← Акыда

Акыда · id 37437

شرح أصول اعتقاد أهل السنة للالكائي - حسن أبو الأشبال

حسن أبو الأشبال الزهيري

Полный текст (1 284 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

دلالة قوله تعالى: (ولكن حق القول مني) على أن القرآن غير مخلوق استنباط آخر من آية أخرى، وهي قوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي﴾ [السجدة:١٣]، ولم يقل: حق القول عني؛ ولذلك يقولون: القرآن منه بدأ وإليه يعود ولم يقولوا: عنه أتى، وإنما قالوا: منه بدأ، أي: أنه صفة ملازمة لذاته ﵎. ففي قوله: (وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي) قال أهل العلم: وما كان منه فهو غير مخلوق. وقال وكيع بن الجراح: من زعم أن القرآن مخلوق فقد زعم أن شيئاً من الله مخلوق، فقلت: يا أبا سفيان! من أين قلت هذا؟ يعني: من أين لك هذا الفقه وهذا العلم؟ قال: لأن الله ﵎ يقول: ﴿وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي﴾ [السجدة:١٣] ولا يكون من الله شيء مخلوق. وكذلك فسره أحمد بن حنبل ونعيم بن حماد والحسن بن الصباح البزار وعبد العزيز بن يحيى المكي الكناني.

стр. 282

دلالة قوله تعالى: (ما نفدت كلمات الله) على أن القرآن غير مخلوق استنباط آخر من آية أخرى، وهي قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ﴾ [لقمان:٢٧]، والمخلوقات كلها معلوم أنها تفنى وتبيد وتنتهي، فكل مخلوق حادث، وكل حادث لابد أن يطغى عليه الزوال والفناء. وقد قال قوم من الكفار: غداً هذا القرآن ينتهي، فالكفار والمنافقون كانوا ينزعجون جداً من نزول آية أو آيات، وكأنهم أرادوا أن يقولوا: إن كلام الله سينتهي، فأنزل الله ﵎ هذه الآية؛ ليبين أن كلامه أول بأولية الله ولا آخر له؛ لأنه ملازم لذاته، فقال الله ﵎: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ﴾ [لقمان:٢٧] يعني: لو أنكم جمعتم أشجار الدنيا بأسرها فجعلتموها أقلاماً، وجعلتم مع البحار سبعة أبحر كلها حبر ومداد، وكتبتم بهذه الأقلام التي من مجموع أشجار الدنيا بعد وضعها في ذلك المداد؛ لنفدت هذه البحار، وتكسرت وفنيت هذه الأقلام وانتهت، ولم تنته بعد كلمات الله ﵎، وهذا دليل على أنه قادر على الكلام في أي وقت شاء وفي أي زمان شاء. قال: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ﴾ [لقمان:٢٧] أي: لم تنته كلمات الله، والمخلوقات كلها تنفد وتفنى وكلمات الله لا تفنى، وتصديق ذلك قوله تعالى حين يفني خلقه: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ﴾ [غافر:١٦]، أليس هذا قول أيضاً؟ وهو سؤال يوجه يوم القيامة قبل البعث وبعد النفخ -أي: النفخة الثانية أو الثالثة على مذهب- وفناء الخلق أجمعين، فالمولى ﵎ في سماه ينادي نداءً: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ﴾، وهو الذي يجيب على نفسه ويقول: ﴿لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [غافر:١٦]؛ لأنه ليس هناك أحد من خلقه يجيب هذا الجواب. فالشاهد من هذه الآية: أن الله ﵎ بعد أن أفنى جميع المخلوقات وأبادهم وأماتهم وأهلكهم تكلم وقال: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ﴾، وهذا في حد ذاته قول؛ ليدل على أن قول الله غير مخلوق، ولو كان مخلوقاً للزمه الفناء مع بقية المخلوقات، ولكن الله تعالى لما أفنى جميع المخلوقات تكلم بعد هذا الفناء العام؛ ليدل على أن كلامه سبحانه ليس مخلوقاً؛ لأنه لو كان كذلك لطرأ عليه الفناء والفساد -عياذاً بالله ﵎ على قول من يقول بأن كلام الله مخلوق. وعن قتادة في قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ﴾ [لقمان:٢٧] قال: قال المشركون: إنما هذا كلام يوشك أن ينفد، يعني: يوشك أن ينتهي، فأنزل الله تعالى ما تسمعون -أي: هذه الآية- رداً عليهم. يقول: لو كان شجر الأرض أقلاماً ومع البحر سبعة أبحر مداداً لتكسرت الأقلام ونفدت البحور قبل أن تنفد عجائب ربي وحكمته وكلماته وعلمه؛ لأن هذا من صفات المولى ﵎، فإنه لا يفنى ولا يبيد.

стр. 283

إثبات رجل عامي لأبي الهذيل العلاف أن القرآن كلام الله غير مخلوق بأنه لا يفنى ولا ينتهي وسأل رجل أبا الهذيل العلاف -وهذا رأس الاعتزال- سأله رجل من عامة الناس عن القرآن: أمخلوق أم غير مخلوق؟ فقال العلاف: هو كلام الله مخلوق، فقال له الرجل: مخلوق يموت أو يخلد؟ فقال: يموت. قال: فمتى يموت القرآن؟ انظر كلام الناس، وهكذا حال الفطر السليمة. قال: فمتى يموت القرآن؟ قال: إذا مات من يتلوه فهو موته، وهكذا عندما تورط العلاف أراد أن يلوي لسانه على عادة أهل البدع إذا وضعوا في خانة اليد لووا ألسنتهم وكلامهم وصرفوا النصوص عن ظاهرها. فقال الرجل: فقد مات من يتلوه -يعني: اعتبر أن جميع من تلا القرآن قد مات- ألا تقول: إن الخلق جميعاً قد ماتوا؟ قال: نعم. قد ماتوا، فقال: وقد ذهبت الدنيا وتصرمت وقال الله : ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ﴾ [غافر:١٦]، فهذا القرآن وقد مات الناس. يعني: فلماذا لم يمت قوله تعالى: (لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ)، فالله تعالى يتكلم بهذا يوم القيامة وقبل بعث الخلق من مرقدهم، ألا تعتقد يا علاف! أن هذا قول الله ؟ قال: بلى. هو قول الله ، قال: إنه تكلم به بعد أن مات القراء والتلاة؛ ليدل على أن كلام الله لا علاقة له بقارئه وتاليه، وأنه لا يموت بموت القارئ والتالي، وهل يتصور تعدد القرآن؟ هل يتصور أن كل واحد له قرآن إن قلنا: إن كل قرآن يموت بموت قارئه)، لكن إذا ماتت جماعة بقيت جماعة أخرى تتلو القرآن؛ ليدل على أن القرآن لا علاقة له بقارئه ولا تاليه. فقال له الرجل: فقد مات من يتلوه، وقد ذهبت الدنيا وتصرمت، أي: انقضت وفاتت، وقال الله : ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ﴾ [غافر:١٦] فهذا القرآن وقد مات الناس. وليعلم أن العلاف هذا من كبار أوتاد المعتزلة. فقال العلاف: والله ما أدري! وبهت، بهت الذي ابتدع ونافق، وعجز عن أن يرد على ذلك العامي الذي عرف أن القرآن كلام الله بفطرته غير مخلوق، منه بدأ وإليه يعود، فعجز ذلك الزنديق الأعظم أن يرد على رجل من عامة الناس، وما استطاع بعلمه وبفلسفته وموقفه الفاسد أن يرد على ذلك الرجل الذي استقامت فطرته على منهج النبوة. [وذكر ذلك عبد الرحمن قال: حدثنا أبو سعيد -أي: أحمد بن يحيى بن سعيد الأنصاري القطان - قال: سمعت رجلاً سأل أبا الهذيل فذكر نحو هذا الكلام. وقال أبو هريرة ﵁: قال النبي ﷺ : (يطوي الله الأرض يوم القيامة ويطوي السماوات بيمينه ثم يقول: أنا الملك. فأين ملوك الأرض؟)]، بعد أن يميت الله ﵎ جميع خلقه يتكلم بهذا: أنا الملك فأين ملوك الأرض؟ أنا الجبار فأين جبابرة الأرض؟ فإذا قلنا: إن القرآن مخلوق يفنى بفناء الخلق فماذا نقول في كلام الله تعالى هذا بعد أن يفني خلقه؟ لماذا لم يفن هذا الكلام؟ ولماذا لم ينته هذا الكلام؟ قال: [هذا الحديث أخرجه البخاري ومسلم. وعن ابن عباس قال: ينادي منادي الله بين يدي الصيحة، فيسمعها الأحياء والموتى، وينزل الله تعالى إلى سماء الدنيا فيقول: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [غافر:١٦]]، فالله ﵎ هو الذي يسأل ويجيب على نفسه؛ ليدل على أن كلامه باق بقاء الدهر. ونعيم بن حماد وإسحاق بن راهويه وهشام بن عبيد الله الرازي وسعيد بن رحمة المصيصي صاحب ابن المبارك وأبي إسحاق الفزاري، جميعاً يعتقدون بهذه الآية أن الله ﵎ كلامه غير مخلوق منه بدأ وإليه يعود.

стр. 284

سياق ما روي عن النبي مما يدل على أن القرآن من صفات الله القديمة قال المصنف رحمه الله تعالى: [أما ما روي عن النبي ﵊ مما يدل على أن القرآن من صفات الله القديمة]. في الحقيقة لا ينبغي أن يقال: إن صفات الله قديمة؛ لأن وصف الله ﵎ بالقديم وصف لم يرد في كتاب ولا في سنة، والله ﵎ وصف نفسه بأنه الأول وأنه الآخر وأنه الظاهر وأنه الباطن، لا أول قبله ولا آخر بعده ، فنقول: إن الله تعالى بأوليته كذلك أول بصفاته وأول بأسمائه. يعني: الله ﵎ أول برحمته وعلمه وحلمه وسمعه وبصره، فما استحق أن يكون سميعاً بعد أن سمع؛ لأن الله ﵎ يسمع أولاً بلا ابتداء، كما أن ذاته أول بلا ابتداء فكذلك صفاته لازمة لذاته، فلا نقول: إن الله تعالى كان بغير سمع ثم سمع، فما استحق أن يكون سميعاً إلا بعد أن سمع، وكان الله ﵎ بلا رحمة فخلق في ذاته الرحمة، فما استحق أن يكون رحيماً إلا بعد أن رحم، وكان الله ولم يكن شيء من المخلوقات، فما استحق أن يكون خالقاً إلا بعد أن خلق، إن الذي يقول: إن صفات الله تعالى مخلوقة لابد أنه ينفي جميع الصفات والأسماء أولاً عن الله ، وهذا القول كفر بواح؛ ولذلك نقول: إن الله ﵎ كان خالقاً قبل أن يخلق الخلق، كان رحيماً قبل أن يرحم الخلق؛ لأنهم غير موجودين من الأصل، وكان الله ﵎ عالماً بكل شيء. أليس الله ﵎ هو الذي كتب كل شيء كان وما سيكون إلى قيام الساعة وما بعدها في اللوح المحفوظ، فهو محفوظ عنده تحت العرش؟ أليس الله ﵎ كتب وقسم أرزاق الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة كما صح ذلك الخبر عند مسلم؟ أليس الذي يفعل هذا عليماً؟ فإن الذي يقول: إن صفات الله ﵎ مخلوقة لابد أنه يلحق النقص بالله ؛ لأنه يقول: إن الله كان ذاتاً مجردة عن الأسماء والصفات، ثم اكتسب هذه الأسماء والصفات، وهل يمكن أن يكون هنالك ذات بغير صفات؟ بل إن ذوات المخلوقين لابد أن يكون لها صفات من اللون والطول والعرض والحجم والسعة والضيق وغير ذلك، فلا يتصور من باب أولى أن يكون الله ﵎ بغير صفات أو بغير أسماء. وصفات الله ﵎ وأسماؤه موقوفة، أي: أنه لا يجوز لي أن أصف الله ﵎ بما لم يصف به نفسه ولم يصفه به رسوله الكريم ﵊، فلا يصح أن أقول: إن الله ﵎ من أسمائه الستار، أو من أسمائه المنعم. هذا غلط؛ لأنه لم يصح في ذلك حديث قط، وإنما الذي صحَّ ما رواه البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة ﵁: (إن لله تعالى تسعة وتسعين اسماً مائة إلا واحداً، من أحصاها دخل الجنة). وفي رواية الترمذي: (هو الله الخالق البارئ المصور) إلى آخر الأسماء التسعة والتسعين، ولكن سرد الأسماء في زيادة الترمذي ليست صحيحة، أي: أن الحديث بهذه الزيادة ليس صحيحاً، ولذلك من الأمور المخالفة أن تكتب هذه الأسماء، وأن تعلق هنا وهناك على أنها أسماء الله ﵎ الواردة في الحديث الذي أخرجه الترمذي، فكيف نعتمد في أمر من أمور العقيدة -وهو أمر عظيم يتعلق بأسماء الله وصفاته- على حديث ضعيف؟ إذا كان أهل العلم قد اختلفوا في اعتبار الحديث الضعيف في فضائل الأعمال فما بالكم بالأحكام والعقائد؟ ولكن الله ﵎ -كما تعرض لذلك غير واحد من أهل العلم- له تسعة وتسعون اسماً مستفادة من كتابه ومن سنة النبي ﵊، أي: أنه عندما تجمع الأسماء التي صحت في سنة النبي ﵊ وجاءت في كتاب الله تجدها من مجموع الكتاب والسنة تسعة وتسعين اسماً. وعن ابن مسعود ﵁ أن النبي ﵊ قال: (اللهم إني أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك أو أنزلته في كتابك أو علمته أحداً من خلقك أو استأثرت به في علم الغيب عندك). هذا الحديث يدل على أن لله غير هذه الأسماء أسماءً استأثر بها في علم الغيب عنده، ولكن النبي ﵇ أخبرنا أن الذي أنزل في الكتاب والسنة تسعة وتسعون اسماً، وهذا لا ينفي أن يكون هناك أسماءً أخرى استأثر الله ﵎ بها.

стр. 285

دلالة حديث آدم وموسى على أن علم الله تعالى صفة أزلية له سبحانه قال أبو هريرة: إن رسول الله ﷺ قال: (لقي آدم موسى فقال موسى لآدم: أنت الذي خلقك الله بيده، وأسكنك جنته، وأسجد لك ملائكته، فعلت ما فعلت وأخرجت ذريتك من الجنة! فقال له آدم: أنت الذي اصطفاك الله برسالاته وكلامه وآتاك التوراة، أنا أقدم أم الذكر؟)، فكل واحد صاحب منة معينة، فآدم خلقه الله تعالى بيده، وأسجد له ملائكته، وعلمه من كل شيء، وصحيح أنه بسبب زلته أخرج ذريته من الجنة، لكن آدم قال: يا موسى! أليس الله تعالى قد اصطفاك؛ لأنه من المعلوم أن آدم نبي وأن موسى رسول، والرسول أعظم من النبي، ولذلك قال هنا: (أنت موسى الذي اصطفاك الله برسالاته) ولم يقل: بنبواته. قال: (أنت موسى الذي اصطفاك الله برسالاته، وكلمك ولم يكلم أحداً, وآتاك التوراة)، يعني: ألست موسى الذي على هذا النحو؟ قال: نعم. قال: يا موسى! إني أسألك: (أنا أقدم أم الذكر؟) أي: اللوح المحفوظ الذي كتب الله ﵎ فيه ما وقعت فيه أنا وقدره عليَّ تقديراً؟ يعني: هذا الذي عملته أنا ووقعت فيه بقدر الله وعلمه السابق الأزلي الأبدي أو حادث؟ قال: (فحج آدم موسى)، أي: فانتصر آدم في حجته على موسى، وهذا يدل على أن الله ﵎ أول بصفاته، فقد علم الله ﵎ أن آدم سيفعل كذا، فكتبه عليه كتابة قدرية وليست شرعية؛ لأن هذا مخالفة للأمر، فآدم أكل من الشجرة بغواية الشيطان له، ولكن الله تعالى لما علم أزلاً أن آدم سيعصي الأمر، وأنه سيتبع الشيطان في ذلك في لحظة ضعف أو في لحظة هوى، أو حب الأبدية وحب البقاء في الجنة والخلود فيها، فصدقه وفعل ما فعل، هل كان الله ﵎ يعلم ما وقع من آدم أم لا؟ الجواب يعلم؛ ولذلك كتبه في اللوح، فهو محفوظ عند الله ﵎، فآدم حج موسى، أي: انتصر على موسى بهذه الحجة؛ لأنه عندما قال له موسى: يا آدم! كيف وقع منك هذا؟ قال له آدم: ما وقع مني إلا بقدر، يعني: وقع وانتهى، ولابد أن نؤمن أن كل ما في الكون من خير أو شر إنما هو من عند الله ، فالله تعالى خلق إبليس وهو رأس الشر، وليس لإبليس خالق غيره؛ لأن الله خالق كل شيء؛ ولذلك حج آدم موسى. فعلم الله ﵎ صفة أزلية أو حادثة؟ الجواب أزلية، أي: أولية، فلما كانت هذه الصفة أولية يلزم أن تكون جميع الصفات أولية كصفة الكلام، ولو قال: يا موسى! إن الله ﵎ لم يكتب هذا علي، ولم يقدره علي تقديراً كونياً قدرياً، فمعنى ذلك: أن الله تعالى ما علم ما بدر منه وما وقع إلا بعد أن وقع، وهذا قول القدرية الذين يقولون: إن الله لا يعلم الشيء إلا بعد وقوعه وأن الأمر أنف، وهذا كلام فاسد. فآدم استدل له بصفة العلم وصفة الكتابة؛ ليقيس على ذلك كل صفة من صفاته سبحانه.

стр. 286

ضوابط الاحتجاج بالقدر على المعاصي، والفرق بين القدر الكوني والقدر الشرعي أهل العلم لهم ضوابط في الاحتجاج بالقدر على المعاصي، ويفرقون بين القدر الكوني والقدر الشرعي، فلا يجوز الاحتجاج بالقدر على المعصية، أما ظاهر النص هنا فإنه يدل على أن آدم احتج بقدر الله على ما وقع منه وهو معصية، مع إجماع أهل العلم على أنه لا يجوز الاحتجاج بالقدر على المعصية. فنقول: الفرق بين موقف آدم وإجماع أهل العلم وما أتى به جميع الأنبياء والمرسلين: أن آدم تاب وأناب إلى ربه، وهذا بخلاف الرجل الذي سرق في عهد عمر، فجيء به بين يديه فأمر بإقامة الحد عليه، فقال: يا عمر! أتريد أن تجلدني على أمر قدره الله علي؟ انظر بجاحته وجرأته وكأنه لم يعمل شيئاً. فقال عمر: نعم. إن الذي قدر عليك هذا قد فرض عليك الحد، وهو من قدر الله . فأنت حينما تقع في الذنب، فتعتصر هماً وغماً وألماً، وتتوب وترجع إلى الله ﵎، وتعزم على ألا تعود لمثل هذا الذنب، فهذا أمر مقبول، فما من نبي يقع في ذنب أو هفوة من الهفوات الصغيرة إلا وقد استغفر ربه وأناب ورجع، فما وقع فيه الأنبياء والمرسلون من هذه الهفوات اليسيرة الصغيرة التي لا تخدش في رسالتهم ولا في إيمانهم كان ذلك بتقدير من الله تعالى مع أنه معصية، ولكن الفرق بين الاثنين: أن هذا يحتج بقدر الله السابق على معصيته بجرأة وبجاحة وسفالة ووقاحة، وهذا يحتج بقدر الله السابق؛ لأنه يعلم ويعتقد بعد توبته أن الذي بدر منه ما بدر إلا بعلم الله وأن الله لما علمه كتبه، فهم لا يحتجون بالقدر، وإنما يعتقدون أن الله قد علم ذلك سلفاً وأولاً، فلما علمه كتبه. وأنتم تعلمون أن أولى مراتب القدر: العلم الصادق الأزلي لله ﵎، ثم الكتابة، وهو أن الله ﵎ علم كل شيء كان وسيكون إلى يوم القيامة، فكتب ذلك في كتاب، فهو محفوظ عنده تحت العرش. والمرتبة الثالثة من مراتب القدر: المشيئة، والمشيئة نوعان: مشيئة شرعية دينية، ومشيئة قدرية كونية، فالمشيئة الشرعية الدينية مبناها على محبة الله تعالى ورضاه، وهي طاعته التي أمر بها ونهيه الذي نهى عنه، فطالما التزم المرء أمره وانتهى عن نهيه نقول: إنه دخل في مشيئة الله الشرعية الدينية، بمعنى: أنه أطاع الله فيما أمر وانتهى عما نهى، وما أطاع ذلك الرجل ما أمره الله ورسوله وما انتهى عما نهاه الله ورسوله إلا بحب الله وتوفيق الله وتقدير الله له، والله ﵎ في المقابل علم أن هذا العبد سيزني ويسرق ويقتل ويشرب الخمر وغير ذلك، فكتبه عليه وقدره عليه، ومعنى: قدره عليه أنه أذن في وقوعه؛ لأن الله ﵎ قال لهذا العبد: لا تشرب الخمر، فإن فيها كيت وكيت، ولا تطع الشيطان لأنه لا يدل على خير، ولا تقتل ولا تسرق ولا تزنِ ولا تعمل كيت ولا كيت ولا كيت، ولكن العبد خالف ذلك فوقع في هذا المحذور، فوقوعه في هذا المحذور الله ﵎ علمه أولاً فكتبه، وليس معنى كتبه: أنه جبره على أن يفعله، ولو قلت ذلك لقلت بقول الجبرية، فلو قلت: إن هذه المعاصي المرء مجبور على فعلها فستكون من الجبرية، وتكون من القدرية في وقت واحد. ولكن لابد أن تعلم أن الله تعالى كتب المعاصي على عباده بمعنى: أنه علم أن العبد سيختار المعصية، فلما علم ذلك سلفاً كتبها عليه، فمثلاً: كتب أن أحمد سيفعل كذا، سيقتل، سيسرق، وأحمد يعلم أن هذه سرقة، ويعلم أن الله تعالى حرمها، وأنه لو أطاع لدخل في المشيئة الشرعية الدينية التي مبناها على محبة الله ورضاه، ولو خالف لدخل في مشيئة الله الأخرى، وهي أن الله تعالى لا يقع شيء في كونه إلا بإرادته وإذنه. تصور لو أن عبداً أراد أن يسرق الآن، فلابد أن السرقة تستلزم مجموعة من الأفعال: المشي والهم بالسرقة، وتحديد ذلك، ومد اليد على المسروق، ثم أخذه وتحريزه والجري به، أليس كل هذا مخلوقاً لله ؟ هل يستطيع العبد أن يفعل ذلك بغير إرادة الله؟ هل يمكن أن يقع شيء في الكون بغير إذن الله؟ أنا أود أن أسرق هذا الشيء وأخرج جرياً، فمن الذي قواني على الجري؟ ومن الذي منحني القدرة والقوة على أن أخطف هذا الميكرفون؟ إنه الله ﵎ الذي خلق كل ذلك، فهذا تم بتقدير الله ليعاقبني الله ﵎ عليه بعد ذلك؛ لأنه أمرني ألا أفعل هذا، بل أفعل غيره، فإذا رأيت من يسرق نهيته عن ذلك وأمرته بطاعة الله ، فلما خالفت ذلك وذاك فإننا نقول: إن هذا كله وقع بتقدير الله، لكن ليس بتقدير الله الشرعي؛ لأن الله تعالى يكره ذلك، يكره السرقة وحذر منها، كما أن الله ﵎ لا يرضى لعباده الكفر، ومع هذا هو الذي أذن بوجود الكفر إذناً قدرياً، فكفر الكافر وقع في الأرض بإذن من الله، ولو أن الله ﵎ شاء أن يجعل الناس أمة واحدة مؤمنة لجعلهم مؤمنين جميعاً، ولو شاء أن يجعلهم جميعاً كفاراً لجعلهم كذلك، ولكن حكمة الباري اقتضت وجود الإيمان والكفر، وجود الخير والشر، وجود المعاصي والطاعات، وجود الجنة والنار في المقابل، وبين الله ﵎ في كتابه البيان الشرعي ال

стр. 287

خلق أفعال العباد ومسألة اللفظ المرتبة الرابعة: مرتبة خلق أفعال العباد. إن الكلام والبصر والسمع والجري وغير ذلك مما يفعله العبد بالليل والنهار في جميع أوقاته، كل ذلك مخلوق، بمعنى: أن حركة لساني الآن وأنا أتكلم وأنت ترد علي، بل حركة عقلك عندما أتكلم وأنت تفهمني؛ هذا الفهم مخلوق وليس أزلياً؛ لأنك أنت نفسك لست أزلياً، فكيف يكون الفهم أزلياً؟ فهنا نقول: إن أفعال العباد مخلوقة، والأئمة عندما تعرضوا لمسألة خلق القرآن أنكروا ذلك تماماً وحكموا بالكفر على من يقول: القرآن مخلوق، ولكنهم اختلفوا في مسألة اللفظ، فجمهور أهل السنة لم يتعرضوا لمسألة اللفظ، وهناك فرق كبير بين اللفظ بالقرآن والتلفظ بالقرآن، فمن قال: إن لفظي بالقرآن مخلوق فقد أخطأ، ولو قال: إن تلفظي بالقرآن مخلوق فقد أصاب؛ لأن اللفظ اسم، وهو يدل على الملفوظ وهو القرآن الكريم، فإذا قلت: إن لفظي بالقرآن مخلوق فكأنك -ولو كان ذلك على سبيل الإشارة- تقول: القرآن مخلوق. أما إذا قلت: إن تلفظي، يعني: حركة لساني وإخراج الصوت من فمي أو من صدري مخلوق، بمعنى: أنه حادث؛ فهذا لا بأس به. إنك تقرأ في حاشية هذا الكتاب أن الناس اختلفوا في مسألة القرآن، فمنهم من قال: هو مخلوق، ومنهم من قال: غير مخلوق، ومنهم من قال بالتوقف، يعني: توقف ولم يتكلم لا بهذا ولا بذاك، ومنهم من قال: لفظي بالقرآن مخلوق، ثم يرجح المحقق أن مذهب أهل السنة والجماعة هو الصحيح وما عداه باطل، وهو أن القرآن كلام الله غير مخلوق وسيرد على من قال بمسألة اللفظ.

стр. 288

حكم القول: يا رب القرآن ! كان ابن عباس في جنازة، فلما وضع الميت في لحده قام رجل فقال: اللهم رب القرآن اغفر له، قوله: (اللهم يا رب القرآن!) يدل على أن القرآن مربوب، وكل مربوب مخلوق حادث، فهذا الرجل إما أنه كان على مذهب الاعتزال، وإما أنه جاهل لا يعلم شيئاً، ولكن ابن عباس فطن إلى الأمر؛ فوثب إليه ابن عباس فقال: مه! وهي كلمة زجر، وقيل: هي كلمة تعجب عند العرب، أي: كيف تقول هذا؟ هذا من أنكر المنكرات! فقال ابن عباس: القرآن منه. أي: أن القرآن كلام الله ليس بمربوب، منه بدأ وإليه يعود، فانظر إلى ابن عباس! لاحظ كلمة يقع فيها كثير من الناس في هذه الأيام؛ لأن هذه الزيادة (رب) ليست في حديث صحيح قط، وإنما الصحيح: (يأتي الصيام والقرآن فيشفعان للعبد فيقول القرآن: أسهرت ليله فشفعني فيه، ويقول الصيام: أظمأت نهاره فشفعني فيه)، وهذه الرواية صحيحة، أما رواية: يا رب! فليست صحيحة. وقال عبد الله بن عمر: القرآن كلام الله غير مخلوق. وعن عمرو بن دينار قال: أدركت تسعة من أصحاب رسول الله ﷺ يقولون: من قال: القرآن مخلوق فهو كافر.

стр. 289

ذكر إجماع التابعين من مكة والمدينة والكوفة والبصرة على أن القرآن كلام الله غير مخلوق يذكر أهل مكة والمدينة، ثم يذكر أهل البصرة والكوفة، ويذكر منهم علي بن الحسين ويذكر أبا جعفر محمد بن علي بن الحسين والحسن بن أبي الحسن البصري وسليمان التيمي وأيوب السختياني وحماد بن أبي سليمان وسليمان الأعمش جميعاً يقولون: القرآن كلام الله غير مخلوق. فهذا الثوري يقول: سمعت حماد بن أبي سليمان يقول: قولوا لفلان الكافر: لا يقرب مجلسي، فإنه يقول: القرآن مخلوق. وقال أبو نعيم الفضل بن دكين وأحمد بن يونس وأصحابه: ثبت أبو نعيم وقال: لقيت سبعمائة شيخ، ذكر الأعمش والثوري وجماعتهم. قال: ما سمعت أحداً منهم قال ذا القول، يعني: يقول بخلق القرآن، إلا رجل واحد.

стр. 290

ذكر ما روي عن أتباع التابعين في أن القرآن كلام الله يذكر أهل مكة والمدينة، ثم يذكر أهل البصرة والكوفة، ويذكر منهم علي بن الحسين ويذكر أبا جعفر محمد بن علي بن الحسين والحسن بن أبي الحسن البصري وسليمان التيمي وأيوب السختياني وحماد بن أبي سليمان وسليمان الأعمش جميعاً يقولون: القرآن كلام الله غير مخلوق. فهذا الثوري يقول: سمعت حماد بن أبي سليمان يقول: قولوا لفلان الكافر: لا يقرب مجلسي، فإنه يقول: القرآن مخلوق. وقال أبو نعيم الفضل بن دكين وأحمد بن يونس وأصحابه: ثبت أبو نعيم وقال: لقيت سبعمائة شيخ، ذكر الأعمش والثوري وجماعتهم. قال: ما سمعت أحداً منهم قال ذا القول، يعني: يقول بخلق القرآن، إلا رجل واحد.

стр. 291

قول جعفر بن محمد أن القرآن كلام الله غير مخلوق جاء تحت باب: [ما روي عن أتباع التابعين من الطبقة الأولى من بلدان شتى]، عن إسحاق بن بهلول قال: [سألت موسى بن داود عن القرآن، فقال: حدثني معبد أبو عبد الرحمن عن معاوية بن عمار الدهني قال: قلت لـ جعفر بن محمد: إنهم يسألوننا عن القرآن: مخلوق هو؟ قال: ليس بخالق ولا مخلوق، ولكنه كلام الله]. يعني: لا يقال عنه: خالق ولا مخلوق، ولكن يقال: إنه كلام الله. قال: أبو عبد الرحمن عبد الله بن أحمد قال أبي أحمد بن حنبل: رأيت معبداً هذا ولم يكن به بأس، وأثنى عليه أبي، قال: وكان يفتي برأي ابن أبي ليلى]، وسئل جعفر عن القرآن فقال: ليس بخالق ولا مخلوق ولكنه كلام الله. [وعن موسى بن جعفر قال: سئل أبي -الذي هو جعفر بن محمد - عن القرآن: خالق هو أو مخلوق؟ فقال أبي: لو كان خالقاً لعبد -لأن من شأن الخالق أن يعبد- ولو كان مخلوقاً لنفد]، ولو كان مخلوقاً لأتى عليه الفناء.

стр. 292

قول ابن المبارك أن القرآن كلام الله غير مخلوق وقال في ترجمة عبد الله بن المبارك: [قال ابن المبارك: سمعت الناس منذ تسعة وأربعين عاماً يقولون: من قال: القرآن مخلوق فامرأته طالق طالق طالق، البتة. قلت: ولم ذاك؟ قال: لأن امرأته مسلمة، والمسلمة لا تكون تحت كافر]. أرأيت؟ ليس هناك محاباة في دين الله . قلت أنا: فقد لقي عبد الله بن المبارك جماعة من التابعين مثل سليمان التيمي وحميد الطويل وغيرهم وليس في الإسلام في وقته أكثر رحلة منه ولا أكثر طلباً للعلم وأجمعهم له وأجودهم معرفة به، وأحسنهم سيرة وأرضاهم طريقة مثل ابن المبارك، ولعله يروي عن ألف شيخ من التابعين، فأي إجماع أقوى من هذا، وابن المبارك يقول: هذا ما أدركت الناس عليه. فهل يتصور يا إخواني! أن هذا حق خفي على النبي وأصحابه والتابعين والقرون الخيرية وبان لهؤلاء الفلاسفة؟ الجواب حتى لو لجأنا إلى المنطق العقلي لا يتصور أبداً أن أمراً يخفى على النبوة وعلى الصدر الأول للرسالة، ولا يظهر إلا لمن بعدهم، لكرامة هؤلاء على الله أبداً؟ لأنه ليس أحد أكرم على الله من أنبيائه ورسله وأصحاب أنبيائه في المرتبة الثانية، فإن الله ما كان ليخفي شيئاً عنهم جميعاً ثم يظهره للمعتزلة أو للأشعرية، أو للماتريدية، أو للخوارج، أو للشيعة! إن الذي يقول بهذا لابد أن يكون قد فقد عقله.

стр. 293

كلام الفضل بن دكين فيمن أدرك ممن يقولون بأن القرآن كلام الله قال: [قال أحمد بن يونس: لقيت أبا نعيم فقال لي: إنما هو ضرب الأسياط، قال ابن أبي شيبة: فقلت: ذهب حديثنا عن هذا الشيخ، فقيل لـ أبي نعيم فقال: أدركت ثلاثمائة شيخ كلهم يقولون: القرآن كلام الله غير مخلوق، وإنما قال هذا قوم من أهل البدع كانوا يقولون: لا بأس برمي الجمار بالزجاج، ثم أخذ زره -يعني: أبو نعيم أخذ زر قميصه- فقطعه، ثم قال: رأسي أهون علي من زري، يعني: سأرمي الجمار برأسي ولا أرميها بالزجاج؛ وذلك لأن النص ذكر أن الجمار إنما هي من حصى الخذف، من حصى مكة أو منى أو المزدلفة أو عرفة على المذهب الراجح، والذي يقول: إن رمي الجمار لا بأس أن يكون بالزجاج، يفتح المجال أمام الآخر ليقول: لا بأس أن يكون بالفضة والذهب، وما المانع؟ إن الشيعة الآن يعتقدون أن رمي الجمار بالدم مجزئ، بل قربة إلى الله عندهم؛ ولذلك يصعد الشيعة ويحرصون على أن يرموا جمارهم من فوق الكبري في مكان الرمي، ويرمون سبعة أكياس من الدم تعبيراً عن شؤمهم بإهراق دم الحسين، فينتهزون الفرصة ليعبروا عن حبهم المزعوم لآل البيت، وحزنهم الشديد على الحسين، ويا ليته كان معنا الآن! ثم يقولون: إن هذه الأكياس من الدم إنما تجزئ لأننا نرمي بها ونرجم بها، ويسقط كيس الدم في ذلك المكان المعد للجمار وينفجر فيلوث جميع الحاضرين، وعلى أية حال! لا يأتي من الشيعة على جهة الخصوص ومن المبتدعة على جهة العموم إلا كل شر.

стр. 294

قول أبي جعفر المنصور في أنَّ (لا إله إلا الله) كلام الله غير مخلوقة قالك [وكتب أليون ملك الروم إلى أبي جعفر المنصور يسأله عن أشياء ويسأله عن لا إله إلا الله: أمخلوقة هي أم غير مخلوقة؟ قال: فكتب إليه أبو جعفر: كتبت إلي تسألني عن لا إله إلا الله: أخالقة أم مخلوقة؟ قال: وليست خالقة ولا مخلوقة، ولكنها كلام الله ]، يعني: حتى السلاطين كان لهم عناية بأسماء الله وصفاته.

стр. 295

ذكر ما كان من ابن أبي ليلى مع الرجل الذي قال بخلق القرآن قال: [قال محمد بن عمر: إن ابن أبي ليلى قال: حدثني أبي قال: لما قدم ذلك الرجل إلى محمد بن عبد الله بن أبي ليلى شهد عليه حماد بن أبي سليمان وغيره أنه قال: القرآن مخلوق، وشهد عليه قوم مثل قول حماد بن أبي سليمان، فحدثني خالد بن نافع قال: كتب ابن أبي ليلى إلى أبي جعفر وهو بالمدينة بما قاله ذلك الرجل، وشهادته عليه وإقراره، فكتب إليه أبو جعفر: إن هو رجع وإلا فاضرب رقبته وأحرقه بالنار، فتاب ورجع عن قوله في القرآن. قال وكيع: ولما كان من أمر الرجل ما كان قال له ابن أبي ليلى: من خلقك؟ قال: الله، قال: فمن خلق منطقك؟ قال: الله. قال: خُصِمت، قال: صدقت، فماذا تقول؟ قال: فإني أتوب إلى الله. قال: فبعث معه ابن أبي ليلى أمينين فيوقفاه إلى حلقة من حلق المسجد يقولان لهم: إنه قال: إن القرآن مخلوق فقد تاب ورجع، فإن سمعتموه يقول شيئاً فارفعوا ذلك إلي، قال: وأمر موسى بن عيسى حرسياً -أي: شرطياً- فقال: لا تدعنه يفتي في المسجد. قال: فكان إذا صلى قال الحرسي: قم إلى منزلك، فيقول له: دعني أسبح، فيقول: ولا كلمة]. انظر إلى حرص الناس على دين الله ، إنه لأمر عجب! [قال: فلا يتركه حتى يقيمه، فلما قدم محمد بن سليمان جمع جماعة فكلمه؛ فأذن له وجلس في المسجد]. فلم يجلس في المسجد إلا برخصة. ونحن في الحقيقة أردنا أن نستبشر خيراً بسرد كلام السلف؛ لأن سرد كلام السلف فيه نور وبركة عظيمة جداً، فأردنا أن نسعد بسماع وقراءة كلام سلفنا ﵃ أجمعين.

стр. 296

الأسئلة

стр. 297

حكم تحية المسجد لمن لا ينوي مفارقته السؤال هل يلزم المرء سنة تحية المسجد إذا أراد أن يخرج من المسجد إلى الحمام، أو ليشرب ويرجع، أو يكلم طالباً له أو غير ذلك؟ الجواب هناك فرق بين من يخرج من المسجد ينوي مفارقة المسجد، ومن خرج من المسجد لا ينوي المفارقة، ولا شك أن الحمامات ليست من المسجد، وهذه التوسعات التي حول المسجد ليست من المسجد؛ ولذلك يجوز فيها ما لا يجوز في المسجد من البيع والشراء وغير ذلك، فنقول: إن الذي خرج من المسجد بنية عدم العودة إذا رجع إلى المسجد كان هذا رجوعاً جديداً يلزم منه تحية المسجد؛ لقوله ﵊: (إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين). أما إذا خرج بنية العودة وكان خروجاً يسيراً للحمام أو أن يكلم واحداً في الخارج، كأن يكلم أهله، أو يقضي شيئاً يسيراً ويرجع مرة أخرى؛ فإن هذا لا يلزمه تحية المسجد. والله تعالى أعلم.

стр. 298

حكم لبس المرأة للنقاب أثناء العمرة السؤال ما حكم لبس المرأة للنقاب أثناء العمرة؟ الجواب يعني: أثناء الإحرام، والنبي ﵇ يقول: (لا تنتقب المرأة المحرمة)، فالنقاب مخالف لهدي النبي ﵊ في الحج والعمرة عند الإحرام، ولكن للمرأة أن تطرح ثوبها على رأسها فيسدل على وجهها، وهذا لا يعد نقاباً، لا يسمى في لغة الاصطلاح: نقاباً، فلو طرحت المرأة مثلاً البيشة على رأسها، فنزلت فغطت وجهها غطاءً أو غطاءين أو ثلاثة كما تشاء المرأة، فإن هذا ليس من النقاب في شيء، بل النقاب هو المعروف لدينا: الذي تعصب به المرأة رأسها؛ ولذلك لا تعصب المرأة بثوبها رأسها في الإحرام.

стр. 299

بيان ما يفعله الطبيب إذا علم أن امرأة فضت بكارتها من غير زوجها السؤال يقول الطبيب: أتاني رجل بزوجته ولم يمر على زواجهما أكثر من أسبوع، ولكنه عند جماعه إياها لم ير دم البكارة. فهل يجوز لي أن أخبر زوجها بحقيقة الأمر؟ الجواب نعم. يجب عليه أن يخبره بحقيقة الأمر؛ لأن هذا الرجل إذا كان طيباً فكيف له أن يعاشر امرأة قد جامعها غيره في حرام، وإن هذا من العيوب المؤثرة في إتمام الزواج أو في استمراره، فهناك من العيوب من إذا أخفاه الزوج أو الزوجة على صاحبه لا يكون مؤثراً في الزواج وفي استمراره، ومن العيوب ما إذا عرفه الطرف الآخر لم يقبل الزواج، كما لو أن المرأة عرفت أن زوجها عنين أو مجبوب أو لا يستطيع أن يصل إلى النساء وإن كان في الظاهر أن له عضواً كأعضاء بقية الرجال، فلها الحق الشرعي في أن تطلق من زوجها. وإذا علم الرجل كذلك أن للمرأة عيباً عظيماً تتأثر به الحياة ولا تستقيم، والزوجة أخفت هذا العيب عن الزوج ولم تطلعه عليه إلا بعد البناء بها أو العقد عليها، فللزوج أن يطلقها كذلك لهذا العيب المؤثر. فأرى أن هذا من العيوب المؤثرة، وكيف يستقيم البيت أو يعتدل المزاج الزوجي مع زوجة لا يُدرى: أكان ذلك منها بنكاح أم بسفاح، خاصة إذا كان هذا الأمر بسفاح فكيف يستقيم الأمر بينهما؟ فأرى أن الطبيب يلزمه أن يصرح لهذا الزوج بما كان من تلك المرأة.

стр. 300

حكم زواج المسيحي من المسلمة والعكس، وحكم تحدث الخطيب عن التبرعات في الخطبة السؤال هل من الممكن تزوج مسلمة من مسيحي، فالمسيحي يقول: إني أريد أن أسلم؟ فالرجاء الإفادة، وهل يجوز للخطيب في الجمعة أن يتحدث عن التبرعات؟ الجواب على أية حال. يجوز أن يتحدث الخطيب عن التبرعات ويحث الناس، والنبي ﵊ كان يحث أصحابه على الصدقة، لكن السؤال الأول وهو البلية العظيمة جداً وكنت أظن أن ذلك معلوم من الدين بالضرورة: أن المسلمة لا تكون تحت كافر قط، والعكس صحيح: أن الكافرة من اليهودية أو النصرانية وأصحاب الكتاب تكون تحت مسلم بشرط أن تكون محصنة حرة عفيفة غير زانية ولا مشركة، كأن تقول: عيسى هو الله أو ابن الله أو أن عزيراً ابن الله أو غير ذلك، فإن هذه مشركة وإن كانت من أهل الكتاب؛ فلا يجوز الزواج منها؛ لأن بعض الناس يتصور أن الزواج بالمسيحية أمر على إطلاقه، وليس الأمر كذلك، إنما الأمر مشروط بألا تكون مشركة، وأن تكون محصنة حرة عفيفة ليست زانية ولا باغية، وأن تكون السيادة في البيت للزوج، وأن يلحق الأولاد به لا بها عند الفراق أو عند استدامة الحياة بينهما. فبهذه الشروط يجوز نكاح الرجل المسلم من المرأة الكافرة الكتابية، أما نكاح المسلمة من الكافر فإنه لا يجوز البتة، ولم يجوزه إلا ضلال الفرق المنحرفة الذين جوزوا مع هذا زواج الأب من ابنته وزواج البنت من أبيها وزواج الأخ من أخته والأخت من أخيها، فإنهم وقعوا في مثل هذا كله، وبالمناسبة قالوا بجواز زواج المسلمة من كافر، فإن هذا أمر لا عبرة به؛ لأن الخلاف هنا غير معتبر. إن النصارى قبل بعثة النبي ﵊ ليسوا كلهم يقولون: إن عيسى ابن الله ولا أنه الله، فإن جلَّ النصارى من قبل بعثة النبي ﵊ يقولون: إن عيسى رسول الله، وبعضهم يقول: ابن الله، والبعض يقول: هو الله، يقولون بالتثليث والتثنية، لكن ليس كل النصارى في زمن النبي ﵊ يقولون هذا؛ ولذلك لو رجعت إلى كتاب بدء الوحي في صحيح البخاري وهو أول كتاب في الصحيح في شرح حديث أبي سفيان صخر بن حرب لما لقي هرقل الروم، لعرفت أن هرقل اختلف أهل العلم فيه: هل آمن بالنبي ﵊ أو لم يؤمن؟ والراجح: أنه لم يؤمن، بدليل أنه حارب النبي ﵊ وحاربه النبي ﵊ في أرض الشام، ولو كان مسلماً لما حارب النبي ﵊. وهناك أدلة كثيرة تشهد بأن هرقل لم يدخل في الإسلام، وإن كانت بعض الروايات أثبتت إسلامه، ولكن أقوى الروايات لم تثبت إسلامه. الشاهد في هذا: أن هرقل كان نصرانياً، ومع هذا أثنى عليه النبي ﵊ في بعض الأحاديث، وأنه من أهل الكتاب، وكان مع هرقل من يقول بهذه الأقوال الثلاثة: أن عيسى ابن الله، وأنه هو الله، وأنه نبي الله. فأنا أقول: إن النصراني يكون أحياناً معه نوع شرك فيما يتعلق بإثبات البنوة أو الألوهية لعيسى، وإذا لم يكن لا هذا ولا ذاك فإنه يبقى على أصل كفره من أهل الكتاب. وهذا عند الإطلاق، فأهل الكتاب في كتاب الله وفي سنة الرسول ﷺ يطلق على من يقول: إن عيسى رسول الله ﷺ وإن كان كافراً.

стр. 301

حكم الجمع بين نية تحية المسجد والسنة الراتبة في ركعتين السؤال أيهما أولى بالتقديم: تحية المسجد أو السنة الراتبة؟ الجواب ما المانع أن تجمع بينهما بنيتين؟ يعني: تصلي السنة بنيتين، وهذا مذهب جمهور العلماء: أن صلاة النوافل تجمع فيها النيات المتعددة، نيتان وثلاث وأربع وخمس وعشر إن شئت.

стр. 302

حكم تشميت المرأة الأجنبية إذا حمدت الله السؤال هل يشمت الرجل المرأة الأجنبية إذا عطست وقالت: الحمد لله؟ الجواب في الحقيقة النص عام، حديث أبي هريرة في الصحيحين قال النبي ﵊: (حق المسلم على المسلم ست، ومنها: وإذا عطس فحمد الله فشمته)، وحق المسلم للذكر من باب التغليب، وإلا فالأصل حق المسلم على المسلم والمسلمة على المسلمة وحق المسلمين بعضهم على بعض، هذا هو الأصل، لكن القضية ترجع إلى فرع آخر، وهو إذا كان ذلك له تعلق بالفتنة بين الرجال والنساء فإنه لا يشمتها كالسلام تماماً، فإنه من حق المسلم على المسلم إذا لقيه أن يسلم عليه، وأن يرد ﵇ وهذا من الواجبات، فإذا كان سلام الرجل على المرأة أو العكس فيه فتنة لهما؛ فإنه لا يسلم، بمعنى إلقاء السلام لا المصافحة، أما المصافحة فممتنعة تماماً بين الرجال والنساء ما لم يكونوا من المحارم، وكذلك تشميت العاطس على النحو من هذا.

стр. 303

حكم مصافحة المرأة الكبيرة في السن السؤال هل يجوز مصافحة المرأة الكبيرة في السن؟ الجواب المصافحة لا تجوز قط، والنبي ﵊ كان في زمنه نساء عواجز كثر، ولم يثبت أنه صافح واحدة منهن، بل ثبت العكس أن عائشة كما ورد في الصحيح تقول: (ما مست يد النبي ﵊ يد امرأة لا تحل له)، وفي رواية: (أجنبية عنه قط)، فالنبي ﵊ هو أسوة لهذه الأمة. أما البنت الصغيرة التي لم تبلغ الحلم فلا حكم لها، يجوز مصافحتها والسلام عليها وغير ذلك؛ لأنها بنت لا تشتهى، صغيرة في السن جداً، والواحد يتعجب من الإخوة الذين يشددون في الأمور قليلاً، فلا يرضى أن يسلم على البنت التي عمرها سنتان أو ثلاث. وهناك من البنات الصغيرات من تشتهى فعلاً، كأن تكون جميلة وبيضاء وشعرها جميل للغاية، فإذا لم تبلغ البنت ولم تحدثك نفسك بشيء من هذا فاعلم أن الأمر على الستر والسلامة، وإذا حدثتك نفسك فابتعد، والأولى أن تلحق هذه البنت وإن لم تبلغ الحلم ببقية النساء. ومسألة مصافحة العجائز لم ترد في كتب السلف على أية حال، فالشخص يرى واحدة كأمه أو جدته أو أكبر من ذلك، وإذا بها تقول له: خذ بيدي يا بني! وهي امرأة عجوز جداً، وهذا لا يمكن أبداً، فإذا كان ذلك لحاجة ماسة أو ضرورة ملحة؛ فعلى الشخص أن يمسك بذراعها، أو يمسك بثوبها ليدلها على الطريق، وأنا نفسي أفعل هذا، وأفعله بحرج كبير، لكن من باب الرحمة ومساعدة المحتاج وفك كرب المكروبين، ولا يخطر بالبال قط شيء مما يدور في ذهنك ورأسك، إذ إنها امرأة تتجاوز سبعين أو ثمانين سنة، فكيف تشتهى هذه المرأة من شاب عنده من العمر عشرون أو ثلاثون سنة أو أربعون سنة؟!

стр. 304

الحكم على حديث: (أنتم أعلم بأمور دنياكم) السؤال هل الحديث: (أنتم أعلم بأمور دنياكم) حديث صحيح؟ الجواب نعم. حديث صحيح، قاله النبي ﵊ بمناسبة أنه نهى الناس عن تلقيح النخل، فلم يثمر النخل في ذلك العام، فقال النبي ﷺ في العام المقبل لما سألوه: (أنتم أعلم بأمور دنياكم) يعني: افعلوا ما شئتم.

стр. 305

شرح حديث: (إن الله تجاوز لي عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه) السؤال قال ﵊: (إن الله تجاوز لي عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه)، ما معنى هذا الحديث؟ الجواب ليس معنى هذا الحديث كما يتبادر إلى بعض الأذهان أنه ليس هناك شيء اسمه خطأ ولا نسيان ولا إكراه، بل إن الخطأ واقع، والنسيان واقع، والإكراه واقع، ولكن لو وقع منك فعل خطأ أو معصية على سبيل الخطأ أو على سبيل النسيان أو على سبيل الإكراه، فإن الله لا يحاسبك عليها. ولنضرب أمثلة على ذلك: الخطأ أو النسيان مثلاً في الصلاة، كشخص صلى الظهر فقام إلى الركعة الخامسة، فلو قام متعمداً لبطلت جميع صلاته من أولها إلى آخرها؛ لأنه زاد عن النص بغير نص وخالف الهدي فيحاسب على ذلك، لكن إذا قام إلى الخامسة نسياناً فلا تبطل صلاته، وقد وقع منه الخطأ والله لا يحاسبه عليه؛ ولذلك يجبر خطؤه بسجدتي السهو. والإكراه واقع، ولكن الله تعالى لا يحاسبك عليه، فلو أتى السلطان مثلاً فهجم على بيتك بالليل، وانتهك حرمتك، وكشف سترك وعرضك، فوجد أن امرأتك جميلة مثلاً، فقال لك: طلق هذه المرأة، فقلت: لا، لن أطلقها. هذه امرأتي وأم أولادي، وأنا أحبها وأحتفظ بها، فقال لك: تطلقها وإلا سنعمل فيك كذا وكذا؟ وبدأ فعلاً في تنفيذ ما هدد به من ضرب وركل وكهربة وغير ذلك من أساليب التعذيب، فبلغ بك التعذيب حداً لا تحتمله؛ فخشيت على نفسك من الهلاك، فقلت مكرهاً: امرأتي طالق؛ ليتزوجها هو، فهل هذا الطلاق يقع صراحة؟ الجواب لا يقع. فقوله ﵇: (رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه)، المعنى: رفع إثم ذلك عن أمته، فالمرفوع هو الإثم وليس الفعل؛ لأن الفعل واقع منك، والخطأ واقع، والنبي ﵇ نفسه نسي، كما ثبت في الصحيح: (أن النبي ﵊ كان في بيت عائشة فسمع رجلاً يقرأ في المسجد فقال: رحم الله فلاناً؛ أذكرني آية كنت قد أنسيتها)، فالنسيان واقع حتى من النبي ﵊، ولكن نسيان النبي ﵊ لا تعلق له بالوحي، فإنه لم ينس شيئاً من الوحي إلا بعد أن بلغه لأصحابه، فكان محفوظاً لدى الأصحاب، فلا يضر بعد ذلك نسيان النبي ﵇ له أو تذكره؛ لأنه قد بلغ أولاً، كما أنه صلى العصر وفي رواية الظهر في حديث (ذي اليدين) ركعتين، فهمهم القوم، فقام رجل طويل اليدين، فرفع يديه وقال للنبي ﵊: (يا رسول الله! أقصرت الصلاة أم نسيت؟ قال: ما قصرت وما نسيت) يعني: وما أظن أني نسيت. (فقال: إنك صليت بنا ركعتين، فقام النبي ﵇ وكبر وصلى ركعتين ثم سجد للسهو)، وهذا يدل على النسيان؛ لأنه ما كان للنبي ﵊ أن يصلي الظهر ركعتين متعمداً، فالنسيان واقع حتى من الأنبياء، وهذا أمر لا يخل بالشرع؛ لأن نسيان الأنبياء بعد البلاغ لا قبل البلاغ، ومادام قد بلغ فإن البلاغ محفوظ لدى الأصحاب بدليل أنهم أنفسهم ردوا عليه ﵊. فالخطأ واقع والنسيان واقع والإكراه موجود، وما أكثره خاصة في هذا الزمان، ولكن إثم الأفعال الناجمة عن الخطأ والنسيان والاستكراه لا يأثم عليها المخطئ ولا الناسي ولا المكره، إنما يأثم بها المكرِه لا المكرَه، والعلماء لهم كلام فيمن أكره على العصية، فيجمعون على استحباب أن يهلك المرء دون الوقوع في المعصية، وإذا لم يحتمل الإكراه فإنه لا بأس عليه في اقتراف المعصية، والرأي الأول أحب وأولى.

стр. 306

الحكم على أحاديث الذهب المحلق السؤال أحاديث الذهب المحلق والتي جاء بها فضيلة الشيخ الألباني هل هي صحيحة أم ضعيفة؟ وإذا كانت صحيحة كيف العمل بها؟ الجواب في الحقيقة هذه المسألة يخالف فيها الشيخ الألباني جماهير علماء الأمة قديماً وحديثاً، وإن كانت صحيحة إلا أنها مؤولة بمنع الزكاة، أو البخل بالتصدق بها أو إعارتها، أو غير ذلك مما ذكره أهل العلم. وأما التفريق بين المحلق وغير المحلق فهذا مذهب جديد لشيخنا لم يسبق إليه، والله تعالى أعلم. وكل إنسان يخطئ ويصيب.

стр. 307

حكم صوم الولد عن والده السؤال هل يجوز للولد الصيام عن والده الذي توفي، وهل يصل ثوابه للميت؟ الجواب نعم. النبي ﵊ يقول: (من مات وعليه صوم صام عنه وليه)، واختلف أهل العلم في نوع هذا الصيام: هل هو صيام الفرض أو صيام الواجب؟ فصيام الواجب كصيام النذر أو صيام الكفارات، وصيام الفرض هو شهر رمضان لا غير، فهل قوله ﵇: (من مات وعليه صوم)، يشمل الواجب والفرض على السواء أم يشمل الواجب فقط؟ جمهور أهل العلم على أن ذلك متعلق بالواجب فقط دون الفرض، وأن الفرض يكفيه الكفارة، أي: إطعام مسكين عن كل يوم وجبتين، وبعض أهل العلم يقولون: الصوم متعلق بالواجب والفرض على السواء. أقول قولي هذا، وأستغفر الله تعالى لي ولكم. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

стр. 308

شرح أصول اعتقاد أهل السنة - من أفتى فيمن قال القرآن مخلوق الكلام صفة من صفات الله تعالى، والقرآن كلام الله غير مخلوق، والله يتكلم كيفما شاء ومتى شاء، ومن قال غير هذا فقد ضل سواء السبيل، وخالف مذهب أهل السنة والجماعة، وقد حكم عليه أئمة الإسلام بأحكام غليظة هي لازم تكفيرهم له، فقالوا في معتقد ذلك أنه لا يرث ولا يورث، وماله فيء للمسلمين إن مات، وامرأته تبين منه بينونة كبرى، ولا ينكح، ولا يصلى خلفه، ولا يعاد إذ مرض ولا تشهد جنازته، وما ذاك إلا لعظيم فريته، وخطر ما قال به من فساد معتقده.

стр. 309

سياق ما روي عمن أفتى فيمن قال القرآن مخلوق إن الحمد لله تعالى، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. فلا يزال الكلام موصولاً عن كتاب الله المتمثل في صفة الكلام، وهو: أن القرآن العظيم كلام الله تعالى غير مخلوق، وقد فرغنا من تصحيح الاعتقاد في أن كلام الله هو صفة من صفاته سبحانه، وأن من قال: إن كلام الله تعالى مخلوق فلاشك أنه قد حاد عن جادة الصواب، وانحرف عن عقيدة النبوة. وهذا الباب الذي نحن بصدده انعقد في إفتاء من أفتى فيمن قال بأن القرآن مخلوق، أي: في حكم من قال: إن القرآن مخلوق.

стр. 310

اضطراب مالك في إصدار الحكم على من قال القرآن مخلوق لقد اضطرب الإمام مالك عليه رحمة الله في إصدار الحكم على من قال: بأن القرآن مخلوق، فقال تارة: اقتلوه، وفي مرة أخرى سئل فقال: سلوه واستتيبوه، فإن تاب وإلا فاضربوا عنقه. فهل يقتل دون أن يسأل ويستتاب، أو لابد من استتابته ثلاثة أيام فإن تاب وإلا قتل؟ قال مالك في مرة ثالثة: ربما كان مخطئاً. فمن قال: إن القرآن مخلوق إما أن يكون مخطئاً، أو متأولاً، أو معاند. فاضطرب مالك عليه رحمة الله في إطلاق هذه الأحكام، وأما غيره فقد ورد عنه الاستتابة مرة واحدة، وغيرهم ورد عنه القتل مباشرة.

стр. 311

الجمع بين ما ورد عن سلفنا في حكم من قال القرآن مخلوق وبعد قراءة ما ورد عن سلفنا فيما يتعلق بحكم من قال: بأن القرآن مخلوق؛ خرجنا بنتيجة تأليفاً لأقوالهم، وعدم تضاربها: بأن من قال: القرآن مخلوق وهو جاهل لا يعلم ذلك فإنه يعلم ولا يستتاب؛ لأنه جاهل، فبمجرد أن يتعلم فإنه يترك هذا الخطأ الذي كان عليه، وينحاز إلى مذهب أهل السنة والجماعة، وإنما سمع الناس يقولون: مخلوق، فقال: مخلوق، وهو لا يدري ما معنى هذه الكلمة ولا ما خطورتها، وأما من قال ذلك متأولاً -والتأويل في هذه القضية غير سائغ ولا معتبر- فإنه لابد أن يستتاب، فإن تاب وإلا قتل. وأما من قال ذلك عناداً وجحوداً وهو يعلم خطورة الأمر فإنه يقتل دون أن يستتاب، ولو أنك تصفحت كلام أهل العلم لخرجت بهذه النتيجة؛ ولذلك سئل أحمد بن حنبل ﵁ ورحمه عمن قال: القرآن مخلوق ما هو؟ قال: كفر، وقائله إما مخطئ فيعلم، وإما عالم فيقتل. وأرجو أن ينسحب الكلام الذي قلناه في هذه الصفة على صفات الله كلها، فهذا كلام ذكرناه على صفة الكلام لله ؛ لأن المناسبة استدعت ذلك، وأن الفتنة قامت فيما يتعلق بهذه الصفة، فوضع كل أصولاً؛ ليمشي عليها بقية جماعته وفرقته؛ فوضع أهل السنة في مقابل أصول أهل البدعة أصولاً؛ لتجري هذه الأصول على بقية الصفات، فإذا كانت صفة الكلام غير مخلوقة لله فكذلك بقية صفاته غير مخلوقة، ولا يجوز أبداً أن نقول عن أي صفة: إنها مخلوقة، فإن صفات الله ﵎ منه وإليه، ولا يجوز أبداً أن تقول: إن الله كان بغير صفات ثم اتصف بهذه الصفات، أو كان بغير أسماء ثم تسمى بهذه الأسماء؛ لأنه يلزمك -والحالة هذه- أن تقول: إن الذات العلية كانت مجردة عن الأسماء والصفات، ثم أحدثها الله ﵎ لنفسه. وقولك: (ثم أحدثها) يعني: ثم خلقها، وهذا بلا شك كفر؛ لأن فيه نسبة النقص إلى المولى ، وأنه كان مجرداً ثم اتصف، وكان مجرداً ثم تسمى، وكأنه كان عاجزاً من أول الأمر أن يتسمى أو يتصف، ثم لما علم سبحانه أن هذا نقص وعيب أراد أن يتمه وأن يكمله؛ فسمى نفسه بأسماء، ووصف نفسه بصفات. فمن جاء عنه ذلك مالك عليه رحمة الله، ومن الخلفاء: أبو جعفر المنصور، وأما من الفقهاء فكثير جداً لا يكاد العد يحصرهم. قالوا لـ مالك: ما تقول فيمن قال: القرآن مخلوق؟ قال: اقتلوه؛ كافر، فقال السائل: يا أبا عبد الله! إني لم أقله، إنما قلت لك: قال إنسان، قال مالك: إنما سمعته منك. يعني أن مالكاً أمر الناس أن يقتلوا الذي سأله، فلم يقل مالك: اقتلوا القائل، وإنما قال: اقتلوا السائل. فقال السائل: أنا أقول لك: إن شخصاً يقول كذا، وأنا لم أقل ذلك، فقال: أنا ما سمعته منه، وإنما سمعت هذا منك. وهذا يدل على حساسية الأمر لدى السلف، وأنهم ما كانوا يحبون أن ينتشر هذا الكلام ولو على سبيل السؤال؛ لأنه باب عظيم من أبواب نشر الفاحشة بين الناس. والفاحشة إن كانت عند إطلاقها تعني: الزنا وتغير الذنوب، إلا أن أعظم من ذلك وأشر هو الكلام في أسماء الله وصفاته بغير علم. وقال سفيان بن عيينة: قال يحيى بن السراج: كنا عند ابن عيينة فتشوش الناس -يعني: أحدثوا أصواتاً متداخلة ومختلطة- فقال ابن عيينة: ما هذا؟ قالوا: قدم بشر المريسي، قال: وما يقول هذا؟ قالوا: يقول: القرآن مخلوق، قال: آتوني بشاهدين حتى آمر الوالي بضرب عنقه. أي: شهد عندي اثنان أو ثلاثة أنه يقول هذا أمرت الوالي أن يضرب عنقه. وعن حفص بن عمر قال: سمعت عبد الرحمن بن مهدي يقول: ما كنت أعرض أحداً من أهل الأهواء على السيف إلا الجهمية. قال الربالي: هم والله كفار. وقال ابن مهدي: لوددت أن أقوم على رأس الجسر فلا يمر أحد إلا سألته، فإن قال: القرآن مخلوق؛ ضربت عنقه، وألقيته في الماء. فهذا عبد الرحمن بن مهدي إمام عظيم جداً من أئمة السنة، وهو شيخ الإمام الشافعي، قال: من زعم أن الله لم يكلم موسى بن عمران تكليماً فإنه يستتاب، فإن تاب وإلا ضربت عنقه. وقال وكيع بن الجراح: من زعم أن القرآن مخلوق فقد زعم أن القرآن محدث -أي: حادث- ومن زعم أن القرآن محدث فقد كفر بما أنزل الله على محمد ﷺ ، وأرى أنه يستتاب فإن تاب وإلا ضربت عنقه. وهكذا جاء عن عبد الله بن داود الخريبي وغيرهم. وسئل أبو عبيد القاسم بن سلام: ما تقول يا إمام! فيمن قال: القرآن مخلوق؟ قال: هذا رجل يعلم ويقال له: إن هذا كفر، فإن رجع وإلا ضربت عنقه. وهذا النص يستلزم الاستتابة، كما أن فيه عقيدة عظيمة جداً لأهل السنة وهي: مبدأ ورود العذر بالجهل. وعن القاسم قال: من قال: إن القرآن مخلوق فهو شر ممن قال: إن الله ثالث ث

стр. 312

شناعة إنكار صفات المخلوق الثابتة، فكيف بإنكار صفات الخالق إن صفات المخلوقين تختلف عن صفات الخالق ﵎، فلو أنك موصوف بالحلم والناس يعرفون عنك ذلك، فجاء شخص وأنكر أنك حليم، فإنك ستفقد هذا الحلم وتغضب؛ لأنه نفى عنك صفة لازمة لك جبلك الله عليها، إذ إن الصفات إما جبلية، وإما مكتسبة. فالمرء إما أن يولد بصفات جبله الله عليها وخلقه عليها، وإما أن يكتسب هذه الصفات بالتعلم، كما قال النبي ﵊: (إنما العلم بالتعلم، وإنما الحلم بالتحلم). وقيل: إن الحسن البصري ﵀ ذهب إلى السوق ليشتري عبداً سيئ الخلق، فقيل: ولم؟ قال: حتى أتعلم فيه الحلم. يعني: يسيء إلي وأحسن إليه إلى أن يكون الحلم سجيتي. وقال النبي ﵊ لأحد أصحابه: (إن فيك خصلتين يحبهما الله). وفي رواية: أنه قال: (إن فيك لخصلتين من خصال الله ، ومن صفات الله : الحلم والأناة. قال: يا رسول الله! أجبلني الله عليهما، أم أنهما مكتسبتان -كما في معنى الرواية- قال: بل جبلك الله عليهما، يعني: خلق فيك هاتين الخصلتين، فالصفات إما جبلية، وإما مكتسبة. والشاهد من هذا الكلام: أنه لو أتى واحد وأنكر عليك صفة ونفاها عنك وأنت متصف بها على الحقيقة مجبول عليها، فإنك تغضب غضباً شديداً جداً؛ لأنه قد نفى عنك الصفة، فما بالكم بمن ينفي الصفات اللازمة لله ، وله المثل الأعلى؟!

стр. 313

الأحكام المترتبة على مقالة: إن القرآن مخلوق إن هذا الأمر خطير؛ ولذلك حاز اهتمام الأئمة والخلفاء والراشدين، بل قال بعض أهل العلم: إن من قال: القرآن مخلوق لا يرث ولا يورث، فإذا مات أحد من أقربائه وله في ماله ميراث فإنه لا يرثه، وإذا مات هو فإن ماله فيء للمسلمين، وليس لأحد من الورثة أن يطالب بشيء منه؛ لأنه لا توارث بين أهل ملتين، فلا يرث المسلم الكافر، ولا الكافر المسلم. فمن قال: القرآن مخلوق لا يرث ولا يورث، وامرأته تبين منه بينونة كبرى، أي: كأنه بمثابة من طلق امرأته ثلاثاً وبانت عنه بينونة لا رجعة فيها؛ ولذلك قال عبد الله بن المبارك: سمعت الناس منذ (٤٩) سنة يقولون: من قال: القرآن مخلوق فامرأته طالق ثلاثاً البتة. قلت: ولم ذاك؟ قال: لأن امرأته مسلمة، والمسلمة لا تكون تحت كافر. وكثير من أهل العلم قالوا: من قال: القرآن مخلوق لا ينكحون، ولا يصلى خلفهم، ولا يعاد مرضاهم، ولا تشهد جنائزهم، وإن موالاة الإسلام انقطعت بينهم وبين المسلمين. فانظروا إلى هذا الكلام الخطير العظيم الذي يدل على أن من قال ذلك -وهو عالم بما يقول- فهو خارج ومارق ومرتد عن ملة الإسلام.

стр. 314

حكم العلماء على الواقفية وقال أحمد: الواقفي لا يشك في كفره. أي: من قال: أنا متوقف في هذه القضية، فلا أقول: إنه مخلوق، ولا إنه غير مخلوق، فإن وقف لجهل منه فإنه يعلم، وإن وقف وهو يعلم أنه كلام الله غير مخلوق فإنه شر ممن قال: إنه مخلوق. ولذلك قال أحمد: إنما يقول: أتوقف يستتر بها من قوله: مخلوق. وفي رواية أخرى قال: فإن من قال: القرآن مخلوق فهو كافر، وإن من وقف في إثبات أن القرآن كلام الله غير مخلوق، وقال: أنا لا أقول بأنه مخلوق ولا غير مخلوق؛ فهو شر من الذي يقول: إنه مخلوق. فلا يجوز اعتقاد أن كلام الله مخلوق، كما لا يجوز التوقف في أن كلام الله غير مخلوق.

стр. 315

معنى أن القرآن كلام الله حقيقة إن سياق الآيات في كتاب الله تعالى، وما روي عن رسول الله ﵊ والصحابة والتابعين يدل على أن القرآن تكلم الله به على الحقيقة، وأهل السنة والجماعة لم يلجئوا لهذه المصطلحات إلا في مقابل مصطلحات أهل البدع؛ لأن أهل البدع يقولون: القرآن كلام الله، وأهل السنة يقولون: القرآن كلام الله، لكن أهل البدع يقولون: مخلوق، وأهل السنة يقولون: غير مخلوق، فهم مشتركون في اعتقادهم أن القرآن كلام الله، ومختلفون في أنه مخلوق أو غير مخلوق، فأهل السنة وأهل البدعة متفقون على الله تكلم بهذا الكلام، لكن من أهل البدع من يقول: إن القرآن هو كلام الله تكلم به مجازاً. ومنهم من يقول: إن القرآن كلام الله تكلم به كلاماً نفسياً. ومعنى ذلك: أن الله تعالى تكلم بهذا الكلام، لكنه كلام ليس بحرف ولا صوت، إذ إن جبريل ﵇ علم ما دار في نفس الله وما أراد أن يتكلم به، فعبر عما دار في نفس الله ، فعلى ذلك يكون القرآن من كلام جبريل لا من كلام الله ، وهذا قول الأشاعرة، فإنهم لا يثبتون أن الله تكلم بهذا الكلام بحرف وصوت، وإنما يقولون: إن الله تكلم كلاماً نفسياً، يعني: أصل هذا الكلام دار في نفس الله ، فنقله إلينا جبريل، فلم يتكلم الله تعالى به على الحقيقة بحرف وصوت. والأشاعرة والماتريدية -وهم من أضل فرق المسلمين- قال عنهم الأزهريون: هم من أهل السنة والجماعة. وليس الأمر كذلك، بل هذا من باب الخلط واللبس، فالأشاعرة ليسوا من أهل السنة، والماتريدية شر منهم، وليسوا من أهل السنة كذلك، فأهل السنة والجماعة يعتقدون أن الله ﵎ تكلم بهذا الكلام على الحقيقة بحرف وصوت، لكن بحرف وصوت يليق به ، فليس كحرفي وصوتي، فانتبه.

стр. 316

سياق ما دل من الكتاب والسنة والإجماع على أن القرآن كلام الله على الحقيقة قال المصنف رحمه الله تعالى: [سياق ما دل من الكتاب والسنة والإجماع على أن القرآن تكلم الله به على الحقيقة]. وكلمة (على الحقيقة) وضعها أهل السنة للرد على من قال: إن كلام الله مجازي، وإن كلام الله نفساني، فكلام الله على الحقيقة، تكلم به بحرف وصوت، وأنزله الله على محمد ﷺ من السماء، وهذا يدل بمفهوم الموافقة أو بالاستنباط على أن الله ﵎ مستوٍ على عرشه، بائن من خلقه، وقد أنزل هذا القرآن على محمد وأمره أن يتحدى به، وهذا يدل على أن القرآن معجز ولا يستطيع أحد أبداً أن يأتي ولو بآية من مثل كتاب الله ، وأمر الله محمداً ﷺ أن يدعو الناس إليه، وهذه صفة خامسة: أن النبي ﵊ بعد البيان لابد أن يدعو الناس إلى هذا القرآن، وأنه القرآن على الحقيقة، يعني: تكلم الله به بحرف وصوت. قال: [متلو في المحاريب، مكتوب في المصاحف، محفوظ في صدور الرجال، ليس بحكاية ولا عبارة عن قرآن]. أي: ليس بقصة افتعلها جبريل، ولا عبر جبريل عن هذا الكلام الذي دار في نفس الله . فقوله: (ولا عبارة عن قرآن) يعني: هو كلام الله على الحقيقة. قال: [وهو قرآن واحد غير مخلوق وغير مجعول -والمجعول بمعنى: المخلوق- ومربوب -أي: وغير مربوب- بل هو صفة من صفات ذاته، لم يزل به متكلماً -يعني: يتكلم في أي وقت شاء- ومن قال غير هذا فهو كافر ضال مضل مبتدع مخالف لمذهب أهل السنة والجماعة]. هذا مجمل عقيدة أهل السنة والجماعة فيما يتعلق بكلام الله ، كما قال الله تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء:١٦٤]، فالله تعالى يتكلم، وقد كلم موسى، والذي يقول: إن الله لم يكلم موسى معناه: أنه مكذب للقرآن، منكر لهذه الصفة. وقال الله تعالى: ﴿إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالاتِي وَبِكَلامِي﴾ [الأعراف:١٤٤]. وقال تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ﴾ [التوبة:٦]، يعني: أن الله يتكلم. وقال تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ﴾ [الفتح:١٥]. فالله يتكلم بكلام أنزله من السماء على نبيه؛ ولذلك قال الله : ﴿وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ﴾ [النمل:٦]. وقال تعالى: ﴿وَهَذَا ذِكْرٌ مُبَارَكٌ أَنزَلْنَاهُ﴾ [الأنبياء:٥٠]. وقال تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الأَلْبَابِ﴾ [ص:٢٩]. فهذه الآية لها حكاية وقصة عصرية، إذ كل زعيم في كل زمان يبحث له عن آية تناسبه، فيتأول القرآن هؤلاء المنافقون الزنادقة ويتأكلون به، فيصرفون كلام الله على غير مراده، وهكذا إلى أن ظهر الرئيس مبارك، فيقال: ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ﴾ [ص:٢٩]، والله إن هذا التأويل قد حدث في جامع الأزهر. وقال تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل:٨٩]، إذاً: هذا القرآن منزل من عند الله . وقال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ * نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ﴾ [الشعراء:١٩٢ - ١٩٣] أي: جبريل ﵇. فأشار الله إلى أن كلامه غير مخلوق، وهو منزل منه سبحانه، فمن قال: إن القرآن هو الذي في السماء -أي: في اللوح المحفوظ فقط دون الذي بين أيدينا- أو من قال: إن القرآن في السماء -يعني: لم يتكلم به الله وإنما دار في نفسه- فقد خالف الله ورسوله، ورد معجزات نبيه، وخالف السلف من الصحابة والتابعين والخالفين لهم من علماء الأمة. وقال عكرمة: سمعت أبا هريرة يقول: إن نبي الله ﷺ قال: (إذا قضى الله الأمر في السماء ضربت الملائكة بأجنحتها خضعاناً لقوله)، والضمير يعود على الله (خضعاناً لقوله)، إذاً: فهو يتكلم، قال: (كأنها سلسلة على صفوان)، والصفوان: هو الحجر أو الجبل الأملس. قال: (فإذا فزع عن قلوبهم قالوا: ماذا قال ربكم؟ قالوا: الحق، وهو العلي الكبير)، أخرجه الإمام البخاري في صحيحه. وعن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : (إذا تكلم الله بالوحي سمع أهل السماء صلصلة كجر السلسلة على الصفا فيصعقون، فلا يزالون كذلك حتى يأتيهم جبريل، فإذا جاءهم جبريل فزع عن قلوبهم، فيقولون: يا جبريل! ماذا قال ربك؟ قال: يقول الحق، قال: فينادون الحق الحق)، فيرددون أن الله تعالى يتكلم بالحق. وهنا منقبة عظيمة لـ عبد الله بن مسعود أن

стр. 317

تحريم السفر بالقرآن إلى أرض العدو المحارب وعن ابن عمر ﵁: (أن النبي ﷺ نهى أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو؛ مخافة أن يناله العدو)، والحديث عند البخاري ومسلم. إن الانجليز والفرنسيين أعداؤنا، وكل من لم يكن مسلماً فهو عدو لنا، وها نحن نسافر بالقرآن إلى أمريكا وروسيا ولبنان -لبنان تعتبر نصرانية- فإنا لله وإنا إليه راجعون، فما الموقف من فعلنا وواقعنا مع نهي النبي ﵊ ألا يسافر بالقرآن إلى أرض العدو مخافة أن يناله العدو؟ إنك عندما تصل إلى المطار فإنه يفتشك ويلاقي بجيبك مصحفاً فيقوم يأخذه منك، ويرميه في الزبالة، فماذا تعمل في هذه الحالة؟ إن لم تقتله لن ترجع إلى هذا البلد مرة أخرى. إن هذا الحديث ليس على ظاهره، بل المراد منه معنى آخر، فكل من لم يكن مسلماً فهو عدو لك، لكن هناك من الأعداء من هو محارب، ومن الأعداء من هو مسالم. فهناك فرق عظيم جداً بين ديار الكفر وديار الحرب، فدار الحرب كفر أصلاً، ولكنها زادت أنها رفعت لواء الحرب مع دار الإيمان، والحرب والله لابد أن تدور، ولابد أن يكتب النصر لأهل الإيمان، فنسأل الله ﵎ أن يعجل بما وعدنا به. والعدو ينقسم إلى محارب ومسالم، فأما المسالم فإن النهي لا ينطبق عليه، وأما المحارب فينطبق النهي عليه، وهذا مقصود الحديث. مثال ذلك: الحرب التي دارت بين مصر وإسرائيل في فلسطين، ففي هذه الآونة من الحرب لا يجوز قط لواحد أن يأخذ معه المصحف ويدخل به فلسطين؛ لأن غلبة الظن أن القرآن يتعرض للإهانة، وأن العدو ينال منه؛ لأن البلدين في حالة حرب. واحترام اليهودي لكتاب الله ليس معناه: أنه محب للقرآن، بل هو عدو وخبيث ومجرم، وأقرب إلى أن يكون محارباً، لكن ليس هناك حرب بين البلدين الآن، فنهى النبي ﵊ من أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو المحارب.

стр. 318

الأمر بتعاهد القرآن يقول عبد الله: عن النبي ﵊: (بئس ما لأحدهم أن يقول: نسيت آية كذا وكذا، بل هو نسي). وهذا القول فيه كراهة شديدة، كذلك قول النبي ﵊ كما في البخاري: (لا تقل: نسيت آية وكذا، وإنما قل: نسيت آية كذا وكذا). يعني: أن الذي أنساك هذه الآية هو الشيطان، فقال عبد الله: تعاهدوا هذه المصاحف -وربما قال: القرآن- فلهو أشد تفلتاً من صدور الرجال من النعم من عقلها. وانظر إلى الإبل حين تتفلت من عقالها ورباطها، ثم تنطلق في الصحراء، فكذلك القرآن إن لم يتعاهده صاحبه فإنه يتفلت منه.

стр. 319

حكم من قال: لفظي بالقرآن مخلوق قال أهل العلم بكفر من قال لفظي بالقرآن مخلوق، ولا فرق بينه وبين من يقول: القرآن مخلوق؛ لأن قوله: لفظي يعني: ملفوظي بالقرآن، أي: الذي تلفظت به مخلوق، بخلاف قولك: تلفظي بالقرآن يعني: حركة اللسان والفم والأضراس والحلقوم والصوت والحروف، فكل هذا قد خلقه الله فيك، وأما المنطوق والمتلو والمقروء والملفوظ فإنه ليس بمخلوق. فقولك: لفظي بالقرآن مخلوق يعني: القرآن الذي تلفظت به مخلوق، وهذا بلا شك قول كفر، بخلاف قولك: حركاتي أنا قد خلقها الله في، فحركة شفتيك ولسانك هذه مخلوقة بلا شك.

стр. 320

رؤية العبد النبي ﵊ في المنام، وما تقوله الصوفية في معنى اليقين قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب: ما روي عن النبي ﷺ في أن من رآه في النوم فقد رأى الحق، والنبي حق ﷺ ، وأن الشيطان لا يتمثل به -أي: لا يأتي في صورته- وفيمن رآه وسأله عن القرآن فأجاب بأنه غير مخلوق من العلماء والسلاطين]. هذا باب عظيم في الرؤيا، والرؤيا من الله ، والحلم من الشيطان. فالرؤيا التي هي من عند الله مبشرات، وهي عاجل بشرى المؤمن، وهي منحة الله ﵎ لعباده الصالحين في الدنيا، ولا يعني ذلك: أن هذه الرؤيا يؤخذ منها الأحكام والعقائد، بل هي مبشرات فقط؛ ولذلك قال النبي ﵊: (من رآني في المنام فسيراني حقاً، أو قال: فكأنما رآني في اليقظة؛ فإن الشيطان لا يتمثل بي). وقد يأتي إليك الشيطان ويقول لك: أنا النبي؛ وهو كذاب، أو يقول لك: أنا محمد، أو يقول: أنا رأيت النبي ﷺ وهو يقول لك: كيت وكيت، ورفع عنك الصلاة والصوم والزكاة والحج، ورفع عنك كل شيء، ويقول: ما دمت قد بلغت درجة اليقين فليس عليك عبادة، فأنت رجل بلغت درجة لم يبلغها أحد من الأمة ولا حتى أنا. فهؤلاء المجرمون يقولون: سقطت عنا التكاليف؛ لأننا بلغنا مرحلة اليقين، والله تعالى يقول: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [الحجر:٩٩]، ونحن قد حصلنا على مرتبة اليقين التي ليس بعدها يقين؛ ولذلك وضعت عنا العبادة. فنقول لمثل هؤلاء: هل بلغت من اليقين مبلغاً لم يبلغه النبي ﵊؟! إن عمر طعن وهو يصلي، وأبو بكر الصديق صلى إلى آخر لحظة في حياته، وكل الصالحين وأهل السنة يصلون ولم يرفع عن واحد منهم قط شيء، ولم يرفع عنهم خلق من أخلاق النبي ﵊ فضلاً عن عبادة أو واجب أو فرض من الفروض، واليقين في الآية كما يفهمه القاصي والداني هو الموت. فبعد الموت محاسبة على ما مضى من تقصير وتفريط، والصوفية يقولون: اليقين درجة من درجات التوكل على الله ، يبلغها المرء فيكشف له الحجاب، وكل هذا كذب. فهذا عبد القادر الجيلاني -وهو ممن تزهد، وقد أثنى عليه شيخ الإسلام ابن تيمية عدة مرات- أتاه الشيطان في صورة شيء عظيم، فقال له: يا جيلاني! أنا ربك، وقد وضعت عنك كل شيء، فقال الجيلاني: اخسأ أي عدو الله! فذهب ولم ير شيئاً بعد ذلك. وشيخ الإسلام ابن تيمية في ترجمة الجيلاني يثني عليه ثناءً قوياً، ويقول: هذه هي الولاية لله حقاً. فالشاهد: أن الشيطان لا يتمثل في حقيقة النبي ﵊ ولا يستطيع، لكن قد يأتي في صورة أخرى غير صورة النبي ﵊ ويدعي أنه النبي، فقد ادعى أنه الله ، وقد ادعى أنه الإله، فكيف لا يدعي أنه نبي في صورة غير صورة النبي؟! فالشيطان قد يتمثل على هيئة أخرى ويدعي أنه محمد، ثم يلقي بعد ذلك مفترياته على ذلك الرائي أو صاحب الحلم. قال النبي ﷺ : (من رآني فإنما رأى الحق). وقال ﵊: (الرؤيا الصالحة يراها المسلم أو ترى له جزء من ستة وأربعين جزءاً من النبوة). فالرؤيا الصالحة يراها العبد لنفسه أو ترى له، وهي جزء من ستة وأربعين جزءاً من النبوة، وهذه منحة من الله . وليس معنى ذلك: أن الذي يرى ستاً وأربعين رؤيا يكون نبياً؛ لأنه لا نبي بعده ﷺ ، ولكنها مبشرات.
следующие страницы →