكون منافقاً -أي: خارجاً عن الإسلام وداخلاً في دائرة الكفر- إلا إذا استحل هذا مع قيام الحجة عليه بحرمة هذا كله.
أما إذا وقع فيها مرة أو مرتين فإن هذا لا يضره، إلا على قدر ما قد أتى، أما إذا كان مداوماً عليه يشار إليه بأصابع الاتهام أنه مقيم على ذلك على اعتبار ما يفيده حرف (إذا) الذي يفيد الاستمرار، من أنه دائماً كذاب، ودائماً مخادع، ودائماً غدار، ودائماً فاجر عند الخصومة، وغير ذلك من الأعمال التي ذكرت في هذا الحديث.
وبعضهم قال: إن هذا الحديث ورد في رجل خاص بعينه، فهي حادثة عين في زمنه ﵊.
وبعضهم قال: بل هذا إنما هو نفاق العمل، وكل عالم يرجح قولاً من هذه الأقوال، كما اختلف ابن بطال عن الإمام الحافظ ابن حجر عن الإمام النووي، فكل منهما رجح قولاً من هذه الأقوال، ولا بأس أبداً بحمل الحديث أو بحمل هذه الأقوال كلها على الحديث، خاصة أنه ورد بصيغة العموم.
وهنا حديث مرسل من طريق الحسن عن النبي ﵊، لكن في أثناء الحديث ما يفيد باتصاله، وإن كان الذي يترجح لدي ضعف هذا الحديث.
قال: [قال ﵊: (ثلاث من كن فيه فهو منافق وإن صلى وصام وزعم أنه مسلم، من إذا حدث كذب)]، (ومن) من صيغ العموم، (وإذا) تفيد الاستمرار، يعني: أي إنسان مسلم.
قال: [(إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ائتمن خان، وإذا خاصم فجر، وإذا عاهد غدر)، هذه خمس خصال وخلال من علامات المنافقين.
قال: فسأل محمد بن محرم الحسن البصري فقال: لئن كان لرجل علي دين فلقيني فتقاضاني فخفت أن يحبسني أو يهلك عيالي، فوعدت أن أقضيه إذا رأيت الهلال، فلم أفعل، أمنافق أنا؟ فقال: حدثته ووعدت فأخلفته.
ثم قال: إن عبد الله بن عمرو حدث أن أباه لما حضره الموت قال: إني كنت وعدت فلاناً أن أزوجه فزوجوه، لا ألقى الله بثلث النفاق.
قال محمد بن محرم: يا أبا سعيد! أيكون في الرجل ثلث النفاق وثلثان إيمان؟ قال: هكذا جاء الحديث.
قال محمد بن محرم: فحججت إلى بيت الله الحرام، فلقيت عطاءً، فذكرت له هذا الحديث، وما قال لي الحسن البصري.
قال عطاء: فقال: أعجزت أن تقول للحسن: أخبرني عن إخوة يوسف، ألم يعدو أباهم فأخلفوا، وائتمنوا فخانوا، وحدثوه فكذبوا، أمنافقين كانوا؟ أفلم يكونوا أنبياء؟ وأبوهم نبي وجدهم نبي؟] والحقيقة أنهم فعلوا ذلك قبل أن يكونوا أنبياء، فقد كانوا مسلمين، وعملهم هذا لم يخرجهم هذا من دائرة الإسلام.
قال: [قلت: يا أبا محمد! حدثني بأصل هذا الحديث وأصل النفاق، يعني: زدني فيما يتعلق بالحجة، قال: حدثني جابر بن عبد الله أن هذا الحديث خاصة في الذين حدثوا النبي ﵊ فكذبوه، وائتمنهم على سره فخانوه، ووعدوه أن يخرجوا معه في الغزو فأخلفوه.
فقال: وأتى جبريل النبي ﷺ وأخبره أن أبا سفيان قد توجه وهو في مكان كذا وكذا، فاخرجوا إليه واكتموا، قال: فكتب رجل من المنافقين إلى أبي سفيان: إن محمداً يريدكم فخذوا حذركم، فأنزل الله : ﴿لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ﴾ [الأنفال:٢٧]، ونزل في المنافقين: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ﴾ [التوبة:٧٥] إلى قوله تعالى: ﴿فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ﴾ [التوبة:٧٧] إلى آخر الآية.
قال عطاء: فإذا أتيت الحسن فأخبره بالذي قلته لك، وبأصل هذا، قال: فرجعت إلى الحسن فأخبرته بما قلت لفظاً وبما قال لي، قال: فأخذ الحسن بيدي فأشالها، ثم قال: يا أهل العراق! أعجزتم أن تكونوا مثل هذا سمع مني حديثاً فلم يقبله حتى استنبط أصله، صدق عطاء].
وهذا الحديث يغلب على ظني أنه ضعيف، خاصة وأن الحسن البصري إمام أهل البصرة، وإمام أهل السنة في زمانه، لا تخفى عليه مسائل الإيمان والكفر ما دق منها وجل وصغر وعظم، فلا يخفى عليه قط أن علامة المنافق لا تخرج صاحبها عن دائرة الإسلام إلا إذا استحل هذا.
وهذا الحديث يقضي بأن الحسن البصري إنما عد أن من ارتكب هذه الخلال
стр. 1069
شرح أصول اعتقاد أهل السنة - حكم القاتل عمداً وهل له توبة
القتل كبيرة من كبائر الذنوب، بل هو أعظم الذنوب على الإطلاق بعد الشرك بالله ، وقد اختلف الصحابة ﵃ في القاتل عمداً، فمنهم من قال بأنه ليست له توبة، وأنه مخلد في النار، ومن من قال غير ذلك.
стр. 1070
مسائل في الإيمان
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
وبعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
أما بعد: فلا يزال الكلام موصولاً عن الإيمان، والإيمان في عقيدة أهل السنة والجماعة قول وعمل، يزيد وينقص، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية.
وأنواع الطاعات كثيرة، فكل ما أمر الله به فامتثال الأمر فيه طاعة، وكل ما نهى الله عنه ورسوله فالانتهاء بهذا النهي طاعة، فالامتناع عن الزنا لأن الله نهى عنه طاعة لله ، والتعفف عن السرقة لأن الله نهى عنها طاعة لله ، فالطاعة تكون بامتثال الأمر واجتناب النهي.
وإذا كان في عقيدتنا أن الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية فهذا يدل على أن المرء كلما ازداد من الطاعات ازداد معه الإيمان، وكلما وقع في معصية نقص من إيمانه بقدر هذه المعصية التي ارتكبها.
стр. 1071
حديث شعب الإيمان وبيان تعدد هذه الشعب
الإيمان شعب، كما في حديث أبي هريرة في مسلم: (الإيمان بضع وسبعون شعبة).
وفي الصحيحين: (بضع وستون شعبة، أعلاها -كما في رواية مسلم - لا إله إلا الله).
وهو توحيد الله .
فأعلى شعبة من شعب الإيمان توحيد الله ، ويقابله في أعظم الذنوب الشرك والكفر بالله ، فأعظم ذنب يرتكبه المرء هو أن يشرك بالله .
وأعلى شعبة من شعب الإيمان التوحيد الخالص لله ، كما في الحديث: (أعلاها -أي: أعلى هذه الشعب- لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من شعب الإيمان).
وهذا الحديث فيه إشارات متعددة: الأولى: بيان أن شعب الإيمان متعددة، وبالتالي الطاعات متعددة.
الثانية: أن شعب الإيمان بعضها أقوى من بعض، فلا يمكن أبداً أن يستوي إماطة الأذى عن الطريق مع توحيد الله ، بدليل أن من ترك الأذى في طريق الناس وهو قادر على أن يميطه لا يستوي مع من أشرك بالله ، بل هذا ذنب وذاك كفر بواح.
فإذا كانت شعب الإيمان متعددة فهي كذلك متفاوتة في المرتبة والفضل والخلق وغير ذلك، ويجمعها كلها اسم الإيمان، ولذلك قال: (الإيمان بضع وسبعون شعبة، أو بضع وستون شعبة).
وهذا يدل على أن هذه الشعب كلها تدخل في مسمى الإيمان.
الثالثة: أن النبي ﵊ قال: (والحياء شعبة من الإيمان).
ولم يذكر بقية الشعب.
ولو نظرنا إلى المذكورات في هذا الحديث لوجدنا أن المذكورات: شهادة أن لا إله إلا الله، وإماطة الأذى عن الطريق، والحياء.
стр. 1072
توحيد الله من شعب الإيمان
جعل النبي ﵊ توحيد الله أعلى مراتب الإيمان، وهو كذلك حقاً، وهذا التوحيد متعلق بالقلب واللسان والجوارح، فهو متعلق باللسان أولاً؛ لأن المرء القادر على أن ينطق بالشهادتين إذا لم ينطق بهما لا يصح له الإسلام، بل لا يثبت له الإسلام وإن عمل بمقتضى الإسلام كله؛ لأنه يجب عليه أولاً قبل العمل أن ينطق بالشهادتين، وفي حين نطقه بالشهادتين يستقر في قلبه الإيمان الجازم بهذه الكلمة محبة ورضاً وذلاً وخضوعاً، وغير ذلك من لوازم الإيمان.
إن كلمة التوحيد تستلزم نطقاً باللسان واعتقاداً بالقلب وعملاً بالجوارح بمقتضى هذا الإيمان، ونحن نقول دائماً: الإيمان قول وعمل، قول باللسان وعمل بالجوارح والقلب، فلا بد أن يحب القلب هذه الكلمة، وأن يرضى عنها، وأن يعلم حقيقتها، وإلا فقد امتنع المشركون عن النطق بهذه الكلمة؛ لأنهم علموا مقتضياتها، وأنها ليست مجرد كلمة تقال فقط.
هذه الشعبة الأولى من شعب الإيمان، وهي في أصل الطاعة.
стр. 1073
الحياء وإماطة الأذى عن الطريق من شعب الإيمان
الشعبة الثانية: إماطة الأذى عن الطريق، وإماطة الأذى عن الطريق من عمل الجوارح، فجمع ﵊ بين عمل اللسان وعمل القلب في شهادة التوحيد، مع عمل الجوارح في إماطة الأذى عن الطريق، مع العامل النفسي الحياء؛ لأن الحياء هو انفعالات نفسية تدور في نفس الإنسان، فكأن النبي ﵊ أراد أن يقول: الإيمان لا بد أن يتخلل لسان المرء وقلبه وجوارحه وعواطفه، وحينئذ يكتمل الإيمان.
ولو أن المرء استقصى أعمال الإيمان كما استقصيناها من قبل مراراً، لوجدنا أن أعمال الإيمان فيما هو الراجح من أقوال أهل العلم بلغت تسعاً وسبعين شعبة، فلو أن المرء حقق هذه الشعب كلها لاكتمل إيمانه؛ لأنه قال: (الإيمان - أي: الإيمان الكامل التام - بضع وسبعون شعبة).
والبضع من ثلاث إلى تسع.
وقد تتبع ابن حبان وغير واحد الأعمال القلبية وأعمال الجوارح واللسان التي وردت في القرآن والسنة فوجدوها تسعاً وسبعين عملاً، وهذا قد صنف في غير ما كتاب، كما صنف في ذلك القزويني والإمام البيهقي وغير واحد في كتب أسموها: شعب الإيمان، وأقوى هذه الكتب وأكثرها استيعاباً هو كتاب شعب الإيمان للبيهقي، وهو كتاب عظيم جداً في حوالي عشرين مجلداً شرح فيها شعب الإيمان، وقد سار فيه على منهج ابن حبان بأن شعب الإيمان تسعاً وسبعين شعبة.
وهناك كتاب الإيمان للإمام البخاري، وكذلك كتاب الإيمان للإمام مسلم، وهما في صحيحيهما، وأصرح من مسلم الإمام البخاري حيث كان يقول: باب الزكاة من الإيمان وأتى بالدليل باب الصلاة من الإيمان باب الحج من الإيمان باب الصدقة من الإيمان باب الجهاد من الإيمان وفي كل باب كان يأتي بأدلة من السنة؛ ليثبت أن هذا العمل هو شعبة من شعب الإيمان.
стр. 1074
كما أن الإيمان يزيد بالطاعة فإنه ينقص بالمعصية
إذا كان كل طاعة يأتيها المرء يزداد بها إيمانه فكذلك كل معصية في المقابل لا بد أن ينقص بها إيمان المرء، كما في قول النبي ﵊: (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن).
فالعفاف والإحصان والطهر من الإيمان، وفي المقابل الزنا والفجور والخنا لا بد أن تكون مؤثرة في الإيمان بالنقصان.
قال: (ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا ينتهب نهبة حين ينتهبها ذات شرف يتطلع إليه فيها الناس وهو مؤمن)، يعني: الغصب، فمن غصب شيئاً فهذا مؤثر في إيمانه.
стр. 1075
حكم مرتكب الكبيرة عند أهل السنة وغيرهم
قوله: (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن) استدل به بعض الناس على إخراجه من الإيمان مطلقاً وأبقوا له الإسلام، وبعضهم قال: بل ينتفي عنه الإيمان في لحظة الزنا ثم يعود إليه فور انتهائه من الزنا، وهذا الرأي التزام بظاهر النص (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن)، يعني: ينزع عنه اسم الإيمان -وهو اسم المدح- حين المعصية، ثم يعود إليه اسم المدح بعد انتهائه من المعصية.
والخوارج يقولون: بل يكفر بهذا الذنب، لأن الخوارج أو غلاة الخوارج عندهم أن مرتكب الكبيرة كافر خارج عن الملة، والمعتزلة عندهم أن مرتكب الكبيرة لا كافر ولا مؤمن، وإنما هو في منزلة بين المنزلتين بين الإيمان والكفر.
ومن عجيب أقوالهم أنهم يقولون: هذا حكمه في الدنيا، وأما في الآخرة فإنه مخلد في النار، مع أن المقطوع به عند أهل السنة والجماعة أنه لا يخلد في النار إلا الكفار سواء كان كفرهم كفراً أصلياً أو ردة أو نفاقاً، وأما الزنا فمع بشاعته وجرمه ونفور النفوس الطيبة عنه إلا أنه من جهة حكمه الشرعي كبيرة، وصاحب الكبيرة عند أهل السنة والجماعة إن تاب منها تاب الله عليه بغير حد، وإن رفع أمره إلى السلطان واعترف أو أقيمت عليه البينة وأقيم عليه الحد فالحد كفارته؛ لأن الحدود كفارات لأهلها.
وإذا مات من ذنبه -أي: مات وهو مذنب مصر على ذنبه- وهو غير مستحل له فهو في مشيئة الله إن شاء عذبه وإن شاء غفر له، كما في قول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء:٤٨].
وهذا قطع، فالله لا يغفر الشرك مطلقاً إلا إذا تاب صاحبه منه، فإذا مات عن غير توبة فإنه لا يغفر له شركه، بل هو من المخلدين في نار جهنم، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ﴾ [النساء:٤٨].
وكلمة ما دون ذلك تشمل الكبائر والصغائر، ولكن هذا مرهون ومعلق على مشيئة الله، يعني: إن شاء الله تعالى عذبه بعدله، وإن شاء عفا عنه بفضله.
فصاحب الكبيرة بل وصاحب الصغائر هو في مشيئة الله إن لم يتب قبل موته.
ومن ارتكب كبيرة وهو مستحل لها عالم بحرمتها خرج من دائرة الإسلام، فمن علم أن القتل كبيرة، وعلم أدلة هذا العمل الشنيع البشع، ولكنه أقدم على قتل صاحبه استحلالاً، يعني: وهو لا يعتقد أنه يأتي معصية، وإنما يفعل ذلك مستحلاً، كأن يقال له: إن هذا الدم حرام، فيقول: لا، بل هو حلال، فكأنه عاند وجحد، فمن استحل ذنباً كبيراً فلا شك أنه يخرج به من دائرة الإسلام إلى الكفر.
стр. 1076
اختلاف الصحابة في حكم قاتل المؤمن عمداً راجع إلى قول بعضهم بنسخ آيات النساء المتعلقة بجزاء قاتل المؤمن عمداً
وقضية قاتل المؤمن عمداً قضية مشكلة، ولذلك أشكلت على بعض أصحاب النبي ﵊، لأن الأمر فيها يحكمه عدة أدلة، فمنهم من ادعى النسخ بين هذه الأدلة التي جاءت في كتاب الله ، ومنهم من قال بأن الآيات محكمة وليست منسوخة، وإذا قيل: آية محكمة فهذا يعني أن زعم النسخ فيها غير صحيح، أو أنه لم يقل أحد بأن فيها نسخاً، وقول الخطيب أو الواعظ: وجاء في آيات الله المحكمات، أي: التي لم يلحقها نسخ.
والنسخ لا يشمل الأخبار قط، وإنما يشمل الأحكام، وقضية النسخ في القرآن والسنة أو في العلم عموماً لا تلحق الخبر؛ لأن الخبر لا يحتمل إلا أمرين، الصدق أو الكذب.
أما الإنشاء فيدخله النسخ، ومنه الأحكام، فالأحكام تتغير وتتبدل، فالله قد أمر المسلمين أول الأمر أن يصلوا إلى بيت المقدس، حتى صلوا إليه سبعة عشر شهراً أو ستة عشر شهراً كما في الصحيحين، ثم نسخ ذلك وأمرهم بالصلاة إلى بيت الله الحرام، وهذا حكم.
والله تعالى لم يخبرنا عن أمة أو عن نبي أو عن رسول من السابقين ثم قال: لا، هذا لم يحدث، لأن هذه كلها أخبار عن الأمم الماضية والغابرة لا يلحقها النسخ، والنسخ إنما يلحق الأحكام.
لما كان القتل من الأحكام لا من الأخبار وتعارضت ظواهر نصوص الكتاب فيما يتعلق بهذا الحكم زعم جمهور أهل العلم من الصحابة وغيرهم أن الآيات التي وردت في هذه القضية أو في هذا الحد -فيما يتعلق بقتل المؤمن عمداً- منسوخة بآيات أخر سنذكرها الآن.
وزعم ابن عباس وهو إحدى الروايتين عن الإمام أحمد بن حنبل: أن الآيات غير منسوخة، بل هي محكمة، وسموا الآيات كما أسماها زيد بن ثابت ﵁: آيات الغلظة وآيات اللين، فسمى آيات سورة الفرقان بالآيات اللينة أي: التي لانت في أسلوبها مع القاتل أو مع وصف عباد الرحمن، وسمى آيات سورة النساء المتعلقة بجزاء القاتل للمؤمن عمداً بالغلظة والشدة.
стр. 1077
سياق ما روي في أن القاتل عمداً له توبة
قال المصنف رحمه الله تعالى: [سياق ما روي في أن القاتل عمداً له توبة، وتفسير قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا﴾ [النساء:٩٣] وأنها منسوخة بقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ﴾ [النساء:٤٨].
وروي ذلك عن عمر وابن عمر وعبد الله بن عمرو بن العاص وإحدى الروايتين عن ابن عباس.
ومن التابعين روي ذلك عن مجاهد وسعيد بن جبير وعكرمة وأبي مجلز لاحق بن حميد وغير واحد].
стр. 1078
كلام ابن عمر في القول بنسخ الحكم بخلود قاتل المؤمن في النار
قال: [قال ابن عمر: كنا نرى أن من قتل مؤمناً فقد وجبت له النار.
يعني: كانوا في أول الأمر وفي صدر الإسلام يرون أن من قتل مؤمناً متعمداً فجزاؤه النار.
قال: وكنا نرى أن من أكل مال يتيمه فقد وجبت له النار، ومن أكل الربا فقد وجبت له النار، حتى أنزل الله : ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨]].
والشاهد من هذا الحديث: أنهم كانوا يرون أن قاتل المؤمن عمداً قد وجبت له النار، حتى نزل قول الله : ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء:٤٨] فلم يستثن من عدم المغفرة إلا ذنباً واحداً وهو الشرك، وعلق مغفرة الذنوب التي هي دون الشرك على مشيئته، فقال: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ﴾ [النساء:٤٨]، أي: ما دون الشرك.
﴿لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨].
ومنها القتل سواء كان ذلك قتل المؤمن أو قتل غير المؤمن.
قال: [قال ابن عمر: فلم ندر من يدخل في مشيئة الله ومن يخرج منها، فكففنا ورجونا].
يعني: يقول ابن عمر: لما أنزل الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء:٤٨] علمنا يقيناً أن الشرك ذنب لا يغفر، وأن ما دون الشرك يغفر إذا أراده الله وشاءه، فلما خفيت علينا مشيئة الله في من أراد الله تعالى عذابه بذنبه أو مغفرته تفضلاً منه سبحانه كففنا عما كنا نعتقده أولاً أن آكل الربا قد وجبت له النار، وأن آكل مال اليتيم قد وجبت له النار، وأن قاتل المؤمن عمداً قد وجبت له النار، فكففنا عن هذا المعتقد وقلنا: ما هي إلا ذنوب لا تبلغ درجة الشرك، وإذا كانت دون الشرك فهي داخلة في الذنوب التي علقت على مشيئة الله، فإن شاء أخذ المذنب بها وإن شاء عفا .
فلما خفي هذا على ابن عمر وغيره من سائر الخلق قال: فكففنا ورجونا.
وكلمة رجونا إشارة إلى معتقد أهل السنة والجماعة فيما يتعلق بمعصية العاصي، فلو عصى إنسان معصية كبيرة فلا نتمنى له أن يدخل النار، وهذا من سعة رحمة رب العالمين، فقد أمرنا أن نترحم على أصحاب المعاصي، ونرجو لهم أن يرحمهم الله .
والناس عندهم من المعاصي الظاهرة ما يوجب لهم النار، ولو أراد الله تعالى أن يعاملهم بعدله لأدخلهم النار، ولكنه يتفضل بالعفو عنهم؛ لأنه الغني عن عذاب عباده.
ونحن عندنا من الذنوب الشيء الكثير الذي يبلغ درجة الزنا وشرب الخمر والقتل أحياناً، وهو الوقيعة في أعراض الناس بالغيبة والنميمة، ونقل الكلام بين الناس على جهة الإفساد، وهذه من كبائر الذنوب، ونحن نقع فيها بالليل والنهار، والإخوة الصالحون يأنفون جداً من سماع لفظ الزنا والسرقة والقتل وشرب الخمر وغير ذلك، وهم أبعد الناس عن ذلك، وإذا كانوا يحرمون السجائر فكيف بالخمر الصريحة؟ وهذا من فضل الله على أبناء الصحوة وأصحاب الالتزام، لكن هناك كبائر عظيمة جداً مهلكة لأصحابها يقعون فيها، بل من فرط ما وقعنا فيها استمرأناها، كالغيبة والنميمة وغيرها من الذنوب.
ولو أنك راجعت كتاباً من كتب الكبائر ككتاب الكبائر للإمام الذهبي فإنك ستجد أنه عد اثنتين وسبعين كبيرة، ولعلمت أنك واقع في عشر كبائر على الأقل، مع أنك تنظر بعين السخط لأصحاب الكبائر الظاهرة، في الوقت الذي تقع أنت فيه في كبائر أخرى، لكنها كبائر خفية، مثلما تقع في الغيبة والنميمة في ثوب النصح، ولكن هذا المكر لا يخفى على الله .
فينبغي على كل منا أن يعلم الفرق بين كبائر الذنوب وصغائرها، وأن ينزه نفسه ودينه وعرضه عن كبائر الذنوب وصغيرها.
قال: [وقال ابن عمر: كنا نبت على القاتل -أي: نقطع للقاتل عمداً بأنه في النار- حتى نزلت: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨] فأمسكنا]، أي: فأمسكنا عن هذا البت والقطع.
يعني: كانوا إذا أتاهم قاتل يقول: أنا قتلت مؤمناً، يقولون له: أنت في النار لا محالة، وليس عندنا من العلم إلا هذا، حتى نزل قول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ﴾ [النساء:٤٨].
ومنه القتل.
стр. 1079
كلام عمر في القول بنسخ الحكم بخلود قاتل المؤمن في النار
قال: [وجاء رجل إلى عمر ﵁ فقال: يا أمير المؤمنين! إني قتلت، فهل لي من توبة؟ فقرأ عليه عمر: ﴿حم * تَنزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ * غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ﴾ [غافر:١ - ٣]، ثم قال له: اعمل ولا تيئس].
فبين له أن الله تعالى غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب، وإجابة عمر إجابة ليس فيها قطع في القضية، ولكن عمر شرح له هذه الآية وقال له: اعمل ولا تيئس، وإذا كان مقطوعاً له بالنار لا محالة فلم العمل؟ والكافر الذي يموت على كفره لا ينفعه عمل صالح إلا إذا أسلم وآمن، فحينئذ يضاعف له عمله ويضم إليه عمله الصالح الذي كان يعمله في الجاهلية.
стр. 1080
كلام ابن عباس في القول بنسخ الحكم بخلود قاتل المؤمن في النار
قال: [وجاء إلى ابن عباس رجل فقال: إني خطبت امرأة فأبت أن تنكحني وخطبها غيري فأحبت أن تنكحه، فغرت عليها فقتلتها]، أي: لما تقدم لها غيره رضيت بذلك وقبلت ووافقت، فغار عليها مع أنه ليس خاطباً ولا عاقداً ولا قريباً لها، فلما غار عليها قام إليها فقتلها، وهذا حب أعمى.
قال: [قال ابن عباس: أمك حية؟ قال: لا.
قال: تب إلى الله وتقرب إليه].
وابن عباس من صغار الصحابة، فقد ولد قبل الهجرة بثلاث سنوات، في شعب من شعاب قريش قبل هجرة النبي ﵇ بثلاث سنين، وصغار الصحابة هو وعبد الله بن عمر والبراء وأنس بن مالك وغيرهم لما كانت غزوة بدر لم يكن سنهم بلغ الخامسة عشر، ولذلك لم يجزهم النبي ﵊ في القتال، لأنه ما كان يجيز من كان أقل من سن خمسة عشر عاماً، ابن عباس كان أصغر منهم جميعاً.
ولما جمع عمر بن الخطاب ﵁ الناس بعد موت النبي ﵊ ولم يكن ابن عباس نبت له، يعني: كان صغيراً لم ينبت له شعر، فالنبي ﵇ مات وعند ابن عباس ثلاثة عشر عاماً فقط، وكان طفلاً أو غلاماً ذكياً جداً ببركة دعوة النبي ﵊ له، فلما سأل عمر كبار المهاجرين والأنصار عن معنى قول الله : ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ [النصر:١ - ٣] أجمعوا كلهم على أن المقصود بها فتح مكة.
فلما جاء الدور على ابن عباس قال: ما أرى إلا أن الله تعالى نعى إلينا رسوله، فقال أمير المؤمنين: وأنا والله لا أرى منها إلا ما ترى يا ابن عباس! قال: [وعن ابن عباس في قول الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمِ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء:١١٠]-ولا شك أن القاتل قد عمل سوءاً وقد ظلم نفسه- قال: أخبر الله تعالى عباده بحلمه وعفوه وكرمه وسعة رحمته ومغفرته، فمن أذنب ذنباً صغيراً أو كبيراً].
ولم يقل له ابن عباس: كفرت، أو وجبت لك النار.
ونحن نعلم أن هذه المسألة - أي: مسألة قتل المؤمن عمداً - خالف فيها ابن عباس جميع الصحابة، فقال بأنه في النار خالد مخلد فيها أبداً، وقال جمهور الصحابة: بل قتل المؤمن كبيرة من الكبائر، وتأخذ حكم الكبيرة، فإذا أقيم عليه الحد أو تاب منها أو مات ولم يتب فإنه في مشيئة الله .
والشاهد من ذلك: أن ابن عباس اجتهد في أول أمره في حكم قاتل المؤمن عمداً فقال بخلوده في النار، وأنه لا يغفر له ذلك، ثم تغير اجتهاده بعد ذلك لما وقف على قول جماهير الصحابة أو قول كل الصحابة دونه، فلما علم أن الحق معهم رجع عن قوله الأول.
стр. 1081
سبب إهمال اللالكائي لما روي عن ابن عباس أول الأمر من عدم قبول توبة القاتل عمداً
لما كانت هذه المسألة محل اضطراب عند ابن عباس، ولم يعلم ويشتهر بمخالفة جماهير الصحابة فيه إلا هذا الصحابي الجليل ابن عباس لم يورد الإمام اللالكائي الآراء المسندة إليه بعدم قبول توبة التائب من قتل المؤمن عمداً، وإنما أتى بالرأي الثاني الموافق لجماهير العلماء ومنهم الصحابة أجمعون إلا هو، وقيل: وافقه زيد بن ثابت.
وهذا ضعيف عنه.
وقد روي عن ابن عباس ما يدل على أنه رجع، فقد قال: أخبر الله تعالى عباده بحلمه وعفوه وكرمه وسعة رحمته ومغفرته، فمن أذنب ذنباً صغيراً أو كبيراً - والمعلوم أن القتل كبيرة من الكبائر - ثم يستغفر الله يجد الله غفوراً رحيماً، ولو كانت ذنوبه أعظم من السماوات والأرض والجبال.
стр. 1082
ما جاء عن بعض الصحابة والتابعين في قبول توبة القاتل عمداً
قال: [وقال ثمامة بن حزن: كنت مع أبي فسأل رجل عبد الله بن عمرو - أي: ابن العاص - فقال: من كل ذنب توبة يقبل الله التوبة؟ -يعني: لو أن العبد أذنب ذنوباً فتاب من كل ذنب هل يقبل الله تعالى التوبة؟ - قال: نعم].
وهذا اللفظ من ألفاظ العموم، فقوله: (لو أن عبداً أذنب كل ذنب) يشمل الكبائر والصغائر ويشمل القتل كذلك.
قال: [وعن مجاهد - وهو مجاهد بن جبر المكي من التابعين- قال: لقاتل المؤمن توبة].
ولما عدد الله الكبائر أو بعض الكبائر ومنها قتل النفس قال: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ﴾ [الفرقان:٧٠]، يعني: لا يتوب عليهم فقط، بل يجعل أعمالهم السيئة حسنات بحسن إيمانهم وصدقهم في توبتهم.
قال: [وعن سعيد بن جبير قال: ما أعلم لقاتل المؤمن توبة إلا الاستغفار].
يعني: جعل الاستغفار علامة توبة المؤمن.
وهناك حديث ضعيف يشهد لهذا المعتقد، قال: [فعنه ﷺ في قول الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ [النساء:٩٣] قال ﵊: (هو جزاؤه إن جازاه)]، يعني: هذا جزاؤه إن جازاه الله .
قال: [وعن سعيد بن جبير: أنها نزلت في مقيس بن صبابة حين قتل الفهري، وكان بعثه النبي ﷺ معه ليأخذ دية أخيه فأنزل الله فيه قوله تعالى: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة:١٧٨]]، يعني: أن الله سماه مؤمناً وأخاً لك، فقال: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ﴾ [البقرة:١٧٨].
فالمعفو له هو القاتل، وصاحب العفو هم أولياء المقتول.
﴿فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة:١٧٨]، يعني: تلطف حتى في الكفارات وغير ذلك.
والله تعالى يقول: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ [الحجرات:٩].
فلم ينف الإيمان عن إحدى الطائفتين سواء كانت قاتلة أو مقتولة، ولا يمكن قط أن يستقيم وصف الإيمان - وهو اسم مدح - مع معتقد أن القاتل المؤمن عمداً مخلد في نار جهنم وأنه لا تقبل منه التوبة، إذ كيف يكون مؤمناً حينئذ؟
стр. 1083
شرح حديث قاتل المائة نفس
قال: [وعن أبي سعيد الخدري: أنه حدث أصحابه قال: لا أحدثكم إلا ما سمعته من رسول الله ﷺ ، سمعته أذناي ووعاه قلبي: (أن عبداً قتل تسعة وتسعين نفساً، ثم عرضت له التوبة، فسأل عن أعلم أهل الأرض فدل على رجل -أي: راهب- فأتاه، فقال: إني قتلت تسعة وتسعين نفساً فهل لي من توبة؟ فقال: أبعد قتل تسعة وتسعين نفساً؟)] يعني: جئت تسأل عن التوبة بعدما قتلت تسعة وتسعين نفساً.
قال: [(فانتضى سيفه فقتله فأكمل به المائة)]، يعني: فأشهر سيفه وقتله؛ لأنه أيسه من رحمة الله ، فقد قال له: قتلت مائة نفس وتريد تتوب؟ كيف تتوب؟ فأيسه من رحمة الله، فأتم به المائة.
قال: [(ثم عرضت له التوبة)]، يعني: ثم فكر في التوبة من جديد: [(فسأل عن أعلم أهل الأرض، فدل على رجل فأتاه، فقال: إنه قتل مائة نفس فهل له من توبة؟)]، واللغة تسمح بأن يعبر الشخص عن نفسه بضمير الغائب.
[(قال العالم: من يحول بينك وبين التوبة؟)] يعني: ومن الذي يمنعك من ذلك إذا كان باب التوبة مفتوحاً؟ والله تعالى يقبل توبة العبد ما لم يغرغر، والتوبة تكون من المعصية، والله تعالى يقبل توبة العبد، وهي التوبة الخاصة بكل عبد على حدة، بخلاف التوبة العامة، فإن بابها مفتوح حتى تطلع الشمس من مغربها، فحينئذ لا ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيراً.
وأما التوبة الخاصة بكل عبد على حدة فوقتها الذي ترفع فيه ولا يقبل من صاحبها توبة هو أن تبلغ الروح الحلقوم ويصل إلى الغرغرة، أي: أن يشرف على الموت، فإذا أشرف على الموت وعاينه قال: إني تبت الآن، ولا يقبل منه ذلك.
قال: [(من يحول بينك وبين التوبة؟ اخرج من القرية الخبيثة التي أنت فيها)]، يعني: أيضاً فتح له باب الأمل والرجاء في سعة رحمة رب العالمين، ثم وصف له الطريق الذي ينجو به، وهو أن يهجر أرض السوء والمعصية وصحبة الباطل وينصرف إلى أرض جديدة يعبد الله تعالى فيها ولا يشرك به.
قال: [(اخرج من القرية الخبيثة التي أنت فيها إلى القرية الصالحة كذا وكذا، فاعبد ربك فيها.
قال: فخرج فعرض له أجله)]، يعني: أدركه أجله في أثناء الطريق قبل أن يصل.
[(فاختصمت فيه ملائكة العذاب وملائكة الرحمة، فقال إبليس عليه لعنة الله: لم يعصني ساعة قط -يعني: هذا تبعي، ومن حزبي- فقالت ملائكة الرحمن: إنه خرج تائباً)] أي: يردون على إبليس فهو لم يعصك قط، لكن آخر أمره هو التوبة والرجوع والإنابة، والأعمال بالخواتيم كما أخبر ﵊.
قال: [(فبعث الله ملكاً فاختصموا إليه)، يعني: رضوا بأن يحكم بينهم].
قال: [(فاختصموا إليه، قال: انظروا إلى أي القريتين كان أقرب)] أي: قيسوا ما بين القريتين التي خرج منها والتي هو قادم إليها، فأياً كان قربه إليها فهو من أهلها، فإذا كان لا زال في النصف الأول فقرية الخبث أولى به، وإذا كان أقرب إلى القرية التي هو ذاهب إليها فهو إلى الرحمة أقرب، قال: (انظروا إلى أي القريتين كان أقرب فألحقوه بها.
قال قتادة: فحدثنا الحسن: أنه لما عرف الموت احتضر بنفسه فقرب الله منه القرية الصالحة، وباعد منه القرية الخبيثة فألحقه بأهلها)]، يعني: أمر الله تعالى الأرض أن تطوى وأن تقترب حتى - جاء في أحدى الروايات - أنه كان أقرب إلى الأرض الطيبة قدر شبر واحد، فألحقوه بأهلها.
وهذا الحديث أخرجه البخاري ومسلم.
стр. 1084
كفارة القتل العمد إذا عفى أولياء المقتول عن القصاص
قال: [وعن ابن الديلمي قال: أتيت واثلة بن الأسقع]، وواثلة بن الأسقع هو آخر الصحابة موتاً على الإطلاق.
قال: [فقلنا له: حدثنا حديثاً ليس فيه زيادة ولا نقصان فغضب، وقال: إن أحدكم ليقرأ ومصحفه معلق في بيته فيزيد وينقص، فقلنا: إنما أردنا حديثاً سمعته من النبي ﵊]، يعني: ما قصدوا ظاهر الكلام، واعتذروا بأن مقصودهم: حدثنا بحديث سمعته من الرسول لكن بغير زيادة ولا نقصان، فلا نريد أن نسمع من قولك شيئاً، ولكن انقل إلينا ما سمعته حرفياً، فغضب لذلك وقال: إن أحدكم يقرأ في المصحف في بيته فيزيد وينقص، فكيف تلزموني بهذا؟ قال: [(فقال: أتينا رسول الله ﷺ في صاحب لنا أوجب -أي: وجبت له النار- فقال: اعتقوا عنه يعتق الله كل عضو منه عضواً منه من النار)].
ولذلك جماهير العلماء يقولون: إن كفارة القتل العمد إذا رضي أهل القتيل بذلك هي عتق رقبة مؤمنة، فإذا أعتق نصف هذه الرقبة، يعني: لو كان شريكاً في رقبة فأعتق نصيبه فقد أعتق نصفه أو حظه في الشركة من هذا العبد من بدنه من النار، ويلزمه أن يشارك في عبد آخر ثم يعتق نصيبه حتى يكتمل له عبد كامل، مع إلزامه بالاستغفار والتوبة وحسن الإنابة إلى الله .
قال: [وعن ابن عمر: (جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله! إني أذنبت ذنباً عظيماً فهل لي من توبة؟ فقال رسول الله ﷺ : ألك والدة؟ قال: لا.
قال: ألك خالة؟ قال: نعم.
قال: اذهب فبرها)]، وهذا يدل على أن الخالة بمنزلة الأم.
أكبر الذنوب هو قتل المؤمن عمداً، ولذلك الصحابة ﵃ لم يختلفوا قط في كبيرة من الكبائر بأن لها حكم الكبيرة إلا في قتل المؤمن عمداً، ولذلك آثر اللالكائي أن يتكلم عن هذا في مقدمة موضوع حكم مرتكب الكبيرة لأجل الخلاف الناشئ فيه بين ابن عباس وبين الجمهور، والذي يترجح لدي أن ابن عباس رجع عن رأيه الأول وهو أن قاتل المؤمن عمداً لا توبة له، وأن الله تعالى يقبل توبة التائب من ذنبه مهما كبر حتى وإن كان قتل المؤمن عمداً.
والمعاصي كلها صغيرها وكبيرها مؤثرة في نقصان الإيمان، كما أن الطاعات مؤثرة في الإيمان بالزيادة، حتى وإن كانت أعظم الذنوب، وأعظمها هو قتل المؤمن عمداً.
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
стр. 1085
الأسئلة
стр. 1086
حكم من لم يقدر على إرجاع ما أخذه من الغير
السؤال
كنت أعمل في أحد الفنادق وألزمني المدير أن آخذ ملاحتين من الفندق، ثم تركت العمل لما علمت بخبثه، وأريد إرجاع ما أخذت، ولا سبيل إلى ذلك، فكيف أعمل؟
الجواب
بإمكانك أن تتصدق بهما وتتخلص منهما.
стр. 1087
ما يباح للخاطب
السؤال
أنا خاطب، فهل يجوز للمخطوبة أن تجلس معي وهي كاشفة وجهها؟
الجواب
لا تجلس لا وهي كاشفة ولا وهي مغطية، وأنا قد سألت هذا السؤال الشيخ الألباني ﵀ فقال: ولا أن يراسلها مراسلة، ولا أن يشافهها على الهاتف؛ لأن المخطوبة امرأة أجنبية، فإذا أردت أن تجلس معها فاعقد عليها، وأما قبل ذلك فإن الخطبة لا تثبت حقاً إلا حق الاحتجاز، يعني: أنها محجوزة لك، فلا يجوز لأحد أن يخطبها إلا أن تدع أنت، وبعضهم يقول: أجلس معها حتى أعلمها، فنقول: علم أبوها وأبوها سيعلمها، وتكون قد ضربت عصفورين بحجر.
стр. 1088
الإيمان بكرامات الأولياء والتحدث بها إلى الآخرين
السؤال
هل يجوز التحدث عن كرامات بعض الصالحين في هذا الزمن وأنا لم أرها، ولكني سمعتها من بعض الإخوة، فهل يجوز لي التحدث بها؟
الجواب
الإيمان بكرامات الأولياء من أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة، فكيف نكتم أصلاً من أصول إيماننا.
ولكن نخشى أن يلتبس هذا الكلام بخرافات الصوفية وغيرهم، وكرامات الأولياء والصالحين أمر ثابت مستقر في عقيدة الموحدين، والتحدث به من باب البشارة ومن باب الخير، وأرجو ألا يخلط بين هذا وذاك، ولذلك جعل شيخ الإسلام ابن تيمية عليه رحمة الله حداً فاصلاً بين هذه الخزعبلات والخرافات وبين الكرامات، كما نقل عنه غير واحد، فقد قال: لا تعجب من عمل العامل حتى لو طار في الهواء ومشى على الماء حتى تنظر إلى عمله، فإن كان عمله مستقيماً على كتاب الله وسنة رسوله فاعلم أن هذه كرامة، وإذا كان عمله غير ذلك فاعلم أن هذا استدراج من الشيطان.
стр. 1089
مدى صحة حديث (من أدخل سروراً على مسلم)
السؤال
يقول: (إن من أدخل سروراً على مسلم خلق الله من هذا السرور ملكاً يعبد الله إلى يوم القيامة)؟
الجواب
لا أعرفه أبداً، ويبدو أنه من وضعك أنت، يعني حتى أنك لم تأت به من كتب الموضوعات.
стр. 1090
حكم تأخر من يصلح للإمامة إذا لم يوجد غيره
السؤال
من كان يعمل كبيرة توجب لعنة الله ثم تركها لأجل الله وتعلم القرآن وصار الناس يرونه أهلاً للإمامة وهو يخاف أن يتقدمهم، ويخاف أيضاً أن يتخلف عن إمامتهم فهو من أقرئهم للقرآن، حتى لا يدخل للإمامة من يفسد الصلاة، فكيف المخرج يرحمكم الله تعالى؟
الجواب
ويرحمكم.
لا بد أن تعلم أن الإمامة هي دين الله ، يعني: أن مسألة الإمامة والتصدي لإمامة الناس أو تدريسهم أو قضاء حوائجهم من التكليف الشرعي، فهذا الأمر ليس من باب التشريف بل هو تكليف شرعي، فإذا تعينت عليك الإمامة -بمعنى: أنه لا يوجد أحد في الناس يصلح أن يكون إماماً إلا أنت- فتأخرك معصية لله ، وهذا ورع كاذب، بل الورع هو الاستقامة، كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية، فالاستقامة: أن تحافظ على صحة صلاتك وصحة صلاة الناس.
ولو تورعت أن تصلي بالناس ثم دخلت في الصلاة الجهرية خلف شخص لا يحسن قراءة الفاتحة فإنك ستبقى في صراع نفسي أثناء الصلاة هل تعيد الصلاة أم لا؟ وإذا كنت خائفاً على صلاة الناس أيضاً فماذا ستقول لهم بعد الصلاة؟ وهل ستأمرهم بإعادة الصلاة؛ لأن هذه الصلاة باطلة.
وقد قال النبي ﵊: (ولا يزال قوم يتأخرون حتى يؤخرهم الله في النار)؛ لأنه تعين عليهم العمل فتخلفوا عنه عمداً، فهذه معصية أخرى، فلا تتصور أن هذا ورع في وقت قد تجرأ فيه جل الناس على الإمامة، وكل واحد يرى أنه أولى بالإمامة وأنه أهل للإمامة، بل إن المؤذن الذي لا يحسن أن يؤذن إذا أذن وأقام الصلاة يجد شخصاً واقفاً جنبه أو اثنين أيضاً، بل إنه بعد أن يفرغ من الإقامة يطمع في الإمامة، وكل واحد يرى أنه أهل للإمامة، والورع أن تنظر بتقوى الله فلا ترى من هو أفضل منك للإمامة، وليس معنى ذلك أنك أفضل الناس على الإطلاق، ولكنك أفضل الموجودين في شروط الإمامة، مع أنه يمكن أن تكون فاسقاً عياذاً بالله، فقد يكون عندك كبيرة تفسق بها، وصاحب الكبيرة المحافظ عليها فاسق، وإمامة الفاسق جائزة، والفاسق لا يفسق إلا بكبيرة أو بالمحافظة على الصغيرة.
وتسعون في المائة من الأئمة في التكبير حتى في الصلاة السرية يقول: الله أجبر بالجيم بدل الكاف، ومذهب جماهير الفقهاء أن تحويل الكاف إلى جيم يبطل الصلاة ويلزم الإعادة حتى في الصلاة السرية.
فهذه مسائل فنية لا دراية لأحد بها إلا أحد تدرب عليها وعرف أحكام التجويد ومخارج الحروف، وعامة الناس لا علم لهم بذلك.
وهذه من مسائل الدين.
следующие страницы →