← Акыда

Акыда · id 37437

شرح أصول اعتقاد أهل السنة للالكائي - حسن أبو الأشبال

حسن أبو الأشبال الزهيري

Полный текст (1 284 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

شرح حديث: (الولد مجبنة مبخلة) قال ﵊: (الولد مبخلة مجبنة مجهلة). ومعنى مبخلة يعني: أنك تقول مثلاً عند داعي الصدقة: أولادي أولى، فأنا لن أتصدق لأني أريد أن أعمل مستقبل لأولادي، فتبقى معك الأموال، ثم تقصر فيما فرضه الله عليك، وإذا نصحت بالذهاب إلى الحج مع الناس وتأدية فرض الله قلت: لا، أريد أن أربي الولد والبنت. وهذه الأشياء لن تنتهي، فلو أنه زوج العيال كلهم وسترهم بستر الله فسيطمع بأن يكون لهم بيت، وإذا بنى لهم بيتاً ثم وقعت المشكلات فيما بينهم يقول: سأبني لكل واحد بيتاً. فالقضية هذه لن تنتهي وليس لها نهاية. وليس فرضاً عليك أنك تزوج أولادك، وتبني لهم البيوت قبل أن تؤدي فرض الله الذي فرضه عليك فرض عين. قال الحسن البصري: جاء أعرابي إلى عمر فقال: يا أمير المؤمنين! علمني الدين. فقال: أن تشهد أن لا إله إلا الله -وهذا يعرف بالسمع لا بالعقل- وأن محمداً رسول الله ﷺ ، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتحج البيت، وتصوم رمضان. قال: وعليك بالعلانية -أي: في كل ما يرضي الله وإياك والسر -أي: وإياك وما يستحيا منه- كما قال النبي ﵊ (لما وجد رجلاً من الأنصار يعظ أخاه في الحياء). يعني: يعاتب أخاه في الحياء ويقول له: إن حياءك شديد ويكاد أن يهلكك. فقال النبي ﵊: (دعه فإن الحياء من الإيمان). وفي رواية: (فإن الحياء لا يأتي إلا بخير). وفي رواية: (فإن الحياء كله خير). وقال ﵊: (إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى: إذا لم تستح فاصنع ما شئت). وهذا الحديث له معنيان عند أهل العلم: أحدهما: إذا لم تستح من فعلك بين يدي الله فاصنعه، فإنه من طاعة الله وفي رضا الله. يعني: إذا لم يكن فعلك هذا مما تستحي منه بين يدي الله إذا حاسبك عليه فافعله الآن؛ لأنه في مرضاته وفي طاعته. وهذا المعنى هو الذي قال فيه عمر: وعليك بالعلانية وإياك بالسر. أي: وإياك أن تعمل عملاً في السر يغضب الله . وعليك بالعلانية، أي: وعليك بما لا يستحيا منه بين يدي الله في الآخرة، ولا بين الناس في الدنيا، وإن لقيت الله فقل: أمرني بهذا عمر. والمعنى الثاني لقوله ﵊: (إذا لم تستح فاصنع ما شئت). يعني: إذا كان الشخص ليس عنده حياء قط فليصنع ما شاء بعد ذلك، فإنه إذا نزع من المرء الحياء لم يعاتب ولم يلم على فعله القبيح الذي هو فيه؛ لأن الناس اعتادوا منه سوء الخلق، وسيحاسبه الله عليه يوم القيامة. معنى كون الولد (مجهلة). أي: أنه هو الذي يسبب الجهل لأبيه، فإذا خرج والده في طلب العلم منعه الولد لحاجته ومتطلباته، وغير ذلك مما يخص الولد. يعني: أن الولد يشغل أباه عن طلبه للعلم، فيصير جاهلاً. وقد تكون الزوجة أجهل من ولدها، والولد قد يحتمل، وأما الزوجة فلا تحتمل، فلا يخرج الزوج لدرس العلم إلا خفية من الزوجة، فيقول لها: سأذهب لآتي بكذا وكذا وكذا فتقول له: اذهب وفقك الله، ولو اشترى كتاباً لانتقدته أمه بأنهم ليس معهم مصاريف الأولاد وغير ذلك، حتى أنه يضطر في النهاية إلى شراء الكتاب بغير علمها. فطالب العلم يحتاج إلى صبر عجيب جداً، صبر على شراء الكتاب، وصبر في المحافظة عليها، وصبر في الطلب، وصبر على الزوجة، وعلى الأولاد، وصبر من كل ناحية، وإن لم يكن صاحب حكمة وحنكة وفطنة وحسن تصرف في المواقف المتكررة كل ساعة وكل دقيقة فسيضيع مع أولاده ومع امرأته، فلا بد أن يجعل طالب العلم لقلبه ولوقته ولعلمه وقتاً مع كتاب الله ومع سنة رسوله، وحضور مجالس العلم وإلا سيضيع. والشيخ ابن عثيمين وغيره يشرحون قوله ﷺ : (الولد مجبنة) فيما يتعلق بالجهاد. أي: إذا نادى منادي الجهاد يقولون له: انتظر إلى أين ستذهب؟ إن لديك أولاداً صغاراً، فمن سيربيهم؟ مع أن هؤلاء الأولاد هم الذين سيدمرونه ويضيعونه، فهو لن يطلب العلم بسبب العيال، ولن يجاهد حتى يجاهد في العيال، فالولد هو سبب كل بلية، والذكي هو من يعطي لكل ذي حظ حظه، ثم يدع الأمر بعد ذلك لله . وكم من شخص حرص كل الحرص على تربية أبنائه، ثم ما رباهم في النهاية؛ لأنه لم يتق الله ﵎ فيما تعين عليه هو أولاً، بل جعل كل همه في أولاده، وليست هذه دعوة لترك الأولاد والتفريط في حقهم، أبداً، بل هذا مما قد تعين عليك، ولكنه تعين بقدر، فينبغي ألا تزيد عليه ولا أن تنقص منه. والأصل في ذلك: قوله ﵊: (كفى بالمرء إثماً أن يضيع من يعول). وفي رواية: (أن يضيع من يقوت). فعليه أن يعولهم ويطعمهم ويسقيهم ويعلمهم ويربيهم، ويعلمهم الإيمان بالله وبالملائكة وبالكتب وبالرسل، وغير ذلك، فكل هذا داخل في عيالة الأولاد، وفي ا

стр. 247

كلام ابن عثيمين في الإيمان بالله

стр. 248

بيان ما يتضمنه الإيمان الشيخ ابن عثيمين حفظه الله لما تكلم عن الإيمان بالله قال: (الإيمان بالله يتضمن الإيمان بوجوده ، والإيمان بربوبيته). أي: أنه متفرد بالربوبية، والإيمان بأسمائه وصفاته، والإيمان بألوهيته، وأن ذلك لا يتحقق إلا من قبل السمع، والعقل، والحس، والفطرة.

стр. 249

الأدلة على معرفة الله تعالى قال: (ومعرفة الله تعالى تتحقق أولاً: بالسمع. ثانياً: بالعقل. ثالثاً: بالحس. رابعاً: بالفطرة).

стр. 250

دلالة العقل على معرفة الله قال: (فأما دلالة العقل فنقول: هل وجود هذه الكائنات بنفسها؟ يعني: هل وجد هذا الكون وما فيه من سماء وأرض وأجرام ومجرات وآيات عظيمة بنفسها، أو وجدت هكذا صدفة؟ قال: فإن قلت: وجدت بنفسها فمستحيل عقلاً يعني: أن العقل يحيل أن توجد هذه الكائنات بنفسها؛ إذ إنها في أصلها عدم ثم أنشئت، فكيف تكون موجودة وهي معدومة؟ والمعدوم ليس بشيء حتى يوجد فضلاً عن أن يوجد). فهي لا يمكن أن توجد نفسها؛ لأنها في الأصل معدومة، والمعدوم لا يوجد نفسه، فكيف يوجد غيره؟ وإن قلت: وجدت صدفة فنقول: هذا يستحيل عقلاً أيضاً، فهل ما أنتج من الطائرات والصواريخ والسيارات والآلات بأنواعها وجد صدفة؟ فلابد أن يقول: لا يمكن أن يكون ذلك، وكذلك هذه الجبال والشمس والقمر والنجوم والشجر والرمال والبحار وغير ذلك لا يمكن أن توجد صدفة كذلك، ولا يتصور أن هذا التقدم الحضاري الذي يمر به العالم الآن وجد هكذا صدفة؟ وهل وجدت الطائرة أو الصاروخ أو أي آلة إلكترونية من قبل الصدفة، أم درس ذلك دراسة علمية منضبطة على المنهج التقني والحديث؟ لابد وأن ذلك كان مدروساً، فهذه الحضارة التي هي موجودة الآن التي عمرت الأرض شرقاً وغرباً لا يمكن أن يقول أحد أنها وجدت صدفة، وإذا كان الأمر كذلك فلابد وأن تكون مخلوقات الله لها مدبر. ويقال: إن طائفة من السمنية -وهم فرقة من أهل الهند- جاءوا إلى أبي حنيفة ﵀، فناظروه في إثبات الخالق ، وهل الخالق لهذا الكون موجود أم غير موجود؟ وكان هذا في القرن الثاني الهجري، وكان أبو حنيفة من أذكى العلماء فوعدهم أن يجيبهم بعد يوم أو يومين، فذهبوا ثم عادوا بعد يوم أو يومين وقالوا: ماذا قلت؟ قال: أنا أفكر في سفينة مملوءة من البضائع والأرزاق جاءت تشق عباب الماء حتى أرست في الميناء ونزلت الحمولة وذهبت وليس فيها قائد ولا حمالون. قالوا: تفكر بهذا يا أبا حنيفة؟! قال: نعم. قالوا: إذاً ليس لك عقل، فهل يعقل أن سفينة تأتي بدون قائد وتنزل وتنصرف؟! هذا ليس معقول. قال: كيف لا تعقلون هذا، وتعقلون أن هذه السماوات والشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر والدواب والناس كلها بدون صانع؟ فعرفوا أن الرجل خاطبهم بعقولهم، وعجزوا عن جوابه. فهذا حجة عقلية في إثبات وجود الله ، ونحن متفقون أن الله تعالى إنما وجبت معرفته بالسمع، ولا بأس بمعرفته استئناساً بالعقل، والله ﵎ خاطب العقول الراجحة السليمة في القرآن في غير ما آية في عشرات ومئات الآيات، مثل قوله: ﴿أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة:٤٤]، وقوله: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ﴾ [محمد:٢٤]، وغير ذلك من الآيات التي تخاطب العقل وتأمره بالتدبر والتفكر في آيات الله وفي الخلق والكون وغير ذلك. وقيل لأعرابي من البادية: بم عرفت ربك؟ قال: الأثر يدل على المسير. يعني: لو أن جملاً مشى في الصحراء لعرف أثر قدمه، والعرب كانوا يعرفون آثار الأقدام، ونحن في هذا الوقت لا نعرف ما يمشي إلا السيارة، وأما الأعراب فكانوا يعرفون أن الذي مشى من هنا معزة فلان، فكانوا يعرفون حتى لمن هي، فهذه حياتهم. وكان أحدهم يضع أذنيه قريباً من الأرض، وقد يسمع أصواتاً من بعد فإذا نظر ولم ير أحداً وإنما سمع دبيب الأرجل على الأرض علم أن هناك أناساً جاءوا من الشمال أو من اليمين أو من الجنوب. فهذه حياتهم، وهم أئمة في ذلك. فهذا الأعرابي لما سئل: بم عرفت ربك؟ قال: الأثر يدل على المسير، والبعرة تدل على البعير، فسماء ذات أبراج، وأرض ذات فجاج، وبحار ذات أمواج، ألا تدل على السميع البصير؟ بلى. ولهذا قال الله : ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾ [الطور:٣٥]. يعني: أهم خلقوا من غير شيء فأوجدوا أنفسهم بعد أن لم يكونوا؟ أم هم الخالقون للكون؟ أم أنهم كانوا في الأصل عدماً؟ فكيف أوجدوا أنفسهم فضلاً عن كيفية إيجادهم لغيرهم؟ فالعقل يدل دلالة قطعية على وجود الله ، ولا بأس بأن نقول: معرفة الله ﵎ واجبة بالسمع، ولا بأس أن نستأنس بالعقل السليم الراشد.

стр. 251

دلالة الحس على معرفة الله الحس يدل على وجود الله ؛ فإن الإنسان يدعو الله ويقول: يا رب! ويدعو بالشيء ثم يستجاب له فيه، فهذه دلالة حسية. فهو نفسه لم يدع إلا الله، وقد استجاب الله له، فهو قد رأى ذلك رأي العين. وكذلك نحن نسمع عمن سبق وعمن في عصرنا أن الله استجاب له، فهذه دلالة الحس على أن الشافي هو الله ؛ لأنه طلب الشفاء فشفاه ، فهذه دلالة حسية. والأعرابي الذي دخل المسجد والرسول ﵊ يخطب الناس يوم الجمعة فقال: (هلكت الأموال، وانقطعت السبل، وهلك الضرع والزرع، فادع الله يغيثنا. قال أنس: والله ما في السماء من سحاب ولا قزعة -يعني: قطعة سحاب- وما بيننا وبين سلع -وهو جبل في المدينة- من بيت ولا دار). يعني: أن الأرض كلها صحراء جرداء، وهم يرون السماء جيداً ليس فيها سحاب ولا غمام، ولا شيء ينبئ عن نزول مطر، فلما دعا الرسول ﵊ (خرجت سحابة مثل الترس، وارتفعت في السماء وانتشرت وأرعدت وأبرقت، ونزل المطر، فما نزل الرسول ﵊ إلا والمطر يتحادر من لحيته ﵊. فهذه دلالة حسية، فقد دعا فاستجيب له. والله تعالى يقول: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر:٦٠]. ويقول: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة:١٨٦]. وهذا أمر واقع يدل دلالة حسية على وجود الخالق. وفي القرآن الكريم كثير من هذا، مثل قوله تعالى: ﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ﴾ [الأنبياء:٨٣ - ٨٤] ومع أن هذه دلالة حسية إلا أنها تشمل معها الدلالة السمعية كذلك، إذ هي آية من كتاب الله .

стр. 252

دلالة الفطرة على معرفة الله الفطرة تدل على الله ، فقد جاء في حديث النبي ﵊: (ما من مولود إلا يولد على الفطرة). يعني: على التوحيد والإسلام، كما ورد في إحدى الروايات، (ما من مولود إلا يولد على فطرة الإسلام). يعني: على توحيد الله . والناس الذين لم تنحرف فطرهم يؤمنون بوجود الله، حتى البهائم العجم تؤمن بوجود الله ، وجاء في قصة سليمان ﵇: (أنه خرج يستسقي فوجد نملة مستلقية على ظهرها رافعة قوائمها نحو السماء تقول: اللهم إنا خلق من خلقك فلا تمنع عنا سقياك، فقال سليمان: ارجعوا فقد سقيتم بدعوة غيركم). فالحشرات والحيوانات والبهائم والطيور ومنها الغراب والهدهد عرفوا الله ووحدوه حق توحيده الذي يجب له وينبغي. إذاً الفطر مجبولة على معرفة الله وتوحيده، وقد أشار الله تعالى إلى ذلك في قوله: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ [الأعراف:١٧٢]. فلما خلق الله تعالى آدم أخرج من صلبه كل نسمة تكون إلى يوم القيمة مثل الذر، ﴿وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ﴾ [الأعراف:١٧٢]، ثم أخذ عليهم العهد والميثاق ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾ [الأعراف:١٧٢]، أي: ألست الخالق لكم، المدبر لجميع أمركم؟ ﴿قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ﴾ [الأعراف:١٧٢]. فلا تأتوا يوم القيامة وقت الامتحان والاختبار تقولون: كنا يا رب! من الغافلين. فإن الله جبلكم وفطركم وخلقكم على توحيده وعبادته، فلا تنحرفوا عن ذلك وتقولوا غفلنا. ﴿أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ [الأعراف:١٧٣]. يعني: ليس لنا ذنب، ونحن سمعنا ووجدنا آباءنا مشركين فأشركنا. وهذا لا ينبغي أن يكون جواباً يوم القيامة. فهذه الآية تدل على أن الإنسان مجبول بفطرته على شهادته بوجود الله وربوبيته، وسواء استخرجهم الله من ظهر آدم واستشهدهم، أو إن هذا هو ما ركب الله تعالى في فطرهم من الإقرار به؛ فإن الآية تدل على أن الإنسان يعرف ربه بفطرته. وأما دلالة الشرع فهو ما جاءت به الرسل من شرائع الله تعالى المتضمنة لجميع ما يُصلح الخلق، وهذا يدل على أن الذي أرسلهم بها رب حكيم رحيم عليم خبير، ولاسيما هذا القرآن المجيد الذي أعجز البشر والجن أن يأتوا بمثله. أقول قولي هذا، وأستغفر الله ﵎ لي ولكم. وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.

стр. 253

شرح أصول اعتقاد أهل السنة - هل الاسم هو المسمى مسألة: هل الاسم هو المسمى أم لا؟ مسألة في غاية التعقيد والصعوبة، وقد وجدت هذه المسألة في الأزمنة الأولى، وعلى جهة الخصوص في القرن الثالث الهجري، وذلك لما عربت كتب اليونان، ودخلت الفلسفة على المسلمين، والحق في هذه المسألة: أن الاسم هو المسمى، خلافاً لبعض الفرق المبتدعة من المعتزلة وغيرهم، الذين خالفوا كتاب الله وسنة رسوله الكريم، وإجماع المسلمين، ولغة العرب والعرف والعادة.

стр. 254

بداية ظهور مسألة الاسم والمسمى إن الحمد لله تعالى، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. ثم أما بعد: فإن مسألة: هل الاسم هو المسمى أم لا؟ مسألة في غاية التعقيد والصعوبة، ولا شك أنها مسألة قد صيغت في الأزمنة الأولى، وعلى جهة الخصوص في القرن الثالث الهجري، وذلك لما ظهرت الفلسفة، فتكلم المتكلمون في أسماء الله وصفاته، ووضعوا أمام أهل السنة العراقيل بزعمهم، واضطر أهل السنة إلى أن يردوا عليهم مفترياتهم، وأن يدحضوا الدخيل الذي لم يكن معلوماً لدى سلفنا رضي الله تعالى عنهم. فهل اسم الله يدل على ذات الإله؟ وهل لفظ الجلالة (الله) إذا أطلقناه نعني به ذات الله ﵎؟ وإذا أطلقنا لفظ (الخالق) هل هذا الاسم يدل على ذات الإله أم أنه منفصل عن الإله ﵎؟ أي: هل الاسم هو عين المسمى، أم أنه خارج عنه؟

стр. 255

إنكار الإمام أحمد لمسألة: هل الاسم هو المسمى إن هذا الكلام لم يعرفه الصحابة ولا التابعون ولا أتباع التابعين؛ لأنهم علموا سلفاً أن الاسم هو المسمى؛ عرفوا ذلك بفطرهم، وبكتاب الله ، ولم يخوضوا في معرفة هذا المصطلح، ولذلك لما ظهر هذا المصطلح في القرن السادس أنكره الإمام أحمد بن حنبل غاية الإنكار، ولم يجب عنه لا لجهل عنده، فإنه كان إمام أهل السنة والجماعة، وكان عالماً بكل دقيقة وبكل صغيرة في عقيدة المسلمين، لكنه كره أن يسمع هذا المصطلح فضلاً أن يرد عليه، فتوقف فيه تمام التوقف، وقد نقل توقفه الإمام أحمد بن تيمية عليه ﵀ في المجلد السادس من كتاب الفتاوى، كما نُقِل توقفه كذلك في كتاب طبقات الحنابلة، وغير ذلك من كتب الاعتقاد، فقد كرهه وأبغضه غاية البغض؛ لأن هذا الكلام لم يكن معروفاً لدى السلف فلم الخوض فيه؟ ولم إنشاؤه الآن؟ وأحمد يعتقد أن السلف ﵃ -ونحن نعتقد كذلك- ما كان معلوم لديهم فهو دين الله ﵎، وما لم يكن معلوماً لديهم، فإنما يكره أو يحرم الخوض فيه لمن أتى من بعدهم؛ لأن السلف رضي الله تعالى عنهم ما عرفوا إلا الحق، وما أذاعوا بينهم إلا الحق والرضا. لكن من أتى بعدهم -بعد دخول العجمة والفلسفة- اضطروا أن ينساقوا خلف الفلاسفة، وخاصة بعد أن عربت كتب الفلاسفة اليونانيين في حكم الدولة العباسية، ودخل الإسلام من الشر ما دخله بترجمة هذه الكتب، وعانى أهل العلم معاناة شديدة للرد على كلام الفلاسفة الذي تأثر به بعض علماء الإسلام وخاصة الأشاعرة.

стр. 256

سياق ما فسر من كتاب الله وما روي عن رسول الله وورد من لغة العرب على أن الاسم والمسمى واحد قال المصنف رحمه الله تعالى: [سياق ما فسر من كتاب الله تعالى، وما روي عن رسول ﵊، وورد من لغة العرب على أن الاسم والمسمى واحد]. أي: إذا قلت: الله، فالمقصود ذات الإله، وذات الإله واسم الله شيء واحد، فالاسم هو المسمى، والمسمى هو الاسم. قال: [وأنه هو هو لا غير أي: أن الاسم هو المسمى، فلا شيء خارج عنه؛ لذا فالكلام في هذا الباب -هل الاسم هو المسمى- هو ضرب من ضروب الكلام عن القرآن الكريم، وأنه كلام الله تعالى غير مخلوق؛ لأن المعتزلة على جهة الخصوص قالوا: الاسم ليس هو المسمى، ومرادهم بهذا: أن الله ﵎ كان ولم يكن له اسم، ثم بعد أن كان أوجد أسماءه، والذي يقول: إنه أوجد أسماءه يلزمه أن يقول: إن أسماء الله تعالى لم تكن ثم كانت، ثم يلزمه تباعاً أن يقول: إن أسماء الله تعالى حادثة، وكل حادث لابد وأنه إلى زوال وفناء، فيلزمهم أن يقولوا: إن أسماء الله تعالى كلها مخلوقة كما قالوا في صفة الكلام لله ، وهو القرآن الكريم، فقد قالوا: إنه مخلوق، أي: حادث، وأسماء الله تعالى ليست هي عين المسمى؛ فيلزمهم أن يقولوا: إن الفناء يطرأ على هذه الأسماء، فكان الله ولم يكن له اسم، ثم تسمى بهذه الأسماء بعد ذلك؛ فيلزمهم أن يقولوا: إن كل هذه الأسماء لابد وأن يحصل عليها الفناء. إن الذي يقول: إن أسماء الله ليست هي الله تعالى، أو ليست هي المسمى، وليست هي عين المسمى؛ يلزمهم أن يقولوا: إن أسماء الله تعالى حادثة، أي: أوجدت وأنشئت بعد أن لم تكن، والذي يقول بهذا الاعتقاد يقول: إنها لابد أن تفنى، فإن الله كان بلا أسماء، وكأنهم أرادوا أن يقولوا: إن الله ﵎ كان بغير اسم الرزاق، ولم يستحق هذا الاسم إلا بعد أن رزق، وكان بغير اسم الخالق، وما استحق أن يكون خالقاً إلا بعد أن خلق، وغير ذلك من أسماء الله ، وهذا كلام في غاية البطلان والفساد. بل قال أحمد بن حنبل: من قال بذلك فهو كافر؛ قياساً على كلامه في موقف المعتزلة من كلام الله ، فلما سئل عن القرآن: أهو مخلوق؟ قال: لا، إن القرآن كلام الله تعالى، وهو صفة من صفاته غير مخلوقة، ومن قال: إن القرآن مخلوق فقد كفر.

стр. 257

أدلة أهل السنة والجماعة على أن الاسم هو المسمى وحجة أهل السنة والجماعة على أن الاسم هو المسمى، أو هو عين المسمى ما يلي: [قوله تعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى * الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى﴾ [الأعلى:١ - ٢]، وقال ﵎: ﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف:١٨٠]، وقال ﵎: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَّا تَدْعُوا فَلَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [الإسراء:١١٠]]. أي: عندما تدعون الله ﵎ فإنكم لابد أن تدعونه بأسمائه الحسنى؛ إذ أنه ﵎ لا يمكن أن تناديه بغير اسمه، بل ولا يتصور هذا، فتقول: يا رحمان يا رحيم يا قابض يا خالق يا رزاق يا بارئ يا مصور يا مهيمن يا عزيز يا جبار، وغير ذلك من أسمائه الحسنى، لكن لو رفعت يديك إلى السماء وأردت أن تدعو الله بغير اسمه فإنك ستعجز عن الكلام، وتعجز عن الدعاء؛ لأنه لابد وأن تذكره باسم من أسمائه، ولا يتصور أن الله ﵎ كان بغير اسم، ولم يستحق أن يسمى إلا بعد أن خلق له أسماء، لذا فإن من يقول: إن أسماء الله وصفاته مخلوقة، لابد وأن يقول: إنها فانية؛ لأن الله في نظره وفي زعمه كان بلا أسماء، وسيكون في آخر الزمان بلا أسماء كذلك، ولا شك أن هذا قول كذب ومفترى، بل هو الكفر البواح والصريح. قال: [وقال الله تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر:٦٠]، وقال تعالى: ﴿فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [غافر:٦٥]، وقال تعالى: ﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ﴾ [قريش:٣]، ولم يقل أحد من العقلاء: من اسمه: رب هذا البيت). لأنهم يعلمون أن لله أسماء حسنى، وصفات عليا قد تسمى بها أزلاً، ولا تزال هذه الأسماء باقية إلى أبد الآبدين. قال: [ولم يقل أحد من العقلاء من اسمه: رب هذا البيت، ولا قال أحد: ادع الذي اسمه: الله]، وإنما يقولون: ادعوا الله؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ﴾ [قريش:٣]، وقال: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر:٦٠]. ولأن دعاء الاسم بخلاف دعاء المسمى، فعند إطلاق الاسم على الآدمي لابد وأن تعلم أن أسماء المخلوقين مخلوقة، بخلاف أسماء الخالق ﵎ فإنها غير مخلوقة، ولذلك يقول الله ﵎: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ [البقرة:٣١] أي: علم آدم بعد أن كان جاهلاً، وبعد أن لم يكن يعلم اسماً من الأسماء، فالله خلقه جاهلاً ولم يخلقه عالماً، ولذلك قال: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ [البقرة:٣١]، وهذا يدل على أنه قبل تعليم الله له لم يكن عالماً بهذه الأسماء، وهذه الأسماء مخلوقة لآدم ومخلوقة في آدم، أي: أن الله تعالى خلقها وعلمها لآدم بعد أن كان جاهلاً بها. ولذلك فاسمك مخلوق، والاسم الذي ركب فيك وركب عليك كذلك مخلوق، ولذلك عندما يأتي المولود فيقال: نسميه إبراهيم، فيقول آخرون: بل نسميه محمداً، ويقول ثالث: بل نسميه سعداً، والرابع: يسميه سعيداً، وغير ذلك، ثم يستقر اسم ذلك الولد على ما قدره ربه ﵎ في اللوح المحفوظ، والذي سجله ربه ﵎ هناك. ثم انظر يا عبد الله! ألا ترى أنك تسمى حليماً وليس فيك شيء من الحلم، وتسمى لطيفاً وليس فيك من اللطف شيء، فلا يلزم أن يدل الاسم على المسمى؛ لأنك مخلوق واسمك كذلك مخلوق، بخلاف المولى ، فإنه خالق كل شيء، وهو ليس مخلوقاً، وإنما هو الإله الفرد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد، وكذلك أسماؤه ﵎ وصفاته العلى، فإنها ليست مخلوقة، وإنما هي أسماء وصفات أزلية أبدية ليست بمخلوقة. وهنا نقول: إن أسماء المخلوقين مخلوقة ولا تدل باللازم على المسمى؛ لأن المرء يسمى محمداً وليس فيه من الحمد شيء، ويسمى أحمد وإبراهيم وموسى وعيسى وغيرهم من أسماء أفراد هذه الأمة المحمدية وهم تاركون للصلاة، والصيام، والزكاة، والحج، وللأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، فهل هذا يدل على حمدهم لله، وشكرهم لله، وإنابتهم وإخباتهم لله؟ الجواب لا، فإن أسماء المخلوقين مخلوقة، وليس بلازم أن يدل على عين المسمى، بخلاف المولى ﵎ فإنه لما كانت ذاته ﵎ ليست مخلوقة، وذوات المخلوقين مخلوقة، اختلفت الذات عن الذات، وبالتالي لابد وأن تختلف الصفات عن الصفات، إذ إن صفات الله ﵎ غير مخلوقة تبعاً لذات المولى ﵎. وأما ذات المخلوقين لما كانت مخلوقة فلابد وأن تكون أسماءهم وصفاتهم كذلك مخلوقة، ولذلك لم يقل أحد من العقلاء: يا أيها الناس! ادعوا من اسمه الله، وإنما يقال: ادعوا الله مباشرة؛ لأن اسم (الله) يدل على ذات الإله، ولا يلتفت عنه قط، وأن ذات الاسم هو ذات المسمى. وقال ﵎: ﴿فَإِيَّايَ فَاعْبُ

стр. 258

من أعظم الشرك أن يقال: إن العبادة لاسمه، واسمه مخلوق، وقد أمر بالعبادة للمخلوق قال: [ومن أعظم الشرك أن يقال: إن العبادة لاسمه واسمه مخلوق، وقد أمر بالعبادة للمخلوق]. فانظر إلى هذا اللبس وهذا الخلط، فرب رجل من المعتزلة يأتينا فيقول: من تدعون؟ فنقول: ندعو الله، فيقول: لا، أنتم الآن تدعون اسماً من أسماء الله، ولا تدعون ذات المسمى، وهو الله ﵎، وأنتم بهذا قد أشركتم بالله! وهذا لبس وخلط، ولذلك رد عليهم الإمام فقال: [ومن أعظم الشرك أن يقال: إن العبادة لاسمه واسمه مخلوق، وقد أمر بالعبادة للمخلوق]؛ إذاً: فأنت الآن تدعو المخلوق كما تدعو السيد البدوي، والسيدة زينب، ونفيسة وغيرهم من الأولياء، وعليه فما الفرق عندكم -المعتزلة يوجهون هذا السؤال لأهل السنة- بين من يدعو البدوي وبين من يدعو اسماً من أسماء الله؟! فنقول لهم: إن الفرق شاسع وكبير جداً؛ لأننا نعتقد أولاً: أن الاسم هو المسمى، والأمر الثاني: أننا نعتقد أن أسماء الله تعالى لازمة لذاته لا تنفك عنه، فهي أزلية أبدية وليست بمخلوقة. قال: [وهذا قول المعتزلة والنجارية وغيرهم من أهل البدع والكفر والضلال. وقال ﵎: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١]. وقد أجمع المسلمون على أن (هو) إشارة إليه، وأن اسمه (هو). وقال ﵎: ﴿فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ﴾ [الحج:٣٦]، فأمر الله ﵎ أن يذكر اسمه على البدن حين نحرها للتقرب إليه سبحانه]، ﴿فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ﴾ ولم يقل: اذكروا ذات الله، ليدل على أن الاسم هو المسمى. فإذا دعونا الله ﵎ فإنا نقول: باسم الله أذبح وأتقرب إلى الله، وباسم الله أجامع، وباسم الله آكل، وباسم الله أشرب، وباسم الله أمشي، وباسم الله أتوكل عليه، وأفعل كيت وكيت. بينما المعتزلة إذا سمعونا نقول ذلك يقولون: أنتم تدعون الاسم دون المسمى! فنقول لهم: وإن كان الأمر كذلك فإن الله قد أمرنا بذلك، وعندنا في ذلك بدل النص عشرات النصوص؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ﴾ [الحج:٣٦]، ولم يقل: فاذكروا ذات الله؛ ليدل على أن الاسم هو المسمى. قال: [وعلى مذهب المبتدعة: لو ذكر اسم زيد أو عمرو أو اللات والعزى يجزيه؛ لأن هذه الأسماء مخلوقة، وأسماء الله عندهم مخلوقة]. أي: أنهم يقولون: لا فرق بين أن تدعو اللات والعزى، وأن تدعو الله؛ لأنك بهذا كله إنما تدعو أسماء، سواء دعوت أسماء هذه الآلهة، أو أسماء الله ﵎، فالكل عندهم مخلوق، والكل عندهم نداء لغير الله . قال: [وقال في آية أخرى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام:١١٨])، ولم يقل سبحانه: فكلوا مما ذكر ذات الله. وقال في موضع آخر: ﴿وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام:١٢١]. وقال ﵎: ﴿تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ﴾ [الرحمن:٧٨]-ولم يقل: تبارك ذات ربك- وقال في آية أخرى: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [غافر:٦٤]، وقال ﵎: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا * وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ [الأحزاب:٤١ - ٤٢]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب:٥٦]].

стр. 259

إجماع المسلمين على أن المؤذن إذا قال كلمة التوحيد فقد أتى بالتوحيد وأقر بالنبوة قال: [وأجمع المسلمون: أن المؤذن إذا قال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً رسول الله؛ فإنه قد أتى بالتوحيد]. أي: أقر بتوحيد الله ، وأنه قد دعا الله ﵎ بأسمائه وصفاته العلى. قال: [وأقر بالنبوة]؛ لأنه شهد أن محمداً رسول الله، ولذا فلا يتصور أن واحداً يقول: إن من قال: أشهد أن محمداً رسول الله؛ إنه قد دعا الاسم دون المسمى! كما أن واحداً لو ناداك وقال: قبحك الله يا زيد! وأنت اسمك زيد، فأردت أن تعاتبه فقال لك: أنا ما أردت تقبيح ذاتك، وإنما قبحت الاسم، ولا علاقة لك به، فهل يتصور ويعقل ذلك؟! إن هذا الكلام كله خلط ولا قيمة له، بل حتى في لسان العرب لا تجد مثل هذا الكلام؛ لأن الاسم عين المسمى. ثم قال: [فإنه قد أتى بالتوحيد، وأقر بالنبوة إلا المعتزلة، فإنه يلزمهم أن يقولوا: أشهد أن الذي اسمه (الله) لا إله إلا هو، وأشهد أن الذي اسمه (محمد) هو رسول الله]. ولا يتصور أن يقبل هذا جاهل ولا عالم، فإذا قلنا له: لماذا قلت هذا؟ قال: لأنني اعتقد أن الاسم غير المسمى، وإذا قلت: أشهد أن لا إله إلا الله، فأنا الآن أنادي الاسم دون المسمى، وإذا قلت: أشهد أن محمداً رسول الله، فإنني أشهد للاسم بالنبوة والرسالة دون المسمى! وهذا الكلام غير صحيح، وقد أجمع أهل السنة والجماعة على خلاف ذلك. ولذلك قال المصنف: [وهذا خلاف ما وردت به الشريعة، وخلاف ما عليه المسلمون، وكذلك هذه الأيمان التي بالله ﵎ كلها عندهم يجب أن تكون مخلوقة]. أي: لو أنك قلت: والله والبارئ والخالق والمصور وغيرها من أسمائه ﵎، فكلها أيمان باطلة؛ لأنهم يقولون: إنك قد ناديت المخلوق، وهم بهذا -أي: المعتزلة- يريدون أن يسحبوا ما قالوه في كلام الله على بقية أسماء الله وصفاته، وبالتالي يجرون جميع الأحكام التي قالوها في القرآن على بقية أسماء الله وصفاته، فيقولون: لا يجوز الحلف بالله، ولا بأسمائه، ولا صفاته؛ لأنها مخلوقة، وإذا حلفت بالله أو بأسمائه أو بصفاته؛ فإنما تحلف بالمخلوق، وبالتالي تكون مشركاً. فتأمل إلى زعزعة الثوابت في قلوب المسلمين، فهي ليست وليدة اليوم، نعم ظهر الآن في المسلمين بغال وحمير يشككون في الثوابت والأصول كالصلاة والصيام والزكاة والحج وغير ذلك، لكن زعزعة هذه الأصول على ألسنة هؤلاء الحمير والبغال لها أصول قديمة جداً، فتجد أنه ينعق بها اتباع كل ناعق، واتباع الحمير والبغال في الشرق والغرب؛ ليزعزعوا التوحيد في قلوب أهل السنة والجماعة. وأنا متأكد أنه لو سألك سائل في الشارع: هل الاسم هو المسمى أم لا؟ فإنك ستقول له: ما هذا؟ من أين أتيت بهذا الكلام؟ ما هو الاسم؟ وما هو المسمى؟ فسيقول لك: الاسم ليس هو المسمى؛ لأن أسماء الله مخلوقة، فيلبس عليك دينك، وتعود إلى بيتك بغير عقيدة أهل الإيمان وأهل التوحيد؛ لأنك بعدت كل البعد عن العلم، وعن طلب العلم، ثم إن هذه المسائل قد استعجمت على كثير من أهل العلم في السابق، فلم لا تعجم عليك يا عبد الله؟! ثم اعلم أن أصحاب البدع متخصصون في بدعهم، فقد علموا عنها كل كبيرة وكل صغيرة، وأحاطوا بها علماً، بل قد صنفوا وألفوا فيها الشبهات التي إذا ألقوها على جهلة المسلمين لتحيروا وتاهوا وضلوا، والعلم حابس لصاحبه ولأهله، فبالعلم تعصم من الضلال وتعصم من الغواية، وأما بغير العلم فإنه إذا ألقيت عليك شبهة تشربها القلب. وأنا أنبه على أن العلم واجب على كل مسلم ومسلمة، قال النبي ﵊: (طلب العلم واجب على كل مسلم)، ويدخل فيه تبعاً النساء، وهذا هو العلم الضروري الذي لا يمكن للمرء أن يستغني عنه، وإذا لقي الله ﵎ بغيره فقد لقيه بتقصير شديد، والله تعالى يؤثمه في الدنيا، ويحاسبه على هذا التقصير يوم القيامة. وإن من ألزم العلوم وأفرضها: علم العقيدة؛ لأنه يتعلق بذات الإله ﵎، ولا يسعك أن تجهل إلهك ومعبودك، ولا يتصور أنك تعبد إلهاً وأنت لا تعرفه، وتتقي إلهاً وأنت لا تدري ما تتقيه؟ ومن تتقي؟ وبماذا تتقي؟ ولذلك من الخبط والعشواء أن تعبد إلهاً لست عارفاً به، وأن تتقي إلهاً وأنت لا تدري من هذا الذي تتقيه؟ وما الذي في قدرته وإمكانه؟ وكيف تتقيه؟ وبماذا تتقيه؟ فالاسم عند أهل السنة هو المسمى، وعند غير أهل السنة والجماعة الاسم غير المسمى، وبالتالي فإن أسماء الله تعالى مخلوقة.

стр. 260

أمثلة من السنة على أن الاسم هو المسمى قال: [وروي عن النبي ﵊ أنه كان يقول في دعائه: (باسمك اللهم أحيا وأموت))، ولم يقل: بذاتك يا من سميت نفسك الله]. وهذه سنة عظيمة لمن أراد أن ينام، فيتوضأ وضوءه للصلاة، ثم ينام على جنبه الأيمن، ويضع يده تحت خده الأيمن، ثم يقول هذا الدعاء: (باسمك اللهم أموت وأحيا) أي: أموت الموتة الصغرى وهي النوم، ثم أحيا منها بإذنك يا رب! وباسمك يا رب! قال: [وكان النبي ﷺ يستشفي للمرضى -أي: يطلب لهم الشفاء من الله ﵎ بقوله: (أعيذك بكلمات الله التامة)، وكلمات الله ﵎ التامة غير مخلوقة]. والنبي ﵊ إنما كان يستشفي للمرضى بصفات الله ، وهي ليست مخلوقة، فقد كان يستعيذ بكلام الله العظيم ﵎، وكان يعوذ بها الحسن والحسين. قال: [وجبريل حين اشتكى رسول الله ﵊ عوذه بها -أي: أن جبريل ﵇ عوذ النبي ﵊ بكلمات الله التامة- ثم قول الناس في الأدعية: اللهم اغفر لي وارحمني، لا أن يقولوا: يا من سميت نفسك (الله) اغفر لنا وارحمنا؛ لأنهم يعلمون أن الاسم هو المسمى، قال: معناه عندهم -أي: عند المعتزلة-: من اسمه الله -الذي هو مخلوق- اغفر لي!].

стр. 261

كفر من زعم أن الاسم غير المسمى قال: [وهذا -أي الذي عند المعتزلة- كفر بالله، وخلاف كتاب الله ﵎، وسنة رسوله الكريم، وإجماع المسلمين، ولغة العرب، والعرف والعادة]. أي: أن معتقد المعتزلة يخالف هذا كله، إذ ليس له مستند من كتاب، ولا سنة، ولا معقول، ولا منقول، ولا عادة، ولا عرف، وتصور قولاً لا يستند إلى شيء من هذا كله! وأما قول أهل السنة والجماعة فيستند إلى هذا كله، فلابد وأنه الحق كل الحق، وما بعد الحق إلا الضلال.

стр. 262

بيان بطلان مذهب أن الاسم غير المسمى في لغة العرب قال: [فأما لغة العرب: فهل العرب كانوا يعرفون أن الاسم هو المسمى أم أنهم يعرفون أن الاسم غير المسمى؟ وما قولهم في ذلك؟ يقول الأصمعي ومعمر بن المثنى: إذا رأيت الرجل يقول: الاسم غير المسمى فاشهد عليه بالزندقة. وعن خلف بن هشام البزار المقري أنه قال: من قال: إن أسماء الله مخلوقة فكفره عندي أوضح من هذه الشمس، وأشار إليها]. والذي يقول: إن أسماء الله غير ذاته؛ يلزم من ذلك أن يقول: إن أسماء الله مخلوقة، ومن قال بذلك فكفره أوضح من هذه الشمس.

стр. 263

ذكر العلماء الذين قالوا: إن الاسم هو المسمى قال: [ومن الأئمة: الشافعي وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه ونعيم بن حماد ومحمد بن أسلم الطوسي ومحمد بن جرير الطبري، وكل هؤلاء يقولون بذلك، وقد أجمعوا عليه. فهذا سفيان بن سعيد الثوري يروي بسنده عن عبد الملك بن عمير عن ربعي بن خراش عن حذيفة قال: (كان النبي ﵊ إذا أوى إلى فراشه قال: اللهم باسمك أموت وأحيا، وإذا استيقظ قال: الحمد لله الذي أحيانا بعدما أماتنا، وإليه النشور). وعن ابن عباس قال: (كان النبي ﷺ يعوذ حسناً وحسيناً فيقول: أعيذكما بكلمات الله التامة، من كل شيطان وهامة، ومن كل عين لامة. وكان يقول: كما كان أبوكما يعوذ به إسماعيل وإسحاق)]. يعني: أن هذا كان تعويذ إبراهيم ﵇ لولديه إسماعيل وإسحاق.

стр. 264

تابع الأدلة من السنة على أن الاسم هو المسمى قال: [وعن ابن عباس قال: قال النبي ﷺ : (أما إن أحدكم لو يقول وهو يجامع -أي: يجامع امرأته-: باسم الله)]، ولم يقل: باسم الذات التي سمى نفسه الله؛ لأن اسم الجلالة يدل على ذات الله، بل هو ذات الله ﵎. قال: [(باسم الله، اللهم جنبنا الشيطان، وجنب الشيطان ما رزقتنا، ثم قضي بينهما بولد لم يضره الشيطان أبداً)]، أي: لم يقربه الشيطان أبداً، والحديث في الصحيحين. قال: [وقال أبو هريرة ﵁: (جاء رجل إلى رسول الله ﵊ فقال: يا رسول الله! ما لقيت من عقرب لدغتني البارحة؟ -أي: إني لقيت ما لقيت من سم ذلك العقرب الذي لدغني- فقال له النبي ﵊: أما إنك لو قلت حين أمسيت: أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق؛ لم يضرك)]. أي: لو أنك قلت يا عبد الله! حين دخل عليك المساء: أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق؛ لم يضرك شيء حتى تصبح. وكلمات الله التامات ليست مخلوقة؛ لأنها صفة من صفاته ﵎، وصفاته غير مخلوقة. قال: [وعن عائشة: (أن النبي ﵊ كان إذا اشتكى رقاه جبريل ﵊ فقال: باسم الله أبريك)]، أي: أطلب لك البراءة والبرء والعفو والعافية من الله . [وفي رواية: (باسم الله أرقيك، من كل داء يشفيك، من شر كل ذي عين، ومن شر كل حاسد إذا حسد). وفي حديث أبي سعيد: (أن جبريل أتى النبي ﵊ فقال: اشتكيت يا محمد؟ -أي: هل اشتكيت يا محمد علة؟ - فقال: نعم، فقال جبريل ﵇: باسم الله أرقيك، من كل شيء يؤذيك، ومن شر كل نفس وعين، الله يشفيك، باسم الله أرقيك). وقال أبو سعيد الأصمعي: إذا سمعت الرجل يقول: الاسم غير المسمى فاشهد عليه بالزندقة. وقال أبو بكر ابن أبي داود السجستاني صاحب كتاب المصاحف: من زعم أن الاسم غير المسمى فقد زعم أن الله غير الله، وأبطل في ذلك -أي: أبطل في هذا المدعى، وتكلم بالباطل- لأن الاسم غير المسمى في المخلوقين، لأن الرجل يسمى محموداً وهو مذموم، ويسمى قاسماً ولم يقسم شيئاً قط، وإنما الله جل ثناؤه واسمه منه، ولا نقول: اسمه هو، بل نقول: اسمه منه ﵎. أي: أن الاسم هو الذات ومن الذات، وليس منفصلاً عنه؛ لأنك لو قلت: إن الأسماء منفصلة عن الذات فلابد وأن تقول: بأنها مخلوقة، وهذه وصمة عظيمة جداً.

стр. 265

مناقشة المعتزلة حول الاسم والمسمى قال: [فإن قال قائل: إن اسمه ليس منه فإنه قال: إن الله مجهول!] أي: لو قال رجل: إن اسمه ليس منه فإنه يلزمه أن يقول: إن الله مجهول؛ لأن الله لا تتعلق به أسماؤه، وليست لازمة لذاته، والله كان بغير اسم، أي: كان مجهولاً لدى ذاته ثم وجد، لكن الله لما علم أن ذلك نقص وعيب سمى نفسه بأسماء؛ حتى يحصل له التمام، ومن قال بذلك فقد كفر؛ لأن نسبة الجهل إلى الله تعني نسبة النقص إلى الله ، والله متصف بكل كمال وجلال وعظمة، ومن قال: بأن الاسم غير المسمى يلزمه أن يقول: إن الله كان بغير أسماء، وهذا عيب ونقص، والله منزه عن العيب والنقص. قال: [فإن قال: إن له اسماً وليس به]، أي: لو قال المعتزلي: نحن سنوافقكم على أن الله ﵎ أسماؤه أزلية، أي: كانت له الأسماء، لكنها ليست قائمة ولازمة به، فإنه لابد وأن يقول: إن مع الله إله آخر؛ لأن الأسماء لابد وأن تدل على الذات، فهل -يا معتزلي! - قولك: بأن الله كان وأن أسماءه كانت كذلك، لكن الأسماء لم تكن لازمة له في أول الأمر؛ هل يتصور اسم بغير مسمى، أو مسمى بغير أسماء؟ فإذا قلت: إن الاسم لم يكن له أسماء لازمة به؛ فيلزمك أن تقول بالجهالة، وأن الله كان مجهولاً، وإذا قلت: بأن الأسماء كانت لكنها ليست لازمة لله ﵎؛ فيلزمك بأن تقول: بأن هذه الأسماء كانت موجودة على غير مسمى، وهل يتصور اسم بغير مسمى؟! لا يتصور ذلك في المخلوقين، فكيف بالخالق ﵎؟! أي: لو قلت: أما رأيت يا فلان! ذلك الرجل الذي اسمه زيد؟ فيقول: هو ابن من؟ فستقول له: هو ابن إبراهيم، فسيقول: إبراهيم هذا لم ينجب له بعد، فستقول له: أعرف ذلك، لكنه ولد جميل ولطيف، وصاحب شعر أصفر، وعيون زرقاء أو خضراء، فسيقول لك: يا فلان! ما الذي جرى لك؟! أتصف رجلاً غير موجود؟! فستقول له: نعم باعتبار ما سيكون بإذن الله، فسيقول لك: أنت مجنون؛ لأنك تصف بهذا الإتقان وبهذه الدقة ذاتاً غير موجودة، ولأنه لا يتصور أسماء بغير مسمى. والمعتزلة أو بعض المعتزلة أحبوا أن يوافقوا أهل السنة في أن أسماء الله تعالى أزلية، لكنهم خالفوهم في أن الأسماء ليست هي عين المسمى، فالمسمى يكون بغير أسماء، والأسماء موجودة لكنها في جانب آخر، وليست ملازمة لعين المسمى، وليست هي عين المسمى ولا ذات المسمى، فنقول لهم: أنتم بهذا يلزمكم أن تنسبوا الجهالة لله ، وأنه غير معروف باسم من الأسماء، وأن هذه الأسماء إنما وجدت على غير مسمى، وهذا خبل لا يتصور. وكل هذا الكلام الذي قلناه هو من الفلسفة، ولو كان هنا صحابي موجود بيننا فإنه سيتركنا ويرحل، أو لو أن الله تعالى أسقط رجلاً من القرون الأولى بيننا الآن وسمع كلامنا هذا؛ فإنه سيترك هذا المسجد؛ لأنه تربى تلك التربية النبوية، لا على هذا الكلام الفلسفي. والذي جبر علماء الإسلام وعلماء أهل السنة والجماعة على أن يذكروا هذا الكلام هو ذلك الضلال الذي استورد ودخل على المسلمين، حتى أثر في كثير من قلوب أبناء الأمة الإسلامية، فاضطر أهل العلم اضطراراً إلى أن يدخلوه في هذا الباب ليردوه. فهذا شيخ الإسلام ابن تيمية ألف كتاباً وسماه: نقض المنطق، وهو القائل: من تفلسف فقد تمنطق، ومن تمنطق فقد تزندق، وكان ﵀ إماماً في الفلسفة والمنطق، والذي جبره على ذلك هو أن يسقط عن هذه الأمة فرض كفاية، وليرد على الفلاسفة وينكر كلامهم، ولو دخل إلينا الآن رجل وقال: أنا أريد أن أعرف هل الله موجود أو ليس بموجود؟ فسنقول له: الله موجود؛ لأن الله تعالى قال كذا وكذا، ويكفي، لكن إن قال: أنا كافر بالكتاب والسنة، فلا تحتج علي بشيء منهما لأنه أصلاً قد أنكرهما وأجحدهما، وبالتالي لابد من حجة عقلية تتناسب مع منهجه، وهذا هو الكلام الفلسفي. وهذا الكلام لم يكن موجوداً في الزمن الأول؛ لأن العربي كان عنده حلاوة وتذوق لكلام الله ، فكان ما أن يسمع الآية إلا ويعلم أن هذا كلام الإله العليم القدير، ولا يمكن أن يكون هذا كلام محمد ﵊؛ فأين بلاغة النبي ﷺ من بلاغة القرآن الكريم؟! ومع هذا فقد كان النبي ﵊ من أبلغ العرب، بل هو أبلغ وأفصح من خلق الله ، ومع هذا فبلاغته شيء وبلاغة القرآن شيء آخر؛ لأن بلاغة القرآن معجزة، وبلاغة النبي ﵊ ليست معجزة؛ لأنها من كلام العرب، وأما القرآن فهو كلام الله ﵎، فهو المعجزة الخالدة الباقية على مر الدهر والزمان.

стр. 266

أمثلة من السنة وغيرها على أن الحلف لا يكون إلا باسم أو صفة من صفات الله قال: [قال أبو بكر بن حماد: سمعت خلف بن هشام فيمن قال: الاسم غير المسمى، وهو ينكر أشد النكارة، ثم قال: لو أن رجلاً شتم رجلاً على قول من قال هذه المقالة -أي: على قول المعتزلة- فقال للرجل بعد أن شتمه: أنا لم أشتمك، وإنما شتمت الاسم]، والاسم غير المسمى، فإنه سيغضب غضباً شديداً. وإن كان الرجل معتزلياً وقلت له: إذا كنت تقول: إن لله أسماء، وهذه الأسماء غير المسمى، وهذه مسألة مجمع على خلافها عند أهل السنة والجماعة، وإجماع أهل السنة والجماعة في المخلوقين أن الأسماء غير المسميات، بل قد يكون اسمك محموداً وليس عندك شيء من الحمد، ويكون اسمك عابداً وأنت ضال، ويكون اسمك صالحاً وأنت طالح، فالاسم غير المسمى في المخلوقين، ومع هذا لو قلت لعابد: يا عاصي! فإنه سيغضب، مع أنه قد يكون من المسابقين في الفروض والسنن والمستحبات، وواقع في كل إثم وذنب ومعصية، فلو ناديته بغير اسمه الذي يعرفه فإنه سيغضب. ثم قال: [ولو أن رجلاً حلف بالله على مال رجل لم يلزمه في كلامه حنث]، أي: لم يلزمه على كلام المعتزلي حنث؛ لأن الحلف عندهم بأسماء الله شرك، وأسماء الله مخلوقة، ولا يلزمه إلا التوبة؛ لأنه وقع في الشرك لا في الحنث، فانظر إلى هذه الثوابت عندنا وقد زعزعها المعتزلة! فإن قيل لهم: ماذا تقولون في كلام النبي ﵊: (من كان حالفاً فليحلف بالله أو ليصمت)؟ فهنا أخذ المعتزلة هذه النصوص وأمثالها فأولوها، وقالوا: تأويلها: احلفوا بالذات التي اسمها الله! فإن قيل لهم: إذا أراد المرء أن يحلف فبماذا يحلف؟ إن حلف وقال: والله العظيم لم أفعل كذا؛ فإنه مشرك عند المعتزلي؛ لأنه حلف بالمخلوق، وهذا المخلوق هو الاسم وليس المسمى، والاسم غير المسمى، والأسماء مخلوقة، فلو قلت: والله، فإنما تدعو المخلوق دون الخالق، والخالق اسم أيضاً، فلن يقول: دون الخالق، بل سيقول: دون الذات؛ لأن الخالق اسم، فما الفرق بين الله وبين الخالق؟! وما الفرق بين الله وبين الرحمن؟ ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ﴾ [الإسراء:١١٠]، فكلها أسماء لله ﵎، وهو الذي قال: ﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف:١٨٠]، والضمير هنا يعود على الأسماء لا على المسمى نفسه؛ لأن الاسم يدل على ذات المسمى، بل الاسم هو المسمى، ولذلك قالوا: يحلف العبد بالذات التي اسمها الله. لكن لو أن شخصاً حلف بهذه الصيغة عند القاضي لأنكر عليه أشد الإنكار، ولقال له: أتضحك علينا أم ماذا؟ بل إن الذين انتكست فطرهم لا يتفقون مع المعتزلة في ذلك. قال: [ولو أن رجلاً حلف بالله على مال رجل لم يلزمه في كلامه حنث على قول من قال هذه المقالة، ويقول: إنما حلفت بالاسم فلم أحلف بالمسمى]. ويدور أمر الإسلام على هذا الاسم، قال النبي ﵊: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله)، ولم يقل ﵊: أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: نشهد أن الذات التي من أسمائها الله هي الإله؛ لأن الله هو ذات الإله وذات المسمى ﵎. قال: [أرأيت الوضوء حين يبدأ فيه الإنسان يقول: باسم الله، فإذا فرغ قال: سبحانك اللهم؟ ورأيت الأذان أوله: الله أكبر، ولا يزال يردد أشهد أن لا إله إلا الله؟ ثم رأيت الصلاة حين يفتتح بقوله: الله أكبر؛ لا يزال في ذلك حتى يختم بقوله: السلام عليكم ورحمة الله. ولم يقل: ورحمة الذات التي من أسمائها الله، فأولها وآخرها الله]. أي: أن أول الصلاة: الله أكبر، وآخر الصلاة: السلام عليكم ورحمة الله، فأول الصلاة الله وآخر الصلاة الله؛ لأن هذا الاسم هو ذات المسمى، فهل يتصور أنك تصلي لغير الله؟! وإذا كنت تقول: الله أكبر، فهل يعقل أن تقول: إن كلمة (أكبر) صفة للاسم دون المسمى؟ وإذا قلت: الله أكبر، فأنت قد كبرت الاسم دون المسمى؟ وبالتالي صليت لغير المسمى، وعبدت غير المسمى، وأطعت غير المسمى، وهذا الكلام كله خبل. قال: [ورأيت الذبيحة باسم الله]، أي: إذا أردت أن تذبح الذبيحة فتقول: باسم الله. قال: [أمر الإسلام يدور على هذا الاسم، فمن زعم أن أسماء الله مخلوقة فهو كافر، وكفره عندي أوضح من هذه الشمس].

стр. 267

أقوال أهل العلم في تكفير من زعم أن أسماء الله مخلوقة قال: [قال إبراهيم بن هانئ: سمعت أحمد بن حنبل وهو مختفي عندي -وابن هانيء من تلامذة أحمد بن حنبل، وفي الفتنة اختبأ عنده أحمد بن حنبل في بيته- فسألته عن القرآن، فقال: من زعم أن أسماء الله مخلوقة فهو كافر]. ولم يجيبه عن القرآن فقط، بل عمم الجواب ليشمل جميع الأسماء، وفي ذلك رد على المعتزلة وبعض الخوارج وبعض الشيعة القائلين بأن أسماء الله مخلوقة. قال: [قال إسحاق بن راهويه: أفضوا إلى أن قالوا -أي: تكلموا مع إسحاق بن راهويه حتى بلغوا إلى أن قالوا-: أسماء الله مخلوقة؛ لأنه كان ولا اسم، وهذا الكفر المحض]. قوله: (كان الله ولا اسم) هو قول المعتزلة، ومعناه: كان الله ﵎ وليس له اسم، كالمولود يولد ولا اسم له، ثم بعد ذلك نسميه في اليوم الأول أو الثاني أو الثالث أو الرابع أو السابع، والسنة قد صحت بتسمية الولد في اليوم الأول كما روى ذلك أبو داود، وصحت التسمية كذلك في اليوم السابع. والمهم أنني أريد أن أقول: إن المولود يولد بغير اسم، ثم يسمى بعد ذلك، والذي يقول: إن الله كان ولا اسم له يلزمه أن يشبه الخالق ﵎ بالمخلوق، بل يلزمه أن يقول: إن الذات كالذات تماماً؛ لأن الصفات تصور عن الذات، والله ﵎ إذا اتصف بصفات، وتسمى بأسماء؛ فإنما هذه الأسماء تدل على ذاته ﵎، وكذلك المولود حادث والأسماء حادثة، بمعنى: أن الاسم والمولود كانا بعد أن لم يكونا، ولذلك تقول: إذا جاء لي ولد فسأسميه محمداً، وتعقد العزم على ذلك أنت وزوجتك، ثم تضع امرأتك أربع بنات، فهل ستلغي اسم محمد بالمرة لأنه لم يأت لك ولد؟ وعليه فهل هناك في أسماء الله اسم يلغى؟ لا يمكن؛ لأنه أزلي أبدي. ولو كان مخلوقاً للزم أن تقول: الإله حادث؛ لأنه لو كان مخلوقاً فلابد وأن يطرأ عليه الفناء والتغيير، وهذا المخلوق بعد أن يكبر ربما يذهب إلى أمريكا، وقد يأتي إليه صاحب العمل، أو الناس في الأتوبيس، أو الناس في الخمارات وخانات الفساد ويسألونه عن اسمه؟ فيقول: اسمي محمد، ويأتي إليه آخر فيقول له: يا سعادة البيه محمد، فيتأذى ويشمئز من اسمه، ويذهب إلى السجلات المدنية هناك فيعرف أن اسمه مثبوت في السجل المدني، ثم يذهب إلى أمريكا ويقول: يا ناس! أنا أريدكم أن تسموني: ماركو فرانكو، أما اسم محمد فلا أريده بالمرة! فأين الإسلام والولاء والبراء من هذا الرجل؟! وعند عودته إلى بلاده يستعمل البطاقة الشخصية التي تحمل اسم محمد، وهو قد شرب الخمر، وخالط المجتمع الأوروبي الكافر، وفعل الفواحش والمنكرات هناك. فيا أيها الزنديق! الذي آثرت الكفر على الإيمان، وفضلت الضلال عن الهدى، وآثرته بعد أن هداك الله ، إن الاسم له تصور عن عقيدتك، وتعلق كبير جداً بإيمانك، ولذلك الرجل المؤمن الموحد الذي يغار على دينه عندما يسميه أبوه رفعت: جبريل، وجده اسمه سمير، فتأتي إلى الأخ وتقول له: ما اسمك؟ فيقول لك: اسمي: جبريل رفعت سمير، فتقول له: ما الأمر؟ فيقول: أنا مسلم، لكني سميت بهذا الاسم، أأعلي ذنب؟ فتقول له: لا، ليس عليك ذنب، فيقول: هل يمكن أن أغير اسمى؟ فتقول له: نعم، اذهب إلى السجل المدني وادفع خمسمائة جنيه، وهي ليست رسوم رشوة، وإنما مقابل تغيير الاسم. إذاً: فالأسماء الحادثة يطرأ عليها التغيير، وأما أسماء الله ﵎ فلا يطرأ عليها التغيير ولا التبديل.

стр. 268

كلام الإمام الطحاوي عن الاسم والمسمى وبيانه شيخ الإسلام ابن تيمية عليه رحمة الله تعالى توسع جداً في هذه القضية، أعني: مسألة: هل الاسم هو المسمى أم لا؟ والمسألة فيها أقوال كثيرة، وقد خالف فيها بعض أهل السنة، وهذا كلام حادث، وقد أنكروه غاية النكارة ولم يجيبوا فيه بقول، ولذلك قال ابن أبي العز الحنفي في شرح قول الطحاوي: مميت بلا مخافة، باعث بلا مشقة، ما زال بصفاته قديماً قبل خلقه، لم يزدد بكونهم شيئاً لم يكن قبلهم من صفاته، وكما كان بصفاته أزلياً كذلك لا يزال عليها أبدياً. وهذا كلام جميل وقوي، وقد شرحه ابن أبي العز شرحاً جميلاً، لكن فيه شيء من الفلسفة على أية حال، حتى وصل إلى قوله: وكذلك قولهم: هل الاسم عين المسمى أو غيره؟ أي: هل الاسم هو عين المسمى وذات المسمى أو غيره؟ قال: ولطالما غلط كثير من الناس في ذلك، وجهلوا الصواب فيه، قال: فالاسم يراد به المسمى تارة، ويراد به اللفظ الدال عليه أخرى، أي: أنه عند إطلاق الاسم أحياناً يراد به المسمى، وأحياناً يراد به اللفظ الدال على المسمى لا عين المسمى، فإذا قلت: قال الله كذا، أو: سمع الله لمن حمده، فالمراد به المسمى نفسه؛ لأنه لا يتصور انصراف الذهن إلى غير الذات. وإذا قلت: الله اسم عربي، والرحمن اسم عربي، والرحيم من أسماء الله تعالى، فالمراد هنا هو الاسم لا المسمى، فإذا قلت: الرحمن لفظ عربي فإنه لابد وأن ينصرف الذهن إلى الكلام عن الاسم لا عن المسمى، فهو يريد أن يقول لك: قد يطلق أهل السنة الاسم أحياناً ويريدون الكلام عن المسمى، وأحياناً يطلقون الاسم ولا يريدون المسمى، وإنما يريدون الكلام عن الاسم نفسه. وعند إطلاق أهل السنة للاسم وإرادتهم له دون المسمى لا يقولون بالمغايرة بين الاسم وبين الذات، حتى وإن أرادوا أن يتكلموا عن الاسم؛ لأن المباينة تستلزم أن يكون الله ولا اسم له حتى خلق لنفسه أسماء، أو حتى سماه خلقه بأسماء من صنعهم، فهل يتصور أن آدم هو الذي سمى الله -باعتبار أن آدم أول البشر- أو أن الملائكة -وهم خلق من خلق الله- هم الذين سموا الله ﵎؟! إن هذا من أعظم الضلال والإلحاد في أسماء الله تعالى. والإمام الطحاوي ﵀ قد أشار بقوله: ما زال بصفاته قديماً، إلى اسم من أسماء الله ألا وهو: الأول، ولفظ القديم لا يليق بالله ، وليس هو من أسمائه ولا من صفاته؛ أن لفظ القديم يلزم منه أن هناك من هو أقدم منه، ولا أول قبل الله ، فالله تعالى هو الأول والآخر والظاهر والباطن. فيستحب أن يقال: إن الله هو الأول، ولا يقال: هو القديم؛ لأن أسماء الله تعالى توقيفية، بمعنى: أننا لا نسمي الله ﵎ إلا بما سمى به نفسه، ولا نصفه إلا بما وصف به نفسه، فكوننا نقول: إن الله هو القديم، أو أنه الستار، أو أنه المنعم فإننا نقصد بذلك: أن هذه أسماء لله ﵎، وليس لدينا نص يثبت أن هذه أسماء لله ، ولا شك أننا إن سميناه بذلك فإننا نكون قد سميناه بما لم يسم به نفسه. وقوله أيضاً: فإن الله تعالى ما زال بصفاته قديماً قبل خلقه؛ قصد بذلك الرد على المعتزلة والجهمية ومن وافقهم من الشيعة، فإنهم قالوا: إن الله تعالى صار قادراً على الفعل والكلام بعد أن لم يكن قادراً عليهما! فصار متكلماً بعد أن كان عاجزاً، وصار خالقاً بعد أن خلق، وصار وهاباً بعد أن وهب، وغير ذلك في بقية أسمائه وصفاته ﵎، وأنه انقلب من الامتناع الذاتي إلى الإمكان الذاتي، أي: أن ربنا كان عاجزاً عن معرفة الأشياء على حقيقتها، وبعد أن وقعت عرفها. وكان ليس له قدرة، ثم صارت له قدرة! وكان ممتنعاً عن الكلام، ثم صار قادراً على الكلام! إن الواحد منا يخاف ويخشى أن يقول لمخلوق صاحب وجاهة وسلطة: إنك عاجز عن الكلام؛ لأن لك ساعة أو ساعتين لا تتكلم فيها بكلمة واحدة! إننا نقول هذا حتى تعلموا أن الكلام في ذات الله ﵎ صار أسرع من الكلام فيما يجري بين الناس. ثم قال: فإنهم قالوا -أي: المعتزلة-: إنه تعالى صار قادراً على الفعل والكلام بعد أن لم يكن قادراً عليه؛ لكونه صار الفعل والكلام ممكناً بعد أن كان ممتنعاً، وأنه انقلب من الامتناع الذاتي، أي: أنه كان بنفسه عاجزاً عن الكلام، ثم صار بنفسه قادراً على الكلام، فإذا كان العجز الذاتي واجباً له فمن أين أتت له القدرة؟! والمخلوق إذا كان عاجزاً بذاته، ثم صار قادراً بعد ذلك، فمن وهبه القدرة؟ إنه الله ، فهل يتصور أن الله تعالى الذي يرزق ويهب القدرة وغيرها وهو بذاته عاجز؟ أعوذ بالله! إن هذا كفر بالله. قال: وعلى ابن كلاب والأشعري، أي: أن المؤلف يرد على ابن كلاب صاحب الفرقة الكلابية، وعلى الأشعري ومن وافقهما، فإنهم قالوا: إن الفعل صار ممكناً له بعد أن كان ممتنعاً منه. وأما كلام الله ﵎ فلا يدخل عندهم تحت مشيئته ﵎، وهو عند أهل السنة والجماعة صفة م

стр. 269

الأسئلة

стр. 270

كلام النبي ﵊ ليس بمعجز السؤال ذكرتم يا شيخ! أن كلام النبي ﵊ ليس بمعجزة، مع أن الله ﵎ تحدى ببلاغة النبي ﵊ مشركي العرب؟ الجواب أعطنا آية أو حديثاً يثبت أن الله ﵎ تحدى ببلاغة نبيه العرب، ليس هناك آية أو حديث في ذلك، وأنا قلت: إن كلام الله ﵎ معجز، وكلام النبي ﷺ غير معجز، وهم كانوا على علم كبير باللغة العربية.

стр. 271

وجود المعتزلة في بعض الدول العربية السؤال هل يوجد معتزلة الآن في الدول العربية، وبالأخص مصر؟ الجواب يا أخي الكريم! إذا أردنا أن نتكلم عن الاعتزال، فإنما هو منهج وفكر عقدي، والمعتزلة لهم أصول خمسة، ومن هذه الأصول: تقديم العقل على النقل، وإذا سمعت بأصولهم الأخرى فستقول: إن منهج المعتزلة من خير المناهج! كما أنه من أصولهم: التوحيد، والعدل، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والمنزلة بين المنزلتين. لكن قد يقول قائل: هل التوحيد عندهم فيه شيء؟ ف الجواب إن التوحيد عند المعتزلة غير التوحيد عند أهل السنة والجماعة، وكذلك: العدل، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والمنزلة بين المنزلتين، وقد أنزلوها أساساً في مرتكب الكبيرة.

стр. 272

الحكم على حديث: (يا علي! لا تنم حتى تأتي بخمس) السؤال حديث علي بن أبي طالب: (يا علي لا تنم حتى تأتي بخمس: قراءة القرآن، والتصدق، وزيارة الكعبة,) هل هو حديث أم لا؟ الجواب هذا حديث موضوع.

стр. 273

عجز البشر جميعاً عن مدح الله بصفة غير ما وصف به نفسه السؤال هل يستطيع البشر جميعاً أن يمدحوا الله بصفة غير التي وصف بها نفسه؟ الجواب لا؛ لأن النبي ﷺ يقول: (لا نحصي ثناء عليك) أي: لو أن الخلق جميعاً أثنوا على الله ﵎ فلن يستطيعوا أن يوفوا الله ﵎ ولو بعض ما يستحقه من مدح وثناء أبداً، بل ولا الأنبياء أنفسهم؛ إذ أن مقام الله ﵎ أعلى من ذلك.

стр. 274

النصيحة لمن أتم ولده حفظ المصحف وهو دون التاسعة السؤال أتم ابني ولله الحمد حفظ القرآن وهو دون التاسعة، فأرجو منك النصيحة حتى أحافظ عليه وعلى حفظه، وماذا أفعل معه، وكيف أوجهه؟ الجواب أسأل الله ﵎ أن يحفظ عليك ولدك، وأن يجعله من أئمة المسلمين الداعيين إلى الله ﵎ على منهاج النبوة، واعلم يا أخي الكريم! أن الحسد وارد في كتاب الله ، فنصيحتي التي قد نصحت بها من سبقك أن يكف ولده عن الأضواء والشهرة، فأبى، فما كان إلا أن أذهب الله ﵎ ما في صدره من كلامه ومن علمه. وهناك بعض الأطفال في طريقهم إلى هذا، وقد سمعت أن طفلاً حفظ القرآن الكريم دون العاشرة، وأصيب بالغرور، وإني لأعجب لطفل قبل العاشرة أن يتعلم كيف يغتر! وكيف يتكبر! فلابد وأنه سقى ذلك من والديه، أو من مجتمعه الذي عاش فيه، أو أنه تأثر ببعض شيوخه الذين أخذ عنهم وقرأ عليهم القرآن. لذا فإني أنصح هذا الأخ أن يعلم ولده بعد ذلك السنة، وأن يحفظه بعض المتون في الفقه والأصول والعقيدة والحديث وغيرها، ثم لا يظهر هذا الولد إلا إذا استوى عوده، وتعلم الحكمة، فإن أهل العلم قديماً لم يتصدروا للمجالس والإقراء والتدريس إلا بعد أن يجيز أحدهم جملة مستكثرة من أهل العلم هنا وهناك. ثم أخي الكريم! لابد وأن تعلم ولدك أدب العلم: كيف أنه يحترم من هو أكبر منه، وكيف يحترم أهل العلم، ولابد أن يكون ولدك مؤدباً مهذباً متخلقاً بالأخلاق الحسنة، وإلا فإن القرآن لا ينفعه، وسرعان ما يتفلت منه عقوبة لك وله، والله ﵎ يحزنك فيه إذا علمته العلم ولم تعلمه الأدب والأخلاق الحسنة. فاتق الله أيها العبد! وحافظ على ولدك، وأخفه عن الأضواء حتى يتعلم، وحتى تعتقد أنه قد حان الوقت لأن يكون نافعاً لدينه ولأمته.

стр. 275

شرح أصول اعتقاد أهل السنة - ما ورد أن القرآن كلام الله غير مخلوق القرآن كلام الله غير مخلوق، وهذا ثابت بالكتاب والسنة والإجماع، وهو ما كان عليه أهل الجادة والمنهج القويم في القرون المفضلة، ولم يخالف في ذلك إلا أهل الفرق الضالة، الذين أبت عليهم عقولهم القاصرة أن يثبتوا لله صفة كمال فضلوا وأضلوا وأوردوا أنفسهم وأتباعهم طرق الهلاك، وحكم عليهم أئمة الإسلام بالكفر.

стр. 276

إجماع السلف الصالح على أن القرآن كلام الله غير مخلوق الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله ﷺ ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. خاتمة هذا المجلد الذي نحن بصدد دراسته يتكلم عن مسألة ربما نظر البعض إليها على أنها مسألة هينة أو يسيرة، أو أن الكلام فيها قد كثر، ولكنا نقول: إن الكلام مهما كثر في ذات الله ﵎ أو في أسمائه وصفاته فليس بكثير، وكما قال عثمان ﵁: المؤمن لا يشبع من كلام الله . وهذا البحث له تعلق عظيم جداً بكتاب المولى ﵎، وخص المؤلف بالذكر صفة الكلام -أي: كلام الله وأنه غير مخلوق، ثم ساق دلائل ذلك من كتاب الله ﵎ تصريحاً أو استنباطاً، وساق دلائل ذلك من حديث النبي ﵊، ومن أقوال وإجماع الصحابة والتابعين لهم بإحسان، وعمل السلف جميعاً على ذلك. والقرون الخيرية من كان منهم على المنهج والجادة أنكر غاية النكارة أن يكون كلام الله ﵎ مخلوقاً، وسرد المؤلف ما يزيد عن ثلاثمائة اسم في هذا الجزء كلهم يقولون: إن القرآن كلام الله تعالى غير مخلوق، منه بدأ وإليه يعود، فمن قال بغير ذلك فهو كافر. وقد بينا من قبل خطورة القول بخلق القرآن وأن هذا من أعظم الباطل، بل هو من ظلم العبيد لله ، أن ينسبوا صفة من صفاته للخلق دون أن يعتقدوا ويؤمنوا أنها صفة لازمة لذاته ﵎، ولكن على أية حال في سماع كلام السلف بنصه وفصله فوائد عظيمة جداً؛ ولذلك نحن إذا سمعنا لفظ النبي ﵊ بخلاف أن نسمع معنى كلامه؛ لأن كلام النبوة له نور عظيم؛ فكذلك كلام سلفنا ﵃؛ لأنهم ما خرجوا عن حد الكتاب ولا السنة في كلامهم، إلا ما شذ من أصحاب القرون الأولى وخالف السلف في معتقدهم ومسلكهم ومنهجهم فقال بغير قولهم، فإننا نجد على كلامه ظلمة كسواد الليل. ولذلك يحسن بنا أن نسرد سرداً سريعاً على شكل مقتطفات؛ لننظر إلى ذلك النور الذي شع من أفواههم وعلى ألسنتهم.

стр. 277

دلائل القرآن الكريم على أن القرآن كلام الله غير مخلوق

стр. 278

دلالة قوله تعالى: (قرآناً عربياً غير ذي عوج) على أن القرآن غير مخلوق فعن ابن عباس رضي الله تعالى عنه قال في قول الله : ﴿قُرآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ﴾ [الزمر:٢٨] قال: غير مخلوق؛ لأن العوج صفة نقص، والنقص يليق بالمخلوق ولا يليق بالخالق وأسمائه وصفاته، فالله ﵎ بين أن هذا القرآن أولاً: عربي، ثانياً: غير ذي عوج، أي: لا اعوجاج فيه ولا التواء ولا غموض. فقال ابن عباس ﵄: ﴿غَيْرَ ذِي عِوَجٍ﴾ [الزمر:٢٨] أي: غير مخلوق؛ لأن العوج للمخلوق أليق، وهذا الكلام -وهو القرآن العربي- غير مخلوق، فلابد أن يكون غير ذي عوج. وهكذا في كل صفات المولى ﵎ وأسمائه، فإن الذي يقول: إن القرآن وإن كان كلام الله إلا أنه مخلوق -يعني حادث- فلابد وأن ينزل ذلك على بقية الأسماء والصفات، لابد أن يقول: إن رحمة الله حادثة، وإن سمع الله حادث، وإن بصر الله حادث، وإن رأفة الله حادثة، وإن حلم الله حادث ينزل ذلك على جميع الصفات، وإلا فلم اختار صفة الكلام بالذات وقال: إنها حادثة، وإنها مخلوقة؟ فلابد أن ينطبق هذا المنهج المعوج على جميع صفات المولى ﵎، وإلا فإنا نسألهم: لماذا فرقتم بين اسم واسم، وبين صفة وصفة، والمنهج واحد في كتاب الله وفي سنة النبي ﵊؟ ولذلك هم ذهبوا -بزعمهم- إلى تنزيه المولى ﵎، وقالوا: الإنسان مخلوق يتكلم، فإذا قلنا: إن الله تعالى الخالق يتكلم فلابد أن يكون هذا الكلام كذلك مخلوقاً؛ ظناً منهم أن هذا نفي للنقص عن الله ، ولكن هذا الكلام كلام فاسد وباطل؛ لأنهم أرادوا التنزيه فوقعوا في التشبيه، وإلا فقول الجهمية مثلاً والخوارج: إن الله ﵎ لا يتكلم؛ لأنه لو تكلم للزم أن يشارك الإنسان -وهو أحد خلقه- في صفة الكلام، فقالوا: لا، الله تعالى لا يتكلم، كما أنهم قالوا: لا يتكلم بحرف ولا صوت؛ ظناً منهم أن هذا تنزيه للمولى ﵎؛ فوقعوا كذلك في تشبيه الله تعالى بالجمادات؛ لأن الجمادات غالباً لا تتكلم، وإن كانت تتكلم أحياناً، وهذا في المعجزات التي جرت على يد الأنبياء والرسل. فلا شك أن الله ﵎ يتكلم، وأن المخلوق يتكلم، لكن كلام المخلوق ليس ككلام الخالق؛ لأن ذات المخلوق تختلف وتتباين عن ذات الخالق ﵎، فما الذي يمنع المرء أن يسلم أن الله ﵎ يتكلم بحرف وصوت كيف يشاء وكما يشاء في أي وقت شاء؟ وكلامه معجز لا يستطيع أحد من البشر أن يتكلم ككلام المولى ﵎. قال ابن عباس: ﴿قُرآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ﴾ [الزمر:٢٨] قال: غير مخلوق.

стр. 279

دلالة قوله تعالى: (أن يقول له كن فيكون) على أن القرآن غير مخلوق ومن دلائل الكتاب من حيث الاستنباط: قوله ﵎: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس:٨٢]، أي: إذا أراد الله ﵎ أن يوجد شيئاً وشاءه في عالم محسوس فيقول له: (كن) فيكون هذا الشيء الذي أراده الله ﵎، ولكن محل الشاهد من الآية: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ﴾ [يس:٨٢] إذاً: الله ﵎ يتكلم، والقول إنما هو الكلام، فهذه الآية أثبتت أن الله ﵎ إذا أراد شيئاً في أي وقت وفي أي مكان وفي أي زمان فقط يقول له: (كن) فيكون هذا الشيء. فقوله: (أَنْ يَقُولَ) يدل على أن الله تعالى يتكلم. وقال البويطي: إنما خلق الله كل شيء بـ (كن)، فإن كانت (كن) مخلوقة فمخلوق خلق مخلوقاً. يعني: أليست هي قول كذلك؟ إذا أراد الله شيئاً يقول له: (كن)، معنى ذلك على منهج المعتزلة والخوارج وبعض الشيعة: أن كلمة (كن) من قول الله ، فإذا كان قول الله مخلوقاً فكذلك تكون كلمة (كن) مخلوقة، فقوله: (كن) إذا كان مخلوقاً هل يتصور أن يكون قوله: (كن) قادراً بذاته على أن يخلق غيره وهو (كن) الثانية؟ فإذا أراد الله أن يخلق شيئاً يقول له: (كن) فيكون، فقوله الأول: (كن) إذا كان مخلوقاً وأوجد غيره من الأشياء، فهذه الأشياء مخلوقة؛ لأنها حادثة، فهل يتصور أن كلمة (كن) المخلوقة تخلق غيرها؟ الجواب لا. قال البويطي: إنما خلق الله كل شيء بـ (كن)، فإن كانت (كن) مخلوقة فمخلوق خلق مخلوقاً، إذاً: نسبوا الخلق إلى غير الله ، أرأيت خطورة الأمر؟ قلت: وهذا معنى ما يعبر عنه العلماء اليوم: إن هذا -أي: (كن) الأولى- كان مخلوقاً، فهو مخلوق بـ (كن) أخرى، يعني: (كن) غير مخلوقة و (كن) مخلوقة. وهذه فلسفة تجعل الشخص يخرج كل ما في بطنه؛ لأن الصحابة والسلف والنبي ﵊ من باب أولى لم يعرفوا هذا الكلام ولم يتعرضوا له.

стр. 280

دلالة قوله تعالى: (ألا له الخلق والأمر) على أن القرآن غير مخلوق استنباط آخر من آية أخرى من كتاب الله، وهو قول الله تعالى: ﴿أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ﴾ [الأعراف:٥٤] ففرق الله تعالى بين الخلق وبين الأمر، والخلق هم المخلوقات، والأمر هو القرآن الكريم، فقال: (أَلا لَهُ) أي: من عنده (الْخَلْقُ وَالأَمْرُ)؛ ولذلك أهل العلم يقولون: القرآن كلام الله منه بدأ وإليه يعود، يعني: لا يفنى هذا الكلام ولا ينتهي. وقال ابن عيينة لما أراد أن يعرض لـ بشر المريسي -وهو أحد من قال بخلق القرآن-: ما يقول هذا الدويه؟ يعني: هذا السائل الحيران ماذا يقول؟ قالوا: يا أبا محمد! يقول: القرآن مخلوق، قال: كذب ورب الكعبة، قال الله تعالى: ﴿أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ﴾ [الأعراف:٥٤] فالخلق خلق الله، والأمر هو القرآن. فتفسير الأمر عند ابن عباس وعند ابن عيينة وأحمد بن حنبل وابن المبارك وسعيد بن جبير وغيرهم من أهل العلم: أنه كلام الله ﵎ ليس بالأمر الهين، وردوا هذا التأويل. وكذلك قال أحمد بن حنبل ونعيم بن حماد ومحمد بن يحيى الذهلي وعبد السلام بن عاصم الرازي وأحمد بن سنان الواسطي وأبو حاتم الرازي وغيرهم من أهل العلم. قالوا: الأمر في هذه الآية هو كتاب الله ﵎، وكلام الله ﵎.

стр. 281

دلالة قوله تعالى: (ولكن حق القول مني) على أن القرآن غير مخلوق استنباط آخر من آية أخرى، وهي قوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي﴾ [السجدة:١٣]، ولم يقل: حق القول عني؛ ولذلك يقولون: القرآن منه بدأ وإليه يعود ولم يقولوا: عنه أتى، وإنما قالوا: منه بدأ، أي: أنه صفة ملازمة لذاته ﵎. ففي قوله: (وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي) قال أهل العلم: وما كان منه فهو غير مخلوق. وقال وكيع بن الجراح: من زعم أن القرآن مخلوق فقد زعم أن شيئاً من الله مخلوق، فقلت: يا أبا سفيان! من أين قلت هذا؟ يعني: من أين لك هذا الفقه وهذا العلم؟ قال: لأن الله ﵎ يقول: ﴿وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي﴾ [السجدة:١٣] ولا يكون من الله شيء مخلوق. وكذلك فسره أحمد بن حنبل ونعيم بن حماد والحسن بن الصباح البزار وعبد العزيز بن يحيى المكي الكناني.

стр. 282

دلالة قوله تعالى: (ما نفدت كلمات الله) على أن القرآن غير مخلوق استنباط آخر من آية أخرى، وهي قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ﴾ [لقمان:٢٧]، والمخلوقات كلها معلوم أنها تفنى وتبيد وتنتهي، فكل مخلوق حادث، وكل حادث لابد أن يطغى عليه الزوال والفناء. وقد قال قوم من الكفار: غداً هذا القرآن ينتهي، فالكفار والمنافقون كانوا ينزعجون جداً من نزول آية أو آيات، وكأنهم أرادوا أن يقولوا: إن كلام الله سينتهي، فأنزل الله ﵎ هذه الآية؛ ليبين أن كلامه أول بأولية الله ولا آخر له؛ لأنه ملازم لذاته، فقال الله ﵎: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ﴾ [لقمان:٢٧] يعني: لو أنكم جمعتم أشجار الدنيا بأسرها فجعلتموها أقلاماً، وجعلتم مع البحار سبعة أبحر كلها حبر ومداد، وكتبتم بهذه الأقلام التي من مجموع أشجار الدنيا بعد وضعها في ذلك المداد؛ لنفدت هذه البحار، وتكسرت وفنيت هذه الأقلام وانتهت، ولم تنته بعد كلمات الله ﵎، وهذا دليل على أنه قادر على الكلام في أي وقت شاء وفي أي زمان شاء. قال: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ﴾ [لقمان:٢٧] أي: لم تنته كلمات الله، والمخلوقات كلها تنفد وتفنى وكلمات الله لا تفنى، وتصديق ذلك قوله تعالى حين يفني خلقه: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ﴾ [غافر:١٦]، أليس هذا قول أيضاً؟ وهو سؤال يوجه يوم القيامة قبل البعث وبعد النفخ -أي: النفخة الثانية أو الثالثة على مذهب- وفناء الخلق أجمعين، فالمولى ﵎ في سماه ينادي نداءً: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ﴾، وهو الذي يجيب على نفسه ويقول: ﴿لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [غافر:١٦]؛ لأنه ليس هناك أحد من خلقه يجيب هذا الجواب. فالشاهد من هذه الآية: أن الله ﵎ بعد أن أفنى جميع المخلوقات وأبادهم وأماتهم وأهلكهم تكلم وقال: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ﴾، وهذا في حد ذاته قول؛ ليدل على أن قول الله غير مخلوق، ولو كان مخلوقاً للزمه الفناء مع بقية المخلوقات، ولكن الله تعالى لما أفنى جميع المخلوقات تكلم بعد هذا الفناء العام؛ ليدل على أن كلامه سبحانه ليس مخلوقاً؛ لأنه لو كان كذلك لطرأ عليه الفناء والفساد -عياذاً بالله ﵎ على قول من يقول بأن كلام الله مخلوق. وعن قتادة في قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ﴾ [لقمان:٢٧] قال: قال المشركون: إنما هذا كلام يوشك أن ينفد، يعني: يوشك أن ينتهي، فأنزل الله تعالى ما تسمعون -أي: هذه الآية- رداً عليهم. يقول: لو كان شجر الأرض أقلاماً ومع البحر سبعة أبحر مداداً لتكسرت الأقلام ونفدت البحور قبل أن تنفد عجائب ربي وحكمته وكلماته وعلمه؛ لأن هذا من صفات المولى ﵎، فإنه لا يفنى ولا يبيد.

стр. 283

إثبات رجل عامي لأبي الهذيل العلاف أن القرآن كلام الله غير مخلوق بأنه لا يفنى ولا ينتهي وسأل رجل أبا الهذيل العلاف -وهذا رأس الاعتزال- سأله رجل من عامة الناس عن القرآن: أمخلوق أم غير مخلوق؟ فقال العلاف: هو كلام الله مخلوق، فقال له الرجل: مخلوق يموت أو يخلد؟ فقال: يموت. قال: فمتى يموت القرآن؟ انظر كلام الناس، وهكذا حال الفطر السليمة. قال: فمتى يموت القرآن؟ قال: إذا مات من يتلوه فهو موته، وهكذا عندما تورط العلاف أراد أن يلوي لسانه على عادة أهل البدع إذا وضعوا في خانة اليد لووا ألسنتهم وكلامهم وصرفوا النصوص عن ظاهرها. فقال الرجل: فقد مات من يتلوه -يعني: اعتبر أن جميع من تلا القرآن قد مات- ألا تقول: إن الخلق جميعاً قد ماتوا؟ قال: نعم. قد ماتوا، فقال: وقد ذهبت الدنيا وتصرمت وقال الله : ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ﴾ [غافر:١٦]، فهذا القرآن وقد مات الناس. يعني: فلماذا لم يمت قوله تعالى: (لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ)، فالله تعالى يتكلم بهذا يوم القيامة وقبل بعث الخلق من مرقدهم، ألا تعتقد يا علاف! أن هذا قول الله ؟ قال: بلى. هو قول الله ، قال: إنه تكلم به بعد أن مات القراء والتلاة؛ ليدل على أن كلام الله لا علاقة له بقارئه وتاليه، وأنه لا يموت بموت القارئ والتالي، وهل يتصور تعدد القرآن؟ هل يتصور أن كل واحد له قرآن إن قلنا: إن كل قرآن يموت بموت قارئه)، لكن إذا ماتت جماعة بقيت جماعة أخرى تتلو القرآن؛ ليدل على أن القرآن لا علاقة له بقارئه ولا تاليه. فقال له الرجل: فقد مات من يتلوه، وقد ذهبت الدنيا وتصرمت، أي: انقضت وفاتت، وقال الله : ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ﴾ [غافر:١٦] فهذا القرآن وقد مات الناس. وليعلم أن العلاف هذا من كبار أوتاد المعتزلة. فقال العلاف: والله ما أدري! وبهت، بهت الذي ابتدع ونافق، وعجز عن أن يرد على ذلك العامي الذي عرف أن القرآن كلام الله بفطرته غير مخلوق، منه بدأ وإليه يعود، فعجز ذلك الزنديق الأعظم أن يرد على رجل من عامة الناس، وما استطاع بعلمه وبفلسفته وموقفه الفاسد أن يرد على ذلك الرجل الذي استقامت فطرته على منهج النبوة. [وذكر ذلك عبد الرحمن قال: حدثنا أبو سعيد -أي: أحمد بن يحيى بن سعيد الأنصاري القطان - قال: سمعت رجلاً سأل أبا الهذيل فذكر نحو هذا الكلام. وقال أبو هريرة ﵁: قال النبي ﷺ : (يطوي الله الأرض يوم القيامة ويطوي السماوات بيمينه ثم يقول: أنا الملك. فأين ملوك الأرض؟)]، بعد أن يميت الله ﵎ جميع خلقه يتكلم بهذا: أنا الملك فأين ملوك الأرض؟ أنا الجبار فأين جبابرة الأرض؟ فإذا قلنا: إن القرآن مخلوق يفنى بفناء الخلق فماذا نقول في كلام الله تعالى هذا بعد أن يفني خلقه؟ لماذا لم يفن هذا الكلام؟ ولماذا لم ينته هذا الكلام؟ قال: [هذا الحديث أخرجه البخاري ومسلم. وعن ابن عباس قال: ينادي منادي الله بين يدي الصيحة، فيسمعها الأحياء والموتى، وينزل الله تعالى إلى سماء الدنيا فيقول: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [غافر:١٦]]، فالله ﵎ هو الذي يسأل ويجيب على نفسه؛ ليدل على أن كلامه باق بقاء الدهر. ونعيم بن حماد وإسحاق بن راهويه وهشام بن عبيد الله الرازي وسعيد بن رحمة المصيصي صاحب ابن المبارك وأبي إسحاق الفزاري، جميعاً يعتقدون بهذه الآية أن الله ﵎ كلامه غير مخلوق منه بدأ وإليه يعود.

стр. 284

سياق ما روي عن النبي مما يدل على أن القرآن من صفات الله القديمة قال المصنف رحمه الله تعالى: [أما ما روي عن النبي ﵊ مما يدل على أن القرآن من صفات الله القديمة]. في الحقيقة لا ينبغي أن يقال: إن صفات الله قديمة؛ لأن وصف الله ﵎ بالقديم وصف لم يرد في كتاب ولا في سنة، والله ﵎ وصف نفسه بأنه الأول وأنه الآخر وأنه الظاهر وأنه الباطن، لا أول قبله ولا آخر بعده ، فنقول: إن الله تعالى بأوليته كذلك أول بصفاته وأول بأسمائه. يعني: الله ﵎ أول برحمته وعلمه وحلمه وسمعه وبصره، فما استحق أن يكون سميعاً بعد أن سمع؛ لأن الله ﵎ يسمع أولاً بلا ابتداء، كما أن ذاته أول بلا ابتداء فكذلك صفاته لازمة لذاته، فلا نقول: إن الله تعالى كان بغير سمع ثم سمع، فما استحق أن يكون سميعاً إلا بعد أن سمع، وكان الله ﵎ بلا رحمة فخلق في ذاته الرحمة، فما استحق أن يكون رحيماً إلا بعد أن رحم، وكان الله ولم يكن شيء من المخلوقات، فما استحق أن يكون خالقاً إلا بعد أن خلق، إن الذي يقول: إن صفات الله تعالى مخلوقة لابد أنه ينفي جميع الصفات والأسماء أولاً عن الله ، وهذا القول كفر بواح؛ ولذلك نقول: إن الله ﵎ كان خالقاً قبل أن يخلق الخلق، كان رحيماً قبل أن يرحم الخلق؛ لأنهم غير موجودين من الأصل، وكان الله ﵎ عالماً بكل شيء. أليس الله ﵎ هو الذي كتب كل شيء كان وما سيكون إلى قيام الساعة وما بعدها في اللوح المحفوظ، فهو محفوظ عنده تحت العرش؟ أليس الله ﵎ كتب وقسم أرزاق الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة كما صح ذلك الخبر عند مسلم؟ أليس الذي يفعل هذا عليماً؟ فإن الذي يقول: إن صفات الله ﵎ مخلوقة لابد أنه يلحق النقص بالله ؛ لأنه يقول: إن الله كان ذاتاً مجردة عن الأسماء والصفات، ثم اكتسب هذه الأسماء والصفات، وهل يمكن أن يكون هنالك ذات بغير صفات؟ بل إن ذوات المخلوقين لابد أن يكون لها صفات من اللون والطول والعرض والحجم والسعة والضيق وغير ذلك، فلا يتصور من باب أولى أن يكون الله ﵎ بغير صفات أو بغير أسماء. وصفات الله ﵎ وأسماؤه موقوفة، أي: أنه لا يجوز لي أن أصف الله ﵎ بما لم يصف به نفسه ولم يصفه به رسوله الكريم ﵊، فلا يصح أن أقول: إن الله ﵎ من أسمائه الستار، أو من أسمائه المنعم. هذا غلط؛ لأنه لم يصح في ذلك حديث قط، وإنما الذي صحَّ ما رواه البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة ﵁: (إن لله تعالى تسعة وتسعين اسماً مائة إلا واحداً، من أحصاها دخل الجنة). وفي رواية الترمذي: (هو الله الخالق البارئ المصور) إلى آخر الأسماء التسعة والتسعين، ولكن سرد الأسماء في زيادة الترمذي ليست صحيحة، أي: أن الحديث بهذه الزيادة ليس صحيحاً، ولذلك من الأمور المخالفة أن تكتب هذه الأسماء، وأن تعلق هنا وهناك على أنها أسماء الله ﵎ الواردة في الحديث الذي أخرجه الترمذي، فكيف نعتمد في أمر من أمور العقيدة -وهو أمر عظيم يتعلق بأسماء الله وصفاته- على حديث ضعيف؟ إذا كان أهل العلم قد اختلفوا في اعتبار الحديث الضعيف في فضائل الأعمال فما بالكم بالأحكام والعقائد؟ ولكن الله ﵎ -كما تعرض لذلك غير واحد من أهل العلم- له تسعة وتسعون اسماً مستفادة من كتابه ومن سنة النبي ﵊، أي: أنه عندما تجمع الأسماء التي صحت في سنة النبي ﵊ وجاءت في كتاب الله تجدها من مجموع الكتاب والسنة تسعة وتسعين اسماً. وعن ابن مسعود ﵁ أن النبي ﵊ قال: (اللهم إني أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك أو أنزلته في كتابك أو علمته أحداً من خلقك أو استأثرت به في علم الغيب عندك). هذا الحديث يدل على أن لله غير هذه الأسماء أسماءً استأثر بها في علم الغيب عنده، ولكن النبي ﵇ أخبرنا أن الذي أنزل في الكتاب والسنة تسعة وتسعون اسماً، وهذا لا ينفي أن يكون هناك أسماءً أخرى استأثر الله ﵎ بها.

стр. 285

دلالة حديث آدم وموسى على أن علم الله تعالى صفة أزلية له سبحانه قال أبو هريرة: إن رسول الله ﷺ قال: (لقي آدم موسى فقال موسى لآدم: أنت الذي خلقك الله بيده، وأسكنك جنته، وأسجد لك ملائكته، فعلت ما فعلت وأخرجت ذريتك من الجنة! فقال له آدم: أنت الذي اصطفاك الله برسالاته وكلامه وآتاك التوراة، أنا أقدم أم الذكر؟)، فكل واحد صاحب منة معينة، فآدم خلقه الله تعالى بيده، وأسجد له ملائكته، وعلمه من كل شيء، وصحيح أنه بسبب زلته أخرج ذريته من الجنة، لكن آدم قال: يا موسى! أليس الله تعالى قد اصطفاك؛ لأنه من المعلوم أن آدم نبي وأن موسى رسول، والرسول أعظم من النبي، ولذلك قال هنا: (أنت موسى الذي اصطفاك الله برسالاته) ولم يقل: بنبواته. قال: (أنت موسى الذي اصطفاك الله برسالاته، وكلمك ولم يكلم أحداً, وآتاك التوراة)، يعني: ألست موسى الذي على هذا النحو؟ قال: نعم. قال: يا موسى! إني أسألك: (أنا أقدم أم الذكر؟) أي: اللوح المحفوظ الذي كتب الله ﵎ فيه ما وقعت فيه أنا وقدره عليَّ تقديراً؟ يعني: هذا الذي عملته أنا ووقعت فيه بقدر الله وعلمه السابق الأزلي الأبدي أو حادث؟ قال: (فحج آدم موسى)، أي: فانتصر آدم في حجته على موسى، وهذا يدل على أن الله ﵎ أول بصفاته، فقد علم الله ﵎ أن آدم سيفعل كذا، فكتبه عليه كتابة قدرية وليست شرعية؛ لأن هذا مخالفة للأمر، فآدم أكل من الشجرة بغواية الشيطان له، ولكن الله تعالى لما علم أزلاً أن آدم سيعصي الأمر، وأنه سيتبع الشيطان في ذلك في لحظة ضعف أو في لحظة هوى، أو حب الأبدية وحب البقاء في الجنة والخلود فيها، فصدقه وفعل ما فعل، هل كان الله ﵎ يعلم ما وقع من آدم أم لا؟ الجواب يعلم؛ ولذلك كتبه في اللوح، فهو محفوظ عند الله ﵎، فآدم حج موسى، أي: انتصر على موسى بهذه الحجة؛ لأنه عندما قال له موسى: يا آدم! كيف وقع منك هذا؟ قال له آدم: ما وقع مني إلا بقدر، يعني: وقع وانتهى، ولابد أن نؤمن أن كل ما في الكون من خير أو شر إنما هو من عند الله ، فالله تعالى خلق إبليس وهو رأس الشر، وليس لإبليس خالق غيره؛ لأن الله خالق كل شيء؛ ولذلك حج آدم موسى. فعلم الله ﵎ صفة أزلية أو حادثة؟ الجواب أزلية، أي: أولية، فلما كانت هذه الصفة أولية يلزم أن تكون جميع الصفات أولية كصفة الكلام، ولو قال: يا موسى! إن الله ﵎ لم يكتب هذا علي، ولم يقدره علي تقديراً كونياً قدرياً، فمعنى ذلك: أن الله تعالى ما علم ما بدر منه وما وقع إلا بعد أن وقع، وهذا قول القدرية الذين يقولون: إن الله لا يعلم الشيء إلا بعد وقوعه وأن الأمر أنف، وهذا كلام فاسد. فآدم استدل له بصفة العلم وصفة الكتابة؛ ليقيس على ذلك كل صفة من صفاته سبحانه.
следующие страницы →